من أحكام النكاح الصداق للمرأة، ويسمى صَدُقة ونِحلة وفريضة ومهرًا وأجرًا، قال تعالى: ﴿وَآتُوا النَّسَاء صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً﴾ [النساء: ٤]، وقال سبحانه: ﴿وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النساء: ٢٥]، وقال: ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ [الممتحنة: ١٠]، ولا يجوز التواطؤ على عدمه، ويجوز إسقاطه بعد العقد بطيب نفس من المرأة، لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِّنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَّرِيئًا (٤)﴾ [النساء: ٤].
والأصل أن يكون الصداق مالًا؛ لقوله تعالى: ﴿أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُم﴾ [النساء: ٢٤]، ولا حد لأكثره ولا لأقله على الصحيح، ويستحب التيسير فيه، وتكره المغالاة.
* * * * *
(١١٦٨) عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ؛ أَنَّهُ أَعْتَقَ صَفِيَّةَ، وَجَعَلَ عِتْقَهَا صَدَاقَهَا. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (^١).
* * *
هذا الحديث أصل في جعل عتق الجارية صداقًا لها.
وفي الحديث فوائد؛ منها:
١ - إباحة سبي نساء الكفار، وصفية ﵂ من سبي يهود خيبر.
٢ - فضيلة صفية أم المؤمنين.
٣ - جواز جعل عتق الجارية مهرًا.
_________________
(١) البخاري (٥٠٨٦)، ومسلم (١٣٦٥).
[ ٢ / ٤٠٩ ]
٤ - أنه لا يشترط رضاها في ذلك، وهذا الحكم في عتق التطوع، لا في العتق الواجب.
٥ - اختلاف أحكام الحر والمملوك.
٦ - أن الأمة لا تكون زوجة لسيدها إلا أن يعتقها، ويجعل عتقها صداقها، فتكون حرة وزوجة.
٧ - أن عقد النكاح لا تشترط له صيغة معينة.
* * * * *
(١١٦٩) وَعَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ؛ أَنَّهُ قَالَ: «سَأَلْتُ عَائِشَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ ﷺ كَمْ كَانَ صَدَاقُ رَسُولِ اللهِ ﷺ؟ قَالَتْ: كَانَ صَدَاقُهُ لِأَزْوَاجِهِ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أُوقِيَّةً وَنَشًّا، قَالَتْ: أَتَدْرِي مَا النَّشُّ؟ قَالَ: قُلْتُ: لَا، قَالَتْ: نِصْفُ أُوقِيَّةٍ. فَتِلْكَ خَمْسُمِائَةِ دِرْهَمٍ، فَهَذَا صَدَاقُ رَسُولِ اللهِ ﷺ لِأَزْوَاجِهِ». رَوَاهُ مُسْلِمٌ (^١).
* * *
هذا الحديث أصل في متوسط قدر الصداق، وهو صداق النبي ﷺ لنسائه، وهو خمسمئة درهم، وأبو سلمة السائل أرضعته أم كلثوم بنت أبي بكر، فعائشة خالته من الرضاعة.
وفي الحديث فوائد؛ منها:
١ - أن متوسط الصداق خمسمئة درهم.
٢ - أن هذا ليس تحديدًا للصداق؛ لأنه فعل فلا يدل على الوجوب.
٣ - أن صداق النبي ﷺ خمسمئة درهم، وهذا في الأغلب، وهو الحاصل من ضرب اثني عشر ونصف في أربعين.
٤ - أن الرسول ﷺ لم يكن يتزوج امرأة إلا بصداق، فلم يتزوج أحدًا من الواهبات، مع أن الله أباحهن له.
_________________
(١) مسلم (١٤٢٦).
[ ٢ / ٤١٠ ]
٥ - أن النش هو النصف، وهو في الحديث نصف أوقية، والأوقية أربعون درهمًا.
٦ - أن غالب النقد في عهد النبي ﷺ الفضة.
