اللِّبَاسُ: مصدر لبس يلبس لبسًا ولباسًا، وأكثر ما يطلق على الملبوس، وهو المراد هنا من إطلاق المصدر على اسم المفعول، قال الله تعالى: ﴿يَابَنِي آدَمَ قَدْ أَنزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشًا وَلِبَاسُ التَّقْوَىَ ذَلِكَ خَيْرٌ ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللّهِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُون (٢٦)﴾ [الأعراف: ٢٦].
فهذا امتنانٌ من الله على عباده بما خلق لهم من اللِّباس، وبيان الحكمة منه؛ وهو ستر العورات والتَّجمُّل به، ولهذا سمّاه الله زينةً، قال تعالى: ﴿يَابَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ [الأعراف: ٣١].
والأصل في كلِّ لباسٍ الإباحة إلَّا ما خصَّه الدَّليل؛ كالذَّهب والحرير والمعصفر في حقِّ الرِّجال.
وذكر هذا الباب في هذا الموضع لا تظهر له مناسبةٌ، وكثيرٌ من المصنِّفين في الأحكام يذكر أحكام اللِّباس عند الكلام على ستر العورة من شروط الصَّلاة.
* * * * *
(٦٠٠) عَنْ أَبِي عَامِرٍ الأَشْعَرِيِّ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «لَيَكُونَنَّ مِنْ أُمَّتِي أَقْوَامٌ يَسْتَحِلُّونَ الْحِرَ وَالْحَرِيرَ». رَوَاهُ أبو دَاوُدَ، وَأَصْلُهُ فِي البُخَارِيِّ (^١).
* * *
هذا الحديث رواه البخاريُّ معلَّقًا بصيغة الجزم عن شيخه هشام بن عمَّارٍ، وقد حكم المحقِّقون بأنَّه متَّصلٌ؛ لثبوت اللُّقيِّ بين البخاريِّ وشيخه، وأنَّ البخاريَّ ليس مدلِّسًا. ولهذا قال المصنِّف: «وأصله في البخاريِّ».
_________________
(١) أبو داود (٤٠٣٩)، وأصله في البخاريِّ -معلقًا مجزومًا به- (٥٥٩٠).
[ ١ / ٤٨٩ ]
وقد طعن فيه ابن حزمٍ بتعليق البخاريِّ له في مقام دفع الاستدلال به على تحريم المعازف، وقد ردَّ عليه المحقِّقون من أهل الحديث كالحافظ العراقيِّ وغيره، قال العراقيُّ في ألفيَّة الحديث:
وَإنْ يَكُنْ أوَّلُ الاسْنَادِ حُذِفْ
مَعْ صِيغَةِ الجَزْم فَتَعلِيقًا عُرِفْ
وَلَوْ إِلَى آخِرِهِ أمَّا الذِي
لِشَيْخِهِ عَزَا ب (قالَ) فَكَذِي
عَنْعَنَةٍ كخَبَرِ المَعَازِفِ
لَا تَصْغَ (لاِبْنِ حَزْمٍ) المُخَالِفِ (^١)
قال ابن الصَّلاح: «ولا التفات إلى أبي محمَّد بن حزمٍ الظَّاهريِّ في ردِّ ما أخرجه البخاريُّ من حديث أبي عامرٍ أو أبي مالكٍ الأشعريِّ ﵁ عن الرَّسول ﷺ: «لَيَكُونَنَّ مِنْ أُمَّتِي أَقْوَامٌ يَسْتَحِلُّونَ الْحِرَ وَالْحَرِيرَ» الحديث، من جهة أنَّ البخاريَّ أورده قائلًا فيه: قال هشام بن عمَّارٍ، وساقه بإسناده فزعم ابن حزمٍ أنَّه منقطعٌ فيما بين البخاريِّ وهشامٍ، وجعله جوابًا عن الاحتجاج به على تحريم المعازف، وأخطأ في ذلك من وجوهٍ، والحديث صحيحٌ معروف الاتِّصال بشرط الصَّحيح» (^٢).
ولفظ الحديث في البخاريِّ: «لَيَكُونَنَّ مِنْ أُمَّتِي أَقْوَامٌ يَسْتَحِلُّونَ الْحِرَ وَالْحَرِيرَ وَالْخَمْرَ وَالْمَعَازِفَ، وَلَيَنْزِلَنَّ أَقْوَامٌ إِلَى جَنْبِ عَلَمٍ يَرُوحُ عَلَيْهِمْ بِسَارِحَةٍ لَهُمْ، يَأْتِيهِمْ -يَعْنِي: الْفَقِيرَ- لِحَاجَةٍ فيَقُولُونَ: ارْجِعْ إِلَيْنَا غَدًا، فَيبَيِّتُهُمُ اللَّهُ، وَيَضَعُ الْعَلَمَ، وَيَمْسَخُ آخَرِينَ قِرَدَةً وَخَنَازِيرَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ».
