(١) باب ذكر الموت والاستعداد له وترغيب المؤمنين فيه
(١) عن أبي هريرة ﵁ قال قال رسول الله صلَّى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلَّم أكثروا ذكر هاذم اللذَّات
_________________
(١) للطالب ترك اتمام الأركان والانتقال الى الايماء (قال ابن المنير) والأبين عندى أن وجه الاستدلال من جهة أن الاستعجال المأمور به يقتضى ترك الصلاة أصلا كما جرى لبعضهم أو الصلاة على الدواب كما وقع لآخرين، لأن النزول ينافى مقصود الجد فى الوصول، فالأولون بنوا على أن النزول معصية بمعارضته للأمر الخاص بالاسراع. وكان تأخيرهم لها لوجود المعارض، والآخرون جمعوا بين دليلى وجوب الاسراع ووجوب الصلاة فى وقتها فصلوا ركبانا، فلو فرضنا أنهم نزلوا لكان ذلك مضادا للأمر بالاسراع؛ وهو لا يظن بهم لما فيه من المخالفة اهـ. قال الحافظ وهذا الذى حاوله ابن المنير قد أشار اليه ابن بطال بقوله لو وجد فى بعض طرق الحديث الى آخره، فلم يستحسن الجزم فى النقل بالاحتمال، وأما قوله لا يظن بهم المخالفة فمعترض بمثله بأن يقال لا يظن بهم المخالفة بتغيير هيئة الصلاة بغير توقيف، والأولى فى هذا ما قاله ابن المرابط ووافقه الزين بن المنير أن وجه الاستدلال منه بطريق الأولوية، لأن الذين أخروا الصلاة حتى وصلوا الى بنى قريظة لم يعنفوا مع كونهم فوَّتوا الوقت، فصلاة من لا يفوِّت الوقت بالايماء أو كيف ما يمكن أولى من تأخير الصلاة حتى يخرج وقتها، والله ﷾ أعلم
(٢) عن أبى هريرة (سنده) حدّثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا يزيد عن محمد بن ابراهيم عن محمد بن عمر عن أبى سلمة عن أبى هريرة الحديث" وفى آخره قال عبد الله ابن الأمام أحمد "قال أبى محمد بن ابراهيم هو أبو بنى شيبه" (غريبه) (١) بالذال المعجمة ومعناه القاطع أى مفرق ومشتت اللذات، وهو الموت لما صرح به فى رواية أخرى أما بالمهملة فمعناه مزيل الشئ من أصله كهدم الجدار، وكلٌّ صحيح، لكن الرواية بالمعجمة (تخريجه) (مذ. نس. جه) وصححه ابن حبان والحاكم وابن السكن وابن طاهر (*) الجنائز بفتح الجيم لا غير جمع جنازة بكسر الجيم وفتحها، قال ابن قتيبة وجماعة والكسر أفصح، وحكى صاحب المطالع أنه يقال بالفتح للميت وبالكسر للنعش عليه الميت، ويقال عكس ذلك اهـ والجنازة مشتقة من جنزاذاستر، قاله ابن فارس وغيره، والمضارع يجنز بكسر النون، أفاده النووي
[ ٧ / ٣٢ ]
(٢) عن البراء بن عازب ﵁ قال بينما نحن مع رسول الله ﷺ إذ بصر بجماعة، فقال علام اجتمع عليه هؤلاء؛ قيل على قبر يحفرونه، قال ففزع رسول الله صلَّى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلَّم فبدر بين يدي أصحابه مسرعًا حتَّى انتهى إلى القبر فجثا عليه قال فاستقبلته من بين يديه انظر ما يصنع فبكى حتَّى بلَّ الثَّرى من دموعه، ثمَّ أقبل علينا قال أي إخواني لمثل اليوم فأعدُّوا
(٣) عن عطاء بن السَّائب قال كان أوَّل يوم عرفت فيه عبد الرَّحمن
_________________
(١) كلهم من حديث محمد بن عمرو عن أبى سلمة عن أبى هريرة وأعلّه ابن القطان بالأرسال قاله الحافظ فى التلخيص (وقال النووى) رواه الترمذى والنسائى وابن ماجه بأسانيد صحيحة كلها على شرط البخارى ومسلم
(٢) عن البراء بن عازب (سنده) حدّثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا أبو عبد الرحمن المقرى وحسين بن محمد المعنى قالا ثنا أبو رجاء عبد الله بن واقد الهروى قال ثنا محمد بن مالك عن البراء بن عازب الحديث" (غريبه) (١) بضم الصاد المهملة أى علم، قال فى المصباح بصرت بالشئ بالضم والكسر لغة بصرا بفتحتين علمت فأنا بصير به يتعدى بالياء فى اللغة الفصحى، وقد يتعدى بنفسه وهو ذو بصر وبصيرة أى علم وخبرة، ويتعدى بالتضعيف إلى ثان فيقال بصّرته به تبصيرا، والاستبصار بمعنى البصيرة اهـ (٢) أى مشى (٣) أى جلس وهو من باب علا ورمى فهو جاث (فان قيل) كيف يجلس النبى ﷺ على القبر، وقد نهى عن الجلوس عليه (فالجواب) أن النهى انما ورد فى القبر الذى دفن فيه انسان، أما قبل الدفن فلا (٤) على وزن الحصى، التراب الندىّ فان لم يكن نديا فهو تراب، ولا يقال حينئذ ثرى، والمراد بالثرى هنا التراب الذى أخرج من القبر وسمى ثرى، لأن كل تراب يستخرج من بطن الأرض يكون نديا فى الغالب (٥) أى تأهبوا واتخذوا له عدة وهى ما يعد للحوادث، والمراد بالعدة هنا الخروج من المظالم والاقلاع عن المعاصى والاقبال على الطاعات (تخريجه) (جه) واسناده حسن
(٣) عن عطاء بن السائب (سنده) حدّثنا عبد الله حدثنى أبى حدثنا عفان حدثنا همام ثنا عطاء بن السائب قال كان أول يوم الحديث"
[ ٧ / ٣٣ ]
ابن أبي ليلى، رأيت شيخًا أبيض الرَّأس واللِّحية على حمارٍ وهو يتبع جنازةً فسمعته يقول، حدَّثني فلان بن فلانٍ سمع النَّبيِّ صلَّى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلَّم يقول من أحبَّ لقاء الله أحبَّ الله لقاءه، ومن كره لقاء الله كره الله لقاءه، قال فأكبَّ القوم يبكون، فقال ما يبكيكم؟ فقالوا إنَّا نكره الموت، قال ليس ذلك ولكنَّه إذا حضر ﴿فأمَّا إن كان من المقرَّبين فروحٌ وريحانٌ وجنَّة وجنَّة نسيمٍ﴾ فإذا بشِّر بذلك أحبَّ لقاء الله، والله للقاءه أحبُّ ﴿وأما إن كان من المكذِّبين الضَّالِّين فننزل من حميمٍ﴾ قال عطاء ﴿يعني ابن السَّائب﴾ وفي قراءة ابن مسعودٍ ﴿ثمَّ تصليه جحيمٍ﴾
_________________
(١) (غريبه) (١) لم يذكر اسم الصحابى وجهالته لا تضر (٢) بضم أوله وكسر ثانيه، يقال حضر فلان واحتضر دنا موته ويئس من حياته (٣) هم الذين فعلوا الواجبات والمستحبات، وتركوا المحرمات والمكروهات، وبعض المباحات كراهة الوقوع فى المكروهات (٤) أى فلهم روح وريحان وتبشرهم الملائكة بذلك عند الموت، تقول "أيتها الروح الطيبة فى الجسد الطيب كنت تعمرينه اخرجى الى رمح ويحان ورب غير غضبان" رواه الأمام أحمد وغيره عن أبى هريرة وغيره وسيأتى قريبا، قال على بن طلحة عن ابن عباس ﴿فروح﴾ يقول راحة ﴿وريحان﴾ يقول مستراحة، وكذا قال مجاهد إن "الروح" الاستراحة، وقال أبو حرزة الراحة من الدنيا، وقال سعيد بن جبير والمدى "الروح" الفرح، وعن مجاهد ﴿فروح وريحان﴾ جنة ورخاء، وقال قتادة ﴿فروح﴾ رحمة وقال ابن عباس ومجاهد وسعيد بن جبير ﴿وريحان﴾ ورزق، وكل هذه الأقوال متقاربة صحيحة فان ما مقربا حصل له جميع ذلك من الرحمة والراحة والاستراحة والفرح والسرور والرزق الحسن ﴿وجنة نعيم﴾ قال أبو العالية لا يفارق "أى لا يموت أحد" من المقربين حتى يؤتى بغصن من ريحان الجنة فيقبض روحه فيه، وقال محمد بن كعب لا يموت أحد من الناس حتى يعلم من أهل الجنة هو أم من أهل النار (٥) أى وأما إن كان المحتضر من المكذبين بالحق الضالين عن عن الهدى ﴿فنزل من حميم﴾ أى فالذى يعدَّ له حميم جهنم وهو الماء الساخن الذى يصهر به ما فى بطونهم والجلود، نعوذ بالله من ذلك (٦) قراءة حفص ﴿وتصلية جحيم﴾ أى يزاد عليه من العذاب فوق ما ذاقه من ألم الحميم أنه يصلى نارا حامية تغمره من جميع
[ ٧ / ٣٤ ]
فإذا بُشِّر بذلك يكره لقاء الله والله للقائه أكره
(٤) عن عامرٍ قال قال شربح بن هانئ بينما أنا في مسجد المدينة إذّ قال أبو هريرة ﵁ سمعت النَّبيَّ ﷺ يقول لا يحبُّ رجل لقاء الله ﷿ إلَّا أحبَّ الله لقاءه، ولا أبغض رجل الله إلَّا أبغض الله لقاءه، فأتيت عائشة فقلت، لئن كان ما ذكر أبو هريرة عن النَّبيِّ ﷺ حقًّا لقد هلكنا فقالت إنَّما الهالك من هلك فيما قال رسول الله ﷺ وما ذاك قال قال سمعت رسول الله ﷺ يقول لا يحب رجل لقاء الله ﷿ إلَّا أحبَّ الله لقاءه، لا أبغض رجل لقاء اللَّه إلَّا أبغض الله لقاءه، قال وأنا أشهد أني سمعته يقول ذلك، فهل تدري لِمَ ذلك؟ إذا حشرج الصَّدر وطمح
_________________
(١) جهالة نسأل الله السلامة (١) البشرى تكون فى الخير والشر وهى فى الخير أكثر، واذا أطلقت اختصت بالخير (٢) معنى الحديث أن الكراهة المعتبرة هى التى تكون عند النزع فى حالة لا تقبل توبته ولا غيرها، فحينئذ يبشر كل انسان بما هو صائر اليه وما أعد له ويكشف له عن ذلك، فأهل السعادة يحبون الموت ولقاء الله لينتقلوا إلى ما أعدلهم ويحب الله لقاءهم، أى فيجزل لهم العطاء والكرامة، وأهل الشقاء يكرهون لقاءه لما علموا من سوء ما ينتقلون اليه ويكره الله لقاءهم أى يبعدهم عن رحمته وكرامته ولا يريد ذلك بهم، وهذا معنى كراهته سبحانه لقاءهم، وليس معنى الحديث أنَّ سبب كراهة الله تعالى لقاءهم كراهتهم ذلك، ولا أنَّ حبه لقاء الآخرين حبهم ذلك، بل هو صفة لهم، أفاده النووى (تخريجه) (طب) ورجال إسناده رجال الصحيحين، وله شاهد من حديث عائشة عند الشيخين، ومن حديث أبى هريرة، وسيأتى والله ﷾ أعلم
(٢) عن عامر (سنده) حدّثنا عبد الله حدثنى أبى حدثنا عفان حدثنا أبو عوانة عن مطرف عن عامر الحديث" (غريبه) (٣) أى لأنه فهم من قوله فى الحديث "ولا أبغض رجل لقاء الله إلا أبغض الله لقاءه" أن معنى لقاء الله هو الموت، ومعلوم أن الموت مكروه عند الناس فهم هالكون لذلك (٤) يعنى من وصفه ﷺ بالهلاك وبما أن الحديث لم يصرح بهذا فلا محل لفهمه، فان رسول الله ﷺ لا يود
[ ٧ / ٣٥ ]
البصر واقشعرَّ الجلد، وتشنَّجت الأصابع، فعند ذلك مَن أحبَّ لقاء الله أحب الله لقاءه، ومَن أبغض لقاء الله أبغض الله لقاءه
(٥) عن أبي سَلَمَة عن أبي هريرة ﵁ قال قال رسول الله ﷺ قال الله ﷿ إذا أحبَّ العبد لقائي أحببتُ لقاءه، وإذا كَرِه العبد لقائي كرهتُ لقاءه، قال فقيل لأبي هريرة ما منَّا أحد إلَّا وهو يكره الموت ويفظع به قال أبو هريرة إنَّه إذا كان ذلك كُشِف به
(٦) عن أنس بن مالكٍ ﵁ قال قال رسول الله ﷺ مَن أحبَّ لقاء الله أحبَّ الله لقاءه، ومَن كره لقاء الله كره الله لقاءه، قلنا يا رسول الله كلنا نكره الموت، قال ليس ذاك كراهة الموت؛ ولكن المؤمن إذا حُضِرَ
_________________
(١) إلا ما فيه سعادة الخلق فى الدارين لا ما فيه هلاكهم (وقولها وما ذاك) تعنى وماذا سمعت من أبى هريرة عن النبى ﷺ؟ فذكر لها الحديث، فعملت أن أبا هريرة ما قال عن النبى ﷺ إلا حقا ولذا عززته بقولها، وأنا أشهد أنى سمعته يقول ذلك، تعنى النبى ﷺ ثم أخذت تشرح له الحديث فقالت "إذا حشرج الصدر الخ" الحشرجة هى تردد النفس فى الصدر والغرغرة عند الموت "وطموح البصر" معناه ارتفاع الأجفان الى فوق وتحديد النظر "واقشعرار الجلد" قيام شعره "وتشنج الأصابع" تقبضها، فحينئذ يكشف لهم عن مصيرهم، فمن كان من أهل السعادة رأى منزلته فى الجنة، فأحب لقاء الله، ومن كان من أهل الشقاوة رأى منزلته من الناز، فكره لقاء الله كما تقدم فى الحديث السابق، والله أعلم (تخريجه) (ق. نس. وغيرهم)
(٢) عن أبى سلمة (سنده) حدّثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا يزيد قال أنا محمد ابن عمرو عن أبى سلمة عن أبى هريرة الحديث" (غريبه) (١) أى يخافه ويهابه لشدته (٢) يعنى اذا كان وقت الموت وهو فى الغرغرة كشف له بمصيره، فان كان من أهل السعادة فلا يهاب الموت ولا يخشاه وأحب لقاء الله، وان كان غير ذلك فهو مستحق لغضب الله، والجزاء بما كسبت يداه (تخريجه) (خ. لك. نس. مذ)
(٣) عن أنس بن مالك (سنده) حدّثنا عبد الله حدثني أبي ثنا ابن أبي
[ ٧ / ٣٦ ]
جاءه البشير من الله ﷿ بما هو صائرٌ إليه، فليس شيءٌ أحبَّ إليه من أن يكون قد لقى الله ﷿ فأحبَّ الله لقاءه، وإنَّ الفاجر أو الكافر إذا حُضِر جاءه بما هو صائرٌ إليه من الشَّرِّ وما يلقاه من الشَّرِّ، فَكَرِهَ لقاء الله وكرِه اللهُ لقاءه
(٧) عن عُبادة بن الصَّامت ﵁ أنَّ رسول الله ﷺ قال مَن أحبَّ لقاءه الله أحبَّ الله لقاءه، ومن كره لقاء الله كره الله لقاءه
(٨) وعن عائشة ﵂ عن النَّبيِّ صلَّى الله تعالى عليه وعلى آله وصحبه وسلَّم مثله وزادت والموت قبل لقاء الله
(٩) عن معاذ بن جبل ﵁ قال قال رسول الله ﷺ إن شئتم أنبأتكم ما أوَّل ما يقول الله ﷿ للمؤمنين يوم القيامة وما أوَّل ما
_________________
(١) عدي عن حميد عن أنس "الحديث" (تخريجه) أورده الهيثمي، وقال رواه أحمد وأبو يعلى والبزار، ورجال أحمد رجال الصحيح
(٢) عن عبادة بن الصامت (سنده) حدّثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا عفان وثنا بهز، قال ثنا همام أنا قتادة عن أنس عن عبادة بن الصامت الحديث" (تخريجه) (ق. مذ. نس)
(٣) وعن عائشة (سنده) حدّثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا وكيع ثنا زكريا عن عامر عن شريح بن هانئ عن عائشة الحديث" (غريبه) (١) تريد بذلك أن لقاء الله ليس معناه الموت كما فهم بعض الناس، بل الموت أولا؛ ولقاء الله ﷿ بعد البعث من القبور (تخريجه) (ق. مذ. نس) وزاد النسائى فقيل يا رسول الله كراهية لقاء الله كراهية الموت، لكنا نكره الموت، قال ذاك عند موته، إذا بشر برحمة الله ومغفرته أحب لقاء الله وأحب الله لقاءه، واذا بشر بعذاب الله كره لقاء الله وكره الله لقاءه
(٤) عن معاذ بن جبل (سنده) حدّثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا على بن اسحاق أنا عبد الله أنا يحيى بن أيوب أن عبيد الله بن زحر حدثه عن خالد بن أبي عمران عن
[ ٧ / ٣٧ ]
يقولون له قُلنا نعم يا رسول الله، قال إنَّ الله ﷿ يقول للمؤمنين هل أحببتهم لقائي؟ فيقولون نعم يا ربَّنا، فيقول لِمَ؟ فيقولون رجونا عفوك ومغفرتك، فيقول قد وجبت لكم مغفرتي
_________________
(١) أبي عباش، قال قال معاذ بن جبل قال رسول الله ﷺ الحديث (تخريجه) (طب) وفى اسناده عبيد الله بن زحر "بفتح الزاى وسكون الحاء المهملة" صدوق يخطئ في بعض أحاديثه (وفي الباب) عن ابن عمر ﵄، قال قال رسول الله ﷺ أكثروا ذكر هاذم اللذات، يعنى الموت فانه ما كان في كثير إلاقلَّله ولا قليل الا جزّأه، رواه الطبرانى باسناد حسن (وعن أنس بن مالك) ﵁ أن رسول الله ﷺ مر بمجلس وهم يضحكون، فقال أكثروا من ذكر هاذم اللذات، أحسبه قال فانه ما ذكره أحد فى ضيق من العيش الا وسعه ولا فى سعة الا ضيقه عليه، رواه البزار باسناد حسن والبيهقى باختصار (وعن أبى ذر ﵁) من حديث طويل قال فلت يا رسول الله فما كانت صحف موسى ﵇؟ قال كانت عبرا كلها، عجبت لمن أيقن بالموت ثم هو يفرح، عجبت لمن أيقن بالنار ثم هو يضحك، عجبت لمن أيقن بالقدر ثم هو ينصب "أى يتعب" عجبت لمن رأى الدنيا وتقلبها بأهلها ثم اطمأن اليها. وعجبت لمن أيقن بالحساب غدا ثم لا يعمل رواه ابن حبان فى صحيحه وغيره (وعن أبى سعيد الخدرى) ﵁ قال دخل رسول الله ﷺ مصلاه فرأى ناسا يكتشرون "أى يضحكون والكشر ظهور الاسنان للضحك" فقال أما انكم لم أكثرتم ذكر هاذم اللذات لشغلكم عما أرى الموت، فاكثروا ذكر هاذم اللذات الموت، فانه لم يأت على القبر يوم إلا تكلم فيه فيقول، أنا بيت الغربة. وأنا بيت الوحدة. وأنا بيت التراب. وأنا بيت الدود "الحديث" رواه البيهقى والترمذى مطولا، وقال الترمذى حديث حسن غريب (وعن ابن عمر ﵄) قال "أتيت النبى ﷺ عاشر عشرة فقام رجل من الأنصار فقال يانبى الله من أكيس الناس وأحزم الناس؟ قال أكثرهم ذكرًا للموت وأكثرهم استعدادًا للموت، أولئك الأكياس ذهبوا بشرف الدنيا وكرامة الآخرة رواه ابن أبى الدنيا فى كتاب الموت والطبرانى فى الصغير باسناد حسن (الأحكام) أحاديث الباب فيها الحث على الاكثار من ذكر الموت "لأنه يزهد فى الدنيا" والاستعداد له بالأعمال الصالحة التى تقرب العبد من ربه واجتباب الأعمال الطالحة التى تبعده عن الرحمة (وفيها) التحذير من الاغترار بالدنيا والركون اليها (وفيها) تبشير المؤمن برؤية ما أعده الله له من النعيم المقيم في الجنة قبل
[ ٧ / ٣٨ ]
(٢) باب ما جاء في حسن الظن بالله ﷿ وحسن الخاتمة
(١٠) عن جابر بن عبد الله ﵄ قال سمعت رسول الله ﷺ يقول قبل موته بثلاثٍ، ألا لا يموتنَّ أحدٌ منكم إلَّا وهو يُحسنُ الظَّنَّ (وعنه من طريقٍ ثانٍ) قال قال رسول الله ﷺ لا يموتنَّ أحدكم إلَّا وهو يحسن بالله الظَّنَّ، فإنَّ قومًا قد أرداهم سوء ظنَّهم بالله ﷿ ﴿وذلكم ظنُّكم الَّذي ظننتم بربِّكم أرداكم فأصبحتم من الخاسرين﴾
_________________
(١) خروج روحه، فعند ذلك يرغب فى الموت استعجالا للقاء ربه، وبعكس ذلك أهل الشقاوة وفيها غير ذلك كثير، نسأل الله السلامة من كل مكروه آمين
(٢) عن جابر بن عبد الله (سنده) حدّثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا أبو معاوية ثنا الأعمش وابن نمير عن الأعمش عن أبى سفيان عن جابر الحديث" (غريبه) (١) قال العلماء هذا تحذير من القنوط وحث على الرجاء عند الخاتمة، ومعنى حسن الظن بالله تعالى أنه يظن أنه يرحمه ويعفو عنه، قالوا وفى حالة الصحة يكون خائفا راجيا ويكونان سواء، وقيل يكون الخوف أرجح، فاذا دنت أمارات الموت غلَّب الرجاء أو محَّضه، لأن مقصود الخوف الانكفاف عن المعاصى والقبائح والحرص على الاكثار من الطاعات والأعمال، وقد تعذر ذلك أو معظمه فى هذا الحال فاستحب إحسان الظن المتضمن للافتقار إلى الله تعالى والأذعان له، ويؤيده حديث "يبعث كل عبد على ما مات عليه" رواه مسلم، قال العلماء معناه يبعث على الحالة التى مات عليها، أفاده النووى (وقال الخطابى) إنما يحسن الظن بالله من حسن عمله، فكأنه قال أحسنوا أعمالكم يحسن ظنكم بالله؛ فان من ساء عمله ساء ظنه، وقد يكون أيضا حسن الظن بالله من ناحية الرجاء وتأميل العفو، والله جواد كريم لا آخذنا الله بسوء أفعالنا، ولا وكلنا إلى حسن أعمالنا برحمته اهـ (٢) (سنده) حدّثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا النضر بن اسماعيل القاص وهو أبو المغيرة ثنا ابن أبى ليلى عن أبى الزبير عن جابر "قال قال رسول الله ﷺ لا يموتن الحديث" (٣) أى أهلكهم (٤) هذه آية من كتاب الله ﷿ فى سورة حم السجدة استشهد بها النبى ﷺ على أن سوء الظن بالله ﷿ يوجب الهلاك لصاحبه، وهى متممة للآية التى قبلها وهى "وما كنتم تستترون أن يشهد عليكم سمعكم ولا أبصاركم ولا جلودكم ولكن ظننتم أن الله لا يعلم كثيرا مما تعملون، وذلك ظنكم الآية (تخريجه)
[ ٧ / ٣٩ ]
(١١) عن أبي هريرة ﵁ عن رسول الله ﷺ أنَّ الله ﷿، قال أنا عند ظنَّ عبدي بي إن ظنَّ بي خيرًا فله، وإن ظنَّ شرًا فله
(١٢) عن حِبَّان أبي النَّضر قال دخلت مع واثلة بن الأسقع ﵁ على أبي الأسود الجرشيِّ في مرضه الَّذي مات فيه، فسلَّم عليه وجلس، قال فأخذ أبو الأسود يمين واثلة فمسح بها على عينيه ووجهه لبيعته بها رسول الله ﷺ فقال له واثلة، واحدة أسألك عنها، قال وما هي؟ قال كيف ظنُّك بربِّك؟ قال فقال أبو الأسود وأشار برأسه حسنٌ، قال واثلة أبشر، إنِّي سمعت رسول الله صلَّى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلَّم يقول قال الله ﷿ أنا عند ظنَّ عبدي بي فليظنَّ بي ما شاء.
(١٣) عن عمر الجمعيَّ ﵁ أنَّ رسول الله ﷺ قال إذا أراد
_________________
(١) أخرج الطريق الأولى منه (م. د. جه. هق) وأخرج نحو الطريق الثانية (عب) وابن أبى الدنيا
(٢) عن أبى هريره (سنده) حدّثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا حسن بن موسى ثنا ابن لهيعة ثنا أبو يونس عن أبى هريرة الحديث (تخريجه) (ق) ولفظهما "أنا عند ظن عبدى بى وأنا معه حيث يذكرنى"
(٣) عن حبان أبى النضر (سنده) حدّثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا الوليد ابن مسلم قال حدثنى الوليد بن سليمان "يعنى ابن أبى السائب" قال حدثنى حبان أبو النضر "الحديث" (غريبه) (١) يريد التبرك بمسح يد وائلة ﵁ لأنها مست يد رسول الله ﷺ عند البيعة (تخريجه) (حب زهق) ورجاله ثقات، وأورده الهيثمى وقال رواه أحمد والطبرانى فى الأوسط ورجال أحمد ثقات
(٤) عن عمرو الجمعى (سنده) حدّثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا حيوة بن شريح ويزيد بن عبد ربه قالا ثنا بقية بن الوليد حدثنى بجير بن سعد عن خالد بن معدان ثنا جبير بن نفير أن عمر الجمعى حدثه أن رسول الله ﷺ قال الخ (غريبه) (٢) هكذا بالأصل الجمعى آخره عين مهملة، قال الحافظ فى الأصابة ذكره أحمد فى المسند وبيعه جماعة؛ وذكره ابن ماكولا فى الأكمال، وجزم بأن له صحبة ومدار حديثه عند أحمد
[ ٧ / ٤٠ ]
الله بعبدٍ خيرًا استعمله قبل موته فسأله رجلٌ من القوم ما استعمله؟ قال يهديه الله ﷿ إلى العمل الصالح قبل موته؛ ثمَّ يقبضه على ذلك
(١٤) عن عمرو بن الحمق الخزاعيِّ ﵁ أنه سمع النَّبيِّ صلَّى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلَّم يقول إذا أراد الله بعبدٍ خيرًا استعمله، قيل وما استعمله؟ قال يفتح له عملٌ صالحٌ بين يدي موته حتَّى يُرضى عنه من حوله
(١٥) عن أبي عنبة الخولانِّي ﵁ قال قال رسول الله ﷺ
_________________
(١) ومطين وابن أبى عاصم والبغوى وابن السكن والطبرانى عن بقية عن بجير بن سعد عن خالد ابن معدان عن جبير بن نفير عن عمر الجمعى حدثهم أن رسول الله ﷺ قال إذا أراد الله بعبد خيرا استعمله قبل موته "الحديث" قال ابن السكن يقال اسمه عمرو بن الحمق، وقال البغوى يقال إنه وهم من نفسه، وبذلك جزم أبو زرعة الدمشقى، وقد رواه ابن حبان فى صحيحه من طريق عبد الرحمن بن بجير بن بقية عن أبيه فقال عن عمرو بن الحمق، وكذلك رواه الطبرانى من طريق زيد بن واقد عن جبير بن نفير، وإنما لم أجزم بأنه غلط لمقام الاحتمال اهـ (قلت) عمرو بن الحمق عند الأمام أحمد غير عمر الجمعى وله حديث فى الباب، سيأتى بعد هذا (غريبه) (١) أى ما معنى استعمله؟ أو كيف يستعمله (٢) أى وهو متلبس بذلك العمل الصالح أو يكون آخر عمله فى الدنيا (وقد ورد) "من مات على شئ بعثه الله عليه" وسيأتى فى الباب عن جابر (تخريجه) (طب) والبغوى وابن السكن، وفى إسناده لينٌ، لكن يعضده ما بعده
(٢) "عمرو بن الحمق (سنده) حدّثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا زيد ابن الحباب ثنا معاوية بن صالح حدثنى عبد الرحمن بن جبير بن نفير عن أبيه عن عمرو ابن الحمق الخزاعى "الحديث" (غريبه) (٣) بضم الياء التحتية والفاعل الله، ويجوز فتحها والفاعل من حوله أى من أهله وجيرانه ومعارفه، فيبرءون ذمته ويثنون عليه خيرا فيجيز الرب ﷿ شهادتهم (تخريجه) (حب. ك) وصحح إسناده وأقره الذهبى على ذلك، لكن بلفظ عسله بدل استعمله، وسيأتى معنى عسله فى الحديث التالى
(٣) عن أبى عنبة الخولانى (سنده) حدّثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا سريج بن النعمان قال حدثنا بقية عن محمد بن زياد الألهانى قال حدثنى أبو عنبة قال سريج
[ ٧ / ٤١ ]
إذا أراد الله بعبدٍ خيرًا عسله قيل وما عسله قال يفتح الله له عملًا صالحًا قبل موته، ثمَّ يقبضه عليه
(١٦) عن جابر بن عبد الله ﵄ قال قال رسول الله ﷺ من مات على شيء بعثه الله عليه
(١٧) عن حذيفة بن اليمان ﵁ قال أسندت النَّبيَّ ﷺ إلى صدري فقال، مَن قال لا إله إلا الله ابتغاء وجه الله خُتِمَ له بها دخل الجنَّة، ومَن صام يومًا ابتغاء وجه الله ختم له به دخل الجنَّة، ومَن تصدَّق
_________________
(١) وله صحبة قال قال رسول الله ﷺ "الحديث" (غريبه) (١) العسل طيب الثناء مأخوذ من العسل، يقال عسل الطعام بعسله إذا جعل فيه العسل، شبه ما رزقه الله من العمل الصالح الذى طاب به ذكره بين قومه بالعسل الذى يجعل فى الطعام فيحلوا به ويطيب (نه) (تخريجه) (طب) وروى نحوه الحاكم فى المستدرك عن عمرو بن الحمق وصحح إسناده، وأقره الذهبى
(٢) عن جابر بن عبد الله (سنده) حدّثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا أبو معاوية ثنا بعض أصحابنا عن الأعمش عن أبى سيفان عن جابر "الحديث" (تخريجه) (ك) ولفظه "يبعث كل عبد على ما مات عليه" وقال هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجه البخارى (قلت) وأقره الذهبى
(٣) عن حذيفة بن اليمان (سنده) حدّثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا حسن وعفان قالا ثنا حماد بن سلمة عن عثمان البتى عن نعيم عفان فى حديثه ابن أبى هند عن حذيفة قال أسندت النبي ﷺ "الحديث" (غريبه) (٢) الظاهر والله أعلم أن ذلك كان فى مرض موت النبي ﷺ (٣) أى مخلصا فى ذلك لا يقصد به رياء ولا سمعة "وقوله ختم له بها" أى إن كانت آخر كلامه كما فى رواية عند مسلم والأمام أحمد وغيرهما بلفظ "من كان آخر كلامه لا إله إلا الله دخل الجنة" أى لابد له من دخلولها اما معجلا معافى، واما مؤخرا بعد عقابه (قال النووى ﵀) ويجوز فى حديث "من كان آخر كلامه لا إله إلا الله دخل الجنة" أن يكون خصوصا لمن كان هذا آخر نطقه وخاتمة لفظه؛ وإن كان قيل مخلطا فيكون سببا لرحمة الله تعالى اباه ونجاته رأسا من النار وتحريمه عليها بخلاف من لم يكن ذلك آخر كلامه من الموحدين المخلطين اهـ (٤) أى إن كان آخر
[ ٧ / ٤٢ ]
بصدقه ابتغاء وجه الله ختم له بها دخل الجنَّة
(٣) باب كراهة تمني الموت وفضل طول العمر مع حسن العمل
(١٨) عن أنس بن مالك ﵁ يُحدِّث عن النَّبيِّ ﷺ أنَّه قال
_________________
(١) أيامه من الدنيا، وكذلك يقال فى الصدقة، إن كانت آخر أعماله. والله أعلم (تخريجه) لم أقف عليه بهذا السياق لغير الامام أحمد، وسنده جيد (وفى الباب عن أبى هريرة) ﵁ مرفوعا أمر الله ﷿ بعبدين إلى النار، فلما وقف أحدهما على شفتها التفت، فقال أما والله انى كان ظنى بك لحسن؛ فقال الله ﷿ ردوه فأنا عند ظنك بى فغفر له، وفى لفظ ردوه، أنا عند حسن ظن عبدى بى رواه البيهقى (وعن عائشة ﵂) مرفوعا اذا أراد الله بعبد خيرا قيّض له قبل موته بعام ملكا يسدده ويوفقه حتى يقال مات بخير ما كان، فاذا حضر ورأى ثوابه اشتاقت نفسه فذلك حين أحب لقاء الله وأحب الله لقاءه، واذا أراد الله بعبد شرا قيّض له قبل موته بعام شيطانا فأضله وفتنه حتى يقال مات بشر ما كان عليه، فاذا حضر ورأى ما أعدَّ له من العذاب جزعت نفسه فذلك حين "كره لقاء الله وكره الله لقاءه" رواه عبد بن حميد (الأحكام) فى أحاديث الباب التحذير من القنوط والحث على الرجاء عند الخاتمة وتحسين الظن بالله ﷿ وتقدم معنى ذلك فى الشرح (وفيها أيضا) ايثار الآخرة على الدنيا بالأكثار من الأعمال الصالحة والمثابرة عليها خوفا من هجوم الموت بغتة فانَّ من مات على شئ بعثه الله عليه كما فى أحاديث الباب عن جابر، ومعنى ذلك أنه إذا مات العبد على عمل صالح أحب لقاء الله وأحب الله لقاءه (قال الخطابى) اللقاء يقع على أوجه، منها المعاينة (ومنها) البعث كقوله تعالى ﴿الذين كذبوا بلقاء الله﴾ (ومنها) الموت كقوله تعالى ﴿من كان يرجو لقاء الله فان أجل الله لآت﴾ وقوله ﴿قل ان الموت الذى تفرون منه فانه ملاقيكم﴾ (وقال ابن الأثير) فى النهاية المراد بلقاء الله هنا المصير الى الدار الآخرة وطلب ما عند الله، وليس الغرض به الموت لأن كلا يكرهه، فمن ترك الدنيا وأبغضها أحب لقاء الله، ومن آثرها وركن اليها كره لقاء الله لأنه إنما يصل اليه بالموت اهـ (وقال الخطابى) معنى محبة العيد للقاء الله ايثاره الآخرة على الدنيا، فلا يحب استمرار الأقامة فيها بل يستعد للارتحال عنها، والكراهة بضد ذلك اهـ (وفيها) ان من مات على عمل صالح كان ذلك دليلا على حسن الخاتمة وقبوله عند الله ودخوله الجنة نسأل الله أن لا يحرمنا من دخول الجنة مع السابقين آمين
(٢) عن أنس بن مالك (سنده) حدّثنا عبد الله حدثني أبي ثنا روح ثنا
[ ٧ / ٤٣ ]
لا يتمنَّ أحدكم الموت من ضُرِّ أصابه، فإن كان لابُدّ فاعلًا فليقل اللَّهمّ أحيني ما كانت الحياة خيرًا لي، وتوفَّني ما كانت الوفاة خيرًا لي
(١٩) عن أبي هريرة ﵁ قال قال رسول الله ﷺ لا يتمنَّ أحدكم الموت ولا يدعُ به من قبل أن يأتيه إنَّه إذا مات أحدكم انقطع
_________________
(١) شعبة قال سمعت ثابتا البنانى قال سمعت أنس بن مالك "الحديث" (غريبه) (١) لفظ البخارى ومسلم لا يتمنين بنون التوكيد، كما فى رواية أخرى عند الامام أحمد أيضا والخطاب للصحابة، والمراد هم ومن بعدهم من المسلمين عموما "وقوله من ضر أصابه" حمله جماعة من السلف على الضر الدنيوى، فان وجد الضر الأخروى بأن خشى فتنة فى دينه لم يدخل فى النهى، ويمكن أن يؤخذ ذلك من رواية ابن حبان "لا يتمنينَّ أحدكم الموت لضر نزل به فى الدنيا" على أن لفظ (فى) فى هذا الحديث سببىٌّ أى بسبب أمر من الدنيا، وقد فعل ذلك جماعة من الصحابة، ففى الموطأ عن عمر "اللهم كبرت سنى وضعفت قوتى وانتشرت رعيتى فاقبضنى اليك غير مضيّع ولا مفرّط" ومما جاء صريحا فى ذلك حديث معاذ عند أبى داود، وصححه الحاكم فى القول فى دبر كل صلاة وفيه "وإذا أردت بقوم فتنة فتوفنى اليك غير مفتون" (٢) فى رواية أخرى "فان كان ولابد متمنيا فليقل الخ" وفيه ما يصرف الأمر عن حقيقته من الوجوب أو الاستحباب ويدل على أنه لمطلق الأذن، لأن الأمر بعد الحظر لا يبقى على حقيقته، وقريب من هذا السياق ما أخرجه أصحاب السنن وغيرهم من حديث المقدام بن معد بكرب "حسب ابن آدم لقيمات يقمن صلبه، فان كان ولابد فثلث للطعام الحديث" أى إذا كان لابد من الزيادة على اللقيمات فيقتصر على الثلث فهو أذن بالاقتصار على الثلث لا أمر يقتضى الوجوب ولا الاستحباب (٣) الظاهر أن هذا التفصيل يشمل ما إذا كان الضر دينيا أم دنيويا، وهو يدل على أن النهى عن تمنى الموت مقيد بما إذا لم يكن على هذه الصيغة، لأن فى التمنى المطلق نوع اعتراض ومراغمة للقدر المحتوم، وفى هذه الصورة المأمور بها نوع تفويض وتسليم للقضاء، والله ﷾ أعلم (تخريجه) (ق. د. نس. مذ. هق)
(٢) عن أبى هريرة (سنده) حدّثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا عبد الرزاق ابن همام ثنا معمر عن همام بن منبه قال هذا ما حدثنا به أبو هريرة قال قال رسول ﷺ "الحديث" (غريبه) (٤) قال الحافظ هو قيد فى الصورتين ومفهومه أنه
[ ٧ / ٤٤ ]
عمله وإنَّه لا يزيد المؤمن من عمره إلَّا خيرًا ﴿وعنه من طريقٍ ثانٍ﴾ أنَّ رسول الله صلَّى الله تعالى عليه وعلى وآله وصحبه وسلَّم قال لا يتمنَّى أحدكم الموت، إ مَّا مُسيءٌ فيستغفر أو مُحسنٌ فيزداد
_________________
(١) إذا حل به لا يمنع من تمنيه رضًا بلقاء الله ولا من طلبه من الله لذلك وهو كذلك اهـ (١) قال النووى فى شرح مسلم هكذا هو فى بعض النسخ "يعنى نسخ مسلم" عمله وفى كثير منها أمله وكلاهما صحيح، لكن الأول أجود وهو المتكرر فى الأحاديث، والله أعلم اهـ. وقال الحافظ فيه إشارة إلى أن المعنى فى النهى عن تمنى الموت والدعاء به، هو انقطاع العمل بالموت فان الحياة يتسبب منها العمل والعمل يحصّل زيادة الثواب، ولو لم يكن الا استمرار التوحيد فهو أفضل الاعمال اهـ (٢) (سنده) حدّثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا روح ثنا محمد بن أبى حفصة ثنا ابن شهاب عن أبى عبيد مولى عبد الرحمن ابن عوف عن أبى هريرة أن رسول الله ﷺ قال "الحديث" (٣) قال الحافظ كذا للأكثر باثبات التحتانية، وهو لفظ نفى بمعنى النهى ووقع فى رواية الكشميهنى لا يتمن على لفظ النهى، ولا يتمنين، وكذل هو فى رواية همام عن أبى هريرة بزياة نون التأكيد اهـ (٤) استشكل بأنه قد يعمل السيئات فيزيده عمره شرا (قال الحافظ) وأجيب بأجوبة (أحدها) حمل المؤمن على الكامل وفيه بُعد (والثانى) أن المؤمن بصدد أن يعمل ما يكفر ذنوبه، إما من اجتناب الكبائر، وإما من فعل حسنات أخر قد تقاوم بتضعيفها سيئاته، وما دام الايمان باق فالحسنات بصدد التضعيف، والسيئات بصدد التكفير (والثالث) يقيد ما أطلق فى هذه الرواية بما وقع فى رواية الباب (يعنى عند البخارى) من الترجى حيث جاء بقوله "لعله" والترجى مشعر بالوقوع غالبا لا جزما، فخرج الخير مخرج تحسين الظن بالله وأن المحسن يرجو من الله الزيادة بأن يوفقه للزيادة من عمله الصالح، وأن المسيئ لا ينبغى له القنوط من رحمة الله ولا قطع رجائه، أشار الى ذلك شيخنا "يعنى العراقى" فى شرح الترمذى، ويدل على أن قصر العمر قد يكون خيرًا للمؤمن حديث أنس الذى فى أول الباب "وتوفنى اذا كانت الوفاة خيرا" وهو لا ينافى حديث أبى هريرة (ان المؤمن لا يزيده عمره الا خيرا) اذا حمل حديث أبى هريرة على الأغلب ومقابله على النادر اهـ (تخريجه) (ق. هق. نس. وغيرهم) ولفظه عند البخارى من حديث أبى هريرة أيضا "سمعت رسول الله ﷺ يقول لن يدخل أحدا عمله الجنة، قالوا ولا أنت يا رسول الله؟ قال
[ ٧ / ٤٥ ]
(٢٠) عن أمّ الفضل ﵂ أنَّ النَّبيِّ ﷺ دخل على العبَّاس وهو يشتكي فتمنَّى الموت، فقال يا عبَّاس يا عمّ رسول الله ﷺ لا تتمنّ الموت، إن كنت مُحسنًا تزداد إحسانًا إلى إحسانك خيرٌ لك، وإن كنت مُسيئًا فإن تؤهَّر تستعتب خيرٌ لك، فلا تمنَّي الموت ﴿وفي رواية﴾ وإن كنت مُسيئًا فإن تُؤخّر تستعتب من إساءتك خيرٌ لك
_________________
(١) ولا أنا، الا أن يتغمدني الله بفضل ورحمة فسددوا وقاربوا، ولا يتمنى أحدكم الموت اما محسنا فلعله أن يزداد خيرا وأما مسيئا فلعله أن يستعتب" أى يرجع عن موجب العتب عليه
(٢) عن أم الفضل (سنده) حدّثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا أبو سلمة الخزاعى قال أنا ليث ويونس قال ثنا ليث يعنى ابن سعد عن يزيد بن الهاد عن هند بنت الحارث عن أم الفضل الحديث" (غريبه) (١) اسمها لبابة بتخفيف الموحدة بنت الحارث بن حزن بفتح المهملة وسكون الزاى بعدها نون الهلالية، أم الفضل زوج العباس بن عبد المطلب وأخت ميمونة زوج النبي ﷺ ولدت للعباس ستة رجال لم تلد امرأة مثلهم الفضل. وعبد الله. ومعبد. وعبيد الله. وقثم، وعبد الرحمن، قال ابن حبان ماتت بعد العباس فى خلافة عثمان ﵃ (٢) أى تسترضى الله ﷿ بالاقلاع والاستغفار، والاستعتاب طلب الأعتاب والهمزة للازالة أى يطلب إزالة العتاب، عاتبة لامه وأعتبه ازال عتابه (قال الكرمانى) وهو مما جاء على غير القياس إذ الاستفعال إنما ينبنى من الثلاثى لا من المزيد فيه انتهى (قال الحافظ) وظاهر الحديث انحصار حال المكلف فى هاتين الحالتين، وبقى قسم ثالث وهو أن يكون مخلطا فيستمر على ذلك أو يزيد إحسانا أو يزيد إساءة أو يكون محسنا فينقلب مسيئا أو يكون مسيئا فيزداد إساءة (والجواب) أن ذلك خرج مخرج الغالب، لأن غالب حال المؤمنين ذلك، ولاسيما والمخاطب بذلك شفاها الصحابة، قال وقد خطر لى فى معنى الحديث أن فيه إشارة إلى تغبيط المحسن باحسانه، وتحذير المسئ من اساءته، فكأنه يقول من كان محسنا فليترك تمنى الموت وليستمر على إحسانه والا زدياد منه، ومن كان مسيئا فليترك تمنى الموت وليقلع عن الاساءة لئلا يموت على إساءته فيكون على خطر، وأما من عدا ذلك ممن تضمنه التقسيم فيؤخذ حكمه من هاتين الحالتين إذ لا انفكاك عن أحدهما، والله أعلم اهـ (تريجه) (عل. طب. ك) وقال صحيح على شرطهما (قلت) وأقره الذهبي
[ ٧ / ٤٦ ]
(٢١) عن أبي أمامة ﵁ جلسنا إلى رسول الله ﷺ فذكَّرنا ورقَّقنا فبكى سعد بن أبي وقَّاص ﵁ فأكثر البكاء فقال ياليتني مِتُّ، فقال النَّبيُّ صلَّى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلَّم يا سعدُ أعندي تتمنَّى الموت؟ فردَّد ذلك ثلاث مرَّاتٍ ثمَّ قال يا سعد إن كنت خُلقت للجنَّة فما طال عمرك أو حسن من عملك فهو خيرٌ لك
(٢٢) عن جابر بن عبد الله ﵄ قال قال رسول الله ﷺ لا تمنَّوا الموت فإنَّ هول المطَّلع شديدٌ، وإنَّ من السَّعادة أن يطول عمر العبد ويرزقه الله الإنابة
_________________
(١) عن أبي أمامة (سنده) حدّثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا أبو المغيرة ثنا معان بن رفاعة حدثنى على بن يزيد عن القاسم أبى عبد الرحمن عن أبى أمامة الحديث" ٠ غريب) (١) أى ردَّد النبى ﷺ قوله "يا سعد أعندى تتمنى الموت" ثلاث مرات لاستعظامه ذلك من سعد لأن فى تمنى الموت نقصا للأجر المزيد والدرجات التي يتحصل عليها بطول العمر وكثرة العمل، ويؤيد هذا المعنى ما فى حديث جابر الآتى بعده "وإن من السعادة أن يطول عمر العبد ويرزقه الله الانابة" وما جاء فى حديث أبى بكرة عند الترمذى، وقال حديث حسن صحيح بلفظ "إن رجلا قال يا رسول الله أى الناس خير؟ قال من طال عمره وحسن عمله" وسيأتى سند الأمام أحمد أيضا فى الباب التالى (تخريجه) (طب) وفى اسناده على بن يزيد الألهانى مختلف فيه، لكن يعضده حديث أنس وأبى هريرة
(٢) عن جابر بن عبد الله (سنده) حدّثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا أبو عامر وأبو أحمد قالا ثنا كثير بن زيد حدثنى الحارث بن يزيد قال أبو أحمد عن الحارث بن أبى يزيد قال سمعت جابر بن عبد الله يقول قال رسول الله ﷺ الحديث" (غريبه) (٢) بفتح أوله وثانيه وثالثه مشددا وهى على حذف احدى التاءين وأصله تتمنوا، وثبتت فى بعض الروايات (٣) المطلع بضم الميم وتشديد الطاء المهملة ما يطلع عليه العبد من احوال البرزخ ثم من أحوال القيامة بعد الموت، فليس فى تمنى الموت إلا تمنى الشدائد؛ فالخير فى طول العمر والرجوع إلى طاعة الله تعالى؛ لا فى تمنى الموت الذى يضيع هذا الخير الذى هو سبب لرفع الشدائد فيما بعد الموت (تخريجه) (بز. هق) وإسناده حسن
[ ٧ / ٤٧ ]
(٢٣) عن أبي إسحاق عن حارثة قال أتينا خبَّابًا ﵁ نعوده فقال لولا أنَّي سمعت رسول الله صلَّى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلَّم يقول لا يتمنَّينَّ أحدكم الموت لتمنَّيته
(٢٤) عن عليّ ﵁ قال مرَّ بي رسول الله ﷺ وأنا وجعٌ وأنا أقول، اللَّهمّ إن كان أجلي قد حضر فأرِحني، وإن كان آجلًا فارفعني، وإن كان بلاءًا فصبِّرني، قال ما قلت؟ فأعدت عليه فضربني برجله، فقال ما قلت؟ قال فأعدت عليه، فقال اللَّهمَّ عافِه أو اشفِهِ ﴿وفي روايةٍ اللهمّ اشفِهِ بدون شكٍ﴾ قال فما اشتكيت ذلك الوجع بعد
_________________
(١) عن أبي اسحاق (سنده) حدّثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا أسود ابن عامر ثنا شريك عن أبى إسحاق عن حارثة "الحديث" (غريبه) (١) هو ابن مضرّب بتشديد الراء المكسورة تابعة ثقة، وثقة ابن معين وغيره، وغلط من نقل عن المدينى أنه تركه (٣) بموحدتين الأولى مثقلة، ابن الأرت بتشديد التاء المثناه مولى بنى زهرة التميمى الصحابى أبو عبد الله، من السابقين الى الاسلام، كان يعذب فى الله وشهد بدرا ثم نزل الكوفة ومات بها سنة سبع وثلاثين (٣) أى لأنه كان مريضا وقد اكتوى سبعا وكان فى شدة الألم، كما يستفاد من حديث آخر عند الأمام أحمد والبخارى، وسيأتي فى ترجمة خباَّب بن الأرت من كتاب مناقب الصحابة إن شاء الله تعالى وذكره البخارى فى كتاب التمنى من صحيحه (٤) إنما لم يتمن الموت مع شدة تألمه من المرض لأنه سمع من رسول الله ﷺ النهى عن ذلك، ولولا ذلك لتمنى الموت ليستريح من الألم ﵁ (تخريجه) (ق. مذ. نس. هق)
(٢) عن على ﵁ (سنده) حدّثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا يحيى عن شعبة ثنا عمرو بن مرة عن عبد الله بن سلمة عن على ﵁ الحديث" (غريبه) (٥) أى فى رواية أخرى للامام أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى (٦) فيه أن دعاءه ﷺ لا يرد، وفيه منقبة لعلى ﵁ ومعجزة للنبى صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم (تخريجه) لم أقف عليه لغير الامام أحمد وسنده جيد
[ ٧ / ٤٨ ]
(٣٥) عن عائشة ﵂ قالت جاء بلالٌ إلى النَّبيِّ ﷺ فقال يا رسول الله ماتت فلانة واستراحت، فغضب رسول الله ﷺ وقال، إنَّما يستريح مَن دخل الجنَّة ﴿وفي رواية مَن غُفر له﴾
_________________
(١) عن عائشة ﵂ (سنده) حدّثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا يحيى قال أنا ابن لهيعة وقتيبة سعيد قال ثنا ابن لهيعة عن أبى الأسود عن عروة عن عائشة الحديث" (غريبه) (١) انما غضب النبى ﷺ من قول بلال "ماتت فلانة واستراحت" لأن ما كل من مات استراح، فقد يكون الموت شقاء على صاحبه إذا كان مفرطا فيما أوجبه الله عليه ولأن مصير الانسان لا يعلمه الا الله مهما كان صالحا (٢) أى من دخلها فعلا أو علم دخوله بوحى من الله ﷿؛ وكذا يقال فى المغفرة، أما من لم يعلم حاله فأمره مفوض لى الله ﷿، ولا يجوز التكهن بمصيره والله أعلم (تخريجه) (ش. طس. وابن عساكر) وحسنه الحافظ السيوطى (الأحكام) أحاديث الباب تدل على كراهة تمنى الموت لضر نزل بالتمنى من مرض أو فاقة أو محنة من عدو أو نحو ذلك من مشاق الدنيا؛ فأما إذا خاف ضررا ى دينه أو فتنة فيه فلا كراهة فيه لمفهوم أحاديث الباب، وقد فعل هذا الثانى خلائق من السلف عند خوف الفتنة فى أديانهم، وفيها أنه ان خالف ولم يصبر على حاله فى بلواه بالمرض ونحوه فليقل اللهم أحينى ان كانت الحياة خيرا لى الخ، والأفضل الصبر والسكون للقضاء، أفاده النووى (وقال ابن التين) قيل ان النهى منسوخ بقول يوسف ﴿توفنى مسلما وألحقنى بالصالحين﴾ وبقول سليمان ﴿وأدخلنى برحمتك فى عبادك الصالحين﴾ وبحديث عائشة (قالت سمعت النبى ﷺ وهو مستند الىّ يقول، اللهم اغفر لى وارحمنى وألحقنى بالرفيق الأعلى) رواه البخارى وغيره وبدعاء عمر بالموت وغيره، قال وليس الأمر كذلك لأن هؤلاء انما سألوا ما قارب الموت (قال الحافظ) وقد اختلف فى مراد يوسف ﵇؛ فقال قتادة لم يتمن الموت أحد إلا يوسف حين تكاملت عليه النعم وجمع له الشمل اشتاق إلى لقاء الله، أخرجه الطبرانى بسند صحيح عنه، وقال غيره بل مراده توفنى مسلما عند حضور أجلى؛ كذا أخرجه ابن أبى حاتم عن الضحاك بن مزاحم، وكذلك مراد سليمان ﵇، وعلى تقدير الحمل على ما قال قتادة فهو ليس من شرعنا، وإنما يؤخذ بشرع من قبلنا ما لم يرد فى شرعنا النهى عنه بالاتفاق (وقد استشكل) الأذن فى ذلك عند نزلو الموت، لأن نزول الموت لا يتحقق، فكرم من انتهى إلى غاية جرت العادة بموت من يصل اليها ثم عاش (والجواب) أنه يحتمل أن يكون المراد أن العبد يكون حاله فى ذلك الوقت حال من يتمنى نزوله به ويرضاه أن لو
[ ٧ / ٤٩ ]
(٤) باب فضل طول العمر مع حسن العمل وفضل من مات غريبًا
(٢٦) عن عبد الرَّحمن بن أبي بكرة عن أبيه ﵁ أنَّ رجلًا قال يا رسول الله أيُّ النَّاس خيرٌ، قال من طال عمره وحسن عمله قال فأيُّ الناس شرٌ، قال من طال عمره وساء عمله
(٢٧) عن أبي هريرة ﵁ قال قال رسول الله ﷺ ألا أنبِّئكم بخيركم، قالوا نعم يا رسول الله، قال خياركم أطولكم أعمارًا وأحسنكم أعمالًا
(٢٨) عن أنس بن مالك ﵁ إذا بلغ الرَّجل المسلم أربعين
_________________
(١) وقع به، والمعنى أن يطمئن قلبه الى ما يرد عليه من ربه ويرضى به ولا يقلق، ولو لم يتفق أنه يموت فى ذلك المرض اهـ والله أعلم
(٢) عن عبد الرحمن بن أبى بكرة (سنده) حدّثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا يزيد بن هارون ثنا حماد بن سلمة عن على بن زيد عن عبد الرحمن بن أبى بكرة الحديث" (غريبه) (١) أى لأنه كلما طال عمره كلما ازداد من أعمال الخير والبر فتكثر حسناته، وكثرة الحسنات تمحو السيئات فيكون مقبولا عند الله ﷿، وبعكس ذلك من طال عمره وساء عمله، نعوذ بالله من ذلك (تخريجه) أورده المنذرى وقال رواه الترمذى، وقال حديث حسن صحيح والطبرانى بأسناد صحيح، والحاكم والبيهقى فى الزهد وغيره اهـ
(٣) عن أبى هريرة (سنده) حدّثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا ابن أبى عدى عن أبى إسحاق عن محمد بن ابراهيم عن أبى سلمة عن أبى هريرة الحديث" وفي آخره قال أبو عبد الرحمن "يعنى عبد الله بن الأمام أحمد" سألت أبى عن العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه وسهل عن أبيه، فقال لم أسمع أحدًا ذكر العلاء إلا بخير، وقدم أبا صالح على العلاء (تخريجه) أورده المنذرى وقال رواه أحمد ورواته رواة الصحيح وابن حبان فى صحيحه والبهقى، ورواه الحاكم من حديث جابر وقال صحيح على شرطهما اهـ (قلت) وأقره الذهبى
(٤) عن أنس (سنده) حدّثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا أبو النضر ثنا الفرج ثنا محمد بن عامر عن محمد بن عبيد الله عن عمرو بن جعفر عن أنس بن مالك ﵁ إذا بلغ الرجل المسلم الخ الحديث" (غريبه) (٢) أي المستقيم الحال
[ ٧ / ٥٠ ]
سنة آمنه الله من أنوع البلايا من الجنون والبرص والجذام، وإذا بلغ الخمسين ليَّن الله ﷿ عليه حسابه وإذا بلغ السِّتّين رزقه الله إنابة يحبُّه عليها، وإذا بلغ السَّبعين أحبَّه الله وأحبَّه أهل السَّماءِ، وإذا بلغ الثَّمانين تقبَّل الله منه حسناته ومحا عنه سيئاته، وإذا بلغ التسعين عفر الله له ما تقدَّم من ذنبه وما تأخَّر، وسُمِّي أسير الله في الأرض وشُفَّع في أهله
_________________
(١) يعني الثلاث كما صرح بذلك فى بعض الروايات، وخص هذه الأدواء الثلاثة بالذكر لأنها أعظم البلايا ولأنها تنفر الناس ممن ابتلى منها، فاذا كان الرجل صالحا مستقيم الحال الى هذه المدة أكرمه الله تعالى بحفظه من هذه الأدواء الخبيثة مكافأة له على عمله (٢) أى خففه ولم يناقشه، لأن "من نوقش الحساب عذب" كما جاء فى بعض الأحاديث الصحيحة (٣) أى الرجوع إلى الله ﷿ بالتوبة والاقبال عليه فاذا أقبل على الله ورجع اليه، وفقه لصالح الأعمال ورضى عنه، وهذا معنى قوله يحبه عليها، لأن محبة الله للعبد الرضا عنه وقبول عمله، وكذا يقال فى قوله "وإذا بلغ السبعين أحبه الله" أى رضى عنه وقبل عمله (وأحبه أهل السماء) يعنى الملائكة (٤) أى كالأسير ينتظر الموت من وقت لآخر (تخريجه) (عل) والخطيب فى تاريخه وهو موقوف على أنس عند الامام أحمد، وفى إسناده من لم أعرفه (وقال الهيثمى) رواه البزار مرفوعا بأسنادين ورجال أحدهما ثقات (قلت) ورواه أبو يعلى مطولا عن أنس أيضا مرفوعا بلفظ "المولود حتى يبلغ الحنث ما عمل من حسنة كتبت لوالده أو لوالديه، وما عمل من سيئة لم تكتب عليه ولا على والديه" فاذا بلغ الحنث جرى عليه القلم، وأمر الملكان اللذان معه أن يحفظا وأن يشددا، فاذا بلغ أربعين سنة فى الاسلام، آمنه الله من البلايا الثلاثة، الجنون. والجذام والبرص"فذكر نحو حديث الباب إلى أن قال" فاذا بلغ التسعين، غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، وشفعه فى أهل بيته، وكان أسير الله فى أرضه، فاذا بلغ أرذل العمر لكيلا يعلم بعد علم شيئا، كتب الله له مثل ما كان يعمل فى صحته من الخير، فاذا عمل سيئة لم تكتب عليه (وله فى رواية أخرى عن أنس أيضا) أن رسول الله ﷺ قال "ما من مسلم يعمر فى الاسلام فذكر نحوه" وقال (فاذا بلغ السبعين سنة فى الاسلام أحبه الله وأحبه أهل السماء وأهل الأرض (وله فى أخرى) فاذا بلغ السبعين، غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، وكان أسير الله فى أرضه، وشفع فى أهل بيته رواها كلها
[ ٧ / ٥١ ]
(٢٩) عن أبي هريرة ﵁ قال قال رسول الله صلَّى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلَّم من أتت عليه ستُّون سنة فقد أعذر الله إليه في العمر
_________________
(١) أبو يعلى بأسانيد، وكلها لا تخلو من ضعف (فى الباب) عن عثمان بن عفان عند أبى يعلى وفيه ضعف (وعن عبد الله بن أبى بكر) عند الطبراني وفيه كلام (وعن سهل بن سعد) أن رسول الله ﷺ قال "إذا بلغ العبد ستين سنة فقد أعذر الله اليه فى العمر وأبلغ اليه فى العمر" (قال الهيثمي) رواه الطبراني ورجاله ورجال الصحيح (قلت) وهذه الطرق يعضد بعضها بعضا لكثرتها، والله ﷾ أعلم.
(٢) عن أبى هريرة (سنده) حدّثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا أبو عبد الرحمن ثنا سعيد بن أبى أيوب حدثنى محمد بن عجلان عن سعيد بن أبى سعيد المقبرى عن أبى هريرة الحديث" (غريبه) (١) يعنى من عاش ستين سنة (وفى رواية معمر عند الطبراني "لقد أعذر الله الى عبد أحياه حتى يبلغ ستين سنة أو سبعين سنة لقد أعذر الله اليه" ومعنى الاعذار إزالة العذر؛ يعنى أنه لم يبق له اعتذار، كأن يقول لو مدّ لى في الأجل لفعلت ما أمرت به، يقال أعذر اليه إذا بلَّغه أقصى الغاية فى العذر ومكنَّه منه، وإذا لم يكن له عذر فى ترك الطاعة مع تمكنه منها بالعمر الذى حصل له فلا ينبغى له حينئذ الا الاستغفار والطاعة والأقبال على الآخرة بالكلية، ونسبة الاعذار الى الله تعالى مجازيَّة، والمعنى أن الله ﷿ لم يترك للعبد سببا فى الاعتذار يتمسك به، والحاصل أنه لا يعاقب الا بعد حجة، قاله الحافظ (وقال ابن بطال) إنما كانت المتون حدا لهذا لأنها قريبة من المعترك، وهى سن الانابة والخشوع وترقب المنية، فهذا إعذار بعد إعذار لطفا من الله بعباده حتى نقلهم من حالة الجهل الى حالة العلم ثم أعذر اليهم فلم يعاقبهم الا بعد الحجج الواضحة وان كانوا فطروا على حب الدنيا وطول الأمل، لكنهم أمروا بمجاهدة النفس فى ذلك ليمتئلوا ما امروا به من الطاعة وينزجروا عما نهوا عنه من المعصية، وفى الحديث اشارة الى أن استكمال الستين مظنة لانقضاء الأجل؛ وأصرح من ذلك ما أخرجه الترمذى بسند حسن الى أبى سلمة بن عبد الرحمن عن أبى هريرة رفعه "أعمار أمتى ما بين الستين الى السبعين وأقلهم من تجوز ذلك" قال بعض الحكماء الأسنان أربعة، سن الطفولية ثم الشباب. ثم الكهولة. ثم الشيخوخة. وهى آخر الأسنان؛ وغالب ما يكون ما بين الستين والسبعين، فيحنئذ يظهر ضعف القوة بالنقص والانحطاط، فينبغى له الاقبال على الأخرة بالكلية لاستحالة أن يرجع الى الحالة الأولى من النشاط والقوة، وقد استنبط منه
[ ٧ / ٥٢ ]
(٣٠) عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵁ قال توفَّى رجلٌ بالمدينة فصلَّى عليه رسول الله ﷺ فقال ياليته مات في غير مولد فقال رجلٌ من النَّاس، لِمَ يا رسول الله؟ فقال رسول الله ﷺ إنَّ الرَّجل إذا توفَّى في غير مولده قيس له من مولده إلى منقطع أثره في الجنَّة
_________________
(١) بعض الشافعية أن من استكمل ستين فلم يحج مع القدرة فانه يكون مقصرا، ويأثم ان مات قبل أن يحج بخلاف ما دون ذلك اهـ (تخريجه) (ح. نس. طب)
(٢) عن عبد الله بن عمرو (سنده) حدّثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا حسن ثنا ابن لهيعة حدثنى حيىُّ بن عبد الله عن أبى عبد الرحمن الحبلى عن عبد الله ابن عمرو الحديث" (غريبه) (١) يعنى مات بغير المحل الذى ولد فيه، ولعله ﷺ لم يرد بذلك ياليته مات بغير المدينة، بل أراد ياليته كان غريبا مهاجرا بالمدينة ومات بها، فان الموت فى غير مولده فيمن مات بالمدينة كما يتصور بأن يولد فى المدينة ويموت فى غيرها كذلك يتصور بأن يولد فى غير المدينة ويموت بها، فليكن التمنى راجعا الى هذا الشق حتى لا يخالف الحديث حديث فضل الموت بالمدينة المنورة، قاله السندى وهو وجيه (٢) أى غريبا سواء أكان فى سفر أم إقامة (قيس له) أى ذرع له بالذراع الذى يقاس به (من مولده) أى المكان الذى ولد فيه (إلى منقطع أثره) بفتح الطاء أى الى موضع قطع أجله فالمراد بالأثر الأجل ويحتمل منتهى السفر، يعنى أنه ينصح له فى الجنة بقدر المسافة التى بين وطنه وموضع موته "وقوله فى الجنة" متعلق بقيس، وهذا القدر زيادة عما كان يستحقه لو أنه مات بوطنه لأنه تحامل على نفسه بتجرع مرارة مفارقة الاءلف والخلان والأهل والأوطان، ولم يجد له متعهدا فى مرضه غالبا ولا يحضره اذا احتضر أحد ممن يلوذ به فاذا صبر على ذلك محتسبا جوزى بما ذكر والله أعلم (تخريجه) (نس. جه) وفى اسناده ابن لهيعة عند الأمام أحمد، وسنده عند النسائى جيد وصححه الحافظ السيوطى (وفى الباب عن ابن عباس) ﵄ قال قال رسول الله ﷺ موت الغريب شهادة اذا احتضر فرمى ببصره عن يمينه وعن يساره فلم ير الا غريبا وذكر أهله وولده فتنفس فله بكل نفس يتنفسه يمحو الله عنه الفى الف سيئة ويكتب له الفى الف حسنة، رواه الطبرانى فى الكبير وفيه عمرو بن الحصين العقيلى وهو متروك (وعن أنس بن مالك) ﵁ قال قال رسول الله ﷺ ألا أنبئكم بخياركم؟ قالوا بلى يا رسول الله
[ ٧ / ٥٣ ]
(٥) باب ما جاء في المحتضر
وتلقينه كلمة التوحيد وحضور الصالحين عنده وعرق جبينه
(٣١) عن أبي سعيد الخدريِّ ﵁ قال قال رسول الله ﷺ
_________________
(١) قال خياركم أطولكم أعمارًا اذا سددوا أى اقتصدوا واستقاموا رواه أبو يعلى واسناده حسن (وعن جابر بن عبد الله) ﵄ أن رسول الله ﷺ قال ألا أنبئكم بخياركم؟ قالوا بلى. قال أحاسنكم أخلاقا وأطولكم أعمارا، أورده الهيثمى وقال رواه الترمذى غير قوله أطولكم أعمارا، ورواه البزار ورجاله رجال الصحيح غير مبارك بن فضالة، وقد وثق (الأحكام) أحاديث الباب تدل على فضل طول العمر لأنه يمكن صاحبه كثرة الأعمال الصالحة والاطلاع على أحوال الدنيا وتقلباتها والاتعاظ بكثرة من مات من اخوانه ومعارفه وذويه، مما يزهِّده فى الدنيا ويزيده رغبة فى المثابرة على أعمال الخير والبر، فان لم يتعظ بذلك ولم يقبل على الله ﷿ بالأعمال الصالحة كان طول عمره وبالًا عليه، وليس له عذر عند الله ﷿ بعد أن مدّ فى عمره ومكَّنه من الطاعة مدة مديدة، قال تعالى ﴿أول م نعمركم ما يتذكر فيه من تذكر وجاءكم النذير﴾ وقد اختلف العلماء فى المراد بالتعمير فى الآية على أقوال، فعن مسروق أنه أربعون سنة. وعن مجاهد عن ابن عباس أنه ست وأربعون سنة. وعن ابن عباس سبعون سنة. وعن سهل بن سعد ستون سنة. وعن أبى هريرة "من عمّر ستين سنة أو سبعين سنة، فقد أعذر الله اليه فى العمر" (قال الحافظ) وأصح الأقوال فى ذلك ما ثبت فى حديث الباب "يعنى حديث أبى هريرة الذى رواه البخارى والامام أحمد وهو الرابع من أحاديث الباب" قال ويدخل فى هذا حديث "معترك المنايا ما بين ستين وسبعين سنة" أخرجه أبو يعلى من طريق ابراهيم بن الفضل عن سعيد عن أبى هريرة وابراهيم ضعيف اهـ (واختلفوا أيضا) فى قوله ﷿ "وجاءكم النذير" من هو النذير، فقيل هو النبى ﷺ وعن زيد بن على "القرآن" وعن عكرمة وسفيان بن عيينة ووكيع "الثيب" وبه قال أكثر العلماء لأنه يأتى فى سن الكهولة فما بعدها، وهو علامة لمفارقة سن الصبا الذى هو مظنة اللهو (وفى أحاديث الباب أيضا) فضل من مات غريبا عن وطنه، وتقدم الكلام عليه فى الشرح (وفيها) غير ذلك، والله أعلم
(٢) عن أبى سعيد الخدرى (سنده) حدّثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا بشر بن المفضل ثنا عمارة بن غزية عن يحيى بن عمارة قال سمعت أيا سعيد يقول قال رسول الله
[ ٧ / ٥٤ ]
لقِّنوا موتاكم قول لا إله إلَّا الله
(٣٢) عن جابر بن عبد الله ﵄ قال سمعت عمر بن الخطَّاب ﵁ يقول لطلحة بن عبيد الله ﵁ مالي أراك قد شعثت واغبررت منذ توفِّي رسول الله ﷺ، لعلَّك ساءك يا طلحة إمارة ابن عمَّك قال معاذ الله، إنِّي لأحذركم أن لا أفعل ذلك، إنِّي سمعت رسول الله ﷺ يقول إنِّي لأعلم كلمة لا يقولها أحدٌ عند حضرة الموت إلَّا وجد روحه لها روحًا حين تخرج من جسده، وكانت له نورًا يوم القيامة، فلم أسأل رسول الله صلَّى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلَّم عنها ولم يُخبرني بها
_________________
(١) ﷺ الحديث" (غريبه) (١) قال القرطبى أى قولوا ذلك وذكروهم به عند الموت قال وسماهم موتى لأن الموت قد حضرهم اهـ (وقال النووى) معناه من حضره الموت، والمراد ذكّروه لا إله الا الله ليكون آخر كلامه كما فى الحديث "من كان آخر كلامه لا اله الا الله دخل الجنة" اهـ وينبغى أن لا يأمره بها، بل يقولها الحاضر تذكيرا لمحتضر بدون تكرير ولا إلحاح؛ فان قالها المحتضر اكتفى بذلك، فان تكلم بعد قولها ذكَّر بها مرة أخرى لتكون آخر كلامه كما تقدم، وكره الاكثار بها والمولاة خوفا من ضجر المحتضر لما فيه من الشدة والكرب؛ فربما كره ذلك بقلبه وتكلم بما لا يحمد، نسأل الله السلامة والنجاة، واستحضار ذكره فى هذا الوقت الرهيب (تخريجه) (م. هق. والأربعة)
(٢) عن جابر بن عبد الله (سنده) حدّثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا عبد الله بن نمير عن مجاهد عن عامر عن جابر بن عبد الله الحديث" (غريبه) (٣) يقال رجل شعث وسخ الجسد شعث الرأس أيضا وهو أشعث أغبر، أى من غير استجداد ولا تنظف (٣) يريد أمارة أبى بكر الصديق ﵁ لأن أبا بكر يجتمع نسبه مع طلحة بن عبيد الله فى عمرو بن كعب، فأبو بكر ﵁ اسمه عبد الله بن عثمان بن عامر بن عمرو بن كعب ابن سعيد بن تيم بن مرة بن كعب بن لؤى الخ نسب النبى ﷺ، وطلحة هو ابن عبيد الله ابن عثمان بن عمرو بن كعب الخ ما ذكرنا ويجتمع نسبهما مع نسب النبي ﷺ فى مرة بن كعب ابن لؤى ﵄ (٤) الروح الرحمة والراحة والفرح كما تقدم تفسيره فى شرح الحديث
[ ٧ / ٥٥ ]
فذلك الذي دخلني قال عمر ﵁ فأنا أعلمها، قال فلله الحمد فما هي؟ قال هي الكلمة التي قالها لعمِّه ﴿لا إله إلَّا الله﴾ قال طلعة صدقت (ومِن طريقٍ ثانٍ بنحوه وفيه) قال عمر أنا أخبرك بها، هي الكلمة التي أراد بها عمه شهادة ﴿أن لا إله إلَّا الله﴾ قال فكأنَّما كُشف عنِّي غكاء، قال صدقت. ل علم كلمة هي أفضل منها لأمره بها (ومن طريقٍ ثالثٍ) عن يحي بن طلحة ابن عبيد الله عن أبيه ﵁، أن عمر ﵁ رآه (يعني رأي طلحة) كئيبًا، فقال مالك يا أبا محمَّد، لعلَّك ساءتك إمرة ابن عمَّك يعني أبا بكر قال لا، وأثنى على أبي بكر ﵁، ولكنِّي سمعت النَّبيِّ ﷺ يقول إنِّي لأعلم كلمة لا يقولها عبدٌ عند موته إلَّا فرَّج الله عنه كربته وأشرق لونه، فذكر الحديث
(٣٣) عن كثير بن مُرَّة عن معاذ بن جبل ﵁ قال قال لنا معاذٌ في مرضه قد سمعت من رسول الله صلَّى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلَّم شيئًا
_________________
(١) الثالث من الباب الأول (١) أى أحزننى وغير حالى (٢) (سنده) حدّثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا يحيى عن اسماعيل ثنا عامر وحدثنا محمد بن عبيد ثنا اسماعيل بن أبى خالد عن رجل عن الشعبى قال مر عمر بطلحة فذكر معناه، وفيه قال عمر أنا أخبرك بها الى آخره (٣) يعنى التى أرادها النبى ﷺ من عمه أبى طالب قبل موته إشفاقا عليه من أن يموت على الكفر فلم يوفق لقولها، فلا حول ولا قوة إلا بالله (٤) (سنده) حدّثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا إبراهيم بن مهدى ثنا صالح بن عمر عن مطرف عن الشعبى عن يحيى بن طلحة الخ (٥) أى فذكر بقية الحديث كما تقدم فى الطريق الأولى (تخريجه) أورد الهيثمي الطريق الأولى والثالثة منه وقال رواه أبو يعلى ورجاله ثقات (قلت) وروى الطريق الثالثة منه الحاكم وقال هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه (قلت) وأقره الذهبى
(٢) عن كثير بن مرة (سنده) حدّثنا عبد الله حدثنا أبى ثنا محمد بن بكر أنا عبد الحميد يعنى ابن جعفر ثنا صالح يعنى ابن أبى عريب عن كثير بن مرة الحديث"
[ ٧ / ٥٦ ]
كنت أكتمكموه سمعت رسول الله ﷺ يقول من كان آخر كلامه لا إله إلَّا الله وجبت له الجنَّة
(٣٤) عن أنس بن مالكٍ ﵁ أنَّ رسول الله ﷺ عاد رجلًا من الأنصار (وفي رواية من بني النَّجَّار) فقال يا خال قل لا إله إلَّا الله، فقال أخالٌ أم عمٌّ؟ فقال لا بل خالٌ قال فخيرٌ لي أن أقول لا إله إلَّا الله؛ فقال النَّبيُّ صلَّى الله تعالى عليه وعلى آله وصحبه وسلَّم نعم
(٣٥) وعنه وأيضًا أنَّ غلامًا يهوديًا كان يضع للنَّبيِّ ﷺ وضوءه ويناوله
_________________
(١) (غريبه) (١) إنما كتم ذلك معاذ ﵁ خوفًا من اتكالهم وعدم العمل، فلما أدركته الوفاة وجد أنه لا مناص من تبليغه تحرجا من كتمان العلم ولئلا يناله وعيد "من كتم علمًا ألجمه الله يوم القيامة بلجام من نار" رواه (حب. ك) وقال صحيح لا غبار عليه (٢) أى لابد له من دخولها إما معجّلا معافى وإما مؤخرًا بعد عقابه، انظر كلام النووى فى شرح حديث حذيفة رقم ١٧ فى الباب الثانى من كتاب الجنائز صحيفة ٤٢ (تخريجه) (د. ك) وقال هذا حديث صحيح الاسناد ولم يخرجاه (قلت) وأقره الذهبى
(٢) عن أنس بن مالك (سنده) حدّثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا حسن ثنا حماد بن سلمة عن ثابت البناني عن أنس بن مالك الحديث" (غريبه) (٣) خاطبه النبى ﷺ بلفظ (خال) لأنه من بنى النجار، وبنو النجار اخوال عبد المطلب جد النبى ﷺ وقد صح عنه ﷺ أنه قال، خير دور الأنصار دار بنى النجار فهم أوسط دور الأنصار وأخوال عبد المطلب (تخريجه) أورده الهيثمي، وقال رواه أبو يعلى والبزار، ورجاله رجال الصحيح
(٣) وعنه أيضا (سنده) حدّثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا مؤمّل ثنا حماد ثنا ثابت عن أنس أن غلاما يهوديا الخ (غريبه) (٤) الغلام فى الأصل الابن الصغير، وجمع القلة غلمة، وجمع الكثرة غلمان، ويطلق الغلام على الرجل مجازا باسم ما كان عليه، كما يقال للصغير شيخ مجازا باسم ما يؤول اليه، فيحتمل أن يراد بالغلام هنا الرجل بدليل قوله ﷺ فى آخر الحديث "الحمد لله الذى أخرجه بى من النار" فلو كان صغيرا لما قال ذلك ﷺ لأن الصغير ممن رفع عنهم القلم، ويحتمل أن يراد به الصغير واختاره جماعة
[ ٧ / ٥٧ ]
نعليه؛ فمرض فأتاه النَّبيُّ ﷺ فدخل عليه وأبوه قاعدٌ عند رأسه، فقال له النَّبيُّ ﷺ يا فلان، قل لا إله إلا الله، فنظر إلى أبيه فسكت أبوه، فأعاد عليه النَّبيُّ ﷺ فنظر إلى أبيه، فقال أبوه أطِع يا أبا القاسم فقال الغلام، أشهد أن لا إله إلَّا الله وأنَّك رسول الله، فخرج النَّبيُّ صلَّى الله عليه وعلى وآله وصحبه وسلَّم وهو يقول الحمد لله الَّذي أخرجه بي من النَّار
(٣٦) عن زاذان أبي عمر قال حدَّثني من سمع النَّبيَّ صلَّى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلَّم يقول، من لُقِّن عند الموت لا إله إلَّا الله دخل الجنَّة
_________________
(١) من المحدثين، منهم الحافظ ابن حجر، واستدلوا به على تعذيب من لم يسلم إذا عقل الكفر والله أعلم (١) فيه دليل على كرم اخلاقه ﷺ وتواضعه ووفائه حيث كان يزور خدمه ويواسيهم ويعودهم اذا مرضوا، وان كانوا من غير المسلمين (٢) ألهم الله أبا الغلام أن يقول ذلك تحقيقا لرغبة النبي ﷺ ولسعادة الغلام وانقاذه من النار ببركته ﷺ وبنطقه بالشهادتين فى آخر لحظة من عمره، فجزاك الله أيها النبي الكريم، والسيد البر الرحيم، بما هو له أهل وما أنت له أهل (تخريجه) لم أقف عليه بهذا اللفظ لغير الامام أحمد وسنده جيد، وأخرج نحوه الطبرانى فى الكبير من حديث صفوان بن عسال المرادى ﵁، قال "دخل رسول الله ﷺ على غلام من اليهود وهو مريض، فقال أتشهد أن لا اله الا الله قال نعم، قال أتشهد أن محمدا رسول الله؟ قال نعم، ثم قبض فوليه رسول الله ﷺ والمسلمون فغسلوه ودفنوه (قال الهيثمى) واسناده حسن
(٢) عن زاذان أبى عمر (سنده) حدّثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا حسن بن موسى قال ثنا حماد بن سلمة عن عطاء بن السائب عن زاذان أبى عمر الحديث" (تخريجه) لم أقف عليه لغير الأمام أحمد وسنده جيد، وان كان قد تكلم فى عطاء بالنسبة لاختلاطه فى آخر عمره، وهذا الحديث يعضده ما عند الشيخين فى هذا الباب، وعطاء هو ابن السائب الثقفى أبو محمد الكوفى أحد الأئمة، قال ابن مهدى كان يختم كل ليلة، واختلط عطاء فسمع منه شعبة فى الاختلاط حديثين وجرير بن عبد الحميد وعبد الواحد بن زيد وأبو عوانة وهشيم وخالد بن عبد الله، قال ابن سعد مات سنة ست وثلاثين ومائة اهـ خلاصة، وقال فى التهذيب وثقة أحمد والنسائى والعجلى، وقال ابن معين جميع من روى عن عطاء فى الاختلاط الا شعبة وسفيان، قال ابن عدى واختلاطه في آخر عمره اهـ
[ ٧ / ٥٨ ]
(٣٧) عن ابن عباس ﵄ قال أتى رسول الله ﷺ بعض بناته وهي تجود بنفسها فوقع عليها فلم يرفع رأسه حتَّى قبضت، قال فرع رأسه وقال الحمد لله، المرمن بخيرٍ، تنزع نفسه من بين جنبيه وهو يحمد الله ﷿
(٣٨) عن ابن بريدة (الأسلميَّ) عن أبيه ﵁ أنَّه كان بخراسان فعاد أخاله وهو مريضٌ فوجده بالموت، وإذا هو يعرق جبينه فقال الله أكبر سمعت رسول الله ﷺ يقول موت المؤمن بعرق الجبين
_________________
(١) عن ابن عباس (سنده) حدّثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا أسود بن عامر قال ثنا إسرائيل عن عطاء بن السائب عن عكرمة عن ابن عباس الحديث" (غريبه) (١) لم أقف على من ذكر اسمها أو عرّفها، والظاهر أنها بنت احدى بناته ﷺ وكانت صغيرة كما سيأتى فى بعض طرق الحديث عند الامام أحمد فى الباب الأول من أبواب البكاء على الميت أن النبى ﷺ وضعها فى حجره حتى قبضت، وعند النسائى عن ابن عباس أيضًا قال "لما حضرت بنت لرسول الله ﷺ صغيرة فأخذها رسول الله ﷺ فضمها إلى صدره، ثم وضع يده عليها فقضت وهى بين يدى رسول الله ﷺ الحديث" ومعلوم أن بنات رسول الله ﷺ من صلبه توفين وهنّ متزوجات، فظهر أنها بنت إحدى بناته، والله أعلم (٣) أى تخرجها وتدفعها كما يدفع الانسان ماله يجود به، والجود الكرم، يريد أنها كانت فى النزع وسياق الموت (٣) أى لأن الدنيا سجن المؤمن، وأمنية المسجون أن يخرج من سجنه، لاسيما إذا بشر بما أعده الله له ورأى منزلته فى الجنة (تخريجه) (نس) واسناده جيد، وأخرج نحوه مسلم عن صهيب، والبيهقى عن سعد بن أبى وقاص، والامام أحمد عن أبى هريرة، وتقدم فى الباب الحادى عشر من كتاب الايمان
(٢) عن ابن بريدة (سنده) حدّثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا بهز ثنا مثنى بن سعيد عن قتادة عن ابن بريدة الحديث" (غريبه) (٤) قال العراقى فى شرح الترمذى اختلف فى معنى هذا الحديث فقيل إن عرق الجبين يكون لما يعالج من شدة الموت، وعليه يدل حديث ابن مسعود، قال أبو عبد الله القرطبى وفى حديث ابن مسعود "موت المؤمن بعرق الجبين يبقى عليه البقية من الذنوب فيجازى بها عند الموت أو يشدد ليتمحض
[ ٧ / ٥٩ ]
(وعنه من طريقٍ ثانٍ) عن النَّبيِّ ﷺ إنَّ المؤمن يموت بعرق الجبين
(٣٩) عن أبي سعيد الخدريِّ ﵁ قال لمَّا قدم رسول الله ﷺ كنَّا نوذنه لمن حضر من موتانا فيأتيه قبل أن يموت فيحضره ويستغفر له وينتظر موته، قال فكان ذلك ربَّما حبسه الحبس الطَّويل فشقَّ عليه، قال فقلنا أرفق برسول الله ﷺ أن لا نوذنه بالميِّت حتَّى يموت، قال فكنَّا إذا مات منَّا الميت آذنَّاه به فجاؤ في أهله فاستغفر له وصلَّى عليه، ثمَّ إن
_________________
(١) عنه ذنوبه" هكذا ذكره فى التذكرة ولم ينسبه الى من أخرجه من أهل الحديث؛ وقيل إن عرق الجبين يكون من الحياء، وذلك ان المؤمن اذا جاءته البشرى مع ما كان قد اقترف من الذنوب حصل له بذلم خجل واستحياء من الله تعالى، فيعرف بذلك جبينه (قال القرطبي) فى التذكرة قال بعض العلماء، انما يعرق جبينه حياء من ربه لما اقترف من مخالفته، لأن ما سفل منه قد مات وانما بقيت قوى الحياة وحركاتها فيما علاه، والحياء في العينين فذاك وقت الحياء، والكافر فى عمر من هذا كله، والموحد المعذب فى شغل عن هذا بالعذاب الذى قد حل به، وانما العرق الذى يظهر لمن حلت به الرحمة فانه ليس من ولى ولا صديق ولا برّ الا وهو مستحى من ربه مع البشرى والتحف والكرامات (قال العراقى) ويحتمل أن عرق الجبين علامة جعلت لموت المؤمن وان لم يعقل معناه اهـ والله أعلم (١) (سنده) حدّثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا يحيى بن سعيد عن المثنى بن سعيد عن قتادة عن عبد الله بن بريدة عن أبيه عن النبي ﷺ قال إن المؤمن يموت بعرق الجبين (تخريجه) (نس. جه. ك) وقال هذا حديث على شرط الشيخين ولم يخرجاه (قلت) وأقره الذهبى
(٢) عن أبى سعيد الخدرى (سنده) حدّثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا يونس ثنا فليح عن سعيد بن عبيد عن السباق عن أبى سعيد الخدرى الحديث" (غريبه) (٢) يعنى المدينة مهاجرا "كنا نوذنه" أى نعلمه (لمن حضر) أى احتضر وكان فى حالة النزع (٣) بالتثقيل والتخفيف وقد جمعهما الشاعر فقال ليس من مات فاستراح بميت - إنما الميت ميّت الأحياء وأما الحى فميّت بالتثقيل لا غير وعليه وقوله تعالى ﴿انك ميّت وإنهم ميّتون﴾
[ ٧ / ٦٠ ]
بدا له أن يشهده انتظر شهوده، وإن بدا له أن ينصرف انصرف، قال فكنا على ذلك طبقة أخرى قال فقلنا أرفق برسول الله ﷺ أن نحمل موتانا إلى بيته ولا نشخصه ولا نعنيه قال ففعلنا ذلك فكان الأمر.
