الفوات لغة: عدم إدراك المطلوب، والمراد به هنا: فوات الحج لمن تلبَّس به. وفواته إنما يكون بفوات الوقوف بعرفة، فمن فاته الوقوف فاته الحج، ويتحلل من إحرامه بعمرة، فإن كان حجه فرضًا فعليه الحج من قابل، وإن كان نفلًا، فقيل: يجب عليه القضاء، وقيل: لا يجب، وهذا أظهر، إلا أن يكون فوات الحج بتسبب منه وتفريط؛ فيتوجه وجوب القضاء عليه.
والحصر في اللغة هو: المنع، والمراد به هنا: منع الحاج أو المعتمر من إتمام نسكه. وقد اختلف العلماء فيما يكون به الإحصار، فقيل: يحصل بكل مانع؛ بمرض، أو ذهاب نفقة، أو عدو. وقيل: لا حصر إلا حصر العدو، وحكم المحصر أنه يذبح هديًا، ويحلق ويتحلل إلا أن يكون قد اشترط، والدليل على ذلك قوله تعالى: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ [البقرة: ١٩٦].
وقصة إحصار النبي ﷺ والصحابة، وهي سبب نزول الآية، وهو ما أشار إليه ابن عباس ﵄ في الحديث الآتي.
* * * * *
(٨٧٢) عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: «قَدْ أُحْصِرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فَحَلَقَ، وَجَامَعَ نِسَاءَهُ، وَنَحَرَ هَدْيَهُ، حَتَّى اعْتَمَرَ عَامًا قَابِلًا». رَوَاهُ البُخَارِيُّ (^١).
(٨٧٣) وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: دَخَلَ النَّبِيُّ ﷺ عَلَى ضُبَاعَةَ بِنْتِ الزُّبَيْرِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ ﵂، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ! إِنِّي أُرِيدُ الْحَجَّ، وَأَنَا شَاكِيَةٌ؟ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «حُجِّي وَاشْتَرِطِي: أَنَّ مَحِلِّي حَيْثُ حَبَسْتَنِي». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (^٢).
_________________
(١) البخاري (١٨٠٩).
(٢) البخاري (٥٠٨٩)، ومسلم (١٢٠٧).
[ ٢ / ١٧٦ ]
(٨٧٤) وَعَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ الحَجَّاجِ بْنِ عَمْرٍو الأَنْصَارِيِّ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «مَنْ كُسِرَ، أَوْ عَرَجَ فَقَدَ حَلَّ، وَعَلَيْهِ الْحَجُّ مِنْ قَابِلٍ». قَالَ عِكْرِمَةُ: فَسَأَلْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ وَأَبَا هُرَيْرَةَ عَنْ ذَلِكَ، فَقَالا: «صَدَقَ». رَوَاهُ الْخَمْسَةُ، وَحَسَّنَهُ التِّرْمِذِيُّ (^١).
* * *
في هذه الأحاديث فوائد، منها:
١ - وقوع الحصر في عهد النبي ﷺ، وهو ما حصل من صد المشركين للنبي ﷺ وأصحابه عام الحديبية.
٢ - أن ذلك الحصر من قبيل حصر العدو.
٣ - أن من أحصر عليه دم للآية الكريمة، ولفعله ﷺ وأصحابه.
٤ - أن المحصر لا يتحلل من إحرامه إلا بعد النحر والحلق أو التقصير.
٥ - وجوب إتمام الحج والعمرة.
٦ - أن النبي ﷺ اعتمر من العام القابل، وذلك في السنة السابعة في شهر ذي القعدة.
وفي حديث ضباعة بن الزبير ﵂ فوائد، منها:
١ - مشروعية الاشتراط لمن خاف أن لا يتمكن من إتمام نسكه.
٢ - والاشتراط أن يقول عند الإحرام: «اللَّهُمَّ مَحِلِّي حَيْثُ حَبَسْتَنِي».
٣ - جواز الاشتراط في العقد الذي بين العبد وربه؛ كالنذر والحلف.
٤ - أن المشترط يتحلل مجانًا.
٥ - أن الحصر يكون بالمرض.
٦ - أن الحصر لا يختص بحصر العدو.
_________________
(١) أحمد (١٥٧٣١)، وأبو داود (١٨٦٢)، والترمذي (٩٤٠)، والنسائي (٢٨٦١)، وابن ماجه (٣٠٧٧).
[ ٢ / ١٧٧ ]
وفي حديث الحجاج بن عمرو ﵁:
١ - أن من حصر بمرض ككسر؛ أنه يحل من إحرامه ولو لم يشترط.
٢ - أن من حصر عن إتمام نسكه عليه الحج من قابل قضاءً عن حجته التي حصر عنها. وقد تقدمت الإشارة إلى ذلك وبيان الصواب، والأظهر في هذا الحديث أن المراد بالحج من قابل: حجُّ الفرض، أما من سبق له الحج فلا قضاء عليه.
٣ - أن من حصر عن إتمام نسكه لا قضاء عليه. والصواب أيضًا أن من حصر ولم يشترط فعليه الهدي، ويحلق للتحلل لفعله ﷺ.
* * * * *
[ ٢ / ١٧٨ ]