في المني
أخبرنا الشافعي، أخبرنا عمر بن أبي سلمة، عن يحيى بن سعد، عن القاسم، عن عائشة قالت: "كنت أفرك المني من ثوب رسول اللَّه - ﷺ -".
وأخبرنا الشافعي، أخبرنا ابن عيينة، عن منصور، عن إبراهيم، عن همام بن الحارث، عن عائشة قالت: "كنت أفرك المني من ثوب رسول اللَّه - ﷺ -".
وأخبرنا الشافعي، أنبأنا يحيى بن حسان، عن حماد بن سلمة، عن حماد ابن أبي سليمان، عن إبراهيم، عن علقمة والأسود، عن عائشة قالت:
"كنت أفرك المني من ثوب رسول اللَّه - ﷺ - ثم يصلي فيه".
هذا حديث صحيح، أخرجه مسلم (١)، وأبو داود (٢)، والترمذي (٣)، والنسائي (٤).
وقد روي عن الشافعي زيادة في رواية أخرى؛ من غير المسند "يفرك كما يفرك المخاط، والبصاقة، والطين، والشيء من الطعام يلصق بالثوب تنظيفًا لا تنجيسًا".
وأخرج الشافعي أيضًا من رواية الربيع عنه، عن سفيان بن عيينة، عن منصور، عن إبراهيم، عن همام بن الحارث، قال: ضاف عائشة ضيف
_________________
(١) مسلم (٢٨٨).
(٢) أبو داود (٣٧١، ٣٧٢) وقال عقب الرواية الثانية: وافقه مغيرة، وأبو معشر، وواصل.
(٣) الترمذي (١١٦) وقال: هذا حديث حسن صحيح. وهكذا روي عن منصور، عن إبراهيم، عن همام بن الحارث، عن عائشة مثل رواية الأعمش، وروى أبو معشر هذا الحديث عن إبراهيم، عن الأسود، عن عائشة، وحديث الأعمش أصح. وانظر تعليق الشيخ أحمد شاكر -﵀- عليه.
(٤) النسائي (١/ ١٥٦).
[ ١ / ١٤٥ ]
فأرسلت تدعوه، فقالوا لها: إنه أصابه جنابة، فذهب يغسل ثوبه، فقالت عائشة: "ولم غسله؟ إِنْ كُنتُ لأفرك المني من ثوب رسول اللَّه - ﷺ -".
أما مسلم: فأخرج الحديث عن يحيى بن يحيى، عن خالد بن عبد اللَّه بن خالد، عن أبي معشر، عن إبراهيم، عن علقمة، والأسود "أن رَجُلًا نزل بعائشة، فأصبح يغسل ثوبه فقالت عائشة: إنما كان يجزئك إن رأيته أن تغسل مكانه، فإن لم تره نضحت حوله، لقد رأيتني أفركه من ثوب رسول اللَّه - ﷺ - فيصلي فيه".
وأخرجه عن قتيبة بن سعيد، عن حماد بن زيد، عن هشام بن حسان، وعن إسحاق بن إبراهيم، عن عبدة بن سليمان، عن ابن أبي عَرُوبة، جميعًا عن أبي معشر.
وعن أبي بكر بن أبي شيبة، عن هشيم، عن مغيرة.
وعن محمد بن حاتم، عن عبد الرحمن بن مهدي، عن مهدي بن ميمون، عن واصل الأحدب.
وعن محمد بن حاتم، عن إسحاق بن منصور، عن إسرائيل، عن منصور، ومغيرة.
كل هؤلاء عن إبراهيم، عن الأسود، عن عائشة في: حَتِّ المني من ثوب رسول اللَّه - ﷺ -، نحو حديث خالد، عن أبي معشر. وله روايات أخرى لهذا الحديث.
وأما أبو داود: فأخرجه عن حفص بن عمر، عن شعبة، عن الحكم، عن إبراهيم، عن همام، عن عائشة نحوه بِذِكْرِ الضَّيفِ.
وله في أخرى: عن موسى بن إسماعيل، عن حماد، عن إبراهيم، عن الأسود، عن عائشة قالت: "كنت أفرك المني من ثوب رسول اللَّه - ﷺ - ويصلي فيه".