٧ - استحباب تخفيف الصداق والتيسير فيه.
٨ - فضل عائشة ﵂، وأنها مرجع في أحكام الدين وهدي الرسول ﷺ.
٩ - أن من طرق التعليم إلقاء السؤال على المتعلمين.
١٠ - حرص السلف على العلم.
* * * * *
(١١٧٠) وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: لَمَّا تَزَوَّجَ عَلِيٌّ فَاطِمَةَ ﵄، قَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «أَعْطِهَا شَيْئًا»، قَالَ: مَا عِنْدِي شَيْءٌ، قَالَ: «فَأَيْنَ دِرْعُكَ الحُطَمِيَّةُ؟». رواه أبُوْ دَاوُدَ والنَّسَائِيُّ، وَصَحَّحَهُ الحَاكِمُ (^١).
* * *
هذا الحديث أصل من السنة في نكاح المفوِّضة، وهي التي لم يسم لها صداق، وقد دل على هذا الحكم قوله تعالى: ﴿لاَّ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاء مَا لَمْ تَمَسُّوهُنُّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً﴾ [البقرة: ٢٣٦].
وفي الحديث فوائد؛ منها:
١ - فضل علي ﵁؛ لزواجه من فاطمة بنت محمد ﷺ، وهي سيدة نساء أهل الجنة.
٢ - إكرام النبي ﷺ له بذلك.
٣ - جواز ترك تسمية الصداق في العقد.
٤ - جواز تزويج الرجل موليته للفقير إذا رضيت به.
_________________
(١) أبو داود (٢١٢٥)، والنسائي في «الكبرى» (٥٥٤١) (٥٥٤٢)، ولم نجده في «المستدرك».
[ ٢ / ٤١١ ]
٥ - أن عليًا ﵁ كان قليل ذات اليد يوم تزوج.
٦ - أن ترك تسمية الصداق لا يسقطه، بل يجب للمرأة مهر المثل أو ما ترضى به.
٧ - أن من كان عليه دين وادعى الإعسار، وكان يعرف له مال فيُسأل عن ماله.
٨ - أن الصداق يكون عُروضًا كما يكون أثمانًا.
٩ - التسامح في أمر النكاح، وتيسير سبله.
١٠ - أن إعداد آلة الحرب لا تصير به وقفًا، بل يجوز التصرف فيها.
* * * * *
(١١٧١) وَعَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «أَيُّمَا امْرَأَةٍ نَكَحَتْ عَلَى صَدَاقٍ، أَوْ حِبَاءٍ، أَوْ عِدَةٍ، قَبْلَ عِصْمَةِ النِّكَاحِ، فَهُوَ لَهَا، وَمَا كَانَ بَعْدَ عِصْمَةِ النِّكَاحِ، فَهُوَ لِمَنْ أُعْطِيَهُ، وَأَحَقُّ مَا أُكْرِمَ الرَّجُلُ عَلَيْهِ ابْنَتُهُ أَوْ أُخْتُهُ». رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالأَرْبَعَةُ إِلَّا التِّرْمِذِيَّ (^١).
* * *
هذا الحديث أصل فيما تستحقه المرأة مما يدفعه الرجل في نكاحها.
وفي الحديث فوائد؛ منها:
١ - أن كل ما يبذل للمرأة قبل العقد من الصداق أو الهدية، فهو ملكها، وكله صداق وإن اختلفت الأسماء.
٢ - أن العِدَة قبل النكاح حق للمرأة تستحقه بعد العقد.
٣ - أن ما يهديه الرجل للزوجة أو لأحد قرابتها بعد العقد فهو لمن أهدي له، وليس من الصداق.
_________________
(١) أحمد (٦٧٠٩)، وأبو داود (٢١٢٩)، والنسائي في «الكبرى» (٥٤٨٣)، وابن ماجه (١٩٥٥).
[ ٢ / ٤١٢ ]
٤ - استحباب إكرام الصهر.