_________________
(١) أي يسير مع الجنازة حتى تدفن (٢) أى مدة من الزمن (٣) أى لا نكلفه بالحضور الى أهل الميت فى منزلهم (ولا نعنيه) أى لا ندخل عليه التعب والمشقة بهذا الخصوص (وقوله فكان الأمر) يعنى على ذلك الى وفاته ﷺ وفيه استحباب حضور الصالحين وأهل الفضل عند المحتضر وصلاتهم عليه اذا مات (تخريجه) لم أقف عليه لغير الأمام أحمد، وسنده جيد (وفى الباب) عن عبد الله بن مسعود ﵁ رفعه قال "لقنوا موتاكم لا إله إلا الله، فان نفس المؤمن تخرج رشحا ونفس الكافر تخرج من شدقه كما تخرج نفس الحمار" رواه الطبرانى فى الكبير وإسناده حسن (وعن ابن عباس ﵄) قال قال رسول الله ﷺ "لقنوا موتاكم شهادة أن لا اله الا الله، فمن قالها عند موته وجبت له الجنة" قالوا يا رسول الله فمن قالها فى صحته؟ قال تلك أوجب وأوجب ثم قال "والذى نفسى بيده لو جئ بالسموات والأرض ومن فيهن وما بينهن وما تحتهن فوضعن فى كفة الميزان ووضعت شهادة أن لا اله الا الله فى الكفة الأخرى لرجحت بهن" رواه الطبرانى ورجاله ثقات الا ابن طلحة لم يسمع من ابن عباس، قاله الهيثمي (وعن أبى هريرة ﵁) قال قال رسول الله ﷺ "ان المؤمن عندى بمنزلة كل خير يحمدنى وأنا أنزع نفسه من بين جنبيه" قال الهيثمى رواه البزار عن شيخه أحمد بن أبان القرشى ولم أعرفه وبقية رجاله رجال الصحيح (وعن عبد الله بن مسعود) ﵁ عن النبي ﷺ قال "المؤمن يموت بعرق الجبين" رواه الطبراني فى الأوسط، وفى الكبير نحوه فى حديث طويل ورجاله ثقات ورجال الصحيح (الأحكام) فى أحاديث الباب مشروعية تلقين المحتضر لفظ (لا إله إلا الله) وبذلك قال جمهور العلماء (قال النووى) وقال جماعات يلقنه الشهادتين "لا اله الا الله محمد رسول الله" ممن صرح به القاضى أبو الطيب فى تعليقه وصاحب الحاوى وسليم الرازى ونصر المقدسى فى الكافى والجرجانى فى التحرير والشاشى فى المعتمد وغيرهم، ودليلهم أن المقصود تذكر التوحيد وذلك يقف على الشهادتين؛ ودليل الجمهور أن هذا موحد، ويلزم من قوله لا اله الا الله الاعتراف بالشهادة الأخرى فينبغي الاقتصار على لا اله الا الله لظاهر الحديث، قال أصحابنا وغيرهم من العلماء، وينبغى أن لا يلح عليه فى ذلك وأن لا يقول له قل لا اله الا الله خشية أن يضجر فيقول لا أقول، أو يتكلم بغير هذا
[ ٧ / ٦١ ]
(٢) باب قراءة يس عند المحتضر
وما جاء في شدة الموت ونزع الروح وتغميض عيني الميت والدعاء له
(٤٠) حدثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا أبو المغيرة لنا صفوان حدثنى المشيخة أنهم حضروا غضيف بن الحارث الثمالي حين اشتد سوقه فقال هل منكم أحد يقرأ يس؟ قال فقرأها صالح بن شريح السكونى، فلما بلغ أربعين منها قبض قال فكان المشيخة يقولون إذا قرئت عند الميت
_________________
(١) من الكلام القبيح، ولكن يقولها بحيث يسمعه معرّضا له ليفطن فيقولها، وإذا أتى بالشهادة مرة لا يعاود ما لم يتكلم بعدها بكلام آخر، هكذا قال الجمهور لا يزاد على مرة، وقال جماعة من أصحابنا يكررها عليه ثلاثا ولا يزاد على ثلاث، ممن صرح بهذا سليم الرازى فى الكفاية والمحاملى وصاحب العدة وغيرهم اهـ (وفى أحاديث الباب) أيضا استحباب حضور الصالحين ومن ترجى بركتهم عند المحتضر والدعاء له بالمغفرة وطلب اللطف به والتخفيف عنه ونحوه (وفيها أيضا) دليل على جواز استخدام المشرك وعيادته اذا مرض (وفيها) حسن العهد واستخدام الصغير وعرض الاسلام على الصبى (قال الحافظ) ولولا صحته منه ما عرضه عليه، قال وفى قوله "انقذه بى من النار" دلالة على أنه صح اسلامه، وعلى أن الصبى اذا عقل الكفر ومات عليه أنه يعذب اهـ (قلت) وسيأتى الكلام على ذلك فى باب ما جاء فى أولاد المشركين من كتاب قيام الساعة عند ذكر الجنة والنار ان شاء الله تعالى (وفيها) أيضا أن من علامات حسن الخاتمة وقبول الميت عرق جبينه عند خروج روحه، وتقدم الكلام على ذلك فى الشرح (وفيها غير ذلك) نسأل الله حسن الخاتمة والوفاة على دين الاسلام آمين
(٢) حدّثنا عبد الله (غريبه) (١) بوزن لطيفة جمع شيخ، وهو من استبانت فيه السن، أو من خمسين أو احدى وخمسين الى آخر عمره أو إلى الثمانين، ويقال شيخ أيضا لمن يراد تبجيله من أهل العلم (٢) أى أشتد النزع به كأن روحه تساق لتخرج من بدنه، ويقال له السياق أيضا وأصله سواق فقلبت الواو ياء لكسرة السين، وهما مصدران من ساق يسوق "نه" (٣) أى أربعين آية وهو يوافق آخر الآية من قوله تعالى ﴿لا الشمس ينبغى لها أن تدرك القمر ولا الليل سابق النهار وكل في فلك يسبحون"
[ ٧ / ٦٢ ]
خفف عنه بها، قال صفوان وقرأها عيسى بن المعتمر عند ابن معبد.
(٤١) عن معقل بن يسار ﵁ أن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، قال يس قلب القرآن لا يقرؤها رجل يريد الله تعالى والدار الآخرة إلا غفر له، واقرءوها على موتاكم "وعنه من طريق ثان"
قال قال رسول الله ﷺ اقرءوها على موتاكم يعني يس.
_________________
(١) (تخريجه) لم أقف على هذا الأثر لغير الامام أحمد، وفى اسناده من أبهم، وذكره الحافظ فى التلخيص ثم قال، وأسنده صاحب الفردوس من طريق مروان بن سالم عن صفوان ابن عمرو عن شريح عن أبى الدرداء وأبى ذر قال قال رسول الله ﷺ "ما من ميت يموت فيقرأ عنده يس الاَّ هون الله عليه" قال وفى الباب عن أبى ذر وحده، أخرجه أبو الشيخ اهـ
(٢) عن معقل بن يسار (سنده) حدّثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا عارم ثنا معتمر عن أبيه عن رجل عن أبيه عن معقل بن يسار أن رسول الله ﷺ قال البقرة سنام القرآن، وذروته ونزل مع كل آية منها ثمانون ملكا واستخرجت الله لا اله الا هو الحي القيوم من تحت العرش فوصلت بها أو توصلت بسورة البقرة؛ ويس قلب القرآن الحديث" (غريبه) (١) قلب كل شيء لبه وخالصه، وانما كانت يس لب القرآن لاشتمالها على أصول العقائد وإثبات التوحيد ونفى التعدد وأمارات الساعة والحساب والجزاء ولذلك استحب قراءتها عند المحتضر ليتعظ ويستأنس بما فيها من ذكر أحوال القيامة وغيرها، والله أعلم (٣) (سنده) حدّثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا عارم ثنا عبد الله بن المبارك ثنا سليمان التيمى عن أبى عثمان وليس بالهدى عن أبيه عن معقل بن يسار قال قال رسول الله ﷺ "الحديث" والرجل المبهم فى اسناد الطريق الأولى هو أبو عثمان النهدى عن أبيه كما صرح به فى هذا الطريق (تخريجه) (.د. نس. جه. حب. ك) بسند حديث الباب (قال الحافظ) ولم يقل النسائى وابن ماجه عن أبيه اهـ وقال صاحب التنقيح الحديث سكت عنه أبو داود والمنذرى ورجاله رجال الحسن، ورواه أيضا أحمد والنسائى فى السنن وفى عمل اليوم والليلة والحاكم وابن حبان وصححه، وأعله ابن القطان بالاضطراب وبالوقف وبجهالة حال أبى عثمان وأبيه، ونقل أبو بكر بن العربى عن الدارقطنى أنه قال هذا حديث ضعيف الاسناد مجهول المتن ولا يصح فى الباب حديث، وكذا ضعف هذا الحديث النووى فى الأذكار، وقال ابن حبان فى صحيحه عقب حديث معقل هذا أراد بالموتى من حضرته
[ ٧ / ٦٣ ]
(٤٢) عن أم سلمة ﵂ قالت قال رسول الله ﷺ إذا حضرتم الميت أو المريض فقولوا خيرًا، فإن الملائكة يؤمنون على ما تقولون قالت فلما مات أبو سلمة أتيت النبي ﷺ فقلت يا رسول الله إن أبا سلمة قد مات، فقال قولي اللهم اغفر لي وله وأعقبني منه عقبى حسنة، قالت فقلت فأعقبني الله ﷿ من هو خير لي منه محمدًا ﷺ.
(٤٣) عن أنس بن مالك ﵁ قال قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم لم يلق ابن آدم شيئًا قط خلقه الله أشد عليه من الموت.
_________________
(١) المنية، لا أن الميت يقرأ عليه، وردّه المحب الطبرى، وقال بعضهم اللفظ نص فى الأموات وتناوله للحيى المحتضر مجاز فلا يصار اليه إلا لقرينة، ويمكن أن يجعل قرينة ذلك المجاز ما عند أحمد بفلظ حدثنا أبو المغيرة حدثنا صفوان قال كان المشيخة يقولون إذا قرئت (يس) عند الميت خفف الله عنه بها، وما عند صاحب مسند الفردوس من طريق مروان ابن سالم عن صفوان بن عمرو عن شريح عن أبى الدرداء وأبى ذر قالا قال رسول الله ﷺ "ما من ميت يموت فيقرأ عنده يس إلا هون الله عليه" ولعل ذلك لأن سورة "يس" مشتملة على أصول العقائد فيتقوى بسماعها التصديق والأيمان حتى يموت وصفوان بن عمر الضبى الحمصى، هذا قال النسائى لا بأس به اهـ
(٢) عن أم سلمة ﵂ (سنده) حدّثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا أبو معاوية قال ثنا الأعمش عن شقيق عن أم سلمة الحديث" (غريبه) (١) فيه الندب الى قول الخير حينئذ من الدعاء والاستغفار له وطلب اللطف به والتخفيف عنه ونحوه، وفيه حضور الملائكة حينئذ وتأمينهم على الدعاء بقولهم "استجب يا ألله" (٢) من الأعقاب أى أبدلنى وعوضنى (منه) أى فى مقابلته (عقبى) كبشرى أى بدلا صالحا، فأعقبها الله ﷿ من هو خير منه، إذ تزوجها النبي ﷺ وصار لها بعلا يدل أبى سلمة ﵁ (تخريجه) (م. د. نس. وغيرهم)
(٣) عن أنس بن مالك (سنده) حدّثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا حصن ثنا سكين قال ذكر ذاك أبى عن أنس بن مالك قال قال رسول الله ﷺ الحديث"
[ ٧ / ٦٤ ]
ثم إن الموت لأهون مما بعده.
(٤٤) عن عائشة ﵂ قالت رأيت رسول الله ﷺ وهو يموت وعنده قدح فيه ماء فيدخل يده في القدح، ثم يمسح وجهه بالماء، ثم يقول اللهم أعنى على سكرات الموت.
(٤٥) وعنها أيضًا قالت توفى رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم أو قبض أو مات وهو بين حاقنتي وذاقنتي فلا أكره شدة الموت لأحد بعد الذي رأيت برسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم.
(٤٦) عن ثابت البناني عن أنس بن مالك ﵁ لما قالت فاطمة
_________________
(١) (غريبه) (١) الظاهر أن هذا بالنسبة للكافر والعاصى، وأما الرجل الصالح فما بعد الموت أهون عليه منه، والله أعلم (تخريجه) لم أقف عليه لغير الامام أحمد، وأورده الهيثمي وقال رواه أحمد، ورجاله موثقون
(٢) عن عائشة (سنده) حدّثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا ليث عن يزيد عن موسى بن سرجس عن القاسم بن محمد عن عائشة الحديث" (غريبه) (٢) أى وهو فى حالة النزع وقولها "ثم يمسح وجهه بالماء" أى دفعا لحرارة الموت أو دفعًا لغشيانه وكريه (٣) أى شدائده، جمع سكرة بسكون الكاف، وهى شدة الموت أى أعنّى على دفعها، وفى لفظ عند الترمذى "اللهم أعنى على غمرات الموت وسكرات الموت" قال سراج أحمد فى شرح الترمذى: هو عطف بيان لما قبله، والظاهر أن يراد بالأولى الشدة وبالأخرى ما يترتب عليها من الدهشة والحسرة الموجبة للغفلة، وقال القاضى عياض فى تفسير قوله تعالى ﴿وجاءت سكرة الموت بالحق﴾ ان سكرته الذاهبة بالعقل اهـ (تخريجه) (نس. جه. مذ) وقال هذا حديث غريب
(٣) وعنها أيضا (سنده) حدّثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا منصور بن سلمة قال أنا ليث عن يزيد بن الهاد عن عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه عن عائشة قالت توفى رسول الله ﷺ الحديث" (غريبه) (٤) الحاقنة الوهدة المنخفضة بين الترقوتين من الحلق (والذاقنة) الذقن، وقيل طرف الحلقوم (تخريجه) (خ. وغيره)
(٤) عن ثابت البنانى (سنده) حدّثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا أبو النضر ثنا
[ ٧ / ٦٥ ]
ذلك يعني لما وجد رسول الله ﷺ من كرب الموت ما وجد قالت فاطمة واكرباه قال رسول الله ﷺ يا بنية إنه قد حضر بأبيك ما ليس الله بتارك منه أحدًا لموافاة يوم القيامة.
(٤٧) عن شداد بن أوس ﵁ قال قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، إذا حضرتم موتاكم فأغمضوا البصر فإن البصر يتبع الروح وقولوا خيرًا فإنه يؤمن على ما قال أهل البيت.
_________________
(١) المبارك عن ثابت البنانى عن أنس الحديث" (غريبه) (١) قالت ذلك فاطمة ﵂ تندب أباها لما رأت ما حل به من الكرب عند النزع، فقال لها النبى ﷺ "يا بنية انه قد حضر بأبيك الخ" والمعنى لا تحزنى واصبرى فان ما نزل بأبيك من الموت والكرب لابد لكل أحد منه، لأنه الطريق الموصل من دار الدنيا الى الآخرة، ومعلوم أن العبث لا محيص عنه "لتجزى كل نفس بما تسعى" والبعث لا يكون الا بعد الموت (تخريجه) لم أقف عليه لغير الامام أحمد، وسنده جيد
(٢) عن شداد بن أوس (سنده) حدّثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا حسن ابن موسى قال ثنا قزعة حدثنى حميد الأعرج عن الزهرى عن محمود بن لبيد عن شداد ابن أوس الحديث" (غريبه) (٢) أى أطبقوا الجفن الأ على على الجفن الأسفل (٣٣) معناه أن الروح اذا خرج من الجسد يتبعه البصر ناظرًا أين يذهب، وحينئذ لا فائدة فى بقاء البصر مفتوحا الا تشويه الخلقة، فشرع اغماض البصر اكرامًا للميت من تشويه خلقته (قال النووى) وفى الروح لغتان التذكير والتأنيث، وهذا الحديث دليل للتذكير وفيه دليل لمذهب أصحابنا المتكلمين ومن وافقهم أن الروح أجسام لطيفة متخللة فى البدن وتذهب الحياة من الجسد بذهابها، وليس عرضا كما قاله آخرون ولا دما كما قاله آخرون وفيها كلام متشعب للمتكلمين اهـ (٤) أى ادعو للميت بالمغفرة ونحوها، وللمصاب بجبر المصيبة وبالصبر ونحوه، فان الملائكة تؤمّن على هذا الدعاء تقول آمين، أى استجب يا ربنا، ودعاؤهم مستجاب (تخريجه) (جه. طب. بز. ك) وقال هذا حديث صحيح الاسناد؛ ولم يخرجاه (قلت) وأقره الذهبى (وفى الباب) عن أم سلمة ﵂ قال "دخل رسول الله ﷺ على أبى سلمة وقد شق بصره فأغمضه، ثم قال ان الروح اذا قبض تبعه البصر، فضج ناس من أهله، لا تدعو على أنفسكم الا بخير، فان الملائكة يؤمنون
[ ٧ / ٦٦ ]
على ما تقولون، ثم قال اللهم اغفر لأبى سلمة وارفع درجته فى المهديين واخلفه فى عقبه فى الغابرين واغفر لنا وله يارب العالمين، وافسح له فى قبره ونوّر له فيه" رواه مسلم وأبو داود والبيهقى (وعن سليمان ﵁) أن رسول الله ﷺ خرج يعود رجلا من الأنصار فلما دخل عليه وضع يده على جبينه فقال كيف تجدك؟ فلم يحر اليه شيئا، فقيل يا رسول الله إنه عنك مشغول، فقال خلُّوا بينى وبينه، فخرج الناس من عنده وتركوا رسول الله ﷺ فرفع رسول الله ﷺ يده، فأشار المريض أن أعد يدك حيث كانت، ثم ناداه يا فلان ما تجد؟ قال أجدنى بخير، وقد حضرنى اثنان أحدهما أسود والآخر أبيض، فقال رسول الله ﷺ أيهما أقرب منك؟ قال الأسود، قال ان الخير قليل وإن الشر كثير؛ قال فمتّعنى منك يا رسول الله بدعوة، فقال رسول الله ﷺ اللهم اغفر الكثير وأنم القليل، ثم قال ما ترى؟ قال خيرا بأبي أنت وأمى، أرى الخير ينمى وأرى الشر يضمحل وقد استأخر عنى الأسود، قال أى عملك أملك بك؟ قال كنت أسقى الماء، قال رسول الله ﷺ اسمع يا سليمان هل تنكر منى شيئا؟ قال نعم بأبى وأمى قد رأيتك فى مواطن ما رأيتك على مثل حالك اليوم، قال انى أعلم ما يلقى، ما منه من عرق الا وهو يألم الموت على حدته" رواه البزار وفيه موسى ابن عبيدة الربذى ضعيف (وعن أبى قتادة) أن البراء بن معرور ﵁ أوصى أن يوجه للقبلة اذا احتضر، فقال رسول الله ﷺ أصاب الفطرة، ذكره الحافظ في التلخيص وسكت عنه (وعن سلمى أم أبى رافع) أن فاطمة ﵂ بنت رسول الله ﷺ عند موتها استقبلت القبلة ثم توسدت يمينها رواه الامام أحمد وسيأتى فى وفاة فاطمة ﵂ فى باب ذكر أولاده ﷺ من كتاب السيرة النبوية ان شاء الله (الأحكام) فى أحاديث الباب دليل على استحباب قراءة سورة يس عند المحتضر أو الميت، وانهما ينتفعان بالقراءة اذا قصد بها وجه الله ﷿ (قال الطيبى) والسر فى ذلك أن السورة الكريمة مشحونة بتقرير أمهات الأصول وجميع المسائل المعتبرة من كيفية الدعوة وأحوال الأمم واثبات القدر، وأن أفعال العباد مستندة الى الله تعالى وإثبات التوحيد ونفى التعدد وأمارات الساعة وبيان الأعادة والحشر وحضور العرصات والحساب والجزاء والمرجع اهـ (وفيها) دلالة على فضل سورة يس، وقد ورد فى فضلها أحاديث كثيرة لا تخلو من ضعف (منها) "إن لكل شئ قلبا وقلب القرآن يس، ومن قرأ يس كتب الله له بقراءتها قراءة القرآن عشر مرات دون يس" رواه الترمذى عن أنس وقال حديث غريب اهـ وضعفه الحافظ السيوطى (ومنها) من قرأ يس فى ليلة ابتغاء وجه الله تعالى غفر له" الحافظ السيوطى (ومنها) من قرأ يس فى ليلة ابتغاء وجه الله تعالى غفر له" رواه مالك وابن السنى وابن حبان فى صحيحه عن جندب (ومنها) من قرأ يس كل ليلة غفر له رواه البيهقى عن أبى هريرة باسناد ضعيف (وفى أحاديث الباب أيضا) أنه ينبغى لمن حضر الميت أن
[ ٧ / ٦٧ ]
لا يقول إلا خيرا كالدعاء والاستغفار للميت، وينبغى لأهل الميت أن يدعوا له بالمغفرة ولأنفسهم بالصبر والأكثار من قول الله ﵎ ﴿إنا لله وإنا اليه راجعون﴾ فعن أم سلمة ﵂ قالت سمعت رسول الله ﷺ يقول "ما من عبد تصيبه مصيبة فيقول انا لله وانا اليه راجعون اللهم أجرنى فى مصيبتى وأخلف لى خيرًا منها" الا أجره الله فى مصيبته وأخلف له خيرا منها" قالت فلما توفى أبو سلمة قلت كما أمرنى رسول الله ﷺ فأخلف الله لى خيرا منه رسول الله ﷺ، رواه مسلم والامام أحمد وغيرهما، وسيأتى فى باب ما يقول المصاب عند المصيبة من كتاب الصبر ان شاء الله (وفيها أيضا) حضور الملائكة وتأمينهم على ما يقولون (وفيها) مشروعية تغميض عينى الميت بعد موته مباشرة (قال النووى) وأجمع المسلمون على ذلك (وفيها أيضا) دليل على صعوبة الموت وشدته حتى على الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ليعلم الناس أن الله ﷿ وحده هو المنفرد بالقهر والسلطان والغلبة، وأن كل ذى روح لابدّ له من ذوق مرارة الموت سواء أكان أميرا أم حقيرا؛ وليا أم نبيا (وفيما ذكرنا فى الشرح) دليل على توجيه المحتضر الى القبلة (قال الشوكانى) وقد اختلف فى صفة التوجيه الى القبلة فقال الهادى والناصر والشافعى فى أحد قوليه، إنه يوجه مستلقيا ليستقبلها بكل وجهه (وقال المؤيد باله وأبو حنيفة والامام يحيى والشافعى) فى أحد قوليه إنه يوجه على جنبه الأيمن لما أخرجه ابن عدى فى الكامل ولم يضعفه من حديث البراء بلفظ "اذا أخذ أحدكم مضجعه فليتوسد يمينه الحديث وأخرجه البيهقى فى الدعوات قال الحافظ حسن، وأصل الحديث فى الصحيحين بلفظ "اذا أويت مضجعك فتوضأ وضوءك للصلاة ثم اضطجع على شقك الأيمن وقل اللهم انى أسلمت نفسي اليك وفى آخره فان مت من ليلتك فأنت على الفطرة" (وفى الباب) عن عبد الله" ابن زيد عند النسائى والترمذى وأحمد بلفظ "كان اذا نام وضع يده اليمنى تحت خده" (وعن ابن مسعود) عند النسائى والترمذى وابن ماجه؛ وعن حفصة عند أبى داود؛ وعن حذيفة عند الترمذى، وعن أبى قتادة عند الحاكم والبيهقى بلفظ "كان اذا عرَّس وعليه ليل توسد يمينه" وأصله فى مسلم، قال ووجه الاستدلال بأحاديث توسد اليمين عند النوم على استحباب أن يكون المحتضر عند الموت كذلك أن النوم مظنة للموت، وللاشارة بقوله ﷺ "فان مت من ليلتك فأنت على الفطرة" بعد قوله "ثم اضطجع على شقك الأيمن" فانه يظهر منها أنه ينبغى أن يكون المحتضر على تلك الهيئة اهـ باختصار (وفيها) ان عمل الانسان يتصور له عند الاحتضار، فان كان حسنا تصور له بصورة حسنة ينشرح لها صدره ويزول بها كربه، وان كان خبيثا تصور له بصورة
[ ٧ / ٦٨ ]
(٦) باب إذا أراد الله قبض عبد
(بأرض يجعل له فيها حاجة وما جاء في موت الفجأة)
(٤٨) عن مطر بن عكامس ﵁ قال قال رسول الله ﷺ إذا قضى الله ميتة عبد بأرض جعل له إليها حاجة "وعنه من طريق ثان" قال قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم لا يقدر لأحد يموت بأرض إلا حببت إليه وجعل له إليها حاجة.
_________________
(١) خبيثة تزيده كربا على كربه وارتباكا فى هذا الوقت العصيب ربما ساءت خاتمته بسببه؛ نعوذ بالله من ذلك؛ ونسأله السلامة وحسن الخاتمة آمين
(٢) عن مطر بن عكامس (سنده) حدّثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا أبو بكر ابن أبى شيبة ثنا أبو داود الحفرى عن سفيان عن أبى اسحاق عن مطر بن عكامس الحديث" (١) وعنه من طريق ثان (سنده) حدّثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا محمد بن جعفر الوركانى ثنا خديج أبو سلمات عن أبى اسحاق عن مطر بن عكامس قال قال رسول الله ﷺ لا يقدَّر الخ (تخريجه) (ك. مذ) وقال حسن غريب ولا يعرف لمطر غير هذا الحديث (قلت) وله شاهد عند الحاكم عن أبى سعيد الخدرى ﵁ قال "مر النبى ﷺ بجنازة عند قبر فقال قبر من هذا؟ فقالوا فلان الحبشى يا رسول الله فقال رسول الله ﷺ لا إله الله، لا إله إلا الله، سيق من أرضه وسمائه إلى تربته التى منها خلق" هذا حديث صحيح الاسناد ولم يخرجاه. قال ولهذا الحديث شواهد وأكثرها صحيحة ثم ساقها بأسانيدها (منها) عن جندب بن سفيان ﵁ قال قال رسول الله ﷺ إذا أراد الله قبض عبد بأرض جعل له فيها أو بها حاجة (ومنها) عن عبد الله بن مسعود ﵁ أن رسول الله ﷺ قال اذا كانت منية أحدكم بأرض أتيحت له الحاجة فيقصد اليها فيكون أقصى أثر منه فيقبض روحه، فتقول الأرض يوم القيامة رب هذا ما استودعتنى (ومنها) عن عروة بن مضرّس ﵁ قال قال رسول الله ﷺ "اذا أراد الله قبض عبد بأرض جعل له اليها حاجة" هذه الأحاديث ذكرها الحاكم وأقرها الذهبى (وقد اختلف فى صحبة مطر) راوى الحديث فبعضهم قال ليس له صحبة وبعضهم أدخله فى الصحابة، قال عبد الله بن الامام أحمد سألت أبى عنه: هل له صحبة؟ فقال لا يعرف: قلت فله
[ ٧ / ٦٩ ]
(٤٩) عن أبي عزة ﵁ قال قال رسول الله ﷺ إن الله ﵎ إذا أراد قبض روح عبد بأرض جعل له فيها أو قال بها حاجة.
(٥٠) عن عائشة ﵂ قالت سألت رسول الله ﷺ عن موت الفجأة فقال راحة للمؤمن وأخذة أسف للفاجر.
_________________
(١) رؤية؟ قال لا أدري اهـ. والله أعلم
(٢) عن أبى عزة (سنده) حدّثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا اسماعيل قال أنا أيوب عن أبى المليح بن أسامة عن أبى عزة الحديث" (عريبه) (١) اسمه يسار واختلف فى اسم أبيه، فقيل يسار بن عبدة، وقيل ابن عبيد. وقيل ابن عبد. وقيل ابن عمرو، وقيل ابن عبد الله (قال الحافظ) والأول أكثر وبه جزم البخارى (تخريجه) (مذ) وقال أبو عزة ماله صحبة واسمه يسار بن عبيد
(٣) عن عائشة (سنده) حدّثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا وكيع ثنا عبيد الله ابن الوليد عن عبد الله بن عبيد بن عمير عن عائشة الحديث" (غريبه) (٢) بفتح الفاء وسكون الميم ثم همزة مفتوحة أى البغتة، وفى بعض الروايات الفجاءة بضم الفاء وفتح الجيم ممدودة، قال فى النهاية: يقال فجئه الأمر وفجأه فجاءة بالضم والمد وفاجأه مفاجأة اذا جاء بغتة من غير تقدم سبب، وقيده بعضهم بفتح الفاء وسكون الجيم من غير مد على المرة اهـ (٣) أى لأنه مستعد للموت بالأعمال الصالحة عملا بقوله ﷺ "أكثروا ذكر هاذم اللذات" وتقدم فى الباب الأول فهو يتذكر الموت دائما ويعمل له، فاذا أتاه الموت فجأة لا يضره بشئ، بل يريحه من نصب الدنيا وعنائها "وقوله وأخذة أسف للكافر" الأسف بفتح السين المهملة معناه الغضب، يعنى أن موت الفجأة للفاجر من آثار غضب الله ﷿، لأنه لم يتركه لأن يستعد للآخرة بالتوبة ولم يمرضه ليكفّر ذنوبه وقد استعاذ النبى ﷺ من موت الفجأة كما ورد فى كثير من الأحاديث (تخريجه) (هق. طس) وفى اسناده عبيد الله بن الوليد الوصَّانى ضعيف لكن يشهد له ما رواه البيهقى فى شعب الايمان عن عبيد بن خالد السلمة مرفوعا بلفظ "موت الفجأة أخذة الأسف للكافر ورحمة للمؤمن" ورواه البيهقى فى السنن وأبو داود بسنديهما عن عبيد بن خالد السلمى أيضا رجل من أصحاب النبى ﷺ قال مرة عن النبى ﷺ ثم قال مرة عن عبيد قال "موت الفجأة أخذة أسف" قال المنذرى هذا الحديث رجال اسناده ثقات والوقف فيه
[ ٧ / ٧٠ ]
(٧) باب ما يراه المحتضر ومصير الروح بعد مفارقة الجسد
(٥٢) عن أبى هريرة ﵁ عن النبي صلى الله تعالى عليه
_________________
(١) لا يؤثر، فان مثله لا يؤخذ بالرأى، وكيف وقد أسنده مرة الراوى، قال وقد روى هذا الحديث من حديث عبد الله بن مسعود وأنس بن مالك وأبى هريرة وعائشة، وفى كل منها مقال اهـ بتصرف (ورواه البيهقى) أيضا فى السنن بسنده عن عبيد الله بن عبيد بن عمير قال سألت عائشة ﵂ عن موت الفجأة أيكره؟ قالت لأى شئ يكره؟ سألت رسول الله ﷺ عن ذلك فقال "راحة للمؤمن وأخذة أسف للفاجر" قال ورواه سفيان الثورى عن عبيد الله موقوفا عن عائشة ﵂ (وفى الباب) عن أبى أمامة ﵁ قال "كان النبي ﷺ يتعوذ من موت الفجأة وكان يعجبه أن يمرض قبل أن يموت" قال الهيثمى رواه الطبرانى فى الكبير، وفيه عثمان بن عبد الرحمن القرشى وهو متروك (الأحكام) فى أحاديث الباب دلالة على إثبات القدر وأن الله تعالى اذا أراد موت عبد بأرض جعل له اليها حاجة فيذهب اليها ليموت بها تنفيذا لما قدره الله ﷿ من أن كل انسان يدفن فى الأرض التى خلق منها، فقد ثبت أن الله ﷿ خلق آدم من قبضة قبضها من جميع الأرض، فجاء بنو آدم على قدر الارض، جاء منهم الأحمر والأبيض والأسود وبين ذلك، والسهل والحزن والخبيث والطيب وبين ذلك، رواه أبو داود والترمذى والحاكم والبيهقى والامام أحمد. وسيأتى فى باب خلق آدم ﵇ من كتاب خلق العالم، وصححه الحافظ السيوطى، ولما رواه الحاكم وصححه من قصة الحبشى، وتقدم فى الشرح، وفيه أن النبى ﷺ قال "لا إله إلا الله، سيق من أرضه وسمائه الى تربته التى منها خلق" وهذا معنى قوله ﷺ فى حديث الباب "إذا قضى الله ميتة عبد بأرض جعل له اليها حاجة" (وفيها أيضا) دليل على أن موت الفجأة مذموم، لأن من مات فجأة لا يمكنه الاستعداد للتوبة والوصية ونحو ذلك ولحرمانه من ثواب المرض الذى يكفّر الذنوب، فاذا مات الكافر أو الفاجر فجأة كان ذلك من غضب الله تعالى عليه لعدم تدارك ما فاته من التفريط؛ وإذا أصيب به المؤمن الصالح كان راحة له من عناء الدنيا، لأنه مستعد للآخرة بالأعمال الصالحة، وتقدم الكلام على ذلك فى الشرح. وقد نقل عن (الامام أحمد) وبعض الشافعية كراهية موت الفجأة، ونقل النووى عن بعض القدماء أن جماعة من الأنبياء والصالحين ماتوا كذلك (قال النووى) وهو محبوب للمراقبين. والله أعلم
(٢) عن أبى هريرة (سنده) حدّثنا عبد الله حدثني أبي حدثنا حسن
[ ٧ / ٧١ ]
وعلى آله وصحبه وسلم، إن الميت يحضره الملائكة، فإذا كان الرجل الصالح، قالوا أخرجي أيتها النفس الطيبة كانت في الجسد الطيب، أخرجي حميدة وأبشرى بروح وريحان ورب غير غضبان قال فلا يزال يقال ذلك حتى تخرج، ثم يعرج بها إلى السماء فيستفتح لها فيقال من هذا؟ فيقال فلان، فيقولون مرحبًا بالنفس الطيبة كانت في الجسد الطيب، أدخلي حميدة وأبشرى بروح وريحان ورب غير غضبان، قال فلا يزال يقال لها حتى ينتهى بها إلى السماء التي فيها الله ﷿ وإذا كان الرجل السوء
_________________
(١) ابن محمد حدثنا ابن أبى ذئب عن محمد بن عمرو بن عطاء عن سعيد بن يسار عن أبى هريرة الحديث" (غريبه) (١) أى المحتضر وسمى ميتا لكونه فى حكم الميت ولأنه قارب الموت وما قارب الشئ يعطى حكمه "وقوله تحضره الملائكة" الظاهر أنهم أعوان عزرائيل ﵇، ويحتمل أن يكونوا غيرهم نزلوا لاستقبال روح هذا العبد الصالح تشريفا له (٢) الرَّوح بفتح الراء الرحمة "والريحان" الطيب، وتقدم الكلام على ذلك فى شرح الحديث الثالث من الباب الأول من كتاب الجنائز (٣) أى تصعد بها الملائكة الى السماء الدنيا ويطلبون أن تفتح لها السماء الدنيا ويطلبون أن تفتح لها السماء (٤) أى فلا يزال أهل كل سماء يحيونها بقولهم مرحبا بالنفس الطيبة الخ (٥) أى السماء السابعة كما سيأتى فى حديث البراء، أما كون الله ﷿ فى السماء فهذا مما نؤمن به ونكل علم حقيقته الى الله جل شأنه، وقد جاء مثل ذلك فى القرآن: قال تعالى ﴿أأمنتم من فى السماء أن يخسف بكم الأرض فاذا هى تمور * أم أمنتم من فى السماء أن يرسل عليكم حاصبا" وفى القرآن غير ذلك كثير، وفى الحديث أيضا عن معاوية بن الحكم السليمي ﵁، قال كانت لى غنم بين أحد والجوانية فيها جارية لى فاطَّلعتها ذات يوم، فاذا الذئب قد ذهب منها بشاة، وأنا رجل من بنى آدم فأسفت فصككتها، فأتيت النبى ﷺ فذكرت ذلك له فعظَّم ذلك علىَّ، فقلت يا رسول الله أفلا أعتقها؟ قال ادعها. فدعوتها فقال لها أين الله؟ قالت فى السماء؛ وقال من أنا. قالت أنت رسول الله ﷺ قال اعتقها فانها مؤمنة" هذا حديث صحيح رواه مسلم والامام أحمد وأبو داود وغير واحد من الأئمة فى تصانيفهم يمرونه كما جاء ولا يتعرضون له بتأويل ولا تحريف فنحن نؤمن بما جاء فى كتاب الله وصحيح السنة من صفاته ﷿، كما نؤمن بذاته المقدسة
[ ٧ / ٧٢ ]
قالوا اخرجي أيتها النفس الخبيثة كانت في الجسد الخبيث أخرجي ذميمة وأبشرى بحميم وغساق وآخر من شكله أزواج، فلا يزال حتى تخرج، ثم يعرج بها إلى السماء فيستفتح لها، فيقال من هذا؟ فيقال فلان، فيقال لا مرحبًا بالنفس الخبيثة كانت في الجسد الخبيث، أرجعي ذميمة فإنه لا يفتح لك أبواب السماء، فترسل من السماء، ثم تصير إلى القبر، فيجلس الرجل الصالح فيقال له مثل ما قيل في الحديث الأول، ويجلس الرجل السوء ويقال له مثل ما قيل في الحديث الأول
_________________
(١) عن الأشباه من غير أن نتعقل الماهية، فكذلك القول فى صفاته نؤمن بها ونعقل وجودها ونعلمها فى الجملة من غير أن نتعقلها أو نشبهها أو نكفيها أو نمثلها بصفات خلقه تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا "ليس كمثله شيء وهو السميع البصير" (١) الحميم هو الماء الحار الذى قد انتهى فى الحرارة ولا يستطاع من شدة حره، وحمّ الماء سخنه وبابه ردّ؛ وحمّ الماء بنفسه صار حارًا، والغسَّاق بتشديد السين المهملة وتخفيفها ضد الحميم، وهو البارد الذى لا يستطاع من شدة برده، ولهذا قال "وآخر من شكله أزواج" أى وأشياء من هذا القبيل السيئ وضده يعاقبون بها (وقال قتادة) الغساق هو ما يغسق أى يسيل من القيح والصديد من جلود أهل النار ولحومهم وفروج الزناة، من قولهم غسقت عينه إذا انصبت والغسقان الانصباب؛ وقال الحسن البصرى فى قوله تعالى ﴿وآخر من شكله أزواج﴾ ألوان من العذاب؛ وقال غيره كالزمهرير والسموم وشراب الحميم وأكل الزقوم إلى غير ذلك من الأشياء المختلفة المتضادة، والجميع مما يعذبون به ويهانون بسببه، نسأل الله السلامة (٢) هذا بعد رجوع روحه الى القبر استعددًا لسؤال الملكين "فيقال له مثل ما قيل فى الحديث الأول" يعنى مرحبًا بالنفس الطيبة الخ (٣) أى بعد مصير روحه إلى القبر أيضا "فيقال له مثل ما قيل فى الحديث الأول" لا مرحبا بالنفس الخبيثة الخ وإلى هنا انتهى الحديث، وسيأتى كيفية جلوسه وسؤال الملكين إياه فى شرح حديث البراء الآتى حيث ذكر فيه ذلك (تخريجه) الحديث رواه ابن ماجه بألفاظ حديث الباب، قال فى التنقيح ورجاله رجال الصحيح، قال ولحديث أبى هريرة هذا ألفاظ عند أحمد ومسلم والنسائى وابن ماجه وابن حبان اهـ
[ ٧ / ٧٣ ]
(٥٣) عن البراء بن عازب ﵁ قال خرجنا مع النبي ﷺ في جنازة رجل من الأنصار فانتهينا إلى القبر، ولما يلحد فجلس رسول الله ﷺ وجلسنا حوله وكأن على رؤوسنا الطير وفي يده عود ينكت في الأرض فرفع رأسه، فقال استعيذوا بالله من عذاب القبر مرتين أو ثلاثًا، ثم قال، إن العبد المؤمن إذا كان في انقطاع من الدنيا وإقبال من الآخرة نزل إليه ملائكة من السماء بيض الوجوه كأن وجوههم الشمس معهم كفن من أكفان الجنة وحنوط من حنوط الجنة حتى يجلسوا منه مد البصر، ثم يجئ ملك الموت ﵇ حتى يجلس عند رأسه، فيقول أيتها النفس الطيبة أخرجي إلى مغفرة من الله ورضوان، قال فتخرج تسيل كما تسيل القطرة من في السقاء فيأخذها، فإذا أخذها لم يدعوها في يده طرفة عين حتى يأخذوها فيجعلوها في ذلك الكفن وفي ذلك الحنوط، ويخرج منها كأطيب نفحة مسك وجدت على وجه الأرض، قال فيصعدون بها فلا يمرون يعنى بها على ملأ من الملائكة إلا قالوا ما هذا الروح الطيب.
_________________
(١) عن البراء بن عازب (سنده) حدّثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا أبو معاوية قال ثنا الأعمش عن منهال بن عمرو عن زاذان عن البراء بن عازب الحديث" (غريبه) (١) أى قبل إدخال الميت فى اللحد وهو الشق بجانب القبر (٢) هو كناية عن السكون أى كأن على رأس كل واحد منا الطير يريد صيدها، ومن لوازمه السكون وعدم الحركة (٣) النكتة أن تضرب فى الأرض بقضيب فيؤثر فيها، ويسمى المعنى الدقيق نكته لأن عادة المتفكر أن ينكت (٤) أى اذا دنا أجله وصار فى حالة الاحتضار (٥) الحنوط بفتح الحاء المهملة، ويقال الحناط أيضا، وهو ما يخلط من الطيب لأكفان الموتى وأجسامهم خاصة، وقد سئل عطاء أىّ الحناط أحب اليك؟ قال الكافور (٦) يريد خروج روحه بسهولة كسهولة تقطير الماء من فم القربة (٧) أى يفوح منها كأطيب رائحة مسك وجدت على وجه الأرض (٨) أى جماعة "وقوله ما هذا الروح"
[ ٧ / ٧٤ ]
فيقولون فلان بن فلان بأحسن أسمائه التي كانوا يسمونه بها في الدنيا حتى ينتهوا بها إلى السماء الدنيا فيستفتحون له فيفتح لهم، فيشيعه من كل سماء مقربوها إلى السماء التي تليها حتى ينتهى به إلي السماء السابعة، فيقول الله ﷿ اكتبوا كتاب عبدي في عليين وأعيدوه إلى الأرض فإنى منها خلقتهم وفيها أعيدهم ومنها أخرجهم تارة أخرى، قال فتعاد روحه في جسده فيأتيه ملكان فيجلسانه فيقولان له من ربك فيقول ربي الله، فيقولان له ما دينك فيقول ديني الإسلام فيقولان له ما هذا الرجل الذي بعث فيكم فيقول هو رسول الله ﷺ فيقولان له وما علمك، فيقول قرأت كتاب الله فآمنت
_________________
(١) الروح بضم الراء يذكر ويؤنث (١) أى يتبعه ويسير معه من كل سماء مقربوها، أى رؤساؤها المقربون عند الله من الملائكة (٢) قال الامام البغوى روينا عن البراء مرفوعا أن عليين فى السماء السابعة تحت العرش، وقال ابن عباس هو لوح من زبر جدة خضراء معلق تحت العرش أعمالهم مكتوبة فيه "يعنى أعمال الأبرار" وقال كعب وقتادة هو قائمة العرش اليمنى، وقال عطاء عن ابن عباس هو الجنة، وقال الضحاك سدرة المنتهى، وقال بعض أهل المعانى علو بعد علو، وشرف بعد شرف، ولذلك جمعت بالياء والنون، وقال الفراء هو اسم موضوع على صيغة الجمع لا واحد له من لفظه مثل عشرين وثلاثين اهـ (قال الحافظ ابن كثير) والظاهر أن عليين مأخوذ من العلو، وكلما علا الشئ وارتفع عظم واتسع ولهذا قال تعالى معظّما أمره ومفخّما شأنه "وما أدراك ما عليوم" اهـ (٣) أى فيحيا حياة مؤقتة بقدر ما يمكنه سماع السؤال وردّ الجواب، وليست كالحياة المستقرة المعهودة فى الدنيا التى تقوم فيها الروح بالبدن وتدبيره وتصرفه وتحتاج إلى ما يحتاج اليه الأحياء، بل هى مجرد إعادة لفائدة الامتحان الذى وردت به الأحاديث الصحيحة، فهى اعادة عارضة كما أحيا الله خلقا لكثير من الأنبياء لمسألتهم لهم عن أشياء ثم عادوا موتى، قاله الحافظ (٤) زاد ابن حبان من طريق أبى سلمة عن أبى هريرة، فاذا كان مؤمنا كانت الصلاة عند رأسه والزكاة عن يمينه والصوم عن شماله، وفعل المعروف من قبل رجليه، فيقال له اجلس فيجلس (٥) يعنى بالرجل النبى ﷺ وإنما يقوله فى هذه العبارة التي ليس فيها تعظيم امتحانًا للمسئول لئلا يتلقن تعظيمه من عبارة السائل، ثم يثبت الله الذين آمنوا
[ ٧ / ٧٥ ]
به وصدقت، فينادي مناد في السماء أن صدق عبدي فافرشوه من الجنة وألبسوه من الجنة وافتحوا له بابًا إلى الجنة، قال فيأتيه من روحها وطيبها ويفسح له في قبره مد بصره (١) قال ويأتيه رجل حسن الوجه حسن الثياب طيب الريح، فيقول أبشر بالذي يسرك هذا يومك الذي كنت توعد، فيقول له من أنت فوجهك الوجه يجيء بالخير، فيقول أنا عملك الصالح، فيقول رب أقم الساعة حتى أرجع إلى أهلي ومالي وقال وإن العبد الكافر (٢) إذا كان في انقطاع من الدنيا وإقبال من الآخرة (٣) نزل إليه من السماء ملائكة سود الوجوه معهم المسوح (٤) فيجلسون منه مد البصر، ثم يجيء
_________________
(١) في رواية عند مسلم والامام أحمد وسيأتى فى باب ما جاء فى هول القبر الخ من حديث أنس "انه يفصح له فى قبره سبعون ذراعا، ونقل النووى عن القاضى عياض أنه قال يحتمل أن يكون هذا الفسح له على ظاهره، وأنه يرفع عن بصره ما يجاوره من الحجب الكثيفة بحيث لا تناله ظلمة القبر ولا ضيقه اذا ردت اليه روحه، قال ويحتمل من الحجي الكثيفة بحيث لا تناله ظلمة القبر ولا ضيقه اذا ردت اليه روحه، قال ويحتمل أن يكون على ضرب المثل والاستعارة للرحمة والنعيم، كما يقال سقى الله قبره، والاحتمال الأول أصح والله أعلم اهـ (٢) فى رواية أبى داود، وإن الكافر إذا وضع، وكذا لأبن حبان من حديث أبى هريرة، وفى رواية للبخارى من حديث أنس، وأما المنافق والكافر بواو العطف، وله في أخرى "وأما الكافر أو المنافق بالشك" وللأمام أحمد فى رواية أخرى وستأتى من حديث أبى سعيد "وان كافرا أو منافقا بالشك" وله فى حديث أسماء "فان كان فاجرًا أو كافرًا" وفى الصحيحين من حديثها "وأما المنافق أو المرتاب" وفى حديث جابر عند عبد الرازق وحديث أبى هريرة عند الترمذى "وأما المنافق" وفى حديث عائشة عند الأمام أحمد وسيأتى أيضا، وأبى هريرة عند ابن ماجه "وأما الرجل السوء" وللطبرانى من حديث أبى هريرة "وان كان من أهل الشك" فاختلفت هذه الروايات لفظا وهى مجتمعة على أن كلا من الكافر والمنافق يسأل، فهى ترد على من زعم أن الكافر لا يسأل (٣) أى فى حالة الاحتضار كما تقدم فى الشق الأول (٤) جمع المسح بالكسر وهو اللباس الخشن الممقوت، وهو فى مقابلة قوله في الشق الأول الخاص بالمؤمن معهم كفن من أكفان الجنة وحنوط الجنة، والمعنى أن روح الكافر يجعل في هذه المسوح
[ ٧ / ٧٦ ]
ملك الموت حتى يجلس عند رأسه فيقول أيتها النفس الخبيثة اخرجي إلى سخط من الله وغضب، قال فتفرق في جسده (١) فينتزعها كما ينتزع السفود (٢) من الصوف المبلول فيأخذها، فإذا أخذها لم يدعوها في يده طرفة عين حتى يجعلوها في تلك المسوح ويخرج منها كأنتن ريح جيفة وجدت على وجه الأرض فيصعدون بها، فلا يمرون بها على ملأ من الملائكة إلا قالوا ما هذا الروح الخبيث، فيقولون فلان بن فلان بأقبح أسمائه التي كان يسمى بها في الدنيا حتى ينتهى به إلى السماء الدنيا، فيستفتح له فلا يفتح له، ثم قرأ رسول الله ﷺ "لا تفتح لهم أبواب السماء (٣) ولا يدخلون الجنة حتى يلج الجمل في سم الخياط" فيقول الله ﷿ اكتبوا كتابه في سجين (٤) في الأرض السفلى فتطرح روحه طرحًا، ثم قرأ "ومن يشرك بالله فكأنما خر
_________________
(١) وروح المؤمن تجعل فى تلك الأكفان (١) هو كناية عن شدة الرعب والفزع، وكأنها تريد الهرب عند سماع هذه الجملة (٢) على وزن تنور وهى حديدة ذات شعب يشوى بها اللحم فكما يبقى معها بقية من المحروق كذلك تصحب عند الجذب شيئا من الصوف المبلول وهو كناية عن تمزيق جسمه وصعوبة خروج روحه؛ فعوذ بالله من ذلك (٣) أى لا تفتح لأرواحهم أبواب السماء ورواه الضحاك عن ابن عباس وقاله السدى وغير واحد، وقيل المراد لا يرفع لهم منها عمل صالح ولا دعاء، قال مجاهد وسعيد بن جبير، وقال ابن جرير لا تفتح لأعمالهم ولا لأرواحهم، وهذا فيه جمع بين القولين، والله أعلم (٤) قال الحسن البصرى، معناه حتى يدخل البعير فى خرق الابرة، وكذا قال أبو العالية والضحاك، وكذا روى عن على بن أبى طلحة والعوفى عن ابن عباس، وقال مجاهد وعكرمة عن ابن عباس أنه كان يقرؤها يلج الجمَّل بضم الجيم وتشديد الميم يعنى الحبل الغليظ فى خرق الإبرة وهذا اختيار سعيد بن جبير وفى رواية أنه قرأ حتى يلج الجمل يعنى قاموس السفن وهى الحبال الغلاظ (٥) السجين فعيل من السجن وهو الضيق كما يقال فسّيق وشرّيب وخِّمير وسكِّير، ونحو ذلك، ولهذا أعظم الله أمره فقال عز من قائل "وما أدراك ما سجين" أى هو أمر عظيم وسجن مقيم وعذاب أليم، وقد فسر فى الحديث بأنه في الأرض السفلى
[ ٧ / ٧٧ ]
من السماء فتخطفه الطير أو تهوى به الريح في مكان سحيق" فتعاد روحه في جسده ويأتيه ملكان فيجلسانه فيقولان من ربك؟ فيقول هاه هاه لا أدري، فيقولان له ما دينك؟ فيقول هاه هاه لا أدرى، فيقولان له ما هذا الرجل الذي بعث فيكم؟ فيقول هاه هاه لا أدرى، فينادى مناد من السماء أن كذب فافرشوا له من النار، وافتحوا له بابًا إلى النار، فيأتيه من حرها وسمومها، ويضيق عليه قبره حتى تختلف فيه أضلاعه، ويأتيه رجل قبيح الوجه قبيح الثياب منتن الريح، فيقول أبشر بالذي يسوءك هذا يومك الذي كنت توعد، فيقول من أنت فوجهك الوجه يجيء بالشر، فيقول أنا عملك الخبيث، فيقول رب لا تقم الساعة (وعنه من طريق
_________________
(١) وقال بعضهم صخرة تحت الأرض السابعة خضراء، وقيل بئر فى جهنم، وقيل غير ذلك كثير مما لا دليل عليه، ولا قول لأحد بعد قول رسول الله ﷺ (قال الحافظ ابن كثير ﵀) والصحيح أن سجينا مأخوذ من السجن وهو الضيق، فان المخلوقات كل ما تسافل منها ضاق، وكل ما تعالى منها اتسع، فان الأفلاك السابعة كل منها واحد منها أوسع وأعلى من الذى دونه، وكذلك الأرضون كل واحدة أوسع من التي دونها حتى ينتهى السفول المطلق والمحل الأضيق أى المركز فى وسط الأرض السابعة اهـ وهو وجيه ويوافق ما فى حديث الباب (١) هذا مثل ضربه الله للمشرك فة ضلاله وبعده عن الهدي فقال "ومن يشرك بالله فكأنما خرَّ من السماء" أى سقط منها (فتخطفه الطير) أى تقطعه الطيور فى الهواء (أو نهوى به الريح فى مكان سحيق) أى بعيد مهلك لمن هوى وهو ينطبق على ما يفعل بروخ الكافر لأنها ترمى من السماء إلى ما أعده الله لهما من العذاب والشقاء، ولذلك استشهد النبى ﷺ بالآية (٢) هذه كلمة تقال فى الابعاد وفى حكاية الضحك، وقد تقال للتوجع فتكون الهاء الأولى مبدلة من همزة آه وهو الأليق بمعنى هذا الحديث يقال تأوه ونهوه آهًة وهاهًة، والمعنى أنه يتوجع لعدم معرفة الجواب ولما حصل له من الارتباك والخوف وسوء العاقبة، نعوذ بالله من ذلك (٣) يتمنى عدم قيام الساعة لأنه يعلم أن مصيره إلى النار وبئس القرار، نعوذ بالله من عذاب النار ونسأله الجنة مع الأبرار
[ ٧ / ٧٨ ]
ثان (١) بنحوه وفيه) حتى إذا خرج روحه صلى عليه كل ملك بين السماء والأرض وكل ملك في السماء، وفتحت له أبواب السماء، وليس من أهل باب إلا وهم يدعون الله أن يعرج بروحه من قبلهم (٢) فإذا عرج بروحه قالوا رب عبدك فلان، فيقول أرجعوه (٣) فإنى عهدت إليهم أنى منها خلقتهم وفيها أعيدهم؛ ومنها أخرجهم تارة أخري؛ قال فإنه يسمع خفق نعال أصحابه (٤) إذا ولوا عنه فيأتيه آت (٥) فيقول من ربك؟ ما دينك؟ من نبيك؟ فيقول ربى الله، وديني الإسلام، ونبي محمد ﷺ فينتهره (٦) فيقول من ربك؟
_________________
(١) "سنده" حدّثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا عبد الرازق ثنا معمر عن يونس بن خباب عن المنهال بن عمرو بن زاذان عن البراء بن عازب ﵁، قال خرجنا مع رسول الله ﷺ إلى جنازة فجلس رسول الله ﷺ على القبر وجلسنا حوله كأن على رءوسنا الطير وهو يلحد له فقال أعوذ بالله من عذاب القبر ثلاث مرات، ثم قال إن المؤمن إذا كان فى إقبال من الآخرة وانقطاع من الدنيا تنزلت اليه الملائكة كأن على وجوههم الشمس مع كل واحد كفن وحنوط فجلسوا منه مد البصر حتى إذا خرج روحه - الحديث" (٢) أى من بابهم ليحوزوا شرف تشييع من ﵁ (٣) يعنى إلى الأرض حيث يوجد قبره (٤) عند البخارى والامام أحمد من حديث أنس، وإنه يسمع فرع نعالهم والمعنى واحد وهو صوت حركة المشى بالنعل، وفيه أن السؤال يبتدئ بمجرد تسوية التراب على القبر وانصراف بعض المشيعين للجنازة (٥) هذا الآتى هو المعبر عنه بالملكين فى الطريق الأولى، وعند البخارى والامام أحمد وغيرهما من حديث أنس، أتاه ملكان، زاد ابن حبان والترمذى من طريق سعيد المقبرى عن أبى هريرة أسودان أزرقان يقال لأحدهما المنكر وللآخر النكير - وفى رواية ابن حبان يقال لهما منكر ونكير، قيل وإنما سميا هذا الاسم لأن خلقهما لا يشبه خلق الآدميين ولا خلق الملائكة ولا خلق البهائم ولا خلق الهوام، بل لهما خلق بديع وليس فى خلقتيهما أنس للناظرين اليهما، جعلهما الله تكرمة للمؤمن لتثبّته وتبصّره، وهتكا لستر المنافق فى البرزخ من قبل أن يبعث حتى يحل عليه العذاب، وسميا أيضا فتانا القبر لأن فى سؤالهما انّهارا وفى خلقهما صعوبة (٦) أي يزجره
[ ٧ / ٧٩ ]
ما دينك؟ من نبيك؟ وهى آخر فتنة تعرض على المؤمن فذلك حين يقول الله ﷿ "يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة" فيقول ربى الله وديني الإسلام ونبي محمد صلي الله تعالى عليه وعلى آله وصحبه وسلم فيقول له صدقت، ثم يأتيه آت حسن الوجه طيب الريح حسن الثياب، فيقول أبشر بكرامة من الله ونعيم مقيم، فيقول وأنت فبشرك الله بخير، من أنت؟ فيقول أنا عملك الصالح، كنت والله سريعًا في طاعة الله بطيئًا عن معصية الله، فجزاك الله خيرًا، ثم يفتح له باب من الجنة وباب من النار، فيقال (١) هذا كان منزلك لو عصيت الله، أبد لك الله به هذا (٢) فإذا رأى ما في الجنة قال رب عجل قيام الساعة كيما أرجع إلى أهلي ومالي، فيقال له اسكن (٣) وإن الكافر إذا كان في انقطاع من الدنيا وإقبال من الآخرة نزلت عليه ملائكة غلاظ شداد فانتزعوا روحه كما ينتزع السفود الكثير الشعب من الصوف المبتل، وتنزع نفسه مع العروق
_________________
(١) (فإن قيل) كيف يزجره وقد أجاب بالصواب (قلت) المراد بالزجر هنا الامتحان لتبين هل هو ثابت على عقيدة الايمان أم لا، فان أجاب فى المرة الثانية كالأولى ظهر أنه ثابت العقيدة وظهر شرفه للملأ الأعلى واستحق الكرامة، وكانت هذه آخر فتنة تعرض عليه، وكان ممن قال الله فيهم "يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت فى الحياة الدنيا وفى الآخرة" وفسرت فتنة الدنيا بحالة الاحتضار وقتنة الآخرة بالسؤال، نسأل الله الثبات على الايمان فى الحياة وبعد الممات آمين (١) يحتمل أن يكون هذا القول من المنكر والنكير، ويحتمل أن يكون من غيرها من الملائكة (٢) زاد فى حديث أنس "فيراهما جميعا" والحكمة فى رؤيتها ادخال السرور عليه حيث قد أبدل الله منزله فى النار بمنزل فى الجنة وذلك بتوفيق الله إياه للأعمال الصالحة والهداية لدين الاسلام، ولو لم يكن كذلك لكان من أهل النار (٣) أى لا تعجل فان كل شئ له أجل معلوم وقدر محتوم لابد منه
[ ٧ / ٨٠ ]
فيلعنه كل ملك بين السماء والأرض وكل ملك في السماء وتغلق أبواب السماء، ليس من أهل باب إلا وهم يدعون الله أن لا تعرج روحه من قبلهم، فإذا عرج بروحه قالوا رب فلان بن فلان عبدك قال أرجعوه فإنى عهدت إليهم أني منها خلقتهم وفيها أعيدهم ومنها أخرجهم تارة أخري، قال فإنه ليسمع خفق نعال أصحابه إذا ولوا عنه، قال فيأتيه آت فيقول من ربك؟ ما دينك؟ من نبيك؟ فيقول لا أدري، فيقول لا دريت ولا تلوت (١) ويأتيه آت قبيح الوجه قبيح الثياب منتن الريح، فيقول أبشر بهوان من الله وعذاب مقيم، فيقول وأنت فبشرك الله بالشر، من أنت؟ فيقول أنا عملك الخبيث كنت بطيئًا عن طاعة الله سريعًا في معصية الله، فجزاك الله شرًا،
_________________
(١) أي لا فهمت ولا قرأت القرآن، وعند البخارى والأمام أحمد وغيرهما من حديث أنس لا دريت ولا تلبت (قال الحافظ) كذا فى أكثر الروايات بمثناة مفتوحة بعدها لام مفتوحة وتحتانية ساكنة (قال ثعلب) قوله تليت أصله تلوت، أى لا فهمت ولا قرأت القرآن، والمعنى لا دريت ولا اتبعت من يدرى، وإنما قاله بالياء لمواخاة دريت، وحكى أبو قتيبة عن يونس بن حبيب آن صواب الرواية "لا دريت ولا تليت" بزيادة ألف وتسكين المثناة كأنه يدعو عليه بأن لا يكون له من يتبعه وهو من الاتلاء؛ يقال ما تليت ابله أى لم تلدا أولادًا يتبعونها، وقال قول الأصمعى أشبه بالمعنى، أى لا دريت ولا استطعت أن تدرى، ووقع عند أحمد من حديث أبى سعيد "لا دريت ولا اهتديت" (قل سيأتى) قال وفى مرسل عبيد بن عمير عند عبد الرازق "لا دريت ولا أفلحت" اهـ باختصار، وصوَّب العينى قول ثعلب فى تفسير "ولا تليت" يعنى أن أصله ولا تلوت قلبت الواو ياء لازذواج الكلام، قال وهذا أصوب من كل ما ذكروه فى هذا الباب، والدليل عليه أن هذه اللفظة جاءت هكذا فى حديث البراء فى مسند أحمد "لا دريت ولا تلوت" أى لم تتل القرآن فلم تنتفع بدرايتك ولا تلاوتك (وقال الزمخشرى) معناه ولا اتبعت الناس بأن تقول شيئًا يقولونه، وقيل لا قرأت، فقلبت الواو ياء له مزاوجة، أى ما علمت بنفسك بالاستدلال ولا اتبعت العلماء بالتقليد وقراءة الكتب، وقال ابن بطال الكلمة من ذوات الواو لأنها من تلاوة القرآن،
[ ٧ / ٨١ ]
ثم يقيض له أعمى أصم أبكم في يده مرزبة (١) لو ضرب بها جبل كان ترابًا، فيضربه ضربة حتى يصير ترابًا، ثم يعيده الله كما كان فيضربه ضربة أخري فيصيح صيحة يسمعه كل شيء إلا الثقلين (٢) قال البراء بن عازبٍ ﵁، ثم يفتح له باب من النار ويمهد (٣) من فرش النار
_________________
(١) لكنه لما كان مع دريت تكلم بالياء ليزدوج الكلام، ومعناه الدعاء عليه، أى لا كنت داريا ولا تاليا اهـ (١) المرزبة بكسر الميم وفتح الزاى مخففة بينهما راء ساكنة، هى المطرقة الكبيرة التى تكون للحداد، ويقال لها أيضا الأرزبة بالهمز والتشديد (٢) ظاهره أن كل شئ يسمعه من حيوان وجماد غير الجن والأنس (قال الحافظ) لكن يمكن أن يخصص منه الجماد، ويؤيده أن فى حديث أبى هريرة عند البزار يسمعه كل دابة إلا الثقلين، والمراد بالثقلين الأنس والجن، قيل لهم ذلك لأنهم كالثَّقل على وجه الأرض، قال المهلب الحكمة فى أن الله يسمع الجن قول الميت قدمونى ولا يسمعهم صوته إذا عذب بأن كلامه قبل الدفن متعلق بأحكام الدنيا، وصوته إذا عذب فى القبر متعلق بأحكام الآخرة، وقد أخفى الله على المكلفين أحوال الآخرة إلا من شاء الله ابقاء عليهم اهـ (٣) أى يفرش له من فرش النا، فعوذ بالله من ذلك (تخريجه) (د. ك. ش. هق) وسنده جيد قال صاحب التنقيح رواة أحمد محتج بهم فى الصحيح؛ والحديث حصنه المنذرى - ورواه أيضا أبو داود والحاكم وابن أبى شيبة وابن منده وأبو نعيم وأبو عوانة الأسفرايبنى فى صحيحه من طرق صحيحة والبيهقى وقال هذا حديث صحيح الأسناد، وصححه أيضا العلامة ابن القيم فى كتاب الروح وقال هذا حديث ثابت مشهور مستفيض صححه جماعة من الحفاظ، ولا يعلم أحد من أئمة الحديث طعن فيه الخ، وروى النسائى وابن ماجه أوله، وقد جمع الدار قطنى طرقه فى مصنف مفرد وفى إسناد الحديث نهال بن عمر؛ وثقه ابن معين والعجلى وقد تكلم ابن حزم فى المنهال ولا يلتفت لكلام ابن حزم بعد احتجاج الشيخين به، ولمَّا رأى ابن حزم حديث المنهال رادَّا على معتتقده فى إنكار عذاب الأجساد فى قبورهما طعن فيه وطعنه مردود، والحديث صحيح دال على أن عذاب القبر يلحق الجسد على الكيفية التى علمها الله ﷾ اهـ والله أعلم (وفى الباب) عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵁ قال "إذا قتل العبد فى سبيل الله فأول قطرة تقطر على الأرض من دمه يكفر الله ذنوبه كلها، ثم يرسل الله له بريطة (١)
(٢) الريطة بفتح الراء وسكون الياء التحتية، هى كل ملاءة ليست لفقين أي قطعتين،
[ ٧ / ٨٢ ]
من الجنة فتقبض فيها نفسه، وبجسد من الجنة (١) حتى تركب فيه روحه، ثم يعرج مع الملائكة كأنه كان معهم منذ خلقه الله حتى يؤتى به الرحمن ﷿ ويسجد قبل الملائكة ثم تسجد الملائكة بعده، ثم يغفر له ويطهر، ثم يؤمر به إلى الشهداء فيجدهم في رياض خضر وثياب من حرير عندهم نور وحوت، يلقناهم كل يوم بشيء لم يلقناه بالأمس، يظل الحوت في أنهار الجنة فيأكل من كل رائحة من أنهار الجنة، فإذا أمسى وكزه الثور بقرنه فذكاه فأكلوا من لحمه فوحدوا في طعم لحمه كل رائحة من أنهار الجنة ويلبث الثور نافشا (أي يرعى) في الجنة يأكل من تمر الجنة؛ فإذا أصبح غدا عليه الحوت فذكاه بذنبه فأكلوا من لحمه، فوجدوا في طعم لحمه كل ثمرة في الجنة ينظرون إلى منازلهم يدعون الله بقيام الساعة ﴿فإذا توفى الله العبد المؤمن﴾ أرسل إليه ملكين بحرقة من الجنة وريحان من ريحان الجنة، فقال (أي أحدهما) أيتها النفس المطمئنة اخرجي إلى روح وريحان ورب غير غضبان، اخرجي فنعم ما قدمت، فتخرج كأطيب رائحة مسك وجدها أحدكم بأنفه، وعلى أرجاء السماء ملائكة يقولون سبحان الله لقد جاء من الأرض اليوم روح طيبة فلا يمر بباب إلا فتح له، ولا ملك إلا صلى عليه ويشفع حتى يؤتى به إلى الله ﷿، فتسجد الملائكة قبله، ثم يقولون ربنا هذا عبدك فلان، توفيناه وأنت أعلم به، فيقول مروه بالسجود فتسجد النسمة، ثم يدعى ميكائيل فيقال اجعل هذه النسمة مع أنفس المؤمنين حتى أسألك عنها يوم القيامة، فيؤمر بقبره فيوسع له، طوله سبعون وعرضه سبعون، وينبت فيه الريحان ويبسط له الحرير فيه، وإن كان معه شيء من القرآن نوره وإلا جعل له نورا
_________________
(١) وقيل كل ثوب رقيق ليّن والجمع ريط ورياط (١) لا مانع من ذلك، فقد ثبت أن أرواح الشهداء تكون فى أجواف طير خضر ترد أنهار الحنة (رو ى الأمام أحمد) قال حدثنا يعقوب ثنا أبى عن ابن اسحاق حدثنى إسماعيل بن آمية بن عمرو بن سعيد عن أبى الزبير المكى عن ابن عباس قال قال رسول الله ﷺ: "لما أصيب إخوانكم باحد جعل الله أرواحهم فى أجواف طير خضر ترد أنهارا الجنة تأكل من ثارها وتأوى إلى قناديل من ذهب فى ظل العرش، فلما وجد واطيب مشربهم ومأكلهم وحسن منقلبهم، قالوا يا لين إخواننا يعلمون بما صنع الله لنا لئلا يزهدوا فى الجهاد ولا ينكلوا عن الحرب، فقال الله ﷿ أنا أبلغهم عنكم، فأنزل الله ﷿ هؤلاء الآيات على رسوله ﷺ ﴿ولا تحسبن الذين قتلوا فى سبيل الله أمواتا بل أحياء - الآية﴾ هذا حديث رواه الامام أحمد فى مسنده وسيأتى فى تفسير سورة آل عمران فى كتاب التفسير، ورواه ابن جرير عن يونس عن ابن وهب عن اسماعيل بن عياش عن محمد بن إسحاق به، ورواه أبو داود الحاكم فى مستدركه من حديث عبد الله بن إدريس عن محمد بن إسحاق به، قال الحافظ ابن كثير ورواه أبو داود الحاكم عن إسماعيل بن أمية عن أبى الزبير عن سعيد بن جبير عن ابن عباس ﵄ فذكره وهذا أثبت اهـ
[ ٧ / ٨٣ ]
مثل نور الشمس، ثم يفتح له باب إلى الجنة فينظر إلى مقعده في الجنة بكرة وعشيا ﴿فإذا توفى الله العبد الكافر﴾ أرسل إليه ملكين وأرسل إليه بقطعة بجاد (أي كساء) أنتن من كل نتن وأخشن من كل خشن فقال (أي أحدهما) أيتها النفس الخبيثة اخرجي إلى جهنم وعذاب أليم ورب عليك ساخط؛ اخرجي فساء ما قدمت؛ فتخرج كأنتن جيفة وجدها أحدكم بأنفه قط، وعلى أرجاء السماء ملائكة يقولون سبحان الله، لقد جاء من الأرض جيفة ونسمة خبيثة لا يفتح له باب السماء، فيؤمر بجسده فيضيق عليه في القبر، ويملأ حيات مثل أعناق البخت تأكل لحمه فلا يدعن من عظامه شيئا، ثم يرسل عليه ملائكة صم عمى معهم فطاطيس (جمع فطيسة وهى المطزقة العظيمة) من حديد لا يبصرونه فيرحمونه، ولا يسمعون صوته فيرحمونه فيضربونه ويخبطونه ويفتح له باب من نار، فيمظر إلى مقعده من النار بكرة وعشية، يسأل الله أن يديم ذلك عليه فلا يصل إلى ما وراءه من النار أورده الهيثمي وقال رواه الطبراني في الكبير، ورجاله ثقات اهـ ﴿قلت﴾ وما ذكر في أحاديث الباب ليس كل ما رواه الأمام أحمد في سؤال الملكين، بل هناك أحاديث كثيرة في السؤال ستأتي في أبواب عذاب القبر، وإنما ذكرت حديثي أبى هريرة والبراء هنا لما فيهما من أمور تختص بالمحتضر ومصير الروح بعد خروجها ﴿الأحكام﴾ أحاديث الباب تدل على أن الصالح سواء أكان ذكرا أم أنثى إذا احتضر حضرته ملائكة الرحمة وبشرته بالجنة قبل قبض روحه، وتخرج روحه بسهولة وتصعد إلى الملأ الأعلى فتحوز القبول والرضا عند الله ﷿، ثم ترجع إلى جسدها في القبر فيجيب على سؤال الملكين بأحسن جواب، ويوسع له في قبره ويفتح له باب إلى الجنة فيأتيه من ريحها وطيبها، وتكون روحه في عليين إلى يوم البعث ﴿وفيها﴾ أن الكافر سواء أكان ذكرًا أم أنثى؛ وكذلك المنافق والفاجر إذا احتضر رأى من العذاب ألوانًا ومن الإهانة أنواعا، سواء عند خروج روحه أم عند صعودها إلى السماء، فتغاق دونها السموات، وترجع إلى جسدها مزودة بالمقب والغضب واللعنات من رب البريات، فيسأله الملكان فلا يجيب، وحينئذ يذيقانه من أصناف العذاب ما يشيب لهوله الطفل الصغير، ويضيق عليه قبره، ويفرش له من النار، ويفتح له باب من جهنم وتكون روحه في سجين إلى يوم الدين (يوم ينظر المرء ما قدمت يداه ويقول الكافر يا ليتني كنت ترابا) ﴿ولا خلاف بين العلماء في ذلك﴾ إلا في مسألة السؤال فقد زعم بعضهم أن السؤال إنما يقع على من يدعى الأيمان إن محقا وإن مبطلا ﴿قال الحافظ﴾ ومستندهم في ذلك ما رواه عبد الرزاق من طريق عبيد بن عمير أحد كبار التابعين، قال إنما يفتن رجلان مؤمن ومنافق، وأما الكافر فلا يسئل عن محمد ولا يعرفه، وهذا موقوف،
[ ٧ / ٨٤ ]
(٩) باب في أمور تتعلق بالأرواح
(٥٤) حدثنا عبد الله حدثني أبى ثنا محمد بن إدريس (١) (يعنى الشافعي) عن مالك (٢) عن ابن شهاب (٣) عن عبد الرحمن بن كعب (٤) بن مالك أنه
_________________
(١) والأحاديث الناصة على أن الكافر يمثل مرفوعة مع كثرة طرقها الصحيحة فهي أولى بالقبول، وجزم الترمذى الحكم يسئل (واختلف في الطفل) غير المميز لجزم القرطبي فى التذكرة بأنه يمثل وهو منقول عن (الحنفية) وجزم غير واحد من (الشافعية) بأنه لا يسئل، ومن ثم قالوا لا يستحب أن يلقن (واختلف أيضا فى النبى) هل يسأل؟ وأما الملك فلا أعرف أحدا ذكره، والذر يظهر أنه لا يسأل، لأن السؤال يختص بمن شأنه أن يفتن. وقد مال ابن عبد البر إلى الأول وقال الآثار تدل على أن الفتنة لمن كان منسوبا إلى أهل القبلة، وأما الكافر الجاحد فلا يسأل عن دينه، وتعقبه ابن القيم فى كتاب الروح؛ وقال فى الكتاب والسنة دليل على أن السؤال للكافر والمسلم - قال الله تعالى ﴿يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت فى الحياة الدنيا وفى الآخرة ويضل الله الظالمين﴾ وفى حديث أنس عند البخارى (قلت والامام أحمد أيضا) "وأما المنافق والكافر" بواو العطف، وفى حديث أبى سعيد "فان كان مؤمنا فذكره" وفيه "وإن كان كافرا" وفى حديث البراء "وإن الكافر إذا كان فى انقطاع من الدنيا" فذكره وفيه "فيأتيه منكر ونكير" - الحديث" أخرجه أحمد هكذا وقال، وأما قول أبى عمر فأما الكافر الجاحد فليس ممن يسأل عن دينه فجوابه أنه نفى بلا دليل، بل فى الكتاب العزيز الدلالة على أن الكافر يسأل عن دينه، قال الله تعالى ﴿فلنسألن الذين أرسل إليهم ولنسألن المرسلين﴾ وقال تعالى: ﴿فوربك لنسألنهم أجمعين﴾ لكن للنافى أن يقول إن هذا السؤال يكون يوم القيامة اهـ.