[ ١ / ١٤٦ ]
وأما الترمذي: فرواه عن هَنَّادٍ، عن أبي معاوية، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن همام، وذكر نحو الرواية التي فيها ذِكْرُ الضيف -بزيادة معنىً آخر فيها.
وأما النسائي: فأخرجه عن قتيبة، عن حماد، عن أبي هاشم، عن أبي مجلز، عن الحارث [بن] (١) نوفل، عن عائشة [قالت] (٢) "كنت أفرك المني، وقالت: مرة: الجنابة من ثوب رسول اللَّه - ﷺ -".
وله روايات أخرى كثيرة لهذا الحديث.
"الفَرْكُ": معروف وهو حكّ الشيء من الثوب بأصابعك أو بعود، ونحو ذلك لتزيله من الثوب.
و"المَنِيُّ" -مشدد: معروف وقد منى وأمني بمعنى، واستمنى إذا استدعى خروج المني، وقالوا إنما سمي مَنِيًّا: لأنه يمنى أي يراق.
و"النضح" بالحاء المهملة: -رش الماء على الثوب، والأرض، ونحو ذلك.
وقولها "فيصلي فيه" فيه فائدة تَزِيدُ الاكتفاءَ بالفركِ تأكيدًا، وذلكِ أنه متى كان الفرك قريب العهد؛ واتصلت به الصلاة كان ذلك أَدَلَّ على بقاء أثر الشيء المفروك لقرب العهد به، وفي ذلك أقوى حجة لمن اكتفى فيه بالفرك، لأنها قالت: "كنت أفركه فيصلي" عَقَّبتِ الفركَ بالصلاة بالفاء، وهذه هي إحدى روايات هشام، وهي أشبه بالمعنى من باقي الروايات، لأن بعضها قالت: "ويصلي فيه"، وبعضها "ثم يصلي فيه"، وبعضها لم يذكر الصلاة.
و"حَتُّ" الشيء مثل حَكِّهِ، إلا أن الحَتَّ كأنه أَخَصُّ بأطراف الأنامل من حكه.
_________________
(١) بالأصل [عن] وهو تصحيف، والحارث هو: بن نوفل بن الحارث بن عبد المطلب الهاشمي المكي، صحابي. تقريب.
(٢) بالأصل [قال] وهو تصحيف والجادة ما أثبتناه كما في التخريج.
[ ١ / ١٤٧ ]
وقوله في رواية الجماعة: "وهو يغسل ثوبه" يعني أنه لم يكتف بغسل الموضع الذي ناله المني من ثوبه حتى غسل جميع الثوب احتياطًا، لئلا يكون قد أصاب موضعا آخر من ثوبه وجهلة "فلذلك قالت له: "إنما كان يكفيه إن رآه أن يغسل مكانه، وإن لم يره نضحه" ثم بَيَّنَتْ مستند فتواها بقولها: "لقد رأيتني أفركه من ثوب رسول اللَّه - ﷺ - فيصلي فيه".
وإذا كان الفرك مُجْزِئًا فكيف يغسل مكانه؟!.
"ضِفْتَ الرَّجُلَ": إذا نزلتَ به ضَيْفًا، وأَضَفْتَهُ إذا أَنْزَلْته.
والذي ذهب إليه الشافعي: أن مني الرجل طاهر، ومني المرأة نجس، وقيل: إنه طاهر.
وإلى طهارة مني الرجل ذهب ابن عباس، وسعد بن أبي وقاص، وبه قال عطاء، وأحمد، وإسحاق، وأبو ثور.
فلا يجب غسله ويستحب فركه للحديث.
وقال مالك، والثوري، والأوزاعي: إنه نجس يجب غسله ولا يكفي فيه الفرك، وروي ذلك عن عمر بن الخطاب، وهو قول ابن المسيب.
وقال أبو حنيفة: هو نجس إلا أنه يُغْسَلُ رَطْبُهُ، وَيُفْرَكُ يَابِسُهُ.
ومن قال بطهارته، فليس في حديث الغسل وحديث الفرك تناقض؛ الغسل على الاستحباب والنظافة.