٥ - أن المصاهرة علاقة كالنسب تقتضي حقًا بين الأصهار، وقد قرن الله بين النسب والصهر في قوله: ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْمَاء بَشَرًا فَجَعَلَهُ نَسَبًا وَصِهْرًا﴾ [الفرقان: ٥٤].
* * * * *
(١١٧٢) وَعَنْ عَلْقَمَةَ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁؛ أنهُ سُئِلَ عَنْ رَجُلٍ تَزَوَّجَ امْرَأَةً، وَلَمْ يَفْرِضْ لَهَا صَدَاقًا، وَلَمْ يَدْخُلْ بِهَا حَتَّى مَاتَ، فَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: «لَهَا مِثْلُ صَدَاقِ نِسَائِهَا، لَا وَكْسَ، وَلَا شَطَطَ، وَعَلَيْهَا الْعِدَّةُ، وَلَهَا الْمِيرَاثُ، فَقَامَ مَعْقِلُ بْنُ سِنَانٍ الْأَشْجَعِيُّ فَقَالَ: قَضَى رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي بِرْوَعَ بِنْتِ وَاشِقٍ -امْرَأَةٍ مِنَّا- مِثْلَ مَا قَضَيْتَ، فَفَرِحَ بِهَا ابْنُ مَسْعُودٍ». رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالأَرْبَعَةُ (^١)، وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ والجَمَاعَةُ (^٢).
* * *
هذا الحديث نص في حكم نكاح المفوِّضة، وهي التي لم يفرض لها صداق، وأنها تثبت لها أحكام الزوجية، كالميراث والعدة، وقد دل القرآن على صحة نكاح المفوضة في قوله تعالى: ﴿لاَّ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاء مَا لَمْ تَمَسُّوهُنُّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً﴾ [البقرة: ٢٣٦]، وتقدم أن زواج فاطمة بنت النبي ﷺ كان على هذا الوجه، فلم يسم لها صداق، ولهذا قال النبي ﷺ لعلي: «أَعْطِهَا شَيْئًا» (^٣).
_________________
(١) أحمد (٤٢٧٦)، وأبو داود (٢١١٥)، والترمذي (١١٤٥)، والنسائي في «الكبرى» (٥٤٨٩)، وابن ماجه (١٨٩١).
(٢) صححه ابن مهدي والترمذي وقال ابن حزم: لا مغمز فيه لصحة إسناده، والبيهقي في الخلافيات. ينظر: «التلخيص الحبير» (٣/ ٣٨٨).
(٣) تقدم (١١٧٠).
[ ٢ / ٤١٣ ]
وفي الحديث فوائد؛ منها:
١ - فضل ابن مسعود ﵁، وفقهه في كتاب الله.
٢ - صحة نكاح المفوضة.
٣ - أنه لا يشترط تسمية الصداق في العقد.
٤ - أن من لم يسم لها صداق يثبت لها مهر المثل، وهو قدر مهر نسائها.
٥ - أن المفوِّضة ترث زوجها إذا مات ولم يدخل بها.
٦ - أنه تجب عليها عدة الوفاة.
٧ - أن الوفاة يتقرر بها الصداق.
٨ - استنباط ابن مسعود لأحكام المفوِّضة من القرآن.
٩ - فرح ابن مسعود بموافقة قضائه لقضاء رسول الله ﷺ.
١٠ - أن حكم المفوِّضة قد دل عليه الكتاب والسنة.
١١ - أن عدة الوفاة تجب على غير المدخول بها، بخلاف عدة الطلاق، فإن آية عدة الطلاق، وهي قوله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوَءٍ﴾ [البقرة: ٢٢٨]، مخصوصة بقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا﴾ [الأحزاب: ٤٩]، بخلاف عدة المتوفى عنها، فهي باقية على عمومها.