_________________
(١) «الألفية» (٧١)؛ الأبيات (٤٤ - ٤٦).
(٢) «مقدمة ابن الصلاح» (٢٢٦).
[ ١ / ٤٩٠ ]
وفي الحديث فوائد؛ منها:
١ - تحريم هذه المذكورات، وهي: الزِّنى والحرير والخمر والمعازف، والحر: الفرج، والمعازف: الغناء وآلاته.
٢ - أنَّ وقوع استحلال هذه المحرَّمات في الأمَّة علمٌ من أعلام نبوَّته ﷺ، والمتدبِّر للواقع في هذا العصر يدرك أنَّ استحلال هذه المحرَّمات قد وقع في بلدانٍ كثيرةٍ من ديار الإسلام لم يسبق له نظيرٌ، ومن أعظم أسباب ذلك استيلاء النَّصارى على تلك البلدان.
٣ - إخباره ﷺ عمَّا سيكون في المستقبل.
٤ - التَّناسب بين هذه المذكورات، فالخمر والغناء من دواعي الزِّنى، وإن كانت متفاوتةً في الحكم، فأعظمها الزِّنى ثمَّ الخمر ثمَّ المعازف، وأمَّا الحرير فإنَّما يحرم لبسه على الذُّكور.
٥ - تحريم الحرير، وهذا هو الشَّاهد من الحديث، وهذا الحكم مجملٌ في الحديث، تبيِّنه الأحاديث الآتية، ومثله في الإجمال الحديث الآخر: «مَنْ لَبِسَ الْحَرِيرَ في الدُّنْيَا لَمْ يَلْبَسْهُ فِي الآخِرَةِ» (^١)، وقد جاء تقييد هذا التَّحريم بذكور الأمَّة، فجاءت الرُّخصة بقدر أربع أصابع، والرُّخصة في لبس الحرير للحاجة، كما سيأتي.
٦ - أنَّ استحلال هذه المحرَّمات سببٌ لعاجل العقوبات من الخسف والمسخ.
٧ - أنَّ عقوبة المستحلِّين لهذه المحرَّمات تقع بهم وقت البيات؛ لأنَّه وقت ممارستهم لهذه المنكرات؛ من الزِّنى والخمر والمعازف، كما يفيده قوله: «فَيُبَيِّتُهُمُ اللهُ».
* * * * *
_________________
(١) رواه البخاريُّ (٥٨٣٢)، ومسلمٌ (٢٠٧٣) عن أنسٍ ﵁.
[ ١ / ٤٩١ ]
(٦٠١) وَعَنْ حُذَيْفَةَ ﵁ قَالَ: «نَهَى رَسُولُ اللهِ ﷺ أَنْ نَشْرَبَ فِي آنِيَةِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ، وَأَنْ نَأْكُلَ فِيهَا، وَعَنْ لُبْسِ الْحَرِيرِ وَالدِّيبَاجِ، وَأَنْ نَجْلِسَ عَلَيْهِ». رَوَاهُ البُخَارِيُّ (^١).
(٦٠٢) وَعَنْ عُمَرَ ﵁ قَالَ: «نَهَى رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنْ لُبْسِ الْحَرِيرِ إِلَّا مَوْضِعَ إِصْبَعَيْنِ، أَوْ ثَلَاثٍ، أَوْ أَرْبَعٍ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَاللَّفْظُ لِمُسْلِمٍ (^٢).
(٦٠٣) وَعَنْ أَنَسٍ ﵁؛ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ رَخَّصَ لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، وَالزُّبَيْرِ فِي قَمِيصِ الْحَرِيرِ، فِي سَفَرٍ؛ مِنْ حِكَّةٍ كَانَتْ بِهِمَا». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (^٣).
(٦٠٤) وَعَنْ عَلِيٍّ ﵁ قَالَ: «كَسَانِي النَّبِيُّ ﷺ حُلَّةً سِيَرَاءَ، فَخَرَجْتُ فِيهَا، فَرَأَيْتُ الْغَضَبَ فِي وَجْهِهِ، فَشَقَقْتُهَا بَيْنَ نِسَائِي». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَهَذَا لَفْظُ مُسْلِمٍ (^٤).
