(١) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي الْبَحْرِ: «هُوَ الطَّهُورُ مَاؤُهُ، الْحِلُّ مَيْتَتُهُ». أَخْرَجَهُ الأَرْبَعَةُ، وَابْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَاللَّفْظُ لَهُ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ وَالتِّرْمِذِيُّ، وَرَوَاهُ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ (^١).
* * *
وفي الحديث فوائد؛ منها:
١ - جواز ركوب البحر. وقد دلَّ القرآن على ركوبه للتِّجارة ونحوها، قال تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي سخَّرَ لَكُمُ الْبَحْرَ لِتَجْرِيَ الْفُلْكُ فِيهِ بِأَمْرِهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُون (١٢)﴾ [الجاثية: ١٢].
٢ - أنَّ من نعم الله على العباد تسخير البحر لهم، وقد امتنَّ الله في كتابه بذلك.
٣ - الشُّبهة في طهوريَّة ماء البحر عند السَّائل، وهي شدَّة ملوحته.
٤ - إزالة الشُّبهة والإشكال بسؤال أهل العلم.
٥ - طهوريَّة ماء البحر، وتأكيد ذلك بالحصر «هُوَ الطَّهُور».
٦ - تأكيد الفتوى للسَّائل إذا دعت الحاجة.
٧ - استحباب زيادة المفتي على جواب السُّؤال ما تدعو إليه حاجة السَّائل، وذلك من فقهه ونصحه.
_________________
(١) أبو داود (٨٣)، والترمذيُّ (٦٩)، والنسائيُّ (٥٩)، وابن ماجه (٣٨٦)، وأحمد (٧٢٣٢)، ومالكٌ في «الطهارة» (١٢)، وابن أبي شيبة (١٣٨٧)، وابن خزيمة (١١٢)، والشافعيُّ في مسنده (١/ ٢٣).
[ ١ / ٢٥ ]
٨ - أنَّه لا فرق بين ماء البحر وغيره من المياه؛ كماء المطر، وماء العيون، ونحوها.
٩ - حلُّ ميتة البحر، وهي ما مات فيه أو خارجه من جميع حيوانه وهو ما لا يعيش إلَّا فيه، إلَّا ما ثبت ضرره.
١٠ - تخصيص القرآن بالسُّنَّة، وذلك في حكم الميتة، فقد دلَّ القرآن على تحريم الميتة مطلقًا، ودلَّ الحديث على حلِّ ميتة البحر.
* * * * *
(٢) وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «إِنَّ الْمَاءَ طَهُورٌ لا يُنَجِّسُهُ شَيءٌ». أَخْرَجَهُ الثَّلَاثَةُ، وَصَحَّحَهُ أَحْمَدُ (^١).
(٣) وَعَنْ أَبِي أُمَامَةَ الْبَاهِلِيِّ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «إِنَّ الْمَاءَ لا يُنَجِّسُهُ شَيْءٌ إِلا مَا غَلَبَ عَلَى رِيحِهِ وَطَعْمِهِ وَلَوْنِهِ». أَخْرَجَهُ ابْنُ ماجهْ، وَضَعَّفَهُ أبو حَاتِمٍ (^٢).
(٤) وَلِلْبَيْهَقِيِّ: «الْمَاءُ طَهورٌ إِلَّا إِنْ تَغَيَّرَ رِيحُهُ، أَوْ طَعْمُهُ، أَوْ لَوْنُهُ بِنَجَاسَةٍ تَحْدُثُ فِيهِ» (^٣).
* * *
وفي الأحاديث فوائد؛ منها:
١ - أنَّ جنس الماء طهورٌ؛ أي: طاهرٌ مُطهِّرٌ، فيعمُّ جميع المياه.
٢ - طهوريَّة ماء البحر.
٣ - طهوريَّة الماء المتغيِّر بالطَّاهر، ما لم يغلب على اسم الماء.
_________________
(١) أبو داود (٦٧)، والنسائيُّ (٣٢٦)، والترمذيُّ (٦٦)، وأحمد (١١٢٧٧).
