الصلح: اسم مصدر من الإصلاح، أو الاصطلاح، والمراد به ترك الخصومات وقطع المنازعات، وهو من أفضل الأعمال، ويكون واجبًا ويكون مستحبًّا، قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾ [الحجرات: ٩] إلى قوله سبحانه: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ﴾ [الحجرات: ١٠]، وقال تعالى: ﴿وَالصُّلْحُ خَيْرٌ﴾ [النساء: ١٢٨]، وقال تعالى: ﴿لاَّ خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَّجْوَاهُمْ إِلاَّ مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ﴾ [النساء: ١١٤]، والدليل من السنة حديث عمرو بن عوف المذكور في الباب.
* * * * *
(٩٨١) عَنْ عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ الْمُزَنِيِّ ﵁؛ أن رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «الصُّلْحُ جَائِزٌ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ، إِلَّا صُلْحًا حَرَّمَ حَلَالًا وَأَحَلَّ حَرَامًا، وَالْمُسْلِمُونَ عَلَى شُرُوطِهِمْ، إِلَّا شَرْطًا حَرَّمَ حَلَالًا وَأَحَلَّ حَرَامًا». رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وصَحَّحَهُ (^١). وأنْكَرُوا عَلَيهِ؛ لِأَنَّ رَاوِيَهُ كَثِيرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِوِ بْنِ عَوْفٍ ضَعِيفٌ، وَكَأَنَّهُ اعْتَبَرَهُ بِكَثْرَةِ طُرُقِهِ.
(٩٨٢) وَقَدْ صَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ (^٢).
* * *
هذا أشهر حديث في الصلح، وهو -وإن كان ضعيفًا لضعف راويه كثير بن عبد الله - فإن معناه متفق عليه، بل هو من قواعد الشريعة في المعاملة بين المسلمين، ويلاحظ أنه يدخل في بابين، باب الصلح، وباب الشروط في العقود.
_________________
(١) الترمذي (١٣٥٢).
(٢) أخرجه ابن حبان (٥٠٩١).
[ ٢ / ٢٥٧ ]
وفي الحديث فوائد؛ منها:
١ - جواز الصلح في المنازعات التي تكون بين المسلمين أفرادًا وجماعات.
٢ - تحريم الصلح المتضمن تحليل الحرام أو تحريم الحلال.
٣ - أن الأصل في الصلح الجواز إلا أن يدل دليل على التحريم بتضمنه الحرام.
٤ - جواز الشروط في العقود التي تكون بين المسلمين وغيرهم.
٥ - وجوب الوفاء بالشروط؛ لقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة: ١]، ومن الوفاء بالعقد الوفاء بشرطه.
٦ - تحريم ما تضمن من الشروط تحليل الحرام أو تحريم الحلال.
٧ - أن الأصل في الشروط الجواز إلا أن يدل دليل على ما يوجب تحريمه.
٨ - أن من شرط شرطًا له أو عليه فهو باق على شرطه، إلا أن يتفق الطرفان أو من له الحق على رفعه.
٩ - أن حكم الله وشرطه مقدم على حكم المخلوق وشرطه.
١٠ - أن كل قانون يناقض شرع الله باطل.
* * * * *
(٩٨٣) وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁؛ أن النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «لَا يَمْنَعُ جَارٌ جَارَهُ أَنْ يَغْرِزَ خَشَبَةً فِي جِدَارِهِ». ثُمَّ يَقُولُ أَبُو هُرَيْرَةَ ﵁: «مَا لِي أَرَاكُمْ عَنْهَا مُعْرِضِينَ؟ وَاللهِ لَأَرْمِيَنَّ بِهَا بَيْنَ أَكْتَافِكُمْ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (^١).
* * *
_________________
(١) البخاري (٦٠١٤)، ومسلم (١٦٠٩).