* * * * *
(١١٧٣) وَعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ ﵄؛ أن النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «مَنْ أَعْطَى فِي صَدَاقِ امْرَأَةٍ سَوِيقًا، أَوْ تَمْرًا، فَقَدْ اسْتَحَلَّ». أخْرَجَهُ أبُوْ دَاوُدَ، وَأَشَارَ إِلَى تَرْجِيحِ وَقْفِهِ (^١).
(١١٧٤) وَعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَامِرِ بْنِ رَبِيعَةَ، عَنْ أَبِيهِ؛ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَجَازَ نِكَاحَ امْرَأَةٍ عَلَى نَعْلَيْنِ. أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وصَحَّحَهُ، وَخُولِفَ فِي ذَلِكَ (^٢).
_________________
(١) أبو داود (٢١١٠).
(٢) الترمذي (١١٣).
[ ٢ / ٤١٤ ]
(١١٧٥) وَعَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ ﵄ قَالَ: «زَوَّجَ النَّبِيُّ ﷺ رَجُلًا امْرَأَةً بِخَاتَمٍ مِنْ حَدِيدٍ». أَخْرَجَهُ الْحَاكِمُ (^١)، وَهُوَ طَرَفٌ مِنَ الْحَدِيثِ الطَّوِيلِ الْمُتَقَدِّمِ فِي أَوَائِلِ النِّكَاحِ (^٢).
(١١٧٦) وَعَنْ عَلَيٍّ ﵁ قَالَ: «لَا يَكُونُ الْمَهْرُ أَقَلَّ مِنْ عَشَرَةِ دَرَاهِمَ». أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ مَوْقُوفًا، وَفِي سَنَدِهِ مَقَالٌ (^٣).
(١١٧٧) وَعَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «خَيْرُ الصَّدَاقِ أَيْسَرُهُ». أخرجه أبُوْ دَاوُدَ، وَصَحَّحَهُ الحَاكِمُ (^٤).
(١١٧٨) وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂؛ أن عَمْرَةَ بِنْتَ الْجَوْنِ تَعَوَّذَتْ مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ حِينَ أُدْخِلَتْ عَلَيْهِ -تَعْنِي: لَمَّا تَزَوَّجَهَا- فَقَالَ: «لَقَدْ عُذْتِ بِمَعَاذٍ»، فَطَلَّقَهَا، وَأَمَرَ أُسَامَةَ فَمَتَّعَهَا بِثَلَاثَةِ أَثْوَابٍ. أَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ، وَفِي إِسْنَادِهِ رَاوٍ مَتْرُوكٌ (^٥).
(١١٧٩) وَأَصْلُ الْقِصَّةِ فِي الصَّحِيحِ؛ مِنْ حَدِيثِ أَبِي أُسَيْدٍ السَّاعِدِيِّ (^٦).
* * *
هذه الأحاديث دليل على اعتبار الصداق في النكاح.
وفي الأحاديث فوائد؛ منها:
١ - أن الصداق عوض عن الاستمتاع.
٢ - أنه لا حد لأقل الصداق، وقيل: أقله عشرة دراهم، كما جاء في أثر علي، وقيل: أقله ما تقطع به يد السارق، والصواب أنه لا حد لأقله، فيصح بكل ما يتمول.
٣ - أنه لا يجب أن يكون أثمانًا، بل يصح أن يكون طعامًا أو لباسًا كالنعلين والثياب والخاتم من الحديد.
_________________
(١) الحاكم (٢٧٣٣).
(٢) تقدم (١١٠٤).
(٣) الدارقطني (٣٦٠٣).
(٤) أبو داود (٢١١٧)، والحاكم (٢٧٤٢).
(٥) ابن ماجه (٢٠٣٧).
(٦) البخاري (٥٢٥٥).
[ ٢ / ٤١٥ ]
٤ - استحباب تيسير النكاح بتخفيف الصداق.
٥ - مشروعية المُتعة للمطلقة.
٦ - حسن خلقه ﷺ؛ فإن المرأة حين استعاذت منه ﷺ طلقها ومتعها.
* * * * *
[ ٢ / ٤١٦ ]