(٦٠٥) وَعَنْ أَبِي مُوسَى ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «أُحِلَّ الذَّهَبُ وَالْحَرِيرُ لإِنَاثِ أُمَّتِي، وَحُرِّمَ عَلَى ذُكُورِهِمْ». رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالنَّسَائِيُّ، وَالتِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ (^٥).
* * *
الحلَّة السِّيراء هي من لباس الحرير، قيل: إنَّها من الحرير الخالص، وقيل: إنَّها مضلَّعةٌ بالحرير؛ أي: معلَّمةٌ؛ أي: فيها أعلامٌ؛ أي: خطوطٌ من الحرير.
وهذه الأحاديث الخمسة قد دلَّت على تحريم الحرير.
وفيها فوائد، منها: في حديث حذيفة ﵁:
١ - تحريم الأكل والشُّرب في آنية الذَّهب والفضَّة، وسبق في باب الآنية من كتاب الطَّهارة.
_________________
(١) البخاريُّ (٥٨٣٧).
(٢) البخاريُّ (٥٨٢٨)، ومسلمٌ (٢٠٦٩).
(٣) البخاريُّ (٢٩١٩)، ومسلمٌ (٢٠٧٦).
(٤) البخاريُّ (٥٨٤٠)، ومسلمٌ (٢٠٧١).
(٥) أحمد (١٩٥٠٧)، والنسائيُّ (٥١٦٣)، والترمذيُّ (١٧٢٠).
[ ١ / ٤٩٢ ]
٢ - تحريم لبس الحرير والدِّيباج، وهو نوعٌ من الحرير، فعطفه عليه من عطف الخاصِّ على العامِّ.
٣ - تحريم الجلوس على الحرير والدِّيباج، والجلوس والافتراش من اللُّبس، كما قال أنسٌ ﵁: «فقمت إلى حصيرٍ لنا قد اسودَّ من طول ما لبس» (^١).
وأحسن ما قيل في تحريم الأكل والشُّرب في آنية الذَّهب والفضَّة ما في ذلك من السَّرف والخيلاء، ولأنَّها آنية الكفَّار، كما قال ﷺ: «فَإِنَّها لَهُمْ فِي الدُّنْيَا، وَلَكُمْ فِي الآخِرَةِ» (^٢).
وأمَّا تحريم لبس الرِّجال للحرير فلما فيه من الخيلاء، والتَّرف الَّذي لا يليق بالرِّجال.
وفي حديث عمر ﵁:
٤ - الرُّخصة باليسير من الحرير بقدر: إصبعين، أو ثلاثٍ، أو أربعٍ.
وفي حديث أنسٍ ﵁:
٥ - الرُّخصة في لبس الحرير للحكَّة؛ لأنَّ غيره يثيرها.
٦ - تخصيص وتقييد الأحاديث المطلقة في تحريم الحرير بما وردت فيه الرُّخصة.
٧ - تفاوت المحرَّمات في التَّحريم؛ فمن المحرَّمات: ما لا يحلُّ إلَّا للضَّرورة، ومنها: ما لا يحلُّ إلَّا للحاجة، ومنها: ما يحرم على الرِّجال والنِّساء، ومنها: ما يحرم على الرِّجال، ومنها: ما يحرم على النِّساء.
وفي حديث عليٍ وأبي موسى ﵃:
٨ - إنكار المنكر بإظهار الكراهة والغضب.
_________________
(١) رواه البخاريُّ (٣٨٠)، ومسلمٌ (٦٥٨).
(٢) في باب الآنية برقم (١٩).
[ ١ / ٤٩٣ ]
٩ - جواز التَّصرُّف في الحرير بالهبة والبيع، ولو لمن لا يحلُّ له إذا كان لا يلبسه.
١٠ - أنَّ الغضب ليس صفة ذمٍّ مطلقًا، بل منه ما هو محمودٌ.
١١ - جواز تشقيق الثَّوب لينتفع به عددٌ.
١٢ - حلُّ لبس الذَّهب والحرير للنَّساء الصَّغيرات والكبيرات.
وحلُّ الذَّهب للنِّساء يختصُّ باللِّباس، لحاجتهنَّ إلى الزِّينة، وأمَّا الآنية من الذَّهب والفضَّة فحكمهنَّ حكم الرِّجال؛ أي: في التَّحريم.
١٣ - أنَّ تحريم لبس الذَّهب والحرير مختصٌّ بالرِّجال.
١٤ - الحكمة في التَّشريع، وهي هنا مناسبة لبس الذَّهب والحرير للنِّساء دون الرِّجال.
* * * * *
(٦٠٦) وَعَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ ﵁؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «إِنَّ اللهَ يُحِبُّ إِذَا أَنْعَمَ عَلَى عَبْدٍ نِعْمَةً أَنْ يَرَى أَثَرَ نِعْمَتِهِ عَلَيْهِ». رَوَاهُ البَيْهَقِيُّ (^١).