(٢) ابن ماجه (٥٢١)، وينظر: «العلل» لابن أبي حاتمٍ (المسألة: ٩٧).
(٣) «السنن الكبرى» للبيهقيِّ (١٢٢٨). وقال: «الحديث غير قويٍّ، إلا أنا لا نعلم في نجاسة الماء إذا تغير بالنجاسة خلافًا». والله أعلم.
[ ١ / ٢٦ ]
٤ - طهوريَّة الماء المستعمل في طهارةٍ واجبةٍ من وضوءٍ أو غسلٍ، أو غسل يد قائمٍ من نوم ليلٍ.
٥ - أنَّ الماء لا ينجس بملاقاة النَّجاسة قليلًا كان أو كثيرًا، إلَّا أن يتغيَّر أحد أوصافه: لونه أو طعمه أو ريحه؛ لحديث أبي أمامة ﵁ -وإن كان ضعيفًا- وللإجماع على معناه (^١)، وأمَّا القليل (وهو ما دون القلَّتين) ففيه نزاعٌ؛ لحديث ابن عمر ﵃ الآتي.
٦ - أنَّه لا فرق بين ورود الماء على النّجاسة وورودها عليه.
٧ - التَّيسير في حكم الماء.
٨ - طهوريَّة ماء بئر بضاعة التي كانت سبب الحديث، وأنَّها لم تتغيَّر بما يقع فيها من أقذارٍ.
٩ - تواضعه ﷺ؛ حيث يستقى له ممَّا يستقي منه سائر النَّاس (^٢).
* * * * *
(٥) وَعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ ﵃ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «إِذَا كَانَ الْمَاءُ قُلَّتَيْنِ لَمْ يَحْمِلِ الْخَبَثَ»، وَفِي لَفْظٍ: «لَمْ يَنْجُسْ». أَخْرَجَهُ الأَرْبَعَةُ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ، وَالحَاكِمُ، وَابْنُ حِبَّانَ (^٣).
_________________
(١) ينظر: الحاشية السابقة.
(٢) وهذا مأخوذٌ من قصة حديث أبي سعيدٍ الخدريِّ ﵁ السابق، وأنه سمع الرسول ﷺ وهو يقال له: «إنه يستقى لك من بئر بضاعة، وهي بئرٌ يلقى فيها لحوم الكلاب والمحايض عذر الناس …» الحديث. وكانت هذه البئر موضعها في حدورٍ من الأرض، وكانت السيول تكشح هذه الأقذار من الطرق والأفنية وتحملها وتلقيها فيها، وكان لكثرته لا يؤثر فيه هذه الأشياء ولا تغيره، فسألوا رسول الله ﷺ عن شأنها؛ ليعلموا حكمها في النجاسة والطهارة. ينظر: «عون المعبود»: (١/ ٩٠).
(٣) أبو داود (٦٣)، والنسائيُّ (٥٢)، والترمذيُّ (٦٧)، وابن ماجه (٥١٨)، وابن خزيمة (٩٢)، والحاكم (٤٥٨)، وابن حبان (١٢٤٩).
[ ١ / ٢٧ ]
وفي الحديث فوائد؛ منها:
١ - انقسام الماء من حيث حكم ما لاقى النَّجاسة منه.
٢ - الفرق بين ما بلغ قلَّتين، وما دون القلَّتين من حيث حمل النَّجاسة، وهو تنجُّسه بها.
٣ - أنَّ ما بلغ قلَّتين من الماء لا ينجس بملاقاة النَّجاسة، إلَّا إن تغيَّر أحد أوصافه كما تقدَّم، وهذا منطوق الحديث.