[ ٢ / ٢٥٨ ]
هذا الحديث يتضمن حقًا من حقوق الجار، وللجار على الجار حقوق، وقد أوصى الله بالإحسان إلى الجار، والجار المسلم ذو القرابة له ثلاثة حقوق، والجار المسلم الذي لا قرابة له له حقان، والجار الكافر له حق الجوار، وقد ثبت عن النبي ﷺ الأمر بإكرام الجار والإحسان إليه، ونهى عن إيذائه، وقال ﷺ: «مَا زَالَ جِبْرِيلُ يُوصِينِي بِالْجَارِ، حَتَّى ظَنَنْتُ أَنَّهُ سَيُوَرِّثُهُ» (^١)، فالإحسان إلى الجار أفضل من الإحسان إلى البعيد، وظلم الجار أعظم من ظلم البعيد، وحرمته أعظم من حرمته.
وفي الحديث فوائد؛ منها:
١ - أن من حق الجار على جاره أن يغرز خشب سقف بيته على جدار جاره إذا احتاج إليه، إذا كان الجدار يتحمل ذلك، ولا ضرر على صاحب الجدار، ومثل هذا وضع جسر على الجدار، من أجل بناء ملحق ونحوه.
٢ - أن من محاسن الإسلام مراعاة الجوار.
٣ - أن من الأخلاق الكريمة بذل الجار لجاره ما يحتاج إليه، ولا ضرر عليه فيه.
٤ - أن من سيئ الأخلاق بخل الإنسان بما لا يضره.
٥ - إعراض أكثر الناس عن أداء هذا الحق المذكور في الحديث في عهد أبي هريرة ﵁، فكيف بهم اليوم؟! ولهذا يطلب كثير من الناس من الجار عوضًا عن انتفاعه بجداره، وهو ما يسمى بالمباناة.
٦ - فضل أبي هريرة ﵁ لصدعه بالحق، وروايته الحديث الذي يخالف أهواء الناس، وذلك في قوله: «وَاللهِ لَأَرْمِيَنَّ بِهَا بَيْنَ أَكْتَافِكُمْ»، أي لأعلنن هذا الحديث بينكم، وإن كرهتم.
_________________
(١) رواه البخاري (٦٠١٤)، ومسلم (٢٦٢٤)؛ عن عائشة ﵂، ورواه أيضًا البخاري (٦٠١٥)، ومسلم (٢٦٢٥)؛ عن ابن عمر ﵄.
[ ٢ / ٢٥٩ ]
٧ - أن الجار إذا انتفع بجدار جاره لا تجب عليه المباناة.
٨ - أنه لا يجوز للجار أن يمنع جاره من وضع خشبه.
٩ - أنه لا ينبغي للجار أن يغرز خشبه في جدار جاره إلا بإذنه، فإنه إذا لم يفعل ذلك ساءت العلاقة بينهما.
* * * * *
(٩٨٤) وَعَنْ أَبِي حُمَيْدٍ السَّاعِدِيِّ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «لَا يَحِلُّ لِامْرِئٍ أَنْ يَأْخُذَ عَصَا أَخِيهِ بِغَيْرِ طِيبِ نَفْسٍ مِنْهُ». رَوَاهُ ابْنُ حِبَّانَ، وَالْحَاكِمُ فِي صَحِيحَيْهِمَا (^١).
* * *
في هذا الحديث دليل على حرمة مال المسلم.
وفيه فوائد؛ منها:
١ - أنه لا يحل شيء من مال المسلم إلا بطيب نفس منه.
٢ - أنه لا فرق بين القليل والكثير.
٣ - أن العصا لا يجوز أخذها من صاحبها، وإن كانت مما لا تتبعه همة أوساط الناس، ولذا يجوز التقاطها من غير تعريف، إذا كانت عادية، أما العصا الغالية، وهي المصنوعة من مادة نفيسة، أو مزينة بنقش ونحوه، أو بفضة، أو شيء من الذهب، فيجب تعريفها.
٤ - حِلُّ ما طابت به نفس الإنسان، قال تعالى: ﴿فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِّنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَّرِيئًا (٤)﴾ [النساء: ٤].
* * * * *
_________________
(١) ابن حبان (٥٩٧٨)، ورواه الحاكم (٣١٨)؛ عن ابن عباس ﵄.
[ ٢ / ٢٦٠ ]