في طلبه العلم
قال عبد اللَّه بن الزبير الحُمَيْدي: قال لي الشافعي: كنت يتيمًا في حجر أمي ولم يكن معها ما تعطي للمعلم، وكان المعلم قد رضي مني أن أخلفه إذا قام، فلما ختمت القرآن دخلت المسْجد وكنت أجالس العلماء وأحفظ الحديث أو المسألة، وكان منزلنا بمكة في شعب الخيف، فكنت انظر إلى العظم يلوح فأكتب فيه الحديث أو المسألة وكانت لنا جرة قديمة فإذا امتلأ العظم طرَحتُه فيها.
وقال الزبير بن سليمان القرشي: سمعت الشافعي يقول: طلبت هذا الأمر عن خفة ذات يد، كنت أجالس الناس وأتحفظ، ثم اشتهيت أن أدون، وكنت آخذ العظام والأكتاف فأكتب فيها حتى امتلأ في دارنا من ذلك حُبَّان (١).
وقال الشافعي: كنت أستوهب الظهور من الديوان أكتب فيها، ولم يكن لي مال.
وقال الربيع بن سليمان: قال الشافعي: قدمت على مالك وقد حفظت الموطأ ظاهرًا فقلت: إني أريد أن أسمع الموطأ منك. فقال: اطلب من يقرأ. قلت: لا؛ عليك أن تسمع قراءتي فإن سهل عليك قرأت لنفسي. قال: اطلب من يقرأ لك. فكررت عليه، فقال: اقرأ. فلما سمع قراءتي قال: اقرأ، فقرأتُ عليه حتى فرغت منه. وقال أحمد بن حنبل: قال الشافعي لنا: قرأت الموطأ على مالك لأنه كان يعجبه قراءتي.
قال أحمد: لأنه كان فصيحًا. وقال الحميديّ: قال الشافعي: خرجت إلى اليمن في طلب كتب الفراسة حتى كتبتها وجمعتها.
_________________
(١) الحُبّ: الجرة الضخمة. اللسان مادة: حب.
[ ١ / ٣٩ ]
وقال الشافعي: أنفقت على كتب محمد بن الحسن ستين دينارًا ثم تدبرتها فوضعت إلى جنب كل مسألة حديثًا.
وقال الحميديّ: كان الشافعي رجلًا شريفًا، وكان يطلب اللغة، والعربية والفصاحة، والشعر في صغره وكان كثيرًا ما يخرج إلى البَدْوِ، فبينا هو ذات يوم في حيِّ من أحْياءِ العرب جاء إليه رجل فقال له: ما تقول في امرأة تحيض يومًا وتطهر يوما؟.
فقال: ما أدري. فقال له البدوي: يا ابن أخي الفريضة أولى بك من النافلة.
فقال له الشافعي: إنما أريد هذا لذاك وعليه قد عزمتُ وباللَّه التوفيق، ثم خرج إلى مالك بن أنس وكان مالك صدوقًا في حديثه وحيدًا في مجلسه فدخل الشافعي عليه فارتفع على أصحابه فهزه مالك فوجده موفورًا (١) من الأدب فرفعه على أصحابه، وقدمه عليهم، وقربه من نفسه.
وقال الشافعي: حفظت القرآن وأنا ابن سبع سنين وحفظت "الموطأ" وأنا ابن عشر سنين.
وقال الخطيب أبو بكر بن ثابت البغدادي: كان العلم بالمدينة قد انتهى إلى الفقهاء السبعة وهم: سعيد بن المسيب وعروة بن الزبير وعبيد اللَّه بن عبد اللَّه بن عتبة، وأبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هاشم، وخارجة بن زيد بن ثابت، وسليمان بن يسار، والقاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق فأخذ عن هؤلاء السبعة علمهم: محمد بن شهاب الزهري، ويحيى بن سعيد الأنصاري، وربيعة بن أبي عبد الرحمن، وأبو الزناد؛ وأخذ الشافعي علم هؤلاء الأربعة عن أصحابهم، أما الزهري فحفظ علمه عن مالك وسفيان بن عيينة وإبراهيم بن سعد ومسلم بن خالد الزنجي وعمه: محمد بن علي بن شافع. وأما يحيى بن سعيد وربيعة وأبو الزناد فحفظ علمهم عن مالك وسفيان، وكان من فقهاء
_________________
(١) في الحلية (٩/ ٨١) بلفظ: (فنهره مالك فوجده موقرًا في الأدب).
[ ١ / ٤٠ ]
المدينة ومحديثها محمد بن عبد الرحمن بن أبي ذئب فلم يدركه الشافعي لكنه أخذ علمه عن صاحبيه محمد بن إسماعيل بن أبي فديك وعبد اللَّه بن نافع الصائغ، وأمّا أهل مكة فانتهى العلم فيهم إلى عطاء وطاوُس ومجاهد وعمرو ابن دينار وابن أبي مليكة، فأخذ الشافعي علم عطاء من أصحاب ابن جريج ومنهم مسلم ابن خالد وعبد المجيد بن عبد العزيز بن أبي روَّاد وسعيد القداح وهؤلاء كانوا بمكة؛ ورحل إلى اليمن فأخذ عن هشام بن يوسف قاضي صنعاء، ومطرّف بن مازن وهما من كبار أصحاب ابن جريج وكان ابن جريج أخذ العلم عن عطاء نفسه، وأما طاوس ومجاهد فإن علمهما انتهى إلى ابن جريج وكان أخذ عن ابن طاوس والحسن بن مسلم بن ينّاق وإبراهيم بن ميسرة وشاركه في السماع من ابن طاوس وإبراهيم بن ميسر وسفيان بن عيينة، فأخذ الشافعي علم ابن جريج عمن قدمنا ذكره من أصحاب ابن جريج وأخذ عن ابن عيينة نفسه ما كان عنده من هذا النوع وأخذ عنه أيضًا علم عمرو بن دينار، وابن أبي مليكة، وبعضه أخذه عن داود بن عبد الرحمن العطار وكان ممن علت سنّه وتقدم سماعه، وأما أهل الشام فانتهي العلم فيهم إلى الأوزاعي فأخذه الشافعي عن صاحبه [عمرو بن أبي سلمة] (١) التِّنِّيسي وأما أهل مصر فانتهى العلم فيهم إلى الليث بن سعد فأخذه الشافعي عن جماعة من أصحابه والذي عول عليه منهم يحيى بن حسان، وأما أهل العراق فإن العلم انتهى فيهم: أما أهل الكوفة فإلى أبي إسحاق السَبيعيِّ منصور والأعمش وابن أبي خالد فأخذ علمهم عن ابن عيينة وحماد بن أسامة ووكيع، وأمّا أهل البصرة فأخذ علمهم عن ابن عُلَيَّةَ وعبد الوهاب الثقفي، فكمل للشافعي الاطلاع على علم جميع الأمصار والإشراف على حال علماء الأقطار.
_________________
(١) ما بين المعقوفتين في الأصل: [عمر بن أبي مسلمة] وهو تصحيف، والصواب ما أثبتناه، وهو مشهور في مشايخ الشافعي وربما كان الشافعي يصرح باسمه، وأحيانًا يقول: أخبرنا الثقة. وعمرو من رجال الجماعة، ومترجم له في التهذيب.
[ ١ / ٤١ ]