٤ - أنَّ ما دون القلَّتين ينجس بمجرَّد ملاقاة النَّجاسة، وهذا مفهوم الحديث، فمن ذهب من العلماء إلى الأخذ بمفهومه ورأى أنَّ الحديث صحيحٌ، خصَّ بمفهومه حديث بئر بضاعة، فحمل حديث أبي سعيدٍ ﵁ في بئر بضاعة على حديث ابن عمر ﵃ هذا، والذين لم يأخذوا بحديث ابن عمر ﵃ أجابوا عنه تارةً بالطَّعن فيه بالاضطراب، وتارةً بأنَّ دلالة المفهوم ضعيفةٌ، أو لا عموم لها، وتارةً بالاختلاف في مقدار القلَّتين، وبأنَّ تحديد الكثير بالقلَّتين لا يتيسَّر ضبطه لأكثر النَّاس، مع أنَّه متعلِّقٌ بما هو من أهمِّ أحكام الدِّين وهو الطَّهارة، وعليه؛ فالرَّاجح هو: الأخذ بمنطوق حديث أبي سعيدٍ ﵁، وهو أنَّ الماء لا ينجس إلَّا أن يتغيَّر بنجاسةٍ قليلًا كان أو كثيرًا.
* * * * *
(٦) وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «لَا يَغْتَسِلْ أَحَدُكُمْ فِي الْمَاءِ الدَّائِمِ وَهُوَ جُنُبٌ». أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ (^١).
_________________
(١) مسلمٌ (٢٨٣).
[ ١ / ٢٨ ]
(٧) وَلِلْبُخَارِيِّ: «لَا يَبُولَنَّ أَحَدُكُمْ فِي الْمَاءِ الدَّائِمِ الَّذِي لا يَجْرِي ثُمَّ يَغْتَسِلُ فِيهِ» (^١).
(٨) وَلِمُسْلِمٍ: «مِنْهُ» (^٢).
(٩) وَلأَبِي دَاوُدَ: «وَلَا يَغْتَسِلْ فِيهِ مِنَ الْجَنَابَةِ» (^٣).
* * *
في الحديث بمجموع الروايات فوائد، منها:
١ - النَّهي عن البول في الماء الدَّائم؛ وهو الذي لا يجري، كما جاء عند البخاريِّ (^٤) ومسلمٍ من حديث أبي هريرة (^٥) ﵃.
٢ - النَّهي عن الاغتسال من الجنابة في الماء الدَّائم. كما في حديث أبي هريرة ﵁ عند مسلمٍ، وكما في رواية أبي داود.
٣ - النَّهي عن البول في الماء الدَّائم ثمَّ الاغتسال فيه، كما في رواية البخاريِّ.
٤ - النَّهي عن البول في الماء الدَّائم ثمَّ الاغتسال منه مطلقًا؛ لطهارةٍ أو غيرها، كما في رواية مسلمٍ: «ثُمَّ يَغْتَسِلُ مِنْهُ».
٥ - أنَّ هذه الأحكام للماء الدَّائم قليلًا كان أو كثيرًا، وقد قال بظاهره بعض أهل العلم، وهم الذين لا يفرِّقون بين قليل الماء وكثيره، وقالوا: لا يجوز البول في الدَّائم ولا الاغتسال فيه من الجنابة، وإن كان كثيرًا، إلَّا المستبحر؛ وهو الذي يشبه البحر في كثرته.
_________________
(١) البخاريُّ (٢٣٩).
(٢) مسلمٌ (٢٨٢).
(٣) أبو داود (٧٠) ولفظه: «لَا يَبُولَنَّ أَحَدُكُمْ فِي الْمَاءِ الدَّائِمِ، ولا يَغْتَسِلْ فِيهِ مِنَ الجَنَابَة».
(٤) البخاريُّ (٢٣٩).
(٥) مسلمٌ (٢٨٢).
[ ١ / ٢٩ ]
وأمَّا الذين يقسِّمون الماء إلى قليلٍ وكثيرٍ ويفرِّقون بينهما في الحكم -كما تقدَّم- فيحملون هذا الحديث على القليل وهو ما دون القلَّتين؛ لأنَّ البول فيه ينجِّسه، والاغتسال فيه من الجنابة يسلبه الطَّهوريَّة عندهم.
وعلَّة النَّهي عند الأوَّلين تقذير الماء، وقد يفضي البول فيه إلى تنجيسه.