(٢) حدثنا عبد الله (غريبة) (١) هو أبو عبد الله الأمام محمد بن إدريس الشافعى المطلبى الحجازى ابن عم رسول الله ﷺ يلتقى معه فى عبد مناف ﵀ (٢) هو أبو عبد الله الأمام مالك بن أنس بن مالك صاحب المذهب وعالم المدينة ﵀ (٣) هو محمد بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله بن شهاب بن عبد الله بن الحارث ابن زهرة القرشى الزهرى أبو بكر المدنى أحد الأئمة الأعلام وعالم الحجاز والشام، قال الأمام مالك كان ابن شهاب من أسخى الناس وتقيا ماله فى الناس نظير، قال ابراهيم بن سعد مات سنة أربع وعشرين ومائة ﵀ (٤) هو أبو الخطاب المدنى من كبار التابعين، ويقال أنه ولد فى العهد النبوى، ومات فى خلافة سليمان بن عبد الملك ﵀، وأبوه كعب بن
[ ٧ / ٨٥ ]
أخبره أن أباه كعب بن مالك ﵁ كان يحدث أن رسول ﷺ قال إنما نسمة (١) المؤمن طائر يعلق في شجر الجنة حتى يرجعه الله ﵎ إلى جسده يوم يبعثه
(٥٥) عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك قال قالت أم مبشر (٢) لكعب ابن مالك ﵁ وهو شاك (٣) اقرأ على ابني السلام تعني مبشرًا (٤) فقال يغفر الله لك يا أم مبشر، أو لم تسمعي ما قال رسول الله ﷺ إنما
_________________
(١) مالك السليمي المدني الصحابى المشهور أحد الثلاثة الذين أنزل فيهم قوله تعالى ﴿وعلى الثلاثة الذين خلفة - الآية﴾ مات فى خلافة على ﵄ (١) بفتح النون والسين أى روحه، وفى كتاب أبي القاسم الجوهري "النسمة الروح والنفس والبدن" وإنما يعنى فى هذا الحديث الروح "وقوله طائر يعلق" بالتحتية صفة لطائر وبفتح اللام رواية الأكثر كما قال ابن عبد البر وروى بضمها، قال والمعنى واحد وهو الأكل والرعي "فى شجر الجنة" لتأكل من ثمارها، وقال البونى معنى رواية الفتح تأوى، والضم ترعى، تقول العرب ما ذقت اليوم علوقا، وقال السهيلى يعلق بفتح اللام يتشبت بها ويرى مقعده منها، ومن رواه بضم اللام فمعناه يصيب منها العلقة من الطعام، فقد أصاب دون ما أصاب غيره ممن أدرك الرغد أى العيش الواسع، فهو مثل مضروب يفهم منه هذا المعنى، وإن أراد بتعلق الأكل نفسه فهو مخصوص بالشهيد فتكون رواية الضم للشهيد والفتح لمن دونهم، واله أعلم بمراد رسوله ﷺ اهـ (تخريجه) (لك. جه. نس. هق) هذا الحديث اسناده صحيح لا شك فيه، اجتمع فيه ثلاثة من الأئمة الأربعة أصحاب المذاهب المتبعة وهم (الامام أحمد والامام محمد بن إدريس الشافعى والامام مالك) ﵏
(٢) عن عبد الرحمن بن كعب (سنده) حدّثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا عبد الرازق قال ثنا معمر عن الزهرى عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك "الحديث" (غريبة) (٢) يعنى الأنصارية زواج البراء بن معرور، وهى والدة مبشر بن البراء المذكور ﵃ (٣) أى مريض مرض الموت (٤) قال الحافظ فى الاصابة، مبشر ابن البراء بن معرور الأنصارى، قال ابن الكلبى شهد بيعة الرضوان، هذا كل ما قاله عنه الحافظ فى الاصابة؛ فهو صحابى ابن صحابية ﵃، وكان قد توفّي
[ ٧ / ٨٦ ]
نسمة المسلم طير تعلق في شجر الجنة حتى يرجعه الله ﷿ إلى جسده
_________________
(١) فوجدت عليه أمة وجدا شديدا فكانت تأتى كل محتضر يعرف ابنها وتكلفه أن يقرأ ﵇، فكأن كعب بن مالك ﵁ أنكر عليها هذا الوجد مع كون ابنها فى نعيم الجنة وممن ﵃، قال تعالى ﴿لقد رضى الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة﴾ وهو منهم وذكَّرها بالحديث وكانت سمعته، فقالت له صدقت ولامت نفسها واستغفرت الله ﷿ على ما فرط منها ﵂، أما كونها كانت تكلف كل محتضر يعرفه بتبليغه السلام؛ فلما روى ابن أبى الدنيا قال حدثنى محمد بن عبد الله بن بزيع أخبرنا فضيل بن سليمان النميرى حدثنى يحيى بن عبد الرحمن بن أبة لبيبة عن جده. قال لما مات بشر بن البراء بن معرور وجسدت عليه أم بشر وجدا شديدًا فقالت يا رسول الله إنه لا يزال الهالك يهلك من بنى سلمة فهل تتعارف الموتى فأرسل إلى بشر بالسلام؟ فقال رسول الله ﷺ نعم. والذى نفسى بيده يا أم بشر إنهم ليتعارفون كما يتعارف الطير فى رءوس الشجر. فكان لا يهل هالك من بنى سلمة الا جاءته أم بشر فقالت يا فلان عليك السلام، فيقول وعليك، فتقول اقرأ على بشر السلام، وهذا الحديث ذكره البقاعى فى كتاب سر الروح مختصر كتاب الروح للحافظ ابن القيم جاء فيه أم بشر لا أم مبشر، قال أبو نعيم اختلف أصحاب اسحاق عن الزهرى عنه "يعنى عن عبد الرحمن بن كعب" فمنهم من قال أم بشر ومنهم من قال أم مبشر اهـ (قلت) لعل بشرا كان يقال له بشر ومبشر، وذلك نظائر فى الأسماء، ويستأنس لهذا بما فعله الحافظ فى الاصابة فانه ترجم بشرا فى حرف الباء، فقال ما ملخصه، بشر بن البراء بن معرور شهد العقبة مع أبيه، وشهد بدرًا وما بعدها ومات بعد خبير من أكلة أكلها مع النبى ﷺ من الشاة التى سم فيها وذكر أن النبى ﷺ قال لبنى نضلة سيدكم الأبيض الجعد بشر بن البراء، وأتى بعدة طرق وشواهد لهذا الحديث، ثم قال فى حرف الميم (مبشر بن البراء بن معرور قال ابن الكلبى شهد بيعة الرضوان) ولم يزد الحافظ على ذلك، فلعله لاحظ أن مبشرا هو بشر المتقدم فاقتصر على الترجمة الأولى، ولهذا كان يقال لأمه أحيانا أم بشر وأحيانا أم بشر أو يكونا اثنين، ويرجح الأول ما رواه الأمام أحمد بسنده عن عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب ابن مالك عن أمه أن أم مبشر دخلت على رسول الله ﷺ فى وجعه الذى قبض فيه فقالت بأبى أنت وأمى با رسول الله ما تتّهم بنفسك؟ فأنى لا أتهم إلا الطعام الذى أكل معك بخيبر وكان ابنها مات قبل النبى ﷺ، فقال "وأنا لا أتهم غيره، هذا أو أن قطع أبهري"
[ ٧ / ٨٧ ]
يوم القيامة قالت صدقت فأستغفر الله
(٥٦) عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ عن رسول الله ﷺ قال إن أرواح المؤمنين تلتقي على مسيرة يوم ما رأى أحدهم صاحبه (١) قط (وعنه من طريق ثان) (٢) إن أرواح المؤمنين (٣) لتلتقيان على مسيرة يوم وليلة وما رأى واحد منهما صاحبه
(٥٧) عن محمد بن المنكدر قال دخلت على جابر بن عبد الله ﵄
_________________
(١) وقولها "لا أتهم الا الطعام الذى أكل معك" تعنى أنها لا تتهم فى مرض النبى ﷺ الا الطعام المسموم الذى أكله مه ابنها بخيبر ومات ابنها بسببه فوافقها النبى ﷺ وقال "هذا أوان قطع أبهرى" والأبهر بفتح أوله هو الظهر وعرق بداخله أو وريد العنق، وهو كناية عن دنو الموت وسيأتى هذا الحديث فى أبواب مرضه ﷺ الذى مات فيه من كتاب السيرة النبوية، ففى هذا الحديث كناها بأم مبشر وذكر الحافظ فى ترجمة بشر أنه مات بعد خيبر من أكلة أكلها مع النبى ﷺ والواقعة واحدة، فالظاهر أنه كان يقال له بشر ومبشر ولأمه كذلك أم بشر وأم مبشر والله أعلم (تخريجه) لم أقف عليه بهذا اللفظ لغبر الامام أحمد وسنده جيد
(٢) عن عبد الله بن عمرو (سنده) حدّثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا حسن ثنا ابن لهيعة ثنا دراج عن حسين عن هلال الصدفى عن عبد الله بن عمرو - الحديث" (غريبة) (١) يعنى فى الدنيا، ولكن جمعهم بعد الموت اتفاقهم فى العمل والعقيدة (٢) (سنده) حدّثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا يحيى بن إسحاق أنا ابن لهيعة عن دراج أبى السمح عن عيسى بن هلال عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ قال قال رسول الله ﷺ إن أرواح المؤمنين - الحديث" (٣) بالتقنية بدليل قوله "لتلتقيان" وقوله "وما رأى واحد منهما صاحب" بالتثنية أيضا (تخريجه) لم أقف عليه لغير الامام أحمد وفى إسناده ابن لهيعة فيه كلام
(٣) عن محمد بن المنكدر (سنده) حدّثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا أبو ابراهيم المعقب اسماعيل بن محمد، وكان أحد الصالحين ثنا يوسف بن الماجشون قال أخبرني محمد
[ ٧ / ٨٨ ]
وهو يموت فقلت أقرئ (١) رسول الله ﷺ منى السلام
(٥٨) عن أنس بن مالك ﵁ قال قال النبي ﷺ إن أعمالكم تعرض على أقاربكم وعشائركم من الأموات، فإن كان خيرًا استبشروا به وإن كان غير ذلك نالوا اللهم لا تمتهم حتى تهديهم كما هديتنا
(٥٩) عن أم هانئ ﵂ أنها سألت رسول الله صلى
_________________
(١) ابن المنكدر - الحديث" (غريبه) (١) يقال أقرئ فلانا السلام واقرأ ﵇ كأنه حين يبلغه سلامه يجعله على أن يقرأ السلام ويرده (نه) (تخريجه) (جه) وسنده جيد اهـ.
(٢) عن أنس بن مالك (سنده) حدّثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا عبد الرازق ثنا صفيات عمن سمع أنس بن مالك يقول قال النبى ﷺ - الحديث" (تخريجه) لم أقف عليه لغير الامام أحمد وفى اسناده رجل لم يسمَّ، وله شاهد من حديث "أبى أيوب الأنصارى" ﵁ أن رسول الله ﷺ قال "إن نفس المؤمن اذا قبضت تلقاها من أهل الرحمة من عباده كما يلقون البشير من الدنيا فيقولون أنظروا صاحبكم يستريح فانه قد كان فى كرب شديد، ثم يسألونه ماذا فعل فلان وماذا فعلت فلانة هل تزوجت؟ فاذا سألوه عن الرجل قد مات قبله، فيقول هيهات قد مات ذلك قبلى، فيقولون انا لله وانا اليه راجعون ذهب به الى أمه الهاوية فبئست الأم وبئست المربية، وان أعمالكم تعرض على أقربائكم وعشائركم فان كان خيرا فرحوا واستبشروا، وقالوا اللهم هذا فضلك ورحمتك فأتمم نعمتك عليه وأمتَّه عليها، ويعرض عليهم عمل المسيئ، فيقولون اللهم ألهمه عملا صالحا ترضى به عنه وتقربه اليك" رواه الطبرانى فى الكبير والأوسط وفيه مسلمة بن على وهو ضعيف (وعن أبى هريرة ﵁) قال ان أعمالكم تعرض على أقربائكم فاذا رأو خيرا فرحوا به وإذا رأوا شرًا كرهوه، وانهم يستخبرون الميت اذا أتاهم عمن مات بعدهم حتى ان الرجل ليسأل عن امرأته أتزوجت أم لا، حتى ان الرجل ليسأل عن الرجل، فان قيل له قد مات قال هيهات ذهب بذلك، فان لم يحسّوه عندهم (أى لم يجدوه فيمن ﵏) قالوا انا لله وانا اليه راجعون ذهب به الى أمه الهاوية المربية - رواه ابن جرير، وهذه الأحاديث يعضد بعضها بعضا، والله أعلم.
(٣) عن أم هانئ (سنده) حدّثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا حسن قال ثنا
[ ٧ / ٨٩ ]
الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم (١) أنتزاور إذا متنا ويرى بعضنا بعضًا؟ فقال رسول الله ﷺ تكون النسم (٢) طيرًا تعلق بالشجر حتى إذا كان يوم القيامة دخلت كل نفس في جسدها
(٦٠) عن أبى سعيد الخدرى ﵁ أنه سمع النبي ﷺ يقول إن الميت يعرف من يحمله ومن يغسله ومن يدليه في قبره (٣)
_________________
(١) ابن لهيعة قال ثنا أبو الاسود محمد بن عبد الرحمن بن نوفل أنه سمع درة بنت معاذ تحدث عن أم هانئ "الحديث" (غريبة) (١) أم هانئ هى بنت أبى طالب وأخت على بن أبى طالب ﵄ وبنت عم رسول الله ﷺ (٢) جمع نسمة وهى الروح، وتقدم الكلام عليها فى شرح الحديث الأول من أحاديث الباب (تخريجه) (طب) وفيه ابن لهيعة فيه كلام
(٢) عن أبى سعيد (سنده) حدّثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا أبو عامر ثنا عبد الملك بن حصن الحارثى ثنا سعيد بن عمرو بن سليم قال سمعت رجلا منا قال عبد الملك نسيت اسمه ولكن اسمه معاوية يحدث عن أبى سعيد الخدرى أن النبى ﷺ قال ان الميت يعرف من يحمله ومن يغسله ومن يدليه فى قبره، فقال ابن عمر وهو فى المجلس ممن سمعت هذا؟ قال من أبى سعيد، فانطلق ابن عمر الى أبى سعيد فقال يا أبا سعيد ممن سمعت هذا؟ قال من النبى ﷺ (غريبه) (٣) أى يدرك ذلك بسبب اتصال شعاع الروح به، قال المناوى لأن الموت ليس بعدم محض، والشعور باق حتى بعد الدفن (تخريجه) أخرجه أيضا ابن جرير فى تهذيبه عن أبى سعيد، وفى اسناده من لم يعرف (الأحكام) أحاديث الباب تدل على أن الأرواح باقية لا تفنى بفناء الجسد وأن المحسن ينعم ويجازى بالثواب، وأن المسيء يعذب ويجازى بالعقاب قبل يوم القيامة (وفيها) أن أرواح المؤمنين تكون على صور طيور تعلق بأشجار الجنة الى يوم البعث (وفيها) أن أرواح المؤمنين تلتقى وتتعارف وان لم يكن بين أجسامها تعارف فى الدنيا ولكن تجمعها رابطة الأيمان والصلاح (وفيها) أن أرواح المؤمنين أيضا تسأل روح من مات حديثا عن ذويها وأقاربها، فان كانوا على خير استبشروا، وان كانوا على غير ذلك دعووا الله لهم بالبداية (وفيها) تجوز تكليف المحتضر بتبليغ سلام الأحياء لأمواتهم الصالحين الذين سبقوه، وأنه يمكن تبليغهم ذلك ان كان صالحا (وفيها أيضا) أن الميت
[ ٧ / ٩٠ ]
يعرف من يغسله ومن يحمله ومن يدليه في قبره لاتصال الروح بالجسد حينئذ، وقد اختلف العلماء في مقر الأرواح ما بين الموت والحياة (وللحافظ ابن القيم) في هذا الباب كتاب أسماه الروح، أودعه نفائس لا تكاد توجد في غيره، لخصت منه ما يختص بمصير الروح بعد الموت (قال ﵀) قيل أن أرواح المؤمنين عند الله في الجنة شهداء أو غير شهداء إذا لم يحبسهم عن الجنة كبيرة ولا دين وتلقاهم ربهم بالعفو عنهم والرحمة، وهو (مذهب أبي هريرة وابن عمر ﵄) وقريب منهم قول (الأمام أحمد) في رواية ابنه عبد الله "أرواح الكفار في النار، وأرواح المؤمنين في الجنة" لقوله تعالى "فأما ان كان من المفربين فروح وريحان وجنة نعيم" ذكره من بعد خروجها من البدن وقسمها ثلاثة أقسام، مقربين في الجنة وأصحاب اليمين سالمين من العذاب، ومكذبين لهم نزل من حميم وتصلية جحيم كما قسمها يوم البعث الأكبر يوم القيامة إلى ثلاثة أقسام في أول السورة في قوله "فأصحاب الميمنة ما أصحاب الميمنة وأصحاب المشأمة ما أصحاب المشأمة والسابقون السابقون أولئك المقربون" وانما قد هذا تقديم الغاية اذ هي أهم وأولى بالذكر وقوله "يا أيتها النفس المطمئنة ارجعي إلى ربك راضية مرضية فادخلي في عبادي وادخلي جنتي" وقد قال غير واحد من الصحابة والتابعين ان هذا يقال لها عند الموت وعند البعث (ولما في الموطأ والنسائي) عن ابن شهاب عن عبد الرحمن ابن كعب بن مالك عن أبيه مرفوعا "انما نسمة المؤمن طائر يعلق في شجر الجنة حتى يبعثه الله إلى جسده" (وقال عبد الله بن منده) وروى موسى بن عبيدة عن عبيد الله بن يزيد عن أم كبشة بنت المعرور، قالت دخل علينا النَّبيَّ ﷺ قسألناه عن هذا الروح فوصفها صفة لكنه أبكى أهل الميت، فقال إن أرواح المؤمنين في حواصل طير خضر ترعى في الجنة وتأكل من ثمارها وتشرب من مياهها؛ وتأوى إلى قناديل من ذهب تحت العرش يقولون ربنا ألحق بنا أخواننا وآتنا ما وعدتنا (وإن أرواح الكفار) في حواصل طير سود تأكل من النار وتشرب من النار وتأوى إلى حجر في النار؛ يقولون ربنا لا تلحق بنا إخواننا ولا تؤتنا ما وعدتنا (وقال الطبراني) حدثنا أبو زرعة الدمشقي أخبرنا عبد الله بن صالح حدثني معاوية بن صالح عن ضمرة بن حبيب قال "سئل النَّبيَّ صل الله عليه وسلَّم عن أرواح المؤمنين، فقال في طير خضر تسرح في الجنة حيث شاءت، قالوا يا رسول الله أرواح الكفار؟ قال محبوسة في سجين" ورواه أبو الشيخ عن هشام بن يونس عن عبد الله بن صالح، ورواه المغيرة عن أبي بكر بن أبي مريم عن ضمرة بن حبيب (وذكر أبو عبد الله بن منده) من طريق عنجار عن الثوري عن ثور بن يزيد عن خالد بن معدان عن عبد الله بن عمر وقال قال رسول الله ﷺ "أرواح المؤمنين في طير كالزرازير تأكل من ثمر الجنة" ورواه غيره مرقوفا (وذكر يزيد الرقاشي) عن أنس وأبو عبد الله الشامي عن تميم الداري عن النَّبيَّ ﷺ
[ ٧ / ٩١ ]
إذا عرج ملك الموت بروح المؤمن إلى السماء استقبله جبريل في سبعين ألفا من الملائكة كلهم يأتيه ببشارة من السماء سوى بشارة صاحبه، فاذا انتهى به إلى العرش خر ساجدا فيقول الله ﷿ لملك الموت، انطلق بروح عبدي فضعه في سدر مخضوض وظل ممدود وماء مسكوب رواه بكر بن خنيس عن ضرار بن عمر عن يزيد وأبي عبد الله (وقيل إنما الذي في الجنة الشهداء) لقوله تعالى " ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أموتًا بل أحياء عند ربهم يرزقون" وروى ربيع بن مخلد عن هناد بن السرى عن اسماعيل بن المختار عن عطية عن أبي سعيد الخدري مرفوعا "الشهداء يغدون ويروحون، ثم يكون مأواهم إلى قناديل معلقة بالعرش، فيقول لهم الرب ﵎ هل تعلمون كرامة أفضل من كرامة أكرمتكموها؟ فيقولون لا، غير أننا وددنا أنك أعدت أرواحنا إلى أجسادنا حتى نقاتل مرة أخرى فتقال في سبيلك" (وفي صحيح مسلَّم) واللفظ له وجامع الترمذي وغيرهما عن مسروق قال سألت عبد الله بن مسعود عن هذه الآية "ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون" فقال أما إنا قد سألنا عن ذلك رسول الله ﷺ فقال "أرواحهم في جوف طير خضر لها قناديل معلقة بالعرش تسرح من الجنة حيث شاءت، ثم تأوى إلى تلك القناديل فاطَّلع اليهم ربهم اطَّلاعه فقال هل تشتهون شيئًا؟ قالوا أشيء نشتهي ونحن نسرح من الجنة حيث شئنا، ففعل ذلك بهم ثلاث مرات فلما رأو أنهم لن يتركوا من أن يسألوا قالوا يارب نريد أن تردّ أرواحنا في أجيادنا حتى نقتل في سبيلك مرة أخرى، فلما رأى أن ليس لهم حاجة تركوا" (وقال تقي الدين) بن مخلد حدثنا يحيى بن عبد الحميد أخبرنا ابن عيينة عن يزيد أنه سمع ابن عباس ﵄ يقول أرواح الشهداء تجول في أجواف طير خضر تعلق في ثمر الجنة، وأخرج أحمد وأصحاب السنن الأربعة عن كعب بن مالك أن رسول الله ﷺ قال "أن أرواح الشهداء في طسر خضر تعلق من ثمر الجنة أو شجر الجنة" لفظ الترمذي وقال حسن صحيح، وفي بعض الآثار في صور طير وفي بعضها في أجواف طير خضر (قال ابن عبد البر) وهو اختيار ابن حزم، والذي يشبه عندي أن يكون القول قول من قال كطير أو في صور طير لمطابقته حديث كعب "نسمة المؤمن طائر" (قال الحافظ بن القيم) وفي صحيح مسلَّم في جوف طير، ولا منافاة بين حديث أنه طائر وبين حديث المقعد بل ترد روحه أنهار الجنة وتأكل من ثمرها، ويعرض عليه مقعده الا أنه لا يدخله الا يوم الجزاء، بدليل أن منازل الشهداء يومئذ ليست هي التي تأوى اليها أوراحهم في البرزخ؛ فدخول الجنة التام انما يكون للأنسان التام روحا وبدنا، ودخول الروح فقط أمر دون ذلك (وقيل) هم بفناء
[ ٧ / ٩٢ ]
الجنة على بابها يأتيهم من نعيمها ورزقها قاله مجاهد، وقد يحتج له بما في المسند عن ابن عباس مرفوعا "الشهداء على بارق نهر على باب الجنة في قبة خضراء يخرج عليهم رزقهم بكرة وعشية من الجنة (وقالت طائفة من الصحابة) والتابعين أرواح المؤمنين عند الله لم يزيدوا على ذلك، وقريب منه قول حذيفة بن اليمان الأرواح موقوفة عند الرحمن ﷿ تنتظر موعدها حتى ينفخ فيها، وهذا تأدب منهم مع لفظ القرآن حيث يقول "أحياء عند ربهم يرزقزن" (وقال أبو داود الطيالسي) حدثنا حماد بن سلَّمة عن عاصم بن بهدلة عن أبي وائل عن أبي موسى الأشعري، قال تخرج روح المؤمن أطيب من ريح المسك فتنطلق بها الملائكة الذين يتوفونه فتتلقاه الملائكة من دون السماء فيقولون هذا فلان بن فلان كان يعمل كيت وكيت لمحاسن عمله، فيقولون مرحبا بكم وبه، فيقبضونها منهم فيصعد به من الباب الذي كان يصعد عمله منه فتشرق في السماوات ولها برهان كبرهان الشمس حتى ينتهي إلى العرش (وأما الكافر) فاذا قبض انطلق بروحه فيقولون ما هذا، فيقولون فلان ابن فلان كان يعمل كيت وكيت لمساوى عمله، فيقولون لا مرحبًا لا مرحبًا ردوه، فيرد إلى أسفل الأرضين إلى الثرى (وقال الأمام مالك) بلغني أن الروح مرسلة في برزخ من الأرض تذهب حيث شاءت، وهو قول سلَّمان الفارسي ﵁، والبرزخ هو الحاجز بين الشيئين فكأنه أراد في أرض بين الدنيا والآخرة، وهو قول قوي فأنها فارقت الدنيا ولم تلج الآخرة (وقال ابن حزم في طائفة) مستقرها حيث كانت قبل خلق أجسادها أي عن يمين آدم وشماله، وهذا ما قاله الله ونبيه ﷺ لا يتعداه قال تعالى "واذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذرياتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى" وقال (ولقد خلقناكم ثم صورناكم ثم قلنا للملائكة اسجدوا لآدم) ان الله تعالى خلقة الأرواح جملة وكذلك أخبر ﷺ "أن الأرواح جنود مجندة فما تعارف منها ائتلف وما تناكر منها اختلف" وأخذ الله عهدها وشهادتها بالربوبية وهي مخلوقة مصورة عاقلة قبل أن تؤمر الملائكة بالسجود لآدم وقبل أن يدخلها في الأجساد؛ والأجساد يومئذ تراب وماء؛ ثم أقرها حيث شاء وهو البرزخ الذي ترجع إليه عند الموت، ثم لا يزال يبعث بها الجملة بعد الجملة فينفخها في الأجساد المتولدة من المني إلى أن قال فصح أن الأرواح أجسام حاملة لأعراضها من التعارف والتناكر وأنها عارفة مميزة فيبلوهم الله في الدنيا كما يشاء ثم يتوفاها فترجع إلى البرزخ الذي رآها فيه رسول الله ﷺ ليلة أسرى به إلى سماء الدنيا أرواح أهل السعادة عن يمين آدم، وأرواح أهل الشقاوة عن يساره عند منقطع العناصر الماء والهواء والتراب والنار تحت السماء، ولا يدل ذلك على تعادلهم، بل هؤلاء عن يمينه في العلو والسعة، وهؤلاء عن يساره في السفل والسجن، وتعجل أرواح الأنبياء والشهداء إلى الجنة، قال وذكر محمد
[ ٧ / ٩٣ ]
ابن نصر المروزي عن اسحاق بن راهوية أنه ذكر هذا الذي قلنا بعينه، وقال على هذا أجمع أهل العلم (قال ابن حزم) وهو قول جميع أهل الاسلام؛ وقول الله تعالى "فأصحاب الميمنة ما أسحاب الميمنة، وأصحاب المشأمة ما أصحاب المشأمة، والسابقون السابقون، أولئك هم المقربون، في جنات النعيم، ثلة من الأولين وقليل من الآخرين" وقوله (فأما إن كان من المقربين فروح وريحان) إلى آخرها فلا تزال الأرواح هناك حنى يتم عددها بنفخها في الأجساد ثم برجوعها إلى البرزخ فتقوم الساعة فيعيدها ﷿ إلى الأجساد وهي الحياة الثانية (قال الحافظ ابن القيم) ﵀ فلعمر الله لقد قال قولا يؤيده الحديث الصحيح وهو حديث الأسراء، وقوله أن مستقرها حيث كانت قبل خلق أجسادها بناء منه على مذهب طائفة من السلف والخلف أن الأرواح مخلوقة قبل الأجساد وليس على ذلك دليل من كتاب ولا سنة ولا اجماع الا ما فهموه من آية لا تدل لهم وأحاديث لا تصح، والجمهور على خلاف ذلك كما مضى، وأما نقله عن محمد بن نصر فالذي ذكر محمد في كتاب الرد على ابن قتيبة فى تفسير "وأِهدهم على أنفسهم الست بربكم" الآثار التي ذكرها السلف من استخراج ذرية آدم من صلبه مثل الذر وقسمهم إلى شقي وسعيد وكتب أعمالهم وأرزاقهم؛ وما يصيبهم من خير وشر، ثم قال اسحق أجمع أهل العلم أنها الأرواح قبل الأجساد استنطقهم وأشهدهم على أنفسهم الست بربكم "ان يقولوا انا كنا عن هذا غافلين أو يقولوا "انما أشرك أباؤنا من قبل" هذا نص كلامه وهو كما ترى لا يدل على أن مستقرها حيث تنقطع العناصر قبل خلق الأجساد ولا بعد (وقيل هي على أفنية قبورهم) وقد ذهب إليه ابن عبد البر وقال هو أصح ما ذهب إيه، ألا ترى أن الأحاديث الدالة على ذلك ثابتة متواترة، وكذلك أحاديث السلام على القبور، يريد بالأحاديث المتواترة مثل حديث ابن عمر في عرض المقعد وحديث البراء، وفيه هذا مقعدك حتى يبعثك الله إليه يوم القيامة، وحديث أنس، وفيه أنه يرى مقعده من الجنة والنار، وأنه يفسح للمؤمن في قبره سبعون ذراعا ويضيق على الكافر، وحديث جابر "إن هذه الأمة تبتلى في قبورها فاذا دخل المؤمن قبره وتولى عنه أصحابه أتاه ملك الحديث" وفيه أنه يرى مقعده من الجنة، فيقول دعوني أبشر أهلي، فيقال له اسكن هذا فهذا مقعدك أبدًا، وكذا سائر أحاديث عذاب القبر ونعيمه، ومراده بأحاديث السلام أن فيها خطاب المسلَّم على أهل القبور خطاب العاقل الحاضر كما سيأتي ذلك، وهذا القول إن أريد به أن كونها على القبور لا زم لا تفارق فهذا خطأ يرده الكتاب المحكم والسنن الصحيحة، وعرض المقعد لا يدل على أن الروح في القبر ولا على فنائه بل على أن لها اتصالا به يصح أن يعرض عليها مقعدها، فإن للروح شأنًا
[ ٧ / ٩٤ ]
آخر فتكون في الرفيق الأعلى وهي متصلة بالبدن بحيث إذا سلَّم المسلَّم على صاحبها رد ﵇ وهي في مكانها هناك، وهذا جبريل ﵇ رآه النَّبيَّ ﷺ وله ستمائة جناح منها جناحان قد يد بهما ما بين المشرق والمعرب، وكان يدنو من النَّبيَّ ﷺ حتى يضع ركبتيه على ركبتيه ويديه على فخذيه، وقلوب المخلصين تتسع للايمان بأن من الممكن أنه كان يدنو هذا الدنو وهو في مستقره من السماوات، وعلى هذا يحمل تنزله تعالى إلى السماء الدنيا ودنوه عشية عرفة ونحوه، فهو منزه عن الحركة والانتقال، وإنما يأتي الغلط هنا من قياس الغائب عيى الشاهد فيعتقد أن الروح من جنس ما يعهد من الأجسام التي إذا اشغلت مكانا لم يمكن أن تكون في غيره وهذا غلط محض، وقد رأى النَّبيَّ ﷺ موسى ﵇ ليلة الاسراء قائمًا يصلي في قبره ورآه في السماء السادسة أو السابعة، فاما أن تكون سرعة الحركة والانتقال كلمح البصر، وإما أن يكون المتصل بها بالقبر بمنزلة شعاع الشمس يكون في الأرض وحرمها في السماء، وهذا (قول ابن عبد البر) بعينه فإنه قال أرواح الشهداء في الجنة وأرواح عامة المؤمنين على أفنية قبورها لا أنها لا تلزم ولا تفارق أفنية القبور (كما قال مالك) "بلغنا أن الأرواح تسرح حيث ئاءت" وروى ابن منده من حدث عيسى بن عبد الرحمن، أخبرنا بن شهاب حدثنا عامر بن سعد عن اسماعيل بن طلحة بن عبد الله عن أبيه قال أردت مالي بالغابة فأدركني الليل فأويت إلى قبر عبد الله ابن عمرو بن حرام (١) فسمعت قراءة من القبر ما سممعت أحسن منها فجئت إلى رسول الله ﷺ فذكرت ذلك له فقال ذلك عبد الله؛ ألم تعلم أن الله قبض أرواحهم فجعلها في قناديل من زبرجد وياقوت، ثم علقها وسط الجنة، فإذا كان الليل ردت إليهم أرواحهم فلا تزال كذلك حتى إذا طلع الفجر ردت أرواحهم إلى مكانها التي كانت فيه، وقد ثبت أن روح النائم تصعد حتى تخترق السبع الطباق وتسجد لله، ثم ترد إلى جسده في أيسر زمان (وقال عكرمة ومجاهد) إذا نام الانسان فان له سببا تجري فيه الروح وأصله في الجسد فيبلغ حيث شاء الله فما دام ذاهبا فالانسان نائم، فاذا رجع إلى البدن انتبه الانسان وكان بمنزلة شعاع الشمس وأصله متصل بالشمس، وذكر ابن منده عن بعض العلماء أن الروح تمتد من منخره
_________________
(١) هو والدجابر بن عبد الله ﵄، معدود فى أهل العقبة وبدر، وكان من النقباء واستشهد باحد، وهو الذى قال النبى ﷺ لابنه جابر يا جابر - أما علمت أن الله ﷿ أحيا أباك فقال له تمنَّ علىَّ، فقال اردّ الى الدنيا فاقتل مرة أخرى، فقال انى قضيت الحكم أنهم اليها لا يرجعون، رواه الامام أحمد، وهو الذى ظللته الملائكة بأجنحتها حينما خرَّ صريعًا إلى أن رفعوه، وسيأتى كل ذلك فى مناقبه من كتاب الصحابة إن شاء الله تعالى
[ ٧ / ٩٥ ]
وأصله في بدنه، فلو خرج بالكلية لمات، كما أن السراج لو فرق بينه وبين الفتيلة لطفئت، ألا ترى أن مركز النار في الفتيلة وضوءها بملا البيت، فالروح تمتد من منخر الانسان في منامه حتى تأتي السماء وتجول البلدان، فاذا كان الرجل عاقلا ذكيا صدوقا لا يلتفت في يقظته لإلى شيء من الباطل رجع اليه روحه فأدى إلى قلبه الصدق مما أراه الله، وإذا كان خفيفًا ورجعت اليه روحه فحيث مما رأى شيئا من مخاريق الشيطان وأباطيله وقفت روحه عليه فلا تؤدي إلى قلبه ولا يعقل ما رأى لأنه يخلط الحق بالباطل، وهذا من أحسن الكلام، وأنت ترى الرجل يسمع الذكر والحكمة ثم يمر بباطل ولهو فيصغى اليه ويفتح له قلبه حتى يتأدى اليه فيتخبط عليه ذلك الذي كان حقظه (وأما بعد المفارقة) فتعذب الروح بتلك الاعتقادات والشبه الباطلة التي كانت حفظتها حال اتصالها بالبدن مضافا إلى عذب آخر ينشئه الله تعالى لها من الأعمال التي اشتركت معه فيها، وهي العيشة الضنك، حتى لربما كانت في حفرة من حفر النار، والروح الزكية العلوية تنعم بتلك الاعتقادات الصحيحة والمعارف التي تلقتها من مشكاة النبوة وبتلك الأرادات والهمم السنية، وينشئ الله لها من أعمالها نعيما آخر فيصير لها روضة من رياض الجنة (وما ذكر من شأن الروح) يختلف بحسب حال الأرواح من القوة والضعف والكبر والصغر، فللروح العظيمة الكبيرة من ذلك ما ليس لمن هو دونها، وأنت ترى أحكام الأرواح في الدنيا كيف تتفاوت أعظم تفاوت بحسب حال الأرواح في كيفياتها وقواها وابطائها واسراعها، وللروح المطلقة من أسر البدن وعوائقه من التصرف والقوة ما ليس للمحبوسة في علائقه (وقال جماعة من الصحابة والتابعين) منهم عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄، ولعله مما تلقاه من أهل الكتاب أن أروح المؤمنين بالجابية (١) وأرواح الكفار ببرهوت، بئر بحضرموت نقله ابن منده، فلا التفات الى قول ابن حزم أنه انما هو قول الرافضة وروى ابن منده عن علي ﵁ قال (خير بئر في الأرض زمزم وشر بئر في الأرض برهوت "بئر في حضرموت"
وخير واد في الأرض وادي مكة والوادي الذي أهبط فيه آدم بالهند، وشر واد في الأرض الأحقاف وهو في حضرموت ترده أرواح الكفار) ومن وجه آخر أنه قال (أبغض بقعة في الأرض واد بحضرموت يقال له برهوت فيه أرواح الكفار) وفيه بئر ماؤها أسود كأنه قبح يرده الهوام، ثم ساق عن اسماعيل بن اسحاق القاضي. أخبرنا علي بن عبد الله أخبرنا سفيان حدثنا ابان بن ثعلب قال قال رجل بت ليلة بوادي برهوت فكأنما حشرت فيه أصوات الناس وهم يقولون يا دومه يا دومة وحدثنا رجال من أهل الكتاب أن دومة هو
_________________
(١) هي قرية بدمشق جيدة الهواء، كثيرة الأشجار والثمار والأنهار
[ ٧ / ٩٦ ]
الملك الذي على أرواح الكفار، قال سفين سألنا الحضرميين فقالوا لا يستطيع أحد أن يبيت فيه بالليل (وقال كعب) أرواح المؤمنين في عليين في السماء السابعة، وأرواح الكفار في سجين الأرض السابعة تحت حذاء إبليس (وهو قول جماعة من السلف والخلف) ويدل عليه قول النَّبيَّ ﷺ عند موته "اللهم الرفيق الأعلى" وفي حديث أبي هريرة الماضي قريبا "إن الميت إذا خرجت روحه عرج بها إلى السماء حتى تنتهي إلى السماء حتى تنتهي إلى العرش، إلى غير ذلك من الأحاديث الماضية، ولكن هذا لا يدل على استقرارها هناك، لكن تصعد ليكتب كتابها في عليين أو سجين ثم ترد إلى القبر (وقيل أرواح المؤمنين ببئر زمزم، وأرواح الكفار ببئر برهوت) وهذا من أفسد الأقوال ولا دليل عليه بل هو مخالف لصريح السنة الصحيحة "إن نسمة المؤمن في طائر يعلق في شجر الجنة ونحوه، من الأحاديث، وثم أقوال أخر طرحتها لوهائها ولا يحكم على قول من هذه الأقوال بعينه بالصحة وعلى غيره بالبطلان بل (الصحيح أن الأرواح متفاوتة في مستقرها في البرزخ أعظم تفاوت) ولا تعارض بين الأدلة فإن كلا منها وارد على فريق من الناس بحسب درجاتهم في السعادة أو الشقاوة (فمنها) أرواح في أعلى عليين في الملأ الأعلى وهم الأنبياء، وهم متفاوتون في منازلهم كما رآهم النَّبيَّ ﷺ ليلة الاسراء (ومنها) أرواح في حواصل طير خضر تسرح في الجنة حيث شاءت، وهي أرواح بعض الشهداء لا جمعيهم، فان منهم من يحبس عن دخول الجنة لدين أو غيره كما في المسند عن محمد بن عبد الله بن جحش أن رجلا جاء إلى النَّبيَّ ﷺ فقال يا رسول الله مالي ان قتلت في سبيل الله؟ قال الجنة، فلما ولىًّ قال الًا الدين، سارني به جبريل آنفا" (ومنهم) من يكون على باب الجنة كما في حديث ابن عباس الماضي "الشهداء على بارق تهر بباب الجنة" (ومنهم) من يكون محبوسًا في قبره كحديث صاحب الشملة "إنها لتشتعل عليه نارًا في قبره" (ومنهم) من يكون محبوسًا في الارض لم تصل روحه إلى الملأ الأعلى فانها كانت روحا سفلية أرضية، فان الأنفس الأرضية لا تجامع الأنفس السماوية كما أنها لا تجامعها في الدنيا، فالروح بعد المفارقة تلحق بأشكالها وًاحاب عملها، فالمرء مع من أحب (ومنها) أرواح تكون في تنور الزناة، وأرواح في نهر الدم، فليس للأرواح سعيدها وشقيها مستقر واحد؛ وكلها على اختلاف محالها وتباين مقارها لها اتصال بأجسادها في قبورها ليحصل له من النعيم أو العذاب ما كتب له، واذا أمعنت النظر في السنن والآثار عرفت حجج ذلك وأنه لا تعارض بينها، لكن الشأن في فهمها ومعرفة النفس وأحكامها وأن لها شأنا غير شأن البدن وأنها مع كونها في الجنة هي في السماء وتتصل
[ ٧ / ٩٧ ]
بفناء القبر وبالبدن فيه، وهي أسرع شيء انتقالا، وأنها تنقسم إلى مرسلة ومحبوسة وعلوية وسفلية، ولها بعد المفارقة صحة ومرض ولذة وألم، وما أِبه حالها في هذا البدن بحال البدن في بطن أمه، وحالها بعد المفارقة بحاله بعد خروجه من البطن إلى هذه الدار (وللنفس أربعة دور) كل دار أعظم من التي قبلها (الأولى) بطن الأم وذلك الحصر والضيق والغم والظلمات الثلاث (الثانية) هذه الدار التي نشأت فيها وألفتها واكتسبت فيها الخير والشر (الثالثة) دار البرزخ وهي أوسع من هذه الدار وأعظم، ونسبة هذه الدار اليها كنسبة الدار الأولى إلى هذه (الرابعة) الدار التي لا دار بعدها، دار القرار الجنة أو النار، والله تعالى ينقلها في هذه الدور طبقا بعد طبق حتى يبلغها الدار التي لا يصح لها غيرها، وهي التي خلقت لها وهيئت للعمل الموصول اليها، ولها في كل دار منهذه الدور حكم وشأن غير شأن الأخرى ملخصا من كتاب الروح (أما تلاقي الأرواح وتزاورها وتلقى أخبار ذويها ممن يموت) فقد قال الحافظ ابن القيم ﵀ في موضع آخر من كتابه المذكور ما نصه: أنت عليم بأن الأرواح قسمان، منعمة ومعذبة (أما المعذبة) فهي لعمرى عن التزاور والتلاقي في أشغل الشغل، والله المسئول أن يرحم ضعفنا فيجيرنا من ذلك، ولا يكلنا إلى أعمالنا (وأما المنعمة) المرسلة غير المحبوسة فتتلاقى وتتزاور وتتذاكر ما كان منها في الدنيا وما يكون من أهل الدنيا، فتكون كل روح مع رفيقها الذي هو على مثل عملها، وروح نبينا ﷺ في الرفيق الأغلى، قال تعالى "ومن يطع الله والرسول فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النَّبيَّين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقًا" وهذه المعية ثابتة في هذه الدتيا في دار البرزخ وفي دار الجزاء، والمرء مع من أحب في هذه الدور الثلاث، وقد تواترت المرائي بذلك (قال صالح بن بشر) رأيت عطاء السليمي في النوم بعد موته؛ فقلت يا أبا محمد ألست في زمرة الموتى؟ قال بلى قلت فماذا صرت إليه بعد الموت؟ قال صرت والله إلى خير كثير ورب غفور شكور، قلت أما والله قد كنت طويل الحزن في دار الدنيا؟ فتبسم وقال أما والله لقد أعقبني ذلك فرحا طويلا وسرورًا دائما، فقلت في أي الدرجات أنت قال "مع الذين أنعم عليهم من المبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا (وقال عبد الله بن المبارك) رأيت سفيان الثوري في النوم فقلت ما فعل الله بك، قال لقيت محمدا وحزبه (وقال صخر بن راشد) رأيت عبد الله بن المبارك في النوم بعد موته، فقلت أليس قدمتًّ؟ قال بلى: قلت ما صنع الله بك، قال غفر لي مغفرة أحاطت بكل ذنب: قلت فسفيان الثوري قال بخ بخ ذلك مع الذين أنعم الله عليهم من النَّبيَّين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك
[ ٧ / ٩٨ ]
(١٠) باب المبادرة إلى تجهيز الميت وقضاء دينه
(٦١) عن علي ﵁ أن رسول الله صلَّى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلَّم قال ثلاثة يا عليُّ لا تؤخَّرهنَّ، الصلاة إذا آذنت (١) والجنازة إذا حضرت (٢) والأيَّم (٣) إذا وجدت كفوًا
(٦٢) عن سمرة بن جندب ﵁ قال صلَّى النَّبيَّ صلَّى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلَّم الصُّبح فقال هاهنا أحد من بني فلان (٤) قالوا نعم، قال
_________________
(١) رفيقًا، ثم ذكر الحافظ ابن القيم مرائى كثيرة وآثارا فى تزاور الأرواح الصالحة وتعارفها وسؤالها عن ذويها وغير ذلك * وفى هذا القدر كفاية؛ نسأل الله تعالى أن يحشرنا فى زمرة النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، وأن يوفقنا للأعمال الصالحة مع الصبر وقوة اليقين، انه على ما يشاء قدير وبالأجابة جدير
(٢) عن على ﵁ (سنده) حدّثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا هارون بن معروف قال عبد الله وسمعته أنا من هارون أنبأنا ابن وهب حدثنى سعيد بن عبد الله الجهنى أن محمد بن عمر بن أبى طالب حدثه عن أبيه عن جده علىّ بن أبى طالب - الحديث" (غريبه) (١) أى حضر وقتها (٢) قال المناوى المراد إذا تيقن موت الانسان لا تؤخر جنازته لحديث "لا ينبغى لجيفة مسلم أن تحبس" كما فى أبى داود ولا تؤخر لزيادة مصلين للأمر بالاسراع بها، لكن لا بأس بانتظار الولى إذا لم يخف تغيرها (٣) الأِّيم بفتج الهمزة وكسر التحتانية المشددة من لا زوج لها بكرا كانت أو ثيبا، ويسمى الرجل الذى لا زوج له أيّما أيضا (والكفؤ) فى النكاح أن يكون الرجل مثل المرأة فى الاسلام والحرية والصلاح والنسب وحسن الكسب (تخريجه) (جه حب. ك. مذ) وقال هذا حديث غريب وما أري إسناده بمتصل، واعلال الترمذى له بعدم الاتصال لأنه من طريق عمر بن علىّ عن أبيه على بن أبى طالب ﵁، قيل ولم يسمع منه، وقد قال أبو حاتم إنه سمع منه فاتصل الأسناد، وقد أعله الترمذى أيضا بجهالة سعيد بن عبد الله الجهنى ولكنه عدَّه ابن حبان فى الثقات
(٣) عن سمة بن جندب (سنده) حدّثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا محمد ابن جعفر ثنا شعبة عن اسماعيل يعنى ابن أبى خالد قال سمعت الشعبى يحدث عن سمرة بن جندب قال صلى النبى ﷺ - الحديث" (غريبه) (٤) لم يسمّه الراوي حفظًا
[ ٧ / ٩٩ ]
إن صاحبكم محتبس على باب الجنَّة في دين عليه
(٦٣) عن أبي هريرة ﵁ قال قال رسول الله صلَّى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلَّم نفس المؤمن معلقة (١) ما كان عليه دين
(٦٤) عن أبي نضرة عن سعد بن الأطول ﵁ أنَّ أخاه مات وترك ثلثمائة درهم، وترك عيالًا فأردت أن أنفقها على عياله، فقال النَّبيَّ ﷺ إنَّ أخاك محبوس بدينه فاقض عنه، فقال يا رسول الله فقد أدَّيت إلى ديناررين أدعتهما امرأة وليس لها بينة، قال فأعطها فإنَّها محقَّة (٢)
_________________
(١) لكرامتهم "وقوله محتبس على باب الجنة أى موقوف عن مقامه الكربم لا حكم له بنجاة ولا هلاك حتى ينظر هل يقضى ما عليه من الدين أم لا - والله أعلم (تخريجه) لم أقف عليه بهذا اللفظ لغير الأمام أحمد وسنده جيد وأخرجه أبو داود والنسائى بمعناه
(٢) عن أبى هريرة (سنده) حدّثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا أبو داود الحفرى عن سفيان عن سعد بن ابراهيم عن ابن أبى سلمة عن أبيه عن أبى هريرة "الحديث" (غريبه) (١) أى محبوسة كما يدل عليه الحديث السابق و"ما" مصدرية ظرفية أى مدة بقاء الدين حتى يقضى عنه، وقد جاء هذا الحديث عند الترمذى عن أبى هريرة أيضا بلفظ "نفس المؤمن معلقة بدينه حتى يقضى عنه" (تخريجه) (جه. مذ) وقال حديث حسن.
(٣) عن أبى نضرة (سنده) حدّثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا عفان حماد ابن أسامة أنا عبد الملك أبو جعفر عن أبى نضرة - الحديث" وفى آخره حدّثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا عفان بن سلمة الجربرى عن رجل من أصحاب النبى ﷺ بمثله (غريبة) (٢) علم النبى ﷺ استحقاق المرأة وحبس الرجل بطريق الوحى (تخريجه) لم أقف عليه بهذا السياق لغير الأمام أحمد وسنده جيد (وفى الباب) عن الحصين بن وحوح أن طلحة بن البراء مرض فأتاه النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وصحبه وسلم يعوده فقال "انى لا أرى طلحة الا قد حدث فيه الموت فآذنونى به وعجلوا، فانه لا ينبغى لجيفة مسلم أن تحبس بين ظهرانى أهله" رواه أبو داود
[ ٧ / ١٠٠ ]
وسكت عنه وقال المنذرى قال أبو القاسم البغوى لا أعلم من روى هذا الحديث غير سعيد بن عثمان البلوى وهو غريب اهـ. وقد وثق سعيد المذكور ابن حبان إلا أنَّ فى اسناد هذا الحديث عروة بن سعيد الأنصارى ويقال عزرة عن أبيه وهو وأبوه مجهولان لكن يشهد له الحديث الأول من أحاديث الباب وأحاديث الاسراع بالجنازة وستأتى (الأحكام) فى أحاديث الباب دلالة على مشروعية التعجيل بالميت والأسراع فى تجهيزه بعد تحقق موته والتعجيل بدفنه بعد الصلاة عليه ففى ذلك تكريم له، والحكمة فى ذلك خوف تغيره لأنه إذا تغير استقذرته النفوس ونفرت منه الطباع فيحط ذلك من كرامته، ولأن ابقاءه بين أهله يؤلمهم ويحملهم على كثرة البكاء والعويل، وهذا مذموم شرعا، فالسنه أن يبادر بدفنه ولا يتنظر به حضور أحد إلا الولى فانه ينتظر ما لم يخش عليه التغير، فان خيف تغيره لم يتنظر؛ لأن مراعاة صيانة الميت وكرامته أهم من حضور الولى، ثم إنه إنما ينتظر الولى اذا كان بينه وبينه مسافة قريبة (وفى أحاديث الباب أيضا) الحث للورثة على قضاء دين الميت وإخبارهم بأن نفسه معلقة بدينه حتى يقضى عنه (قال الشوكانى) وهذا مقيد بمن له يقضى منه دينه؛ وأما من لا مال له ومات على القضاء فقد ورد فى الأحاديث ما يدل على أن الله تعالى يقضى عنه، بل ثبت أن مجرد محبة المديون عند موته للقضاء موجبة لتولى الله ﷾ لقضاء دينه وإن كان له مال ولم يقض منه الورثة (أخرج الطبرانى) عن أبى أمامة مرفوعا "من دان بدين فى نفسه وفاؤه ومات تجاوز اللهن هنه وأرض غريمه بما شاء، ومن دان بدين وليس فى نفسه وفاؤه ومات اقتص الله لغريمه منه يوم القيامة" (وأخرج أيضا من حديث ابن عمر) "الدين دينان فمن مات وهو ينوى قضاءه فأنا وليّه، ومن مات ولا ينوى قضاءه فذلك الذى يؤخذ من حسناته ليس يومئذ دينار ولا درهم" (وأخرج أيضا من حديث عبد الرحمن بن أبى بكر) "يؤتى بصاحب الدين يوم القيامة فيقول الله ﷿ فيم أتلفت أموال الناس؟ فيقول يارب إنك تعلم أنه أتى علىّ إما حرق واما غرق، فيقول فانى سأقضى عنك اليوم فيقضى عنه (وأخرج أحمد وأبو نعيم فى الحلية والبزار والطبرانى) عن عبد الرحمن أيضا بلفظ "بدعى بصاحب الدين يوم القيامة حتى يوقف بيد يدى الله ﷿ فيقول يابن آدم فيم أخذت هذا الدين وفيم ضيعت حقوق الناس؟ فيقول يارب انك تعلم أنى أخذته فلم آكل ولم أشرب ولم أضيع ولكنى أبى على يدى اما حرق وإما سرق وإما وضيعة، فيقول الله ﷿ صدق عبدى وأنا أحق من قضى عنك، فيدعوا الله بشئ فيضعه فى كفة ميزانه فترجح حسناته على سيئاته فيدخل الجنة بفضل رحمته" (وأخرج البخارى عن أبى هريرة) عن النبي ﷺ
[ ٧ / ١٠١ ]
(١١) باب تسجية الميت والرخصة قي تغيير
(٦٥) عن عائشة ﵂ أن النَّبيَّ صلَّى الله عليه وعلى آله وصحبه
_________________
(١) قال "من أخذ أموال الناس يريد أداءها أدّى الله عنه، ومن أخذها يريد اتلافها أتلفه الله" (وأخرج ابن ماجه وابن حباق والحاكم من حديث ميمونة) "ما من مسلم يدَّ ان دينا يعلم ان الله أنه يريد أداءه الا أدَّى الله عنه فى الدنيا والآخرة" (وأخرج الحاكم) بلفظ "من تداين بدين فى نفسه وفاؤه ثم مات تجاوز الله عنه وأرضى غريمه بما شاء" (وقد ورد أيضا) ما يدل على أن من مات من المسلمين مديونا فدينه على من اليه ولاية أمور المسلمين يقضيه عنه من بيت مالهم، وان كان له مال كان لورثته (أخرج البخارى من حديث أبى هريرة) "ما من مؤمن الا وأنا أولى به فى الدنيا والآخرة: اقرءوا ان شئتم - النبى أولى بالمؤمنين من أنفسهم - فأيما مؤمن مات وترك مالا فليرثه عصبته من كانوا، ومن ترك دينا أو ضياعا فليأتنى فأنا مولاه" وأخرج نحوه أحمد وأبو داود والنسائى (وأخرج أحمد وأبو يعلى من حديث أنس) "من ترك مالا فلأهله ومن ترك دينا فعلى الله وعلى رسوله" (وأخرج ابن ماجه من حديث عائشة) "من حمل من أمتى دينا فجهد فى قضائه فمات قبل أن يقضيه فأنا وليه" (وأخرج ابن سعد من حديث جابر يرفعه) "أحسن الهدى هدى محمد وشر الأمور محدثلتها وكل بدعة ضلالة، من مات فترك مالا فلأهله، ومن ترك دينا أو ضياعا فالىّ وعلىّ" (وأخرج أحمد ومسلم والنسائى وابن ماجه فى حديث آخر) من ترك مالا فلأهله، ومن ترك دينًا أو ضياعا فإلىّ وعلىّ وأنا أولى بالمؤمنين" وفى معنى ذلك عدة أحاديث ثبتت عنه ﷺ أنه قالها بعد أن كان يمتنع من الصلاة على المديون، فلما فتح الله عليه البلاد وكثرت الأموال صلى على من مات مديونا وقضى عنه، وذلك مشعر بأن من مات مديونا استحق ان يقضى عنه دينه من بيت مال المسلمين، وهو أحد المصارف الثمانية فلا يسقط حقه بالموت، ودعوى من ادَّعى اختصاصه ﷺ بذلك ساقطة، وقياس الدلالة ينفي هذه الدعوى فى مثل قوله ﷺ "وأنا وارث من لا وارث له عقل عنه وأرثه" أخرجه أحمد وابن ماجه وسعيد بن منصور والبيهقى وهم لا يقولون إن ميراث من لا وارث له مختص برسول الله ﷺ، وقد أخرج الطبرانى من حديث سلمان ما يدل على انتفاء هذه الخصوصية المدعاة ولفظه "من ترك مالا فلورثته، ومن ترك دينا فعلىَّ وعلى الولاة من بعدى من بيت المال" اهـ (قلت) وما عزاه الشوكانى ﵀ فى هذا الباب من الأحاديث الى الأمام أحمد، سيأتى فى كتاب القرض والدين ان شاء الله تعالى والله الموفق
(٢) عن عائشة (سنده) حدّثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا أبو اليمان قال
[ ٧ / ١٠٢ ]
وسلَّم حين توفى سجي (١) بثوب حبرة
(٦٦) وعنها أيضًا أن أبا بكر ﵁ دخل عليها فتيمَّم النَّبيَّ ﷺ (٢) وهو مسجَّى ببرد حبرة فكشف عن وجهه، ثم أكب عليه فقبَّله وبكى (٣) ثم قال بأبي وأمَّي، والله لا يجمع الله ﷿ عليك موتتين أبدًا (٤) أما الموتة الَّتي قد كتبت عليك فقدمتها
_________________
(١) أخبرنا شعيب عن الزهرى قال أخبرنى أبو سلمة بن عبد الرحمن أن عائشة زوج النبى ﷺ أخبرته أن النبى ﷺ حين توفى - الحديث (غريبه) (١) بضم السين بعدها جيم مشددة مكسورة أى غطّى "وقوله بنوب حبرة" هو بأضافة ثوب إلى حبرة - وهى بكسر الحاء المهملة وفتح الباء الموحدة بعدها راء مهملة، ثوب فيه اعلام وهو نوع من برود اليمن (تخريجه) (ق. وغيرهما).
(٢) وعنها أيضا (سنده) حدثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا على بن اسحاق قال ابن عبد الله قال أنا يونس ومعمر عن الزهرى قال أخبرنى أبو سلمة بن عبد الرحمن أن عائشة ﵁ زوج النبى ﷺ أخبرته أن أبا بكر ﵁ - الحديث (غريبه) (٢) أى قصده (٣) فعل ذلك أبو بكر ﵁ اقتداء بالنبى ﷺ لما دخل على عثمان بن مظعون وهو ميت، فأكب عليه وقبّله ثم بكى حتى سالت دموعه على وجنيته وسيأتى حديثه بعد هذا "وقوله بأبى وأمى" متعلق بمحذوف تقديره فديتك بأبى وأمى (٤) قال الحافظ أشد ما فى هذا الحديث إشكالا قول أبو بكر لا يجمع الله عليك موتتين، قال وعنه أجوبة، فقيل هو على حقيقته وأشار بذلك الى الرد على من زعم انه سيحيا فبقطع أيدى رجال، لأنه لو صح ذلك للزم أن يموت موتة أخرى فأخبر أنه أكرم على الله من أن يجمع عليه موتتين كما جمعمها على غيره كالذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف، وكالذى مر على قرية وهذا أوضح الأجوبة وأسلمها (وقيل) أراد لا يموت موتة أخرى فى القبر كثيرة، إذ يحيا ليسأل ثم يموت، وهذا جواب الداودى (وقيل) لا يجمع الله موت نفسك وموت شريعتك (وقيل) كنى بالموت الثانى عن الكرب أى لا تلقى بعد كرب هذا الموت كربا آخر اهـ (تخريجه) (خ. نس. جه)
[ ٧ / ١٠٣ ]
(٦٧) عن القاسم عن عائشة ﵂ قبَّل رسول الله ﷺ عثمان ابن مظعون (١) وهو ميَّت، حتَّى رايت الدُّموع تسيل على وجهه (٢) (وعنها من طريق ثان) (٣) بنحوه وفيه، رأيت رسول الله ﷺ يقبَّل عثمان بن مظعون وهو ميَّت، قالت فرأيت دموعه تسيل على خدَّيه يعني عثمان قال عبد الرحمن (٤) وعيناه تهرقان، أو قال وهو يبكي
_________________
(١) عن القاسم عن عائشة (سنده) حدثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا يحيى عن سفيان عن عاصم بن عبيد الله عن القاسم عن عائشة قبل رسول الله ﷺ - الحديث" (غريبه) (١) هو من السابقين فى الاسلام، أسلم بعد ثلاثة عشر رجلا، قال صاحب المشكاة هاجر الهجرتين وشهد بدرا، وكان حرَّم الخمر فى الجاهلية، وهو أول من مات المهاجرين بالمدينة فى شعبان على رأس ثلاثين شهرا من الهجرة، ولما دفن قال نعم الملف هو لنا ودفن بالبقيع، وكان عابدًا مجتهدًا من فضلاء الصحابة اهـ (قلت) وستأتى ترجمته فى كتاب مناقب الصحابة ان شاء الله تعالى (٢) أى وجه عثمان، كما يستفاد ذلك من الطريق الثانية (٣) (سنده) حدَّثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا وكيع وعبد الرحمن قالا ثنا سفيان عن عاصم بن عبيد الله عن القاسم بن محمد عن عائشة قالت قبَّل رسول الله ﷺ قال عبد الرحمن رأيت رسول الله ﷺ يقبِّل، وقال وكيع قالت قبِّل رسول الله ﷺ عثمان بن مظعون وهو ميت - الحديث" (٤) هو أحد الراويين اللذيِّن روى عنهما الأمام أحمد هذا الحديث "وقوله تهراقان" أى تصبان الدموع، وفيه جواز البكاء على الميت، وقد عقدنا لذلك أبوابًا مخصوصة ذكرنا فيها الجائز وغيره ستأتى بعد هذا (تخريجه) (جه. مذ) وقال حديث عائشة صحيح (قلت) فى اسناده عاصم بن عبيد الله بن عمر بن الخطاب ضعيف (قال المنذرى) قد تكلم فيه غير واحد من الأئمة اهـ (الأحكام) أحاديث الباب تدل على استحباب تسجية الميت أى تغطيته بعد تحقق موته (قال النوى) وهو مجمع عليه وحكمته صيانة الميت من الانكشاف وستر عورته عن الأعين (قال أصحاب الشافعى) ويلف طرف الثوب المسجى به تحت رأس وطرفه الآخر تحت رجليه لئلا ينكشف منه شئ، قال وتكون التسجية بعد نزع ثيابه التى توفى فيها "وقال فى المجموع" وتقلع ثيابه التى مات فيها بحيث لا يرى بدنه، ثم يستر
[ ٧ / ١٠٤ ]
أبواب البكاء على الميت والحداد والنعي
(١) باب ما لا يجوز من البكاء على الميت
(٦٨) عن عبد الله (يعي ابن مسعود) ﵁ قال قال رسول الله صلَّى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلَّم ليس منَّا (١) من شقَّ
_________________
(١) جميع بدنه بثوب خفيف ولا يجمع عليه أطباق الثياب، قال ويوضع على شئ مرتفع كسرير ولوح ونحوهما، ويوضع على بطنه شيء ثقيل، ويستقبل به القبلة كالمحتضر، ويتولى هذه الأمور أرفق محارمه بأسهل ما يقدر عليه، قال صاحب الحاوى وغيره ويتولاها الرجل من الرجل والمرأة من المرأة، فان تولاها أجنبى أو محرم من النساء أو تولاها أجنبية أو محرم من الرجال جاز اهـ (وفى أحاديث الباب أيضا) جواز تقبيل الميت كما فعل أبو بكر بالنبى ﷺ - وقد فعله النبى ﷺ قبله بعقمان بن مظعون (قال الشوكانى) ولم ينقل أنه أنكر أحد من الصحابة على أبى بكر فكان إجماعًا اهـ (قال النووى) ويجوز لأهل الميت وأصدقائه تقبيل وجهه، ثبتت فيه الأحاديث وصرح به الدارمى فى الاستذكار والسرخسى فى الأمالى اهـ (قلت) ولم يبين فى الحديث فى أى موضع قبل أبو بكر النبى ﷺ - وقد جاء ذلك مبينا فى حديث ذكره الأمام ابن العربى فى شرحه على الترمذى، قال قال الترمذى وأخبرنا نصر بن على الجهضمى حدثنا مرحوم بن عبد العزيز عن أبى عمر الجوينى عن زيد ابن بابنوس عن عائشة أن أبا بكر دخل على النبى ﷺ بعد وفاته فوضع فاه بين عينيه ووضع يده على ساعديه، وقال يا نبياه يا صفياه فبين ذلك موضع التقبيل وصفته اهـ.
(٢) عن عبد الله (سنده) حدّثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا وكيع ثنا الأعمش عن عبد الله بن مرة عن مسروق عن عبد الله - الحديث" (غريبه) (١) أى ليس من أهل سنتنا وطريقتنا وليس المراد إخراجه من الدين، وفائدة ايراد اللفظ المبالغة فى الردع عن الوقوع فى مثل ذلك، كما يقول الرجل لولده عند معاتبته: لست منك ولست منى، أى ما أنت على طريقتى، وحكى عن سفيان أنه كان يكره الخوض فى تأويل هذه اللفظة ويقول ينبغى ان نمسك عن ذلك ليكون أوقع فى النفوس وأبلغ فى الزجر، وقيل المعنى ليس على ديننا الكامل أى انه خرج من فرع من فروع الدين وان كان معه أصله؛ حكاه ابن العربى، قال الحافظ ويظهر لى أن هذا النفى يفسره التبرؤ الذى حديث أبى موسى (يعنى قوله انا برئ ممن برئ منه رسول الله ﷺ وسيأتى بعد حديث) قال وأصل البراءة
[ ٧ / ١٠٥ ]
الجيوب (١) ولطم الخدود (٢) ودعى بدعوى الجاهليَّة (٣) (وعنه من طريق ثان) (٤) بلفظ، ليس منَّا من لطم الخدود، أو شقَّ الجيوب، أو دعا بدعوى الجاهليَّة (٥)
(٦٩) عن عبد الله بن عمر ﵄ أنَّ رسول الله ﷺ لما رجع من أحد سمع نساء الأنصار يبكين على أزواجهن (٦) فقال لكن حمزة لابواكي له (٧) فبلغ ذلك نساء الأنصار فجئن يبكين على حمزة، قال فانتبه رسول الله ﷺ من اللَّيل فسمعهنَّ وهنَّ يبكين؛ فقال ويحهنَّ (٨) لم يزلن يبكين منذ الليلة
_________________
(١) الانفصال من الشئ وكأنه توعده بأن لا يدخله فى شفاعته مثلا اهـ (١) جمع جيب بالجيم وهو ما يفتج من الثوب ليدخل فيه الرأس، والمراد بشقه إكمال فتحه إلى آخره؛ وهو من علامات السخط وعدم الرضا بالقضاء (٢) هو ضربها بالكف، وخص الخد بذلك لكونه الغالب والا فضرب بقية الوجه مثلا (٣) رواية مسلم بدعوى أهل الجاهلية أى من الناحية ونحوها وكذا الندبة كقولهم واجبلاه وكذا الدعاء بالويل والثبور (٤) (سنده) حدّثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا أبو معاوية ثنا الأعمش عن عبد الله بن مرة عن مسروق عن عبد الله قال قال رسول الله ﷺ ليس منا - الحديث" (٥) المعنى أن من فعل خصلة واحدة من هذه الخصال الثلاث كان خارجا عن الطريقة المحمدية أو كان ناقص الايمان أو كان كافرا ان استحل ذلك، والله أعلم (تخريجه) أخرج الطريق الأولى منه (ق. نس. مذ. جه. هق) ولم أقف على من أخرجه بلفظ الطريق الثانية.
(٢) عن عبد الله بن عمر (ٍنده) حدّثنا عبد الله حدثنى أبى حدثنا صفوان بن عيسى أنا أسامة بن زيد عن نافع عن عبد الله بن عمر - الحديث" (غريبه) (٦) لفظ ابن ماجه عن ابن عمر أن رسول الله ﷺ مر بنساء عبد الأشهل يبكين هلكاهن يوم احد - الحديث" (٧) الظاهر أنه ﷺ قبل النهى عن البكاء كما يشير اليه لفظ الحديث فلا اشكال والله أعلم (٨) ويح كلمة رحمة، وويل كلمة عذاب، وقيل هما بمعنى واحد تقول ويح لزيد، وويل لزيد، فترفعهما على الابتداء، ولك أن تنضبهما بفعل مضمر تقديره ألزمه الله تعلاى ويحًا وويلا ونحو ذلك، وكذا ويحك وويلك وويح زيد وويل زيد منصوب بفعل مضمر، والخلاصة أن ويحًا تارة تأتي بمعنى الرحمة وتارة بمعنى العذاب،
[ ٧ / ١٠٦ ]
مروهنَّ فليرجعن ولا يبكين على هالك بعد اليوم (١)
(٧٠) عن يزيد بن أوس قال أغمى على أبي موسى الأشعريَّ ﵁ فبكوا عليه، فقال إنَّي بريء (٢) مَّمن برئ منه رسول الله صلَّى الله عليه وسبم فسألوا عن ذلك امرأته (٣) فقالت من خلق أو خرق أو سلق
_________________
(١) والظاهر أنه المراد هنا، وأما ويل فللعذاب فقط (١) أى لا يبكين بكاء يصاحبه شئ مما حرمه الشارع (تخريجه) (جه) وسنده جيد
(٢) عن يزيد بن أوس (سنده) حدّثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا عفان ثنا شعبة بن منصور عن ابراهيم عن يزيد بن أوس الحديث (غريبه) (٢) تقدم فى شرح الحديث الأول من أحاديث الباب قول الحافظ أصل البراءة الانفصال من الشئ وكأنه توعده بأن لا يدخله فى شفاعته مثلا، قال وقال المهلب قوله أنا برئ أى من فاعل ما ذكر وقت ذلك الفعل، ولم يرد نفيه عن الاسلام (٣) يعنى أنهم سألوا امرأة أبى موسى عما برئ منه رسول الله ﷺ فقالت من حلق الخ - وكانت سمعت الحديث من أبى موسى كما فى رواية أخرى عند الأمام أحمد قال ثنا محمد بن جعفر حدثنا شعبة عن منصور عن ابراهيم عن يزيد بن أوس عن أبى موسى أنه أغمى عليه فبكت عليه أم ولده فلما أفاق قال لها أما بلغك ما قال رسول الله ﷺ قال "يعنى يزيد بن أوس" فسألتها فقالت قال "ليس منا من سلق وحلق وخرق" ومعنى (سلق) أى رفع صوته بالبكاء مع التلفظ بما نهى عنه الشرع، ومنه قوله تعالى "سلقوكم بألسنة حداد" (وحلق) أى حلق شعره (وخرق) أى شق ثوبه (قال الحافظ) وهذا يدل على تحريم ما ذكر من شق الجيب وغيره، وكأن السبب فى ذلك ما تضمنه ذلك من عدم الرضا بالقضاء، فان وقع التصريح بالاستحلال مع العلم بالتحريم أو متسخطا مثلا بما وقع فلا مانع من حمل النفى على الاخراج من الدين اهـ (تخريجه) (ق. نس. وغيرهم) ولفظ البخارى عن أبى بردة عن أبى موسى ﵁، قال "وجع أبو موسى وجعا فغشى عليه ورأسه فى حجر امرأة من أهله فلم يستطيع أن يردَّ عليها شيئًا، فلما أفاق قال أنا برئ ممن برئ منه رسول الله ﷺ إن رسول الله ﷺ برئ من من الصالقة والحالقة والشاقة اهـ. والصالقة بالصاد المهملة ويقال أيضا السالقة بالسين المهملة لغتان، هى التى ترفع صوتها عند المصيبة بالصياح والولولة، والحالقة التي تحلق شعرها، والشاقه التى ثيباها عند المصيبة (وعند مسلم) أنا برئ ممن حلق وسلق
[ ٧ / ١٠٧ ]
(٧١) عن صفوان بن محرز قال أغمى على أبي موسى فبكوا عليه فأفاق فقال إنَّي أبرأ إليكم ممَّن برئ منه رسول الله صلَّى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلَّم مَّمن حلق أو خرق أو سلق (١)
(٧٢) عن أمَّ عطيَّة ﵂ قالت لمَّا نزلت هذه الآية (يبايعنك على أن لا يشركن بالله شيئًا -إلى قوله ولا يعصينك في معروف)
قالت كان منه (٢) النَّياحة، قلت يا رسول الله إلاَّ آل فلان وإنَّهم قد كانوا أسعدوني (٣) ي الجاهليَّة لا بدَّ لي من أن أسعدهم، قالت فقال رسول الله
_________________
(١) وخرق، وتقدم تفسيره (قال الحافظ) والنسائى من طريق يزيد بن أوس عن أم عبد الله امرأة أبى موسى فذكر الحديث دون القصى (ولأبى نعيم فى) المتسخرج على مسلم من طريق ربعى قال أغمى على أبى موسى فصاحت امرأته بنت أبى دومة، فحصلنا على أنها أم عبد الله بنت أبى دومة (وأفاد عمر بن شبة) فى تاريخ البصرة أن اسمها صفية بنت دمون وأنها والدة أبى بردة بن أبى موسى، وان ذلك وقع حين كان أبو موسى أميرا على البصرة من قبل عمر بن الخطاب ﵁ اهـ.