وقد قال الشافعي: فإن قال قائل: عمرو بن ميمون، روى عن سليمان بن يسار، عن عائشة: "أنها كانت تغسل المني من ثوب رسول اللَّه - ﷺ -" قلنا هذا إذا جعلناه يابسًا، فليس بخلافٍ لقولها: "كنت أفركه من ثوبه" كما لا يكون غسله قدميه مرة خلافُ لمسحه على خفيه في يوم من أيامه، وذلك أنه إذا مسح علمنا أنه يجزئ الصلاة بغسله لا أن واحدًا منهما خلاف الآخر، مع أن
[ ١ / ١٤٨ ]
هذا الحديث ليس بثابت عن عائشة، فإن عمرو بن ميمون يغلط في ذلك (١).
وأخبرنا الشافعي: أخبرنا سفيان، عن عمرو بن دينار، وابن جريج، كلاهما يخبره عن عطاء، عن ابن عباس أنه قال -في المني يصيب الثوب- قال: أمطه عنك. قال: أحدهما بعود أو إذخرة فإنما هو بمنزلة البصاق والمخاط.
هذا الحديث هكذا جاء في المسند، مرفوعًا (٢) على ابن عباس، وهو الصحيح.
وروي عن شريك، عن ابن أبي ليلى، عن عطاء مرفوعًا، ولا يثبت رفعه.
وقد أخرجه الترمذي (٣) في كتابه موقوفًا بغير إسناد.
"الإماطة": الإزالة، أمطت الشيء إذا نحيته، ومطت أنا إذا انتحيت، وقيل: يقال: مطت الإناء؛ وأمطت أيضًا إذا انتحيت، ولذلك يقال: مطت غيري.
_________________
(١) وهذا ادعاء بغير بينة، وعمرو لم يثبت عنه الغلط في هذه الرواية، وروايته مستقيمة لا مغمز فيها. فقد أخرج هذه الطريق البخاري في صحيحه (٢٢٩، ٢٣٠)، ومسلم (٢٨٩) كلاهما من طريق عمرو بن ميمون، عن سليمان عنها به، وفيه التصريح بالسماع منها. قال الحافظ في الفتح (١/ ٣٩٨ - ٣٩٩): وفي الإسناد الذي يليه (سألت عائشة) فيه رد على البزار حيث زعم أن سليمان بن يسار لم يسمع من عائشة، على أن البزار مسبوق بهذه الدعوى، فقد حكاه الشافعي في الأم عن غيره، وزاد أن الحفاظ قالوا: إن عمرو بن ميمون غلط في رفعه وإنما هو في فتوى سليمان. وقد تبين من تصحيح البخاري له وموافقة مسلم له على تصحيحه صحة سماع سليمان منها وأن رفعه صحيح، وليس بين فتواه وروايته تنافٍ، وكذا لا تأثير للاختلاف في الروايتين حيث وقع في إحداهما: أن عمرو بن ميمون سأل سليمان، وفي الأخرى: أن سليمان سأل عائشة، لأن كُلًّا منهما سأل شيخه فحفظ بعض الرواة ما لم يحفظ بعض وكلهم ثقات. وانظر أيضًا التلخيص الحبير (١/ ٣٢ - ٣٣).
(٢) ليس معنى الرفع هنا على المعنى الاصطلاحي المعروف، وإنما يقصد بذلك أنه أسند إلى ابن عباس.
(٣) جامع الترمذي (١/ ٢٠٢) عقب حديث رقم (١١٧). والطريق المرفوعة المشار إليها أخرجها البيهقي في السنن الكبير (٢/ ٤١٨) من طريق شريك، عن ابن أبي ليلى موقوفًا على ابن عباس وهو الصحيح.
[ ١ / ١٤٩ ]
و"الإذخر": معروف.
وهذا القول من ابن عباس: ذهاب منه إلى طهارته، وأنه يكفي إزالته بعود، ولا يحتاج إلى الغسل، ولذلك شبهه بما هو طاهر إجماعًا، وهو البصاق والمخاط.
أخبرنا الشافعي، أخبرنا الثقة، عن جرير بن عبد الحميد، عن منصور، عن مجاهد، قال: أخبرني المصعب بن سعد بن أبي وقاص، عن أبيه: "أنه كان إذا أصاب ثوبه المني؛ إن كان رَطْبًا مَسَحَهُ؛ وإن كان يابسًا حَتَّه ثم صَلَّى فيه".
هذا الحديث مؤكد لحديث عائشة، وابن عباس؛ وما ذهب إليه الشافعي من الاكتفاء فيه بالحَتِّ والفَرْكِ.
***
[ ١ / ١٥٠ ]