٦ - فيه جواز البول في الماء الجاري، كما يفيده الوصف ب «الدَّائم»، وتأكيده بالذي لا يجري، وإثبات هذا الحكم بدليل الخطاب، وهو المفهوم. والتَّحقيق: أنَّه لا عموم له، فلا يصحُّ أن يقال: يجوز البول في كلِّ ماءٍ جارٍ، فإنَّ الجاري قد يكون كثيرًا، وقد يكون قليلًا، وقد يكون موردًا للنَّاس فلا يجوز البول فيه حينئذٍ؛ لتقذيره على الواردين، أو تنجيسه إذا كان الجاري قليلًا.
* * * * *
(١٠) وَعَنْ رَجُلٍ صَحِبَ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «نَهَى رَسُولُ اللهِ ﷺ أَنْ تَغْتَسِلَ الْمَرْأَةُ بِفَضْلِ الرَّجُلِ، أَوِ الرَّجُلُ بِفَضْلِ الْمَرْأَةِ، وَلْيَغْتَرِفَا جَمِيعًا». أَخْرَجَهُ أبو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ (^١). وَإِسْنَادُهُ صَحِيحٌ.
(١١) وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵃: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَغْتَسِلُ بِفَضْلِ مَيْمُونَةَ ﵂. أَخرجَهُ مُسْلِم (^٢).
(١٢) وَلأَصْحَابِ السُّنَنِ: اغْتَسَلَ بَعْضُ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ ﷺ فِي جَفْنَةٍ، فَجَاءَ يَغْتَسِلُ مِنْهَا، فَقَالَتْ: «إنِّي كُنْتُ جُنُبًا»، فَقَالَ: «إنَّ الْمَاءَ لا يُجْنِبُ». وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ خُزَيْمَةَ (^٣).
* * *
_________________
(١) أبو داود (٢٨)، والنسائيُّ (٢٣٨).
(٢) مسلمٌ (٧٦٠).
(٣) أبو داود (٦٨)، والنسائيُّ (٣٢٥)، والترمذيُّ (٦٥)، وابن ماجه (٣٧٠)، وابن خزيمة (٩١).
[ ١ / ٣٠ ]
وفي الأحاديث فوائد؛ منها:
١ - نهي الرَّجل عن الاغتسال بفضل المرأة، وهو ما بقي من طهورها. وفي حكم الغسل الوضوء، وهذا النَّهي محمولٌ على الكراهة، أو على خلاف الأولى عند جمهور العلماء؛ لحديثي ابن عبَّاسٍ ﵃ المذكورين.
وقال بعضهم: إنَّ النَّهي للتَّحريم، وشرطوا في التَّحريم أن تخلو بالماء، وعليه فلا يرفع حدث الرَّجل التَّطهُّر بما خلت به.
٢ - نهي المرأة أن تغتسل بفضل الرَّجل. وقد حكي الإجماع على عدم تحريم ذلك (^١)، ولكن هل يكره؟ ذهب أكثر أهل العلم إلى عدم الكراهة، والأظهر: أنَّه أولى بالجواز من تطهُّر الرَّجل بفضل المرأة، فالصَّارف للنَّهي في الحكم الأوَّل هو الصَّارف للنَّهي في الحكم الثَّاني.
٣ - جواز أن يغتسل الرَّجل مع امرأته من إناءٍ واحدٍ، وهذا متَّفقٌ عليه، وهو ثابتٌ من فعله ﷺ مع أزواجه.
٤ - جواز رؤية كلٍّ من الزَّوجين لعورة الآخر؛ فإنَّ ذلك لازمٌ من اغتسالهما جميعًا.
٥ - جواز أن يغتسل الرَّجل بفضل المرأة، كما يدلُّ عليه حديث ابن عبَّاسٍ ﵃، وأولى منه في الجواز أو مثله اغتسال المرأة بفضل الرَّجل.
٦ - جواز اغتسال الرَّجل بفضل طهور المرأة وإن خلت به؛ لظاهر الرِّواية الثَّانية لحديث ابن عبَّاسٍ ﵃.
٧ - أنَّ هذا الحكم -وهو جواز اغتسال الرَّجل بفضل طهور المرأة- لا يختصُّ بالنَّبيِّ ﷺ، لقوله: «إِنَّ الْمَاءَ لا يُجْنِبُ».