(٢) عنصفوان بن محرز (سنده) حدّثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا عفان ثنا شعبة عن عوف عن خالد الأحدب عن صفوان بن محرز - الحديث" (١) فيه أن كل واحدة من هذه الخصال توجب تبرؤ النبى ﷺ من فاعلها، وفى رواية عند النسائى من طريق سهم بن منجاب عن القرئع قال: لما ثقل أبو موسى صاحت امرأته فقال، أما علمت ما قال رسول الله ﷺ قالت بلى ثم سكتت، فقيل لها بعد ذلك أن شئ قال رسول الله ﷺ قالت "إن رسول الله ﷺ لعن من حلق أو سلق أو خرق" وهى تقيد لعن من فعل واجدة من هذه الخصال، واللعن معناه الطرد من الخير والرحمة، نعوذ بالله من ذلك (تخريجه) (ق. نس. وغيرهم)
(٣) عن أم عطية (سنده) حدّثنا عبد الله حدثنى أبى تنا أبو معاوية ثنا طعم عن حفصة عن أم عطية - الحديث (٢) أى من المعروف (٣) هو اسعاج النساء فى المناحاة، تقوم المرأة فتقوم معها أخرى من جاراتها فتساعدها على النياحة (قال الخطابى) أما الأسعاد فخاص فى هذا المعنى؛ وأما المساعدة فعامة فى كل معونة، يقال إنها من وضع
[ ٧ / ١٠٨ ]
صلَّى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلَّم إلا آل فلان (١)
(٧٣) عن حفصة سير بن عن أمَّ عطيَّة ﵂ قالت بايعنا النَّبيُّ ﷺ وأخذ علينا فيما أخذ أن لا ننوح، فقالت امرأة من الأنصار (٢) إنَّ آل فلان أسعدوني ي الجاهليَّة ويهم مأتم، فلا أبايعك حتَّى أسعدهم كما أسعدوني فقال (٣) فكأنَّ رسول الله ﷺ وافقها على ذلك، فذهبت فأسعدتهم ثم رجعت فبايعت النَّبيَّ ﷺ قال، فقالت أمُّ عطيَّة فما وفت امرأة منَّا غير
_________________
(١) الرجل يده على ساعد صاحبه إذا تماشيا فى حاجة اهـ (١) قال النووى ﵀ هذا محمول على الترخيص لأم عطية فى آل فلان خاصة كما هو ظاهر، ولا تحل النياحة لغيرها ولا لها فى غير آل فلان كما هو صريح فى الحديث، وللشارع أن يخص من العموم ما شاء، فهذا صواب الحكم فى هذا الحديث، واستشكل القاضى عياض وغيره هذا الحديث وقالوا فيه أقوالا عجيبة، ومقصودى التحذير من الاغترار بها، حتى ان بعض المالكية قال "النياحة ليست بحرام" بهذا الحديث وقصة نساء جعفر (قلت ستأتى بعد حديثين) قال وإنما المحرم ما كان معه شئ من أفعال الجاهلية، كشق الجيوب. وخمش الخدود. ودعوى الجاهلية؛ والصواب ما ذكرناه آولا، وأن النياحة حرام مطلقا، وهو مذهب العلماء كافة وليس فيما قاله هذا القائل دليل صحيح لما ذكره، والله أعلم اهـ. (تخريجه) (ق. نس. هق. وغيرهم)
(٢) عن حفصة بنت سيرين (سنده) حدّثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا عفان قال ثنا عبد الواحد بن زياد قال ثنا عاصم الأحول عن حفصة بنت سيريم - الحديث" (غريبه) (٢) لم تذكر اسم المرأة فى هذه الرواية، وسياق الحديث يدل على أنها هي أم عطية، والظاهر أنها أبهمت نفسها خجلا من قولها فى الحديث "فلا أبايعك حتى أسعدهم" أو لشئ آخر والله أعلم، وقد جاء فى النهاية فى حديث أم عطية أن النبى ﷺ قال لها فاذهبى فأسعديها ثم بايعينى، وجاء فى رواية أخرى عند الأمام أحمد عن أم عطية بنحو حديث الباب وفيه قالت امرأة يا رسول الله إن امرأة أسعدتني أفلا أسعدها، فقبضت يدها وقبض رسول الله ﷺ يده فلم يبايعها، فيستفاد من مجموع هذه الروايات أن المرأة المبهمة فى الحديث هى أم عطية والله ﷾ أعلم (٣) أي أحد الرواة
[ ٧ / ١٠٩ ]
تلك (١) وغير أمَّ سليم بنت ملحان
(٧٤) عن حفصة عن أمَّ عطيَّة ﵂ قالت كان "تعني رسول الله ﷺ" أخذ علينا في البيعة أن لا ننوح فما وفت امرأة منَّا (٢) غير خمس، أمُّ سليم وامرأة معاذ ابنة أبي سبرة (٣) وامرأة أخرى
(٧٥) عن عمرة عن عائشة ﵂ قالت لمَّا جاء نعى جعفر بن أبي طالب وزيد بن حارثة وعبد الله بن رواحة (٤) جلس رسول الله ﷺ يعرف في وجهه الحزن، قالت عائشة وأنا أطَّلع من شقَّ الباب، فأتاه رجل
_________________
(١) تعني نفسها (وأم سليم) هى والدة أنس بن مالك ﵄ واسمها سهلة لكن فى الحديث التالى أنها قالت "فما وفت امرأة منا غير خمس، وسيأتى الكلام على ذلك فى شرحه (تخريجه) (ق. نس. وغيرهما) بغير هذا السياق وبغير ابهام المرأة
(٢) عن حفصة عن أم عطية (سنده) حدّثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا يزيد بن هارون قال أنا هشام عن حفصة عن أم عطية - الحديث" (غريبه)
(٣) معناه لم يف ممن بايع مع أم عطية فى الوقت الذى بايعت فيه من النسوة إلا خمس، لا أنه لم يترك النياحة من المسلمات غير خمس، قاله القاضى عياض "وأم سليم" تقدم ذكر اسمها فى شرح الحديث السابق (٣) رواية البخارى ومسلم "وابنة أبى سيرة امرأة معاذ أو ابنة أبى سرة وامرأة معاذ" والظاهر ما فى الرواية الاخيرة وهى أن امرأة معاذ غير بنت أبى سيرة لأنها بنت خلاد بن عمر السلمية ذكرها ابن سعد، وبهذا يستقيم العدد وتكون الخامسة أم عطية، وقد ذكر البخارى ومسلم فى روايتيهما أم العلاء بعد أم سليم؛ فلعلها المرأة التي أبهمتها أم عطية فى حديث الباب، (وأم العلاء) هى الأنصارية ممن بايعن النبى ﷺ ووالدة خارجة بن زيد بن ثابت، وكان يسكن فى بيتها عثمان بن مظعون حينما اقترع الأنصار على سكنى المهاجرين ﵃ (تخريجه) (ق. وغيرهما)
(٤) عن عمرة عن عائشة (سنده) حدّثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا ابن عير ثنا يحيى عن عمرة عن عائشة - الحديث" (غريبه) (٤) استشهد هؤلاء الثلاثة ﵃ بغزة مؤتة بضم الميم وسكون الواو المهموزة، وهى قرية من قرى البلقاء دون دمشق، وكان ذلك فى جمادى الأولى سنة ثمان من الهجرة، وسيأتى تفصيل هذه
[ ٧ / ١١٠ ]
فقال يا رسول الله إنَّ نساء جعفر فذكر من بكائهنَّ، فأمره رسول الله ﷺ أن ينهاهنَّ فذهب الرَّجل، ثمَّ جاء فقال قد نهيتهنَّ وإنَّهنَّ لم يطعنه حتَّى كان في الثَّالثة، فزعمت (١) أنَّ رسول الله ﷺ قال احثوا (٢) في وجوههنَّ التُّراب، فقالت عائشة قلت أرغم الله بأنفك والله ما أنت بفاعل ما قال لك ولا تركت رسول الله صلَّى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلَّم (٤)
(٧٦) عن أمَّ سلمة ﵂ قالت لمَّا مات أبو سلَّمة قلت غريب ومات بأرض غربة (٥) فأفضت بكًاء، فجاءت امرأة تريد أن تسعدني (٦)
_________________
(١) الغزوة في كتاب الغزوات إن شاء الله تعالى (١) مر تفسير زعم فى الجزء الأول صحيفة ٦٧ وانه قد يراد به القول المحقق والصدق الذى لا شك فيه كقوله ﷺ زعم جبريل كذا وهو المراد هنا (٢) هكذا فى الأصل "احثوا" بواو الجماعة فلعله أمره بذلك مع آخرين وفى رواية مسلم "قال اذهب فاحث فى أفواههن من التراب" بالأفراد (قال النووى) هو بضم الثاء وكسرها؛ يقال حثا يحثو وحثو يحثى لغتان وأمره ﷺ بذلك مبالغة فى انكار البكاء عليهم ومنعهن منه، ثم تأوله بعضهم على أنه كان بكاء بنوح وصياح ولهذا تأكد النهى، ولو كان مجرد دمع العين لم ينه عنه لأنه ﷺ فعله وأخبر أنه ليس بحرام وأنه رحمة، وتأوله بعضهم على أنه كان بكاء من غير نباحة ولا صوت، قال ويبعد أن الصحابيات يتمادين بعد تكرار نهيهن على محرم، وانما كان بكاء مجردا والنهي عنه تنزيه وأدب لا للتحريم، فلهذا أصررن عليه متأولات (٣) أى الصقه بالرَّغام، وهو التراب، وهو اشارة الى اذلاله وإهانته (٤) المعنى أنك قاصر لا تقوم بما أمرت به من الأنكار لنقصك وتقصيرك ولا تخبر النبى ﷺ بقصورك عن ذلك حتى يرسل غيرك ويستريح، ويحتمل أن يكون معنى ولا تركت رسول الله ﷺ أى بعدم اخباره من أول الأمر فيستريح من التفكير فيه والله أعلم (تخريه) (ق. نس. هق. وغيرهم)
(٢) عن أم سلمة (سنده) حدّثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا سفيان بن عيينة عن ابن أبى نجيح عن أبيه عن عبيد بن عمير عن أم سلمة - الحديث" (غريبة)
(٣) نريد أنه من أهل مكة ومات بالمدينة (٦) أى تساعدنى فى البكاء والنوح: وقولها من الصعيد، المراد بالصعيد هنا عوالى المدينة، وأصل الصعيد ما كان على وجه الأرض
[ ٧ / ١١١ ]
من الصَّعيد فقال رسول الله ﷺ تريدين أن تدخلي الشَّيطان بيتًا قد أخرجه الله ﷿ منه (١) قالت فلم أبك عليه
(فصل منه فيما ورد من التغليظ في النياحة والنائحة والمستمعة)
(٧٧) عن أبي هريرة ﵁ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال لا تصلَّي على نائحة ولا على مرنَّة (٢)
(٧٨) عن أبي سعيد الخدريَّ ﵁ قال لعن (٣) رسول الله
_________________
(١) هو كناية عن تمسك أهل هذا البيت بدين الاسلام الدين القويم وعملهم بتعاليمه فلم يجد الشيطان له مأوى فى هذا البيت، فاذا عصوا الله تعالى بمثل البكاء والنوح الذى حرمه الله وجد الشيطان سبيلا إلى دخوله، قالت أم سلمة ﵂ فلم أبك عليه أى بعد ما سمعت الحديث (تخريجه) (م. هق) وقال هذا فى بكاء يكون معه ندب أو نياحة، وهكذا مما روينا فيما مضى عن عائشة من بكاء نساء جعفر عليه ونهى رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم عن ذلك اهـ
(٢) عن أبى هريرى (سنده) حدّثنا عبد الله حدثنى أبى حدّثنا سلمان بن داود ثنا عمران عن قتادة عن أبى مراية عن أبى هريرة "الحديث" (غريبه)
(٣) النائحة هى التى تنوح على الميت بصوت مرتفع قائلة واحسرتاه وامصيبتاه واويلاه ونحو ذلك بحالة تجلب البكاء والحزن (والمرنة) المصوتة، والرنة الصوت، وعدم صلاة الملائكة عليها كناية عن غضب الله عليها وطردها من رحمته، لأن الملائكة لا تصلى على من غضب الله عليه (تخريجه) أورده الهيثى وقال رواه أحمد وفيه أبو مراية ولم أجد من وثقه ولا جرحه وبقية رجاله ثقات، وأورده المنذرى وقال رواه أحمد وإسناده حسن ان شاء الله (قلت) وإنما قال المنذرى حسن إن شاء الله لأن أبا مراية أحد رجاله لم يذكره أحد بجرح وتعديل، والأصل تحسين الظن بالمسلم والله ﷾ أعلم
(٤) عن أبى سعيد الخدرى (سنده) حدّثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا محمد ابن ربيعة محمد بن الحسن يعنى ابن عطية العوفى عن أبيه عن جسده عن أبى سعيد - الحديث" (غريبه) (٣) اللعن هو الطرد والأبعاد عن رحمة الله ولا يكون إلا على كبيرة، فالتائحة قد ارتكبت كبيرة بفعلها، والمستمعة ما استمعت إلا وهي راضية
[ ٧ / ١١٢ ]
صلَّى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلَّم النَّائحة والمستمعة
(٧٩) عن أبي هريرة ﵁ عن النَّبيَّ ﷺ قال شعبتان (١) من أمر الجاهليَّة لا يتركهما النَّاس أبدًا (٢) النَّياحة والطَّعن في النَّسب
(٨٠) عن أبي مالك الأشعريَّ ﵁ قال قال رسول الله ﷺ
_________________
(١) عن فعل النائحة، والرضا بالمعصية معصية فاشتركتا فى اللعنة، نعوذ بالله من ذلك (ترخيجه) (د. هق) قال المذنرى وليس فى اسناده من ترك، ورواه البزار والطبرانى وزاد فيه "وقال ليس للنساء فى الجنازة نصيب" اهـ
(٢) عن أبى هريرة (سنده) حدّثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا يحيى عن ابن عجلان قال حدثنى سعيد عن أبى هريرة قال وسمعت أبى يحدث عن أبى هريرة عن النبى ﷺ قال أبى قلت ليحيى كلاهما عن النبى ﷺ؟ قال نعم، قال شعبتان الحديث (غريبه) (١) أى خصلتنا من خصال أهل الجاهلية، اى كان يفعلهما الناس فى الجاهلية قبل الاسلام (٢) أى حتى فى الاسلام، احداهما النباحة، وتقدم الكلام عليها، والثانية الطعن فى النسب وهو ان ينسب الرجل لغير أبيه، وقد رواه مسلم عن أبى هريرة أيضا بلفظ "اثنتان فى الناس هما بهم كفر. الطعن فى النسب. والنياحة على الميت" ففى هذه الرواية اطلق اسم الكفر عليهما (قال النووى) وفيه أقوال، أصحها أن معناه هما من أعمال الكفار وأخلاق الجاهلية (قلت ويؤيده لفظ حديث الباب) قال (والثانى) أنه يؤدى الى الكفر (والثالث) أنه كفر النعمة والاحسان (والرابع) ان ذلك فى المستحل، وفى هذا الحديث تغليظ تحريم الطعن فى النسب والنياحة؛ وقد جاء فى كل واحد منهما نصوص معروفة والله أعلم اهـ (تخريجه) (م) وقد علمت لفظه، ورواه ابن حبان فى صحيحه والحاكم وقال صحيح الاسناد عن أبى هريرة بلفظ "قال قال رسول الله ﷺ ثلاثة من الكفر بالله. شق الجيب. والنياحة. والطعن فى النسب" وفى رواية لابن حبان ثلاثة هى الكفر، وفى أخرى ثلاث من عمل الجاهلية لا يتركهن أهل الاسلام فذكر الحديث والله ﷾ أعلم.
(٣) عن أبى مالك الأشعرى (سنده) حدّثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا يحيى ابن اسحاق ثنا موسى أخبرنى أبان بن يزيد عن يحيى بن أبى كثير عن زيد بن سلام عن أبي سلام
[ ٧ / ١١٣ ]
أربع من الجاهليَّة (١) لا يتركن، الفخر في الأحساب (٢) والطَّعن في الأنساب (٣) والاستسقاء بالنجوم (٤) والنَّياحة، (٥) والنَّائحة إذا لم تتب (٦) قبل موتها تقام يوم القيامة وعليها سر بال (٧) من قطران أو درع من جرب (٨) (وعنه من طريق ثان) (٩) أنَّ رسول الله صلي الله عليه وسلَّم قال إنَّ في أمَّتي أربعًا
_________________
(١) عن أبي مالك الأشعري - الحديث" (غريبه) (ذ) أى من أفعال أهل الجاهلية وفى الطريق الثانيى "إن فى أمتى أربعًا من الجاهلية ليسوا بتاركيهن" أى فى غالب أمتى أو أكثرهن لا يتركهن بعضهم (٢) أى الشرف بالآباء والتعاظم بمناقبهم كأن يقول أنا ابن فلام العالم أو الشجاع أو الكريم، فيحرم ذلك حيث قصد به الفخر على الغير والتكبر عليه (٣) كأن يقول لغيره لست ابن فلان فهو كبيرة، ويقع كثيرًا أن يقال ليس فلان شريفا؛ فلان من أصل وضيع ونحو ذلك فهو كبيرة أيضا (٤) أى اعتقاد أن نزول المطر بنجم كذا وتقدم بسط الكلام فيه فى آخر أبواب الاستسقاء فى الجزء السادس (٥) أى على الميت كما فى الطريق الثانية، وهى رفع الصوت بالتحسر على الميت ونحو ذلك، أو ندبه وتعديد شمائله (٦) فيه صحة التوبة من المكلف ما لم يمت ولم يصل إلى الغرغرة، وفيه دليل على تحريم النياحة وهو مجمع عليه (٧) هو القميص جمعه سرابيل، أى لباسها قميض "من قطران" بكسر الطاء المهملة، وأصل القطران من شجر يسمى الأبهل فيطبخ ويدهن به الأبل الجرباء فيحرق الجرب بحرارته وهو الصق شئ بالنار، ويقال فيه قطران بفتح القاف وكسر الطاء وتسكينها، وبكسر القاف وتسكين الطاء، وقرأ عكرمة ويعقرب قوله تعالى "سرابيلهم من قطران" من قطر آن على كلمتين منونتين، والقطر بكسر القاف النحاس والصفر المذاب "والآن" الذى انتهى حره: قال تعالى ﴿يطوفون بينهما وبين حميم آن" والمعنى أن سرابيلهم تكون من نحاس حار قد انتهى حره، وكذا روى عن ابن عباس ومجاهد وسعيد بن جبير والحسن وقتادة (٨) رواية مسلم والبيهقى "ودرع من جرب" بواو العطف وهى الرواية المشهورة ويؤيدها ما فى الطريق الثانية من الحديث، قال فى التنقيح "وقوله درع من جرب" أى درع من أجل جرب كائن بها، ودرع المرأة قميصها والسربال القميص مطلقا اهـ. وخص النأمحة بهذا الوعيد لأت النياحة مختصة بالنساء غالبا وهن لا ينزجرن انزجار الرجال فاحتجن إلى مزيد الوعيد، والله أعلم (٩) (سنده) حدّثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا أبو عامر على يعنى ابن المبارك عن يحيى بن أبي كثير
[ ٧ / ١١٤ ]
من الجاهليَّة ليسوا بتاركيهنَّ، الفخر بالأحساب، والطَّعن في الأنساب والإستسقاء بالنُّجوم، والنَّياحة على الميَّت، فإنَّ النَّائحة إن لم تتب قبل أن تموت فإنَّها تقوم يوم القيامة عليها سرابيل من قطران، ثمَّ يعلي عليها (١) درع من لهب النَّار
(٢) باب ما جاء في أن الميت يعذب ببكاء أهله عليه
(٨١) عن يحي بن عبد الرَّحمن بن حاطب عن أبن عمر ﵄ قال مر رسول الله ﷺ بقبر فقال إنَّ هذا ليعذَّب الآن ببكاء أهله عليه، فقالت عائشة غفر الله لأبي عبد الرحمن (٢) إنَّه وهل، إنَّ الله تعالى يقول
_________________
(١) عن زيد بن سلام عن ابن سلام قال قال أبو مالك إن رسول الله ﷺ قال - الحديث"
(٢) أى يجعل على ثيابها التى من قطران "درع" أى قميص من لهب النار، وهو كناية عن شدة عذابها، وأن لهب النار يطوقها كما يطوق القميص صاحبه، نعوذ بالله من ذلك (تخريجه) (م. هق. جه) وروى ابن ماجه نحوه أيضا من حديث ابن عباس (الأحكام) أحاديث الباب تدل على تحريم البكاء على الميث اذا صحبه نياحة أو ندب أو لطم خد. أو شق جيب. أو خمش وجه. أو نشر شعر. أو دعاء بالوبل والثبور (قال النووى) فكلها محرمة باتفاق الأصحاب وصرح الجمهور بالتحريم، ووقع فى كلام بعضهم لفظ الكراهة، وكذا وقع لفظ الكراهة فى نص الشافعى فى الأم، وحملها الأصحاب على كراهة التحريم (قلت وهو المتعين للوعيد الشديد فى ذلك) قال وقد نقل جماعة الاجماع فى ذلك، قال إمام الحرمين ﵀، ورفع الصوت بأفراط فى معنى شق الجيب (قال غيره) هذا إذا كان مختاراـ فان كان مغلوبا لم يؤاخذ لأنه غير مكلف اهـ ج (وفى أحاديث الباب) التغليظ الشديد فى أمر النائحة اذا لم تتب قبل موتها، لأنها مع ارتكابها هذه المعصية تحث غيرها فعليها مثل أوزار من اقتدة بها وعمل بعملها أو استمع لها، ويجب شرعا على ولى أمرها منعها من ذلك بكل الوسائل الممكنة والاَّ كان شريكها فى الاثم، نسأل الله السلامة
(٣) عن يحيى بن عبد الرحمن (سنده) حدّثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا يزيد أنا محمد بن عمرو بن يحيى بن عبد الرحمن - الحديث" (غريبه) (٢) تعنى ابن عمر ﵄ وقولها (انه وهل) بفتح الهاء أى ذهب وهمه الى ذلك، ويجوز أن
[ ٧ / ١١٥ ]
"ولا تزر وازرة وزر أخرى" إنَّما قال رسول الله ﷺ إنَّ هذا ليعذَّب الآن وأهله يبكون عليه
(٨٢) عن عائشة ﵂ قالت قيل لها إنَّ ابن عمر يرفع إلى الله النَّبيَّ ﷺ إنَّ الميَّت يعذَّب ببكاء الحيَّ، قالت وهل أبو عبد الرَّحمن، إنَّما قال إنَّ أهل الميَّت يبكون عليه، وإنَّه ليعذَّب بجزمه (١) (وعنه من طريق ثان) (٢) عن هشام بن عروة قال حدَّثني أبي أنَّ عائشة ﵂ قالت له يا ابن أختي (٣) إنَّ أبا عبد الرحمن تعني ابن عمر ﵄ أخطأ سمعه؛ إنَّ رسول الله ﷺ ذكر رجلا يعذَّب في قبره بعمله وأهله يبكون عليه وإنَّها والله ما تزر وازرة وزر أخرى
(٨٣) عن عبد الله بن أبي بكر (٤) عن أبيه عن عمرة أنَّها أخبرته أنَّها سمعت عائشة وذكر لها أنَّ عبد الله بن عمر ﵄ يقول إنَّ الميَّت
_________________
(١) يكون بمعنى سها وغلط يقال منه وهل فى الشئ وعن الشئ بالكسر يوهل وهلا بالتحريك (نه) (تخريجه) (ق. نس. هق. وغيرهم) بألفاظ مختلفة
(٢) عن عائشة (سنده) حدّثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا ابن نمير ثنا هشام عن أبيه عن عائشة ﵂ قالت - الحديث" (غريبه) (١) بضم الجيم أة بذنبه، الجرم الذنب. وقد جرم واجترم وتجرم "نه" (٢) (سنده) حدّثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا همام قال ثنا هشام بن عروة قال حدثنى أبى "الحديث" (٣) أى لأن عروة بن الزبير أمه أسماء بنت أبى بكر الصديق اخت عائشة ﵃ (تخريجه) (.ق. هق. والأربعة)
(٣) عن عبد الله بن أبى بكر (سنده) حدّثنا عبد الله حدثنى أن ثنا اسحاق قال حدثنى مالك عن عبد الله بن أبى بكر - الحديث" (غريبه)
(٤) هو عبد الله بن أبى بكر بن محمد بن عمرو بن حزم الأنصارى "وعمرة هي بنت
[ ٧ / ١١٦ ]
ليعذَّب ببكاء الحيَّ (١) فقالت عائشة يغفر الله لأبي عبد الرَّحمن (٢) أما إنَّه لم يكذب، ولكنَّه نسي أو أخطأ، إنَّما مرَّ رسول الله ﷺ على يهوديَّة يبكى عليها، فقال إنَّهم ليبكون عليها وإنَّها لتعذَّب في قبرها
(٨٤) عن أبي عمر ﵄ قال قال رسول الله صلَّى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلَّم من نيح عليه فإنه يعذب بما نيح عليه (٣) يوم القيامة
(٨٥) عن أبي الرَّبيع قال كنت مع ابن عمر في جنازة فسمع صوت
_________________
(١) عبد الرحمن بن سعد بن زرارة الأنصارية المدنية (١) الظاهر أنه مقابل الميت، قيل ويحتمل القبيلة، واللام فيه بدل من الضمير (أى حبه) أى قبيلته فيرافق رواية ابن أبى مليكة ببكاء لأهله وستأتى، وفى رواية لمسلم "من يبكى عليه يعذب" ولفظها أعم، وفيه أنه ليس خاصا بالكافر (٢) قالت ذلك عائشة رضى اله عنها وعبد الله بن عمر على قيد الحياة، ولا يتوهم منه أنها قالته بعد وفاته، لأن الدعاء بالمغفرة يكون للحى والميت، وقد توفيت السيدة عائشة قبل ابن عمر ﵃، وكانت وفاتها فى ١٧ رمضان سنة ثمان وخمسين من الهجرة، وقد وافق اليوم والشهر الذى توفى فيه الأمان على بن أبى طالب ﵁ حيت كانت وفاته فى رمضان ١٧ رمضان سنة أربعين، وكانت وفاة ابن عمر ﵄ فى رمضان أيضا سنة ثلاث وسبعين وعمره سبع وثمانون سنة ﵃ أجمعين، وقدّمت عائشة ﵂ الدعاء لابن عمر دفعا لما يكره من نسبته الى النسيان أو الخطأ، وهذا من محاسن الآداب والأخلاق الكريمة (تخريجه) (ق. لك. نس. وغيرهم)
(٢) عن ابن عمر (سنده) حدّثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا وكيع عن سعيد ابن عبيد عن عبادة بن الوليد ابن عبادة عن ابن عمر - الحديث" (غريبه) (٣) أى بنظير ما يبيكه به أهله، لأن الأفعال التي يمدحونه به، وقيل معنى التعذيب توبيخ الملائكة له بما يندبه أهله به كما سيأتى فى حديث أبى موسى "إذا قالت النائحة وا عضداه وا ناصراه واكاسياه جبذ الميت، وقيل له أنت عضدها أنت ناصرها أنت كاسيها أو غير ذلك؛ والله أعلم (تخريجه) (ق. وغيرهما)
(٣) "عن أبى ربيع" هذا طرف من حديث تقدم بتمامه وسنده وشرحه وتخريجه
[ ٧ / ١١٧ ]
إنسان يصيح فبعث إليه فأسكته، فقلت يا أبا عبد الرَّحمن لم أسكتَّه؟
قال إنَّه يتأذى به الميَّت حتَّى يدخل قبره الحديث
(٨٦) عن عائشة ﵂ قالت قال رسول الله ﷺ كان الكافر من كفَّار قريش يموت فيبكيه أهله، فيقولون المطعم الجفان (١) المقاتل الَّذي (٢) فيزيده الله عذابًا بما يقولون (٣)
(٨٧) خط وعنها أيضًا أنَّ رسول الله صلَّى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلَّم قال والَّي نفسي بيده إنَّهم ليبكون عليه، وإنَّه ليعذَّب في قبره بذنبه (٤)
_________________
(١) في الجزء الثاني ضحيفة ٢٧٩ قم ١٧٣ فى باب وقت صلاة الصبح، فارجع اليه إن شئت
(٢) عن عائشة (سنده) حدّثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا حسن ثنا ابن لهيعة قال ثنا أبو الأسود أنه سمع عروة بن الزبير يحدث عن عائشة زوج النبى ﷺ قالت قال رسول الله ﷺ - الحديث" (غريبه) (١) جمع جفنة بوزن سجدة وهى القصعة الكبيرة والرجل الكريم، كانت العرب تدعو السيد المطعام بالجفنة الغراء، فيقولون أنت الجفنة الغراء لأنه يضعها ويطعم الناس فيها، والغراء البيضاء، أى لأنها مملوءة بالشحم والدهن (٢) هكذا بالأصل "المقاتل الذى فيزيده الخ" وكذلك فى مجمع الزوائد معزوِّا إلى الأمام أحمد كما هنا، ومعناه الذى يهزم الفرسان أو يأسر الشجعان أو نحو ذلك، وربما حذف ذلك العلم به، أو من سقط من الناسخ والله أعلم (٣) أى بسبب قزولهم زيادة على عذاب الكفر، وهذا خاص بالكافر على رأى عائشة ﵂، وسيأتى الجمع بين هذه الأحاديث وكلام العلماء فيها فى الأحكام قريبا (تخريجه) لم أقف عليه لغير الأمام أحمد وفى اسناده ابن لهيعة فيه كلام
(٣) "خط" وعنها أيضا (سنده) حدّثنا عبد الله قال وجدت هذا الحديث فى كتاب أبى بخط يده حدثنا عبيد الله بن محمد التيمى وهو العيشى قال أنا حماد عن هشام ابن عروة عن عائشة أن رسول الله ﷺ قال والذى نفسى بيده - الحديث" (٤) أى بسبب ما اقترفه من الذنوب فى الوقت الذى يبكون عليه فيه (وفى رواية لمسلم) عن عائشة قالت إنما رسول الله ﷺ "انه ليعذب بخطيئته أو بذنبه، وان أهله ليبكون عليه الآن" (تخريجه) (م. وغيره)
[ ٧ / ١١٨ ]
(٨٨) عن عمر بن الخطاب ﵁ عن النَّبيَّ صلَّى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلَّم قال الميَّت يعذَّب في قبره بالنَّياحة عليه
(٨٩) عن أنس ﵁ أنَّ عنر بن الخطَّاب ﵁ لمَّا عوَّلت (١) عليه حفصة فقال يا حفصة أما سمعت النَّبيَّ صلَّى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلَّم يقول المعوَّل عليه يعذَّب؟ قال وعوَّل صهيب فقال عمر يا صهيب أما علمت أنَّ المعوَّل عليه يعذَّب
(٩٠) عن عبد الله بن عمر ﵄ قال قال عمر أرسلو إليَّ طبيبًا ينظر إلى جرحي هذا (٢) قال فأرسلوا إلى طبيب من العرب فسقي عمر
_________________
(١) عن عمر بن الخطاب رضى الى عنه (سنده) حدّثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا يحيى ثنا شعبة قتادة عن سعيد بن المسيب عن ابن عمر عن عمر ﵁ "الحديث" (تخريجه) (ق. نس. هق. وغيرهم)
(٢) عن أنس بن مالك (سنده) حدّثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا عفان ثنا حماد بن سلمة ثنا ثابت عن أنس - الحديث" (غريبه) (١) بفتح العين المهملة وتشديد الواو، من عول للمبالغة اذا بكت رافعة صوتها، ومنه رجز عامر * قال * * وبالصياح عوّلو علينا * (نه) (تخريجه) (م. نس. هق) وله شاهد عند البخارة من حديث أبى موسى قال لما أصيب عمر ﵁ جعل سهيب يقول وا أخاه فقال عمر أما علمت أن النبى ﷺ قال "إن الميت ليعذب ببكاء الحى"
(٣) عن عبد الله بن عمر (سنده) حدّثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا يعقوب ثنا أبى صالح قال ابن شهاب فقال سالم فسمعت عبد الله بن عمر يقول قال عمر ارسلوا إلىّ طبيبا - الحديث" (غريبه) (٢) يعنى الجرح الذى مات بسببه من طعنات أبى لؤلؤة غلام المغيرة بن شعبة، وسبب ذلك ما رواه ابن سعد بأسناد صحيح إلى الزهرى قال كان عمر لا يأذن لسبى قد احتلم فى دخول المدينة حتى كتب المغيرة بن شعبة وهو على الكوفة يذكر له غلاما عند صانعًا، ويستأذنه أن يدخله المدينة ويقول ان عنده أعمالا تنفع الناس، إنه حداد نقاش نجار؛ فأذن له فضرب عليه المغيرة كل شهر مائة، فشكى إلى عمر
[ ٧ / ١١٩ ]
نبيذًا (١) فشبَّه النَّبيَّذ بالدَّم حين خرج من الطَّعنة الَّتي تحت السُّرَّة، قال فدعوت طبيبًا آخر من الأنصار من بني معاوية، فسقاه لبنا فخرج اللبن من الطَّعنة صلدًا (٢) أبيض، فقال له الطبيب يا أمير المؤمنين اعهد، فقال عمر صدقني أخو بني معاوية، ولو قلت غير ذلك كذَّبتك، قال فبكى عليه القوم حين سمعوا ذلك، فقال لا تبكوا علينا، من كان باكيًا فليخرج، ألم تسمعوا ما قال رسول الله ﷺ قال يعذَّب الميَّت ببكاء أهله عليه، فمن أجل
_________________
(١) شدة الخراج، فقال له ما خراجك بكثر فى جنب ما تعمل، فانصرف ساخطا، فلبث عمر ليالى فمرّ به العبد فقال "يعنى عمر" ألم أحدث أنك تقول لو أشاء لصنعت حى تطحن بالريح؟ فالتفت اليه عابسا فقال لأصنعن لك رحى يتحدث الناس بها، فأقبل عمر على من معه فقال توعدنى العبد، فلبث ليالى ثم اشتمل على خنجر ذى رأسين نصاله وسطه "أى مقبضه وسطه" ليطعن برأسيه، فكمن فى زوايا المسجد فى الغلس حتى خرج عمر يوقظ الناس الصلاة الصلاة، وكان عمر يفعل ذلك؛ فلما دنا منه عمر وثب اليه فطعنه ثلاث طعنات إحداهن تحت السرة قد خرقت الصفاق وهى التى قتلته (وفى حديث أبى رافع) كان أبو لؤلؤة عبدًا للمغيرة وكان يستغله أربعة دراهم أى كل يوم، فلقيي عمر فقال ان المغيرة أثقل علىّ، فقال اتق الله وأحسن اليه، ومن نية عمر أن يلقى المغيرة فيكلمه فيخفف عنه، فقال العبد وسع الناس عدله غيرى وأصرّ على قتله، فاصطنع له خنجرًا له رأسان وسمَّه فتحرى صلاة الغداة حتى قام عمر فقال أقيموا صفوفكم، فلما كبر طعنه فى كتفه وفى خاصرته فسقط، أفاده الحافظ (؛) قال الحافظ فى الفتح وفى رواية أبى إسحاق، فلما أصبح دخل عليه الطبيب، فقال أىّ الشراب أحب اليك؟ قال النبيذ، فدعا بنبيذ فشرب فخرج من جرحه، فقال هذا صديد، ائتوني بلبن فشربه فخرج من جرحه، فقال الطبيب أوص فانى لا أظنك إلا ميتا من يومك أو من غد، قال والمراد بالنبيذ المذكور تمرات بنذت فى ماء أى نقعت فيه، كانوا يصعنون ذلك لاستعذاب الماء اهـ (قلت) وسيأتى الكلام على ما يجوز من النبيذ وما لا يجوز فى كتاب الأشربة ان شاء الله تعالى "وقوله فشبه النبيذ بالدم" بضم الشين وكسر الباء الموحدة مشددة أى التبس أمره واشتبه عليه، ويؤيد ذلك رواية أبى رافع "فخرج النبيذ فل يدر أهو نبيذ أم دم (٢) أى نقيا أبيض كما شربه لم يتغير
[ ٧ / ١٢٠ ]
ذلك كان عبد الله لا يقر (١) أن يبكي عنده على هالك من ولده ولا غيرهم
حدّثنا عبد الله حد ثني أبي ثنا إسماعيل حدّثنا أيوب عن عبد الله بن أبي ملكية، قال كنت عند عبد الله بن عمر ونحن ننتظر جنازة أم أبان ابنة عثمان بن عفان (٢) وعنده عمر بن عثمان، فجاء أبن عباس يقوده قائده (٣) قال فأراه أخبره بمكان أبن عمر، فجاء حتى جلس إلى جنبي وكنت بينهما (٤) فإذا صوت من الدار، فقال أبن عمر سمعت رسول الله (ﷺ) يقول إن الميت يعذب ببكاء أهله عليه، فأرسلها عبد الله مرسلة (٥) قال ابن عباس كنا مع أمي المؤمنين عمر (٦) حتى إذا كنا بالبيداء
_________________
(١) أي لا يقبل ولا يوافق على البكاء عنده على ميت سواء أكان من ولده أم من غيره (تخريجه) هو فى الصحيحين وغيرهما بمعناه لا بلفظه
(٢) حدثنا عبد الله (غريبة) (٢) كان ذلك بمكة كما يستفاد من رواية البخارى من طريق ابن أبى مليكة أيضا قال "توفيت بنت لعثمان ﵁ بمكة وجئنا لنشدها وحضرها ابن عمر وابن عباس - الحديث" (٣) كان ذلك بعد أن عمى ابن عباس ﵄ "وقوله فأراه" بضم الهمزة أى فأظن أن عمرو بن عثمان أخبرا ابن عباس بمكان ابن عمر الخ
(٣) فيه دليل لجواز الجلوس والاجتماع لا تنظار الجنازة واستحبابه، وأما جلوس ابن أبى مليكة بين ابن عمر وابن عباس ﵃ وهما أفضل بالصحبة والعلم والفضل والصلاح والنسب والسن وغير ذلك مع أن الأدب أن المفضول لا يجلس بين الفاضلين إلا لعذر فمحمول على عذر، إما لأن ذلك الموضع أرفق بابن عباس، وإما لغير ذلك. قاله النووى (وقال الحافظ) الظاهر أن المكان الذى جلس فيه ابن عباس كان أرفق له من الجلوس بجنب ابن عمر أو اختار أن لا يقيم ابن أبى مليكة من مكانه ويجلس فيه للنهى عن ذلك اهـ (٥) معناه أن ابن عمر أطلق فى روايته تعذيب الميت ببكاء الحى، ولم يقيده يهودى كما قيدته عائشة، ولا بوصية كما قيده آخرون، ولا قال ببعض بكاء أهله كما رواه أبو عمر (٦) يعنى بمكة كما تقيده رواية البخارى عن ابن عباس بلفظ "صدرت مع عمر ﵁ من مكة حتى إذا كنا بالبيداء "الحديث" وأصل البيداء المفازة التى لا شئ بها، وهى ها هنا اسم موضع
[ ٧ / ١٢١ ]
إذا هو برجل نازل في ظل شجرة، فقال لي أنطلق فأعلم من ذاك فانطلقت فإذا هو صهيب (١) فرجعت إليه فقلت إنك أمرتني أن أعلم، من ذاك؟ وإنه صهيب، فقال مروره فليلحق بنا، فقلت إن كان معه أهله، قال وإن كان معه أهله، وربما قال أيوب مرة فليلحق بنا، فلما بلغنا المدينة لم يلبث أمير المؤمنين أن أصيب (٢) فجاء صهيب فقال وا أخاه واصحباه، فقال عمر ألم تعلم أو لم تسمع أن رسول الله (ﷺ) قال، إن الميت ليعذب ببعض بكاء أهله عليه، فأما عبد الله (٣) فأرسلها مرسلة، وأما عمر فقال ببعض بكاء، فأتيت عائشة ﵂ فذكرت لها قول عمر (٤) فقالت
_________________
(١) مخصوص بين مكة والمدينة (١) بضم الصاد المهملة هو ابن سنان بن قاسط كانوا بأرض الموصل، فأغارت الروم على تلك الناحية فأخذته ضمن السبى وهو غلام صغير، فنشأ بالروم فاشتراه عبد الله بن جدعان بضم الجيم وسكون الدال المهملة التميمى فأتقه ثم أسلم بمكة، وهو من السابقين الأولين المعذبين فى الله تعالى، وهاجر إلى المدينة ومات بها سنة ثمان وثلاثين (٢) يعنى بالجراحة التى جرح بها والتي مات فيها (٣) يعنى ابن عمر "فأرسلها مرسلة" يعنى أنه قال فى روايته (ببكاء أهله) ولم يقيدها ببعض البكاء "وأما عمر ﵁ فقيدها فى روايته ببعض بكاء أهله" وفسر العلماء هذا البعض الذى يعذب به الميت بما إذا صحبه نياحة، ومفهومه أن بعض البكاء لا يعذب به الميت، وهو الذى ليس فيه نياحة ونحوها، وحملوا ما جاء مطلقا من الأحاديث على هذا التفصيل (٤) لفظ البخارى (قال ابن عباس ﵄ فلما مات عمر ﵁ ذكره ذلك لعائشة ﵂) (قال الحافظ) فى قوله "قال ابن عباس فلما مات عمر ﵁ ذكرت ذلك لعائشة ﵂) (قال الحافظ) فى قوله "قال ابن عباس فلما مات عمر الخ" هذا صريح فى أن حديث عائشة من رواية ابن عباس عنها، ورواية مسلم توهم أنه من رواية ابن أبى مليكة عنها والقصة كانت بعد موت عائشة لقوله فيها "فجاء ابن عباس يقوده قائده" فانه إنما عمى فى أواخر عمره، ويؤيد كون ابن أبى مليكة لم يحمله عنها أن عند مسلم فى أواخر القصة (قال ابن أبى مليكة) وحدثنى القاسم بن محمد قال لما بلغ عائشة قول ابن عمر، قالت إنكم لتحدثونى من غير كاذبين ولا مكذبين، ولكن السمه يخطئ، وهذا يدل على أن ابن عمر كان
[ ٧ / ١٢٢ ]
لا والله ما نال رسول الله (ﷺ) إن الميت يعذب ببكاء أحد (١) ولكن رسول الله (ﷺ) قال، إن الكافر يزيده الله ﷿ ببكاء أهله عذابًا (٢) وإن الله لهو أضحك وأبكى، ولا تزر وازرة وزر أخرى، قال أيوب (٣) وقال أن أبي مليكة حدثني القاسم، قال لما بلغ عائشة ﵂ قول عمر وابن عمر قالت إنكم لتحدثوني عن غير كاذبين ولا مكذبين
_________________
(١) قد حدث به مرارًا اهـ (١) وجه جزم عائشة بذلك أنها لعلها سمعت صريحًا من رسوله ﷺ اختصاص العذاب بالكافر، أو فهمت الاختصاص بالقرائن "وقولها لكن رسول الله ﷺ "يجوز تسكين النون من لكن وتشديدها (٢) لفظ البخارى ومسلم (إن الله ليزيد الكافر عذابا ببكاء أهله عليه زقالت حسبكم القرآن ﴿ولا تزر وازرة وزر أخرى﴾ قال ابن عباس عند ذلك والله هو أضحك وأبكى) وظاهر حديث الباب أن القائل "والله هو أضحك وأبكى" هى عائشة، وظاهر رواية الشيخين أن القائل ذلك هو ابن عباس، فيحتمل أن كليهما قاله فاقصتر فى حديث الباب على قول عائشة، واقتصر فى رواية الشيخين على قول ابن عباس، والله أعلم (قال الحافظ قوله قال ابن عباس عند ذلك) أى عند انتهاء حديث عن عائشة "والله هو أضحك وأبكى" أى العبرة لا يمكلها ابن آدم ولا تسبب له فيها، فكيف يعاقب عليها فضلا عن الميت، وقال الداودى معناه أن الله تعالى أذن فى الجميل من البكاء فلا يعذب على ما أذن فيه (وقال الطيبى) غرضه تقرير قول عائشة أى إن بكاء الانسان وضحكه من الله يظهره فيه فلا أثر له فى ذلك اهـ (٣) هذه الجملة من قوله قال أيوب إلى آخر الحديث ليست عند البخارى، وثبتت عند مسلم كما هنا، وعند البخارى بدلها "قال ابن أبى مليكة، والله ما قال ابن عمر ﵄ شيئا" (قال الحافظ) قال الطيبى وغيره - ظهرت لابن عمر ﵄ شيئا" (قال الحافظ) قال الطيبى وغيره - ظهرت لابن عمر الحجة فسكت مذعنا "وقال الزين بن المنير" سكوته لا يدل على الاذعان، فلعله كره المجادلة فى ذلك المقام (وقال القرطبى) ليس سكوته لشك طرأ له بعدما صرح برفع الحديث، ولكن احتمل عنده أن يكون الحديث قابلا للتأويل ولم يتعيم له محمل يحمل عليه إذ ذاك؛ أو كان المجلس لا يقبل المهاراة ولم تتعين الحاجة إلى ذلك حينئذ؛ ويحتمل أن يكون ابن عمر فهم من استشهاد ابن عباس بالآية قبول روايته لانها يمكن أن يتمسك بها فى أن لله أن يعذب بلا ذنب، فيكون بكاء
[ ٧ / ١٢٣ ]
ولكن السمع يخطئ (١)
عن علي بن ربيعة ألأسدي قال مات رجل من الأنصار يقال له قرظه بن كعب (٢) فنيح عليه (وفي رواية إن أول من نيح عليه بالكوفة قرظه بن كعب الأنصاري) فخرج المغيرة بن شعبة ﵁، فصعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال ما بال النوح في الإسلام، أما إني سمت رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم يقول إن كذبًا على ليس ككذب على أحد (٣) ألا ومن كذب على متعمدًا فليتبوأ مقعده من النار، ألا وإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم يقول، من ينح (٤)
_________________
(١) الحي علامة لذلك أشار الى ذلك الكرمانى اهـ (١) تعنى أن عمر وابنه ﵄ لم يتعمدا الكذب فينا قالا، لأنها تنزههما عن ذلك وتشهد لهما بالصدق، الا أن سمعهما أخطأ فحدثنا بما ظناه صوابا (تخريجه) (ق. هق. وغيرهم)
(٢) عن على بن ربيعة (سنده) حدّثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا قران بن تمام عن سعيد بن عبيد الطائى عن على بن ربيعة الأسدى - الحديث" (غريبة) (٢) قرظة بفتحتين وظاء مشالة بن كعب بن ثعلبة بن عمرو بن كعب الأنصارى الخزرجى قال البخارى له صحبة، وقال البغوى سكنالكوفة، وقال ابن سعد أمه خليدة بنت ثابت ابن سنان وهو أخو عبد الله بن أنيس لأمه، وشهد قرظة احدا وما بعدها، وكان ممن وجهه عمر إلى الكوفة يفقه الناس اهـ، ومات فى خلافة معاوية حين كان المغيرة بن شعبة أميرًا على الكوفة (قال الحافظ) وكانت امارة المغيرة على الكوفة من قبل معاوية من سنة احدى وأربعين الى أن مات وهو عليها سنة خمسين اهـ (٣) أتى بحديث "إن كذبا على ليس ككذب على أحد اله" ليثبت به أن ما سيذكره من حديث النوح من قول رسول الله ﷺ، فكأنه يقول لهم لا تشكوا فى أنى سمعت رسول الله ﷺ يقول "من ينح عليه يعذب بما نبح به عليه" لأنى سمعت رسول الله ﷺ يقول ان كذبا على الخ، فلا يجوز بعد هذا أن أكذب على رسول الله ﷺ، وتقدم الكلام على أحاديث الكذب على النهى ﷺ فى باب تغليظ الكذب على رسول الله ﷺ فى آخر كتاب العلم صحيفة ١٧٧ (٤) ضبطه
[ ٧ / ١٢٤ ]
عليه يعذب بما نيح به عليه
عن أسيد بن أبي أسيد عن موسى بن أبي موسى الأشعري عن أبيه ﵁ أن النبي (ﷺ) قال، ألميت يعذب ببكاء الحي عليه، إذا قالت النائحة وا عضداه، وا ناصراه، وا كاسياه، جبذ (١) الميت وقيل له أنت عضدها، أنت ناصرها، أنت كاسيها، فقلت سبحان الله يقول الله ﷿ ولا تزر وازرة وزر أخرى، فقال ونحك، أحدثك عن أبي موسى عن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم وتقول هذا؟ فأينا كذب؟ فو الله ما كذبت على أبي موسى ولا كذب أبو موسى على رسول الله (ﷺ)
_________________
(١) الأكثر بضم أوله وفتح النون وجزم المهملة على أن من شرطية، وروى بكسر النون وسكون التحتاتية وفتح المهملة؛ وفى رواية الكشمينى من يناح، على أن من موصولة، أفاده الحافظ (تخريجه) أخرجه البيهقى تاما بنحو حديث الباب، والبخارى من أول قول المغيرة سمعت النبى ﷺ يقول "إن كذبا الخ" ومسلم عن على بن ربيعة قال "أول من نيح عليه بالكوفة قرظة بن كعب" فقال المغيرة بن شعبة سمعت رسول الله ﷺ يقول "من نيح فانه يعذب بما نيح عليه يوم القيامة" والترمذى بنحو حديث الباب؛ عدا حديث الكذب على رسول الله ﷺ
(٢) عن أسيد بن أبى أسيد (سنده) حدّثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا أبو عامر قال ثنا زهير عن أسيد بن أبى أسيد - الحديث" (غريبه) (١) قال فى المصباح: جبذه جبذا من باب ضرب مثل جذبه جذبا، قيل مقلوب منه لغة تميم وأنكره ابن السراج، وقال ليس أحدهما مأخوذا من الآخر، لأن كل واحد متصرف فى نقصه اهـ (تخريجه) (جه) وأخرجه الترمذى أيضًا من رواية أسيد بن أبى أسيد أن موسى بن أبى موسى الأشعرى أخبره عن أبيه أن رسول الله ﷺ قال "ما من ميت يموت فيقوم باكيه فيقول. وا جبلاه. وا سنداه. أو نحو ذلك إلا وكل به ملكان يلهزانه "أى يضربانه" أهكذا كنت؟ أى يقولان له ذلك توبيخًا وتقريعًا (قال الترمذى) هذا حديث حسن غريب (قال الحافظ) فى التلخيص، ورواه الحاكم وصححه وشاهده فى الصحيح عن النعمان ابن بشير، قال "أغمى على عبد الله بن رواحة فجعلت أخته تبكى وتقول. وا جبلاه
[ ٧ / ١٢٥ ]
واكذا. واكذا. فلما أفاق قال: ما قلت شيئا الا قيل لى أنت كذا؟ فلما مات لم تبك عليه اهـ (الأحكام) أحاديث الباب تدل بظاهرها على أن الميت يعذب ببكاء أهله عليه وقد اختلفت أنظار العلماء فى ذلك، فذهب إلى الأخذ بظاهر هذه الأحاديث جماعة من السلف منهم عمر وابنه ﵄، وروى عن أبى هريرة ﵁ أنه ردَّ هذه الأحاديث وعارضها بقوله ﷿ ﴿ولا تزر وازرة وزر أخرى﴾ وروى عنه أبو يعلى أنه قال: تالله لئن انعالمق رجل مجاهد فى سبيل الله فاستشهد فعمدت امرأته سفها وجهلا فبكت عليه ليعذبن هذا الشهيد بذنب هذه السفيهة، وإلى هذا جنح جماعة من الشافعية منهم الشيخ أبو حامد وغيره (وذهب جمهور العلماء) إلى تأويل هذه الأحديث لمخالفتها للعمومات القرآنية وإثباتها لتعذيب من لا ذنب له، واختلفوا فى التأويل (فذهب جمهورهم) كما قال النووى إلى تأويلها بمن أوصى أن يبكى عليه ويناح بعد موته فنفذت وصيته، فهذا يعذب ببكاء أهله عليه ونوحهم لأنه بسبه ومنسوب اليه، قالوا فأما من بكى عليه أهله وناجوا من غير وصية منه؛ فلا يعذب ببكائهم ونوحهم لقوله تعالى ﴿ولا تزر وازرة وزر أخرى﴾ قالوا وكان من عادة العرب الوصية بذلك، ومنه قول طرفة بن العبد
إذا مت فانعبنى بما أنا أهله - وشقى على الجيب يا ابنة معبد
قالوا فخرج الحديث مطلقا حملا على ما كان معتادًا لهم (قال الحافظ) ﵀ واعترض بأن التعذيب بسبب الوصية يستحق بمجرد صدور الوصية، والحديث دال على أنه يقع وقوع الامتثال (والجواب) أنه ليس فى السياق حصر، فلا يلزم من وقوعه عند الامتثال أن لا يقع اذا لم يمتثلوا مثلا اهـ (وقالت طائفة) هو محمول على من أوصى بالبكاء والنوح أو لم يوص بتركهما، فمن أوصى بهما أو أهمل الوصية بتركهما يعذب بهما لتفريطه باهماله الوصية بتركهما، فأما من أوصى بتركهما فلا يعذب بهما إذ لا صنع له فيهما ولا تفريط، وحاصل هذا للقول إيجاب الوصية بتركهما، فمن أهملها عذب بهما (ومن التأويلات) ما حكاه الخطابى أن المراد أن مبدأ عذاب الميت يقع عند بكاء أهله عليه، وذلك أن شدة بكائهم غالبًا إنما تقع عند دفنه، وفى تلك الحال يسأل ويبتدأ به عذاب القبر، فيكون معنى الحديث على هذا أن الميث يعذب بحال بكاء أهله عليه، ولا يلزم من ذلك أن يكون بكاؤهم سببا لتعذيبه (قال الحافظ) ولا يخفى ما فيه من التكلف، ولعل قائله أخذه من قول عائشة إنما قال رسول الله ﷺ إنه ليعذب بمصيبته أو بذنبه، وإن أهله ليبكون عليه الآن، أخرجه مسلم اهـ "قلت والأمام أحمد أيضا وهو فى أحاديث الباب" (ومنها) ما جزم به القاضى أبو بكر الباقلانى وغيره أن الراوى سمع بعض
[ ٧ / ١٢٦ ]
الحديث ولم يسمع بعضه، وأن اللام فى الميت لمعهود معين (واحتجو بحديث) عائشة المذكور فى الباب أنها قالت "يغفر الله لأبى عبد الرحمن، أما إنه لم يكذب ولكنه نسى أو أخطأ، إنما مر رسول الله ﷺ على يهودية فذكرت الحديث" وأخرجه الشيخان أيضا (ومنها) أن ذلك يختص بالكافر دون المؤمن، واستدل لذلك بحديث عائشة المذكور فى الباب أيضا (قال الحافظ) وهذه التأويلات عن عائشة متخالفة، وفيها اشعار بأنها لم ترد الحديث بحديث آخر بل نم استشعرت من معارضة القرآن (قال القرطبى) إنكار عائشة ذلك وحكمها على الراوى يالتخطئة والنسيان أو على أنه سمع بعضا أو لم يسمع بعضا بعيد، لأن الرواة لهذا المعنى من الصحابة كثيرون وهم جازمون فلا وجه للنفى مع إمكان حمله على محمل صحيح (ومنها) أنه يعذب بسبب الأمور التى يبكيه أهله بها ويندبونه بتعديد شمائله ومحاسنه فى زعمهم، وتلك الشمائل قبائح فى الشرع فيعذب بها كما كانوا يقولون يا مرمّل النسوان. ومؤتم الولدان. ومخر العمران. ومفرق الأخذان. ونحو ذلك مما يرونه شجاعة وفخرا وهو حرام شرعا (وهذا اختيار ابن حزم وطائفة) واستدلوا بما فى حديث ابن عمر عند البخارى، إن الله لا يعذب بدمع العين ولا يحز نالقلب، ولكن يعذب بهذا وأشار إلى لسانه، وقد رجح هذا الاسماعيلى (ومنها) أن معنى التعذيب توبيخ الملائكة له بما يندبه أهله، وبدل على ذلك حديث أبى موسى وحديث النعمان بن بشير اللذين فى اللباب (ومنها) أن معنى التعذيب تألم بما قع من أهله من النياحة وغيرها (وهذا اختيار أبى جعفر الطبرى) ورجحه ابن المرابط والقاضى عياض ومن تبعه، ونصره ابن تيمية وجماعة من المتأخرين، واستدلوا لذلك بما أخرجه ابن أبى خيثمة وابن أبى شيبة والطبرانى وغيرهم من حديث قيلة بنت مخرمة وهى بفتج القاف وسكون التحتانية وابوها بفتح الميم وسكون المعجمة ثقفية "قلت يا رسول الله قد ولدته فقاتل معك يوم الربذة ثم اصابته الحمى، فمات وترك علىَّ البكاء، فقال رسول ﷺ أيغلب أحدكم ليبكى فيستعبر اليه صويحبه، فيا عباد الله لا تعذبوا موتاكم" (قال الحافظ) وهذا طرف من حديث طويل حسن الاسناد (أخرجه ابن أبى خيثمة وابن أبى شيبة والطبرانى وغيرهم) وأخرج أبو دواد والترمذى أطرافا منه (قال الطبرى) ويؤيد ما قاله أبو هريرة ان أعمال العباد تعرض على أقربائهم من موتاهم، ثم ساقه باسناد صحيح اليه، وشاهده حديث النعمان ابن بشير مرفوعا، أخرجه البخارى فى تاريخه وصححه الحاكم (قال ابن المرابط) حديث قبلة نص فى المسأله فلا يعدل عنه، واعترضه ابن رشيد بأنه ليس نصا؛ وإنما هو محتمل
[ ٧ / ١٢٧ ]
فإن قوله فيستعير اليه صويحبه ليس نصا فى أن المراد به الميت، بل يحتمل أن يراد به صاحبه الحى، وأن الميت يعذب حيمئذ ببكاء الجماعة عليه (قال) ويحتمل أن يجمع بين هذه التوجيهات فينزل على اختلاف الأشخاص بأن يقال مثلا من كانت طريقته النوح فمشى أهله على طريقته أو بالغ فأوصاهم بذلك عذب بصنعه، ومن كان ظالما فندب فأفعاله الجائزة عذب بما ندب به، ومن كان يعرف من أهله النياحة فأهمل نهيهم عنها فان كان راضيا بذلك التحقق بالأول، وإن كان غير راض عذب بالتوبيخ كيف أهمل النهى، ومن سلم من ذلك كله واحتاط فنهى أهله عن المعصية ثم خالقوه وفعلوا ذلك كان تعذيبه تألمه بما يراه منهم من مخالفة أمره وإقدامهم على معصية ربهم، والله تعالى أعلم بالصواب (قال وحكى الكرمانى) تفصيلا آخر وحسنه، وهو التفرقة بين حال البرزخ وحال يوم القيامة، فيحمل قوله تعالى ﴿ولا تزر وازرة وز أخرى﴾ على يوم القيامة، وهذا الحديث وما أشبهه على البرزخ، ويؤيد ذلك أن مثل ذلك يقع فى الدنيا والأشارة اليه بقوله تعالى ﴿واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة﴾ فانها دالة على جواز وقوع التعذيب على الأنسان بما ليس له فيه تسبب، فكذلك يمكن أن يكون الحال فى البرزخ بخلاف يوم القيامة، والله أعلم اهـ (وقال الشوكانى) أنت خبير بأن الآية عامة، لأن الوزر المذكور فيها واقع فى سياق النفى والأحاديث المذكورة فى الباب مشتملة على وزر خاص، وتحصيص العمومات القرآنية بالأحاديث الآحادية هو المذهب المشهور الذى عليخ الجمهور، فلا وجه لما وقع من ردّ الأحاديث بهذا العموم، ولا ملجئ إلى تجشم المضايق لطلب التأويلات المتبعدة باعتبار الآية (وأما ما روته عائشة) عن النبى ﷺ أنه قال ذلك فى الكافر أو فى يهودية معينة فهو غير مناف لرواية غيرها من الصحابة، لأن روايتهم مشتملة على زيادة؛ والتنصيص على بعض أفراد العام لا يوجب نفى الحكم عن بقية الأفراد لما تقرر فى الأصول من عدم صحة التخصيص بموافق العام، والأحاديث التى ذكر فيها تعذيب مختص بالبرزخ أو بالتألم أو بالاستعبار كما فى حديث قيلة لا تدل على اختصاص التعذيب المطلق فى الأحاديث بنوع منها، لأن التنصيص على ثبوت الحكم لشئ دون مشعر بالاختصاص به لا ينافى ثبوته لغيره، فلا إشكال من هذه الحيثية، وإنما الأشكال فى التعذيب بلا ذنب؛ وهو مخالف لعدل الله وحكمته على فرض عدم حصول سبب من الأسباب التي يحصن عندها فى مقتضى الحكمة كالوصية من الميت بالنوح وإهمال نهيهم عنه والرصا به، وهذا يؤول إلى مسألة التحسين والتقبيح، والخلاف فيها بين طوائف المتكلمين معروف، ونقول ثبت عن رسول الله ﷺ أن الميت يعذب ببكاء أهله عليه، فسمعنا وأطعنا ولا نزيد على هذا اهـ (فائدة) حكى النووى فى المجموع إجماع العلماء على اختلاف مذاهبهم أن المراد بالبكاء الذي يعذب
[ ٧ / ١٢٨ ]
(٣) باب الرخصة في البكاء من غير نوح
عن أبن عباس ﵄ قال لما مات عثمان بن مظعون ﵁ قالت امرأة (١) هنيئا لك الجنة عثمان بن مظعون "وفي رواية قالت امرأته هنيئا لك يابن مظعون بالجنة" فنظر رسول الله (ﷺ) إليها نظر غضب (٢) فقال وما يدريك قالت يا رسول الله فارسك وصاحبك؛ فقال رسول الله (ﷺ) والله إني رسول الله وما أدرى ما يفعل بي (وفي رواية ولا به) (٣) فأشفق الناس على عثمان (٤) فلما ماتت زينب (وفي رواية رقية) ابنة رسول الله
_________________
(١) الميت عليه هو البكاء بصوت ونياحة لا بمجرد دمع العين. والله أعلم
(٢) عن ابن عباس (سنده) حدّثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا حماد بن سلمة عن على بن زيد عن يوسف بن مهران عن ابن عباس - الحديث" (غريبه) (١) أبهم المرأة القائلة فى هذه الرواية؛ وفى الرواية الثانية نسب القول لامرأة عثمات بن مظعون فتكون هى المرأة المبهمة فى الرواية الأولى، لكن ثبت فى رواية البخارى أن أم العلاء امرأة من الأنصار، كان يسكن عثمان فى بيتها وتوفى فيها قالت نحو ذلك، فيحتمل أن كلتيهما شهدت له، ولا مانع من ذلك (٢) إنما غضب رسول الله ﷺ لأنها أخبرت بشئ مغيب لا يعلمه إلا الله عز وحل، ففيه شبه جراءة على الرجم بالغيب، فغضب النبى ﷺ لذلك وأفهمها أن العبد مهما بلغت درجته لا يمكنه أن يعلم شيئا من الغيب الا بتوقيف من الله عز وحل، فالواجب أن يقف الانسان عند حده (٣) فى مسند عبد بن حميد من طريق عبد الرازق لفظ "فو الله ما أدرى ما يفعل بى ولا بكم" (قال الحافظ) وإنما قال رسول الله ﷺ ذلك موافقة لقوله تعالى فى سورة الأحقاف "قل ما كنت بدعا من الرسل وما أدرى ما يفعل بى ولا بكم" زكان ذلك قبل نزول قوله تعالى ﴿ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر﴾ لأن الأحقاف مكية، وسورة الفتح مدينة بلا خلاف فيهما، وقد ثبت أنه ﷺ قال "أنا أول من يدخل الجنة" وغير ذلك من الأخبار الصريحة فى معناه، فيحتمل أن يحمل الأثبات فى ذلك على العلم المجمل، والنفى على الاحاطة من حيث التفصيل اهـ (٤) فى رواية أخرى عند الامام أحمد من حديث ابن عباس أيضا، فاشتد ذلك على أصحاب رسول الله ﷺ حين قال ذلك لعثمان، وكان من خيارهم حتى ماتت رقية ابنة رسول الله
[ ٧ / ١٢٩ ]
(ﷺ) (١) قال رسول الله (ﷺ) الحقي بسلفنا الصالح الخير (٢) عثمان بن مظعون، فبكت النساء، فجعل عمر يضربهن بسوطه (٣) فأخذ رسول الله (ﷺ) بيده وقال مهلًا يا عمر، ثم قال ابكيز وإياكن ونعيق الشيطان (٤) ثم قال إنه مهما كان من العين والقلب فمن الله ﷿ ومن الرحمة، وما كان من اليد واللسان فمن الشيطان (٥) (وعنه من طريق ثان مثله) (٦) وزاد بعد قوله "فمن الشيطان" وقعد رسول الله (ﷺ) على شفير القبر وفاطمة إلى جنبه تبكي، فجعل النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم يمسح عين فاطمة بثوبه رحمة لها
_________________
(١) ﷺ - الحديث" (١) لم أقف على شئ من الأحاديث يرجح إحدى الروايتين على الأخى ويعين المتوفية منهما على التحقيق، والله أعلم (٢) هذا ثناء من النبى ﷺ على عثمان بن مظعون ﵁، ويستفاد منه أنه من المقبولين عند الله المغفور لهم، وفيه اطمئنان لمن أشفقوا عليه عند قول رسول الله ﷺ "والله إنى رسول الله وما أدرى ما يفعل بى ولا به" وأن الله ﷿ أطلع نبيه ﷺ بعد ذلك على منزلة ابن مظعون ﵁ (٣) الظاهر أن بكائهن كان بصوت لكن لا برفعه، فنهاهن عمر حتى لا ينجو إلى النياحة، فأمره ﷺ بتركهن وأظهر عذرًا لهن بأنَّ قرب عهد المصيبة يجلب شدة الحزن للقلب وهو يجلب دمع العين، ومع هذا فقد حذرهن النبى ﷺ من النياحة (٤) هو النوح والصراخ المنهى عنه بالأحاديث التى مصت فى الباب السابق (٥) فيه دليل على جواز البكاء المجرد عما لا يجوز من فعل اليد كشق الجيب واللطم، ومن فعل اللسان كالصراخ ودعوى الجاهلية كالويل والثبور ونحو ذلك (٦) (سنده) حدّثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا عبد الصمد وحسن بن موسى فالا ثنا حماد عن على بن زيد قال أبى حدثناه عفان ثنا أبن لسمة أنا على بن زيد عن يوسف بن مهران عن ابن عباس - الحديث" مثل ما تقدم وزاد بعد قوله "فمن الشيطان" وقعد رسول الله ﷺ الخ (تخريجه) لم أقف عليه كاملا بهذا السياق لغير الأمام أحمد (وروى البخارى منه) قصى ابن مظعون قال حدثنا يحيى بن بكير حدثنا الليث عن عقيل عن ابن شهاب قال أخبرنى خارجة بن زيد ابن ثابت أن أن العلاء امرأة من الأنصار بايعت النبى ﷺ أخبرته أنه أقسم المهاجرون قرعة فطار لنا عثمان بن مظعون فأنزلناه فى أبياتنا فوجع وجعه الذي توفي فيه، فلما توفي
[ ٧ / ١٣٠ ]
(٩٥)
عن أنس بن مالك ﵁ في قصة موت إبراهيم بن النبي (ﷺ) قال فجاء رسول الله (ﷺ) فدعا بالصبي فضمه إليه، قال أنس فلقد رأيته بين يدي رسول الله (صلى الله عليه سلم) وهو يكيد بنفسه (١) قال فدمعت عينا رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم (٢) قال قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تدمع العين، ويحزن القلب، ولا نقول إلا ما يرضي
_________________
(١) وغسل وكفن فى أثوابه دخل رسول الله ﷺ فقلت رحمة الله عليك أبا السائب فشهادتى عليك لقد أكؤمك الله، فقال النبي ﷺ وما يدريك أن الله قد أكرمه؟ فقلت بأبى أتا يا رسول الله فمن يكرمه الله؟ فقال أما هو فقد جاءه اليقين، والله انى لأرجو له الخير، والله ما أدرى وأنا رسول الله ما يفعل بى، قالت فوالله لا أزكى أحدا بعده أبدًا - زاد فى رواية أخرى - وأحزننى ذلك قالت فنمت فأريت لعثمان عبنًا تجرى إلى رسول الله ﷺ فأخبرته فقال ذلك عمله" (وأخرج النسائى منه) نحو الجزء المختص بقصة عمر مع النساء من حديث أبى هريرة قال "مات ميت من آل رسول الله ﷺ فاجتمع النساء يبكين عليه فقام عمر ينهاهم ويطردهن، فقال رسول الله ﷺ دعهن يا عمر فان العين دامعة والقلب مصاب والعهد قريب" وروى البيهقى عن ابن عباس قال بكت النساء على رقية فجعل عمر ينهاهن - الحديث"
(٢) (عن أنس بن مالك) هذا طرف من حديث طويل سيأتي بتمامه وسنده فى الباب السادس عشر فى ذكر أولاده ﷺ من القسم الثالث من كتاب السيرة النبوية إن شاء الله تعالى (غريبه) (١) أى يسوق بها وقيل معناه يقارب بها الموت، وقال أبو مروان ابن سراج قد يكون من الكيد وهو القئ، يقال منه كاد يكبد شبَّه تقلع نفسه عند الموت بذلك - وفى رواية للبخارى - يجود بنفسه أى يخرجها ويدفعها كما يدفع الانسان دمعها، فقال عبد الرحمن بن عوف وأنت يا رسول الله؟ فقال يا ابن عوف إنها رحمة، يعنى أن ما تراه يا ابن عوف من دمع العين والبكاء هو رحمة أودعها اللع قلوب عباده المؤمنين تنشأ عن رثة القلب وكثرة العطف خصوصا على الأولاد لا على ما توهمت من الجزع (قال الحافظ) ووقى فى حديث عبد الرحمن بن عوف نفسه فقلت يا رسول الله تبكى؟ أو ل تنه عن البكاء؟ وزاد فيه - إنما نهيت عن صوتين أحمقين فاجرين صوت عند نغمة لهو ولعب ومزامير الشيطان. وصوت عند مصيبة. خمش وجوه. وشق جيوب. ورنة شيطان؛ قال إنما هذا رحمة ومن لا يرحم لا يرحم، وعند عبد الرازق من مرسل مكحول إنما أنهى الناس عن
[ ٧ / ١٣١ ]
ربنا ﷿ (١) والله إنا بك يا إبراهيم لمحزونون
وعنه أيضًا أن فاطمة ﵂ بكت رسول الله (ﷺ) فقالت يا أبتاه (٢) من ربه ما أدناه يا أبتاه إلى جبريل نعاه (٣) يا أبتاه جنة الفردوس مأواه (٤)
_________________
(١) النياحة أن يندب الرجل بما ليس فيه اهـ (١) قال الحافظ فى حديث عبد الرحمن بن عوف ومحمود بن لبيد ولا نقول ما يسخط الرب، وزاد فى حديث فى آخره لولا أنه أمر حق. ووعد حق. ووعد صدق. وسبيل نأتيه، وان آخرنا سيلحق بأولنا لحزنًا عليك حزنا هو أشد من هذا اهـ "وقوله إناَّ بك" أى بفراقك لمحزونون يا إبراهيم، وحزنه ﷺ كان بحكم الطبيعة البشرية ومما ليس فى قدرة الانسان منعه، وهذا ليس محظورًا فى الشرع إلا أن صحبه رفع صوت وعويل ونحو ذلك، وخاطبه ﷺ بهذه الكلمات مع انه لم يكن يفهم الخطاب الصغره واحتضاره ليبين للحاضرين أن مثل هذا القول ليس داخلا فى النهى عن البكاء برفع الصوت (تنبيه) تقدم تحقيق يوم وفاة ابراهيم بن النبى ﷺ ومدة عمره فى شرح الحديث الأول من الباب الأول من أبواب الكسوف فى الجزء السادس فارجع اليه (تخريجه) (ق. هق. والأربعة وغيرهم)
(٢) وعنه أيضا (سنده) حدّثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا عبد الرازق ثنا معمر عن ثابت البنائى عن أنس بن مالك أن فاطمة ﵂ - الحديث" (غريبه) (٢) أصله يا أبى والتاء الفوقية بدل من الياء التحتية والألف للندبة والهاء للسكت "وقولها من ربه ما أدناه" الجار والمجرور متعلق بقوله أدناه أى أىّ شئ جعله قريبا من ربه بصيغة التعجب (٣) أى أخبر بموته ورواية البخارى "الى جبريل ننعاه" بفتح النون الأولى وسكون الثانية والى جارّ (قال الحافظ) قبل الصواب "إلىَّ جبريل نعاه" جزم بذلك سبط بن الجوزى فى المرآة، والأول متوجه فلا معنى لتغلي الرواية بالظن (قلت وقوله متوجه) أى له وجه هو أنه لا يلزم أن الاخبار بالموت أنما يكون لغير العالم به، يل قد يذكر للعالم به تأسفًا على ما فقده من خصاله المحمودة وتذكيرًا لما بينهما من المحبة والصلة والله أعلم (٤) أى منزله ﷺ وزاد البخارى فى روايته قال "فلما دفن ثالت فاطة ﵍ يا أنس أطابت أنفسكم أن تحثوا على رسول الله ﷺ التراب" وستأتى هذه الزيادة للأمام أحمد أيضا فى وفاته ﷺ ودفنه من كتاب السيرة النبوية ان شاء الله تعالى، ومعناه كيف طابت أنفسكم على حثوا التراب على رسول الله ﷺ مع شدة صحبتكم له، وسكت أنس عن الجواب لها رعاية وتأدبا ولسان حاله يقول
[ ٧ / ١٣٢ ]
(٩٧) عن عبد الله بن عيسى عن جابر بن عتيك (١) عن
_________________
(١) قلوبنا لم تطب بذلك؛ ولكنا قهرنا على فعله امتثالا لأمره ﷺ (تخريجه) (خ جه. هق. طب)
(٢) عن عبد الله بن عيسى عن جابر بن عتبك (سنده) حدّثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا أبو نعيم ثنا اسرائيل عن عبد الله عن جابر عن عتيك عن عمر - الحديث" (غريبه) (١) فى الأصل عن جبير بن عتيبك بالتصغير، ولم أجد فى كتب الرجال من يدعى جبير بن عتيك لا من الصحابة ولا من غيرهم، والمشهور جابر بن عتيك، وكلهم أعنى أصحاب السنن الأربعة وغيرهم من أصحاب الأصول رووا نحو هذا الحديث عن جابر بن عتيك؛ وهو صحابى مشهور شهد بدرا والمشاهد، ذكره الحافظ فى الاصابة وذكر له حديث الباب وأحاديث أخرى من طرق متعددة، م قال فهذه الأحاديث تبين أن اسمه جابر، قال وصحح الدمياطى أن اسمه جبر، وجزم غيره كالبغوى بأن جبرا أخوه وقد جزم ابن اسحاق وغيره بأن جبر بن عتيك شهد بدرا اهـ (قلت) وفةكتب الرجال أيضا أن جبرا أخو جابر هو صحابى، وإلى هنا لى أن لفظ جبير بالتصغير الموجود بالأصل خطأ، ولكن هل الصوتب جابر أو جبر؟ الراجح أنه جابر لأمور أربعة (أولها) أنى لم أقف لجبر على رواية عند أحد من أصحاب الأصول (ثانيها) أن جبرا لم يكن له مسند عند الأمام أحمد، بل لم أجد فى مسند الأمام أحمد جميعه مسندا لأحد من الصحابة يدعى جبرا، إنما الموجود فيه مسند جابر بن عتبك ومنه حديث الباب، فوجوده فى مسند جابر بن عتيك يرجح أن اسم راويه جابر لا جابر (ثالثها) أن الأمام مالكا والنسائى والحاكم رووه عن جابر بن عتيك مطولا "فقالت ابنته والله إنى كنت أرجوا أن تكون شهيدا فانك قد كنت قضيت جهازك، فقال رسول الله ﷺ قد أوقع الله أجره على قدر نيته، وما تعدون الشهادة؟ قالوا القتل فى سبيل الله ﷿، قال رسول الله ﷺ الشهادة سبع سوى القتل فى سبيل الله ﷿، المطعون شهيد. والمبطون شهيد. والغريق شهيد وصاحب الهدم شهيد، وصاحب ذات الجنب شهيد، وصاحب الحرق شهيد، والمرأة تموت بجمع شهيدة" وقوله بضم الجيم بمعنى المجموع وجوز كسر الجيم، وهى التى تموت فى النفاس وولدها فى بطنها لم تلده وقد تم خلقه، وقيل هى التى تموت بكرا فانها ماتت مع شئ مجموع فيها غير منفصل عنه من حمل أو بكارة "وهذه الزيادة" رواها الأمام أحمد حديثا مستقلا عن جابر بن عتيك أيضا ولفظه أن عبد الله بن ثابت ﵁ لما مات قالت ابنته والله إن كنت لأرجو أن تكون شهيدا الخ "الحديث؟ " كما رواه (لك. نس. ك)
[ ٧ / ١٣٣ ]