* * *
وفي الحديث فوائد؛ منها:
١ - إثبات صفة المحبَّة لله تعالى.
٢ - أنَّ من شكر الله إظهار العبد نعمة الله عليه، فمن أغناه الله فلا يظهر بمظهر الفقراء في الرَّثاثة والفرح بالزَّهيد من الدُّنيا، وإظهار نعمة الغنى يكون بالبذل في وجوه البرِّ، وبالتَّمتُّع بما أباح الله من المطعم والمشرب والملبس والمركب على وجه التَّوسُّط والاعتدال، فلا تقشُّف ولا سرف ولا اختيال.
_________________
(١) البيهقيُّ في «الكبرى» (٦٠٩٣).
[ ١ / ٤٩٤ ]
وكلُّ نعمةٍ فإظهارها بحسبها؛ كالجاه والقوَّة البدنيَّة إظهارهما بنفع الضُّعفاء وذوي الحاجات كما فعل موسى ﵇ مع المرأتين، ومن أنعم الله عليه بالعلم أظهره بالتَّعليم والدَّعوة على بصيرةٍ فلا يكتمه فيشبه حال الجاهل.
٣ - إثبات الرُّؤية لله ﷿.
٤ - أنَّ كلَّ ما بالعبد من النِّعم من الله.
* * * * *
(٦٠٧) وَعَنْ عَلِيٍّ ﵁؛ «أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ نَهَى عَنْ لُبْسِ الْقَسِّيِّ وَالْمُعَصْفَرِ». رَوَاهُ مُسْلِمٌ (^١).
(٦٠٨) وَعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو ﵃ قَالَ: رَأَى عَلَيَّ النَّبِيُّ ﷺ ثَوْبَيْنِ مُعَصْفَرَيْنِ، فقالَ: «أُمُّكَ أَمَرَتْكَ بِهَذَا؟». رَوَاهُ مُسْلِمٌ (^٢).
* * *
هذان الحديثان في الأوَّل منهما: النَّهي عن نوعٍ من الحرير، وهو القسِّيُّ، نسبةً إلى القسِّ موضعٍ بمصر، وفي الثَّاني: النَّهي عن المعصفر وهو المصبوغ بالعصفر، وهو صبغٌ أحمر.
وفيهما فوائد، منها:
١ - تحريم لبس القسِّيِّ، وكلُّ أدلَّة تحريم الحرير هو داخلٌ فيها، وتخصيصه بالذِّكر لسببٍ اقتضاه، ولا يوجب تخصيص الأحاديث العامَّة في النَّهي عن لبس الحرير. ومن القواعد المقرَّرة في الأصول أنَّ النَّصَّ على بعض أفراد العامِّ بحكم العامِّ لا يخصِّصه بقصر الحكم على الخاصِّ.
٢ - تحريم لبس المعصفر على الرِّجال، ومن شواهد النَّهي عن المعصفر؛ النَّهي عن المياثر الحمر. والمنهيُّ عنه هو الأحمر الخالص، بدليل ما ثبت عن
_________________
(١) مسلمٌ (٢٠٧٨).
(٢) مسلمٌ (٢٠٧٧).
[ ١ / ٤٩٥ ]
النَّبيِّ ﷺ؛ أنَّه لبس حُلَّةً حمراء (^١). قال العلماء: إنَّها لم تكن خالصةً، وبهذا يندفع التَّعارض.
٣ - الإنكار على من فعل محرَّمًا، ولو كان جاهلًا؛ لقوله ﷺ لعبد الله: «أُمُّكَ أَمَرَتْكَ بِهَذَا؟» ممَّا يشعر بأنَّ المعصفر من شأن النِّساء، وفي الحديث؛ قال عبد الله ﵁: «أغسلهما» قال: «بَلْ أَحْرِقْهُمَا» (^٢)، وفي هذا جواز التَّغليظ في الإنكار وجواز العقوبة بالمال.
ولكن جاء عند أحمد وأبي داود عن عبد الله بن عمرٍو ﵃ قال: فنظر إليَّ رسول الله ﷺ فإذا عليَّ ريطةٌ مضرَّجةٌ بعصفرٍ، فقال: «مَا هَذِهِ؟» فعرفت أنَّ رسول الله ﷺ قد كرهها، فأتيت أهلي وهم يسجرون تنُّورهم، فلففتها ثمَّ ألقيتها فيه، ثمَّ أتيت رسول الله ﷺ، فقال: «مَا فَعَلَتِ الرَّيْطَةُ؟» قلت: قد عرفت ما كرهت منها؛ فأتيت أهلي وهم يسجرون تنُّورهم فألقيتها فيه، فقال النَّبيُّ ﷺ: «فَهَلَّا كَسَوْتَهَا بَعْضَ أَهْلِكَ!» (^٣)، فقوله ﷺ: «فَهَلَّا كَسَوْتَهَا بَعْضَ أَهْلِكَ!» يشكل مع قوله عند مسلمٍ: «بَلْ أَحْرِقْهُمَا».