_________________
(١) حكاه النوويُّ في «شرحه» لمسلمٍ (٤/ ٢).
[ ١ / ٣١ ]
٨ - أنَّ غسل الجنب -رجلًا كان أو امرأةً- من الماء لا يسلبه الطَّهوريَّة، قليلًا كان أو كثيرًا.
٩ - مشروعيَّة الغسل من الجنابة، وقد دلَّ على وجوبه الكتاب والسُّنَّة والإجماع.
١٠ - تواضعه وحسن خلقه ﷺ لاغتساله من فضل غسل زوجته.
١١ - التَّنبيه إلى ما يخشى من وقوع الخطأ فيه، والسُّؤال عمَّا اشتبه حكمه، لقول ميمونة ﵂: «إنِّي كنت جنبًا».
١٢ - أنَّ الأمر في قوله ﷺ: «وَلْيَغْتَرِفَا جَمِيعًا» للإباحة؛ وذلك لأنَّ ميمونة ﵂ اغتسلت من الجفنة قبله ﵊.
١٣ - تعليل الأحكام، لقوله ﷺ: «إنَّ الْمَاءَ لا يُجْنِبُ» فقد علَّل ﷺ جواز غسله من الماء ببيان أنَّ الماء لا يتأثَّر.
* * * * *
(١٣) وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «طُهُورُ إنَاءِ أَحَدِكُمْ إذَا وَلَغَ فِيهِ الْكَلْبُ أَنْ يَغْسِلَهُ سَبْعَ مَرَّاتٍ، أُولاهُنَّ بِالتُّرَابِ». أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ.
وفي لفظٍ له: «فَلْيُرِقْهُ» (^١).
وللتِّرمذيِّ: «أُخْرَاهُنَّ، أَوْ أُولاهُنَّ» (^٢).
* * *
وفي الحديث فوائد؛ منها:
١ - نجاسة لعاب الكلب، وإلى هذا ذهب أكثر أهل العلم، كما يدلُّ له الأمر بغسل الإناء سبعًا وتسمية ذلك طهورًا، وألحقوا بلعابه سائر أجزائه،
_________________
(١) مسلمٌ (٢٧٩)، وهو أيضًا عند البخاريِّ (١٧٢)، لكن بلفظ: «إذَا شَرِبَ».
(٢) الترمذيُّ (٩١).
[ ١ / ٣٢ ]
وألحق بعضهم الخنزير في نجاسته وحكم غسلها، وأكثر العلماء على خلاف ذلك وهو أظهر، وقاس بعضهم ما أصاب الكلب بفمه من الصَّيد على ما ولغ فيه، ولا يصحُّ هذا القياس لأمرين:
أحدهما: أنَّ النَّبيَّ ﷺ بيَّن أحكام ما صاد الكلب ولم يأمر بغسل ما عضَّ الكلب.
الثَّاني: أنَّ إصابة الكلب للصَّيد لا يمكن التَّحرُّز منه، فلذا جاءت الشَّريعة بالعفو عنه، بخلاف الإناء ونحوه فالتَّحرُّز فيه ممكنٌ.
٢ - نجاسة الإناء الذي ولغ فيه الكلب، ومن باب أولى نجاسة ما في الإناء، وهذا هو مقصود المؤلِّف من إيراد الحديث، ويدلُّ له رواية مسلمٍ: «فَلْيُرِقْهُ»، وإن كان قد تكلِّم فيها (^١).
٣ - وجوب غسل الإناء سبعًا.
٤ - وجوب أن تكون إحداها بترابٍ، والأولى أن تكون الأولى، كما تدلُّ عليه رواية مسلمٍ، وأمَّا القائلون بعدم نجاسة الكلب، فحملوا الأمر بغسل الإناء على التَّعبُّد؛ بدليل تقديره بسبع مرَّاتٍ، وهذا هو المشهور عن مالكٍ وأصحابه.
٥ - أنَّ الكلب محرَّم الأكل؛ فإنَّ كلَّ نجسٍ حرامٌ أكله.
٦ - تحريم ملابسة الكلب وملاعبته؛ لما تؤدِّي إليه من التَّعرُّض لنجاسته، كما هي طريقة الكفَّار في اقتناء الكلاب.