عمر (١) قال دخلت مع رسول الله (ﷺ) على ميت من الأنصار (٢) وأهله يبكون، فقلت أتبكون (٣) وهذا رسول الله صلي الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، فقال رسول الله (ﷺ) دعهن يبكين ما دام عندهن (٤) فإذا وجبت فلا يبكين، فقال جابر فحدثت به عمر بن حميد القرشي، فقال ماذا وجبت؟
_________________
(١) وسيأتي ذلك فى باب جامع الشهداء من كتاب الجهاد ان شاء الله تعالى (رابعها) قال الراوى فى حديث الباب نفسه، فقال جابر فحدثت به عمر بن حميد الخ، فظهر بذلك بطلان ما صححه الدمياطى، وأن راوى الحديث جابر لا جبر والله أعلم (١) هكذا بالأصل عن عمر، ولم أجده مسندًا إلى عمر فى كتب أحد من المحدثين غير مسند الأمام أحمد، وظاهر هذا الصنيع أنه من مسند عمر وروايته عن النبى ﷺ، ومن يكون عمر من الصحابة اذا أطلق اسمه الا عمر ابن الخطاب ﵁، وإذا كان كذلك فلم لم يكن هذا الحديث فى مسند عمر بن الخطاب ﵁؟ هذا ما أشكل علىَّ فهمه، والظاهر والله أعلم أن كلمة (عن عمر) زائدة لا محل لها هنا وأن القائل (دخلت مع رسول الله ﷺ الخ) هو جابر بن عتيك ﵁، وبهذا يتفق الحديث مع رواية الجماعة ويزول الاشكال، والله أعلم بحقيقة الحال (٢) المراد بالميت هنا المختصر كما فى قوله ﷺ "لقنوا موتاكم لا إله إلا الله أى من حضره الموت، وذلك المحتضر هو عبد الله بن ثابت الأنصارى كما صرح بذلك فى الموطأ والسنن الأربع، ولفظه عندهم "عن جابر بن عتيك أن رسول الله ﷺ جاء يعود عبد الله بن ثابت فوجده قد غلب عليه، فصاح به لم يجبه، فاسترجع رسول الله ﷺ وقال غلبنا عليك يا أبا الربيع، فصاح النسوة وبكين فجعل جابر يسكتهن؛ فقال رسول الله ﷺ دعهن - الحديث" وفيه إباحة البكاء عند المريض بالصياح، ولعل الواقع منهن حينئذ كان مما لا يمكن دفعه ولا يقدر على كتمه ولم يبلغ الى الحد المنهى عنه، ففهم جابر أنه مما لا يباح مثله فأخذ يسكتهن (٣) فى مخاطبتهن بجمع الذكور دليل على أنه كان معهن رجال من أهل المحتضر فخص الذكور بالخطاب تغليبا ولكونهم أكثر ادراكا من النسوة، والظاهر أن الرجال سكتوا بمجرد قوله "أتبكون وهذا رسول الله ﷺ" يعنى حاضرا بين أظهركم، وتمادى النساء لعدم ادراكهن فأراد اسكاتهن، فقال له رسول الله ﷺ دعهن الخ (٤) أى حيًا قبل خروج روحه "وقوله فاذا وجبت" أى فارقت الروح الجسد "فلا يبكين" لفظه فى الموطأ والسنن (دعهن فاذا وجبت "اى ات" فلا تبكين باكية) والمعنى واحد، وظاهره جواز البكاء قبل الموت ومنع منه بعده، ولكن لا بد من حمل الجواز على ما ليس معه نوح أو
[ ٧ / ١٣٤ ]
قال إذا أدخل قبره (١)
عن محمد بن عمرو بن عطاء بن علقمة أنه كان جالسًا مع ابن عمر في السوق ومعه سلمة بن الأزرق إلى جنبه فمر بجنازة يتبعها بكاء، فقال عبد الله بن عمر ﵄ لو ترك أهل هذا الميت البكاء لكان خيرًا لميتهم، فقال سلمة بن الأزرق تقول ذلك يا أبا عبد الرحمن؟ (٢) قال نعم أقوله قال (٣) إني سمعت أبا هريرة ومات ميت من أهل مروان فاجتمع النساء يبكين عليه، فقال مروان قم يا عبد الملك فانههن أن يبكين، فقال أبو هريرة دعهن فانه مات ميت من آل النبي (ﷺ) (٤) فاجتمع النساء يبكين عليه، فقام عمر بن الخطاب ينهاهن ويطردهن، فقال رسول الله (ﷺ) دعهن يا ابن الخطاب، فإن العين دامعة (٥) والفؤاد مصاب، وإن العهد حديث
_________________
(١) صراخ أو نحوه، والمنع على ما كان مصحو با بشئ من ذلك جمعا بين الأحاديث، وسيأتى توجيهه فى الأحكام (١) هذا من كلام الراوى وكأنه فهم من قوله ﷺ "ما دام عندهن" يعنى ما لم يدفن، ومن قوله "فاذا وجبت" يعنى فاذا دفنت الجنة، لكن يخالفه ما جاء فى هذا الحديث مرفوعا فى الموطأ والسنن "قالوا وما الوجوب يا رسول الله؟ قال الموت" والتفسير المرفوع أصح وأرجح (تخريجه) أخرجه الأمامان والأربعة والبيهقى والحاكم وقال صحيح الاسناد (قلت) وأقره الذهبى وصححه النووى وغيره
(٢) عن محمد بن عمرو (سنده) حدثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا سليمان بن داود أنا اسماعيل أخبرنى محمد بن عمرو بن طلحة عن محمد بن عمرو بن عطاء - الحديث" (غريبه) (٢) كنية عبد الله ﵄ (٣) يعنى سلمة بن الأزرق كما صرح بذلك فى رواية البيهقى ولفظه "فقال سلمة لا تقل ذلك يا أبا عبد الرحمن فأشهد على أبى هريرة لسمعته يقول (مرَّ على النبى ﷺ بجنازة وأنا معه ومعه عمر بن الخطاب ﵁ ونساء يبكين عليها فزبرهن عمر وانّهرهن "أى أغلظ لهن فى القول" فقال له النبى ﷺ دعهن - الحديث) (٤) هى زينب أو رقية رى الله عنهما كما تقدم فى حديث ابن عياض أول الباب (٥) فيه ان بكاءهن كان بدمع العين لا بالصياج، وانتهار عمر إياهن يحتمل أنه كان
[ ٧ / ١٣٥ ]
فقال ابن عمر أنت سمعت هذا من أبي هريرة؟ قال نعم، قال يأثره عن النبي (ﷺ)؟ قال نعم، قال فالله ورسوله أعلم (١)
عن إبراهيم الهجري عن عبد الله بن أبي أو في ﵁ وكان من أصحاب الشجرة (٢) فماتت ابنة له وكان يتبع جنازتها على بغلة خلفها (٣) فجعل النساء يبكين، فقال لا تزنين فإن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم نهى عن المرائي (٤) فتفيض إحداكن من عبراتها ما شاءت، قم كبر عليها أربعًا، ثم قام بعد الرابعة قدر ما بين التكبيرتين يدعو، ثم قال كان رسول الله (ﷺ) يصنع في الجنازة هكذا
عن أبن عباس ﵄ قال جاء النبي ﷺ
_________________
(١) قبل علمه بالرخصة فى ذلك "وقوله" وان العهد حديث يعنى أن المصيبة فى أولها تكون شديدة الوطأة على النفس (١) تسيلم ابن عمر يدل على أن الحديث مقبول وقابل للتأويل والله أعلم (تخريجه) (نس. هق. والترمذى فى الشمائل) وسنده جيد
(٢) عن ابراهيم الهجرى (سنده) حدّثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا حسين ابن محمد ثنا شعبة عن ابراهيم الهجرى - الحديث" (غريبه) (٢) يعنى ممن بايعوا النبى ﷺ بيعة الرضوان تحت الشجرة فى غزوة الحديبيبة سنة ست من الهجرة واسم أبيه علقمة بن خالد (قال الحافظ) فى الاصابة له ولأبيه صحبة وشهد عبد الله الحديبية، وروى أحاديث شهيرة ثم نزل الكوفة سنة ست أو سبع وثمانين وجزم أبو نعيم فيما رواه البخارى عنه سنة سبع وكان آخر من مات بها من الصحابة اهـ. وكان قد عمى فى آخره عمره (قال سفيان وعطاء بن الصائب) رأيت عبد الله بن أبى أوفى بعدما ذهب بصره ﵁ (٣) كان يرى السعى خلف الجنازة، أما ركوبه فقد كان لعذر العمي لأنه يشق عليه المشى والمشى أفضل لغير المعذور (٤) قيل هو أن يندب الميا فيقال وا فلاناه (وقال الخطابى) إنما كره من المرائلا النياحة على مذهب الجاهلية، فأما الثناء والدعاء للميت فغير مكروه لأنه رئى غير واحد من الصحابة وذكر فيه ﷺ وفى الصحابة كثير من المرائى اهـ (تخريجه) آخرجه أيضا ابن ماجه مختصرا وفيه ابراهيم الهجرى ضعيف
(٣) عن ابن عباس (سنده) حدّثنا عبد الله حدثنى أبي ثنا معاوية بن عمرو
[ ٧ / ١٣٦ ]
إلى بعض بناته (١) وهي في السوق (٢) فأخذها ووضعها في حجره حتى قبضت فدمعت عيناه فبكت أم أيمن (٣) فقيل لها أتبكين عند رسول الله (ﷺ) فقالت ألا أبكى ورسول الله (ﷺ) يبكي، قال إني لم أبك (٤) وهذه رحمة، إن المؤمن تخرج نفسه من بين جنبيه وهو يحمد الله ﷿ (٥) (وفي لفظ) إن المؤمن بكل خير على كل حال، إن نفسه تخرج من بين جنبيه وهو يحمد الله ﷿
_________________
(١) قال ثنا أبو إسحاق عن عطاء بن السائبي عن عكرمة عن ابن عباس - الحديث" (غريبه) (١) الظاهر أنها بعض بنات بناته ﷺ فنسبت اليه ولم يسمها الراوى، ولم أقف على من ذكر اسمها أو تكلم فى شأنها من شراح الحديث، وإنما قلت بعض بنات بناته ﷺ لأن بناته ﷺ كلهن توفين وهن متزوجات فلا بد من هذا التأويل والله أعلم (٢) أى فى النزع كأن روحها تساق لتخرج من بدنها ويقال له السياق أيا، وأصله سواق فقلبت الواو ياء لكسرة العين وهما مصدران من ساق يسوق "ومنه الحديث" حضرنا عمرو بن العاص وهو فى سياق الموت "نه" (٣) قال الحافظ فى الاصابة؛ أخرج البخارى فى تاريخه ومسلم وابن السكن من طريق الزهرى قال كان من شأن أم أيمن أنها كانت وصيفة لعبد الله بن عبد المطلب والد النبى ﷺ كانت من الحبشة، فلما ولدت آمنة رسول الله ﷺ بعد ما توفى أبوه كانت أم أيمن تحضنه حتى كبر، ثم أنكحها زيد بن حارثة، وقال ابن أبى حيثمة حدّثنا سليمان بن أبى الشيخ قال أم أيمن اسمها بركة، وكانت لأم رسول الله ﷺ وكان رسول الله ﷺ يقول أم أيمن أنى بعد أمى اهـ (قال الواقدى) ماتت أم أيمن فى خلافة عثمان (وقال ابن منده) ماتت بعد بعشرين يوما؛ وستأتى ترجمتها فى قسم النساء من كتاب مناقب الصحابة ﵃ أجمعين (٤) أى لم أبك بكاء مصحوبا بصوت أو سخط (وهذه) أى الدموع التى ترينها متى نشأت عن رحمة ورقة فى القلب أودعها الله عباده المؤمنين، فيستفاد من هذا أن البكاء بلا صوت جائز شرعا، فان كان بصوت فلا يجوز؛ والظاهر أن أم أيمن كانت تبكى بصوت وان لم يبلغ درجة النياحة، ولذا قال النبى ﷺ إنى لم أبك أى كبكائك ففرق بين بكائه وبكائها فلا يؤخذ حكم أحدهما من الآخر والله أعلم (٥) أى لأن الله تعالى يطلعه على منزلته فى الجنة فيحمد الله على ذلك، نسأله ﷾ اصلاح الحال وحسن المآل آمين (تخريجه) (نس. بز) وسنده جيد
[ ٧ / ١٣٧ ]
(١٠١) عن أسامة بن زيد رضي الله تعالى عنهما قال أرسلت إلى رسول الله صلى الله عليه وعلى آل وصحبه وسلم بعض بناته (١) أن صبيًا لها أبنًا أو ابنة (٢) قد احتضرت فأشهدنا (٣)، قال فأرسل إليها يقرأ السلام (٤) ويقول إن لله ما أخذ وما أعطى (٥) وكل شيء عنده إلى أجل
_________________
(١) عن أسامة بن زيد (سنده) حدّثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا محمد ابن جعفر ثنا شعبة عن عاصم الأحول قال سمعت أبا عثمان يحدث عن أسامة بن زيد - الحديث" (غريبه) (١) هى زينب بنت رسول الله ﷺ كما يستفاد ذلك من الطريق الثانية (٢) شك الراوى وقد جاء صريحا فى الطريق الثانية بغير شك أنها أميمة بنت زينب بنت النبى ﷺ والمراد بأميمة بالتصغير أمامة بنت أبى العاص، ويؤيده ما رواه الطبرانى فى ترجمة عبد الرحمن بن عوف فى المعجم الكبير من طريق الوليد بن ابراهيم بن عبد الرحمن بن عوف عن أبيه عن جده قال استعز بأمامة بنت أبى العاص فبعثت زينب بنت رسول الله ﷺ اليه تقول له فذكر نحو حديث أسامة (وقوله فى هذه الرواية استعز بضم المثناة وكسر المهملة وتشديد الزاى أى اشتد بها المرض وأشرفت على الموت) فالمراد بقوله فى حديث الباب "قد احتضرت أى قاربت الاحتضار من شدة وطأة المرض، وليس المراد أنها احتضرت بالفعل، لأن أهل العلم بالأخبار والنسب اتفقوا على أن أمامة بنت أبى العاص من زينب بنت النبى ﷺ عاشت بعد النبى ﷺ حتى تزوجها على بن أبى طالب بعد وفاة فاطمة، ثم عاشت عند على حتى قتل عنها (قال الحافظ) الذي يظر أن الله تعالى أكرم نبيه ﵊ لما سلَّم لأمر ربه وصبَّر ابنته ولم يملك مع ذلك عينيه من الرحمة والشفقة بأن عافى الله ابنه ابنته فى ذلك الوقت فخلصت من تلك الشدة وعاشت تلك المدة، وهذا ينبغى أن يذكر فى دلائل النبوة والله المستعان (٣) أى أحضر عندنا (٤) لفظ البخارى فأرسل يقرئ السلام بضم الياء (قال العينى) وروى بفتحها، قال ابن التين: ولا وجه له إلا أن يريد يقرأ عليك، وذكر الزمخشرى عن الفراء يقال قرأت ﵇ واقرأته السلام (وقال الأصكعى) لا يقال اقرأته (وقال الزمخشرى) والعامة تقول قريت السلام بغير همز وهو خطأ اهـ (٥) رواية الشيخين إن لله ما أخذوله ما أعطى (وللأمام أحمد) فى الطريق الثانية "لله ما أخذ ولله ما أعطى" ومعناه الحث على الصبر والتسليم لقضاء الله تعالى وتقديره، وأن هذا الذى أخذ منكم كان له لا لكم، فلم يأخذ الا ما هو له، فينبغى أن لا تجزعوا كما لا يجزع
[ ٧ / ١٣٨ ]
مسمى (١) فلتصبرو لتحتسب (٢) فأرسلت تقسم عليه (٣) فقام وقمنا فرفع الصبي إلى حجر أو في حجر رسول الله (ﷺ) ونفسه تقمقع (٤) وفي القوم سعد بن عبادة وأبي أحسب (٥) ففاضت عينًا رسول الله (ﷺ) فقال له سعد ما هذا يا رسول الله؟ (٦) قال إن هذه رحمة يضعها الله في قلوب من يشاء من
_________________
(١) من استردت منه وديعة أو عارية (ومعنى ما أعطى) أن ما وهبه لكم ليس خارجا عن ملكه بل له التصرف فيه يفعل فيه ما يشاء سبحانه ﷿ (١) أى كل واحد من الأخذ والاعطاء عند الله مقدر بأجل مسمى أى معلوم، والأجل يطلق على الحد الأخير وعلى مجموع العمر ومعنى عنده فى علمه وإحاطته (٢) أي تنوع بصبرها طلب الثواب من ربها ليحسب لها ذلك من عملها الصالح (٣) وقع فى حديث عبد الرحمن بن عوف أنها راجعته مرتين وأنه إنما قام فى ثالث مرة، وكأنها ألحت عليه فى ذلك دفعا لما يظنه بعض أهل الجهل أنها ناقصة المكانة عنده، أو ألهمها الله تعلاى أن حضور نبيه عندها يدفع عنها ما هى فيه من الألم بكرة دعائه وحضوره فحقق الله ظنها، والظاهر أنه امتنع أولا مبالغة فى اظهار التسليم لربه، أو ليبين الجواز فى أن من دعى لمثل ذلك لم تجب عليه الأجابة بخلاف الوليمة مثلا أفاده الحافظ (٤) أى تتحرك وتضطرب، وفى الطريق الثانية "نقسها تقعقع كأنها فى شن ووقع عند البخارى "كأنها شن" قال الحافظ كذا فى هذه الرواية، وجزم بذلك فى رواية حماد ولفظه "ونقسه تقتع كأنها فى شن" والقعقعة حكاية بصوت الشئ اليابس اذا حرك والشن بفتح المعجمة وتشديد النون المقربة الخلقة اليابسة، وعلى الرواية الثانية "يعنى كأنها فى شن" شبه البدن بالجلد اليابس الخلق وحركة الروح فيها بما يطرح فى الجلد من حصاة ونحوها، وأما الرواية الأولى "يعنى كأنها شن" فكأنه شبه النفس بنفس الجلد وهو أبلغ فى الأشارة وذلك أظهر فى التشبيه اهـ (٥) أى أظن وهذا الظن راجع إلى أبىّ فقط، أما سعد فمحقق وجوده (والمعنى) وفى القوم سعد بن عبادة وأظن أبيا فى القوم أيضا؛ يدل على ذلك رواية أبى داود عن أسامة أيضا بلفظ "ان ابنة لرسول الله ﷺ أرسلت اليه وأنا معه وسعد وأحسب أبيا - الحديث" (ورواية البخارى) فقام سعد بن عبادة ومعاذ ابن جبل وأبى بن كعب وزيد بن ثابت ورجال الخ (وقوله ففاضت عينا رسول الله ﷺ) أى نزل منهما الدمع (٦) أى ماذا أراه من فيضان عينيك بالدموع، فقال رسول الله ﷺ "ان هذه" أى الدمعة "رحمة" أى أثر رحمة (يضعها الله فى قلوب من يشاء من عباده)
[ ٧ / ١٣٩ ]
عباده، وإنما يرحم الله من عباده الرحماء (١) (وعنه من طريق ثان) (٢) قال أني رسول الله (ﷺ) بأميمة ابنة زينب ونفسها تقمقع كأنها في شن، فقال رسول الله (ﷺ) لله ما أخذ، ولله وما أعطى؛ وكل إلى أجل مسمى، فدمعت عينا رسول الله (ﷺ)، فقال له سعد بن عبادة يا رسول الله أتبكي؟ أو لم تنه عن البكاء؟ فقال رسول الله (ﷺ) إنما هي رحمة جعلها الله في قلوب عباده وإنما يرحم الله من عباده الرحماء (وعنه من طريق ثالث) (٣) قال أرسلت ابنة النبي (ﷺ) إن أبي يقبض فأتنا فذكر الحديث بنحو ما تقدم
_________________
(١) أي رحمة على المقبوض تبعق على التأمل فيما هو عليه، وليس كما توهمت من الجزع وقلة الصبر (١) جمع رحيم وهو من صيغ المبالغة (قال الحافظ) ومقتضاه أن رحمة الله تختص بمن اتصف بالرحمة وتحقق بها بخلاف من فيه أدنى رحمة، لكن ثبت فى حديث عبد الله بن عمرو عند أبى داود وغيره "الراحمون يرحمهم الرحمن" والراحمون جمع راحم فيدخل فيه كل من فيه أدنى رحمة اهـ (٢) (سنده) حدّثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا أبو معاوية ثنا عاصم عن أبى عثمان النهدى عن أسامة بن زيد قال أتى رسول الله ﷺ - الحديث" (٣) (وعنه من طريق ثالث) (سنده) حدّثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا عبد الرازق أنا سفيان عن عاصم عن أبى عثمان النهدى عن أسامة بن زيد قال أرسلت الخ (٤) هكذا جاء فى هذا الطريق ان ابنى يقبض، وكذا عند البخارى من طريق عبد الله بن المبارك بسند حديث الباب بلفظ "أرسلت بنت النبى ﷺ إليه أن ابنًا لى قبض فأتنا فأرسل يقرئ السلام ويقول "إن لله ما أخذ وله ما أعطى - الحديث" بنحو الطريق الأولى من حديث الباب (قال الحافظ) فى شرحه "قوله إن ابنا لى" قيل هو على بن أبى العاص بن الربيع وهو من زينب كذا كتب الدمياطي بخطه فى الحاشية، وفيه نظر لأنه لم يقع مسمى فى شئ من طرق هذا الحديث، وأيضا فقد ذكر الزبير بن بكار وغيره من أهل العلم بالأخبار أن عليا المذكور عاش حتى ناهز الحلم، وأن النبى ﷺ أردفه على راحلته يوم فتح مكة، ومثل هذا لا يقال فى حقه صبى عرقا وإن جاز من حيث اللغة، ووجدت فى الأنساب للبلاذرى أن عبد الله بن عثمان بن عفان من رقية بنت النبى ﷺ لما مات وضعه النبى ﷺ فى حجره وقال إنما يرحم الله من عباده الرحماء، وفى مسند من حديث أبى هريرة قال ثقل
[ ٧ / ١٤٠ ]
(١٠٢) عن عائشة ﵂ أن سعد بن معاذ (١) لما مات حضره رسول الله ﷺ وأبو بكر وعمر، قالت فوالذي نفس محمد بيده إني لأعرف بكاء عمر من بكاء أبي بكر وأنا في حجرتي (٢) وكانوا كما قال
_________________
(١) ابن لفاطمة فبعث الى النبى ﷺ فذكر نحو حديث الباب، وفيه مراجعة سعد بن عبادة فى البكاء فعلى هذا فالابن المذكور محسن بن على بن أبى طالب، وقد اتفق أهل العلم بالأخبار أنه مات صغيرًا فى حياة النبي ﷺ فهذا أولى أن يفسر به الابن إن ثبت أن القصة كانت لصبى ولم يثبت أن المرسلة زينب، لكن الصواب فى حديث الباب أن المرسلة زينب، وأن الولد صبية كما ثبت فى مسند أحمد عن أبى معاوية بالسند المذكور (قلت: يعنى الطريق الثانية من حديث الباب فذكره) هذا ما قاله الحافظ ولا زال فى المسألة غموض، لأننا اذا اعملنا الرواية المصرح فيها بأمامة فقد أهملنا المصرح فيها بالابن وبالعكس، وكلتا الروايتين صحيحة ولا مرجح لاحداهما على الأخرى، فلم يبق الا الجمع بينهما بأن الواقعة تعددت وأن رواية الابن جاءت فى محسن بن فاطمة ﵂، ويؤيد ذلك ما رواه البزار عن أبى هريرة (كما أشار اليه الحافظ) قال ثقل ابن لفاطمة فأرسلت إلى النبى ﷺ تدعوه فقال رسول الله ﷺ ارجع فان له ما أخذ وله ما أبقى وكل لأجل بمقدار، فلما احتضر بعثت اليه وقال لنا قوموا، فلما جلس جعل يقرأ "فلولا إذا بلغت الحلقوم وأنتم حينئذ تنظرون) حتى قبض، فدمعت عينا رسول الله ﷺ فقال سعد يا رسول الله أتبكي وتنهى عن البكاء؟ قال إنما هى رحمة وإنما يرحم الله من عباده الرحماء" أورده الهيثمى وقال رواه البزار وفيه إسماعيل بن موسى المكى وفيه كلام، وقد وثق اهـ. والله أعلم
(٢) (عن عائشة ﵂) هذا طرف من حديث طويل سيأتى بتمامه وسنده وتخريجه فى باب غزوة الخندق من كتاب السيرة النبوية ان شاء الله تعالى (غريبه) (١) هو أبو عمرو سعد بن معاذ الأنصارى الصحابى الأوسى الأشهلى المدنى سيد الأوس ﵁، وهو الذى قال فيه رسول الله ﷺ "اهتز عرش الرحمن لموت سعد بن معاذ" رواه الأمام أحمد والشيخان وغيرهم عن جابر، وعنى اهتزاز العرش فرح الملائكة بقدومه لما رأوا من منزلته، ومناقبه كثيرة ستأتى فى ترجمته من كتاب مناقب الصحابة ان شاء الله تعالى - وأنشدوا. وما اهتز عرش الله من موت هالك - سمعنا به الا لسعد أبى عمرو
(٣) يستفاد من ذلك أنهما كانا يبكيان بصوت ولم يقتصرا على مجرد دمع العين، ولهذا
[ ٧ / ١٤١ ]
الله ﷿ رحماء بينهم (١)
_________________
(١) فرقت عائشة وهى فى حجرتها بين بكاء أبى بكر وعمر، ولعل الواقع منهما كان مما لا يمكن دفعه ولا يقدر على كتمه ولم يبلغ الى الحد المنهى عنه، ولذلك لم ينكر عليهما النبى ﷺ (١) أى يعطف بعضهم على بعض ويرق له، ولهذا غلبتهم الراِّفة والرحمة على هذا البكاء عند موت سعد ﵃ أجمعين (وفى الباب) عن ابن عمر ﵄ قال (اشتكى سعدين عبادة شكوى له فأتاه ﷺ يعوده مع عبد الرحمن بن عوف وسعد ابن أبى وقاس وعبد الله بن مسعود، فلما دخل عليه وحده فى عشيّة (*) فقال قد مضى؟ فقالوا يا رسول الله، فبكى رسول الله ﷺ فلما رأى القوم بكاءه بكوا، قال ألا تسمعون ان الله لا يعذب بدمع العين ولا يحزن القلب ولكن يعذب بهذاأو أشار إلى لسانه، أو يرحم) رواه الشيخان والبيهقى (وعن عبد الله بن عتبة) قال لما مات عتبة بن مسعود بكى عبد الله ابن مسعود فقالوا له تبكى؟ قال نعم - أخى فى النسب وصاحبى مع رسول الله ﷺ وأحب الناس إلىّ غلا ما كان من عمر بن الخطاب" رواه الطبرانى فى الكبير والأوسط بنحوه، وزاد "وما أحب مع ذلك انى كنت من قبله، لأن يموت فأحتسبه أحب إلىّ من أن أموت فيحتسبنى ورجاله ثقات (وعن عبد الله بن يزيد) قال رخص فى البكاء من غير نوح رواه الطبرانى فى الكبير وإسناده حسن (وعن عامر بن سعد) قال دخلت عريشا وفيه قرظة بن كعب وأبو مسعود الأنصارى قال فذكر حديثا لهما قالا فيه انه رخص لنا فى البكاء عند المصيبة من غير نوح - رواه الطبرانى فى الكبير ورجاله رجال الصحيح (وعن أم عياش) قالت جعلت أم سعد تقول، ويل أم سعد سعدًا صرامة وجدّا، فقال النبى ﷺ لا تزيدين على هذا لا تزيدين على هذا، وكان والله ما علمت حازما فى أمر الله قويا فى أمر الله، رواه الطبرانى فى الكبير وفيه مسلم الملائى وهو ضعيف، ورواه أيضًا عن محمد بن اسحاق قالت أم سعد حين حمل نعشه وهى تبكيه ويل أن سعد سعدًا صرامة وجدَّا وسيدا سد به مسدا فقال النبى ﷺ كل باكية تكذب الا باكية سعد بن معاذ (وعن أم سلمة) أنها قالت يا رسول الله ان نساء بنى مخزوم قد أقمن مأتهن على الوليد بن الوليد بن المغيرة فأذن لها فقالت وهى تبكيه أبكى الوليد بن المغيرة، أبكى الوليد بن الوليد أخا العشيرة - رواه (*) قال النووي ﵀ بفتح الغين وكسر الغين وكسر الشين المعجمتين وتشديد الياء قال القاضى هكذا رواية الأكثرين، قال وضبطهم بعضهم باسكان الشين وتخفيف الياء (وفى روابة البخارى) "فى غاشية" وكله صحيح؛ وفيه قولان (أحدهما) من يغشاء من أهله (والثانى) ما يغشاه من كرب الموت
[ ٧ / ١٤٢ ]
الطبراني في الصغير والأوسط وفيه ثابت أبو حمزة الثمالى ضعيف، أورد هذه الأحاديث مع تخريجها وبيان درجاتها الحافظ الهيثى (الأحكام) أحاديث الباب تددل على الرخصة فى البكاء على الميت مطلقًا اذا لم يصحبه نوح أو لعلم أو نحو ذلك مما تقدم ذكره فى الباب الأول، ولنا فى رسول الله ﷺ أسوة حسنة، وقد ثبت فى أحاديث الباب أنه ﷺ بكى على بعض أولاده وبعض أولاد بناته وبعض أصحابه كما فعل ذلك بعض الصحابة أيضا رضوان الله عليهم؛ لكن جاء فى بعض الأحاديث ما يدل بظاهره على المنع من مطلق البكاء كحديث عبد الله بن عمر المذكور فى الباب الأول من أبواب البكاء على الميت وفيه "ولا يبكينّ على هالك بعد اليوم" وكذلك قوله فى حديث جابر المذكور فى هذا الباب "فاذا وجبت فلا يبكين" وفى لفظ "فاذا وجبت فلا تبكين باكية" وهذا يعارض ما فى أحاديث الباب من الأذن بمطلق البكاء بعد الموت، ويعارض أيضا سائر الأحاديث الواردة فى الأذن بمطلق البكاء كحديث أبى هريرة الذى فى الباب بلفظ" مات ميت من آل النبى ﷺ فاجتمع النساء يبكين عليه، فقام عمر بن الخطاب ينهاهن ويطردوهن فقال رسول الله ﷺ دعهن يا ابن الخطاب فان العين دامعة. والفؤاد مصاب. وإن العهد حديث" وحديث بكائه ﷺ على ابنه ابراهيم، فقيل له فى ذلك فقال (تدمع العين. ويحزن القلب) وفى لفظ عند الشيخين "انها رحمة" ثم قال "العين تدمع. ويحزن القلب) وفى لفظ عند الشيخين "انها رحمة" ثم قال "العين تدمع. والقلب يحزن. ولا نقول الا ما يرضى ربنا" (وحديث ابن عباس) المذكور أول الباب فى قصة عثمان بن مظعون وفيه "فبكت النساء فجعل عمر يضربهن بسوطه فأخذ رسول الله ﷺ بيده وقال مهلا يا عمر ثم قال "ابكين وإياكن ونعيق الشيطان، ثم قال إنه مهما كان من العين والقلب فمن الله ﷿ ومن الرحمة، وما كان من اليد واللسان فمن الشيطان" فيجمع بين الأحاديق بحمل النهى عن البكاء مطلقا ومقيدا ببعد الموت - على البكاء المفضى إلى ما يجوز من النوح والصراخ وغير ذلك - والاذن به على مجرد البكاء الذى هو دمع العين وما لا يمكن دفعه من الصوت، وقد أرشد إلى هذا الجمع قوله ﷺ ابكين وإياكن ونعيق الشيطان (يعنى الصراخ والنوح) ثم قال إنه مهما كان من العين والقلب فمن الله ﷿ ومن الرحمة (وعند الترمذى) فى قصمة موت ابراهيم عن النبى ﷺ من حديث جابر "وفيه فأخذه النبى ﷺ فوضعه فى حجره فبكى، فقال له عبد الرحمن يعنى ابن عوف أتبكى؟ أو لم تكن نهيت عن البكاء؟ فقال لا. ولكن نهيت عن صوتين أحمقين فاجرين. خمس وجوه. وشق جيوب. ورنَّة شيطان" وحسنه الترمذى "وقوله ﷺ" فى حديث ابن عمر المذكور فى الشرح - إن الله لا يعذب بدمع العين ولا يحزن القلب فيكون معنى قوله ﷺ "لا يبكين على هالك بعد اليوم" وقوله "فاذا ووجبت فلا يبكين" النهى عن البكاء الذى يصحبه شئ مما حرمه
[ ٧ / ١٤٣ ]
(٤) باب ما جاء في نعي الميت
عن بلال العبسى عن حذيفة بن اليمان ﵁ أنه كان
_________________
(١) الشارع، وقد جمع الشافعية بحمل أحاديث الجواز على البكاء قبل الموت وأحاديث المنع على البكاء بعده، ولذلك حكوا عن الأمام الشافعي ﵀ أنه قال يباح الكلام الى أن تخرج الروح ويكره بعد ذلك لحديث جابر بن عتيك، وقد بينا لك توجيهه بما فيه الكفاية (وأجمع العلماء) على جواز البكاء الخالى عن الندب والنياحة ونحو ذلك (وفى أحاديث الباب أيضا) ما يدل على جواز البكاء بصوت اذا غلب عليه ولم يبلغ إلى الحد المنهى عنه كما حكت عائشة عن بكاء أبى بكر وعمر ﵄ (وفيها أيضا) ما يدل على جواز الندبة، وهى ذكر الميت بصفاته الممدوحة شرعا ان كان متصفًا بها حقيقة كقول فاطمة ﵂ "يا أبتاه من ربه ما أدناه إلى آخر ما قالت وكقول أبى بكر ﵁ حين دخل النبى ﷺ بعد وفاته فوضع فمه بين عينيه ووضع يده على صدغيه وقال وأنبياه وا خليلاخ. وا صفياه" رواه الأمام أحمد وسيأتى فى باب تأثير وفاته صلى الله علي وسلم على أصحابه وآل بيت الخ من كتاب السيرة النبوية ان شاء الله (قال ابن قدامه فى المغنى) وقال أحمد اذا ذكرت المرأة مثل ما حكى عن فاطمة فى مثل الدعاء لا يكون مثل النوح يعنى لا بأس به، وروى عن فاطمة ﵂ أنها قالت يا أبتاه من ربه ما أدناه الخ - قال وروى عن على ﵁ أن فاطمة ﵂ أخذت قبضة من تراب قبر النبى ﷺ فوضعتها على عينها ثم قالت ماذا على مئتم تربة أحمد - أن لا يشم الزمان غواليا سبت علىّ مصيبة لو أنها - صبت على الأيام عدن لياليا اهـ (قال الخافظ) ويؤخذ من قول فاطمة الخ جواز ذكر الميت بما هو متصف به ان كان معلوما (قال الكرمانى) وليس هذا من نوح الجاهلية من الكذب ورفع الصوت وغيره إنما هو ندبة مباحة اهـ (قال الشوكانى) وعلى فرض صدق اسم النوح فى لسان الشارع على مثل هذا، فليس فى فعل فاطمة وأبى بكر دليل على جواز ذلك لأن فعل الصحابى لا يصلح للحجة كما تقرر فى الأصول، ويحمل ما وقع منهما على أنهما لم يبلغا أحاديث النهى عن ذلك الفعل. ولم ينقل أن وقع منهما بمحضر جميع الصحابة حتى يكون كالاجماع منهم على الجواز لسكونهم عن الانكار والأصل أيضا عدم ذلم اهـ. والله أعلم
(٢) عن بلال العبسى (سنده) حدّثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا يحيى بن آدم
[ ٧ / ١٤٤ ]
إذا مات له ميت قال لا تؤذنوا به أحدًا (١) إني أخاف أن يكون نعيًا (٢) إني سمعت رسول الله ﷺ ينهي عن النعي (وعنه من طريق ثان) (٣) عن حذيفة ﵁ قال نهى رسول الله (ﷺ) عن النعي
عن أبي الزبير قال سئل جابر عما يدعي للميت (٤) فقال ما أباح لنا فيه رسول الله (ﷺ) ولا أبو بكر ولا عمر ﵄
_________________
(١) ثنا حبيب بن سليم العبسى عن بلال العبسى عن حذيفة - الحديث" (غريبه)
(٢) أى لا تخبروا به أحدا (٢) النعى بفتح النون وسكون العين المهملة وتخفيف الياء التحتية، وفيه أيضا كسر العين وتشديد يد الياء، وهو فى الغة الأخبار بموت الميت كما فى الصحاح والقاموس وغيرهما من كتب اللغة، وفى النهاية نعى الميت نعيا إذا أذاع موته وأخبر به (٣) (سنده) حدّثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا وكيع عن حبيب بن سليم العبسى عن بلال بن يحيى العبسى عن حذيفة - الحديث" (تخريجه) (جه. هق. مذ) وقال هذا حديث حسن
(٣) عن أبى الزبير (سنده) حدّثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا عبد القدوس ابن بكر بن خنيس أنا حجاج عن أبى الزبير - الحديث" (غريبه) (٤) أى النعى على ما كان معروفا فى الجاهلية (قال الأصمعى) كانت العرب إذا مات فيها ميت ركب راكب فرسا وجعل يسير فى الناس ويقول نعاو فلانا أى أنعيه وأظهر خبر وفاته (قال الجوهرى) وهى مبنية على الكسر مثل دراك ونزال، كذا فى قوت المغتدى (تخريجه) لم أقف عليه لغير الأمام أحم دسنده جيد (وفى الباب عن عبد الله بن مسعود) ﵁ عن النبى ﷺ قال إياكم والنعى فان النعى من عمل الجاهلية، قال عبد الله (يعنى ابن مسعود) ﵁ عن النبى ﷺ قال إياكم والنعى فان النعى من عمل الحاهلية، قال عبد الله (يعنى ابن مسعود) والنعى أذان بالميت "أى اعلا بموته" رواه الترمذى وقال حديث عبد الله حديث غريب (الأحكام) أحاديث الباب تدل على عدم جواز نعى الميت وهو الاخبار بموته على النحو الذى كان عليه أهل الجاهلية، وانما قلنا ذلك لما ورد فى حديث ابن مسعود من التحذير منه وتعليل ذلك بأنه من عمل الجاهلية، وظاهره أنه اذا لم يكن على النحو الذى كان عليه أهل الجاهلية فلا بأس به، ويؤيده أن النبى ﷺ نعى جعفرًا وزيدًا وابن رواحة وغيرهم (قال الترمذى) وقد كره بعض أهل العلم النعى، والنعى عندهم أن ينادى فى الناس بأن فلانا مات ليشدهوا جنازته، وقال بعض أهل العلم لا بأس بأن يعلم الرجل قرابته وإخوانه
[ ٧ / ١٤٥ ]
وروي عن إبراهيم النخعى أنه قال لا بأس بأن يعلم الرجل قرابته اهـ (وقال البهقى) بعد أن روى حديث حذيفة المذكور فى الباب فى النهى عن النعى (قال) ويروى فى ذلك "أى فى كراهة النعى" عن ابن مسعود وابن عمر وأبى سعيد ثم عن علقمة وابن المسيب والربيع بن خثيم وابراهيم النخعى، وبلغنى عن مالك بن أنس أنه قال لا أحب الصياح لموت الرجل على أبواب المساجد، ولو وقف على حلق المساجد فأعلم الناس بموته لم يكن به بأس (وروينا) عن أنس بن مالك أن النبى ﷺ نعى جعفرًا وزيدا وابن رواحة (وعن أبى هريرة ﵁) أن النبى ﷺ نعى النجاشى (وعنه) فى موت الأنسان الذى كان يقمُّ المسجد ودفن ليلا أفلا كنتم آذنتمونى "وفى رواية ما منعكم أن تعلمونى" وروى البيهقى أيضًا بسنده، عن يحيى بن عبد الحميد يعنى ابن رافع عن جدته أن رافع بن خديج مات بعد العصر فأتى ابن عمر فأخبر بموته فقيل له ما ترى أيخرج بجنازته الساعة؟ فقال ان مثل رافعلا يخرج به حتى يؤذن به من حولنا من القرى، فأصبحوا وأخرجوا بجنازته اهـ (وقال ابن قدامة فى المغنى) ويكره النعى وهو أن يبعث مناديًا ينادى فى الناس ان فلانا قد مات ليشهدوا جنازته، لما روى حذيفة قال سمعت النبى رسول الله ﷺ ينهى عن النعى (قال الترمذى) هذا حديث حسن، واستحب جماعة من أهل العلم أن لا يعلم الناس بجنائزهم، منهم عبد الله بن مسعود وأصحابه علقمة والربيع بن خثيم وعمرو لم شرحبيل، قال علقمة لا تؤذوا بى أحدا، وقال عمرو بن شرحبيل أذا أنامت فلا أنعى الى أحد (وقال كثير من أهل العلم) لا بأس أن يعلم بالرجل اخوانه ومعارفه وذوو الفضل من غير نداء، وقال ابراهيم النخعى لا بأس إذا مات الرجل أن يؤذن صديقه وأصحابه، وإنما يكون يكرهون أن يطاف فى المجالس أنعى فلانا كفعل الجاهلية (وممن رخص فى هذا) أبو هريرة وابن عمر وابن سيرين - وروى عن ابن عمر أنه نعى اليه رافع بن خديج قال كيف تريدون أن تصنعوا به؟ قال نحبسه حتى نوسل إلى قباء والى من قد بات حول المدينة ليشهدوا جنازته، قال نعم ما رأيتم. وقال النبى ﷺ فى الذى دفن ليلا "ألا آذنتمونى؟ " (وقد صح عن أبى هريرة) أن رسول الله ﷺ نعى للناس النجاشى فى اليوم الذى مات فيه وخرج بهم إلى المصلى فصف بهم وكبر أربع تكبيرات متفق عليهم (وفى لفظ) أن أخاكم النجاشى قد مات فقوموا فصلوا عليه (وروى) عن النبى ﷺ قال "لا يموت فيكم أحد إلا آذنتمونى به أو كما قال" ولأن فى كثرة المصلين عليه أجرًا لهم ونفعا للميت فانه يحصل لكم مصل منهم قيراط من الأجر وجاء عن النبى ﷺ أنه قال "ما من مسلم يموت فيصلى عليه ثلاثة صفوف من المسلمين إلا أوجب اهـ وقوله أوجب يعنى الا وجبت له الجنة (وقصارى القول) أن النعي
[ ٧ / ١٤٦ ]
(٥) باب ما جاء في الأحداد على الميت
عن زينب بنت جحش زوج النبي (ﷺ) ورضي عنها قالت سمعت رسول الله (ﷺ) يقول على المنبر لا يحل (١) لامرأة تؤمن بالله واليوم
_________________
(١) بقصد تعريف الأهل والأقارب والأصدقاء لا بأس به، وبه قال الأئمة الأربعة وجمهور العلماء (قال النووى ﵀) والصحيح الذى تقتضيه الأحاديث الصحيحة أن الأعلام بموته لمن لا يعلم ليس بمكروه بل ان قصد به الأخبار لكثرة المصلين فهو مستحب؛ وانما يكره ذكر المآثر والمفاخر والتطواف بين الناس بذكره بهذه الأشياء، وهذا نعى الجاهلية المنهى عنه فقد صحت الأحاديث بالأعلام فلا يجوز الغاؤها، وبهذا الجواب أجاب بعض أئمة الفقه والحديث المحققين، والله اعلم اهـ ج
(٢) عن زينب بنت حجش (سنده) حدّثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا عبد الرازق ثنا مالك عن عبد الله بن أبى بكر عن حميد بن نافع أن زينب بنت أبى سلمة أخبرته أنها دخلت على زينب بنت جحش زوج النبى ﷺ فقالت إنى سمعت رسول الله ﷺ - الحديث" (غريبه) (١) نفى بمعنى النهى والتقييد بقوله "تؤمن بالله واليوم الآخر" خرج مخرج الغالب كما يقال هذا طريق المسلمين مه أنه يسلكه غيرهم، فالكتابية كذلك عند الجمهور، وهو المشهور عن مالك، وقال أبو حنيفة والكوفيون ومالك فى رواية وابن نافع وابن كنانة وأشهب وأبو ثور لا إحداد عليها لظاهر الحديث (وقال النووى) التقييد بوصف الأيمان لأن المتصف به هو الذى ينقاد للشرع، ورجح ابن دقيق العيد الأول، وحجة أبو حنيفة ومن وافقه أن النبى ﷺ جعل الأحداد من أحكا من يؤمن بالله واليوم الآخر فلا تدخل فيه الكافرة، ولأنها غير مكلفة بأحكام الفروع، قالوا وعدلوه عن اللفظ العام المطلق الى الخاص بالأيمان يقتضى أن هذا من أحكام الأيمان ولوازمه وواجباته، فكأنه قال من التزم الأيمان فهذا من شرائعه وواجباته (قال الحافظ ابن القيم) فى الهدى والتحقيق أن نفى حل الفعل عن المؤمنين لا يقتضى نفى حكمه عن الكفار ولا اثبات الحكم لهم أيضا، وإنما يقتضى أن من التزم الأيمان وشرائعه فهذا لا يحل، ويجب على كل حال أن يلزم الأيمان وشرائعه، ولكن لا يلزم الشارع شرائع الايمان إلا بعد دخوله فيه، وهذا كما لو قيل لا يحل لمؤمن أن يترك الصلاة والحج والزكاة، فهذا لا يدل على أن ذلك حل للكافر، وهذا كما قال فى لباس الذهب لا ينبغى هذا للمتقين، فلا يدل أنه ينبغى لغيرهم، وكذا قوله لا ينبغى للمؤمن أن يكون لعَّانً، وسر المسألة أن شرائع الحلال
[ ٧ / ١٤٧ ]
الآخر أن تحد على ميت فوق ثلاث ليال إلا على زوج أربعة أشهر وعشرًا
عن زينب بنت أم سلمة ﵄ قالت توفي حميم
_________________
(١) والحرام والايجاب انما شرعت لمن التزم أصل الايمان؛ ومن لم يلتزمه وخلى بينه وبين دينه فانه يخلى بينه وبين شرائع الدين الذى التزمه كما خلى بينه وبين أصله ما لم يحاكم الينا، وهذه القاعدة متفق عليها بين العلماء، ولكن عذر الذين أوجبوا الأحداد على الذمية أنه يتعلق به حق الزوج المسلم، وكان منه إلزامها به كأصل العدة، ولهذا لا يلزمونها به فى عدتها من الذّمى ولا يتعرض لها فيها، فصار هذا كعقودهم مع المسلمين فانهم يلزمون فيها باحكام الاسلام وإن لم يتعرض لعقودهم هى والأولياء والمتوفى على سقوطه بأن أوصاها بتركه لم يسقط ولزمها الأتيان به، فهو جا مجرى العبادات وليست الذمية من أهلها فهذا سر المسألة اهـ (١) بضم اوله وكسر ثانيه من الرباعى، ويجوز بفتح أوله وضم ثانيه من الثلاثى (قال أهل اللغة) أصل الأحداد المنع، ومنه تسمية البواب حدَّاد لمنعه الداخل، وتسمية العقوبة حدِّا لأنها تردع عن المعصية (قال ابن درستويه) معنى الأحداد منع المعتدة نفسها الزينة وبدنها الطيب، ومنع الخطاَّب خطبتها، وحكى الخطاَّبى أنه يروى بالجيم والحاء، والحاء أشهر، وهو بالجيم مأخوذ من جددت الشئ إذا قطعته، فكأن المرأة انقطعت عن الزينة (٢) يستفاد من هذا الحصر أنه لا يزد على الثلاث فى غير الزوج، كأب. وأخ. وابن. ونحو ذلك، والمعنى أنه يجوز للمرأة أن تحد على من مات من أقاربها غير الزوج ثلاث ليال فما دونها، ويحرم عليها الزيادة على ذلك، وكأن هذا القدر أبيح لأجل حظ النفس ومراعاتها وغلبة الطباع البشرية، أما الزوج فلا بد من الأحداد عليه أربعة أشهر وعشرا (٣) ذكر العشر مؤنثا لارادة الليالى؟ والرماد مع أيامها عند الجمهور، فلا تحل حتى ندخل الليلة الحادية عشرة، وعن الاوزاعى وبعض السلف تنقضى بمضى الليالى العشر بعد مضى الأشهر، وتحل فى أول اليوم العاشر، والحكمة فى زيادة العشر أن الولد يتكامل تخليقه وتنفخ فيه الروح بعد مشى مائة وعشرين يوما وهى بزيادة على أربعة أشهر بنقصات الأهلة فجبر الكسر الة العقد على طريق الاحتياط والله أعلم (تخريجه) (ق. لك. وغيرهم)
(٢) عن زينب بمن أم سلمة (سنده) حدّثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا محمد بن جعفر قال حدثنا شعبة وحجاج قال حدثنى شعبة بن حميد بن نافع قال سمعت زينب بنت أم سلمة قالت توفى حميم الخ (غريبه) (٤) أى قريب، ورجح الحافظ أنه أخوها
[ ٧ / ١٤٨ ]
لأم حبيبة فدعت بصفرة (١) فمسحت ذراعيها وقالت بما أصنع هذا الشيء (٢) سمعت (وفي رواية (٣) لأن) رسول الله (ﷺ) قال لا يحل لامرأة مسلمة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تجد فوق ثلاث إلا على زوجها أربعة وعشرًا (٤)
عن عائشة ﵂ أن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم قال لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر يحد على ميت فوق ثلاث إلا على زوج
(١٠٨) وعن حفصة زوج النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ورضي عنها مثله (وزادت بعد إلا على زوج) فإنها XXX عليه أربعة أشهر وعشرا
(١٠٩) عن أم عطية الأنصارية ﵂ قالت قال رسول الله
_________________
(١) يزيد بن أبي سفيان الذى كان أميرًا على الشام (١) رواية البخارى ومسلم "فدعت أم حبيبة بطيب فيه صفرة خلوق أو غيره" وهو برفع خلوق وبرفع غيره، أّى دعت بصفرة وهى خلوق أو غيره، والخلوق بفتح الخاء هو طيب الخلق (٢) وفى روايى الشيخين ثم قالت والله ما لى بالطيب من حاجة غير أّنى سمعت رسول الله ﷺ يقول على المنبر لا يحل الخ (٣) هذه الرواية رواية حجاج أحد رجال السند (٤) ليس هذا آخر الحديث "وبقيته" وحدثته زين عن أمها عن زينب زوج النبى ﷺ (ترخيجه) (ق. لك. وغيرهم)
(٢) عن عائشة (سنده) حدّثنا عبد الله حدثنى أيا ثنا سفيان ثنا الزهرى عن عروة عن عائشة - الحديث" (تخريجه) (م. وغيره)
(٣) عن حفصة (سنده) حدّثنا عبد الله حدثنى أبا ثنا يزيد بن هارون قال أنا يحيى بن سعيد عن نافع أن صفية بنة أبى عبيد أخبرته أنها سمعت حفصة بنة عمر زوج النبى ﷺ تحد أن رسول الله ﷺ قال لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أو باللع ورسوله أن تحد على ميت فوق ثلاث الا على زوج فانها تحد عليه أربعة أشهر وعشرا (م. وغيره)
(٤) عن أم عطية (سنده) حدّثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا محمد بن
[ ٧ / ١٤٩ ]
ﷺ (١) لا تحد المرأة فوق ثلاث إلا على زوج فإنها تحد عليه أربعة أشهر وعشرًا، ولا تلبس ثوبًا مصبوغًا إلا عصبًا (٢) ولا تكتحل ولا تمس طيبًا إلا عند طهرها (٣) فإذا طهرت من حيضها نبذة من قسط وأظفار (٤)
عن أسماء بنت عميس ﵂ قالت دخل على رسول الله (ﷺ) اليوم الثالث من قتل جعفر، فقال لا تحدى بعد يومك هذا (٥) (وعنها من طريق ثان (٦) قالت لما أصيب جعفر أتانا النبي (ﷺ) فقال قومي
_________________
(١) عبد الرحمن الطفاوي ثنا هشام بن حسان عن حفصة بنت سيرين عن أم عطية الأنصارية "الحديث" (غريبه) (١) فى رواية يزيد أحد رجال السند "عن النبى ﷺ" بدل "قالت قال رسول الله ﷺ" (٢) رواية الشيخين ولا تلبس ثوبا مصبوغا إلا ثوب عصب، والعصب بمهملتين، مفتوحة ثم ساكنة ثم موحدة، برود اليمن يعصب غزلها أى يربط، ثم يصبغ ثم ينسج معصوبا فيخرج موشَّى لبقاء ما عصب منه أبيض لم ينصبغ، وإنما ينصبغ السدى دون اللحمة، ومعنى الحديث النهى عن جميع الثياب المصبوغة للزينة إلا ثوب العصب (٣) قال يزيد أحد الرواة "أو فى طهرها" (٤) رواية الشيخين من قسط أو اظفار (وفى رواية لمسلم) من حديث أم عطية أيضا قالت "وقد رخص للمرأة فى طهرها إذا اغتسلت احدانا من محيضها فى نبذة من قسط وأظفار" (قال النووى ﵀) النبذة بضم النون القطعة والشئ اليسير، وأما القسط فبضم القاف ويقال فيه كست بكاف مضمومة بدل القاف وبتاء يدل الطاء، وهو والأظفار، نوعان معروفان من البخور وليسا من مقصود الطيب، رخص فيه للمغتسلة من الحيض لأزالة الرائحة الكريهة تتبع به أثر الدم لا للتطيب، والله تعالى أعلم (تخريجه) (ق. وغيرهما)
(٢) عن أسماء بنت عميس (سنده) حدّثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا يزيد قال أنبأنا محمد بن طلحة قال ثنا الحكم بن عتيبة عن عبد الله بن شداد عن أسماء بنت عميس - الحديث" (غريبه) (٥) معناه أنها تخلع ثوب الحداد بعد ثلاثة أيام وهو يعارض أحاديث الباب المتقدمة فى وجوب الأحداد على من مات زوجها أربعة أشهر وعشرا، (قال صاحب المنتفى) وهو متأول على المبالغة فى الاحداد للتعزية اهـ (قلت) وسيأتى الكلام عليه مستوفى فى الأحكام ان شاء الله (٦) (سنده) حدثنا عبد الله
[ ٧ / ١٥٠ ]
البسي ثوب الحداد ثلاثًا، ثمَّ أصنعي ما شئت، قال عبد الله وحدثنا محمد ابن بكَّارٍ قال حدثَّنا محمد بن طلحة مثله
_________________
(١) حدثني أبي ثنا أبو كامل ويزيد بن هارون وعفان قالوا ثنا محمد بن طلحة قال يزيد في حديثه ثنا الحكم وقال عفان في حديثه سمعت الحكم بن عتيبة عن عبد الله بن شداد عن أسماء بنت عميس قالت لما أصيب جعفر "الحديث" هو ابن الأمام أحمد رحمهما الله (تخريجه) (حب) وصححه وكذلك صححه الأمام أحمد أيضا (الأحكام) أحاديث الباب تدل على جواز إحداد المرأة على عير زوجها ثلاثة أيام لا أكثر، وليس الأحداد بواجب (قال ابن بطال ﵀) أجمع العلماء على أن أبيح لها الأحداد فيها أنه يقضى له عليها بالجماع فيها اهـ وقولنا على غير زوجها يشمل كل ميت غير الزوج حتى الأبن (واستدل بأحاديث الباب أيضا) على تحريم الأحداد على غير الزوج زيادة على ثلاث وعلى وجوب الأحداد على الزوج أربعة أشهر وعشرا، وبه قال الجمهور (قال الحافظ) واستشكل بأن الاستثناء وقع بعد النفي، فيدل على الحل فوق الثلاث على الزوج لا على الوجوب قال (وأجيب) بأن الوجوب استفيد من دليل آخر كالأجماع (ورد) بأن المنقول عن الحسن البصري أن الأحداد لا يجب (أخرجه ابن أبي شيبة) ونقل الحلال بسنده عن أحمد عن هشيم عن داود عن الشعبي أنه كان لا يعرف الأحداد، قال أحمد ما كان بالعراق أشد تبحرا من هذين "يعني الحسن والشعبي" قال وخفى ذلك عليهما اهـ. ومخالفتها لا تقدح في الاحتجاج وإن كان فيها رد على من ادعى الأجماع، وفي أثر الشعبي تعقب على ابن المنذر حيث نفى الخلاف في المسألة إلا عن الحسن وأيضًا فحديث التي اشتكت عينها دال على الوجوب وإلا لم يمتنع التداوي المباح اهـ (قلت) يشير الحافظ ﵀ إلى حديث أم سلمة عند الشيخين والأمام أحمد بلفظ "جاءت امرأة إلى رسول الله ﷺ فقالت يا رسول الله ﷺ لا، مرتين أو ثلاث، كل ذلك يقول لا - الحديث" وهذا كلام البخاري: وسيأتي في باب الحداد معتدة الوفاة من كتاب الحدد (وهل تجد المطلقة كالمتوفي عنها أم لا؟ فيه خلاف) (قال الحافظ) أما الرجعية فلا إحداد عليها إجماعا، وإنما الاختلاف في البائن، فقال: الجمهور لأحداد (وقالت الحنفية) وأبو عبيد وأبو رثور عليها الاحداد قياسًا على المتوفى (وبه قال بعض الشافعية والمالكية) واحتج الأولون بأن الأحداد يشرع لأن تركه من التطيب واللبس والتزين يدعوا إلى الجماع
[ ٧ / ١٥١ ]
فمنعت المرأة منه زجرًا لها عن ذلك فكان ذلك ظاهرا في حق الميت لأنه بمنعه الموت عن منع المعتدة منه عن التزويج ولا تراعيه هي ولا تخاف منه، بخلاف المكلق الحي في كل ذلك، ومن ثم وجبت العدة على كل متوفي عنها وإن لم تكن مدخولا بها، بخلاف المطلقة قبل، الدخول فلا احداد عليها اتفاقا، وبأن المطلقة البائن يمكنها العود إلى الزوج بعينه بعقد جديد اهـ (قال الشوكاني) والحق الاقتصار على مورد النص عملا بالبراءة الأصلية فيما عداه، فمن ادعى وجوب الأحداد على غير المتوفى عنها فعليه الدليل اهـ (قلت) ومع هذا فحديث أسماء بنت عميس وهو الحديث الأخير من أحاديث الباب يعارض كل ما تقدمه من الأحاديث، لأنه يقتضي عدم الأحداد على المتوفي عنها زوجها إلا ثلاثة أيام فقط، وبعد الثلاثة تفعل مابدالها من أنواع الزينة (وأشار اليه الحافظ في الفتح فقال) وقد ورد في حديث قوي الأسناد أخرجه أحمد وصححه ابن حبان عن أسماء بنت عميس فذكره ثم قال قال شيخنا (يعني العراقي) في شرح الترمذي ظاهره أنه لا يجب الأحداد على المتوفي عنها بعد اليوم الثالث لأن أسماء بنت عميس كانت زوج جعفر بن أبي طالب بالاتفاق، وهي والدة أولاده عبد الله، ومحمد، وعون، وغيرهم، قال بل ظاهر النهي أن الأحداد لا يجوز (وأجاب) بأن الحديث شاذ مخالف للأحاديثالصحيحة، وقد أجمعوا على خلافه، قال ويحتمل أن يقال إن جعفرا قتل شهيدا "والشهداء أحياء عند ربهم يرزقون" قال وهذا ضعيف لأنه لم يرد في حق غير جعفر من الشهداء ثمن قطع بأنهم شهداء كما قطع لجعفر كحمزة بن عبد المطلب عمه، وكعبد الله بن عمرو بن حرام والد جابر اهـ. كلام شيخنا ملخصا، قال وأجاب الطحاوي بأنه منسوخ وأن الأحداد كان على المعتدة في بعض عدتها في وقت ثم أمرت بالأحداد أربعة أشهر وعشرا، ثم ساق أحاديث الباب، وليس فيها ما يدل على ما ادعاه من النسخ، لكنه يكثر من ادعاه النسخ بالحتمال فجرى على عادته، ويحتمل وراء ذلك أجوبة أحرى (أحدها) أن يكون المراد بالأحداد المقيد بالثلاث قدرًا زائدا على الأحداد المعروف فعلته أسماء مبالغة في حزنها على جعفر، فهناها عن تلك الثلاث (ثانيها) أنها كانت حاملا فوضعت بعد ثلاث فانقضت فنهاها بعدها عن الأحداد، ولا يمنع ذلك قوله في الرواية الأخرى ثلاثًا، لأنه يحمل على أنه ﷺ اطلع على أن عدتها تنقضي عند الثلاث (ثانيها) لعله كان أبانها بالطلاق قبل استشهاده فلم يكن عليها احداد (رابعها) أن البيهقي أعل الحديث بالانقطاع، فقال لم ينبت سماع عبد الله بن شداد من أسماء، وهذا تعليل مدفوع فقط صححه أحمد، لكنه قال إنه مخالف للأحاديث الصحيحة في الأحداد "قلت" وهو مصير منه إلى إنه يعله بالشذوذ، وذكر الأثرم أن أحمد سئل عن حديث حنظلة عن سالم
[ ٧ / ١٥٢ ]
أبواب غسل الميت
(١) باب من بليه ورفقه به وستره عليه وثواب ذلك
(١١١) عن عائشة ﵂ قالت قال رسول الله صلي الله عليه وسلم من غسَّل ميتًا فأدَّى فيه الأمانة ولم يفش عليه ما يكون منه عند ذلك خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمُّه، وقال ليله أقربكم منه إن كان يعلم، فإن كان لا يعلم فمن ترون أن عنده حظًّا من ورع وأمانة
(١١٢) عن صالح أبى حجير عن معاوية بن خديج ﵁ قال وكانت له صحبة من غسل ميتًا وكفَّنه وتبعه وولى جثته رجع مغفورًا له، قال أبو عبد الرَّحمن قال أبي ليس بمرفوٍع
_________________
(١) عن ابن عمر رفعه "لا احداد فوق ثلاث" فقال هذا منكر، والمعروف عن ابن عمر من رأيه اهـ. وهذا يحتمل أن يكون لغير المعتدة فلا نكارة فيه بخلاف حديث أسماء، أفاده الحافظ
(٢) عن عائشة ﵂ (سنده) حدثنا عبد الله حدثني أبي قال ثنا أحمد بن عبد الملك قال ثنا سلام بن أبي مطيع عن جابر بن يزيد الجعفي عن عامر عن يحيي ابن الجزار عن عائشة - الحديث" (غريبة) المراد بتأدية الأمانة إما كتم ما يرى منه مما يكرهه الناس ويكون قوله "ولم يفش عطف تفسير" أو يكون المراد بتأديه الأمانة أن يغسله الغسل الذي وردت به الشريعة، لأن العلم عند حامله أمانة واستعماله في مواضعه من تأديتها فيه أن الأحق بغسل الميت من الناس الأقرب إلى الميت بشرط أن يكون؟؟؟؟؟ ص ١٥٣ بما يحتاج إليه من العلم، وقد قال بتقديم القريب على غيره الشافهية والأمام يحيي يعني أن القريب إذا لم يكن يعلم أحكام الغسل فليغسله أجنبي يعلم، ويستحب أن يكون على جانب من الورع والأمانة لأنهما يحملانه على الرأفة بالميت والاعتناء بشأنه (تخريجه) (طس) وفي إسناده جابر الجعفي ضعيف
(٣) عن صالح أبي حجير (سنده) حدثنا عبد الله حدثني أبي ثنا عفان قال ثنا حماد بن سلمة قال ثنا ثابت عن صالح أبي حجير عن معاوية بن خديج - الحديث" (غريبة) أي تولى دفنها يعني عبد الله بن الأمام أحمد رحمهما الله "وقوله ليس بمرفوع" يعني أنه موقوف على معاوية بن خديج ولم يرفعه إلى النبي ﷺ (تخريجه) لم أقف عليه بهذا اللفظ لغير الأمام أحمد وسنده جيد، وهو وإن كان
[ ٧ / ١٥٣ ]
(١١٣) ز عن أبي بن كعب ﵁ أنَّ آدم ﵇ قبضته الملائكة وغسَّلوه وكفنوه وحنطوه وحفروا له وألحدوا له وصلوا عليه، ثمَّ دخلوا قبره فوضعوه في قبره ووضعوا عليه اللبن ثمَّ خرجوا من القبر ثمَّ حثوا عليه التُّراب، ثم قالوا يا بني آدم هذه سنتكم
(١١٤) عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال لا يستر عبد عبدًا في الدُّنيا إلا ستره الله يوم القيامة
_________________
(١) موقوفا كما قال الأمام احمد ﵀، لكن له حكم الرفع لأن مله لا يقال بالرأي، والله أعلم
(٢) ز (عن أبي بن كعب) هذا طرف من حديث سيأتي بتمامه وسنده في باب وفاة آدم عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام من كتاب خلق العالم (غريبة) بكسر الباء ما يعمل من الطين ويبني به، الواحدة لبنه (٢) يعني أن الغسل والكفن والحنوط والصلاة على الميت والدفن هي الطريقة المتبعة في آدم وبنية، وقد استمرت إلى وقتنا هذا (تخريجه) (ك) وقال صحيح الاسناد ولم يخرجاه، قال وهو من النوع الذي لا يوجد للتابعي إلا الراوي الواحد فان عتى بن ضمرة السعدى ليس له راو غير الحسن وعندي أن الشيخين عللاه بعلة أخرى، وهو أنه روي عن الحسن عن أبي دون ذكر عتى اهـ (قلت) وقال الذهبي لم يخرجاه لأن عتى بن ضمرة لم يرو عنه غير الحسن وله علة اهـ
(٣) عن أبي هريرة (سنده) حدثنا عبد الله حدثني أبي ثنا عفان ثنا وهيب حدثنا سهيل عن أبيه عن أبي هريرة - الحديث" (تخريجه) (م. وغيره) (الأحكام) في أحاديث الباب دليل على أن أولى الناس بغسل الميت أقربهم إليه إن كان يعلم ما يلزم لذلك (وبه قالت الشافعية والأمام يحيي) فان لم يكن يعلم فليتخيروا من الناس من يكون أمينا ذا ورع ودين كما ورد في أحاديث الباب، ولما روى عن ابن عمر أنه قال " لا يغسل موتاكم إلا المأمونون" أخرجه ابن ماجه وسنده ضعيف، ولأنه إذا لم يكن أمينًا لم نأمن أن لا يستوفى الغسل، وربما ستر ما يظهر من جميل أو يظهر ما يرى من قبيح، ولهذا (ذهبت الهادوية) إلى اشتراط العدالة في الغاسل (وخالفهم الجمهور) قال الشوكاني فان صح هذا الحديث فذاك، وإلا فالظاهر عدم اختصاص هذه القربة بمن ليس فاسقا لأنه مكلف بالتكاليف، وغسل الميت من جملتها، والإلزم عدم صحة كل تكليف شرعي منه، وهو خلاف الأجماع؛ ودعوى صحة بعضها دون بعض بغير دليل تحكم، وقد حكى المهدي في البحر
[ ٧ / ١٥٤ ]
الإجماع على أن غسل الميت واجب على الكفاية، وكذلك حكى الأجماع النووي وناقش دعوى الأجماع صاحب ضوء النهار مناقشة واهية (حاصلها) أنه لا مستند له إلا أحاديث الفعل وهي لا تفيد الوجوب، وأحاديث الأمر بغسل الذي وقصته ناقته (قلت هذا الحديث رواه مسلم والنسائي وابن حبان والأمام أحمد، وسيأتي في الباب الأخير من أبواب الكفن وفظه عند الأمام أحمد عن ابن عباس ﵄ أن رجلا كان مع النبي ﷺ فوقصته ناقته وهو محرم فمات، فقال رسول الله ﷺ اغسلوه بماء وسدر وكفنوه في ثوبيه ولا تمسوه بطيب ولا تخمروا رأسه فانه يبعث يوم القيامة ملبيا - متفق على صحته) قال والأمر بغسل ابنته ﷺ، والأمر مختلف في كونه للوجوب أو للندب؛ ورد كلامه بأنه أن ثبت الاجماع على الوجوب فلا يضر جهل المستند، ويرد أيضا بأن الاختلاف في كون الأمر للوجوب لا يستلزم الاختلاف في كل مأمور به، لأنه ربما شهدت لبعض الأوامر قرائن يستفاد منها وجوبه، وهذا مما لا يخالف فيه القائل بأن الأمر ليس للوجوب لأن محل الخلاف الأمر المجرد كما تقرر في الأصول. نعم قال في الفتح وقد نقل النووي الأجماع على أن غسل الميت فرض كفاية وهو ذهول شديد، فان الخلاف مشهور جدًا عند المالكية، ابن العربي على من لم يقل بذلك، وقال قد توارد به القول والعمل اهـ. وهكذا فليكن التعقب لدءوى الأجماع اهـ. ما نقله للشوكاني (وفي أحاديث الباب أيضا) ثواب عظيم وفضل جسيم لمن غسل ميتا وكفنه وتبعه وأدخله قبره احتسابا لوجه الله تعالى لماروى الشيخان أيضا والأربعة والأمام أحمد، وسيأتي في بابا فضل الصلاة على الميت عن أبي هريرة قال قال رسول الله ﷺ "من صلى على جنازة فله قيراط وءن انتظر حتى يفرغ منها فله قيراطان، قالوا يا رسول الله وما القيراطان؟ قال مثل الجبلين العظيمين" (وفيها أيضا) الترغيب في ستر عورات المسلم لما ورد في أحاديث الباب عن أبي هريرة وان لم يصرح فيه بلفظ المسلم فقد صرح به في أحاديث كثيرة أخرى، منها في حديث طويل لأبي هريرة "ومن ستر على مسلم ستره الله في الدنيا والآخرة" رواه مسلم والأمام أحمد وغيرهما (وعن أبي سعيد الخدري) ﵁ قال قال رسول الله ﷺ لا يرى مؤمن من أخيه عورة فيسترها عليه الا أدخله الله بها الجنة" رواه الطبراني في الكبير والأوسط وغير ذلك كثير، سيأتي جميعه في محله ان شاء الله تعالى، وظاهر هذه الأحاديث عدم الفرق بين الحي والميت، فيدخل في عمومه ستر ما يراه الغاسل ونحوه من الميت وكراهة افشائه والتحدث به، وايضا قد صح ان الغيبة عي ذكرك لأخيك بما يكره، ولا فرق بين الاخ الحي والميت، ولا شك ان الميت يكره ان يذكر بشيء من عيوبه التي تظهر حال موته فيكون على
[ ٧ / ١٥٥ ]
(٢) باب ما جاء في غسل أحد الزوجين للآخر
(١١٥) عن عائشة ﵂ قالت دخل علىَّ رسول الله ﷺ في اليوم الذي بدى فيه فقلت وا رأساه، فقال وددت أنَّ ذلك كان وأنا حي فهيُّأتك ودفنتك (وعنها من طريق ثان بنحوه وفيه) قال ما ضرَّك لو متّ قبلي فغسَّلتك وكفَّنتك، ثم صليت عليك ودفنتك
(١١٦) عن يحيي بن عباَّد بن عبد الله بن الزبُّير عن أبيه عن عائشة
_________________
(١) هذا ذكرها محرما "وفيها غير ذلك" والله أعلم
(٢) عن عائشة ﵂ (سنده) حدثنا عبد الله حدثني أبي ثنا يزيد أنا ابراهيم بن سمد عن صالح بن كيسان عن الزهري عن عروة عن عائشة - الحديث" (غريبة) (١) أي الذي ظهر فيه وجعه الذي توفي فيه (٧) يريد أنها لو ماتت وهو ﷺ حي لتولى ما يلزم لها بنفسه من غسل وكفن ودفن ونحو ذلك كما يستفاد ذلك من الطريق الثانية (سنده) حدثنا عبد الله حدثني أبي ثنا محمد بن سلمة عن محمد ابن إسحاق عن يعقوب بن عتبة عن الزهري عن عبيد الله بن عبد الله عن عائشة ﵂ قال رجع إلى رسول اللله ﷺ ذات يوم من جنازة بالبقيع وأنا أجد صداعًا في رأسي وأنا أقول وا رأساه، قال بل أنا وا رأساه، قال ما ضرك لو مت قبلي - الحديث" وقد اقتصرت من هذا الحديث على ما يناسب ترجمة الباب؛ وسيأتي كاملا بطريقية في باب مرضه ﷺ الذي توفي فيه من كتاب الشيرة النبوية ان شاء الله تعالى (٤) بضم الميم وكسرها لفتان مشهورتان (تخريجه) أخرج الطريق الأولى من النسائي وسندها جيد، وأخرج الطريق الثانية منه (حب. قط. مي. هق) وفي إسناده محمد بن إسحاق مدلس وقد عنعن، والمدلس إذا عنعن لا يحتج بحديثه وإن كان ثقة، وبه أعله البيهقي، لكن قال الحافظ في التلخيص ولم ينفرد به بل تابعه عليه صالح بن كيسان عند أحمد والنسائي (قلت يعني الطريق الأولى منه) قال وأنا ابن الجوزي فقال: لم يقل غسلتك إلا ابن اسحاق، وأصل الحديث عند البخاري بلفظ "ذاك لو كان وأنا حي فأستغفر لك وأدعو لك
(٣) (عن يحيي بن عباد) هذا طرف من أثر طويل ذكرته عائشة ﵂ وسيأتي بتمامة في غسل النبي ﷺ بعد وفاته، واقتصرت على هذا الطرف منه لمناسبة
[ ٧ / ١٥٦ ]
زوج النبي ﷺ أنها كانت تقول لو استقبلت من الأمر ما استدبرت ما غسَّل رسول الله صلَّى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلُّم إلا نساؤه
_________________
(١) ترجمة الباب وسنجه جيد، ورواه أيضا أبو داود وسكت عنه هو والمنذري (الأحكام) حديث عائشة بطريقيه يدل على أن للزوج أن يغسل زوجته إذا ماتت وهي تعغسله قياسا على ذلك (وحكى ابن قدامة في المغني) عن ابن المنذر أن قال: أجمع أهل العلم على أن المرأة تغسل زوجها إذا مات (قالت عائشة) "لو استقبلنا من أمرنا ما استدبرنا ما غسل رسول الله ﷺ إلا نساؤه" رواه أبو داود، وأوصى أبو بكر ﵁ أن تغسله امرأته أسماء بنت عميس وكانت صائمة فعزم عليها أن تفطر، فلما فرغت من غسله ذكرت يمينه فقالت لا أتبعه اليوم حنئا، فدمت بماء فشربت، وغسل أبو موسى امرأته أم عبد الله، وأوصى جابر بن زيد أن تغسله امرأته، قال أحمد ليس فيه اختلاف بين الناس (قال) والمشهور عن أحمد أن الزوج غسل امرأته وهو قول علقمة وعبد الرحمن بن يزيد ابن الأسود وجابر بن زيد وسليمان بن يسار وأبي سلمة بن عبد الرحمن وقتادة وحماد ومالك والأوزاعي والشافعي واسحاق (وعن أحمد) رواية ثانية ليس للزوج غسلها، وهو قول (أبي حنيفة والنوري) لأن الموت فرقة تبيح أختها وأربعا سواها، فحرم اللمس والنظر كالطلاق (قال) ولنا ما روى ابن المنذر أ، عليا ﵁ غسل فاطمة ﵁ واشتهر ذلك في الصحابة فلم ينكروه فكان إجماعا (قلت حديث غسل علي لفاطمة ﵄ - رواه الأمام الشافعي والدار قطنى وأبو نعيم والبيهقي وحسنه الحافظ في التلخيص) (قال) ولأن النبي ﷺ قال لعائشة ﵂، لو مت قبلي لغسلتك وكفنتك رواه ابن ماجه، والأصل في إضافة الفعل إلى الشخص أن يكون للمباشرة، وحمله على الأمر يبطل فائدة التخصيص، ولأنه أحد الزوجين فأبيح له غسل صاحبه كاآخر، والمعنى فيه أن كل واحد من الزوجين يسهل عليه اطلاع الآخر على عورته دون غيره لما كان بينهما في الحياة، ويأتي بالغسل على أكمل ما يمكنه لما بينهما من المودة والرحمة، وما قاسوا عليه لا يصح، لأنه يمنع الزوجة من النظر وهذا بخلافه، ولأنه لا فرق بين للزوجين الا بقاء العدة ولا أثر لها اهـ. "وفي أثر عائشة: لو استقبلت من الأمر ما استدبرت الخ" متمسك لمذهب الجمهور اهـ (قال الشوكاني) ولكنه لا يدل على عدم جواز غسل الجنس لجنسه مع وجود الزوجة، ولا على أنها أولى من الرجال، لأنه قول صحابيه ولا حجة فيه؛ وقد تولى غسله ﷺ علي والفضل بن العباس، وأسامة بن زيد يناوله الماء، والعباس واقف (قال ابن دحية) لم يختلف في أن الذين غسلوه ﷺ علي والفضل، واختلف في العباس وأسامة وقثم وشقران
[ ٧ / ١٥٧ ]
(٣) باب ترك غسل الشهيد وما جاء فيه
(١١٧) عن جابر بن عبد الله ﵄ قال لَّما كان يوم أحد أشرف النبيُّ ﷺ على الشُّهداء الذين قتلوا يومئذٍ، فقال زمّلوهم بدمائهم فإنّى قد شهدت عليهم، فكان يدفن الرَّجلان والثلَّاثة في القبر الواحد ويسأل أيهم كان أقرأ للقرآن فيقدّمونه، قال جابر فدفن أبى وعمى يومئذ في قبر واحدٍ
(١١٨) عن عبد الله بن ثعلبة بن صعير قال لَّما أشرف رسول الله ﷺ على قتلى أحد قال أشهد على هؤلاء، ما من مجروح جرح في الله ﷿ غلا بعثه الله يوم القيامة وجرحه بدمي، اللون لون الدم والريّح ريح المسك
_________________
(١) وقد استوفى صاحب التلخيص الطرق في ذلك؛ ولم نقل الينا أن أحدا من الصحابة أنكر ذلك فكان إجماعا منهم (وروى البزار) من طريق يزيد بن بلال قال قال علي أوصى النبي ﷺ أن لا يغسله أحد غيري (وروى ابن المنذر) عن أبي بكر ﵁ أنه أمرهم أن يغسل النبي ﷺ بنو أبيه وخرج من عندهم اهـ.