فجمع بعضهم بين حديث الرَّيطة وحديث الثَّوبين بأنَّهما قصَّتان، وفيه بعدٌ؛ إذ لا يظنُّ بعبد الله بن عمرٍو ﵃ أن يعود إلى ما نهاه الرَّسول ﷺ عنه.
وأحسن من هذا الجمع أن يقال: إنَّ قوله ﷺ: «بَلْ أَحْرِقْهُمَا» ليس على الحقيقة بل على التَّغليظ، كيف وعبد الله ﵁ كان جاهلًا بالحكم! ولكنَّه حمل كلام النَّبيِّ ﷺ على ظاهره فأحرق الرَّيطة، فلذلك قال له النَّبيُّ ﷺ: «فَهَلَّا كَسَوْتَهَا بَعْضَ أَهْلِكَ!».
* * * * *
_________________
(١) البخاريُّ (٣٦٩)، ومسلمُ (٥٠٣).
(٢) هذه الرواية تمام الحديث السابق.
(٣) رواه أحمد (٦٨٥٢)، وأبو داود (٤٠٦٦)، وابن ماجه (٣٦٠٣). وحسَّنه الألبانيُّ. ينظر: «سنن أبي داود» بأحكام الألبانيِّ (٤٠٦٦).
[ ١ / ٤٩٦ ]
(٦٠٩) وَعَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ ﵃؛ «أَنَّها أَخْرَجَتْ جُبَّةَ رَسُولِ اللهِ ﷺ مَكْفُوفَةَ الْجَيْبِ وَالْكُمَّيْنِ وَالْفَرْجَيْنِ بِالدِّيبَاجِ». رَوَاهُ أبو دَاوُدَ (^١).
(٦١٠) وَأَصْلُهُ فِي مُسْلِمٍ (^٢)، وَزَادَ: «كَانَتْ عِنْدَ عَائِشَةَ حَتَّى قُبِضَتْ، فَقَبَضْتُهَا، وَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَلْبَسُهَا، فَنَحْنُ نَغْسِلُهَا لِلْمَرْضَى؛ نَسْتَشْفِي بِهَا».
(٦١١) وَزَادَ البُخَارِيُّ فِي الأَدَبِ المُفْرَدِ: «وَكَانَ يَلْبَسُهَا لِلْوَفْدِ وَالْجُمُعَةِ» (^٣).
* * *
هذا الحديث من أدلَّة التَّبرُّك والاستشفاء بآثار بدن النَّبيِّ ﷺ؛ كشعره وعرقه، ووضوئه ﷺ، وأدلَّة ذلك مشهورةٌ في الصَّحيحين وغيرهما.
وفي الحديث فوائد؛ منها:
١ - أنَّ النَّبيَّ ﷺ كان يلبس الجبَّة؛ وهي ذات أكمامٍ تلبس فوق الثِّياب مفتوحةً من الأمام، وهي باقيةٌ بهذا الاسم إلى اليوم عند بعض النَّاس.
٢ - جواز الاحتفاظ بثياب الميِّت إذا كان في ذلك مصلحةٌ.
٣ - الاستشفاء بثياب النَّبيِّ ﷺ، وذلك بغسلها والاستشفاء بمائها.
٤ - جواز اليسير من الحرير؛ مثل ما يكفُّ به الجيب والكمَّان والفرجان، والمراد بفرجي الجبَّة: الشِّقَّان في أسفلها من الجانبين.
٥ - أنَّ ما جعل الله تعالى في نبيِّه ﷺ من البركة لا يزول بالغسل.
٦ - أنَّ قبض عائشة ﵂ لجبَّة النَّبيِّ ﷺ لا بالميراث، بل لنفع المسلمين بها، ولهذا لمَّا ماتت قبضتها أختها أسماء ﵂.
٧ - التَّجمُّل بالثِّياب لاستقبال الوفود ولصلاة الجمعة.
* * * * *
_________________
(١) أبو داود (٤٠٥٤).
(٢) مسلمٌ (٢٠٦٩).
(٣) «الأدب المفرد» (٣٤٨).
[ ١ / ٤٩٧ ]