٧ - أنَّ هذا الحكم عامٌّ في الكلاب المباح اقتناؤها وغيرها، وخصَّ بعضهم ذلك بغير المباحة، والصَّواب العموم.
* * * * *
_________________
(١) ينظر: «فتح الباري» (١/ ٢٧٥).
[ ١ / ٣٣ ]
(١٤) وَعَنْ أَبِي قَتَادَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ فِي الْهِرَّةِ: «إنَّهَا لَيْسَتْ بِنَجَسٍ، إنَّمَا هِيَ مِنَ الطَّوَّافِينَ عَلَيْكُمْ». أَخْرَجَهُ الأَرْبَعَةُ، وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ خُزَيْمَةَ (^١).
* * *
وفي الحديث فوائد؛ منها:
١ - طهارة سؤر الهرَّة، وهو بقيَّة شرابها وطعامها، وهذا هو المقصود من إيراد الحديث؛ لأنَّه المناسب للباب.
٢ - طهارة بدنها.
٣ - طهارة ريقها.
٤ - العلَّة في ذلك.
٥ - تعليل الأحكام الشَّرعيَّة بالأوصاف المناسبة.
٦ - أنَّ المشقَّة تجلب التَّيسير.
٧ - يسر الشَّريعة برفع الحرج.
٨ - طهارة ما كان في معنى الهرَّة في الطَّواف كالفأر.
٩ - أنَّ الحجَّة في قول الرَّسول ﷺ وفعله.
١٠ - ذكر الحجَّة على حكم الفعل، كما يدلُّ لذلك سبب رواية أبي قتادة ﵁ للحديث (^٢).
_________________
(١) أبو داود (٧٥)، والترمذيُّ (٩٢)، والنسائيُّ (٦٨)، وابن ماجه (٣٦٧)، وابن خزيمة (١٠٤).
(٢) والقصة رواها أصحاب السنن من حديث حميدة ابنة عبيد بن رفاعة عن خالتها كبشة ابنة كعب بن مالكٍ -وكانت تحت ابن أبي قتادة- أنَّ أبا قتادة أمرها فسكبت له وضوءًا، فجاءت هرةٌ فشربت منه، فأصغى لها الإناء، فشربت، قالت كبشة: «فرآني أنظر إليه! فقال: أتعجبين يا ابنة أخي؟ قالت: قلت: نعم. قال: إنَّ رسول الله ﷺ قال: …» الحديث.
[ ١ / ٣٤ ]
١١ - فضيلة أبي قتادة ﵁؛ لتواضعه ورحمته؛ حيث أصغى للهرَّة الإناء كما جاء في سبب رواية الحديث.
* * * * *
(١٥) وَعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁، قَالَ: «جَاءَ أَعْرَابِيٌّ فَبَالَ فِي طَائِفَةِ الْمَسْجِدِ فَزَجَرَهُ النَّاسُ، فَنَهَاهُمُ النَّبِيُّ ﷺ، فَلَمَّا قَضَى بَوْلَهُ أَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ بِذَنُوبٍ مِنْ مَاءٍ، فَأُهْرِيقَ عَلَيْهِ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (^١).
* * *
وفي الحديث فوائد؛ منها:
١ - نجاسة بول الآدميِّ، وهذا متَّفقٌ عليه.
٢ - وجوب صيانة المسجد عن الأقذار والنَّجاسات.
٣ - حُرمة المسجد في نفوس المؤمنين.
٤ - أنَّ البول في المسجد منكرٌ.
٥ - وجوب تطهير البقعة التي يُصلَّى عليها.
٦ - صفة تطهير النَّجاسة التي على الأرض إذا لم يكن لها جرمٌ، وذلك بمكاثرتها بالماء.
٧ - أنَّه لا يجب حفر الأرض ولا نقل التُّراب، ولو كانت الأرض رخوةً.
٨ - أنَّ الماء القليل لا يتنجَّس بمجرَّد ملاقاة النَّجاسة.
٩ - المبادرة في إنكار المنكر ما لم يعارض ذلك مصلحةٌ راجحةٌ.