(٢) عن جابر بن عبد الله (سنده) حدثنا عبد الله حدثني أبي ثنا عبد الرزاق ثنا معمر عن الزهري عن ابن أبي صعير عن جابر بن عبد الله - الحديث" (غريبة) (١) أي لفوهم في ثيابهم بدمائهم، يقال تزمل بثوبه إذا التف فيه (٢) فعلوا ذلك لكثرة القتلى في وقعة أحد وإن كان الأفضل انفراد كل واحد بقبر (٣) فيه استحباب من كان أكثر قرآنًا، ومثله سائر أنواع الفضائل قياسًا (تخريجه) (خ. نس. جه. مذ) ولفظ البخاري عن جابر بن عبد الله ﵄ " قال النبي ﷺ يجمع بين الرجلين من قتلى أحد في ثوب واحد، ثم يقول أيهم أكثر أخذ للقرآن، فاذا أشير إلى أحدهما قدمه في اللحد وقال أنا شهيد على هؤلاء يوم القيامة وامر بدفنهم في دمائهم ولم يغسلوا ولم يصل عليهم"
(٣) عن عبد الله بن ثعلبة (سنده) حدثنا عبد الله حدثني أبي ثنا يزيد بن هرون أبا محمد بن إسحاق عن الزهري عن عبد الله بن ثعلبة بن صعير - الحديث" (غريبة) (٤) قال الحافظ في التقريب: عبد الله بن ثعلبة بن صعير بالمهملتين
[ ٧ / ١٥٨ ]
أنظروا أكثرهم جمعًا للقرآن فقدّموه أمامهم في القبر
(١١٩) عن جابر بن عبد الله ﵄ عن النبّي صلَّى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلَّم أنَّه قال في قتلى أحد لا تغسَّلوهم، فإنَّ كل جرٍح أو كلَّ دم يفوح مسكًا يوم القيامة، ولم يصلّ عليهم
(١٢٠) ز عن إبراهيم بن عبد الله بن فروخ عن أبيه قال شهدت عثمان بن عفان ﵁ دفن في ثيابه بدمائه ولم يغسَّل
_________________
(١) مصغرا، ويقال ابن أبي صعير له رواية ولم يثبت له سماع مات سنة سبع أو تسع وثمانين وقد قارب التسعين اهـ (تخريجه) لم أقف عليه لغير الامام أحمد ولا مطعن فيه ويؤيده ما رواه (ق. لك. نس. مذ) والأمام أحمد وسيأتي في باب فضل الشهداء من كتاب الجهاد عن أبي هريرة ﵁ قال قال رسول الله ﷺ (ما من ملكوم يكلم في سبيل الله الا جاء يوم القيامة وكلمة تدمى؛ اللون لون دم والريح ريح مسك "وفي رواية" كل كلم يكلم في سبيل الله يكون يوم القيامة كهيئتها يوم طعنت تفجر دماء اللون لون دم والعرف عرف مسك)
(٢) عن جابر بن عبد الله (سنده) حدثنا عبد الله حدثني ابي ثنا محمد يعني ابن جعفر ثنا شعبة سمعت عبد ربه يحدث عن الزهري عن ابن جابر عن جابر بن عبد الله - الحديث" (غريبة) (١) الحكمة في عدم غسلهم بقاء الدم ورائحته لأنهما أثر طاعة كما ورد في عدم السواك للصائم لبقاء رائحة الخلوف لانها اطيب عند الله من رائحة المسك فكذلك ما هنا، والحكمة في عدم الصلاة عليهم شهادة النبي ﷺ لهم فحسب (تخريجه) (خ. د. مذ. جه. هق) بمعنها لا بلفظه
(٣) ز عن ابراهيم بن عبد الله بن فروخ (سنده) حدثنا عبد الله حدثني أبي ثنا صريح بن يونس ثنا محبوب بن محرز عن ابراهيم بن عبد الله بن فروخ عن أبيه - الحديث" (تخريجه) لم أقف على هذا الأثر لغير الأمام أحمد وسنده جيد (وفي الباب) عن سعيد بن عبيد وكان يدعى في زمن النبي ﷺ القارى، وكان له عدو فانهزم منهم، فقال له عمر: هل لك في الشام لعل الله أن يمن عليك؟ قال لا، إلا العدو الذي فررت منهم، قال فخطبهم بالفارسية فقال إنا لاقو العدو إن شاء الله غدًا، وإنا مستشهدون فلا تغسلوا عنا دما ولا نكفن إلا في ثوب كان علينا، رواه الطبراني في الكبير ورجاله رجال
[ ٧ / ١٥٩ ]
الصحيح (وعن ابن عباس ﵄) قال أصيب حمزة بن عبد المطلب وحنظله بن الراهب وهما جنب فقال رسول الله ﷺ رأيت الملائكة تغسلها - رواه الطبراني في الكبير وسنده حسن "وروى محمد بن إسحاق" في المغازي باسناده عن عاصم بن عمر بن قتاده عن محمود بن لبيد أن النبي ﷺ قال "إن صاحبكم لتغسله الملائكة: يعني حنظلة" فسألوا أهله ما شأنه فسئلت صاحبته (أي زوجته) فقالت خرج وهو جنب حين سمع الهالعة، فقال رسول الله ﷺ لذلك غسلته الملائكة "والهائعة هي الصوت الشديد" (وأخرجه أيضا) ابن حبان في صحيحه والحاكم والبيهقي من حديث ابن الزبير والحاكم في الاكليل من حديث ابن عباس بأسناد ضعيف (وعن أبي سلام) عن رجل من أصحاب النبي ﷺ قال أغرنا على حى من جهينة، فطلب رجل من المسلمين رجلا منهم فضربه فأخطأه وأصاب نفسه، فقال رسول الله ﷺ أخوكم يا معشر المسلمين! فابتدره الناس فوجدوه قد مات فلفه رسول الله ﷺ بثيابه ودمائه وصلى عليه ودفنه، فقالوا يار رسول الله أشهيد هو؟ قال نعم وأنا له شهيد، رواه أبو داود وسكت عنه هو والمنذري، وفي إسناده سلام بن أبي سلام وهو مجهول لكن قال أبو داود بعد إخراجه عن سلام المذكور إنما هو عن زيد بن سلام عن جده أبى سلام اهـ. وزيد ثقة قاله الشوكاني (الأحكام) أحاديث الباب تدل على جملة مسائل (منها) أن الشهيد يدفن بثيابه ولا يغسل ولا يصلى عليه (ومنها) جواز دفن الرجلين والثلاثة في القبر الواحد (ومنها) أن الشهيد له فضل عظيم وثواب جسيم حتى أن ريح دمه يكون أطيب عند الله تعالى يوم القيامة من ريح المسك (ومما ذكرنا في الشرح) ما يدل على أن من أراد قتل كافر في الجهاد فأصاب نفسه خطأ فمات يكون له حكم الشهيد في دفنه بثيابه وعدم غسله والصلاة عليه (ومنها) أن من مات جنبا من المجاهدين غسلته الملائكة (وقد اختلف العلماء) في بعض مسائل هذا الباب فذكر النووى ﵀ أن مذهب الشافعية تحريم غسل الشهيد والصلاة عليه، قال وبه قال جمهور العلماء، وهو قول عطاء والنخعي وسليمان ابن موسى ويحيي الأنصاري والحاكم وحماد والليث ومالك وتابعوه من أهل المدينة وأحمد واسحاق وأبو ثور وابن المنذر (وقال سعيد بن المسيب) والحسن البصرى يغسل ويصلى عليه (وقال أبو حنيفة) والثورى والمزني يصلى عليه ولا يغسل، واحتج لأبى حنيفة بأحاديث أن النبي ﷺ صلى على قتلى أحد وصلى على حمزة صلوات (ومنها) رواية أبي مالك الغفاري ﵁ أن النبي ﷺ صلى على قتلى أحد عشرة عشرة في كل عشرة حمزة حتى صلى عليه سبعين صلاة - رواه أبو دواد في المراسيل (وعن شداد بن الهاد)
[ ٧ / ١٦٠ ]
أن رجلا من الأعراب جاء إلى النبي ﷺ فآمن به واتبعه وذكر الحديث بطوله - وفيه أنه استشهد فصلى عليه النبي ﷺ، رواه النسائي (وعن عقبة بن عامر) ﵁ أن النبي ﷺ خرج فصلى على قتلى أحد صلاته على الميت - رواه البخاري ومسلم - وفي رواية للبخاري صلى عليهم بعد ثمان سنين كالمودع للأحياء والأموات (واحتج أصحابنا) بحديث جابر أن النبي ﷺ أمر في قتلى أحد بدفنهم وبدمائهم ولم يصل عليهم ولم يغسلوا رواه البخاري (وعن جابر) أيضا أن النبي ﷺ قال في قتلى أحد لا تغسلوهم فان كل جرح أو كل دم يفوح مسكا يوم القيامة ولم يصل عليهم - رواه الأمام أحمد (وعن أنس) ﵁ أن شهداء أحد لم يغسلوا ودفنوا بدمائهم ولم يصل عليهم، رواه أبو داود باسناد حسن أو صحيح (وأما الأحاديث) التي احتج بها القائلون بالصلاة، فاتفق أهل الحديث على ضعفها كلها إلا حديث عقبة بن عامر، والضعف فيها بين (قال البيهقي) وغيره، وأقرب ما روى حديث أبي مالك وهو مرسل، وكذا حديث شداد مرسل أيضا، فانهما تابعان (وأما حديث عقبة) فأجاب أصحابنا وغيرهم بأن المراد من الصلاة هنا الدعاء وقوله "صلاته على الميت" أي دعا لهم كدعاء صلاة الميت؛ وهذا التأويل لابد منه، وليس المراد صلاة الجنازة المعروفة لما أخرها ثمان سنين (ودليل آخر) وهو أنه لا يجوز أن يكون المراد صلاة الجنازة بالجماع لأن عندنا لا يصلى على الشهيد (وعند أبى حنيفة) ﵀ لا يصلى على القبر بعد ثلاثة أيام فوجب تأويل الحديث، ولأن أبا حنيفة لا يقبل خبر الواحد فيما تعم به البلوى وهذا منها. والله اعلم (فان قيل) ما ذكرتموه من حديث جابر لا يحتج به لأنه نفى، وشهادة النفى مردودة مع ما عارضها من رواية الأثبات (فأجاب) أصحابنا بأن شهادة النفى إنما ترد إذا لم يحط بها علم الشاهد ولم تكن محصورة، اما ما أحاط به علمه وكان محصورا فيقبل بالاتفاق؛ وهذه قصة معينة أحاط بها جابر وغيره علما "وأما رواية الأثبات" فضعيفة فوجودها كالعدم إلا حديث عقبة وقد أجبنا عنه، واشتد انكار الشافعي في الأم وتشنيعة على من يقول يصلى على الشهيد محتجا برواية الشعبي وغيره أن حمزة ﵁ صلى عليه سبعون صلاة، وكان يؤتي بتسعة من القتلى وحمزة عاشرهم فيصلى عليهم، ثم يرفعون وحمزة مكانه، ثم يؤتى بتسعة آخرين فيصلى عليهم وعلى حمزة حتى صلى عليه سبعين صلاة (قال الشافعي ﵀) وشهداء أحد اثنان وسبعون شهيدا، فاذا صلى علىهم عشرة عشرة فالصواب أن لا يكون أكثر من سبع صلوات أو ثمان على أنه صلى على كل تسعة مع حمزة صلاة فهذه سبع، فمن أين جاءت سبعون صلاة؟ وإن عنى أنه كبر سبعين تكبيرة
[ ٧ / ١٦١ ]
فنحن وهم نقول التكبير أربع فهى ست وثلاثون تكبيرة (قال الشافعي ﵀) ينبغي لمن روى هذا الحديث أن يستحي على نفسه، وقد كان ينبغي له أن لا يعارض به الأحاديث فقد جاءت من وجوه متواترة أن النبي ﷺ لم يصل عليهم، هذه آخر كلام الشافعي ﵀ (وقال إمام الحرمين) في الأساليب معتمدنا في المسألة الأحاديث الصحيحة أنه لم يصل عليهم ولم يغسلوا (وأما) ما ذكروه من صلاة النبي ﷺ على شهداء أحد فحطًا لم يصححه الأئمة، لأنهم رووا أنه كان يؤتي بعشرة عشرة وحمزة أحدهم فصلى على حمزة سبعين صلاه، وذا غلط ظاهر لأن الشهداء سبعون، وإنما يخص حمزة سبعين صلاة لو كانوا سبعمائه، ثم عند أبي حنيفة ﵀ إذا صلى على الميت لم يصل عليه مرة أخرى وبالاتفاق منا ومنه فن من صلى مرة لا يصلى هو ثاتنية، ولأن الغسل لا يجوز عندنا وعندهم، وهو شرط في الصلاة على عير الشهداء فوجب أن لا تجوز الصلاة على الشهي بلا غسل (فان قالوا) سبب ترك الغسل بقاء أثر الشهادة لقوله ﷺ زملوهم بكلومهم، فظهر سبب ترك الغسل وبقيت الصلاة مشروعة كما كانت (فالجواب) أنه لو كان المعتبر بقاء الدم لوجب أن يغسل من قتل في المعترك خنقا أو بمنقل ولم يظهر دم، ولأنه لو كان المراد بقاء الدم لميم، قال وليس معنى الحديث ترك الغسل بسبب، وإنما المراد نفى توهم من يظن أن الغسل متعين لازالة الأذى فقال ﷺ "زملوهم وادفنوهم بدمائهم ولا تهتموا بازالتها عنهم ظنهم يبعثون يوم القيامة وعليهم الدماء، قال والذي يوضح هذا أنا نقطع بأن النبي ﷺ لم يرد أن الدماء التي يدفنون بها تبقى إلى يوم القيامة، فثبت بما ذكرناه بطلان قولهم إن ترك الغسل للدم، فيجب ان يقال الشهادة تطهير للمقتول عن الذنوب فيغنى عن التطهير بالماء، وهذا يقتضى ترك الصلاة ايضا فانها شرعت لتطهيره بشفاعة المصلين (فان قيل) الصبي طاهر ويصلى عليه (قلنا) الشهادة امر طارئ يقتضى رتبة عظيمة وتمحيصًا، فلا يبعد ان يقال انه مغن عن الغسل والصلاة، والصبي وإن لم يكن مكلفًا فلم يطرأ عليه ما يقتضي مرتبه اهـ (وقد ذكر الأمام النووى أيضًا جملة فروع في مذاهب الأئمة في مسائل تتعلق بالباب) (الأول منها في مذاهبهم في الصبى إذا استشهد (قال ﵀ مذهبنا أنه لا يغسل ولا يصلى عليه، وبه قال الجمهور، وحكاه العبدرى عن أكثر الفقهاء، منهم (مالك وأبو يوسف ومحمد وأحمد) وحكاه ابن المنذر عن أبي ثور واختاره (وقال أبو حنيفة) يغسل ويصلى عليه، دليلنا أنه مسلم قتل في معترك المشركين بسبب قتالهم فأشبه البالغ والمرأة، فأن احتج بأنه لا ذنب له، قلنا يغسل ويصلى عليه في غير المعترك وإن لم يكن من أهل الذئب (الثاني) إذا رفسته دابة في حرب المشركين أو عاد عليه سلاحه أو تردى من جبل أو في بئر في حال
[ ٧ / ١٦٢ ]
مطاردته، فقد ذكرنا أن مذهبنا أنه لا يغسل ولا يصلى عليه، وكذا لو وجد ميتا ولا أثر عليه (وقال مالك وأبو حنيفة وأحمد) بغسل ويصلى عليه، دليلنا ما سبق في الفرع قبله (الثالث) في مذاهبهم في كفن الشهيد، مذهبنا أنه يزال ما عليه من حديد وجلود وجبة محشوة، وكل ما ليس من عام لباس الناس، ثم وليه بالخيار ان شاء كفنه بما بقى عليه مما هو من عام لباس الناس، وان شاء نزعه وكفنه بغيره، وتركه أفضل كما سبق (وقال مالك وأحمد) لا ينزع عنه فرو ولا خف ولا محشو ولا يخير وليه في نزع شيء (ولأصحاب داود) خلاف كالمذهبين (وأجمع العلماء) على أن الحديد والجلود ينزع عنه وسبق دليلنا والأحاديث الواردة في ذلك (قلت) يعني حديث ابن عباس قال "أمر النبي ﷺ بقتلى أحد أن ينزع عنهم الحديد والجلود وأن يدفنوا بدمائهم وثيابهم" رواه أبو داود والأمام أحمد وسيأتي، وفي اسناده على بن عاصم وقد تكلم فيه جماعة (الرابع) المقتول ظلما في البلد بحديدًا وغيره يغسل ويصلى عليه عندنا (وبه قال مالك وأحمد) وقال أبو حنيفة وصاحباه إذا قتل بحديدة صلى عليه ولم يغسل، دليلنا القياس على القتل بمثقل أجعنا أنه يغسل ويصلى عليه (وقال ابن سريج وابن أبى هريرة) يغسل ولا يصلى عليه، وسبق دليل الجميع (الخامس) اذا انكشف الحرب عن قتيل مسلم لم يغسل ولم يصل عليه عندنا سواء أكان به أثر أم لا (وبه قال مالك، وقال أبو حنيفة وأحمد) إن لم يكن به أثر غسل وصلى عليه (السادس) مذهبنا الصلاة على المقتول من البغاة وبه قال (أحمد وداود) وقال أبو حنيفة لا يغسلون ولا يصلى عليهم (وقال مالك) لا يصلى عليهم الأمام وأهل الفضل (السابع) إذا قتلت البغاة رجلا من أهل العدل فالأصح عندنا أنه يجب غسله والصلاة عليه، وبه قال (مالك) وقال أبو حنيفة لا يغسل ولا يصلى عليه (وعن أحمد) روايتان كالمذهبين (الثامن) القتيل بحق في حد زنا أو قصاص يغسل ويصلى عليه عندنا وذلك واجب، وحكاه ابن المنذر عن على بن أبي طالب وجابر بن عبد الله وعطاء والنخعي والأوزاعى واسحاق وأبى ثور واصحاب الرأى (وقال الزهري) يصلى على المقتول قصاصا دون المرحوم (وقال مالم) ﵀ لا يصلى الأمام على واحد منهما وتصلى عليه الرعية (التاسع) من قتل نفسه أو غل في الغنيمة يغسل ويصلى عليه عندنا، وبه قال (أبو حنيفة ومالك وداود) وقال أحمد لا يصلى عليهما الأمام وتصلى بقية الناس (العاشر) مذهبنا وجوب غسل ولد الزنا والصلاة عليه، وبه قال (جمهور العلماء) وحكاه ابن المنذر عن أكثر العلماء، قال وبه قال النخعى والزهرى (ومالك وأحمد واسحاق) وقال قتادة لا يصلى عليه انتهى
[ ٧ / ١٦٣ ]
(٤) باب صفة غسل الميت
(١٢١) حدثنا عبد الله حدثَّني أبي حدثَّنا إسماعيل أنا أيوب عن محمد عن أمَّ عطية ﵂ قالت أتانا رسول الله ﷺ ونحن نغسّل أبنته ﵍ فقال أغسلنها ثلاثًا أو خمسًا أو أكثر من ذلك إن رأيتنَّ ذلك بماء وسدرٍ واجعلن في الآخرة كافورًا أو شيئًا من كافورٍ
_________________
(١) حدثنا عبد الله (غريبة) (١) في رواية عند الشيخين دخل علينا رسول الله ﷺ حين توفت ابنته فقال اغسلنها الخ (قال الحافظ) ويجمع بينهما بأن المراد به دخل حين شرع النسوة في الغسل، وابنته المذكورة هي زينب زوج أبي العاص بن الربيع كما في مسلم (وقال الداودى) انها أم كلثوم زوج عثمان، ويدل عليه ما أخرجه ابن ماجه بأسناد على شرط الشيخين ولفظه "دخل علينا ونحن نغسل ابنته أم كلثوم" وكذا وقع لابن بشكوال في المبهمات عن أن عطية والدولابى في الذرية الطاهرة (قال الحافظ) فيمكن ترجيح أنها أم كلثوم بمجيئه من طرق متعددة، ويمكن الجمع بأن تكون أم عطية حضرتهما جميعًا، فقد جزم ان عبد البر ترجمتها بأنها كانت غاسلة الميتات اهـ (٢) هو وما بعده بكسر الكاف خطاب لأم عطية "وقوله إن رأيتن ذلك" فيه دليل على التفويض إلى اجتهاد الغاسل ويكون ذلك بحسب الحاجة لا التشهى كما قال الحافظ، قال ابن المنذر إنما فوض الرأى اليهن بالشرط المذكور وهو الأيتار (٣) السدر ورق النبق، قال الزين بن المنير: ظاهرة أن السدر يخلط في كل مرة من مرات الغسل، لأن قوله بماء وسدر تعاق بقوله اغسلنها، قال وهو مشعر بأن غسل الميت للتنظيف لا للتطهير لأن الماء المضاف لا يتطهر به، وتعقبه الحافظ يمنع لزوم مصير الماء مضافا بذلك لاحتمال أن لا يغير السدر وصف الماء بأن يمعك بالسدر ثم يغسل بالماء في كل مرة فان لفظ الخبر لا يأبى ذلك (٤) "أو" في قوله أو شيئا من كافور للشك من الراوى (قال الحافظ) الأول محمول على الثاني لأنه نكرة في سياق الأثبات فصدق بكل سيء منه، وقد جزم البخاري في رواية باللفظ الأول، وظاهره أنه يجعل الكافور في الماء (وبه قال الجمهور، وقال النخعى والكوفيون) إنما يجعل الكافور في الحنوط، والحكمة في الكافور كونه طيب الرائحة وذلك وقت تحضر فيه الملائكة، وفيه أيضا تبريد وقوة نفوذ وخاصة في تصلب بدن الميت وطرد الهوام عنه وردع ما يتحلل من الفضلات ومنع إسراع الفساد إليه، وإذا عدم قام غيره مقامه مما فيه هذه الخواص أو بعضها
[ ٧ / ١٦٤ ]
فإذا فرغتن فآذنَّني قالت فلمَّا فرغنا آذنَّاه، فألقى إلينا حقوه وقال أشعرنها إيَّاه، قال وقالت حفصة قال اغسلنا وترًا ثلاثًا أو خمسا أو سبعًا، قال وقالت أم عطيَّة مشطناها ثلاثة قرون (زادت في رواية) وألقينا خلفها قرنيها وناصيتها
(١٢٢) عن قتادة قال أخذ ابن سيرين غسله عن أم عطيَّة قالت غسَّلنا ابنة رسول الله صلًّى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلَّم فأمرنا أن نغسّلها
_________________
(١) أي أعلمنني (٢) قال الحافظ بفتح المهملة ويجوز كسرها وهي لغة هذيل بعدها قاف ساكنة، والمراد هنا الأزاز كما وقع مفسرًا في آخر الرواية "يعنى عند البخارى" ولفظه "فقال اشعرنها إياه يعنى ازازه" قال والحقوا في الأصل معقد الأزار، وأطلق على الأزار مجازا (وفي رواية للبخارى) فنزع عن حقوه ازاره، والحقو على هذا حقيقة اهـ "وقوله اشعرنها ايه" أى الففنها فيه لأن الشعار ما يلى الجسد من الثياب، والمراد اجعلنه شعارًا لها (قال الحافظ) قيل الحكمة في تأخير الأزار معه إلى أن يفرغن من الغسل ولم يناولهن اياه أولا ليكون قريب العهد من جسده حتى لا يكون بين انتقاله من جسده إلى جسدها فاصل، وهو أصل في التبرك بآثار الصالحين، وفيه جواز تكفين المرأة في ثوب الرجل، وقد نقل ابن بطال الاتفاق على ذلك اهـ (٣) أى محمد بن سيرين الراوى عن أم عطية قال في رواية أخرى عن أخته حفصة بنت سيرين عن أم عطية أن رسول الله ﷺ قال اغسلنها وترا الخ. وقد استدل به على أن أقل الوتر ثلاث (قال الحافظ) ولا دلالة فيه لأنه سبق مساق البيان للمراد، اذ لو أطلق لتناول الواحدة فما فوقها (٤) أى سرحنا شعرها بالمشط وضفرناه ثلاث ضفائر "وفي رواية للبخارى" بسنده عن حفصة بنت سيرين قالت حدثتنا أم عطية ﵂ أنهن جعلن رأس بنت رسول الله ﷺ ثلاثة قرون نقضنه ثم غسلنه ثم جعلنه ثلاثة قرون (قال الحافظ) وفائدة النقض تبليغ الماء البشرة وتنظيف الشعر من الأوساخ (٥) أى جعلنا قرناها ضفيرتين وناصيتها ضفيرة، والمراد بقرنيها جانبا رأسها وبالناصية مقدم رأسها، وقد جاء في رواية لأبى داود ما يبين ذلك عن أم عطية قالت وضفرنا رأسها ثلاثة قرون، ثم ألقيناها خلفها، مقدم رأسها وقرنيها (تخريجه) (ق. هق. والأربعة)
(٢) عن قتاده (سنده) حدثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا عفان ثنا همام
[ ٧ / ١٦٥ ]
بالسّدر ثلاثًا فإن أنجت وإلاَّ فخمسًا، فإن أنجت وإلاَّ فأكثر من ذلك قالت فرأينا أن أكثر من ذلك سبع
(١٢٣) عن أمَّ عطيَّة ﵃ أنَّ رسول الله ﷺ قال لهم في غسل ابنته ابدأن بميامنها ومواضع الوضوء منها
_________________
(١) عن قتادة - الحديث" (غريبة) (١) تقدم أن السدر هو ورق النبق فيحتمل أن النبى ﷺ خص السدر بالذكر لمز به فيه أو لعدم وجود ما يقوم مقامه في ذاك الوقت كالصابون ونحوه، لكن قال النوى رجمه الله، فيه دليل على استحباب السدر في غسل الميت وهو متفق على استحبابه ويكون في المرة الواجبة (٢) أى فان أنقت الثلاث الغسلات وإلا فخمسا (قال النووى) النراد اغسلنها وترا وليكن ثلاث، فان احتجن إلى زيادة فخمسا وحاصله أن الايتار مطلوب والثلاث مأمور بها ندبا، فان حصل الانقاء بثلاث لم تشرع الرابعة وإلا زيد وترا حتى يحصل الانقاء، والواجب من ذلك مرة واحدة عامة للبدن اهـ (٣) قال الحافظ لم أر في شيء من الروايات بعد قوله سبعا التعبير بأكثر من ذلك إلا في رواية لأبى داود، وأما ما سواها فاما أو سبعًا وإما أو أكثر من ذلك، فيحتمل تفسير قوله أو أكثر من ذلك بالسبع (وبه قال أحمد) فكرة الزيادة على السبع (وقال ابن عبد البر) لا أعلم أحدًا قال بمجاوزة السبع اهـ (قلت) حديث الباب يؤيد ما ذكره الحافظ من احتمال تفسير قوله ﷺ أو أكثر من ذلك بالسبع، لأن أم عطية ﵂ رواية الحديث فسرته بذلك والصحابى أدرى بحديث رسول الله ﷺ من غيره (وقال الماوردى) الزيادة على السبع سرف (وقال ابن المنذر) بلغنى أن جسد الميت يسترخى بالماء، فلا أحب الزيادة على ذلك (تخريجه) (ق. هق. وغيرهم) (١٢٣) عن أم عطية (سنده) حدثنا عبد الله حدثنى أبى اسماعيل عن خالد عن حفصة عن أم عطية - الحديث" (غريبه) (٤) قال الحافظ ليس بين الأمرين تناف لأمكان البداءة بمواضع الوضوء؛ وكأن المصنف (يعنى البخارى) أشار بذلك (يعنى بقوله في صحيحه "باب يبدأ بميامن الميت" إلى مخالفة أبى قلابة في قوله يبدأ بالرأس ثم باللحية، قال والحكمة في الأمر بالوضوء تجديد أثر سمة المؤمنين في ظهور أثر الغرة والتحجيل اهـ: واستدل به على استحباب المضمضة والاستنشاق في غسل الميت خلافا للحنفية، بل قالوا لا يستحب وضؤوه
[ ٧ / ١٦٦ ]
أصلا (قال الحافظ) ﵀ والبداء بالميامن وبمواضع الوضوء مما زادته حفصه في روايتها عن أم عطية على أخيها محمد، وكذا المشط والضفر اهـ (تخريجه) (ق. هق. والأربعة) (وفي الباب) عن أم سليم أم أنس بن مالك ﵄ قال قال رسول الله ﷺ "اذا توفيت المرأة فأرادوا أن يغسلوها فليبدوءوا (وفي لفظ فليبدأ) ببطنها فليمسح بطنها مسحا رفيقا ان لم تكن حبلى، فان كانت حبلى فلا تحركيها، فان أردت غسلها فابدئي بسفلها فألقى على عورتها ثوبا ستيرا ثم خذي كرسفة (أي قطعة من القطن) فاغسليها فأحسني غسلها، ثم أدخلي يدك من تحت الثوب فامسحيها بكرسف ثلاث مرات فأحسنى مسحها قبل أن توضئيها، ثم وضئيها بماء فيه سدر، ولتفرغ الماء امرأة وهى قائمة لا تلى شيئا غيره حتى تنقى بالسدر وأنت تغسلين، وليل غسلها أولى الناس بها والا فامرأة ورعة مسلمة، فان كانت صغيرة أو ضعيفة فلتلها (وفي لفظ فلتغسلها) امرأة أخرى ورعة مسلمة، فاذا فرغت من غسل سفلها غسلا نقيا بسدر وماء فلتوضئها وضوء الصلاة، فهذا بيان وضوئها، ثم اغسليها بعد ذلك ثلاث مرات بماء وسدر فابدئي برأسها قبل كل شيء فأنقى كل غسلة من السدر بالماء، ولا تسرحى رأسها بمشط، فان حدث بها حدث بعد الغسلات الثلاث فاجعليها خمسا، فان حدث في الخامسة فاجعليها سبعًا، وكل ذلك فليكن وترا بماء وسدر حتى لا يريبك شيء، فان كان في جر حديد ثم أقعديها فأفرغى عليها وابدئى برأسها حتى تبلغى رجليها، فاذا فرغت منها فألقى عليها ثوبا نظيفًا، ثم أدخلى يدك من وراء الثوب فانزعيه عنها، ثم احشي سفلتها كرسفاما استطعت، ثم امسحي كرسفها من طيبها، ثم خذي سبنية (١) طويلة مغسولة فاربطيها على عجزها إلى قريب من ركبتيها، فهذا شأن سفلتها، ثم طيبيها وكفنيها واضفرى شعرها ثلاثة أقرن، قصة وقرنين ولا تشبهبها بالرجال، وليكن كفنها خمسة أثواب أحدها الأزار تلفى به فخذيها ولا تنقصى من شعرها شيئا يعنى بنورة ولا غيرها، وما يسقط من شعرها فاغسليه ثم اغرزيه في شعر رأسها، وطيبي شعر رأسها فأحسنى تطييبه، ولا تغسليها بماء مسخن وأجمريها، وما تكفنيها به سبع نبذات ان شئت واجعلى كل شيء منها زترا، هذا شأن كفنها ورأسها، وإن كانت في نعشها فاجعليه نبذة واحدة حتى يكون وترا، هذا شأن كفنها ورأسها، وإن كانت مجدورة أو محصوبة أو أشباه ذلك فخذي خرقة واسعة واغسليها بالماء واجعلى تتبعي كل شيء منها ولا تحركيها، فانى أخشى أن ينفجر منها شيء لا يستطاع رده - أورده الهيثمي وقال رواه الطبرانى في الكبير باسنادين في أحدهما ليث بن أبى سليم وهو مدلس ولكنه
_________________
(١) هي ضرب من الثياب تتخذ من مشاقة الكتان منسوبة إلى موضع بناحية المغرب يقال له سبن (نه)
[ ٧ / ١٦٧ ]
ثقة وفي الآخر جنيد وقد وثق وفيه بعض كلام اهـ (قلت) ورواه البهيقى أيضا باختلاف يسير وتقديم وتأخير فى بعض الألفاظ، وإنما ذكرته لكونه أجمع حديث يختص بالنساء فى هذا البابوالله آعلم بالصواب (الأحكام) أحاديث الباب تدل على مشروعية غسل الميت لقوله (ص) فى حديث أم عطية اغسلنها ثلاثا أو خمسا الخ. وقد ذهب جمهور العلماء إلى وجوبه، وتقدم الخلاف فى ذلك الباب السابق، قال ابن دقيق العيد، لكن قوله ثلاثا الخ ليس للوجوب على المشهور من مذاهب العلماء، فيتوقف الاستدلال به على تجويز ارادة المعنيين المختلفين بلفظ واحد، لأن قوله ثلاثا غير مستقل بنفسه فلا بد أن يكون داخلا تحت صيغة الأمر، فيراد بلفظ الأمر الوجوب بالنسبة إلى أصل الغسل والتدب بالنسبة الى الايتار اهـ (قال الشوكانى) فمن جوز ذلك جوز الاستدلال بهذا الأمر على الوجوب، ومن لم يجوزه حمل الأمر على الندب لهذه القرينه واستدل على الوجوب بدليل آخر، وقد (ذهب الكوفيون وأهل الظاهر والمزنى) إلى إيجاب الثلاث، وروى ذلك عن الحسن، وهو يرد ما حكاه فى البحر من الأجماع على أن الواجب مرة فقط اهـ (وفيها أيضا) استحباب السدر فى غسل الميت وتقدم الكلام فيه (وفيها) استحباب شئ من الكافور فى الأخيرة وهو متفق عليه عند الشافعية، وبه قال الأمامان (مالك وأحمد وجمهور العلماء) وقال (الأمام أبو حنيفة ﵀) لايستحب، وحجة الجمهور حديث الباب المذكور فيه ذلك، ولأنه يطيب الميت ويصلب بدنه ويبرده ويمنع اسراع فساده أو يتضمن اكرامه (وفيها أيضا) جواز تكفين المرأة فى ثوب الرجل (وفيها) استحباب ضفر شعر المرأة وجعله ثلاثة قرون وهى ناصيتها وقرناها أى جانبا رأسها، وبه قال الأئمة (الشافعى وأحمد واسحاق) (وقال الأوزاعى والحنيفة) إنه يرسل شعر المرأة خلفها وعلى وجهها مفرقا (قال القرطي) وكأن سبب الخلاف أن الذى فعلته أم عطية هل استندت فيه إلى النبي (ص) فيكون مرفوعا، أو هو شئ رأته ففعلته استحبابا.؟ كلا الأمرين محتمل، لكن الأصل أن يفعل فى الميت شئ من جنس القرب الا بإذن الشرع ولم يرد ذلك مرفوعا؛ كذا قال النووى رجمه الله، والظاهر النبى (ص) على ذلك واستئذانه فيه كما فى باقى صفة غسلها (وقال الحافظ) روى سعيد بن منصور فى سننه عن أم عطية أنها قالت "قال لنا رسول الله (ص) اغسلنها وترا واجعلن شعرها ضفائر" وأخرج ابن حبان فى صحيحه عن أم عطية مرفوعا بلفظ "واجعلن لها ثلاثة قرون" اهـ (قلت) وهذا يؤيد ما ذهب اليه الأولون (وفيها) استحباب تقديم الميامن فى غسل الميت وسائر الطهارات ويلحق به أنواع الفضائل والأحاديث فى هذا المعنى كثيرة فى الصحيح مشهورة (وفيها) استحباب وضوء الميت (قال النووى) وهو مذهبنا ومذهب مالك والجمهور (وقال أبو حنيفة) لا يستحب ويكون الوضوء عندنا فى أول الغسل كما فى وضوء الجنب (وفى حديث أم عطية هذا) دليل لأصح الوجهين
[ ٧ / ١٦٨ ]
أبواب الكفن وتوابعه
(١) باب استحباب احسان الكفن من غير مغالاة واختيار الأبيض
(١٢٤) عن جابر بن عبد الله ﵄ أنَّ النبيَّ ﷺ خطب يومًّا فذكر رجلًا قبض وكفّن في كفن غير طائل وقبر ليلًا فزجر النَّبي ﷺ أن يقبر الرجل باللَّيل حتى يصلَّى عليه إلا أن يضطرَّ إنسان إلى
_________________
(١) عندنا أن النساء أحق بغسل الميتة من زوجها، وقد تمنع دلالته حتى يتحقق أن زوج زينب كان حاضرا فى وقت وفاتها لا مانع له من غسلها، وانه لم يفوض الأمر الى النسوة، ومذهبنا ومذهب الجمهور أن له غسل زوجته (وقال الشعبي والثورى وأبو حنيفة) لا يجوز له غسلها وأجمعوا أن غسل زوجها (واستدل بعضهم) بهذا الحديث "يعنى حديث أم عطية" على أنه لا يجب الغسل على من غسل ميتا، ووجه الدلالة أنه موضع تعليم فلو وجب لغلمه (ومذهبنا ومذهب الجمهور) أنه لا يجب الغسل من غسل الميت لكن يستحب (قال الخطابى) لا أعلم أحدا قال بوجوبه، وأوجب (أحمد واسحاق) الوضوء منه والجمهور على استحبابه، ولنا وجه شاذ أنه واجب وليس بشئ، والحديث المروى فيه من رواية أبى هريرة "من غسل ميتا فليغتسل ومن مسه فليتوضأ" ضعيف بالاتفاق اهـ (قلت) حديث أبى هريرة المشار اليه رواه الامام أحمد من عدة طرق وليس فيها "ومن مسه" وفيها ومن حمله فليتوضأ (قال الحافظ) فى التلخيص قد حسنه الترمذى وصححه ابن حبان وغيره وتقدم الكلام عليه مبسوطا فى الفصل الثانى من باب الاغتسالات المسنونة فى الجزء الثانى صحيفة ١٤٥ رقم ٤٨٦ فارجع اليه ان شئت، أحاديث الباب غير ذلك كثير تقدم فى خلال الشرح. والله أعلم
(٢) عن جابر بن عبدالله (سنده) حدثنا عبدالله حدثنى أبى ثنا عبد الرزاق أنا ابن جريح أنا أبو الزبير أنه سمع جابر بن عبدالله _الحديث" (غريبه) (١) أى حقير غير كامل لم يستر جميع بدنه «وقوله وقبر ليلا» أى دفن بالليل (٢) هو بفتح اللام كما قال النوى وإنما نهى عن الدفن ليلا حتى يصلى عليه لأن الدفن نهارا يحضره كثيرون من الناس ويصلون عليه، ولا يحضره فى الليل الا أفراد، وقيل لأنهم كانوا يفعلون ذلك بالليل لرداءة الكفن فلا يبين فى الليل، ويؤيده أول الحديث وآخره
[ ٧ / ١٦٩ ]
ذلك وقال النَّبيُّ ﷺ إذا كفَّن أحدكم أخاه فليحسّن كفنه
(١٢٥) وعنه أيضًا أن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلَّم قال من وجد سعة فليكفَّن في ثوب حبرةٍ
(١٢٦) عن ابن عبَّاس ﵄ قال قال رسول الله ﷺ البسوا من ثيابكم البياض فإنَّها من خير ثيابكم وكفّنوا فيها موتاكم، وإنَّ
_________________
(١) (قال القاضي عياض) ﵀ العلتان صحيحتان، قال والظاهر أن النبى ﷺ قصدهما معا قال وقد قيل غير هذا (١) أى لا بأس بقصر الكفن أو الدفن ليلا اذا قضت الضرورة بذلك (٢) ضبط بفتح الحاء واسكانها (قال النووى) وكلاهما صحيح، قال القاضى عياض والفتح أصوب وأظهر وأقرب إلى لفظ الحديث اهز والمراد باحسان الكفن نظافته وكثافته وستره وتوسطه وكونه من جنس لباسه فى الحياة لا أفخر منه ولا أحقر (قال العلماء) وليس المراد باحسانه السرف فيه والمغالاه ونفاسته، وانما المراد ما تقدم، فما يفعله الناس الآن من التغالى فى الكفن زيادة عما كان يلبس الميت فى الحياة اسراف لا يجوز شرعا؛ فان كان للمين أيتام او عليه دين كان حراما باجماع المسلمين وتتضاعف الحرمه اذا قصد به الرياء، نعوذ بالله من ذلك (تخريجه) (م. د. هق. وغيرهم)
(٢) وعنه أيضا (سنده) حدثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا حسن ثنا ابن لهيعه ثنا أبو الزبير عن جابر بن عبد الله ان رسول الله ﷺ الحديث (غريبه) (٣) أى من ترك مالا عن دينة وحاجة أولاده بالأضافه أو بتنوين ثوب؛ وحبرة كعنبة صفه له، وهى نوع من برود اليمن مخطط ذو ألوان من قطن أو كتان، والأفضل التكفين فى الأبيض لأن حديثه أصح وسيأتى بعد هذا (تخريجه) (د. هق) بلفظ " إذا توفى أحدكم فوجد شيئا فليكفن فى ثوب حبرة وفى اسناد رواية الأمام احمد ابن لهيعه فيه كلام، وأورده الحافظ السيوطى فى الجامع الصغير بلفظ حديث الباب ورمز له بالحسن وسنده عند البهيقى وأبى داود جيد
(٣) عن ابن عباس (سنده) حدثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا على قال ان عبد الله بن عثمان بن خيثم عن سعيد بن جبير عن ابن عباس الحديث " (غريبة) (٥) بفتح الباء (ومن) فى قوله "من ثيابكم" تبعيضية أو بيانية مقدمه " وقوله البياض" اى ذات البياض (٦) رواية النسائى فإنها أطهر وأطيب، أما كونها أطيب فظاهر، وأما كونها أطهر فلأن أدنى شئ يقع عليها يظهر فيغسل اذا كان من جنس النجاسة فيكون نقيا كما ثبت عنه ﷺ فى دعائه (ونقنى من الخطايا كما ينقى الثوب الابيض من الدنس) واستحب استحباب التكفين في الثياب البيض من خير أكحالكم الإثمد يجلو البصر وينبت الشعر
(٤) عن سمرة بن جندب ﵁ قال قال رسول الله صلَّى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلَّم البسوا من ثيابكم البيض وكفّنوا فيها موتاكم
[ ٧ / ١٧٠ ]
من خير أكحالكم الإثمد يجلو البصر وينبت الشعر
(١٢٧) عن سمرة بن جندب ﵁ قال قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم البسوا من ثيابكم البيض وكفنوا فيها موتاكم
_________________
(١) تكفين الميت بالأبيض للعلة نفسها، أى كونه أطهر وأطيب (١) بكسر الهمزة والميم، الكحل الأسود، ويقال أنه معرب (قال ابن البيطار فى المنهاج) هو الكحل الأصفهانى، ويؤيد مقول بعضهم ومعادنه بالمشرق، قاله فى المصباح (٢) يعنى أهداب العين (تخريجه) (د. جه. مذ) وصححه وأخرجه أيضا (فع. حب. ك. هق) وصححه ابن القطان
(٢) عن سمرة بنت جندب (سنده) حدثنا عبدالله حدثنى أبى ثنا على بن عاصم عن خالد الحذاء عن أبى قلابة عن سمرة "الحديث" (تخريجه) (نس. جه. هق. مذ) وصححه. وأخرجه أيضا (جه. ك) واختلف فى وصله وإرساله (قال الحافظ) فى الفتح واسناده صحيح وصححه الحاكم اه (وفى الباب) (عن عمران ابن الحصين) عند الطبرانى (وعن أنس) عند ابن أبى حاتم فى العلل، وعند البزار فى مسنده (وعن ابن عمر) عند ابن عدى فى الكامل (وعن ابى الدرداء) يرفعه عند ابن ماجه بلفظ" احسن ما زرتم الله به فى قبوركم ومساجدكم البياض" (وعن أم سامه) ﵂ عند الدبلمى أن النبى ﷺ قال "أحسنوا الكفن ولا تؤذوا موتاكم بعويل ولا بتزكية ولا بتأخير وصية ولا بقطيعه، وعجلوا بقضاء دينه، واعدلوا عن جيران السوء، وإذا حفرتم فأعمقوا ووسعوا (وروى البهيقى) فى شعب الإيمان عن أبى قتادة ﵁ قال قال رسول الله ﷺ إذا ولى أحدكم أخاه فليحسن كفنه فأنهم يتزاورون فى قبورهم (وعن على ﵁) قال لا تعالى فى كفن فأنى سمعت رسول الله ﷺ يقول" لا تغالوا فى الكفن فأنه يسلبه سريعا" رواه أبو داود وضعفه بعضهم، لكن قال النووى فى المجموع رواه أبو داود باسناد حسن ولم يضعفه (وأخرج ابن أبى الدنيا) عن يحيى بن راشد أن عمر ابن الخطاب ﵁ قال فى وصيته" اقصدوا فى كفنى فانه ان كان لى عند الله خير أبدلنى ما هو خير منه، وان كان على غير ذلك سلبنى وأسرع" (وأخرج عبدالله ابن الأمام احمد رحمهما الله) فى زوائده على كتاب الزهد لأبيه عن عبادة بن نسى قال لما حضرت أبا بكر الوفاة قال لعائشة اغسلى ثوبى هذين وكفنينى بهما فانما أبوك أحد رجلين، اما مكسو أحسن الكسوة أو مسلوب أسوء السلب (وأخرج ابن سعد وابن أبى شيبة وسعيد بن منصور وابن أبى الدنيا والحاكم والبهيقى) من طرق عن حذيفة ﵁ أنه قال عند موته اشتروا لي ثوبين
[ ٧ / ١٧١ ]
أبيضين ولا عليكم ألا تغالوا فانهما لم يتركا عليا الا قليلا حتى أبدل بهما خيرا منهما أو شرا منهما" (الأحكام) أحاديث الباب تدل على جملة أحكام (منها) احسان الكفن، وهذا لا يعارض الأحاديث الواردة فى الاقتصاد فيه وعدم المغالاة، لأن المراد من تحسينه نظافته وتوسطه وتطيبه ونحو ذلك؛ وهذا يحدث بدون تجاوز الحدفية (ومنها) كراهة الدفن ليلا، وسيأتى اكلام عليه فى بابه ان شاء الله (ومنها) كون الكفن ثياب الحبر، ولكن الأبيض من الثياب أفضل لكون أحاديثه أصح (ومنها) أن الانمد أفضل أنواع الكحل لأنه يجلو البصر وينبت أهداب العينين، وسيأتى الكلام عليه فى بابه ان شاء الله تعالى فى كتاب اللباس والزينة (وقد ذكر النووى ﵀ فى المجموع فى أحكام هذا الباب مسائل) (احداها) يستحب أن يكون الكفن أبيض لحديث عائشة يعنى (ان رسول الله ﷺ كفن فى ثلاثة أثواب سحولية بيض رواه الشيخان والأمام أحمد، وسيأتى فى الباب التالى (الثانية) قال يستحب تحسين الكفن (قال أصحابنا) والمراد بتحسينه بياضه ونظافته وسوغه وكثافته لا كونه ثمينا لحديث النهى عن المغالاه فيه، وتكره المغالاه فيهللحديث، قال القاضى حسين البغوى، الثوب الغسيل أفضل من الجديد، ودليله حديث عائشة قالت (نظر أبو بكر ﵁ الى ثوب كان يمرض فيه فقال اغسلوا هذا وزيدوا عليه ثوبين وكفنونى فيها"قلت" ان هذا خلق قال الحى أحق بالجديد من الميت انما هو للمهلة رواه البخارى) والمهلة بضم الميم وكسرها وفتحها هى دم الميت وصديده ونحوه (قال اصحابنا ﵏) ويجوز تكفين كل انسان فيما يجوز له لبسه فى الحياه فيجوز من القطن والصوف والكتان والشعر والوبر وغيرها، أما الحرير فيحرم تكفين الرجل فيه، وأما المرأة فالمشهور القطع بجواز تكفينها فيه لأنه يجوز لها لبسه فى الحياه لكن يكره تكفينها فيها، لأن فيه سرفا ويشبه إضاعة المال؛ بخلاف اللبس فى الحياة فانه تجمل للزوج، وحكى صاحب البيان فى زيادات المهذب وجها أنه لا يجوز، وأما المعصفر والمزعفر فلا يحرم تكفينها فيه بلا خلاف، ولكن يكه على المذهب وبه قطع الأكثرون، وحكى صاحب العده والبيان وجهين ثانيهما لا يكره، قالا وهو مذهب أبى حنيفه (قال أصحابنا) ويعتبر فى الكفن المباح حال الميت، فانه كان مكنزا من المال فمن جياد الثياب، وإن كان متوسطا فأوسطها، وإن كان مقلا فاخشنها. هذه عبارة الشيخ أبى حامد والبندنيجى وغيرهما (الثالثه) يستحب تبخير الكفن الا فى حق المحرم والمحرمه (قال أصحابنا) صفة ذلك أن يجعل الكفن على عود وغيره ثم يبخر كما يبخر ثياب الحى حتى تعبق بها رائحة الطيب (قال أصحابنا) ويستحب أن يكون الطيب عودا، وكون العود غير مطيب بالمسك فان كان مطيبا به جاز ويستحب تطيبه ثلاثا للحديث اه (قلت) (يعنى حديث جابر) ﵁
[ ٧ / ١٧٢ ]
(٢) باب صفة الكفن للرجل والمرأة وفي كم ثوب يكون
(١٢٨) عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة ﵂ أنَّها قالت إن أبا بكر ﵁ قال لها يا بنيَّة أي يوم توفّى رسول الله ﷺ؟ قلت يوم الإثنين، قال في كم كفَّنتم رسول الله ﷺ؟ قلت يا أبت كفَّناه في ثلاثة أثواب بيض سحوليَّةٍ جدد يمانية ليس فيها قميص ولا عمامة، أدرج فيها إدراجًا
(١٢٩) عن أبن عبَّاس ﵄ أنَّ رسول الله ﷺ كفّن في
_________________
(١) أن النبي ﷺ قال إذا أجمرتم الميت فأجمروه ثلاثا، وسيأتى الكلام عليه قريبا فى بابه، (وقال فى شرح مسلم) وكزه مالك وعامة العلماء التكفين فى الحرير مطلقا، قال ابن المنذر ولا أحفظ خلافه اه
(٢) عن هشام ابن عروة (سنده) حدثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا سليمان ابن داود قال انا عبد الرحمن عن هشام بن عروة الحديث" (غريبه) (١) بضم المهملتين ويروى بفتح أوله نسبة الى سحول قرية باليمن (قال النووى) والفتح أشهر وهو رواية الأكثرين (قال ابن الأعرابى وغيره) هى ثياب بيض نقية لا تكون الا من القطن (وقال ابن قتيبه) ثياب بيض ولم يخصها بالقطن اه وفى رواية للبخارى: سحول بدون نسبة وهو جمع سحل، والسحل الثوب الأبيض النقى ولا يكون الا من قطن كما تقدم (وقال الأزهرى) بالفتح المدينة وبالضم الثياب، وقيل النسبة الى القرية بالضم، واما بالفتح فنسبة الى القصار لأنه يسحل الثياب اى ينقيها، كذا ذكره الحافظ (وقوله جدد) هكذا وقع فى رواية الأمام احمد، وكذلك رواه البيهقى وليس فى الصحيحين لفظ جدد، ووقع فى رواية لها بدل جدد"من كرسف" وهو القطن (وقوله يمانية) بتخفيف الياء على اللغه الفصيحه المشهورة، قاله النووى: قال وحكى سيبويه والجوهرى وغيرهما لغه فى تشديدها، ووجه الأول أن الألف بدل ياء النسب فلا يجتمعان بل يقال يمنية أو يمانية بالتخفيف اه " وفى قوله بيض " دليل على استحباب التكفين فى الأبيض، وتقدم الكلام على ذلك فى الباب السابق (قال النووى) وهو مجمع عليه (تخريجه) (ق. فع. هق. والاربعه وغيرهم)
(٣) عن ابن عباس (سنده) حدثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا ابن ادريس قال اخبرنا يزيدعن ابن مقسم عن ابن عباس ﵃ ان رسول الله ﷺ الحديث"
[ ٧ / ١٧٣ ]
ثلاثة أثواب، في قميصه الذَّي مات فيه وحلة نجرانيَّة، الحلَّة ثوبان
(١٣٠) وعنه أيضًا ﵁ قال كفن رسول الله صلَّى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلّم في بردين أبيضين وبردٍ أحمر
_________________
(١) (غريبه) (١) استدل بها القائلون باستحباب القميص فى الكفن وهم الحانفية والمالكية وآخرون "والحلة" بضم الحاء المهملة، واحدة الحلل وهى برود اليمن، ولا تكون حلة إلا أن تكون ثوبين من جنس واحد "نه"وقال الخطابى: الحلة ثوبان رداء وازار، ولا تكون حلة إلا وهى جديدة تحل من طيها فتلبس اه (وقوله) نجرانية بفتح النون نسبة الى نجران (قال النووى) فى الأسماء واللغات هى بلدة معروفة كانت منزلا الأنصار، وهى بين مكة واليمن على نحو سبع مراحل من مكة اه. وقد بين الراوى أن الحلة ثوبان فيكون المجموع ثلاثة بالقميص (تخريجه) (د. جه. هق) قال النووى حديث ابن عباس حيث ضعيف لا يصح الاحتجاج به، لان يزيد بن أبى زياد أحد رواته مجمع على ضعفه لاسيما وقد خالف بروايته الثقات اه. يعنى انه خالف حديث عائشة الذى قبله ورواته كلهم ثقات ورواه الشيخان وغيرهما، وقد بينت عائشة ﵂ أنه ﷺ لم يكفن فى الحلة وإنما شبه على الناس كما فى رواية لها عند مسلم قالت " أما الحلة فانما شبه على الناس فيها انها اشتريت له ليكفن فيها فتركت الحله وكفن فى ثلاثة اثواب سحولية فأخذها عبد الله ابن أبى بكر فقال لاحبسنها حتى أكفن فيها نفسى، ثم قال لو رضيها الله ﷿ لنبيه لكفنه فيها فباعها وتصدق بثمنها
(٢) وعنه ايضا (سنده) حدثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا عبد الرازق ثنا سفيان عن ابن أبى ليلى عن الحكم عن مقسم عن ابن عباس الخ (غريبه) (٢) تثنية برد، والبرد نوع من الثياب يجمع على أبراد وبرود، وهو خلاف البردة فانها الشملة المخططه، وقيل كساء أسود مربع فيه صفر تلبسه الأعراب وجمعها برد (تخريجه) لم أقف عليه بهذا اللفظ لغير الأمام احمد وسنده جيد ورواه البيهقى من طريق، قبيصه عن سفيان بسند حديث الباب عن ابن عباس قال (كفن النبى ﷺ فى ثوبين ابيض وبرد حبرة) ثم قال كذا رواه محمد بن عبدالرحمن ابن ابى ليلى، قال وبمعناه رواه على بن الحسين بن على بن ابى طالب ﵁ مرسلا اه (قلت) رواية البيهقى لم تختلف عن رواية الامام احمد الا فى قوله حبرة بدل قوله احمر فى رواية الامام أحمد، فكلتا الروايتين مفسرة للأخرى، فرواية البيهقى فسرت البرد بأنه من الحبر، ورواية الامام أحمد أن لونه أحمر والله اعلم
[ ٧ / ١٧٤ ]
(١٣١) عن ابنة أهبان أن أباها أمر أهله حين ثقل أن يكفّنوه ولا يلبسوه قميصًا، قالت فألبسناه قميصًا فأصبحنا والقميص على المشجب
(١٣٢) عن ليلى ابنه قانف الثَّقفية ﵂ قالت كنت فيمن غسَّل أمَّ كلثوم بنت رسول الله ﷺ عند وفاتها وكان أوَّل ما أعطانا رسول الله
_________________
(١) (عن ابنة أهبان) هذا طرف من حديث طويل سيأتى بتمامه وسنده فى الفصل الثانى فى قدوم الأمام على كرم الله وجهه إلى البصرة واستنفار أهلها لوقعة الجمل من أبواب خلافته ﵁ (غريبه) (١) اسمها عديمة بنت أهبان بن صيفى الغفارى صحابى (قال الحافظ) فى الأصابة، ويقال وهبان يكنى أبا مسلم، روى له الترمذى حديثا وحسن حديثه وابن ماجه وأحمد (قال الطبرانى) مات بالبصرة، وروى المعلى بن جابر بن مسلم عن أبيه عن عديمة بنت وهبان بن صيفى أن أباها لما حضرته الوفاة أوصى ان يكفن فى ثوبين فكفنوه فى ثلاثة فأصبحوا فوجدوا الثوب الثالث على السرير. وكذلك رواه الطبرانى من طريق عبد الله بن عبيد عن عديمة بنت أهبان؛ ونقل ابن حبان أن أهبان ابن أخت أبى ذر الغفارى هو أهبان بن صيفى؛ ورد ذلك ابن منده اه (٢) أى حين ثقل مرضه وقار الموت (٣) كمنبر قال الأزهرى: المشجب خشبات موثقه تنصب فينشر عليها الثياب اه. والمعنى أنهم لما خالفوا وصيته أكرمه الله ﷿ بتنفيذها قهرا عنهم، وفيه منقبة له لو صح " الحديث" (تخريجه) أورده الهيثمى بلفظه كما هنا وقال رواه أحمد هكذا، وروى الطبرانى فى الكبير فقال عن عديمة بنت أهبان قالت حيث حضر أبى الوفاة قال لا تكفنونى فى ثوب مخيط، فحيث قبض وغسل أرسلوا إلى أن أرسلوا بالكفن فأرسل إليهم بالكفن، قالوا قميص، قلت إن أبى قد نهانى أن أكفنه فى قميص مخيط! قالت فأرسلت إلى القصار ولأبى قميص فى القصار فأنى به ج فألبس وذهب به فاغلقت بابى وتبعته ورجعت والقميص فى البيت، فأرسلت الى الذين غملوا أبى، قلت كفنتموه فى قميص؟ قالوا نعم، قلت هو ذا؟ قالوا نعم، وفيه أبو عمر القسملى، قال الحسينى لا يعرف
(٢) عن ليلة بنة قانف (سنده) حدثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا يعقوب قال ثنا أبى عن ابن اسحاق قال حدثنى نوح بن حكيم الثقفى وكان قارئا للقرآن عن رجل من بنى عروة بن مسعود يقال له داود قد ولدته أم حبيبة بنت أبى سفيان زوج النبى صل الله عليه وسلم وعلى آله وصحبه وسلم عن ليلى بنت قانف الثقفية ﵂ - الحديث"
[ ٧ / ١٧٥ ]
ﷺ الحقاء ثمَّ الدّرع ثم الخمار، ثمَّ الملحفة، ثمَّ أدرجت بعد في الثَّوب الآخر قالت ورسول الله صلَّى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلَّم عند الباب معه كفنها يناولناه ثوبًا ثوبًا
(١٣٣) عن محمد بن على ابن الحنفيَّة عن أبيه (على ﵁) قال كفّن النَّبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلَّم في سبعة أثوابٍ
_________________
(١) (غريبه) (١) تعني حقوه ﷺ كما تقدم فى حديث أم عطية رقم ١٢١ من باب صفة غسل الميت وتقدم تفسيره، وقال فى القاموس الحقو الكشح والأزار ويكسر أو معقدة كالحقوة والحقاء جمعه أحق وأحقاء اه (٢) درع المرأه قميصها "والخمار" ثوب تغطى به المرأة رأسها، والجمع خمر مثل كتاب وكتب " والملحفه بكسر الميم هى الملاءه التى تلتحف بها المرأة (٣) ربما يفهم بعض الناس أن الثوب الآخر هو الملحفه وليس كذلك بل أتى بثوب آخر غير الأربعه المتقدمة ليكون الكفن وترا والله اعلم (تخريجه) (د. هق) وسنده لا بأس به
(٢) عن محمد بن على (سنده) حدثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا حسن ابن موسى ثنا حماد عن عبد الله بن محمد بن عقيل عن محمد بن على ابن الحنفية عن أبية الحديث " (تخريجه) أورده الهيثمى وقال رواه أحمد وإسناده حسن والبزار (قلت) وابن أبى شيبة (وفى الباب عن أنس بن مالك) ﵁ أن النبى ﷺ كفن فى ثلاثة أثواب أحداها قميص - رواه الطبرانى فى الأوسط واسنده حسن " وعن عبد الله بن معقل" ﵁ قال اذا أنا مت فأجعلوا فى غسلى كافورا وكفنونى فى بردين وقميص، فأن النبى ﷺ فعل ذلك - رواه الطبرانى فى الكبير وفيه صدقه بن موسى وفيه كلام (وعن أبى اسحاق) قال سألت آل محمد فهيم ابن نوفل فى أى شئ كفن رسول الله ﷺ قال فى حلة حمراء وليس فيها قميص وجعل فى قبره شق قطيفه كانت لهم رواه الطبرانى فى الكبير ورجاله رجال الصحيح؛ أورد هذه الأحاديث الثلاثة الحافظ الهيثمى مع بيان درجاته (الأحكام) فى أحاديث الباب ما يدل على مشروعية الكفن فى ثلاثة أثواب بيض ليس فيها قميص ولا عمامة وهو حديث عائشة ﵂ الأول من أحاديث الباب وهو أصحها " رواه الشيخان والأربعه وغيرهم " قال الترمذى: والعمل على حديث عائشة عند أكثر أهل العلم من أصحاب النبى ﷺ وغيرهم اه (قلت) واليه ذهبت (الشافعية) قالوا يستحب أن يكفن الرجل فى ثلاثة أثواب " أزار ولفافتين بيض
[ ٧ / ١٧٦ ]
ليس فيها قميص ولا عمامة " والمراد بالأزار المزر الذى يشهد فى الوسط وسواء فى هذا البالغ والصبى، يستحب تكفين الصبى فى ثلاثة كالبالغ، قالوا وإن كفن الرجل فى أربعة أو خمسة لم يكره ولم يستحب، وان كفن فى زياده عن خمسة يكره لأنه سرف، فان كان فى الكفن قميص وعمامة لم يكره لأنه خلاف الأولى، ووافقهم على استحباب الكفن فى ثلاثة أثواب الحنابلة إلا أنهم كرهوا الزيادة عليها، قالوا وان كفن فى قميص بكمين وازار ولفافة جاز من غير كراهة ولكن الأفضل الأول (وقال الأمام أحمد ﵀) ان كان قميصا أحب الىّ أن يكون مثل قميص الحى له كماّن، ولا يزر عليه القميص (ومنها) ما يدل على مشروعية الكفن فى ثلاثة أثواب أحدها قميص والباقى ثوبان وهما المعبر عنهما بالحلة فى حديث ابن عباس الثانى من أحاديث الباب، وفى اسناده يزيد بن أبى زياد ضعيف، لكن يعضده حديث أنس أن النبى ﷺ كفن فى ثلاثة أثواب أحدها قميص - رواه الطبرانى فى الأوسط " قال الهيثمى " واسناده حسن اه (قلت) واليه ذهبت (الحنفية والمالكية) الا أنهم اختلفوا فى الزيادة على الثلاثة؛ فذهبت (الحنفية) الى كراهة الزيادة على أرجح الأقوال عندهم، وذهبت (المالكية) الى استحباب الزيادة الى خمس، وهى إزار وقميص ولفافتان وعمامة، أو قميص وعمامة وثلاث لفائف، مستدلين بما رواه البيهقى بسنده عن نافع أن ابنا لعبد الله بن عمر مات فكفنه ابن عمر فى خمسة أثواب قميص وعمامة وثلاث لفائف، وفى قول للحنيفه أنه لا بأس بالزيادة إلى خمس عملا بما روى عن ابن عمر أيضا (ومنها) ما يدل على مشروعية الكفن فى بردين أبيضين وبرد حبرة وهو حديث ابن عباس ﵄ الثالث من أحاديث الباب - ورواه البيهقى أيضا واسناده لا مطعن فيه واليه (ذهبت الحنفية) فقالوا يستحب أن يكون فى الكفن برد حبرة (ومنها) ما يدل على مشروعية الكفن فى سبعة أثواب وهو حديث على ﵁ الأخير من أحاديث الباب وحسن اسناده الحافظ الهيثمى، واليه ذهب الهادى فقال " إن المشروع إلى سبعة ثياب" (وأجاب الأولون) وهم (الشافعية والحنابلة والجمهور) عن الحديث الأول لابن عباس بأنه ضعيف، وبأنه ثبت عند مسلم والترمذى أن الحلة نزعت عنه ﷺ وتقدم الكلام على ذلك فى شرحه (قلت) حديث ابن عباس الأول وإن كان ضعيفا، لكن يعضده حديث أنس المشار إليه آنفا (قال الحافظ) وأجاب القائلون باستحباب القميص والعمامة عن حديث عائشة بأن قولها ليس فيها قميص ولا عمامة يحتما نفى وجودها جملة، ويحتمل أن يكون المراد نفى المعدود أى ثلاثة خارجة عن القميص والعمامة؛ قال والأول أظهر، وقال بعض الحنفية معناه ليس فيها قميص أى جديد، وقيل ليس فيها القميص الذى غسل فيه، أو ليس
[ ٧ / ١٧٧ ]
(٣) باب التكفين من رأس المال وجواز الرجلين والثلاثة في ثوب واحد
والاقتصار على ما يستر العورة إذا دعت الضرورة واستحباب المواساة بالكفن
(١٣٤) عن أنس بن مالك أنَّ رسول الله ﷺ أتى على حمزة فوقف عليه
_________________
(١) فيها قميص مكفوف الأطراف اه (وأجاب الجمهور) أيضا عن الحديث الثانى لأبن عباس بما ثبن عند ابى داوود والنسائى من حديث عائشة ﵂ أنه ذكر لهم قولهم فى ثوبين وبرد حبرة، فقالت قدأتى بالبرد ولكنهم ردوه ولم يكفنوه فيه - تعنى وأتوا بدله بثوب آخر أبيض فصارت الجملة ثلاثة، وهى التى عانتها عائشة بقولها " كفن النبى ﷺ فى ثلاثة أثواب بيض سحولية جديدة ليس فيها قميص ولا عمامة" وفيه نفى القميص والعمامة (وأجابوا أيضا) عن حديث على ﵁ بأنه لا ينهض لمعارضة حديث عائشة وهو ثابت فى الصحيحين وغيرهما (قلت) لا معارضه فى ان حديث عائشة أصح أحديث الباب ولكنه لا ينفى لا ينفى الزيادة على الثلاثة الأثواب وقد تقرر أن ناقل أن ناقل الزيادة أولى بالقبول، على أنه لو تعرض رواة الثلاثة لنفى ما زاد عليها لكان المثبت مقدما على النافى (فالأولى) الجمع بين الأحاديث بأن (من ذهب إلى أن الكفن سبعة أثواب) اعتبر حديث عائشة فى الثلاثة أثواب البيض، وحديث ابن عباس الأول فى القميص والثوبين المعبر عنهما بالحلة وحديثه الثانى فى البرد الأحمر أو الحبرة فالجملة سبعة (ومن ذهب الى انه خمسه) أخرج الحلة من السبعه لما ثبت عند مسلم عن عائشة ﵂ قالت " أدرج رسول الله ﷺ فى حلة يمنية كانت لعبد الله بن أبى بكر ثم نزعت عنه - الحديث" ولمسلم أيضا رواية أخرى تقدمت فى شرح الحديث الثانى من أحاديث الباب " ومن ذهب إلى أنه ثلاثه" اعتبر حديث عائشه فقط لأنه أصح الأحاديث الواردة فى هذا الباب (أما العمامه) فلم أجد لها ذكرا فى حديث مرفوع إلى النبى ﷺ إلا ما نسب الى ابن عمر ﵄ من فعله أنه كفن ابنا له فى خمسة أثواب - قميص وعمامه وثلاث لفائف (وفى أحاديث الباب أيضا) دليل على أن المشروع فى كفن المرأة خمسة أثواب ازار وقميص وخمار ولفافه؛ وهى المعبر عنها بالملحفه؛ ودرج وهو المعبر عنه بالثوب الآخر فى حديث ليلى بنت قانف الثقفية، وهو لفافه ثانية واليه ذهبت (الشافعية والحنابلة وكذا الحنفية) الا أنهم أبدلوا إحدى الفافتين بخرقه يربط بها ثدياها واكتفوا بلفافة واحدة (وذهبت المالكية) إلى أن المستحب فى كفن المرأة سبعة أثواب الخمسة المذكورة فى الحديث وزادوا لفافتين أخريين ولا أدرى من أين أتوا بهذه الزيادة، وما ذهب اليه الأولون هو الموافق للنص والله أعلم
(٢) عن أنس ابن مالك (سنده) حدثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا صفوان
[ ٧ / ١٧٨ ]
فرآه قد مثّل به فقال لولا أن نجد صفيَّة في نفسها لتركته حتى تأكله العافية وقال زيد بن الحباب تأكله الماهة حتى يحشر من بطونها قال ثم دعا بنمرة فكفَّنه فيها، قال وكانت إذا مدَّت على رأسه بدت قدماه وإذا مدَّت على قدميه بدا رأسه قال وكثر القتلى وقلت الثياب، قال وكان يكفَّن أو يكفّن الرجلين شكّ صفوان والثلَّاثة في الثَّوب الواحد قال وكان
_________________
(١) ابن عيسى وزيد بن الحباب قالا أنا أسامه بن زيد عن الزهرى عن أنس بن مالك الحديث " (غريبه) (١) يقال مثل بالقتيل جدعت انفه وأذنه أو مذاكريه أو شيئا من أطرافه والأمم مثله (٢) أى تحزن وتجزع (وصفية) هى بنت عبد المطلب عمة رسول الله ﷺ ووالدة الزبير ابن العوام وشقيقة حمزة؛ أمها هاله بنت وهب خالة الرسول ﷺ وكانت أول من تزوجها الحارث بن حرب بن أمية، ثم هلك فتزوجها العوام بن خويلد أخو خديجة زوج زوج النبى ﷺ فولدت له الزبير والسائب وأسلمت وروت وعاشت الى خلافة عمر (٣) قال الخطابى هى السباع والطير التى تقع على الجيف فتاكلها وتجمع على العوافى اه (وقوله وقال زيد بن الحباب) يعنى احد الرواة فى روايته (العاهه) أى بدل العافية والمعنى واحد (٤) إنما أراد ﷺ ذلك ليتم له به الجر ويكمل؛ ويكون كل البدن مصروفا فى سبيله تعالى الى البعث، أو لبيان أنه ليس عليه فيما فعله به من المثله تعذيب حتى ان دفنه وتركه سواء، قال أبو الطيب (٥) بفتح النون وكسر الميم هى شملة فيها خطوط بيض وسود أو بردة من صوف يصرفها الأعراب، كذا فى القاموس (٦) أى ظهرت لصفر النمرة عن ستر جميع بدنه ولكن الله ﷿ أكرمه بحضور أخته صفية بثوبين لكفنه فكفن فى أحدهما وكفن بالثوب الآخر رجل من الأنصار كان معه قد فعل به كما فعل بحمزة، ويحتمل أن تكون هذه النمرة من الثوبين اللذين أتت بهما صفية كما يستفاد من سياق الحديث التالى والله أعلم (٧) زاد فى رواية لأبى يعلى فخمروا رأسه (٨) هو أحد رجال السند أى شك فى صيغة الفعل هل هو مبنى للمجهول أو للمعلوم " وقوله والثلاثة" بالنصب معطوف على الرجلين على أن الفعل مبنى للمعلوم والفاعل هو النبى ﷺ أو غيره بأمره وأسند الفعل اليه مجازا (٩) قال الحافظ إما يجمعهم فيه أو قطعه بينهم (وقال الحافظ) ابن تيمية معنى الحديث أنه كان يقسم الثوب الواحد بين
[ ٧ / ١٧٩ ]
رسول الله ﷺ يسأل عن أكثرهم قرآنًا فيقدّمه إلى القبلة قال فدفنهم
_________________
(١) الجماعة فيكفن كل واحد ببعضه للضرورة وإن لم يستر إلا بعض بدنه، يدل عليه تمام الحديث انه ﷺ كان يسأل عن أكثرهم قرآنا فيقدمه فى اللحد فلو أنهم فى ثوب واحد جمله لسأل عن أفضلهم قبل ذلك كيلا يؤدى الى نقض التكفين وإعادته (وقال ابن العربى) فيه دليل على ان التكليف قد ارتفع بالموت، والا فلا يجوز ان يلصق الرجل بالرجل الا عند انقطاع التكليف او للضرورة اه (قلت) بقى أمر واحد خطر لى اثناء كتابة الشرح لم اقف على من تكلم فيه من شراح الحديث وهو (ان قيل) ما الضرورة الملجئة لجمعهم فى ثوب واحد وتقسيم الثوب الواحد بين الجماعه وان لم يستر الا بعض بدنه وقد تقدم فى الأحاديث الصحيحة وسيأتى كذلك فى الباب التالى أن النبى ﷺ قال زملوهم فى ثيابهم (وفى لفظ) ادفنوهم بدمائهم وثيابهم الى غير ذلك من اللفاظ التى تعطى هذا المعنى، ومعلوم ان المجاهد لابد أن يكون لابسا ولو ثوبا واحدا يكفيه للكفن؟ (فالجواب) أن الغرض من الكفن ستر جميع بدن الميت حتى رأسه ووجهه وقدميه بحيث لا يظهر منه شيئا مطلقا وثياب الحى لا تستر ذلك كما يستر الكفن الميت، فشرع الكفن لستر جميع بدنه، فان قلت الثياب فليقتصر على ستر ما بدا منه، ويحتمل أن يجرد الأعداء القتيل من ثيابه بقصد هتكه فيكون عاريا، والغالب ان قتل أحد أو كثيرا منهم كانوا عراة، بل قد فعل بهم الأعداء أكثر من ذلك لما روى ابن اسحاق قال - ووقفت هند بنت عتبه (كما حدثنى صالح بن كيسان) والنسوة اللاتى معها يمثلن بالقتلى من أصحاب رسول الله ﷺ يجدعن الآذان والأنوف حتى اتخذت هند من آذان الرجال وأنوفهم خدما وقلائد وأعطت خدمها وقلائدها وقرطها وحشيا، وبقرت عن كبد حمزة فلاكنها فلم تستطع ان تصيغها فلفظتها اه (قلت) إنما فعلت ذلك هند بنت عتبة لأن زوجها وأخاها وعمها قتلوا فى وقعة بدر فأرادت الأنتقام من المسلمين فى وقعة أحد "وقوله خدما" بفتحات جمع خدمة يعنى الخلخال، ويجمع على خدام ايضا، وإنما أعطت هذه القلائد لوحشى لأنه هو الذى قتل حمزة، ووحشى هذا هو ابن حرب كان مولى لجبير ابن مطعم فأوعز اليه جبير بقتل حمزه ووعده بالعتق ان فعل ذلك لان حمزة ﵁ كان قد قتل عمه طعيمه بن عدى بن الخيار فى وقعة بدر، وسيأتى تفصيل ذلك فى غزوة أحد من أبواب الغزوات ان شاء الله تعالى، فالغالب أن قتلى أحد كانوا عراة أو بعضهم ممن مثل بهم كحمزة ﵁، وهؤلاء لابد من تكفينهم، ولما كثرت القتلى وقلت الثياب كما فى الحديث - قضت الضرورة بتقسيم الثوب الواحد بين الجماعه والله أعلم (١) أي في
[ ٧ / ١٨٠ ]
رسول الله ﷺ ولم يصلّ عليهم وقال زيد بن الحباب، فكان الرَّجل والرجلان والثَّلاثة يكفَّنون في ثوبٍ واحدٍ
(١٣٥) عن الزبُّير (بن العوَّام) ﵁ قال، إنَّه لَّما كان يوم أحد أقبلت امرأة تسعى حتَّى إذا كادت أن تشرف على القتلى قال فكرة النَّبي ﷺ أن تراهم، فقال المرأة المرأة قال الزُّبير ﵁، فتوسمت أنها أمّي صفَّية، قال فخرجت أسعى إليها فأدركتها قبل أن تنتهي إلى القتلى قال فلدمت في صدري وكانت امرأة جلدة قالت إليك لا أرض لك
_________________
(١) القبر، وفيه أن صاحب القرآن أفضل من غيره (١) اى لانه ﷺ شهد لهم بأنهم بذلوا أرواحهم لله تعالى فهم غير محتاجين الى الصلاه بشهادتهم ﷺ لهم (تخريجه) (هق مذ) وقال حديث أنس حديث حسن غريب، وأخرجه أيضا أبو داود وسكت عنه؛ وذكر المنذرى قول الترمذى هذا وأقره، وأورده الهيثمى ما عدا قوله (وكثر القتلى) الى آخر الحديث وقالى رواه ابو يعلى وروى أبو داود بعضه من غير ذكر الكفن، ورجاله رجال الصحيح.
(٢) عن الزبير ابن العوام (سنده) حدثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا سليمان بن داود الهاشمى أنبأنا عبد الرحمن يعنى ابن أبى الزناد عن هشام عن عروة قال أخبرنى أبى الزبير رضى الله تعالى عنه - الحديث (غريبه) (٢) هى صفية بنت عبد المطلب أخت حمزة وأم الزبير بن العوام ﵃ كما سيأتى (٣) أى حتى قربت أن تكون على مرأى من القتلى (٤) منصوب على التحذير وكرر للتأكيد وعامل النصب محذوف تقديره احذروا المرأة اى احذروا إشراف المرأة على القتلى، وإنما حذره النبى ﷺ من ذلك خوفا من أن يصيبها ما لا يحمد من شدة تأثرها بهذا المنظر الفظيع الذى تقشعر منه أبدان أقوياء الرجال، فما بالك بالمرأة الضعيفة (٥) بفتح الدال المهملة من باب قتل أى ضربت ودفعت (وقوله وكانت امرأة جلدة) أى قوية صبورة (٦) هو اسم فعل بمعنى تنح أى تباعد عنى" وقولها لا أرض لك" أى لا مقر لك ولا وطن؛ كلمة سب بمعنى لا أم لك وأصلها تقال للقيط، اى لا أم لك تنسب إليها، ثم جرت على ألسن العرب فصاروا يقولونها
[ ٧ / ١٨١ ]
قال فقلت إن رسول الله ﷺ عزم عليك قال فوقفت وأخرجت ثوبين معها فقالت هذان ثوبان جئت بهما لأخي حمزة فقد بلغني مقتله فكفّنوه فيهما، قال فجئنا بالثَّوبين لنكفّن فيهما حمزة فإذا إلى جنبه رجل من الأنصار قتيل قد فعل به كما فعل بحمزة، قال فوجدنا غضاضة وحياء أن نكفّن حمزة في ثوبين والأنصاريُّ لا كفن له، فقلنا لحمزة ثوب وللأنصاريّ ثوب، فقدَّر ناهما فكان أحدهما أكبر من الآخر فأقرعنَّا بينهما بينهما فكفنا كلَّ واحد منهما في الثَّوب الذي طار له
(١٣٦) عن جابر بن عبد الله ﵄ قال كفن رسول الله ﷺ حمزة في ثوب واحدٍ، قال جابر ذلك الثَّوب نمرة
(١٣٧) عن خبَّاب (بن الأرتّ ﵁) قال هاجرنا مع رسول الله ﷺ نبتغي وجه الله ﵎ فوجب أجرنا على الله ﷿ فمنَّا
_________________
(١) لكل من يريدون سبه بدون قصد أصلها (١) أى أمر بمنعك وأكد ذلك (٢) أى نقصا وعدم أنصاف (٣) بالطاء المهملة، وطائر الأنسان ما حصل له فى علم الله ما قدر له (تخريجه) (على. بز) وفى اسناده عبد الرحمن ابن أبى الزناد ضعيف، وقد وثق. قاله الهيثمى (١٣٦) عن جابر بن عبد الله (سنده) حدثنا عبد الله حدثنى أبى سند عبد الصمد ابن عبد الوارث وأبو سعيد قالا ثنا زائدة ثنا عبد اله بن محمد بن عقيل عن جابر بن عبد الله - الحديث (تخريجه) (مذ) ولم يتكلم عليه، وفى إسناده عبد الله بن محمد بن عقيل لين وضعفه النسائى، وقال الترمذى صدوق سمعت محمدا (يعنى البخارى يقول كان أحمد واسحاق والحميدى يحتجون بحديث ابن عقيل (قال الواقدى) مات بعد الأربعين ومائة
(٢) عن خبأ ب بن الأرث (سنده) حدثنا عبدالله حدثنى أبى ثنا يحيى قال سمعت شقيقا سمعت خبابا ح وأبو معاوية ثنا الأعمش عن شقيق عن خباب قال هاجرنا - الحديث" (غريبه) معناه وجوب إنجاز وعد بالشرع لا وجوب بالعقل كما تزعمه المعتزلة، وهو نحو ما فى الحديث " حق العباد على الله " وقد سبق شرحه
[ ٧ / ١٨٢ ]
من مضى لم يأكل من أجره شيئًا منهم مصعب بن عميرٍ قتل يوم أحدٍ فلم نجد شيئًا نكفَّنه إلا نمرةً كنَّا إذا غطَّينا بها رأسه خرجت رجلاه وغذا غطَّينا رجليه خرج رأسه، فأمرنا رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم أن نغطّي بها رأسه ونجعل على رجليه إذخرًا ومنا من أينعت له ثمرته فهو بهدبها يعني يجتنبها
_________________
(١) في كتاب الأيمان فارجع اليه إن شئت (١) اى لم يوسع عليه فى الدنيا ولم يجعل له شيئا من جزاء عمله ولم تتطلع نفسه إلى ذلك زاهدا فى الدنيا وزجرا للنفس عن شهواتها لينالها موفرة فى الآخرة (٢) بضم الميم هو ابن عمير بن هاشم يجتمع نسبه مع النبى ﷺ هاشم كان من فضلاء الصحابة وخيارهم ومن السابقين الى الاسلام، أسلم والرسول ﷺ فى دار الأرقم قبل الهجرة وسجنه أهله لما عملوا بأسلامه، ثم هاجر الى الحبشة مع من هاجر اليها، وكان قبل اسلامه أنعم فتى بمكه وأجوده خله وأكملهم شبابا وجمالا وجودا، وكان أبواه بحبانه حبا كثيرا، وكانت أمه تكسوه أحسن ما يكون من الثياب بمكة؛ وكان أعطر أهل مكه، ثم انتهى به الحال فى الأسلام الى أن كان عليه برده مرقوعه بفروة وتزوج بحموه بنت جحش زوج النبى ﷺ واستشهد باحد ومعه لواء المسلمين، قيل كان عمره أربعين سنه وسنبسط الكلام فى مناقبه فى كتاب مناقب الصحابة ان شاء الله تعالى ﵁ (٣) فيه دليل على أنه اذا ضاق الكفن عن ستر جميع البدن ولم يوجد غيره جعل ما يلى الرأس وجعل النقص مما يلى الرجلين، فان ضاق عن ذلك سترت العورة (٤) بكسر الهمزة والخاء وهو نبت بأرض الحجاز طيب الرائحة ينبت فى السهول والحزون، وفيه أنه يستحب اذا لم يوجد ساتر لبعض البدن أو لكله ان يغطى بالأذخر، فان لم يوجد فما تيسر من نبات الأرض، وقد كان الأذخر مستعملا لذلك عند العرب كما يدل على ذلك قول العباس " الا الأذخر فانه لبيوتنا وقبورنا" وسيأتى حديثه فى باب فضل مكه من كتاب الفضائل ان شاء الله تعالى (٥) بفتح الهمزة وسيكون الياء وفتح النون أينع النمر اذا أدرك ونضج (٦) بفتح أوله وسكون ثانية وكسر الدال وضمها، بعدها باء موحده مضمومة، أى يجتنبها كما فسرت فى الحديث (قال ابن سيده) هدب النمرة يهدبها هدبا اجتناها اه وهو كناية عن الغنائم التى تناولها من ادرك زمن الفتوح من الصحابة ﵃ (تخريجه) (ق. والثلاثة. وغيرهم)
[ ٧ / ١٨٣ ]
(١٣٨) ز وعنه أيضًا أنَّ حمزة ﵁ لم يوجد له كفن إلا بردة ملحاء إذا جعلت على رأسه قلصت عن قدميه وإذا جعلت على قدميه قلصت عن رأسه حتى مدَّت على رأسه وجعل على قدميه الإذخر
_________________
(١) "ز" وعنه أيضًا (سنده) حدثنا عبد الله ثنا يحيى بن آدم ثنا اسرائيل عن أبى اسحاق عن حارثه بن مضرب قال دخلت على خباب وقد اكتوى سبعا فقال لولا أن سمعت رسول الله ﷺ يقول "لا يتمنى أحدكم الموت، لتمنيته ولقد رأيتنى مع رسول الله ﷺ ما أملم درهما، وإن فى جانب بيتى الآن لاربعين الف درهم، قال ثم أتى بكفنه، فلما رأه بكى وقال "لكن حمزه لم يكن له كفن - الحديث" وسيأتى بتمامه فى مناقب خباب من كتاب مناقب الصحابة ان شاء الله تعالى (غريبه) (١) أى برده فيها خطوط سود وبيض، وفى بعض الروايات (الا نمرة) بدل بردة والمعنى واحد (٢) اى ذهبت " وقوله مدت على رأسه" أى غطوا رأسه بها ووضعوا الأذخر على ما انكشف من قدميه ﵁ (تخريجه) لم أقف عليه بهذا اللفظ الا لعبد الله ابن الأمام أحمد وهو من زوائده على مسند أبيه وسنده جيد، وبعضه للحاكم من حديث أنس، وفى رواية للبخارى أن عبد الرحمن ابن عوف قال قتل مصعب بن عمير وكان خيرا منى؛ فلم يجد له ما يكفن فيه إلا برده، وقتل حمزة أو رجل آخر فلم يوجد ما يكفن فيه إلا برده (وقال الحافظ) " قوله أو رجل آخر " فلم اقف على اسمه ولم يقع فى أكثر الروايات الا بلفظ حمزة ومصعب فقط اه (الاحكام) أحاديث الباب تدل على أن الكفن يكون من رأس المال، لان النبى ﷺ أمر بالتكفين فى النمرة ولا مال غيرها (قال ابن المنذر) قال بذلك جميع أهل العلم إلا رواية شاذة عن خلاس بن عمرو قال الكفن من الثلث، وعن طاوس قال من الثلث ان كان قليلا، وحكى فى البحر عن الزهرى وطاوس انه من الثلث ان كان معمرا، وقد اخرج الطبرانى فى الأوسط من حديث على أن الكفن من جميع المال واسناده ضعيف، واخرجه ابن ابى حاتم فى العلل من حديث جابر، وحكى عن أبيه انه منكر، وقد أخرجهما عبد الرازق، أفاده الشوكانى (وقال النووى) فيه دليل على أن الكفن من رأس المال وأنه مقدم على الديون، لأن النبى ﷺ أمر بتكفينه فى نمرته (يعنى مصعب بن عمير) ولم يسأل هـ عليه دين مستغرق أم لا، ولا يبعد من حال من لا يكون عنده إلا نمرة أن يكون عليه دين؛ واستثنى اصحابنا من الديون الدين المتعلق بعين المال فيقدم على الكفن، وذلك
[ ٧ / ١٨٤ ]
كالعبد الجاني والمرهون والمال الذي تعلقت به زكاة أو حق بائعه بالرجوع بإفلاس ونحو ذلك، قال ويستدل بهذا الحديث "يعنى حديث خباب" على أن الواجب في الكفن ستر العورة فقط، ولا يجب استيعاب البدن عند التمكن، فأن قيل لم يكونوا متمكنين من جميع البدن لقوله لم يوجد له غيرها، فجوابه أن معناه لم يوجد مما يملك الميت إلا نمرة، ولو كان ستر جميع البدن واجبا لوجب على المسلمين الحاضرين تتميمه أن لم يكن له قريب تلزمه نفقته، فأن كان - وجب عليه (فان قيل) كانوا عاجزين عن ذلك، لأن القضية جرت يوم أحد وقد كثرت القتلى من المسلمين واشتغلوا بهم وبالخوف من العدو وغير ذلك (فجوابه) أنه يبعد من حال الحاضرين المتولين دفنه أن لا يكون مع واحد منهم قطعة من ثوب ونحوها والله أعلم أم (قلت) وما قاله النووي ﵀ هو الأصح من مذهب الشافعي وهو ظاهر نص الشافعي في الم، وصححه صاحب المهذب والمحاملي في المجموع، وقطع به كثير من العراقيين أو أكثرهم (وقطع جمهور الخراسانيين) بأنه يجب ستر جميع البدن، فمن قطع به منهم إمام الحرمين والغزالي والبغوي والسرخسي وغيرهم، وصححه منهم القاضي حسين وغيره، ووافق الخراسانيين في ذلك الأئمة الثلاثة (أبو حنيفة ومالك وأحمد) فقالوا أقل الكفن ما يستر جميع بدن الميت سواء أكان ذكرا أم أنثى وما دون ذلك لا يسقط به فرض الكفاية عن المسلمين، قالوا ويجب تكفين الميت من ماله الخاص الذي لم يتعلق به حق الغير كالمرهون، فأن لم يكن له مال خاص فكفنه على من تلزمه نفقته في حال حياته إلا الزوجة (وذهب المالكية والحنابلة) إلي أنه لا يلزم الزوج تكفينها ولو كانت فقيرة، فأن لم يكن لمن فعلى جماعة المسلمين القادرين، ومثل الكفن في ذلك مؤن التجهيز كالحمل إلي المقبرة والدفن ونحو ذلك (وفي أحاديث الباب أيضا) دليل على جواز تكفين الرجلين والثلاثة في كفت واحد عند الضرورة، وتقدم بيان ذلك في الشرح (وفيها أيضا) دليل على أنه إذا ضاق الكفن عن ستر جميع البدن ولم يوجد غيره جعل مما يلي الرأس وجعل النقض مما يلي الرجلين (قال النووي) فأن ضاق عن ذلك سترت العورة، فأن فضل شيء جعل فوقها، وأن ضاق عن العورة سترت السوءتان لأنهما أهم، وهما الوصل في العورة أم (قالت) وفي تلك الحالة يستر الباقي من البدن بأذخر أو نحوه من نبات الأرض (وفيها أيضا) استجاب المواساة بالكفن إذا مات اثنان مثلا وكان لأحدهما ثوبان ولم يكن للآخر شيء فيستحب أن يكفن كل واحد منهما في ثوب واحد كما فعل بحمزة مع صاحبه (وفيها) ما كان عليه صدر هذه الأمة من إيثار الآخرة على الدنيا والتضحية بالنفس في سبيل الله (وفيها) أن الصبر على مكابدة الفقر وصعوبته من منازل الأبرار ودرجات الأخيار وفيها غير ذلك والله أعلم.