١٠ - أنَّ إنكار المنكر فرض كفايةٍ؛ ومن ذلك تطهير المسجد عن النَّجاسة.
_________________
(١) البخاريُّ (٢٢١)، ومسلمٌ (٢٨٤)، واللفظ للبخاريِّ.
[ ١ / ٣٥ ]
١١ - العذر بالجهل، والرِّفق بالجاهل الذي هو مظنَّة الجهل.
١٢ - مراعاة الحكمة في التَّعليم والإنكار، ومن ذلك بيان سبب الإنكار.
١٣ - فيه دليلٌ لقاعدة ارتكاب أدنى المفسدتين لدفع أعلاهما، وتفويت أدنى المصلحتين لتحصيل أعلاهما، وهي قاعدةٌ عظيمةٌ دلَّ عليها الشَّرع في مواضع، والعقل يقتضيها.
١٤ - الإنكار على من خالف ما تجب مراعاته في الإنكار.
١٥ - أنَّ الغالب على الأعراب الجفاء والجهل.
١٦ - جواز البول قريبًا من النَّاس مع الاستتار عن العيون.
١٧ - حسن خلقه ﷺ ورفقه في التَّعليم.
١٨ - فضل الصَّحابة ﵃؛ لغيرتهم وغضبهم لفعل المنكر.
١٩ - جواز الخطأ على الصَّحابة ﵃.
* * * * *
(١٦) وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵃ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «أُحِلَّتْ لَنَا مَيْتَتَانِ وَدَمَانِ؛ فَأَمَّا الْمَيْتَتَانِ: فَالْجَرَادُ وَالْحُوتُ، وَأَمَّا الدَّمَانِ: فَالطِّحَالُ وَالْكَبِدُ». أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ، وَابْنُ ماجهْ، وَفِيهِ ضَعْفٌ (^١).
* * *
وفي الحديث فوائد؛ منها:
١ - أنَّ المطاعم منها حلالٌ ومنها حرامٌ.
٢ - أنَّ الإحلال والتَّحريم إلى الله وحده، وما حرَّمه الرَّسول ﷺ فهو ممَّا حرَّم الله، وكذا ما أحلَّه.
_________________
(١) أحمد (٥٧٢٣)، وابن ماجه (٣٣١٤).
[ ١ / ٣٦ ]
٣ - أنَّ الأصل تحريم الدَّم والميتة، وقد دلَّ على تحريمهما الكتاب والسُّنَّة والإجماع، كما قال تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالْدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ﴾ [المائدة: ٣].
٤ - حِلُّ الجراد والحوت من غير تذكيةٍ، فهما مخصوصان من عموم تحريم الميتة.
٥ - حِلُّ الكبد والطِّحال، وهما دمان جامدان، فهما مخصوصان من عموم تحريم الدَّم. وقد يخرجان من عموم الدَّم المحرَّم بوصف الدَّم بالمسفوح، فهما غير مسفوحين.
٦ - تخصيص القرآن بالسُّنَّة.
٧ - الإشارة إلى أنَّ الحكمة من إحلال الشَّيء هو نفع العباد والتَّيسير عليهم؛ لقوله: «لَنَا».
٨ - جواز الإبهام فيما هو مضافٌ إلى الله تعالى للعلم به؛ لقوله: «أُحِلَّتْ».
٩ - طهارة هذه الأجناس الأربعة.
١٠ - طهارة ما وقع فيه شيءٌ منها، وهذا هو المقصود من إيراد الحديث في الباب.
* * * * *
(١٧) وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «إذَا وَقَعَ الذُّبَابُ فِي شَرَابِ أَحَدِكُمْ فَلْيَغْمِسْهُ، ثُمَّ لْيَنْزِعْهُ؛ فَإِنَّ فِي أَحَدِ جَنَاحَيْهِ دَاءً وَفِي الآخَرِ شِفَاءً». أَخْرَجَهُ البُخارِيُّ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَزَادَ: «وَإِنَّهُ يَتَّقِي بِجَنَاحِهِ الَّذِي فِيهِ الدَّاءُ» (^١).