[ ٧ / ١٨٥ ]
(٤) باب تكفين الشهيد في ثيابه التي قتل فيها
(١٣٩) عن جابر بن عبد الله ﵄ قال رمى رجل بسهم في صدره أو قال في جوفه فأدرج في ثيابه كما هو ونحن مع رسول الله ﷺ
(١٤١) عن أبن عبَّاس ﵄ قال أمر رسول الله صلَّى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلَّم يوم أحد بالشُّهداء أن ينزع عنهم الحديد والجلود وقال أدفنوهم بدمائهم وثيابهم
(١٤١) عن عبد الله بن ثعلبه بن صعير ﵁ أن رسول الله ﷺ قال يوم أحد زمّلوهم في ثيابهم وجعل يدفن في القبر الرَّهط وقال قدّموا أكثرهم قرآنًا
_________________
(١) عن جابر بن عبد الله (سنده) حدثنا عبد الله أبي ثنا محمد ابن سابق ثنا إبراهيم بن طهمان عن أبي الزبير عن جابر - الحديث" (غريبة) (١) أو للشك من الراوي ولفظ أبي داود "رمى رجل بسهم في صدره أو حلقه فمات" ولم تقف على اسم الرجل ولا في أي غزوة كان ذلك (٢) أي لف في ثيابه ودفن بغير غسل ولا كفن "وقوله ونحن مع رسول الله ﷺ يشير بذلك إلي أن الحديث مرفوع إلي النبي ﷺ (تخريجه) (د. مذ. هق) وسنده جيد.
(٢) عن ابن عباس (سنده) حدثنا عبد الله حدثني أبي ثنا على بن عاصم عن عطاء بن الصائب عن سعيد بن جبير عن ابن عباس - الحديث" (غريبه) (٣) يعني آلات الحرب (٤) يعني بغير غسل ولا كفن (تخريجه) (د. جه. هق) وفي إسناده عطاء بن الصائب (قال الحافظ) في التلخيص وهو مما حدث به بعد الاختلاط.
(٣) عن عبد الله بن ثعلبة (سنده) حدثنا عبد الله حدثني أبي ثنا هيثم عن محمد بن إسحاق عن الزهري حدثني عبد الله بن ثعلبة بن صعير - الحديث (غريبه) (٥) الرهط من الرجال ما دون العشرة وقيل إلي الأربعين ولا تكون فيهم امرأة، ولا واحد له من لفظه، ويجمع على أرهط وأرهاط، وأرهط جمع الجمع (له) (٦) أي أكثرهم حفظا للقرآن أو أخذا للقرآن كما في بعض الروايات، وفيه دليل على
[ ٧ / ١٨٦ ]
تقديم من كان أكثر قرآنا من صاحبه، وفيه منقبة عظيمة لحفاظ القرآن - فأحمد الله الذي من على بحفظه وإتقانه كما انزل، ورحم الله والدي وجزاهما على أحسن الجزاء لأنهما السبب في ذلك، والمراد بتقديمه يعمي في القبر لجهة القبلة كما تقدم (تخريجه) (د وغيره) ورجاله رجال الصحيح (الأحكام) أحاديث الباب تدل على جواز دفن الشهيد بثيابه التي قتل فيها ونزع ما عليه من آلة الحرب فقط كالحديد والجلود ونحو ذلك، قال الإمام أحمد ﵀ "لا يترك عليه فرو ولا خف ولا جلد" وبهذا قال (الشافعي وأبو حنيفة) وقال مالك لا ينزع عنه فرو ولا خف ولا محشو لقول النبي ﷺ وادفنوهم بثيابهم (قلت) الخلاف في الفرو والخف ونحوهما، أما الجلود والحديد فنفق على نزعها ونقدم كلام النووي في ذلك في آخر الأحكام من باب ترك غسل الشهيد فارجم إليه، والظاهر أن الأمر فيه للوجوب، والحكمة في دفنهم بدمائهم إعلام النسا بأن الله طهرهم من الذنوب فلا يؤثر عليهم نجاسة الدم، بل إبقاؤه في ثيابهم وأجسامهم مفخرة لهم عند البعث لما تقدم في باب ترك غسل الشهيد في حديث عبد الله بن ثعلبة أيضا وجابر وغيرهما من قوله ﷺ ما من مجروح جرح في الله ﷿ إلا بعثه يوم القيامة وجرحه بدمي، اللون لون الدم والريح ريح المسك - الحديث" (وفي أحاديث الباب أيضا) جواز دفن الرجلين والثلاثة في قبر واحد للضرورة وتقدمي من كان أكثر حفظا للقرآن، وترجم له البخاري فقال (باب دفن الرجلين والثلاثة في قبر) (قال الحافظ) أورد فيه حديث جابر المذكور مختصرا بلفظ "كان يجمع بين الرجلين من قتلي أحد" (قال ابن رشيد) جرى المصنف على مادته إما بالإشارة إلي ما ليس على شرطه وإما بالاكتفاء بالقياس، وقد وقع في رواية عبد الرزاق بلفظ "وكان يدفن الرجلين والثلاثة في القبر الواحد" اهـ (قال الحافظ) ورود ذكر الثلاثة في هذه القصة عن أنس أيضا عند الترمذي وغيره، وروي أصحاب السنن عن هشام بن عامر الأنصاري قال جاءت الأنصار إلي رسول الله ﷺ يوم أحد، فقالوا أصابنا قرح وحمد، قال احفروا وأوسعوا واجعلوا الرجلين والثلاثة في القبر صححه الترمذي والظاهر أن المصنف (يعني البخاري) أشار إلي هذا الحديث، وأما القياس ففيه نظر لأنه لو أراده لم يقتصر على الثلاثة بل كان يقول مثلا دفن الرجلين فأكثر، ويؤخذ من هذا جواز دفن المرأتين في قبر، وإسناد حسن عن واثلة بن الأسقع أنه كان يدفن الرجل والمرأة في القبر الواحد، فيقدم الرجل ويجعل المرأة وراءه، وكأنه كان يجعل بينهما حائلا من تراب ولاسيما أن كانا أجنبيين والله اعلم (فائدة) قال الإمام الشافعي وأصحابه وصاحب المهذب ﵏ يتسحب أن يجمع الأقارب في موضع من المقبرة لما رواه أبو داود والبيهقي عن المطلب بن عبد الله بن حنطب
[ ٧ / ١٨٧ ]
(٥) باب تطييب بدن الميت وكفنه الا المحرم - وما جاء في تكفين المحرم
(١٤٢) عن جابر (بن عبد الله ﵄) قال قال رسول الله ﷺ إذا أجمرتم الميّت فأجمروه ثلاثًا
(١٤٣) عن أبن عباس ﵄ أنَّ رجلًا كان مع النَّبيّ ﷺ فوقصته ناقته وهو محرم فمات، فقال رسول الله ﷺ أغسلوه بماء وسدر
_________________
(١) أن النبي ﷺ ترك عند رأس عثمان بن مظعون صخرة وقال نعلم على قبر أخي لأدفن إليها من مات
(٢) عن جابر (سنده) حدثنا عبد الله حدثني أبي ثنا يحيي بن آدم ثنا قطبة عن الأعمش عن أبي سفيان عن جابر قال قال النبي ﷺ - الحديث" (غريبه) (١) أي إذا بخرتموه بالطيب، يقال ثوب مجمر ومجمر، وأجمرت الثوب وجمرته إذا بخرته بالطيب، والذي يتولي ذلك مجمر ومجمر ومنه نعيم المجمر الذي كان يلي إجمار مسجد رسول الله ﷺ (له) قال النووي: يستحب تبخير الكفن إلا في حق المحرم والمحرمة (قال أصحابنا) صفة ذلك أن يجعل الكفن) على عود أو نحوه، ثم يبخر كما يبخر ثياب الحي غير مطيب بالمسك فأن كان مطيبًا به جاز ويستحب تطييبه ثلاثا للحديث (يعمي حديث جابر) (تخريجه) (هق. بز. ك) وقال هذا حديث صحيح على شرك مسلم ولم يخرجاه (قلت) وأقره الذهبي (وقال النووي) رواه أحمد بن حنبل في مسنده والحاكم في المستدرك والبيهقي وإسناده صحيح، قال ولكن روي البيهقي بإسناده عن يحيي بن معين أنه قال لم يرفعه إلا يحيي بن آدم" قال يحيي بن معين ولا أظنه إلا غلطًا (قلت) كأن يحيي بن معين فرعه على قاعدة أكثر المحدثين أن الحديث إذا روى مرفوعا وموقوفا حكم بالوقف، والصحيح الذي قاله الفقهاء وأصحاب الأصول ومحققوا المحدثين أنه يحكم بالرفع لأنها زيادة ثقة، ولفظ رواية الحاكم والبيهقي "إذا جمرتم الميت فأوتروا" قال البيهقي: وروى "جمروا كفن الميت ثلاثًا" أهـ ج
(٣) عن ابن عباس (سنده) حدثنا عبد الله حدثني أبي ثنا هشيم أنبأنا أبو بشر عن سعيد بن جبير عن ابن عباس - الحديث" (غريبه) (٢) بفتح الواو بعدها قاف، ثم صاد مهملة من باب وعد أي رمت به فدقت عنقه فالعنق موقوصة وفي القاموس الوقص الكسر ولم يعلم اسم هذا الرجل (٣) فيه تعيين الماء والسدر لغسل
[ ٧ / ١٨٨ ]
وكفنوه في ثوبيه ولا تمسُّوه بطيب ولا تخمّروا رأسه فإنَّه يبعث يوم القيامة ملبّيًا (وعنه من طريقٍ ثان) يقول كنّا مع رسول الله ﷺ فخر رجل عن بعيره فوقص فمات (الحديث كما تقدَّم وفيه) فإنَّ الله ﷿ يبعثه يوم القيامة مهلًا، وقال مرَّة يهل (وعنه من طريق ثالثٍ) بنحوه وفيه فأمر به رسول الله ﷺ أن يغسَّل بماء وسدر، وأن يكفَّن في ثوبين، وقال لا تمسُّوه بطيب خارج رأسه قال شعبة ثم إنَّه حدَّثني به بعد ذلك
_________________
(١) الميت، وتقدم الكلام على ذلك في أبواب غسل الميت (١) فيه تكفين المحرم في ثيابه التي مات فيها، وقيل إنما اقتصر على تكفينه في ثوبيه لكونه مات فيهما وهو بتلك العبادة الفاضلة، ويحتمل أنه لم يجد غيرها (٢) بضم أوله وكسر الميم من أمس، قاله الحافظ أي لا تضعوا طيبا على جسمه ولا في كفنه (ولا تخمروا رأسه) أي لا تغطوه، لأن المحرم ممنوع من ذلك، ففيه دليل على بقاء حكم الإحرام، وأصرح من ذلك التعليل بقوله "فأنه يبعث يوم القيامة ملبيا" أي يقول لبيك اللهم لبيك، كما يقول الحاج، وفي بعض الروايات "فأنه يبعث يوم القيامة محرما" أي على حالته التي مات عليها ومعه علامة لحجه وهي دلالة الفضيلة كما يجيء الشهيد يوم القيامة وأوداجه تشحب دمًا (٣) (سنده) حدثنا عبد الله حدثني أبي ثنا سفيان عن عمرو عن سعيد بن جبير عن لاين عباس يقول "كنا مع رسول الله ﷺ - الحديث" (٤) أي سقط "وقوله فوقص" أي كسرت عنقه (٥) يعني أن الراوي رواه بلفظين، فمرة قال مهلًا ومرة قال يهل، والإهلال هو رفع الصوت بالتلبية، فقوله يهل يدل على تجدد التلبية مستمرًا، وقوله مهلًا يدل على ثبوتها (٦) (سنده) حدثنا عبد الله حدثني أبي ثنا محمد بن جعفر ثنا شعبة قال سمعت أبا بشر يحدث أنه سمع سعيد بن جبير يحدث أنه سمع بن عباس يحدث أن رجلًا أتي النبي ﷺ وهو محرم فوقع من ناقته فأوقصته، فأمر به رسول الله ﷺ أن يغسل بماء وسدر وأن يكفن في ثوبين، وقال لا تمسوه بطيب خارج رأسه (قال شعبة) ثم أنه حدثني به بعد ذلك فقال خارج رأسه أو وجهه فأنه يبعث يوم القيامة ملبدًا (٧) هذه الجملة أعني قوله "خارج رأسه" في موضع الحال من الضمير في قوله "وإن يكفن في ثوبين" والمعني أن يكون في رأسه خارجًا عن الكفن أي عاريا بدليل قوله في الطريق الأولي "ولا تخمروا رأسه" (٨) هو أحد للسند وراوي الحديث عن أبي بشر يريد أن أبا بشر حدثه مرة فقال
[ ٧ / ١٨٩ ]
فقال خارج رأسه أو وجهه فإنه يبعث يوم القيامة ملبّدًا
_________________
(١) "خارج رأسه" ثم حدثه به مرة اخرى فقال "خارج رأسه أو وجهه" بالشك، ورواه مسلم بنحو حديث الباب، لكن بدون شك ففيه "قال شعبة: ثم حدثنى به بعد ذلك خارج راسه ووجهه" يعنى مكشوف الراس والوجه معًا، والله اعلم (١) كذا فى هذه الرواية مبلدا بالدال المهملة، وكذا رواية للشيخين، ومعنى التلبيدأن يجعل المحرم فى راسه من الصمغ ليلتصق شعره فلا يشعث فى الاحرام، وكانت عادتهم أن يفعلوا ذلك فى الأحرام (قال الحافظ) وقد أنكر عياض هذه الرواية، وقال ليس للتبليد معنى (قلت) رد الحافظ قول عياض بأن رواية ملبدا ليست فاسدة المعنى بل توجيهها ظاهر، ولعل الحافظ يريد أن الله تعالى يبعثه يوم القيامة على هيئة التى مات عليها، أعلم (تخريجه) (ق والأربعة وغيرهم) (الأحكام) حديث جابر يدل على استحباب تبخير كفن الميت بعود ونحوه مما يظهر له رائحة زكية إذا وضع على النار، وتقدم كيفية التبخير فى الشرح، وأوصى أبو سعيد وابن عمر وابن عباس أن تجمر أكفانهم بالعود (قال أبو هريرة) يجمر الميت، ولأن هذا عادة الحى عند غسله وتجديد ثيابه أن يجمر بالطيب والعود فكذلك الميت، وكذا يستحب تطيب بدن الميت بالمسك أن تسير، لأنه أطيب الطيب، فقد روى عبد الرزاق فى مصنفه عن سلمان ﵁ أنه استودع امرأته مسكا، فقال اذا مت فطيبونى به فإنه يحضرني خلق الله "يعنى الملائكة" لا ينالون من الطعام والشراب يجدون الريح (وروى ابن آبى شيبة) عن ابن سيرين قال سئل ابن عمر ﵄ عن المسك يجعل فى الحنوط، قال أو ليس أطيب طيبكم المسك (وعن أبى وائل) قال كان عند على مسك فأوصى أن يحنط به، قال وقال على هو فضل حنوط رسول الله (ص) - رواه الحاكم وسكت عنه، وأقره الذهبى (وعن سعيد الخدرى) ﵁ أن النبى (ص) سئل عن المسك فقال "هو أطيب طيبكم_ رواه الحاكم وقال هذا حديث صحيح الاسناد (قلت) وأقره الذهبى، ورواه أيضا الأمام أحمد وسيأتى فى كتاب اللباس والزينة إن شاء الله تعالى_ فإن آمذر المسك فما أنواع الطيب؛ وبهذا قال كافة العلماء ولم أر مخالفا فى ذلك (وفى مختصر الخرقى) فى مذهب الأمام أحمد قال ويجعل الذريرة فى مفاصله ويحعل الطيب فى مواضع السجود والمغابن، ويفعل به كما يفعل بالعروس (قال ابن قدامة).فى شرحه، الذريرة هى الطيب المسحوق، ويستحب أن يجعل فى مفاصل الميت ومغابنه وهى المواضع التى تنثنى من الأنسان كطى الركبتين وتحت الابطين وأصول الفخذين لأنها مواضع
[ ٧ / ١٩٠ ]
الوسخ ويتبع بأزالة الوسخ والدرن منها من الحى ويتبع بالطيب من المسك والكافورمواضع السجود لأنها أعضاء شريفة، ويفعل به كما يفعل بالعروس، لأنه يروى عن النبى (ص) "اصنعوا بموتاكم كما تصنعون بعرائسكم» وكان ابن عمر يتبع مغابن الميت ومرافقه بالمسك (قال أحمد) يخلط الكافور بالذريرة، وقيل له يذر المسك على الميت أو يطلى به؟ قال لا يبالى، قد روى عن ابن عمر أنه ذر عليه، وروى عنه أنه مسحه بالمسك مسحا، سيرين طلا انسانا بالمسك من قرنه إلى قدمه، وقال ابراهيم النخعي يوضع الحنوط على عظم السجود الجبهة والراحتين والركبتين وصدر القدمين اهـ (وحديث ابن عباس) يدل على أن المحرم إذا مات لا يجوز أن يلبس المخيط ولا تحمر رأسه ولا يمس طيبا. وإليه ذهب الأئمة (الشافعي وأحمد واسحاق وآخرون) وذهب الأئمة (مالك والأوزاعى وأبو حنيفة وغيرهم) إلى أنه يفعل بالحى، وأجابوا عن الحديث الباب بأن قصة هذا الرجل واقعة عين لا عموم لها، فتختص به (وأجيب) بأن الحديث ظاهر فى أن العلة هى كونه فى النسك وهى عامة فى كل محرم، والأصل أن كل ثبت لواحد فى زمن النبي (ص) ثبت لغيره حتى يثبت التخصيص، واعتذر الداودى عن مالك فقال إنه لم يبلغه_ الحديث" وهو اعتذرا وجيه، وفى قوله (ص) "اغسلوه بماء وسدر" دليل على استحباب السدر فى غسل الميت، وأن المحرم فى ذلك كغيره (قال النووى ﵀) وهذا مذهبنا، وبه قال طاوس وعطاء ومجاهد وابن المنذر وآخرون، ومنعه (مالك وأبو حنيفة وآخرون) أما تخمير الرأس فى حق المحرم الحى فمجمع على تحريمه؛ وأما وجهه فقال (مالك وأبو حنيفة) هو كرأسه (وقال الشافعى والجمهور) لا إحرام فى وجهه بل له تغطيته، وإنما يحب كشف الوجه فى حق المرأة، هذا حكم المحرم الحى، وأما الميت (فمذهب الشافعى) وموافقيه أنه يحرم تغطية رأسه كما سبق، ولا يحرم تغطية وجهه بل يبقى كما كان فى الحياة، ويتأول هذا الحديث (يعنى حديث ابن عباس) على أن النهى عن تغطية وجهه ليس لكونه وجها، إنما هو صيانة للرأس، فإنهم لو غطوا وجهه لم يؤمن أن يغطوا رأسه ولا بد من تأويله، لأن مالكا وأبا حنيفة وموافقيهما يقولون لا يمنع من ستر رأس الميت ووجهه، والشافعى وموافقوه يقولون يباح ستر الوجه فتعين تأويل الحديث (قال) وفى قوله (وكنفنوه فى ثوبيه) فوائد (منها) الدلالة لمذهب الشافعى وموافقيه فى أن حكم الأحرام باق فيه (ومنها) أن التكفين فى الثياب الملبوسة جائز وهو مجمع عليه (ومنها) جواز التكفين فى ثوبين والأفضل ثلاثة (ومنها) أن الكفن مقدم على الدين وغيره، لأن النبى (ص) لم يسأل هل عليه دين مستغرق أم لا (ومنها) أن التكفين واجب وهو إجماع في حق
[ ٧ / ١٩١ ]
أبواب الصلاة على الميت
(١) باب فضل الصلاة على الميت وتشييع الجنازة
(١٤٤) عن أبي هريرة ﵁ قال قال رسول الله ﷺ من صلَّى على جنازة فله قيراط ومن انتظر حتَّى يفرغ منها فله قيراطان قالوا يا رسول الله
_________________
(١) المسلم، وكذا غسله والصلاة عليه ودفنه اهـ
(٢) عن أبى هريرة (سنده) حدثنا عبدالله حدثنى أبى ثنا عبد الأعلى عن معمر عن الزهرى عن سعيد بن المسيب عن أبى هريرة_ الحديث" (غريبه) (١) فى رواية للشيخين من شهد الجنازة حتى يصلى عليها، وفى رواية للبخارى (من شيع) وفى أخرى له وللأمام أحمد وستأتى "من تبع" وفى رواية لمسلم "من خرج مع جنازة من بيتها ثم تبعها حتى تدفن" فينبغى أن تكون هذه الرواية الأخيرة مقيدة لبقية الروايات المذكور فيها التشييع والشهادة والاتباع والصلاة، بأنها لا تعتبر محصلة للأجر المذكور فى الحديث إلا إذا كان ابتداء الحضور من بيت الميت، ويدل على ذلك ما وقع فى رواية أبى هريرة عند البزار بلفظ (من أهلها) وما عند الأمام أحمد وسيأتى من حديث أبى سعيد الخدرى بلفظ "من جاء جنازة فى أهلها فتبعها حتى يصلى عليها_الحديث" ومقتضاه أن القيراط يختص بمن حضر من أول الأمر الى انقضاء الصلاة وبذلك جزم الطبرى (قال الحافظ) والذى يظهر لى أن القيراط يحصل لمن ثلى فقط، لأن كل ما قبل الصلاة وسيلة اليها، لكن يكون قيراط من صلى فقط دون قيراط من شيع وصلى، واستدل بما عند مسلم بلفظ "من صلى على جنازة ولم يتبعها فله قيراط" وبما عند الأمام أحمد عن هريرة "ومن صلى ولم يتبعها فله قيراط" فدل على أن الصلاة تحصل القيراط وان لم يقع اتباع، قال ويمكن أن يحمل الاتباع هنا على ما بعد الصلاة اهـ "والقيراط) " بكسر القاف، أما مقداره فقد نقل الحافظ عن الجوهرى أنه قال "القيراط نصف دانق سدس الدرهم (قلت) فهو على هذا نصف سدس الدرهم_ولما كان مقدار القيراط المتعارف حقيرا نبه على عظم القيراط الحاصل لمن فعل ذلك فقال "مثل أحد" كما فى بعض الروايات، وفى أخرى "أصغرهما مثل أحد" وفى حديث الباب "مثل الجلين العظيمين" (٢) قال النووى ضبطناه بضم الياء وفتح الراء وعكسه والأول أحسن وأعم، وفيه دليل لمن يقول القيراط الثانى لا يحصل إلا بفراغ الدفن (٣) ربما يفهم من هذه العبارة أن القيراطين لمن انتظر حتى يفرغ منها ولو لم يصل، وليس الأمر كذلك انما هما لمن صلى وانتظر حتى يفرغ منها، ويؤيد ذلك مارواه البخارى في أول صحيحه
[ ٧ / ١٩٢ ]
وما القيراطان؟ قال مثل الجبلين العظيمين (وعنه من طريق ثانٍ) أنه سمع رسول الله ﷺ يقول من صلَّى على جنازة فاتَّبعها فله قيراطان مثلى أحد، ومن صلَّى ولم يتَّبعها فله قيراط مثل أحد، قال ابن بكر القيراط مثل أحد
(١٤٥) عن أبن عمر ﵄ قال قال رسول الله صلَّى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلَّم من صلَّى على جنازة فله قيلااط، قالوا يا رسول الله مثل قيراطنا هذا؟ قال لا، بل مثل أحدٍ أو أعظم من أحدٍ (وعنه من طريقٍ
_________________
(١) في كتاب الإيمان "من شهد جنازة وكان معها حتى يصلى عليها ويفرغ من دفنها رجع من الأجر بقراطين" فهذا صريح فى أن المجموع بالصلاة والاتباع وحضور الدفن قيراطان، وظاهره أن القيراط الثانى لا يحصل إلا لمن دام معها من حين صلى إلى أن فرغ من دفنها؛ وهو أصح الأوجه عند الشافعية وغيرهم، وقيل يحصل بمجرد الوضع فى اللحد، وقيل عند انهاء الدفن قبل اهالة التراب، وقد وردت الأخبار بكل ذلك، ففي حديث الباب ورواية عند مسلم "حتى يفرغ منها"، وعنده أخرى "حتى توضع فى اللحد"، وعنده أيضا "حتى توضع فى القبر" وعند الترمذى "حتى يقضى دفنها" وعند أبى عوانة "حتى بسوى عليها" أى التراب، وقيل يحصل القيراط بكل من ذلك ولكن يتفاوف، والظاهر أنها تحمل الروايات المطلقة عن الفراغ من الدفن وتسوية التراب بالمقيدة بهما، والله أعلم (١) فى رواية لمسلم "القيراط مثل أحد" وفى رواية للنسائى " كل واحد منهما أعظم من أحد" وفى رواية لمسلم أيضًا "أصغرهما مثل أحد" وسيأتى مثل هذه الروايات كلها للأمام أحمد، وفى رواية لابن عدى "أثقل من أحد" فأفادت هذه الرواية بيان وجه التمثيل بجبل أحد، وأن المراد به زنة الثواب المترتب على ذلك (٢) (سنده) حدثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا عبد الرزاق وابن بكر قالا أنا ابن جريح أخبرنى الحارث بن عبد المطلب، وقال ابن بكر ابن عبد الملك أن نافع بن جبير أخبره أن أبا هريرة أخبره أنه سمع النبى (ص) "الحديث" (٣) يريد والله أعلم أن ابن بكر أحد الرواة قال فى روايته بعد قوله (فله قيراطان) "القيراط مثل أحد" وأما غيره فقال قيراطان مثلى أحد (تخريجه) (ق. والأربعة. وغيرهم) (١٤٥) عن ابن عمر (سنده) حدثنا عبدالله حدثنى أبى ثنا يعلى ثنا اسماعيل عن سالم بن عبدالله عن ابن عمر _الحديث" (تخريجه) أورده الهيثمى وقال رواه
[ ٧ / ١٩٣ ]
ثانٍ) عن رسول الله ﷺ قال من تبع جنازة حتَّى يصلى عليها فإن له قيراطًا، فسئل رسول الله ﷺ عن القيراط، فقال مثل أحدٍ
(١٤٦) وعنه أيضًا ﵁ أنه مرَّ بأبي هريرة وهو يحدّث عن النَّبيّ ﷺ أنه قال؛ من تبع جنازةً فصلَّى عليها فله قيراط، فإن شهد دفنها فله قيراطان، القيراط أعظم من أحدٍ، فقال له ابن عمر أبا هرٍ أنظر ما تحدّث به عن رسول الله (وفي لفظ أنظر ما تحدّث يا أبا هريرة فإنَّك تكثر الحديث عن رسول الله ﷺ) فقام إليه أبو هريرة حتَّى انطلق به إلى عائشة ﵂ فقال لها يا أمّ المؤمنين أنشدك بالله أما سمعت رسول الله
_________________
(١) أحمد والطبراني فى الكبير والأوسط الا أنه قال فى الكبير عن رسول الله (ص) "من تبع جنازة حتى يصلي عليها ثم يرجع فله قيراط، ومن صلى عليها ثم مشى معها حتى يدفنها فله قيراطان، قيل يارسول الله وما القيراطان؟ قال مثل أحد" والبراز بنحوه ورجاله ثقات (١) (سنده) حدثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا يحيى عن إسماعيل حدثنى سالم بن عبد الله عن ابن عمر عن رسول الله (ص) (تخريجه) أوراده الهيثمى وقال رواه أحمد والطبرانى فى الكبير والأوسط، إلا أنه فى الكبير عن رسول الله (ص) "من تبع جنازة حتى يصلى عليها ثم يرجع فله قيراط، ومن صلى عليها ثم مشى معها حتى يدفنها فله قيراطان، قيل يارسول الله وما القيراطان؟ قال مثل أحد" والبراز بنحوه ورجاله ثقات اهـ. وأورد الطريق الثانية منه المنذرى وعزاها للأمام أحمد فقط قال ورواته ثقات (١٤٦) وعنه أيضا (سنده) حدثنا عبدالله حدثنى أبى ثنا هشيم عن يعلى ابن عطاء عن الوليد بن عبد الرحمن القرشى عن ابن عمر ﵄ أنه مر بأبى هريرة "الحديث" (غريبه) (٢) أى تحقق ما تقول لعلك تكون ناسيًا لأنك تكثر الحديث عن رسول الله (ص) فربما اشتبه عليك، ومعنى كلام ابن عمر ﵄ أنه خاف لكثرة روايات أبى هريرة أنه اشتبه عليه الأمر فى ذلك واختلط عليه حديث بحديث، لا أنه نسبه إلى رواية مالم يسمع، لأن مرتبة ابن عمر وأبى هريرة أجل من هذا (٣) رواية مسلم فبعث ابن عمر إلى عائشة يسألها فصدقت أبا هريرة، وفي رواية أبي سلمة
[ ٧ / ١٩٤ ]
ﷺ يقول من تبع جنازة فصلَّى عليها فله قيراط، فإن شهد دفنها فله قيراطان؟ فقالت اللَّهمَّ نعم، فقال أبو هريرة إنَّه لم يكن يشغلني عن رسول الله ﷺ غرس الوادي ولا صفق بالأسواق إني إنما كنت أطلب من رسول الله ﷺ كلمة يعلّمنها وأكلة يطعمنيها؛ فقال له ابن عمر أنت يا أبا هريرة كنت ألزمنا لرسول الله صلَّى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلَّم وأعلمنا بحديثه
_________________
(١) عند الترمذي، فذكر ذلك البن عمر فأرسل إلى عائشة فسألها عن ذلك فقالت صدق (وفى رواية خباب) صاحب المقصورة عند مسلم فأرسل ابن عمر خبابا إلى عائشة يسألها عن قول أبى هريرة ثم يرجع اليه فيخبره بما قالت حتى رجع اليه الرسول، فقال قالت عائشة صدق أبو هريرة (وفى رواية لأبى داود) فأرسل ابن عمر إلى عائشة فقالت صدق أبو هريرة (ووقع فى رواية الوليد بن عبدالرحمن) عن سعيد بن منصور، فقام أبو هريرة فأخذ بيده فانطلقا حتى أتيا عائشة كما فى حديث الباب (قال الحافظ) ويجمع بينهما بأن الرسول لما رجع الى ابن عمر بخير عائشة بلغ ذلك أبا هريرة فمشى الى ابن عمر فأسمعه ذلك من عائشة مشافهة اهـ (وقوله فمشى الى ابن عمر) يعنى ثم ذهب معه إلى عائشة الخ والله أعلم، وإنما بعث ابن عمر الى عائشة يسألها بعد إخبار أبى هريرة لأنه خاف على أبى هريرة النسيان والا شتباه كما تقدم فلما وافقته عائشة علم أنه أحفظ وأتقن (١) يعنى لا تستغربوا كثرة حديثى عن رسول الله (ص) فانه ما كان يشغلنى عن ملازمته زراعة ولا تجارة مثلكم، بل كنت ألازمه لطلب العلم وما يسد حاجتى من القوت الضرورى، لذلك حفظت مالم تحفظوا ووعيت مالم تعوا ﵁ (ويؤيد ذلك) مارواه الشيخان والأمام أحمد وغيرهم عن أبى هريرة قال انكم تزعمون أن أبا هريرة يكثر الحديث عن رسول الله (ص) والله الموعد، انى كنت امرءا مسكينا أصحب رسول الله (ص) على ملء بطنى، وكان المهاجرون يشغلهم الصفق بالأسواق، وكانت الأنصار يشغلهم القيام على أموالهم فحضرت من النبي (ص) مجلسا فقال من يبسط رداءه حتى أقضى مقالتى ثم يقبضه اليه فلن ينسى شيئا سمعه منى؟ فبسطت بردة على حتى قضى حديثه، ثم قبضها إلى، فوالذى نفسى بيده مانسيت شيئا سمعته منه بعد (تخريجه) أخرجه سعيدبن منصور مطو لا بلفظ حديث الباب، وأخرجه (ق. مذ) مختصرًا وسنده صحيح (وفى روايه عند الشيخين) فقال ابن عمر ﵄ "لقد فرطنا فى قراريط كثيرة" يعنى من عدم المواظبة على حضور الدفن كما جاء ذلك مبينا فى رواية لمسلم من طريق ابن شهاب
[ ٧ / ١٩٥ ]
(١٤٧) عن ثوبان مولى رسول الله ﷺ ورضي عنه أنَّ نبي الله ﷺ قال من تبع جنازة (وفي رواية من صلَّى على جنازةٍ) فله قيراط ومن شهد دفنها فله قيراطان، قيل وما القيراطان؟ قال أصغرهما مثل أحدٍ
(١٤٨) عن عبد الله بن مغفَّل ﵁ قال قال رسول الله ﷺ من تبع جنازة حتَّى يصلى عليها فله قيراط، ومن انتظرها حتَّى يفرغ منها فله قيراطان
(١٤٩) عن أبي هريرة ﵁ أنَّ رسول الله صلَّي الله عليه وعلى آله وصحبه وسلَّم قال من تبع جنازة يحمل من علوّها وحثا في قبرها
_________________
(١) عن سالم بن عبد الله بن عمر كان ابن عمر يصلى عليها "يعنى الجنازة" ثم ينصرف، فلما بلغه حديث أبى هريرة قال لقد ضيعنا قراريط كثيرة (قال الحافظ) وفى هذه القصة دلالة على تميز أبى هريرة فى الحفظ وأن انكار العلماء بعضهم على بعض قديم، وفيه استغراب العالم مالم يصل الى علمه، وعدم مبالاة الحافظ بأنكار من لم يحفظ، وفيه ما كان الصحابة عليه من التثبت فى الحديث النبوى والتحرز فيه والتنقيب عليه، وفيه دلالة على فضيلة ابن عمر من حرصه على العلم وتأسفه على مافاته من العمل الصالح اهـ.
(٢) عن ثوبان (سنده) حدثنا عبدالله حدثنى أبى ثنا أبو قطن ثنا هشام عن قتادة عن سالم بن أبى الجعد عن معدان بن أبى طلحة عن ثوبان_الحديث" (غريبه) (١) يعنى حتى يصلى عليها بدليل ماتقدم فى الروايات الأخرى وما فى الرواية الثانية من هذا الحديث أيضًا (تخريجه) (م. جه. وغيرهما)
(٣) عن عبد الله بن مغفل (سنده) حدثنا عبدالله حدثنى أبى ثنا أبو النضر قال ثنا المبارك عن الحسن عن عبدالله بن مغفل _الحديث" (تخريجه) (نس) وصحح الحافظ اسناده.
(٤) عن أبى هريرة (سنده) حدثنا عبدالله حدثنى أبى ثنا عبدالله ابن يزيد ثنا ابن لهيعة حدثنى عبدالله بن هبيرة عن تميم الجيشانى قال كتب الى عبدالله ابن هرمز مولى من أهل المدينة يذكر عن أبى هريرة أن رسول الله (ص) قال "من تبع جنازة_الحديث" (غريبه) (٢) فيه اشارة الى كيفية حمل الجنازة بارتفاع سريرها على عةاتق الرجال مادامت محمولة فيه (وفيه أيضًا) احتراز من حملها فى نحو قفة أو غرارة مثلا أو خشبة مدلاة بين أيدى الحاملين، ففى ذلك إهانة للميت ولا يجوز فعله (٣) يقال حثا
[ ٧ / ١٩٦ ]
وقعد حتى يؤذن له آب بقراطين من الأجر كلُّ قيراط مثل أحدٍ
(١٥٠) عن أبي سعيدٍ الخدرىّ ﵁ قال قال رسول الله ﷺ من جاء جنازة في أهلها فتبعها حتَّى يصلى عليها فله قيراط، ومن مضى معها فله قيراطان مثل أحدٍ (وعنه من طريق ثانٍ) عن النَّبيّ ﷺ قال من صلَّى على جنازة وشيَّعها كان له قيراطان، ومن صلى عليها ولم يشيّعها كان له قيراط والقيراط مثل أحدٍ
_________________
(١) الرجل التراب يحثوه حثوا، ويحثيه حثيا من باب رمى لغة. إذا هاله بيده، وبعضهم يقول قبضه بيده ثم رماه، ومنه فاحثوا التراب فى وجهه. ولا يكون إلا بالقبض والرمى، وهو المراد هنا، والمعنى أنه يسن لمن على شفير القبر أن يحثوا فى القبر ثلاث حثيات من تراب لأن النبي (ص) فعل ذلك فى قبر عثمان بن مظعون ﵁، وسيأتى الكلام على ذلك مبسوطا فى باب من أين يدخل الميت قبره (١) فيه استحباب المكث عند القبر ختى يفرغ من دفن الميت واستئذان ولى الميت فى الانصراف، وسيأتى الكلام عليه فى الأحكام «وقوله آب» بمد الهمزة من الأياب وهو الرجوع أى رجع بقراطين من الأجر الخ (تخريجه) لم أقف عليه بهذا اللفظ لغير الأمام أحمد وفى اسناده ابن لهيعة فيه كلام وفيه أيضًا عبدالله بن هرمز ضعيف
(٢) عن أبى سعيد الخدرى (سنده) حدثنا عبدالله حدثنى أبى ثنا عفان ثنا وهيب ثنا عمرو بن يحيى عن محمد بن يوسف بن عبد الله سلام عن أبى سعيد الخدرى_الحديث" (غريبه) (٢) استدل به القائلون بأن القيراط يختص بمن حضر من أول الأمر إلى انقضاء الصلاة (٣) يعنى بعد أن صلى عليها كما يؤخذ من الطريق الثانية (٤) (سنده) حدثنا عبد الله حدثنى ابى ثنا فضيل بن مرزوق عن عطية العوفى عن أبى سعيد الخدرى عن النبى (ص) _الحديث" (٥) فيه إشعار بأن من صلى فقط ولم يشيع يحصل له فضل القيراط، ويستفاد منه أيضا أن من شيع ولم يصل ولم ينتظر الفراغ من الدفن كان محصلا لقيراط التشييع، ولكن تعارضه الأحاديث الأخرى والحديث الذى بعده حيث قيد فيه بالاتباع والفراغ، وتقدم الكلام على ذلك شرح الحديث الأول من أحاديث الباب (تخريجه) أورده الهيثمى وقال رواه الزار وأحمد وأبو يعلى
[ ٧ / ١٩٧ ]
(١٥١) عن أبيّ بن كعبٍ ﵁ عن النَّبيّ ﷺ قال من تبع جنازة حتى يصلَّى عليها ويفرغ منها فله قيراطان، ومن تبع حتَّى يصلَّى عليها فله قيراط، والذي نفس محمد بيده لهو أثقل في ميزانه من أحدٍ
_________________
(١) وإسناده حسن (قلت) وصحح الحافظ رواية الأمام أحمد
(٢) عن ابى بن كعب (سنده) حدثنا عبدالله حدثنى أبى ثنا يزيد ابن هارون أنا حجاج بن أرطاة عن عدى بن ثابت عن زر بن حبيش عن أبى "الحديث" (غريبه) (١) بينت هذه الرواية وجه التمثيل بجبل أحد، وأن المراد به زنة الثواب المترتب على ذلك (تخريجه) (جه) وفى إسناده حجاج بن أرطاة مدلس (وفى الباب) (عن البراء بن عازب) وضى الله عنه قال قال رسول الله (ص) "من تبع جناوة حتى يصلى عليها كان له من الأجر قيراط، ومن مشى مع الجنازة حتى تدفن كان له من الأجر قيراطان، والقيراط مثل أحد، رواه النسائى وسنده جيد (وعن أنس بن مالك) ﵁ مرفوعا قال "مامن مسلم يشهد جنازة امرئ مسلم إلا كان له قيراط من الأجر؛ فان قعد حتى يسوى عليها كان له قيراطان من الأجر كل قيراط مثل أحد، وفى رواية من صلى على جنازة كتب له قيراط (قال الهيثمى) رواه أبو يعلى والطبرانى فى الأوسط بلفظ من تبع جنازة فصلى عليها؛ وقالوا وما القيراط يارسول الله؟ قال مثل أحد، وفى إسناد أحدهما محسب وفى الآخر روح بن عطاء وكلاهما ضعيف اهـ (وعن أبى هريرة) ﵁ عن النبى (ص) قال من أتى جنازة فى أهلها فله قيراط، فان اتبعها فله قيراط، فان انتظرها حتى تدفن فله قيراط، رواه البزار، وفيه معدى بن سليمان صحح له الترمذى ووثقه أبو حاتم وغيره، وضعفه أبو زرعة والنسائى، وبقية رجاله رجال الصحيح، قاله الهيثمى وقال له حديث غير هذا فى الصحيح (قلت) هو ما ذكر فى أحاديث الباب من رواية الامام أحمد والشيخين وغيرهم (وعن ابن عباس) ﵄ قال: سمعت رسول الله (ص) يقول يوضع فى ميزانه قيراطان مثل أحد "يعنى من تبع جنازة" (قال الهيثمى) رواه الطبرانى فى الكبير وفيه نافع أبو هرمز وهو متروك (الأحكام) فى أحاديث الباب الحث على الصلاة على الجنازة واتباعها ومصاحبتها حتى تدفن؛ وأن من فعل ذلك كان له قيراطان من الأجر، قيراط بالصلاة وقيراط بالاتباع مع حضور الدفن والفراغ منه، وفى بعض الأحاديث عدم التقييد بحضور الدفن، وتقدم فى شرح الحديث الأول أنها تحمل
[ ٧ / ١٩٨ ]
الروايات المطلقة عن الفراغ من الدفن وتسوية التراب بالمقيدة بهما (قال النووى) وهذا هو الصحيح عند أصحابنا، قال وقال بعض أصحابنا: يحصل القيراط الثانى اذا ستر الميت فى القبر باللبن، وإن لم يلق عليه التراب؛ قال والصواب الأول (وذكر فى المجموع) خلافا لأصحاب الشافعى فى هذه المسألة ثم قال: والحاصل أن الأنصراف مراتب (احداها) ينصرف عقب الصلاة (الثانية) عقب وضعها فى القبر وسترها باللبن قبل اهالة التراب (الثالثة) ينصرف بعد اهالة التراب وفراغ القبر (الرابعة) يمكث عقب الفراغ ويستغفر للميت ويدعو له ويسأل له التثبيت، فالرابعة أكمل المراتب، والثالثة تحصل القيراطين، ولا تحصله الثانية على الأرجح، ويحصل بالأولى قيراط بلا خلاف اهـ (وفى حديث أبى هريرة) المذكور فى الشرح من رواية البزار ما يدل على أن القراريط أربعة لا اثنان كما أحاديث الباب (قال الحافظ) ونقل ابن الجوزي عن ابن عقيل أنه يقول القيراط نصف سدس درهم أو نصف عشر دينار، والأشارة بهذا المقدار إلى الأجر المتعلق بالميت فى تجهيز وغسله وجميع ما يتعلق به، فللمصلى عيه قيراط من ذلك، ولمن شهد الدفن قيراط، وذكر القيراط تقريبا للفهم لما كان الأنسان يعرف القراريط ويعمل العمل فى مقابلته وعد من جنس ما يعرف وضرب له المثل بما يعلم اهـ (قال الحافظ) وليس الذى قاله ببعيد، وقد روى الزار من طريق عجلان عن أبى هريرة مرفوعا "من أتى جنازة فى أهلها فله قيراط، فان تبعها فله قيراط، فان صلى عليها فله قيراط، فان انتظرها حتى تدفن فله قيراط" فهذا يدل على أن لكل عمل من أعمال الجنازة قيراطا، وان اختلفت مقادير القراريط ولا سيما بالنسبة إلى مشقة ذلك العمل وسهولته، وعلى هذا فيقال لإنما خص قيراطى الصلاة والدفن بالذكر لكونهما المقصودين بخلاف باقى أحوال الميت فأنها وسائل، ولكن هذا يخالف ظاهر سياق الحديث الذى فى صحيح "يعنى صحيح البخارى" المتقدم فى كتاب الايمان فان فيه أن لمن تبعها حتى يصلى عليها ويفرغ من دفنها قيراطين فقط؛ ويجاب عن هذا بأن القيراطين المذكورين لمن شهد والذى ذكره ابن عقيل لمن باشر الأعمال التى يحتاج اليها الميت فافترقا (قال) وذهب الأكثر الى أن المراد بالقيراط فى أحاديث الباب جزء من أجزاء معلومة عند الله وقد قربها النبي (ص) للفهم بتمثيله القيراط بأحد (قال الطيي) قوله مثل أحد تفسير للمقصود من الكلام لا للفظ القيراط، والمراد منه أنه يرجع بنصيب كبير من الأجر، وذلك لأن لفظ القيراط مبهم من وجهين فبين الموزون بقوله من الأجر وبين المقدار المراد منه بقوله مثل أحد (قال الزين بن المنير) أراد تعظيم الثواب فمثله للعيان بأعظم الجبال خلقا وأكثرها الى النفوس المؤمنة حبًا لأنه الذى قال (ص) فى حقه (إنه جبل يحبنا ونحبه) اهـ. ولأنه أيضًا
[ ٧ / ١٩٩ ]
قريب من المخاطبين يشترك أكثرهم فى معرفته، وخص القيراط بالذكر لأنه أقل ما يقع به الأجارة فى ذلك الوقت، أو جرى ذلك مجرى العادة من تقليل الأجر بتقليل العمل، أفاده الحافظ (وفى حديث أبى هريرة) السادس من أحاديث الباب ما يدل على استئذان المشيع أولياء الميت فى الانصراف، ولم يقل بذلك أحد إلا ما حكاه ابن عبد الحكم عن الأمام مالك أنه لا ينصرف إلا بأذن، قال وهو قول جماعة من الصحابة (قلت) حديث أبى هريرة المذكور لا يصلح الاحتجاج به لضفعه (قال القاضى عياض) ﵀ وفى اطلاق أحاديث الباب أشارة إلى أنه لا يحتاج المنصرف عن اتباع الجنازة بعد دفنها إلى استئذان، وهو مذهب جماهير العلماء من الصحابة والتابعين ومن بعدهم، وهو المشهور عن مالك أهـ (قلت) وقد أشار البخارى ﵀ إلى ذلك فى صحيحه فقال (باب فضل اتباع الجنائز) وقال زيد ابن ثابت ﵁ (إذا صليت فقد قضيت الذى عليك) وقال حميد بن هلال (ما علمنا على الجنازة إذنا ولكن من صلى ثم رجع فله قيراط) اهـ (وتكلم الحافظ على أنر زيد ابن ثابت) فقال وصله سعيد بن منصور من طريق عروة عنه بلفظ (إذا صليم على الجنازة فقد قضيتم ما عليكم فخلوا بينهاوبين أهلها) وكذا أخرجه عبد الرزاق لكن بلفظ (إذا صليت على جنازة فقد قضيت ما عليك) ووصله ابن أبى شيبة من هذا الوجه بلفظ الأفراد ومعناه فقد قضيت حق الميت، فاذا أردت الاتباع فلك زيادة أجر (وتكلم أيضا على أنر حميد بن هلال) فقال لم أره موصولا عنه (قال الزين بن المنير) مناسبته للترجمة استعارة بأن الاتباع إنما هو لمحض ابتغاء الفضل، وأنه لا يجرى مجرى قضاء حق أولياء الميت فلا يكون لهم فيه حق ليتوقف الانصراف قبله على الأذن منهم (قال الحافظ) وكأن البخارى أراد الرد على ما أخرجه عبد الرزاق من طريق عمرو بن شعيب عن أبى هريرة قال (أميران وليسا بأميرين، الرجل يكون مع الجنازة يصلى عليها فليس له أن يرجع حتى يستأذن وليها - الحديث) وهذا منقطع موقوف (وروى عبد الرزاق) مثله من قول ابراهيم، وأخرجه ابن أبى شيبة عن المسور من فعله أيضا؛ وقد ورد مثله مرفوعا من حديث جابر، أخرجه البزار باسناد فيه مقال (وأخرجه العقيلى) فى الضعفاء من حديث أبى هريرة مرفوعا بأسناد ضعيف (وروى أحمد) من طريق عبد الله بن هرمز عن أبى هريرة (فذكر حديث أبى هريرة السادس من أحاديث الباب) ثم قال واسناده ضعيف، قال والذى عليه معظم أئمة الفتوى قول حميد بن هلال (يعنى ما علمنا على الجنازة أذنا الخ) قال وحكى عن مالك أنه لا ينصرف حتى يستأذن أهـ. (تتمة) إعلم رحمنى الله وإياك أنه ورد الأمر بالصلاة على الجنازة واتباعها فى غير حديث (فما ورد) فى الصلاة على الميت قوله ﷺ
[ ٧ / ٢٠٠ ]
(٢) باب ما يرجى للميت بكثرة المصلين عليه
(١٥٢) عن مرثد بن عبد الله اليزنيّ عن مالك بن هبيرة ﵁ قال قال رسول الله ﷺ ما من مؤمن يموت فيصلّي عليه أمّه من المسلمين بلغوا أن يكونوا ثلاثة صفوفٍ إلاَّ غفر له، قال فكان مالك بن هبيرة يتحرَّى إذا قلَّ أهل الجنازة أن يجعلهم ثلاثة صفوف
_________________
(١) (صلوا على صاحبكم) رواه الشيخان والأمام أحمد وسيأتى قريبا فى باب ترك الأمام الصلاة على الغال وقاتل نفسه الخ، وهذا أمر. وهو للوجوب (قال النووى ﵀) وقد نقلوا الأجماع على وجوب الصلاة على الميت إلا ما حكى عن بعض المالكية أنه جعلها سنة، وهذا متروك عليه لا يلتفت اليه أهـ ج (ومما ورد) فى اتباع الجنازة: حديث البراء بن عازب ﵄ (قال أمرنا رسول الله ﷺ باتباع الجنائز وعيادة المريض وتشميت العاطس وإجابة الداعى ونصر المظلوم) رواه الشيخان والأمام أحمد أيضا، وسيأتى بأطول من هذا فى الباب السابع من كتاب الأدب والمواعظ والحكم من قسم الترغيب ان شاء الله تعالى، والامر باتباع الجنازة والصلاة على الميت للوجوب على الكفاية كغسله وتكفينه ودفنه، إذا قام به سقط عن الباقين، ولكنه يستحب لهم لأحراز الثواب والله الموفق للصواب.
(٢) عن مرئد بن عبد الله (سنده) حدثنا عبد الله حدثنى أبى قال حدثنا يزيد بن هارون قال أنا حماد بن زيد عن محمد بن اسحاق عن يزيد بن أبى حبيب عن مرثد بن عبد الله - الحديث (غريبه) (١) زاد ابن ماجه بعد قوله عن مالك بن هبيرة (الشامى وكانت له صحبة) (قلت) ويقال أيضا السكونى الكندى نزل مصر وولى حمص وكان أميرا لمعاوية على الجيوش وغزو الروم، مات فى أيام مروان (ومرئد) بفتح الميم وسكون الراء وبالثاء الملثلثة المفتوحه، فقيه ثقة (٢) أى جماعة (٣) يستفاد منه أن من صلى عليه ثلاثة صفوف من المسلمين غفر له، وأقل ما يسمى صفا رجلان ولا حد لأكثره (٤) يعنى اذا قل عدد المصلين على الجنازة جعلهم ثلاثة صفوف لاحراز الثواب المترتب على ذلك (تخريجه) (د. مذ. جه. هق. ك) وصححه، وسكت عنه أبو داود والمنذرى (وقال الترمذى) حديث مالك بن هبيرة حديث حسن - رواه غير واحد عن محمد بن اسحاق، وروى ابراهيم بن سعيد عن على بن إسحاق هذا الحديث وأدخل
[ ٧ / ٢٠١ ]
(١٥٣) عن عائشة ﵂ أنَّ النَّبيَّ صلَّى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلَّم قال لا يموت أحد من المسلمين فيصلّى عليه أمَّه من النَّاس يبلغون أن يكونوا مائة فيشفعوا له إلا شفّعوا فيه
(١٥٤) وعن أنس بن مالك ﵁ عن النَّبيّ ﷺ مثله
(١٥٥) عن ابن عبَّاس ﵄ سمعت رسول الله صلى الله عليه
_________________
(١) بين مرثد ومالك بن هبيرة رجلا ورواية هؤلاء اصح عندنا
(٢) عن عائشة (سنده) حدثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا اسماعيل ثنا أيوب عن أبى قلابة عن عبد الله بن يزيد رضيعا كان لعائشة (يعنى أخاها من الرضاع) عن عائشة - الحديث) (غريبه) (١) فيه استحباب تكثير جماعة الجنازة، ويطلب بلوغهم إلى هذا العدد الذى يكون من موجبات الفوز، وقد قيد ذلك بأمرين (الأول) أن يكونوا شافعين فيه. أى مخلصين له الدعاء سائلين له المغفرة (الثانى) أن يكونوا مسلمين ليس فيهم من يشرك بالله شيئا كما فى حديث ابن عباس الانى (تخريجه) (م. نس. مذ) وقال حديث عائشة حديث حسن صحيح، وقد أوقفه بعضهم ولم يرفعه اهـ (قال النووى) قال القاضى عياض - رواه سعيد بن منصور موقوفا على عائشة فاشار إلى تعليله بذلك وليس معلنلا لأن من رفعه ثقة وزيادة الثقة مقبولة اهـ.
(٣) عن أنس بن مالك (سنده) حدثنا عبد الله حدثنى ابى ثنا على ابن اسحاق أنا عبد الله وعتاب قال ثنا عبد الله أنا سلام بن أبى مطيع عن أيوب عن أبى قلابة عن عبد الله رضيع عائشة عن عائشة عن النبى ﷺ قال (ما من ميت تصلى عليه أمة من المسلمين يبلغون أن يكونوا مائة فيشفعون له إلا شفعوا فيه (قال سلام) حدثنا به شعيب بن الحبحاب، فقال حدثنى به أنس بن مالك عن النبى ﷺ (تخريجه) أخرجه مسلم بسند رواية الأمام أحمد ولفظها الا أنه قال (يبلغون مائة كلهم يشفعون له إلا شفعوا فيه قال فحدثت به شعيب بن الحبحاب الخ) وفى رواية أخرى للأمام أحمد بلفظ رواية مسلم
(٤) عن ابن عباس (سنده) حدثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا هارون قال أبو عبد الرحمن وسمعته أنا من هارون قال أنا ابن وهب حدثنى أبو صخر عن شريك أبن عبد الله بن أبى نمر عن كريب مولى ابن عباس عن عبد الله بن عباس أنه مات ابن له بقديد أو يعسفان، فقال ياكريب انظر ما اجتمع له من الناس، قال فخرجت فاذا ناس قد
[ ٧ / ٢٠٢ ]
وعلى آله وصحبه وسلَّم يقول ما من مسلم يموت فيقوم على جنازته أربعون رجلالا يشركون بالله إلا شفَّعهم الله فيه
(١٥٦) عن ميمونة زوج النَّبيّ أنَّ رسول الله ﷺ قال ما من مسلم يصلىّ عليه أمَّه إلا شفّعوا فيه، قال أبو المليح ألأمَّة أربعون إلى مائةٍ فصاعدًا
_________________
(١) اجتمعوا له فأخبرته قال يقول هم أربعون، قال نعم؛ قال أخرجوه فأنى سمعت رسول الله صلى الله علىيه وسلم يقول (مامن مسلم _الحديث) (تخريجه) (م. د. جه. هق)
(٢) عن ميمونة (سنده) حدثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا يحيى بن سعيد عن أبى بكار قال صليت خلف أبى المليح على جنازة، فقال أقيموا صفوفكم، ولتحمن شفاعتكم ولو اخترت رجلا اخترته، ثم قال حدثنى عبد الله بن سليط قال أبى وثنا أبو عبيدة الحداد قال حدثنى عبد الله بن سليط عن بعض أزواج النبى ﷺ ميمونة وكان أخاها من الرضاعة أن رسول الله ﷺ قال (ما من مسلم - الحديث) (غريبه) (١) هو أحد رجال السند، وفسر الأمة هنا بأربعين فصاعدا إلى مائة، وأبو المليح هذا هو الهذلى اسمه عامر بن أسامةبن عمير عن أبيه وعبد الله بن سليط وأنس وعائشة وجماعة، وعنه سالم ابن أبى الجعد وقتادة وأيوب وطائفة، وثقه أبو زرعة (قال الفلاس) مات سنة ثمان وتسعين؛ وقال ابن سعد سنة اثنتى عشرة ومائة (تخريجه) (نس) وسنده جيد. ورواه الطبرانى فى الكبير مطولا عن ميمونة عن النبى ﷺ أنه قال (من صلى عليه مائة شفعوا فى أخيهم، والأمة أربعون إلى مائة، والعصبة عشرة الى أربعين، والنفر ثلاثة إلى عشرة) (قال الهينمى) فى اسناده القاسم بن مطيب وهو ضعيف (الأحكام) أحاديث الباب فيها الحث على كثرة المصلين على الجنازة، وأن من صلى عليه جماعة من المسلمين مخلصين فى الدعاء له بالمغفرة شفعهم الله فيه، وقبل دعاءهم، وقدرت هذه الجماعة فى بعض الروايات بمائة انسان؛ وفى بعضها بأربعين، وفى بعضها بثلاثة صفوف (قال القاضى عياض) ﵀، قيل هذه الأحاديث خرجت أجوبة لسائلين سألوا النبى ﷺ عن ذلك فأجاب كل واحد منهم عن سؤاله أهـ (وقال النووى) يحتمل أن يكون النبى ﷺ أخبر بقبول شفاعة مائة فأخبر به. ثم بقبول شفاعة أربعين. ثم ثلاثة صفوف وإن قل عددهم فأخبر به، ويحتمل أيضا أن يقال هذا مفهوم عدد ولا يحتج به جماهير الأصوليين، فلا يلزم من الأخبار عن قبول شفاعة مائة منع قبول ما دون ذلك، وكذا فى الأربعين مع ثلاثة صفوف، وحينئذ كل الأحاديث معمول بها
[ ٧ / ٢٠٣ ]
(٣) باب مشروعية الصلاة على الأنبياء وعدم مشروعيتها على الشهداء
(١٥٧) حدثنا عبد الله حدَّثني أبي ثنا وأبو كامل قالا ثنا حَّماد بن سلمة عن أبى عمران (يعنى الجونىَّ) عن أبى عسيبٍ أو أبى عسيمٍ قال بهز إنه شهد الصَّلاة على رسول الله صلَّى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلَّم قالوا كيف نصلى عليه؟ قال أدخلوا أرسالًا أرسالًا قال فكانوا يدخلون من هذا
_________________
(١) ويحصل الشفاعة بأقل الأمرين من ثلاثة صفوف وأربعين أهـ (وفى أحاديث الباب أيضا) استحباب جعل المصلين على الجنازة ثلاثة صفوف لحديث مالك بن هبيرة (وبه قالت الحنفية والشافعية والحنابلة (قال ابن قدامة فى المغنى (قال أحمد) أحب إذا كان فيهم قلة أن يجعلهم (يعنى الأمام) ثلاثة صفوف، قالوا فان كان وراءه أربعة كيف يجعلهم؟ قال يجعلهم صفين فى كل صف رجلين، وكره أن يكونوا ثلاثة، فيكون فى صف رجل واحد،وذكر ابن عقيل أن عطاء بن أبى رباح روى أن النبى ﷺ صلى على جنازة فكانوا سبعة، فجعل الصف الأول ثلاثة والثانى اثنين والثالث واحدا (قلت وبنحو هذا قالت الحنفية) قالوا إذا كان عدد المصلين سبعة قدم واحد، ثم ثلاثة، ثم اثنان، ثم واحد (قال ابن قدامة) ولا أحسب هذا الحديث صحيحا فانى لم أره غير كتاب ابن عقيل، وأحمد قد صار الى خلافه وكره أن يكون الواحد صفا، ولو علم أحمد فى هذا حديثا لم يعده إلى غيره، والصحيح فى هذا أن يجعل كل اثنين صفا اهـ (قلت وبهذا قالت الشافعية) وقالوا إن أقل الصف اثنان (قال النووى) وأما النساء فان كن مع الرجال صلين مقتديات بأمام الرجال، وإن تمحضن (قال الشافعى) وصاحب المهذب والأصحاب: استحب أن يصلين منفردات كل واحدة وحدها، فان صلت بهن أحداهن جاز وكان خلاف الأفضل، وفى هذا نظر، وينبغى أن أمن لهن الجماعة كجماعتهن فى غيرها، وقد قال به جماعة من الملف، منهم الحسن بن صالح وسفيان النورى، واحمد، وأصحاب أبى حنيفة، وغيرهم (وقال مالك) فرادى أهـ ج والله أعلم
(٢) حدثنا عبد الله (غريبه) (١) (أو) للشك من الراوى، وقد اختلف المحدثون فى اسمة، فذكره بعضهم بالباء الموحدة، وبعضهم ذكره بالميم، وعلى كل حال فهو صحابى لا تضر جهالته فضلا عن الاختلاف فى اسمه (٢) أى أفواجا وفرقا متقطعة يتبع بعضهم بعضا، واحدهم رسل بفتح الراء والسين (نه) والظاهر أن أبا عسيب علم ذلك جن النبى ﷺ قبل موته، فلما رأى الصحابة يسأل بعضهم بعضا عن كيفية الصلاة عليه
[ ٧ / ٢٠٤ ]
الباب فيصلوُّن عليه، ثمَّ يخرجون من الباب الأخر الحديث
(١٥٨) عن جابر بن عبد الله ﵄ عن النَّبيّ صلَّى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلَّم أنه قال في قتلى أحد لا تنسّلوهم، فإنَّ كلَّ جرحٍ أو كلَّ دم يفوح مسكًا يوم القيامة ولم يصلّ عليهم
(١٥٩) عن أنس بن مالك ﵁ قال فدفنهم رسول الله صلَّى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلَّم ولم يصلّ عليهم
_________________
(١) ﷺ إخبرهم بما علم، ويؤيد ذلك ما رواه البيهقى بسنده عن عبد الله بن مسعود ﵁ مطولا عن النبى ﷺ، وفيه قلنا فمن يصلى عليك يارسول الله؟ فبكى وبكينا، وقال مهلا غفر الله لكم وجزاكم عن نبيكم خير؛ إذا غسلتمونى وحننطتمونى وكفنتمونى فضعونى على شفير قبرى، ثم اخرجوا عن ساعة، فان أول من يصلى على خليلاى وجليساى جبريل وميكائيل؛ ثم اسرافيل ثم ملك الموت مع جنود من الملائكة ﵈، وليبدأ بالصلاة على رجال أهل بيتى ثم نساؤهم، ثم ادخلوا على أفواجا أفواجا وفرادى فرادى، ولا تؤذونى بباكية ولا مرنة ولا بضجة، ومن كان غائبا من أصحابى فأبلغون عنى السلام - الحديث) وفد إسناد من ضغف -ورواه البزار بطوله أيضا من طرق متعددة، لكنها لا تخلو من علة وربما يعتضد بكثرة طرقه ويشهد له حديث الباب (١) الحديث له بقية وسيأتى بمامه فى باب غسل النبى ﷺ تكفينه والصلاة عليه من كتاب السيرة النبوية ان شاء الله تعالى (تخريجه) لم أقف عليه لغير الأمام أحمد، وأورده الهيثمى، وقال راه أحمد ورجاله رجال الصحيح أهـ.
(٢) (عن جابر بن عبد الله ﵄) هذا الحديث تقدم بسنده وشرحه وتخريجه فى باب ترك غسل الشهيد رقم ١١٩ وإنما ذكرته هنا لمناسبة الترجمة
(٣) (عن أنس بن مالك ﵁) هذا طرف من حديث طويل تقدم بسنده وشرحه وتخريجه فى باب الكفن من رأس المال الخ رقم ١٣٤ وذكرت هذا الجزء منه لمناسبة الترجمة أيضا (وفى الباب) عن ابن عباس ﵄ قال دخل الناس على رسول الله ﷺ أرسالا يصلون عليه حتى إذا فرغوا أدخلوا النساء حتى إذا فرغوا أدخلوا الصبيان، ولم يؤم الناس على رسول الله ﷺ، رواه ابن ماجه والبيهيقى (قال الحافظ)
[ ٧ / ٢٠٥ ]
(٣) باب ما جاء في الصلاة على الصغير والسقط وعدمها
(١٦٠) عن البراء بن عازب ﵁ قال صلَّى رسول الله ﷺ على
_________________
(١) وإسناده ضعيف لأنه من حديث حسين بن عبد الله بن ضميرة (وعن الواقدى) قال حدثنى موسى بن محمد بن ابراهيم قال وجدت كتابا بخط أبى فيه أنه لما كفن رسول الله ﷺ ووضع على سريره دخل أبو بكر وعمر ﵄ ومعهما نفر من المهاجرين والأنصار بقدر ما يسع البيت، فقال السلام عليك أيها النبى ورحمة الله وبركاته، وسلم المهاجرون والأنصار كما سلم أبو بكر وعمر، ثم صفوا صفوفا لا يؤمهم أحد، فقال أبو بكر وعمر وهما فى الصف الأول حيال رسول الله ﷺ اللهم انا نشهد أنه قد بلغ ما أنزل اليه ونصح لأ مته وجاهد فى سبيل الله حتى أعز الله دينه وتمت كلمته وأومن به وحده لا شريك له فاجعلنا إلهنا ممن يتبع القول الذى أنزل معه، واجمع بيننا وبينه حتى تعرفه بنا وتعرفنا به فانه كان بالمؤمنين رءوفا رحيما، لا نبتغى بالأيمان به بديلا، ولا نشترى به ثمنا أبدا، فيقول الناس امين ويخرجون ويدخل اخرون حتى صلى الرجال ثم النساء ثم الصبيان -ذكره الحافظ ابن كثير فى تاريخه ولم يتعقبه، ثم قال وقد قيل (إنهم صلو عليه من بعد الزوال يوم الاثنين إلى مثله من يوم الثلاثاء، وقيل انهم مكثوا ثلاثة أيام يصلون عليه اهـ (الأحكام) حديث أبى عسيب ﵁ مع ما ذكرنا فى الشرح يدل على مشروعية الصلاة على الانبياء عليهم الصلاة والسلام بعد وفاتهم وعلى أن الصلاة على النبى ﷺ كانت فرادى بدون امام يؤم الناس فيها (قال ابن عبد البر) وصلاة الناس عليه أفرادا مجمع عليه عند أهل السير وجماعة اهل النقل لا يختلفون فيه، وتعقبة ابن دحية بأن ابن القصار حكى الخلاف فيه هل صلوا عليه الصلاة المعهودة أودعوا فقط.؟ وهل صلوا فرادى أو جماعة؟ واختلفوا فيمن أم بهم فقيل أبو بكر، روى بأسناد (قال الحافظ) لا يصح، وفيه حرام وهو ضعيف جدا (قال ابن دحية) هو باطل بيقين لضعف رواته وانقطاعه؛ قال والصحيح أن المسلمين ضلوا عليه أفرادا لا يؤمهم أحد، وبه جزم الشافعى، قال وذلك لعظم رسول الله ﷺ بأبى وأمى وتنافسهم فى أن لا يتولى الامامة عليه فى الصلاة واحد (قال ابن حية) كان المصلون عليه ثلاثين ألفا اهـ (قلت) لو صح حديث ابن مسعود الذى ذكرته فى الشرح لكان رافعا للخلاف ونصا فى الصلاة عليه ﷺ فرادى ويكون من باب التعبد الذى أمرنا بفعله ولم نبحث عن حكمته. والله أعلم (بقى من أحاديث الباب) حديث جابر بن عبد الله وحديث أنس ﵃، وقد تقدم الكلام عليهما فى أحكام بابيهما وسبقت الاشارة الى ذلك والله أعلم
(٢) عن البراء بن عازب (سنده) حدثنا عبد الله حدثني أبي ثنا أسود
[ ٧ / ٢٠٦ ]
ابنه إبراهيم ومات وهو أبن ستَّة عشر شهرًا وقال إن له في الجنَّة من يتم رضاعه وهو صدّيق
(١٦١) عن المغيرة بن شعبة ﵁ قال قال رسول الله ﷺ السّقط (وفي رواية الطّفل) يصلى عليه ويدعى لوالديه بالمغفرة والرَّحمة
_________________
(١) ابن عامر ثنا اسرائيل عن جابر عن البراء بن عازب - الحديث) (غريبه) (١) سيأتى فى حديث عائشة أنه توفى وهو ابن ثمانية شهرا (وفى رواية للبخارى) أنه توفى وله سبعة عشر شهرا أو ثمان عشر شهرا، وتقدم الجمع بين هذه الروايات فى الباب الأول من أبواب صلاة الكسوف فى الجزء السادس، وفيه تحقيق يوم ميلادة ويوم وفاته بطريقة حساب علم الفلك، وهى طريقة لم نسبق اليها فارجع اليه تجد ما يسرك (٢) فى رواية عند مسلم (وإن له لظمئرين فى الجنة تكملان رضاعه فى الجنه) والمعنى أن له مرضعتين فى الجنه ثمان رضاعه سنتين، لأنه توفى قبل بلوغهما والله تعالى يقول - والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين لمن أراد أن يتم الرضاعة) قال صاحب التحرير وهذا الأتمام لارضاع ابراهيم ﵁ يكون عقب موته فيدخل الجنه متصلا بموته فيم فيها رضاعة كرامه له ولأبيه ﷺ أهـ (٣) الصديق الكثير الصدق القائم عليه، وقبل من صدق الله فى وحدانيته وصدق أنبياءه ورسله وصدق بالبعث وقام بالأوامر فعمل بها فهو الصديق (فان قبل) إن هذه الصفات لا يتصف بها إلا الكبير الذى يعقل معناها. وابراهيم ﵇ مات قبل تمام الرضاع كما فى حديث الباب فالحواب) أنه فطر على ذلك ولو عاش لكان كذلك والله أعلم (تخريجه) (هق) وفى إسناده جابر الجعفى ضعيف، وروى الشيخان وغيرهما منه الجزء المختص بارضاع ابراهيم ﵇
(٢) عن المغيرة بن شعبة (سنده) حدثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا هاشم بن القاسم ثنا المبارك قال أخبرنى زياد بن جبير أبى عن المغيرة بن شعبة عن النبى ﷺ قال الراكب خلف الجنازة، والماشى أمامها قريبا عن يمينها أو عن يسارها، والسقط يصلى عليه -الحديث) (غريبه) (٤) السقط بكسر السين. والولد ذكر كان أو أنثى يسقط قبل تمامه وهو مستبين الخلق، يقال سقط الولد من بطن أمه سقوطا، فهو سقط بالكسر والتثليث لغة ولا يقال وقع، وأسقطت الحامل بالألف سقطا، قال بعضهم وأماتت العرب ذكر المفعول فلا يكادون يقولون أسقطت سقطا، ولا يقال أسقط الولد بالبناء له مفعول قاله فى المصباح (تخريجه) (نس. جه. هق. مذ) وقال حديث حسن صحيح
[ ٧ / ٢٠٧ ]
(١٦٢) عن إسماعيل السُّدّي قال سألت أنس بن مالك ﵁ قال قلت صلَّى رسول الله ﷺ على ابنه إبراهيم قال لا أدرى، رحمة الله على إبراهيم لو عاش كان صدّيقًا نبيًا
_________________
(١) وأخرجه أيضا (حب. ك) وصححه وقال على شرط البخارى ومسلم بلفظ (السقط يصلى عليه ويدعى لوالديه بالعافية والرحمة) وأخرجه بهذا للفظ الترمذى وصححه، ولكن رواه الطبرانى موقوفا على المغيرة ورجح الدار قطنى فى العلل الموقوف، والله أعلم
(٢) عن إسماعيل الحدى (سنده) حدثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا عفان ثنا أبو عوانة عن اسماعيل الحدى - الحديث) وفيه بعد قوله صديقا نبيا (قال (يعنى اسماعيل الحدى) قلت كيف أنصرف اذا صليت؟ عن يمينى أو عن يسارى؟ قال أما أنا فرأيت رسول الله ﷺ ينصرف عن يمينه) وهذا الجزء الزائد تقدم نحوه حديثا مستقلا رقم ٤٦٦ صحيفة ٤٧ فى الجزء الرابع (غريبه) (١) أى لو قضى فى علم الله ﷿ أن يعيش ابراهيم لكان صديقا نبينا، ولما كان محمد ﷺ خاتم الأنبياء ولا نبى بعد اقتضت ارادة الله تعالى أن يموت ابراهيم صغيرا، ولا يخفى أن التعليق بالمحال يستلزم المحال، ولا ينافى ذلك أن النبى ﷺ ختم به النبوة، ومثل هذا التعليق كثير فى كتاب الله ﷿: قال تعالى (لئن أشركت ليحبضن عملك ولتكونن من الخاسرين) وقال عز من قائل (ولئن اتبعت أهوائهم بعد ما جاءك من العلم مالك من الله من ولى ولا نصير) وقال ﷿ (ولولا أن ثبتناك لقد كدت تركن اليهم شيئا قليلا. إذا لأذقناك ضعف الحياة وضعف الممات ثم لا تجد لك علينا نصيرا) والغرض أن الشرطية الحالية لا تسلتزم الوقوع، ولو كان كذلك لزم كذب المتلك، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا، والظاهر أن أنس ﵁ سمع ذلك من النبى ﷺ لأن مثله لا يقال بالرأى، لا سيما وقد توارد عليه جماعة من الصحابة؛ وسيأتى ما يعضد رفعه (تخريجه) أخرجه ايضا ابن منده، وتكلم بعضهم فى اسماعيل بن عبد الرحمن السدى، ولكن صححه الحافظ ونقل ابن حجر المكى فى قتاواه الحديثية عن الحافظ السيوطى تصحيحه، وله شاهد عند ابن ماجه من حديث ابن عباس ﵄ قال (لما مات ابراهيم بن رسول الله ﷺ صلى عليه رسول الله ﷺ وقال إن له مرضعا فى الجنة، ولو عاش لكان صديقا نبيا، ولو عاش لمتقت أخواله القبط وما اشترق قبطى) وفى اسناده ابراهيم بن عثمان الواسطى وهو ضعيف (وروى ابن ماجه) أيضا قال حدثنا محمد بن عبد الله بن نمير ئتا محمد بن بشير اسماعيل بن أبى خالد قال قلت
[ ٧ / ٢٠٨ ]
(١٦٣) عن عائشة ﵂ قالت لقد توفّى إبراهيم بن رسول الله ﷺ وهو ابن ثمانية عشر شهرًا فلم يصلّ عليه
_________________
(١) لعبد الله بن أبى أوفى رأيت ابراهيم بن رسول الله ﷺ؟ قال مات وهو صغير، ولو قضى أن يكون بعد محمد ﷺ نبى لعاش ابنه ولكن لا نبى بعده، رواه البخارى فى صحيحه بعين سند ابن ماجه فى الأدب فى باب من سمى بأسماء الأنبياء، ومثله للأمام أحمد وسيأتى فى باب ذكر أولاده ﷺ من كتاب السيرة النبوية ان شاء الله (وقد أنكر ابن عبد البر حديث أنس) حيث قال بعد إبراده فى التمهيد، لا أدرى ما هذا. فيد ولد نوح غير نبى، ولو لم يلد النبى الا أنبياء لكان كل واحد نبيا، لأنهم من ولد نوح اهـ. وكأن النووى ﵀ تبعه فى قوله حيث قال فى تهذيب الأسماء واللغات مانصه، وأما ما روى عن بعض المتقدمين (لو عاش ابراهيم لكان نبيا (فباطل وجسارة على الكلام على المغيبات ومجازفة وهجوم على عظيم أهـ ورد ذلك الحافظ ﵀ فى لأصابة فقال وهو عجيب مع وروده عن ثلاثة من الصحابة قال وكأنه لم يظهر له وجه تأويله فبالغ فى انكاره (وجوابه) أن القضية شرطية لا تستلزم الوقوع ولا نظن بالصحابى أنه يهجم على مثل هذا بظنه والله أعلم أهـ. وأورد الحافظ فى الفتح حديث ابن عباس الذى رواه البخارى ثم قال وروى أحمد وابن منده من طريق السدى ٍسألأت أنسا كم بلغ ابراهيم؟ قال كان قد ملأ المهد ولو بقى لكان نبيا، ولكن لم يكن ليبقى لأن نبيكم اخر الأنبياء (ولفظ أحمد) لو عاش ابراهيم بن النبى ﷺ لكان صديقا نبيا ولم يذكر القصة، قال فهذه عدة أحاديث صحيحه عن هؤلاء الصحابة أنهم أطلقوا ذلك، فلا أدرى ما الذى حمل النووى فى ترجمة ابراهيم المذكور من كتاب تهذيب الأسماء واللغات على استنكار ذلك ومبالغته أهـ (قلت والخلاصة) أنه ورد فى هذا الباب أحاديث كثيرة من طرق متعددة، بعضها مرفوع ولكنه ضعيف وبعضها موقوف وإسناده صحيح، فهى لكثرة طرقها يعضد بعضها بعضا فتنهض، على أن الموقوف منها له حكم الرفع ويحتج به، لأن مثله لا يقال بالرأى كحديث ابن أبى أوفى الذى رواه البخارى فى صحيحه وابن ماجه والأمام أحمد. فيتعين التسليم بها وعدم الأنكار عليها والله ﷾ أعلم.