* * *
_________________
(١) البخاريُّ (٣٣٢٠)، وأبو داود (٣٨٤٤).
[ ١ / ٣٧ ]
وفي الحديث فوائد؛ منها:
١ - طهارة الذُّباب.
٢ - طهارة ما لا نفس له سائلةٌ، مثل الخنفس والعقرب والصُّرصور.
٣ - طهارة ما وقع فيه شيءٌ من ذلك من ماءٍ وغيره، وهذا هو المقصود من إيراد الحديث في الباب.
٤ - استحباب غمس الذُّباب في الشَّراب إذا وقع فيه، سواءٌ أكان حارًّا أم باردًا.
٥ - الحكمة من غمسه؛ وهي دفع دائه عن الشَّارب بدوائه.
٦ - الإرشاد إلى الانتفاع بالشَّراب الَّذي وقع فيه الذُّباب، وإن كانت إراقة الشَّراب تؤدِّي إلى إضاعة المال لكثرته؛ فتحرم إراقته للنَّهي عن إضاعة المال.
٧ - هداية الذُّباب لمنافعه واتِّقائه لمضارِّه.
٨ - فيه علمٌ من أعلام النُّبوَّة، وقد أثبت الطِّبُّ الحديث ما دلَّ عليه الحديث.
٩ - الإرشاد إلى الأخذ بأسباب الوقاية.
١٠ - اشتمال الشَّريعة على أصول طبِّ الأبدان.
١١ - كمال هذه الشَّريعة.
١٢ - أنَّ الشَّيء يُدفع بضدِّه.
١٣ - أنَّه ليس كلُّ ما يكرهه الإنسان كراهةً طبيعيَّةً يكون مُحرَّمًا، كما أنَّه ليس كلُّ ما يحبُّه يكون حلالًا، فلا تلازم بين المحبَّة والكراهة الطَّبيعيَّة والمحبَّة والكراهة الشَّرعيَّة، كما قال تعالى: ﴿وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ﴾ [البقرة: ٢١٦].
[ ١ / ٣٨ ]
(١٨) وَعَنْ أَبِي وَاقِدٍ اللَّيْثِيِّ ﵁ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «مَا قُطِعَ مِنَ الْبَهِيمَةِ وَهِيَ حَيَّةٌ فَهُوَ مَيِّتٌ». أَخْرَجَهُ أبو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنهُ، وَاللَّفْظُ لَهُ (^١).
* * *
وفي الحديث فوائد؛ منها:
١ - أنَّ ما انفصل من الحيوان وهو حيٌّ بفعل الإنسان أو غيره فهو ميِّتٌ.
٢ - أنَّ ما انفصل ممَّا ميتته حرامٌ فهو حرامٌ، وما انفصل ممَّا ميتته حلالٌ -كحيوان البحر- فهو حلالٌ.
٣ - أنَّ ما قطع من البهيمة بعد ذكاتها فليس بميتةٍ، ولو قبل أن تزهق الرُّوح (أي: تخرج)، وقد خُصَّ من عموم الحديث أشياء:
- الشَّعر ونحوه: كالصُّوف والوبر والرِّيش، فإنّه يجوز أخذه من الحيوان والانتفاع به؛ لأنَّه لا ينجس بقطعه؛ لأنَّه لا تحلُّ فيه الحياة الَّتي من شأنها الحسُّ والحركة الإراديَّة.
- الطَّريدة؛ وهي: الصَّيد يتبعه جماعةٌ فيمسكون به؛ فيقتطع كلٌّ منهم جزءًا فيموت بذلك.
- فأرة المسك؛ وهي: غدَّةٌ تبرز في أسفل الغزال يجتمع فيها شيءٌ من دمه وله رائحةٌ طيِّبةٌ، وهو المسك.
٤ - أنَّ ما وقع فيه الجزء المنفصل من الحيوان فهو بحسبه طهارةً ونجاسةً، وهذا هو المقصود من إيراد الحديث في باب المياه.
* * * * *
_________________
(١) أبو داود (٢٨٥٨)، والترمذيُّ (١٤٨٠).
[ ١ / ٣٩ ]