(٢) عن عائشة ﵂ (سنده) حدثنا عبد الله حدثنى أبى ئنا يعقوب قال ئنا أبى عن ابن اسحاق قال حدثنى عبد الله بن أبى بكر بن محمد عن عمرة بنت عبد الرحمن عن عائشة ﵂ _الحديث) (تخريجه) أورده الحافظ فى الأصابة وقال اسناده حسن، ورواه البزار وأبو يعلى، وصححه ابن حزم، لكن قال أحمد فى رواية
[ ٧ / ٢٠٩ ]
حنبل عنه حديث منكر (وقال الخطابى) حديث عائشة أحسن اتصالا من الرواية التى فيها انه صلى عليه: قال ولكن هى أولى (وقال ابن عبد البر) حديث عائشة لا يصح، ثم قال وقد يحتمل أن يكون معناه لم يصل عليه فى جماعة أو أمر أصحابه فصلوا عليه ولم يحضرهم أهـ وسيأتى تحقيق المقام فى الأحكام (وفى الباب) عن أنس بن مالك ﵁ قال مات ابن لأبى طلحة فصلى عليه النبى ﷺ فقال أبو طلحة خلف النبى ﷺ وأم سليم خلف أبى طلحة كأنهم عرف ديك وأشار بيده، رواه الأمام أحمد وسيأتى فى باب موقف المصلى من الرجل والمرأة اذا كان إماما أو منفردا (وعن أبى هريرة) عند ابن ماجه برفعه بلفظ (صلوا على أطفالكم فأنهم من أفراطكم) وإسناده ضعيف (وروى ابن سعد وأبويعلى) من طريق عطاء بن عجلان وهو ضعيف عن أنس أن النبى ﷺ صلى على ابنه ابراهيم وكبر عليه أربعا (وروى البزار) من طريق أبى نضرة عن ابى سعيد منله، وفيه عبد الرحمن بن مالك بن معقل وهو ضعيف (وروى البيهقى فى الدلائل) من طريق سليمان بن بلال عن جعفر بن محمد عن أبيه أن رسول الله ﷺ صلى على ابنه ابراهيم حين مات (وروى ابن أبى شيبة) فى مصنفه من الاثار عن خالد الأحدب، قال سئل ابن عمر عن الصلاة على الأطفال قال لأن أصلى على من لا ذنب له أحب الى (وعن عمرو بن مرة) قال سألت ابن أبى ليلى قال أدركت بقايا الأنصار يصلون على الصبى من صبيانهم (وعن عبد الرحمن بن أبى ليلى) قال ما تدع أحدا من أولادنا إلا صلينا عليه (وعن محمد بن سيرين) فى السقط ان استوى خلقه سمى وصلى عليه (وعن سعيد بن المسيب) قال اذا تم خلقه ونفخ فيه الروح صلى عليه (وعن معمر) عن الزهى فى المولود لا بصلى عليه ولا يورث حتى يستهل (وعن أبى الزبير عن جابر) قال اذا استهل صلى عليه وورث، فاذا لم يستهل لم يصل عليه ولم يورث (وعن الشعبى منله) روى هذه الأثار ابن أبى شيبة فى مصفه (الأحكام) أحاديث الباب مع ما ذكرنا فى الشرح تدل على مشروعية صلاة الجنازة على الصبى وعلى السقط إذا استهل، وتقدم معى السقط فى شرح حديثه؛ ومعنى استهل أى صرخ، وأصل الأهلال رفع الصوت، وأما حديث عائشة فى نفى صلاة النبى ﷺ على ابنه ابراهيم فيجمع بينه وبين الأحاديث المئبتة بأنها لم تعلم بصلاة النبى ﷺ عليه؛ وعلم غيرها. فأخبر كل بما علم والمنبت مقدم على النافى (وقد ذهب جمهور العلماء) إلى مشروعية الصلاة على الصبى (قال النووى ﵀) أما الصبى فمذهبنا ومذهب جمهور السلف والخلف وجوب الصلاة عليه، ونقل ابن المنذر ﵀ الأجماع فيه، وحكى اصحابنا عن سعيد بن جبير أنه قال: لا يصلى عليه ما لم يبلغ، وخالف العلماء كافة، وحكى العبدري عن بعض العلماء
[ ٧ / ٢١٠ ]
أنه قال إن كان قد صلى صلى عليبه وإالافلا، وهذا أيضا شاذ مرودود واحتج له برواية من روى أن النبى ﷺ لم يصل على ابنه ابراهيم ﵁، ولأن المقصود من الصلاة الاستغفار للميت وهذا لا ذنب له، واحتج أصحابنا بعموم النصوص الواردة بالأمر بالصلاة على المسلمين، وهذا داخل فى عموم المسلمين (وعن المغيرة بن شعبة) ﵁ أن رسول الله ﷺ قال (الراكب خلف الجنازة. والماشى حيث شاء منها. والطفل يصلى عليه) رواه أحمد والنسائى والترمذى وقال حديث حسن صحيح، وأجاب الأصحاب عن احتجاج سعيد بأن الروائة اختلفت فى صلاته ﷺ على ابراهيم فأثبتها كثيرون من الرواة - قال البيهقى وروايتهم أولى (قال أصحابنا) ﵏ فهى أولى لأوجه (أحدها) أنها أصح من رواية النفى (الثانى) أنها منبتة فوجب تقديمها على النافية كما تقرر (الثالث) يجمع بينهما فمن قال صلى أراد أمر بالصلاة عليه واشتغل هو بصلاة الكسوف (ومن قال لم يصل أآ لم يصل لنفسة (وأما الجواب) عن قوله المقصود المغفرة فباطل بالصلاة على النبى ﷺ وعلى المجنون الذى بلغ مجنونا واستمر حتى مات. وعلى من كان كافرا فأسلم ثم مات متصلابه من غير إحداث ذنب، فان الصلاة ثابتة فى هذه المواضع بالاجماع ولا ذنب له بلا شك (قال وأما السقط) فله أحوال (أحدهما) أن يستهل فيجب غسله والصلاة عليه بلا خلاف عندنا، ويكون كفنه ككفن البالغ ثلاثة أبواب (الثانى) أن يتحرك حركة تدل على الحياة ولا يستهل أو يختلج، ففيه طريقان - المذهب وبه قطع صاحب المهذب والعراقيون يغسل ويصلى عليه قولا واحدا، والثانى حكاه الخراسانيون فيه قولان، وبعضهم يقول وجهان. أصحهما هذا، والثانى حكاه الخراسانيون لا يصلى عليه (قال وقال مالك) لا يصلى علهي الا أن يختلج ويتحرك ويطول ذلك عليه، وحكى ابن المنذر عن جابر بن زيد التابعى والحكم. وحماد (ومالك. والأوزاعى) وأصحاب الرأى: أنه إذا لم يستهل لا يصلى عليه (وعن ابن عمر) ﵄، أنه يصلى عليه وإن لم يستهل، وبه قال ابن سيرين وابن المسيب. وأحمد. وإسحاق (وقال العبدرى) إن كان له دون أربعة أشهر لم يصل عليه بلا خلاف يعنى بالأجماع، وإن كان له أربعة أشهر ولم يتحرك لم يصل عليه عند جمهور العلماء (وقال أحمد وداود رحمهما الله) يصلى عليه أهـ ج. وقال صاحب المنتقى انما يصلى عليه إذا نفخت فيه الروح وهو أن يستكمل أربعة أشهر، فاما إن سقط لدونها فلا، لأنه ليس بميت. إذ لم ينفخ فيه روح، وأصل ذلك حديث ابن مسعود قال حدثنا رسول الله علقة مثل ذلك. ثم يكون مضغة مثل ذلك. ثم يبعث الله اليه ملكا بأربع كلمات يكتب رزقه
[ ٧ / ٢١١ ]
(٥) باب ترك الإمام الصلاة على الغال وقاتل نفسه ونحوها
(١٦٤) عن زيد بن خالد الجهنيّ ﵁ أنَّ رجلًا من المسلمين توفي بخيبر، وأته ذكر لرسول الله ﷺ فقال صلُّوا على صاحبكم قال فتغَّيرت وجوه القوم لذلك، فلمَّا رأى الذَّي بهم قال إنَّ صاحبكم غلَّ في سبيل الله، ففتَّشنا متاعه فوجدنا فيه خرزًا من خرز اليهود ما يساوى درهمين
(١٦٥) عن سماك (ابن حربٍ) أنه سمع جابر بن سمرة ﵁
_________________
(١) وأجله. وعمله. وشقى أم سعد. ثم ينفخ فيه الروح -متفق عليه) اهـ (قلت) هذا الحديث تقدم فى الجزء الأول فى باب تقدير حال الأنسان وهو فى بطن أمه من كتاب القدر (قال الشوكانى) ومحل الخلاف فيمن سقط بعد أربعة أشهر ولم يستهل، وظاهر حديث الاستهلال أنه لا يصلى عليه وهو الحق، لأن الاستهلال يدل على وجود الحياة قبل خروج السقط كما يدل على وجودها بعده، فاعتبار الاستهلال من الشارع دليل على أن الحياة بعد الخروج من البطن معتبرة فى مشروعية الصلاة على الطفل وأنه لا يكتفى بمجرد العلم بحياته فى البطن فقط اهـ. والله أعلم
(٢) عن زيد بن خالد الجهنى (سنده) حدثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا ابن ممير عن يحيى بن سعيد عن محمد بن يحيى ويزيد قال ثنا يحيى بن سعيد عن محمد بن يحيى عن ابن أبى عمرة عن أبى عمرة أنه سمع زيد بن خالد الجهنى قال يزيد إن أبا عمرة مولى زيد بن خالد الجهنى قال إنه سمع زيد بن خالد الجهنى يحدث أن رجلا من المسلمين - الحديث) (غريبه)
(٣) فيه جواز الصلاة على العصاة، وأما ترك النبى ﷺ الصلاة عليه فلعله للزجر عن الغلول كما امتنع من الصلاة على المديون وأمرهم بالصلاة عليه، أما تغير وجوه القوم عند قوله ﷺ (صلوا على صاحبكم (فلأنهم كانوا يعتقدون صلاح الرجل وأنه من المجاهدين فى سبيل الله، فما الذى يمنع النبى ﷺ من الصلاة عليه؟ فلما راهم كذلك أخبرهم بالسبب وه أنه (غل) يعنى خان فى الغنيمة قبل قسمها (٢) فيه معجزة للنبى ﷺ لاخباره بذلك وظهر الأمر كما قال ﷺ، وفيه أيضا دليل على تحريم الغلول وإن قل مقداره (تخريجه) (د. نس. جه) وسكت عنه أبو داود والمنذرى ورجاله رجال الصحيح
(٤) عن سماك بن حرب (سنده) حدثنا عبد الله حدثني أبي ثنا
[ ٧ / ٢١٢ ]
يقول مات رجل على عهد رسول الله ﷺ فأتاه رجل فقال يا رسول الله مات فلان؟ قال لم يمت ثم أتاه الثَّانية، ثم الثاَّلثة فأخبره فقال له النَّبيُّ صلَّى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلَّم كيف مات؟ قال نحر نفسه عشقصٍ
قال فلم يصلّ عليه (وفي روايةٍ) قال إذا لا أصلّى عليه
(١٦٦) عن أبي قتادة ﵁ قال كان رسول الله ﷺ إذا دعى لجنازة سأل عنها فإن أثنى عليها خير قام فصلَّى عليها، وإن أثنى عليها غير ذلك قال لأهلها شأنكم بها ولم يصلّ عليها
_________________
(١) عبد الرزاق أنا اسرائيل عن سماك - الحديث (غريبه) (١) الظاهر من قوله ﷺ (لم يمت) أن الذى بلغه تسرع فى التبليغ قبل موت الرجل معتقدا موته ثم مات بعد (٢) بكسر الميم وفتح القاف جمعه مشاقص، وهى سهام عراض (قال فى القاموس) مشقص كمنبر نصل عريض أوسهم فيه ذلك يرمى به الوحش أهـ (٣) فى ذلك زجر وتأديب لمن فعل مثل هذا الرجل (تخريجه) (م. هق. والأربعة)
(٢) عن أبى قتادة (سنده) حدثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا يعقوب ثنا أبى عن أبيه حدثنى عبد الله بن أبى قتادة عن أبيه قال كان رسول الله ﷺ - الحديث) (غريبه) (٤) يعنى شرا (قال أهل اللغه) الثناء بتقديم الثاء والمسد يستعمل فى الخير ولا يستعمل فى الشر هذا هو المشهور، وفيه لغة شاذة أنه يستعمل فى الشر أيضا وأما النثا بتقديم النون وبالقصر فسيتعمل فى الشر خاصة، وإنما استعمل الثناء الممدود هنا فى الشر مجازا لتجانس الكلام كقوله تعالى (وجزاء سيئة مثلها) (ومكروا ومكر الله) أفاده النووى (تخريجه) لم أقف عليه لغير الأمام أحمد وصحح الحافظ اسناده (وفى الباب من الابار) عند ابن أبى شيبة فى مصنفه، قال حدثنا وكيع عن أبى هلال عن أبى غالب قال قلت لأبى أمامة: الرجل يشرب الخمر فيموت يصلى عليه؟ قال نعم. لعله اضطجع عن فراشه مرة فقال لا إله إلا الله فغفر له بها (وله أيضا) حدثنا جرير عن مغيرة عن حماد عن ابراهيم قال يصلى عليه الذى قتل نفسه وعلى النقساء من الزنا وعلى الذى يموت مريضا من الخمر (وله أيضا) حدثنا عبد الله بن ادريسى عن هشام عن أبن سيرين قال ما أعلم أن أحدا من أهل العلم ولا التابعين ترك الصلاة على أحد من أهل القبلة تأثما
[ ٧ / ٢١٣ ]
(الأحكام) الحديث الأول والثاني من أحاديث الباب يدلان على مشروعية ترك الأمام الصلاة على الغال وعلى قاتل نفسه زجرا للناس عن ارتكاب مثل هذه الجرائم الفظيعة (أما الغلول) فقد أجمع العلماء على تحريمه، وقد ورد فيه من الوعيد أحاديث كثيرة ستاتى فى بابه من كتاب الجهاد ان شاء الله تعالى (وأما من قتل نفسه) فقد ارتكب كبيرة من أعظم الكبائلا باجماع المسلمين، وسيأتى ما ورد فيه فى كتاب القتل والجنايات وأحكام الدماء، لهذا لم يصل النبى ﷺ على من فعل ذلك وأمر أصحابه بالصلاة عليه (ويستفاد من حديث أبى قتادة) ﵁ أن من ذمه الناس عند الأمام وشهدوا أمامه بسوء فعله كانت شهادتهم كافية فى عدم صلاته عليه، والظاهر أن ذلك كان فى حق المنافقين، لأنه ﷺ كان يعلم أن فى المدينة منافقين مندسين فى الصحابة، والله تعالى أمره بعدم الصلاة عليهم فقال عز من قائل (ولا تصل على أحد منهم مات أبدا - الأية) لهذا كان النبى ﷺ إذا دعى لجنازة سأل عنها (فان أتى عليها خير قام فصلى عليها، وإن أتى عليها غير ذلك قال لأهلها شأنكم بها ولم يصل عليها) وحمله النووى على المنافقين أيضا (وقال الحافظ) برشد إلى ذلك ما رواه أحمد من حديث أبى قتادة باسناد صحيح أنه ﷺ لم يصلى على الذى اثنوا عليه شرا اهـ (قلت) ولأنه لم يثبت عنه ﵊ أنه ترك الصلاة على مسلم غير الغال والقاتل نفسه، فقد حكى صاحب المنتقى عن الأمام أحمد ﵀ أنه قال ما نعلم أن النبى ﷺ ترك الصلاة على أحد الا على الغال وقاتل نفسه اهـ نعم ثبت أنه ﷺ ترك الصلاة على من عليه دين لم يترك له وفاء، ولكن ذلك كان فى أول الاسلام حيث لا مال فلما كثرت الأموال بسبب الغنائم صار ﷺ يصلى على من مات وعليه دين لم يترك له وفاء ويوفى عنه من عنده كما ثبت فى حديث أنس وغيره عند الأمام أحمد وغيره قال قال رسول الله ﷺ (من ترك ما لا فلأهله، ومن ترك دينا فعلى الله ﷿ وعلى رسوله) (وفى الباب غير ذلك) سيأتى مع الكلام عليه فى باب عدم صلاة الفاضل على من مات وعليه دين الخ من كتاب القرض والدين ان شاء الله تعالى (وقد اختلف العلماء) فى أحكام أحاديث الباب، فحكى ابن قدامة فى المغنى عن الأمام أحمد ﵀ أنه قال: لا يصلى الأمام على الغال ولا على من تقل نفسه متعمدا، ويصلى عليه سائلا الناس، نص عليهما أحمد (قال) وقال أحمد لا أشهد الجهمية ولا الرافضة ويشهدهم من شاء، وقد ترك النبى ﷺ الصلاة على أقل من هذا، الدين والغاول وقاتل نفسه، وقال لا يصلى على الرافضى (قال) وقال أحمد أهل البدع لا يعادون إن مرضوا ولا نشهد جنائزهم أن ماتوا، وهذا قول مالك (قال ابن قدامة) ولنا أن النبى ﷺ ترك الصلاة
[ ٧ / ٢١٤ ]
(٦) باب هل يصلي الإمام على من قتل في حد أم لا
(١٦٧) عن عمران بن حصين ﵁ أن أمرأة من جهينة اعترفت عند رسول الله صلَّى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلَّم بزنًا، وقالت أنا حبلى، فدعا النَّبيُّ ﷺ وليها، فقال أحسن إليها فإذا وضعت
_________________
(١) بأدون من هذا فأولى أن نترك الصلاة به، وروى ابن عمر أن النبى ﷺ قال (إن لكل أمة مجوسا، وإن مجوس أمتى الذين يقولون لا قدر، فان مرضوا فلا تعودوهم، وإن ماتوا فلا تشهدوهم) رواه أحمد (قلت) تقدم هذا الحديث فى الباب الخامس من كتاب القدر صحيفة ١٤٠ فى الجزء الأول وهو حديث صحيح (قال) وقال عمر بن عبد العزيز والأوزاعى لا يصلى على قاتل نفسه بحال، لأن من لا يصى عليه الأمام لا يصلى عليه غيره (قلت) وواففهم أبو حنيفة فى الباغى والمحارب (قال) وقال عطاء والنخعى والشافعى: بصلى الامام وغيره على كل مسلم (وقال ابن عبد البر) إن سائر العلماء يصلون على أهل البدع والخواج وغيرهم لعموم قوله ﷺ صلوا على من قال (لا إلا الله محمد رسول الله اهـ (قلت) هذا الحديث غير صحيح، ضعفه أئمة الحديث فلا ينهض للاحتجاج به (وذهب ابن حزم) الى أنه يصلى على كل مسلم بر أو فاجر مقتول فى حد أو فى حرابة أو فى بغى، ويصلى عليهم الأمام وغيره، وكذلك على المبتدع ما لم يبلغ الكفر وعلى من قتل نفسه وعلى من قتل غيره، ولو أنه شر من على ظهر الأرض اذا مات مسلما، لعموم أمر النبى ﷺ بقوله (صلوا على صاحبكم) والمسلم صاحب لنا، قال تعالى (نما المؤمنون أخوه) وقال تعالى (والمؤمنون والمؤمنات بعضهم اولياء بعض) فمن منع الصلاة على مسلم فقد قال قولا عظيما، وأن الفاسق لأ حوج الى دعاء اخوانه المؤمنين من الفاضل المرحوم اهـ. والله ﷾ أعلم.
(٢) عن عمران بن حصين (سنده) حدثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا عبد الرزاق أنا معمر عن يحيى بن أبى كثير عن أبى قلابة عن ابى المهلب عن عمران بن حصين (الحديث) (غريبه) (١) فى رواية أخرى عن الأمام أحمد ومسلم (جاءت امرأة من غامد) بغين معجمة ودال مهملة، وهى بطن من جهينة (٢) هذا الأمر بالأحسان له سببان (أحدهما) الخوف عليها من أقاربها أن تحملهم الغيرة ولحوق العار بهم أن يؤذوها فأوصى بالأحسان اليها تحذيرا لهم من ذلك (والثانى) أمر به رحمة لها
[ ٧ / ٢١٥ ]
فأخبرني ففعل فأمر بها النَّبيُّ ﷺ فشكَّت عليها ثيابها، ثمَّ أمر يرجمها فرجمت، ثم صلَّى عليها فقال عمر بن الخطَّاب ﵁ يار سول الله رجمتها، ثم تصلّى عليها؟ فقال لقد تابت توبة لو قسمت بين سبعين من أهل المدينة لوسعتهم، وهل وجدت شيئًا أفضل من أن جادت بنفسها لله ﵎
(١٦٨) عن جابر بن عبد الله ﵄ أن رجلًا من أسلم جاء إلى النَّبيّ ﷺ فاعترف بالزّنا فأعرض عنه ثم اعترف فأعرض عنه حتَّى شهد على نفسه أربع مرَّاتٍ، فقال النَّبيُّ ﷺ أبك جنون قال لا، قال أحصنت؟
_________________
(١) إذ قد تابت، وحرض على الاحسان عليها لما فى نفوس الناس من النفرة من مثلها وإسماعها الكلام المؤذى ونحو ذلك فنهى عن هذا كله (١) فيه أن الحامل لا يقام عليها الحد إلا بعد الوضع سواء أكان الحد رجما أم جلدا (٢) قال النووى: هكذا فى معظم النسخ وفى بعضها فشدت بالدال بدل الكاف وهو معنى الأول؛ وفى هذا استحباب جمع أثوابها عليها وشدها بحيث لا تنكشف عورتها فى تقلبها وتكرار اضطرابها (واتفق العلماء) على أنها لا ترجم إلا قاعدة، وأما الرجل فجمهورهم على أنه يرجم قائما (وقال مالك) قاعدا. وقال غيره يخير الأمام بينهما (٣) أى صلاة الجنازة وهو حجة للقائلين بأن الأمام يصلى على من قتل فى حد لأن الحد طهره من الذنب (تخريجه) (م. هق. والأبعة)
(٢) عن جابر بن عبد الله (سنده) حدثنا عبد الله حدثنى أبى ئنا عبد الرزاق ئنا معمر عن الزهرى عن أبى سلمة عن جابر - الحديث) (غريبه) (٤) هو ماعز بن مالك (٥) إنما أعرض عنه ﷺ لعله يرجع عن الاعتراف بشبهة مثلا فيقبل رجوعه، وهذا جائز فى الحدود (٦) إنما قال النبى ﷺ ذلك له ليتحقق حاله فان الغالب أن الانسان لا يصر على الأقرار بما يقتضى قتله من غير سؤال مع أن له طريقا إلى سقوط الائم بالتوبة، وفيه اشارة الى أن اقرار المجنون باطل وأن الحدود لا تجب عليه، وهذا كله مجمع عليه (وقوله أحصنت) يعنى تزوجت قبل الزنا، وفيه أن الأمام يسأل عن شروط الرجم من الأحضان وغيره سواء ثبت بالأقرار أم بالبينة، وفيه مؤاخذة الإنسان
[ ٧ / ٢١٦ ]
قال نعم، فأمر به النَّبي ﷺ فرجم بالمصلّى فلمَّا أذلقته الحجارة مرَّ فأدرك فرجم حتّى مات، فقال له رسول الله ﷺ خيرًا ولم يصلّ عليه
_________________
(١) بإقراره، قال النووي (١) قال البخارى وغيره من العلماء فيه دليل على أن مصلى الجنائز والأعياد إذا لم يكن قد وقف مسجدا لا يثبت له حكم المسجد، إذ لو كان له حكم المسجد لتجنب الرجم فيه وتلطخه بالدماء والميتة، قالوا والمراد بالمصلى هنا مصلى الجنائز، ولهذا جاء فى بعض الروايات فى بقيع الغرقد وهو موضع الجنائز بالمدينة، وذكر الدرامى أن المصلى الذى للعيد وغيره اذا لم مسجدا هل يثبت له حكم المسجد؟ فيه وجهان، أصحهما ليس له حكم السمجد والله أعلم (٢) هو بالذال المعجمة وبالقاف، أى أصابته يحسدها وقوله (مر) أى هرب كما فى رواية عند مسلم (٣) أى ذكره بجميل، وفى رواية للأمام أحمد: ستأتى فى كتاب الحدود فى حد الزنا من حديث أبى ذر فقال (غفر له وأدخل الجنه) (٤) فى رواية للبخارى فقال له النبى ﷺ خيرا وصلى عليه (قال الحافظ) هكذا وقع هنا عن محمود بن غيلان عن عبد الرزاق وخالفه محمد بن يحيى الذهلى وجماعة عن عبد الرزاق فقالوا فى اخره ولم يصل عليه (قال المنذرى) فى حاشية الحنن، رواه ثمانية أنفس عن عبد الرزاق فلم يذكروا قوله وصلى عليه ثم ذكر الحافظ أكثر من عشرة أنفس خالفوا محمودا منهم من سكت عن الزيادة ومنهم من صرح نبفيها أهـ (تخريجه) (ق. هق. والأربعة) (الأحكام) حديث عمر ان بن حصين يدل على أن النبى ﷺ صلى عليه من قتل بحد الرجم، وحديث جابر يدل على عدم الصلاة عليه وكلاهما صحيح، فحديث جابر محمول على أن النبى ﷺ لم يصل على ماعز حين رجم وصلى عليه بعد ذلك، لما ثبت فى رواية عند البخارى تقدمت (أن النبى ﷺ قال له خيرا وصلى عليه) والمثبت مقدم على النافى (وقد جمع الحافظ ﵀) بين الروايتين فقال: قد أخرج عبد الرزاق أيضا وهو فى السنن لأبى قرة من وجه قال لأ، قال قلما كان من الغد قال، صلوا على صاحبكم فصلى عليه رسول الله صلى الله عليه وسمل والناس فهذا الخبر يجمع بني الاختلاف، فتحمل رواية النفى على أنه لم يصل عليه حين رجم، ورواية الأثبات على أنه ﷺ صلى عليه فى اليوم الثانى، وكذا طريق الجمع لما أخرجه أبو داود (عن بريدة) أن النبى ﷺ لم يأمر بالصلاة على ماعز ولم ينه عن الصلاة عليه، وبتأيد بما أخرجه مسلم من حديث عمران بن حصين فى قصة الجهنية التى زنت ورجمت أن النبى ﷺ صلى عليها (فقال له عمر) أتصلى عليها وقد زنت؟ فقال لقد تابت توبة لو قسمت بين سبعين
[ ٧ / ٢١٧ ]
(٧) باب ما جاء في الصلاة على الغائب
(١٦٩) عن أبي هريرة ﵁ قال نعى لنا رسول الله صلَّى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلَّم النَّجاشيَّ في اليوم الذَّي مات فيه فخرج
_________________
(١) لو سمعتهم (قلت وهذا جمع حسن وبه رحج أن النبى صلى الله عليه وسمل صلى على ماعز بن مالك) (قال) وقد اختلف أهل العلم فى هذه المسأل، فقال (مالك) يأمر الأمام بالرجم ولا يتولاه بنفسه ولا يرفع عنه حتى يموت، ويخلى بينه وبين أهله يغسلونه ويصلون عليه، ولا يصلى عليه الأمام ردها لأهل المعاصى اذا علموا أنه ممكن لا يصلى عليه، ولئلا يجترئ النا سعلى مثل فعله، وعن بعض المالكية يجوز للأمام أن يصلى عليه (وبه قال الجمهور) والمعروف عن مالك أنه يكره للأمام وأهل الفضل الصلاة على المرجوم (وهو قول أحمد) (قلت) لم أقف على نص فى كراهية الصلاة على المرجوم للأمام أحمد والله أعلم (قال) (وعن الشافعى) لا يكره وهو قول الجمهور (وعن الزهرى) لا يصلى على المرجوم ولا على قاتل نفسه (وعن قتادة) لا يصلى على المولود من الزنا، وأطلق عياض فقال لم يختلف العلماء فى الصلاة على أهل الفسق والمعاصى والمقتولين فى الحدود وان كره بعضهم ذلك لأهل الفضل الا ما ذهب اليه ابو حنيفة فى المحاربين، وما ذهب اليه الحسن فى الميتة من نفاس الزنا، وما ذهب اليه الزهرى وقتادة، وقال وحديث الباب فى قصة الغامدية حجة للجمهور، والله سبحاة وتعالى أعلم أهـ.
(٢) عن أبى هريرة (سنده) حدثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا يحيى عن مالك قال أخبرنى الزهرى عن سعيد بن المسيب عن أبى هريرة - الحديث) (غريبه) (١) فيه معجزة ظاهرة لرسول الله ﷺ لأ علامه يموت النجاشى وهو فى الحبشة فى اليوم الذى مات فيه، والمراد بالنعى هنا الأعلام بالميت وهو مستحب لاعلى صورة نعى الجاهلية، بل مجرد إعلام للصلاة عليه وتشييعه وقضاء حقه فى ذلك، أما النعى المنهى عنه فهو نعى الجاهلية المشتمل على ذكر المفاخر وغيرها، وقد تقدم الكلام عليه فى بابه (والنجاشى) قال الحافظ بفتح النون وتخفيف الجيم من ملك الحبشة، وحكى المطرزى تشديد الجيم عن بعضهم وخطأه اهـ، ومن ملك الحبشة النجاشى، ومن ملك الروم قيصر، ومن ملك الفرس كسرى، ومن ملك الترك خاقان، ومن ملك القبط فرعون
[ ٧ / ٢١٨ ]
إلى المصلى فصفَّ أصحابه خلفه وكَّبر عليه أربعًا
(١٧٠) عن جابر بن عبد الله ﵄ قال قال النبي ﷺ مات اليوم رجل صالح من الحبش هلم فصفُّوا، قال فصففنا فصلّى النّبي ﷺ ونحن (وعنه من طريقٍ ثان) قال قال رسول الله صلَّى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلَّم مات اليوم عبد الله صالح أصحمة فقوموا فصلوا عليه
_________________
(١) ومن ملك مصر العزيز، ومن ملك اليمن تبع، ومن ملك حمير القيل بفتح القاف، وقبل القيل أقل درجة من الملك (١) يحتمل أن يراد بالمصلى مصلى العيدين، ويحتمل أن يراد مصلى الجنائز ببقيع الغرقد. والله أعلم (٢) فيه دليل على أن التكبير على الجناز يكون أربعا وسيأتى الكلام عليه فى بابه (تخريجه) (ق. هق. والأمان. والأربعة. وغيرهم)
(٢) عن جابر بن عبد الله (سنده) حدثنا عبد الله حدثنى أبى ئنا عبد الرزاق أنا ابن جريج أخبرنى عطاء أنه سمع جابر بن عبد الله يقول قال النبى ﷺ فذكر الحديث) ثم قال حدثنى أبى ئنا عبد الوهاب عن سعيد عن قتادة عن عطاء عن جابر فذكر الحديث) وقال اسم النجاشى صحمة (غريبه) (٣) بفتح المهملة والموحدة بعدها معجمة، وقد أبهم أسمه فى هذه الرواية وصرح به فى الطريق الثانية بقوله مات اليوم عبد الله صالح أصحمة، وكذا عند مسلم، وللبخارى فى مجرة الحبشة من طريق ابن عيينة عن ابن جريج فقوموا فصلوا على أخيكم أصحمة (٤) هذا أخر الحديث عند الأمام أحمد، زاد فى رواية للبخارى (ونحن صفوف. قال أبو الزبير عن جابر كنت فى الصف الثانى) (٥) (سنده) حدثنا عبد الله حدثنى أبى ئنا يحيى عن ابن جريج ئا عطاء عن جابر بن عبد الله قال قال رسول الله ﷺ مات اليوم - الحديث) (٦) قال النووى هو يفتح الهمزة وإسكان الصاد وفتح الحاء والميم المهملتين وهذا الذى وقع فى رواية مسلم هو الصواب المعروف فيه، وهكذا هو فى كتب الحديث والمغازى وغيرها؛ ووقع فى مسند ابن أبى شيبة فى هذا الحديث تسميته صحمة بفتح الصاد واسكان الحاء، وقال هكذا قال لنا يزيد وإنما هو صمحة (يعنى بتقديم الميم على الحاء) وهذان شاذان والصوب أصحمة بالألف (قال ابن قتيبة) وغيره ومعناه بالعربية عطية أهـ (قلت) تسميه بصحمة جاءت عند الأمام أحمد من طريق قتادة عن عطاء عن جابر، وذكرنا ذلك بعد ذكر سند الطريق الأول من هذا الحديث، وجاءت فى الحديث الاتى أيضا من طريق قتادة عن أبى الطفيل عن حذيفة
[ ٧ / ٢١٩ ]
فقام فأمنا فصلَّى عليه
(١٧١) عن حذيفة بن أسيد ﵁ أن رسول الله ﷺ جاء ذات يومٍ، فقال صلُّوا على أخٍ لكم مات بغير أرضكم، قالوا من هو يا رسول الله قال صحمة النَّجاشيُّ، فقاموا فصلَّوا عليه
١٧٢ عن عمران بن حصين ﵁ أن رسول الله ﷺ قال إنَّ أخاكم النَّجاشيَّ قد مات فقوموا فصلُّوا عليه، قال فقمنا فصففنا عليه كما نصف على الميّت وصلينا عليه كما نصلّى على الميّت
(١٨٣) عن جرير (بن عبد الله) ﵁ قال قال رسول الله ﷺ
_________________
(١) والظاهر أنه كان يقال له صحمة وأصحمة، وإن كان بالهمز أشهر والله أعلم (تخريجه) (ق. وغيرها)
(٢) عن خذيفة بن أسيد (سنده) حدثنا عبد الله حدثنى أبى ئنا سعيد مولى بن هاشم قال ئنا المئنى بن سعيد قال ئنا قتادة عن أبى الطفيل عن حذيفة بن أسيد - الحديث) (تخريجه) (جه) وأبو داود الطيالسى والضياء المقدسى وابن قالع (ورواه الطبرانى) عن حذيفة بن أسيد أيضا أن رسول الله ﷺ بلغه موت النجاشى فقال لأصحابه (ان أخاكم النجاشى قد مات فمن أراد أن يصلى عليه فليصل عليه) فتوجه رسول الله ﷺ نحو الجنة فكبر عليه أربعا - أورده الهينمى وقال رواه الطبرانى فى الكبير واسنا هـ حسن
(٣) عن عمران بن حصين (سنده) حدثنا عبد الله حدثنى أبى ئنا عفان ئنا بشر بن المفضل ئنا يونس بن عبيد عن محمد بن سيرين عن أبى المهلب عن عمران أبن حصين - الحديث) (غريبه) (١) يعنى الميت الحاضر، وكذلك قوله وصلينا عليه كما نصلى على الميت (يعنى الحاضر) وإنما قال ذلك لئلا يتوهم أنهم صلوا عليه صلاة ليست كصلاة الحاضر؛ فنص على أنها كانت كصلاة الحاضر فى الصفوف والتكبير والدعاء ونحو ذلك (تخريجه) (نس. مذ) وقال هذا حديث حسن صحيح غريب من هذا الوجه وقد رواه أبو قلابة عن همه أبى المهلب عن عمران بن حصين وأبو المهلب اسمه عبد الرحمن ابن عمرو. ويقال له معاوية بن عمرو اهـ
(٤) عن جرير بن عبد الله (سنده) حدثنا عبد الله حدثني أبي ثنا
[ ٧ / ٢٢٠ ]
إن أخاكم النجَّاشيَّ قد مات فاستغفروا له
(١٧٤) وعن أبي هريرة ﵁ عن النَّبيّ ﷺ مثله
(١٧٥) عن ابن عبَّاسٍ ﵄ أنَّ رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم صلَّى على النَّجاشيّ
_________________
(١) موسى بن داود ومحمد بن عبد الله بن الزبير قال ثنا شريك عن أبى اسحاق عن عامر بن جير قال قال رسول الله ﷺ - الحديث) (تخريجه) لم أقف عليه بهذا اللفظ لغير الأمام أحمد وسنده جيد، ورواه الطبرانى فى الكبير عن جرير أيضا أن النبى ﷺ قال (إن النجاشى قد مات فصلوا عليه) أورده الهيثمى وقال رواه الطبرانى فى الكبير ورجاله ثقات أهـ (قلت) فيكون المراد بقوله فى حديث الباب (فاستغفروا له) أى صلو عليه صلاه الجنازة، وعبر عنها بالاستغفار لاشمالها على الدعاء للميت بالمغفرة والله أعلم.
(٢) عن أبى هريرة (سنده) حدثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا سفيان عن الزهرى عن أبى سلمة عن ابى هريرة أن رسول الله ﷺ لما مات النجاشى أخبرهم أنه قد مات فاستغفروا له (تخريجه) لم أقف عليه بهذا اللفظ لغير الأمام أحمد وسنده جيد، ورواه الشيخان والأمامان والأربعة وغيرهم عن أبى هريرة بغير هذا اللفظ وهو الحديث الأول من أحاديث الباب.
(٣) عن ابن عباس (سنده) حدثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا عفان ثنا حماد بن سلمة أنا على بن زيد عن رجل عن أبن عباس - الحديث) (تخريجه) لم أقف عليه لغير الأمام أحمد وفى إسناده رجل لم يسم (وفى الباب عن ابن عمر) ﵄ أن النبى ﷺ صلى على النجاشى عليه أربعا، رواه البزار والطبرانى فى الأوسط ورجال الطبرانى رجال الصحيح (وعن أبى سعيد الخدرى) ﵁ قال لما قدم على النبى ﷺ وفاة النجاشى قال اخرجوا فصلوا على أخ لكم لم تروه قط، فخرجنا وتقدم النبى ﷺ وصفنا خلفه فصلى وصلينا، فلما انصرفنا قال المنافقون انظروا إلى هذا خرج فصلى على علج نصرانى لم يره قط ' فأنزل الله (وإن من أهل الكتاب لم يؤمن بالله - الخ الأيه) رواه الطبرانى فى الأوسط وفيه عبد الرحمن بن أبى الزناد وه ضعيف (وله شاهد يقويه) عن أنس بن مالك ﵁ أن النبى ﷺ صلى على النجاشى حين نعى، فقيل يارسول الله تصلى على عبد حبشى؟.فأنزل الله ﷿ (وإن من أهل الكتاب لمن يؤمن بالله - الآية)
[ ٧ / ٢٢١ ]
رواه البزار الطبراني في الأوسط ورجال الطبراني ثقات (وعن ابن خارجة) قال لما بلغ النبي صلي الله عليه وسلم وفاة النجاشي قال "إن أخاكم قد توفي فخرجنا فصففنا خلفه فصلينا وما نري شيئًا، رواه الطبراني في الكبير وفيه حمران بن أعين وثقه أبو حاتم وضعفه ابن معين، وبقية رجالة ثقات، هذه الأحاديث أوردها الحافظ الهيثمي في مجمع الزوائد مع تخريجها وبيان درجاتها (الأحكام) أحاديث الباب مع ما ذكرنا قي الشرح تدل علي مشروعية الصلاة علي الميت الغائي (قال الحافظ) وبذلك (قال الشافعي وأحمد) وجمهور السلف حتي قال ابن حزم لم يأت عن أحد من الصحابة منعه (قال وعن الحنفية والمالكية) لا يشرع ذلك؛ وعن بعض أهل العلم إنما يجوز في ذلك اليوم الذي يموت فيه الميت أو ما قرب منه لا ما إذا طالت المدة، حكاه ابن عبد البر (وقال ابن حبان) إنما يجوز ذلك لمن كان في جهة القبلة. فلو كان بلد الميت مستدير القبلة مثلًا لم يجز (قال المحب الطبري) لم أر ذلك لغيره، وحجته حجة الذي قبله الجمود علي قصة النجاشي، وستأتي حكاية مشاركة الخطابي لهم في الجمود، وقد اعتذر من لم يقل بالصلاة علي الغائب، عن قصة النجاشي بأمور (منها) أنه كان بأرض لم يصل عليه بها أحد فتعينت الصلاة عليه لذلك، ومن ثم قال الخطابي لا يصلي علي الغائب إلا إذا وقع موته بأرض ليس بها من يصلي عليه، واستحسنه الروياني من الشافعية، وبه ترجم أبو داود في السنن "الصلاة علي المسلم يليه أهل الشرك ببلد آخر" وهذا محتمل إلا أنني أقف في شيء من الأخبار علي أنه لم يصل عليه في بلدة أحد، ومن ذلك قول لبعضهم كشف له صلي الله عليه وسلم، عنه حتى رآه، فتكون صلاته عليه كصلاة الأمام علي ميت رآه ولم يره المأمون، ولا خلاف في جوازها (قال ابن دقيق العيد) هذا يحتاج إلي نقل ولا يثبت بالاحتمال، وتعقبه بعض الحنفية بأن الاحتمال كاف في مثل هذا من جهة المانع، وكأن مستند قائل ذلك ما ذكره الواقدي في أسبابه "يعني كتاب أسباب النزول" بغير إسناد "عن اين عباس" قال كشف للنبي صلي الله عليه وسلم عن سرير النجاشي حتى رآه وصلي عليه (ولا بن حبان) من حديث عمران بن حصين فقام وصفوا خلفه وهم لا يظنون إلا أن جنازته بين يديه، أخرجه من طريق الأوزاعي عن يحي بن أبي كثير عن أبي قلابة عن أبي المهلب عنه (ولأبي عوانة) من طريق أبان وغيره عن يحي فصلينا خلفه ونحن لا نري إلا أن الجنازة قدامنا (ومن الاعتذارات أيضًا) أن ذلك خاص بالنجاشي لأنه لم يثبت أنه صلي الله عليه وسلم صلي علي ميت غائب (قال المهلب) وكأنه لم يثبت عنده قصه معاوية الليثي وقد ذكرت في ترجمته في الصحابة أن خبره قوي بالنظر إلي مجموع طرقه، واستند من قال بتخصيص النجاشي لذلك إلي ما تقدم من إدارة اشاعة أنه مات مسلمًا أو استئلاف قلوب الملوك الذين
[ ٧ / ٢٢٢ ]
(٨) باب الصلاة على القبر بعد الدفن
(١٧٦) حدّثنا عبد الله حدَّثني أبي ثنا عفَّان حدَّثنا حمَّاد بن زيد ثنا ثابت عن أبي رافع عن أبي هريرة ﵁ أن إنسانًا كان يقم المسجد أسود مات أو ماتت ففقدها النَّبي صلي الله عليه وسلم فقال ما فعل الإنسان
_________________
(١) أسلموا في حياته صلي الله عليه وسلم (قال النووي) لو فتح باب هذا الخصوص لا انسد كثير من ظواهر الشرع مع أنه لو كان شيء مما ذكره لتوفرت الدواعي علي تقله (وقال ابن العربي المالكي) (قال المالكية) ليس ذلك إلا لمحمد صلي الله عليه وسلم قلنا وما عمل به محمد صلي الله عليه وسلم تعمل به أمته يعني لأن الأصل عدم الخصوصية (قالوا) طويت الأرض وأحضرت الجنازة بين يديه (قلنا) إن ربنا عليه لقادر وإن نبينا لأهل لذلك، ولكن لا تقولوا إلا ما رويتم ولا تخترعوا حديثًا من عند أنفسكم، ولا تحدقوا إلا بالثابتات، ودعوا الضعاف فأنها سبيل إتلاف إلي ما ليس له تلاف (وقال الكرماني) قولهم رفع الحجاب عنه ممنوع ولئن سلمنا فكان غائبًا عن الصحابة الذين صلَّوا عليه مع النبي صلي الله عليه وسلم "قلت" وسبق إلي ذلك الشيخ أبو حامد في تعليقه ويؤيده حديث مجمع بن جارية بالجيم في قصة الصلاة علي النجاشي قال "فضفضنا خلفه صفين وما تري سيئًا" أخرجه الطبراني وأصله في ابن ماجه، لكن أجاب بعض الحنفية عن ذلك بما تقدم من أية يصير كالميت الذي يصلي عليه الأمام وهو يراه ولا يراه المأمومون فأنه جائز اتفاقا، أفاده الحافظ (قلت وقصارى القول) أن القائلين بمشروعية صلاة الجنازة علي الغائب حجتهم أقوي لأنها تتمشي مع الدليل بدون تكلف ولا تأويل، أما المانعون منها فلم يأتوا بشيء يعتد به سوي الاعتذار بأن ذلك مختص بمن كان في أرض لا يصلي عليه فيها، والخصوصية لا تثبت إلا بدليل، ولا دليل إلا أن النجاشي كان في بلد ليس فيه من يصلي عليه، وهذا بعيد، لأنه كان ملك الحبشة وقد أظهر إسلامه، فيبعد جدًا أنه لم يوافقه أحد علي الإسلام حتى من حاشيته وأهل بيته يصلي عليه، وحينئذ فدليلهم مبني على الاحمّال، والدليل إذا تطرق إليه الاحتمال سقط به الاستدلال، والله أعلم بحقيقة الحال.
(٢) حدّثنا عبد الله (غريبه) (١) هو ثابت البنانى بضم الباء الموحدة الذي يروى كثيرًا عن أنس بن مالك (وأبو رافع) هو الصائغ تابعى كبير (قال الحافظ) ووهم بعض الشراح فقال إنه أبو رافع الصحابى، وقال هو من رواية صحابى عن صحابي وليس كما قال، فان ثابتا البنانى لم يدرك أبا رافع الصحابى (٢) بقاف مضمومة أي تكنسه وتجمع القمامة وهى الكناسة (٣) شك الراوى في الميت هل هو رجل أو امرأة (وفي رواية للبخاري)
[ ٧ / ٢٢٣ ]
الذَّي كان يقمُّ المسجد، قال فقيل له مات، قال فهلاَّ آذنتموني به فقالوا كان ليلا، قال فدلوُّني علي قبرها، قال فأتي القبر فصلَّي عليها، قال ثابت عند ذلك أو في حديث آخر، إنَّ هذه القبور مملوءة ظلمة علي أهلها، وإنَّ الله ﷿ ينوِّرها بصلاتي عليهم
(١٧٧) عن أنس (بن مالك ﵁) أنَّ أسود كان ينظِّف المسجد فمات فدفن ليلًا وأتي النَّبي صلي الله عليه وسلم فأخبر فقال انطلقوا إلي قبره فانطلقوا إلي قبره، فقال إنَّ هذه القبور ممتلئة علي أهلها ظلمةً، وإنَّ الله
_________________
(١) عن حماد بهذا الإسناد أن رجلًا أسود أو امرأة سوداء، وله في رواية أخري عن حماد أيضًا بسند حديث الباب "أن امرأة أو رجلا كانت تقم المسجد ولا أراه إلا امرأة" (قال الحافظ) الشك فيه من ثابت لأنه رواه عنه جماعة هكذا أو من أبي رافع، قال ورواه ابن خزيمة من طريق العلاء بن عبد الرحيم عن أبيه عن أبي هريرة فقال امرأة سوداء ولم يشك - ورواه البيهقي بإسناد حسن من حديث ابن بريدة عن أبيه فسماها أم محجن؛ وأفاد أن الذي أجاب النبي صلي الله عليه وسلم عن سؤاله عنها أبو بكر الصديق، وذكر ابن منده في الصحابة خرقاء امرأة سوداء كانت تقم المسجد، ووقع ذكرها في حديث حماد بن أبي زيد عن ثابت عن أنس، وذكرها ابن حبان في الصحابة بذلك بدون ذكر السند، فإن كان مخفوظًا فهذا اسمها، وكنيتها أم محجن اهـ أي أعلمتوني يشك حماد هل سمع هذه الجملة من ثابت ضمن حديث أبي هريرة وهي قوله "إن هذه القبور الخ - الحديث" أو سمعها منه في حديث آخر، ولم يخرج البخاري هذه الزيادة أي الجملة المشار إليها، وأخرجها مسلم من رواية ثابت عن أبي رافع عن أبي هريرة؛ وهي عند الأمام أحمد أيضًا من رواية ثابت عن أنس وستأتي؛ وأخرجها أيضًا اين منده وأبو داودالطيالسي والبيهقي كذلك (تخريجه) (ق. جه. هق. ك. حب. وغيرهم)
(٢) عن أنس بن مالك (سنده) حدّثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا سليمان ابن داود ثنا أبو عامر يعنى الجراز عن ثابت عن أنس بن مالك - الحديث" (غريبه) (٣) المراد بالأسود هنا المرأة التي كانت تقم المسجد كما تقدم تحقيقه في شرح الحديث
[ ٧ / ٢٢٤ ]
﷿ ينوِّرها بصلاتي عليها فأتي القبر فصلَّي عليه وقال رجل من الأنصار يا رسول الله إن أخي مات ولم تصلِّ عليه، قال فأين قبره؟ فأخبره فانطلق رسول الله صلي الله عليه وسلم مع الأنصاري.
(١٧٨) وعنه أيضًا أنَّ رسول الله صلَّي الله عليه وسلم صلَّي علي قبر امرأة قد دفنت
(١٧٩) عن يزيد بن ثابت ﵁ قال خرجنا مع رسول الله صلي الله عليه وسلم فلمَّا وردنا البقيع إذا هو بقبر جديد فسأل عنه، فقيل فلانة فعرفها فقال إلا آذنتموني بها؟ قالوا يا رسول الله كنت قائلًا صائمًا فكر هنا أن نؤذنك، فقال لا تفعلوا لا يموتنَّ فيكم ميِّت ما كنت بين أظهركم إلا آذنتموني به فإن صلاتي عليه له رحمة؛ قال ثم أتي القبر فصفَّنا
_________________
(١) السابق، واسمها خرقاء وكنيتها أم مِحجَن والأحاديث يفسر بعضها بعضا (١) احتج به المانعون من الصلاة على القبر فقالوا إن ذلك من خصائصه ﷺ، لأن الله ينور قبورهم بصلاته عليها، وسيأتى الكلام على ذلك في الأحكام (٢) لم يذكر الراوى غير ذلك لأنه لم يذهب معهما فلا يدرى إن كان صلى أم لا، والظاهر من السياق أنه صلى، والله أعلم (تخريجه) (هق) وابن منده وأبو داود الطيالسى، وأورده الهيثمى بلفظه وقال في الصحيح طرف منه، رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح اهـ.
(٢) وعنه أيضًا (سنده) حدّنا عبد الله حدثنى أبى ثنا محمد بن جعفر ثنا شعبة عن حبيب بن الشهيد عن ثابت عن أنس - الحديث" (تخريجه) (بز. هق) ورواه مسلم من طريق شعبة أيضًا بسند حديث الباب مختصرا بلفظ "أن النبي ﷺ صلى على قبر" والظاهر أن هذا القبر هو قبر المرأة التي كانت تقم المسجد وهو الغالب، ويحتمل غيرها والله ﷾ أعلم.
(٣) عن يزيد بن ثابت (سنده) حدّثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا هشيم أنا عثمان بن حكيم الأنصارى عن خارجة بن زيد عن عمه يزيد بن ثابت - الحديث" (غريبه) (٣) الظاهر أنها المرأة التي كانت تقم المسجد وقوله ﷺ "ألا آذنتمونى" معناه ألا أعلمتمونى بموتها لأصلى عليها (٤) أي لا تعودوا إلى مثل ذلك (٥) أي على
[ ٧ / ٢٢٥ ]
خلفه وكبَّر عليه أربعًا
(١٨٠) عن ابن عبَّاس ﵄ أنَّ رسول الله صلي الله عليه وسلم صلَّى علي صاحب قبر بعد ما دفن (ومن طريق ثان) عن شعبة قال سمعت سليمان الشيَّباني قال سمعت الشعبي قال أخبرني من مرَّ مع رسول الله صلي الله عليه وعلى آله وصحبه وسلَّم على قبر منبوذ فأمَّهم وصفوا خلفه، فقلت
_________________
(١) الميت سواء أكان ذكر أم أنثي (تخريجه) (نسق. هق) وسنده جيد (قال البيهقي) وروي فيه عن عامر بن ربيعة وبريدة عن النبى ﷺ (قلت) أما حديث عامر بن ربيعة فرواه ابن ماجه "أن امرأة سوداء ماتت لم يؤذن بها النبى صلي الله عليه وسلم فأخبر بذلك فقال هلا آذنتمونى بها؟ ثم قال لأصحابه صفوا عليها فصلى عليها" وسنده جيد، (وأما حديث بريدة) فرواه أيضًا ابن ماجه مختصرًا بلفظ (ان النبى ﷺ صلى على ميت بعد ما دفن" ورواه البيهقى مطولا ولفظه أن النبى ﷺ مر على قبر جديد حديث عهد بدفن ومعه أبو بكر فقال قبر من هذا؟ فقال أبو بكر يا رسول الله هذه أم محجن كانت مولعة بلقط القذى من المسجد، فقال أفلا آذنتمونى؟ فقالوا كنت نائمًا فكر هنا أن نهجيك "أى نزعجك" قال فلا تفعلوا فان صلاتى على موتاكم نور لهم فى قبورهم، قال فصف أصحابه فصلى عليها (قلت) هذا الحديث والذى قبله يدلان على أن المراد بالمرأة فى حديث يزيد ابن ثابت هى التى كانت تقم المسجد والله اعلم.
(٢) عن ابن عباس (سنده) حدّثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا أبو معاوية ثنا الشيبانى عن الشعبى عن ابن عباس - الحديث" (غريبه) (١) هو صاحب القبر المنبوذ الآتى في الطريق الثانية وسيأتى الكلام عليه (٢) (سنده) حدّثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا محمد بن جعفر ثنا شعبة قال سمعت سليمان الشيبانى - الحديث" (٤) أي منفرد عن القبور بعيد عنها، واسم صاحب القبر طلحة بن البراء بن عمير البلوى حليف الأنصار، قاله الحافظ. قال وروى حديثه أبو داود مختصرًا والطبرانى من طريق عروة بن سعيد الأنصارى عن أبيه عن حسين بن وحوح الأنصارى، وهو بمهملتين بوزن جعفر أن طلحة بن البراء مرض فأتاه النبي ﷺ يعوده فقال إنى لا أرى طلحة ألا قد حدث فيه الموت فآذنونى به وعجلوا، فلم يبلغ النبي ﷺ بنى سالم بن عوف حتى توفى، وكان قال
[ ٧ / ٢٢٦ ]
يا أبا عمرو ومن حدَّثك؟ قال ابن عبَّاس
_________________
(١) لأهله لما دخل الليل إذا مت فادفنوني ولا تدعوا رسول الله ﷺ فأني أخاف عليه يهودًا أن يصاب بسببي، فأخبر النبى ﷺ حين أصبح؛ فجاء حتى وقف على فبره فصف الناس معه ثم رفع يديه، فقال اللهم الق طلحة يضحك اليك وتضحك اليه اهـ (قلت) الضحك من الله كناية عن الرضا، أورد هذا الحديث الهيثمي مطولا، وقال عزا صاحب الأطراف بعض هذا الى أبى داود ولم أره، رواه الطبرانى فى الكبير واسناده حسن اهـ (١) القائل هو الشيبانى، والمقول له هو الشعبى (قال الحافظ) والطرق الصحيحة تدل على أنه ﷺ صلى عليه صبيحة دفنه (تخريجه) (ق. مذ. هق. وغيرهم) (وفي الباب) عن قتاة يا رسول الله إنى أحب أن تصلى على أم سعد، فأتى النبي ﷺ قبرها فصلى عليها، رواه ابن أبى شيبة في مصنفه وهذا لفظه، والبيهقى وقال رواه ابن أبى عروبة عن قتادة وهو مرسل صحيح اهـ. (قلت) ورواه الترمذى بسنده عن قتادة أيضا عن سعيد بن المسيب أن أم سعد ماتت والنبى ﷺ غائب، فلما قدم صلى عليها وقد مضى لذلك شهر (وعن حميد بن هلال) أن البراء بن معرور توفى قبل قدوم النبي ﷺ المدينة فلما قدم صلى عليه، رواه ابن أبى شيبة وهو مرسل أيضا وسنده جيد (وعن سهل بن حنيف) ﵁ قال كان رسول الله ﷺ يعود فقراء أهل المدينة ويشهد جنائزهم إذا ماتوا، فتوفيت امرأة من أهل العوالى فقال رسول الله ﷺ إذا حُضرت فآذنونى فأتوه ليؤذنوه فوجدوه نائمًا وقد ذهب من الليل فكرهوا أن يوقظوه وتخوفوا عليه ظلمة الليل وهو ام الأرض، فذهبوا بها فلما أصبح سال عنها، قالوا يا رسول الله أتيناك لنؤذنك فوجدناك نائمًا فكرهنا أن نوقظك وتخوفنا عليك ظلمة الليل وهو ام الأرض، فمشى رسول الله ﷺ إلى قبرها فصلى عليها وكبر أربعا، أورده الهيثمى وقال رواه الطبرانى في الأوسط وفيه سفيان بن حسين، وفيه كلام وقد وثقه جماعة، وبقية رجاله رجال الصحيح (قلت) ورواه البيهقى بأطول من هذا وليس في غسناده سفيان بن حسين (وعن أبى أمامة بن ثعلبة) أنه ﷺ رجع من بدر وقد توفيت أم أبى أمامة فصلى عليها، ذكره ابن عبد البر في التمهيد (وعن ابن أبى مليكة) قال مات عبد الرحمن ابن أبى بكر بالصفاح أو قريبا منها "هو اسم موضع بينه وبين مكة ستة أميال" فحملناه على عواتق الرجال حتى دفناه بمكة، فقدمت عائشة ﵂ بعد وفاته أين قبر أخى؟ فأتته فصلت عليه - زاد فيه غيره بعد وفاته بشهر (وعن نافع) قال قدم ابن عمر بعد
[ ٧ / ٢٢٧ ]
_________________
(١) وفاة عاصم بن عمر بثلاث فأتى قبره فصلى عليه؛ رواهما البيهقي وابن أبى شيبة (الأحكام) أحاديث الباب تدل على مشروعية صلاة الجنازة على قبر الميت بعد دفنه لمن لم يدرك الصلاة عليه قبل الدفن (قال الترمذى) والعمل على هذا "أي على مشروعية الصلاة على القبر" وهو قول (الشافعى وأحمد وإسحاق) وقال بعض أهل العلم لا يصلى على القبر وهو قول مالك بن أنس (وقال ابن المبارك) إذا دفن الميت ولم يصل عليه صلى على القبر ورأى ابن المبارك الصلاة على القبر (وقال أحمد وإسحاق) يصلى على القبر إلى شهر، وقالا أكثر ما سمعنا عن ابن المسيب أن النبي ﷺ صلى على قبر أم سعد بن عبادة بعد شهر اهـ (وذهب النخعى ومالك وأبو حنيفة) إلى أنه إن دفن قبل أن يصلى عليه شرع وإلا فلا، وأجابوا عن أحاديث الباب بأن ذلك من خصائصه ﷺ واستدلوا على ذلك بقوله ﷺ في حديث أبى هريرة عند مسلم والأمام أحمد وغيرهما "إن هذه القبور مملؤة ظلمة؛ وإن الله ينورها بصلاتى عليهم، قالوا صلاة رسول الله ﷺ كانت لتنوير القبر، وما لا يوجد في صلاة غيره فلا تكون الصلاة على القبر مشروعة (وأجاب) ابن حبان عن ذلك بأن في ترك انكاره ﷺ على من صلى معه القبر بيان جاوز ذلك لغيره وأنه ليس من خصائصه (وتعقب) بأن الذي يقع بالتبعية لا ينهض دليلًا للصالة، ومن جملة ما أجاب به الجمهور عن هذه الزيادة "أي قوله في الحديث إن هذه القبور الخ" أنها مدرجة في هذا الأسناد، وهى من مراسيل ثابت بيّن ذلك غير واحد من أصحاب حماد بن زيد (قال البيهقى) والذى يغلب على القلب أن تكون هذه الزيادة في غير رواية أبى رافع عن ابى هريرة، فاما أن تكون عن ثابت عن النبي ﷺ مرسلة كما رواه أحمد بن عبدة ومن تابعه أو عن ثابت عن أنس عن النبي ﷺ كما رواه خالد بن خداش، وقد رواه غير حماد عن ثابت عن ابى رافع فلم يذكرها اهـ (قلت) ثبتت هذه الزيادة عن ثابت عن أنس عند الأمام أحمد وابن منده وغيرهما غير مرسلة، وعند النسائى والأمام أحمد أيضًا من حديث خارجة بن زيد عن عمه يزيد بن ثابت غير مرسلة أيضًا (قال الشوكانى) وقد عرفت غير مرة أن الاختصاص لا يثبت إلا بدليل، ومجرد كون الله ينور القبور بصلاته ﷺ على أهلها لا ينفى مشروعية الصلاة على القبر لغيره لاسيما بعد قوله ﷺ "صلوا كما رايتمونى أصلى" وهذا باعتبار من كان قد صلى عليه قبل الدفن (وأما من لم يصل عليه) ففرض الصلاة عليه الثابت بالأدلة وإجماع الأمة باق، وجعل الدفن مسقطًا لهذا الفرض محتاج إلى دليل، وقد قال بمشروعية الصلاة على القبر الجمهور كما قال ابن المنذر، وبه قال الناصر من أهل البيت (وقد استدل بأحاديث الباب) على رد قول من فصّل، فقال يصلى على قبر من لم يكن قد صلى عليه قبل
[ ٧ / ٢٢٨ ]
(٩) باب عدد تكبير صلاة الجنازة وما جاء في التسليم منها
(١٨١) عن أبى هريرة ﵁ قال نعي رسول الله صلي الله عليه وسلم النَّجاشيِّ لأصحابه وهو بالمدينة فصلَّوا خلفه وصلَّي عليه وكبَّر أربعًا
(١٨٢) عن جابر بن عبد الله ﵄ قال قال رسول الله صلي الله عليه وسلم كبِّروا على موتاكم باللَّيل والنَّهار أربع تكبيرات
_________________
(١) الدفن لا من كان قد صلي عليه لأن القصة وردت فيمن قد صلي عليه، والمفصل هو بعض المانعين، واختلفوا في أمر ذلك، فقيده بعضهم إلي شهر، وقيل ما لم يبل الجسد، وقيل يجوز أبدًا وقيل إلي اليوم الثالث، وقيل إلي أن يترب اهـ (قال الحافظ ابن القيم) ﵀ وكان من هدية صلي الله عليه وسلم إذا قاتته الصلاة على الجنازة صلى على القبر فصلى مرة على قبر بعد ليلة، ومرة بعد ثلاث، ومرة بعد شهر، ولم يوقت في ذلك وقتًا (قال ـحمد ﵀) من يشك فى الصلاة على القبر؟ ويروى عن النبي ﷺ إذا فاتته الجنازة صلى الله على القبر من ستة أوجه كلها حسان فحدّ الأمام أحمد ﵀ الصلاة على القبر بشهر إذ هو أكثر ما روى عن النبى صلي الله عليه وسلم أنه صلى بعده، وخدّ الشافعى ﵀ بما إذا لم يبل الميت، ومنع منها مالك وأبو حنيفة رحمها الله إلا للولى إذا كان غائبًا اهـ (وقد ذكر ابن عبد البر) في الصلاة عن القبر تسعة أحاديث من تسعة أوجه كلها حسان، وساقها كلها بأسانيده في تمهيده من حديث سهل ابن حنيف وأبي هريرة وعامر بن ربيعة وزيد بن ثابت الخمسة فى صلاته ﷺ على المسكينة التي كانت تقم المسجد، وسعد بن عبادة فى صلاته ﷺ على أم سعد بعد دفنها بشهر وحديث الحصين بن وحوح فى صلاته ﷺ على قبر طلحة بن البراء، وحديث أبي أمامة ابن ثعلبة أنه رجع من بدر وقد توفيت أم أبى أمامة فصلى عليها، وحديث أنس أنهه صليى الله عليه وسلم صلى على امرأة بعد ما دفنت (وقد أتيت بها جميعها وزيادة عليها) بعضها في المتن من رواية الأمام أحمد وبعضها فى الشرح من رواية غيره، وهذا من توفيق الله تعالى فله الحمد والمنة
(٢) عن أبى هريرة (سنده) حدّثنا عبد الله حدثنى ابى ثنا عبد الرازق ثنا معمر عن الزهرى عن ابن المسيب وأبى سلمة بن عبد الرحمن عن أبى هريرة - الحديث" (تخريجه) (ق. هق. والأربعة وغيرهم).
(٣) عن جابر بن عبد الله (سنده) حدّثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا حسن ثنا ابن لهيعة ثنا أبو الزبير عن جابر - الحديث" (غريبه) (٣) يعنى في صلاة الجنازة سواء أكانت ليلا أم نهارا (تخريجه) أخرجه الطبراني في الأوسط مرفوعا بلفظ "صلوا
[ ٧ / ٢٢٩ ]
(١٨٣) عن أبي سلمان المؤذَّن قال توفىَّ أبو سريحة فصلَّى عليه زيد بن أزقم ﵁ فكبَّر عليه أربعًا، وقال كذا فعل رسول الله ﷺ
(١٨٤) عن ابن أبى ليلى أنَّ زيد بن أرقم ﵁ كان يكبِّر على جنائزنا أربعًا وإنَّه كبَّر علي جنازة خمسًا فسألوه فقال كان رسول الله صلي الله عليه وسلم يكبِّرها، أو كبَّرها النَّبى ﷺ (ومن طريق ثن) عن عبد الأعلى قال صلَّيت خلف زيد بن أرقم ﵁ على جنازة فكبَّر خمسًا؛ فقام إليه أبو عيسى عبد الرَّحمن بن أبى ليلى فأخذ بيده فقال نسيت؟ قال لا ولكن صلَّيت خلف أبى القاسم خليلى ﷺ فكبَّر خمسًا فلا أتركها
_________________
(١) على موتاكم بالليل والنهار" والصغير والكبير والدنئ والأمير أربعًا وأخرجه البيهقى بلفظ حديث الباب، وفي جميع طرقه ابن لهيعة فيه كلام اهـ.
(٢) عن أبى سلمان المؤذن (سنده) حدّثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا أسود بن عامر ثنا شريك عن عثمان بن أبى زرعة عن أبى سلمان المؤذن "الحديث" (غريبه) (١) بفتح السين المهملة اسمه حذيفة بن أسيد بفتح الهمزة الغفارى صحابى، من أصحاب الشجرة، مات سنة اثنتين وأربعين، قاله الحافظ في التقريب (تخريجه) لم أقف علي بهذا اللفظ لغير الأمام أحمد وسنده جيد.
(٣) عن ابن ابى ليلى (سنده) حدّثنا عبد الله حدثنى ابى ثنا يحيى بن سعيد عن شعبة قال حدثنى عمرو بن مرة عن ابن أبى ليلى أن زيد بن ارقم كان يكبر - الحديث" (غريبه) (٢) الظاهر أن التكبير أربعًا كان مشهورًا عندهم، فلما كبر خمسًاَ سالوه عن ذلك (٣) (سنده) حدّثنا عبد الله ابى ثنا اسود بن عامر ثنا اسرائيل عن عبد الأعلى قال صليت الخ (٤) في هذه الرواية ان الذي سأل زيدا هو عبد الرحمن بن أبى ليلى، وفي الطريق الأولى المروية عن عبد الرحمن بن ابى ليلى ابهم السائل، فيحتمل ان يكون هو السائل وابهم نفسه كما يحصل كثيرًا، ويحتمل ان تكون الواقعة تعددت وان سؤاله وقع في مرة، وسؤال غيره وقع في اخرى، والله ﷾ اعلم (تخريجه) (م. هق. والأربعة).
[ ٧ / ٢٣٠ ]
(١٨٥) عن يحيى بن عبد الله الجابر قال صلَّيت خلف عيسى مولى لحذيفة (بن اليمان) بالمدائن على جنازة فكبَّر خمسًا، ثمَّ التفت إلينا فقال ما وهمت ولا نسيت، ولكن كبَّرت كما كبر مولاي وولىُّ نعمتى حذيفة ابن اليمان، صلَّى على جنازة وكبَّر خمسًا، ثمَّ التفت إلينا فقال، ما نسيت ولا وهمت ولكن كبَّرت كما كبَّر رسول الله ﷺ على جنازة فكبَّر خمسًا
(١٨٦) عن إبراهيم الهجرىَّ أنَّ عبد الله بن أبى أو فى فام على جنازة بنت له فكبَّر عليها أربع تكبيرات، ثمُّ قام هنيَّة فسبَّح به بعض القوم فا نفتل، فقال أكنتم ترون أنَّى أكبَّر الخامسة؟ قالوا نعم، قال إنَّ رسول الله ﷺ كان إذا كبَّر الرَّابعة قام هنيِّة، فلمَّا وضعت الجنازه جلس وجلسنا إليه
_________________
(١) عن يحيى بن عبد الله (سنده) حدّثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا عبد الصمد ثنا عبد العزيز بن مسلم ثنا يحيى بن عبد الله الجابر - الحديث" (غريبه) (١) وهم في الشئ من باب وعد اذا ذهب وهمه اليه وهو يريد غيره، والمعنى أنه كبر الخامسة قصدا وهو يعرف أنها الخامسة لأن حذيفة فعل ذلك وأخبر أن النبي ﷺ فعل ذلك (تخريجه) (ش) وسنده لا بأس به.
(٢) (عن ابراهيم الهجرى) هذا طرف من حديث طويل سيأتى بتمامه وسنده في باب المشى أمام الجنازة وخلفها (غريبه) أي مدة وجيزة، يعنى أنه لم يسلم عقب التكبيرة الرابعة بل يدعو مدة وجيزة، ففهم بعض القوم أنه يريد أن يجعل التكبير خمسًا فذكره بالتسبيح "وقوله فانفتل" أي انصرف من الصلاة بعد المدة المذكورة ولم يأت بتكبيرة خامسة، ثم أخبرهم أن ما فعله بعد التكبيرة الرابعة من الاستمرار في القيام مدة قصيرة كان يفعله النبي ﷺ ولم يبين في هذا الحديث مقدار المدة، ولا ما كان يقوله فيها، وقد جاء ذلك مبينًا في رواية أخرى له تقدمت في باب الرخصة في البكاء من غير نوح في هذا الجزء صحيفة ١٣٦ رقم ٩٩ وفيها قال "ثم قام بعد الرابعة قدر ما بين التكبيرتين يدعو" وفي رواية عند البيهقى "يستغفر لها ويدعو" ثم قال كان رسول الله ﷺ يصنع في الجنازة هكذا (٣) القائل فلما وضعت الجنازة هو إبراهيم الهجري؛ يعني
[ ٧ / ٢٣١ ]
_________________
(١) أنه لما وضعت الجنازة في القبر جلس عبد الله بن أبى أوفى وجلسنا إليه يحدثنا - وليس هذا آخر الحديث (وتمامة) قال فسئل عن لحوم الحمر الأهلية، فقال تلقاَّنا يوم خبير حمر أهلية خارجا من القرية فوقع الناس فيها فذبحوها، قان القدور لتغلى ببعضها إذ نادى منادى رسول الله ﷺ أهريقوها فأهرقناها؛ ورايت على عبد الله بن أبى أوفى مطرقا من خز أحمر (تخريجه) أخرجه البيهقى وابن ماجة مختصرا، وفي إسناده ابراهيم بن مسلم الهجرى، قال في التقريب لين الحديث، رفع موقوفات، وفي الخلاصة ضعفه النسائى وغيره (قال ابن عدى) إنما أنكروا عليه كثرة روايته عن أبى الأحوص عن عبد الله وعامتها مستقيمة اهـ (وفي الباب عن عبد الله بن مغفل) ﵁ أن عليا ﵁ صلى على سهل بن حنيف فكبر عليه ستا، ثم التفت الينا فقال إنه بدرىّ، رواه الطبرانى في الكبير ورجاله رجال الصحيح (وعن عبد الله بن مسعود) قال لا وقت ولا عدد في الصلاة على الجنائز يعنى التكبير، رواه البزار ورجاله ثقات (وعنه أيضًا) قال قد كبر رسول الله ﷺ سبعًا وخمسا واربعا، فكبروا ما كبر الأمام إذا قدّمتموه، رواه الطبرانى في الأوسط، وفيه عطاء بن السائب، وفيه كلام وهو حسن الحديث (وعن ابن عباس) ﵄ أن رسول الله ﷺ صلى على قتلى أحد فكبر تسعا تسعا، ثم سبعا سبعا، ثم أربعا أربعا حتى لحق بالله، رواه الطبرانى في الكبير والأوسط وإسناده حسن - أوردها الحافظ الهيثمى مع تخريجها وبيان درجاتها (الأحكام) أحاديث الباب تدل على مشروعية التكبير على الجنازة أربعًا وخمسًا، وهى التي اختارها الأمام أحمد في مسنده لكونها مرفوعة وأصح ما ورد في الباب (وقد اختلف السلف) في ذلك فروى عن زيد بن أرقم أنه كان يكبر خمسا كما في حديث الباب، ورواه ابن المنذر عن ابن مسعود أنه صلى على جنازة رجل من بنى أسد فكبر خمسا (وروى أيضا) عن ابن مسعود عن على أنه كان كبر على أهل بدر ستا وعلى الصحابة خمسا، وعلى سائر الناس أربعا (وروى ذلك أيضًا) ابن أبى شيبة والطحاوي والدارقطنى عن عبد خير عنه (وروى ابن المنذر أيضًا بأسناد صحيح عن ابن عباس أنه كبر على جنازة ثلاثا (قال القاضى عياض) ﵀ اختلفت الآثار في ذلك فجاء من رواية ابن أبى خثيمة أن النبي ﷺ كان يكبر أربعا. وخمسا. وستا. وسبعا. وثمانيا حتى مات النجاشى فكبر عليه اربعا وثبت على ذلك حتى توفى ﷺ، قال واختلف الصحابة في ذلك من ثلاث تكبيرات إلى تسع (قال ابن عبد البر) وانعقد الأجماع بعد ذلك على أربع، وأجمع الفقهاء وأهل الفتوى بالاقتصار على أربع ما جاء في الأحاديث الصحيحة، وما سوى ذلك عندهم شذوذ لا يلتفت إليه، وقال لا نعلم أحدًا من فقهاء الأمصار يخمس إلا ابن أبي ليلى
[ ٧ / ٢٣٢ ]
(وروى البيهقي أيضًا) عن ابى وائل قال كانوا يكبرون على عهد رسول الله ﷺ أربعا وخمسا. وستا. وسبعا، فجمع عمر أصحاب رسول الله ﷺ فأخبر كل رجل منهم بما رأى فجمعهم عمر على أربع تكبيرات (وروى أيضًا) من طريق ابراهيم النخعى أنه قال " اجتمع أصحاب رسول الله ﷺ في بيت ابى مسعود فاجتمعوا على أن التكبير على الجنازة أربع (قلت) واليه ذهب جمهور العلماء (قال الترمذى) العمل عليه عند أكثر أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ وغيرهم يرون التكبير على الجنازة أربع تكبيرات، وهو قول (سفيان الثورى. ومالك بن أنس. وابن المبارك. والشافعى. وأحمد. واسحاق) اهـ. ورجح الجمهور ما ذهبوا اليه من مشروعية الأربع بمرجحات أربعة (الأول) أنها ثبتت من طريق جماعة من الصحابة أكثر عددا ممن روى منهم الخمس (الثانى) أنها في الصحيحين (الثالث) أنه أجمع على العمل بها الصحابة (الرابع) أنها آخر ما وقع منه ﷺ (وأجاب الشوكانى) ﵀ عن الأول والثانى من هذه المرجحات بأنه إنما يرجح بهما عند التعارض، ولا تعارض بين الأربع والخمس، لأن الخمس مشتملة على زيادة غير معارضة (وعن الرابع) بأنه لم يثبت، ولو ثبت لكان غير رافع للنزاع، لأن اقتصاره على الأربع لا ينفى مشروعية الخمس بعد ثبوتها عنه، وغاية ما فيه جواز الأمرين (نعم المرجح الثال) أعنى إجماع الصحابة على الأربع هو الذي يعول عليه في مثل هذا المقام إن صح، وإلا كان الاخذ بالزيادة الخارجة من مخرج صحيح هو الراجح اهـ. (وذهب إلى أن التكبير على الجنازة خمس) جماعة من الصحابة منهم أبو ذر. وزيد بن أرقم. وحذيفة. وابن عباس. ﵃، وبه قال محمد بن الحنفية وابن أبى ليلى "وفي المبسوط للحنفية" قيل إن أبا يوسف كان يكبر خمسا (وذهب بكر بن عبد الله المزنى) إلى أنه لا ينقص من ثلاث ولا يزاد على سبع (وبنحوه قال الأمام أحمد) إلا أنه قال لا ينقص من أربع، قال وقال ابن مسعود كبر ما كبر الأمام، قال والذى تختاره ما ثبت عن عمر، ثم ساق بأسناد صحيح إلى سعيد بن المسيب قال كان التكبير اربعا وخمسا، فجمع عمر الناس على أربع (وروى أنس بن مالك) ﵁ أن تكبير الجنازة ثلاث (روى عنه ابن المنذر) أنه قيل له إن فلانا كبر ثلاثا، فقال وهل التكبير الا ثلاث؟ (وروى عنه ابن أبى شيبة) أنه كبر ثلاثا لم يزد عليها (وروى عنه عبد الرازق) أنه كبر على جنازة ثلاثا، ثم انصرف ناسيا، فقالوا له يا ابا حمزة إنك كبرت ثلاثا؟ قال فصُنفوا فصَفو فكبر الرابعة (وروى عنه البخارى) تعليقا نحو ذلك "قال الحافظ" ويمكن الجمع بين ما اختلف فيه على أنس، إما بأنه كان يرى الثلاث مجزئة والأربع أكمل منها، وإما بأن من أطلق عنه الثلاث لم يذكر الأولى لأنها افتتاح الصلاة اهـ (وفي حديث ابن أبى أوفى) دليل على مشروعية استمرار المصلى مدة يسيرة بعد التكبيرة الرابعة بقدر ما بين التكبيرتين، وتقدم
[ ٧ / ٢٣٣ ]
(١٠) باب ما يقال من الأدعية في الصلاة على الميت
(١٨٧) عن أبى هريرة ﵁ وقد سمع رسول الله ﷺ وهو يصلِّى على جنازة قال سمعته يقول، أنت خلقتها، وأنت رزقتها، وأنت هديتها للإسلام، وأنت قبضت روحها،
_________________
(١) ذلك في الشرح؛ ولم يصرح بالسلام فى رواية الأمام أحمد، وصرح به فى رواية البيهقى بلفظ "فكبر أربعا فمكث ساعة حتى ظننا أنه سيكبر خمسًا، ثم سلم عن يمينه وعن شماله، فلما انصرف قلنا له ما هذا؟ قال أنى لا أرزيدكم على مارأيت رسول الله ﷺ يصنه أو هكذا صنع رسول الله ﷺ - الحديث (وعن أبى هريرة) أن رسول الله ﷺ صلى على جنازة فكبر عليها أربعًا وسلم تسليمة واحدة رواه البيهقى والدارقطنى (وعن عمير بن سعيد) قال صليت خلف على بن أبى طالب ﵁ على جنازة يزيد بن مكفف فكبر عليه أربعا وسلم تسليمة (وعن مجاهد) عن ابن عباس أنه كان يسلم على الجنازة تسليمة (وعن نافع ابن عمر) أنه كن إذا صلى على جنازة سلم واحدة عن يمينه (وعن يزيد بن أبى مالك) عن أبيه قال رأيت وائله بن الأسق ﵁ صاحب رسول الله ﷺ يسلم على الجنازة تسليمة - رواها البيهقى، قال ورورينا أيضًا عن جابر بن عبد الله وأنس ابن مالك وأبى أمامة بن سهل بن حنيف وغيرهم اهـ، وهذه الأحاديث والآثار تدل على مشروعية التسليم من صلاة الجنازة كالتسليم من الصلاة (قال النووى) وأجمع العلماء عليه ثم قال جمهورهم يسلم تسليمة واحدة (وقال الثورى وأبو حنيفة والشافعى) وجماعة من السلف تسليمتين (واختلفوا) هل يجهر الأمام بالتسليم أم يسر (وأبو حنيفة والشافعى) يقولون يجهر وعن مالك روايتان (واختلفوا) فى رفع الأيدى فى هذه التكبيرات، ومذهب (الشافعى) الرفع فى جميعها، وحكاه ابن المنذر عن ابن عمر. وعمر بن عبد العزيز. وعطاء وسالم بن عبد الله. وقيس بن أبى حازم. والزهرى. والأوزاعى. وأحمد. واسحاق واختاره ابن المنذر (وقال الثورى وأبو حنيفة) وأصحاب الرأى لا يرفع الا في التكبيرة الأولى (وعن مالك) ثلاث روايات الرفع فى الجميع وفى الأولى فقط وعدمه فى كلها اهـ.
(٢) (عن أبى هريرة (سنده) حدّثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا يزيد أنا شعبة عن الجلاَس عن عثمان ابن شماس قال سمعت أبا هريرة ومر عليه مروان فقال - بعض حديثك عن رسول الله ﷺ - أو حديثك عن رسول الله ﷺ، ثم رجع فقلنا الآن يقع به، قال كيف
[ ٧ / ٢٣٤ ]
تعلم سرَّها وعلانيتها، جئنا شفعاءً فاغفر لها
(١٨٨) وعنه ايضا ثال كان رسول الله ﷺ إذا صلَّى على الجنازة قال اللَّهم اغفر لحيِّنًا وميِّتنًا وشاهدنا وغائبنا وصغيرنا وكبيرنا وذكرنا وأنثانا اللهم من أحييته منَّا فأحيه عل الإسلام ومن توفيِّته منَّا فتوفَّه على الإيمان
_________________
(١) سمعت رسول الله ﷺ يصلى على الجنائز قال سمعته يقول أنت خلقها - الحديث " (غريبه) (١) في هذا الدعاء غاية التذلل والخشوع والثناء على الله ﷿ ليقبل شفاعة المصلين في الميت فيغفر له (تخريجه) (د. هق) والنسائى في عمل اليوم والليلة وسنده جيد.
(٢) وعنه أيضا (سنده) حدّثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا خلف بن الوليد قال ثنا أيوب بن عتبة عن يحيى بن أبى كثير عن أبى سلمة عن أبى هريرة قال كان رسول الله ﷺ إذا صلى - الحديث" (غريبه) (٢) إن قيل إن الصغير غير مكلف لا ذنب له، فما معنى الاستغفار له (فالجواب) أن الاستغفار في حق الصغير لرفع الدرجات "وقيل" المراد بالصغير الشاب، والكبير الشيخ، وقال التوربشتى عن الطحاوى: انه سئل عن معنى الاستغفار للصبيان مع أنه لا ذنب لهم، فقال معناه السؤال من الله أن يغفر له ما كتب في اللوح المحفوظ أن يفعله بعد البلوغ من الذنوب حتى إذا كان فعله كان مغفورًا، وإلا فالصغير غير مكلف لا حاجة له إلى الاستغفار (٣) المقصود من القرائن الأربع الشمول والاستيعاب كأنه قيل، اللهم اغفر للمسلمين والمسلمات كلهم أجمعين (٤) أي الاستسلام والانقياد للأوامر والنواهى (٥) أي التصديق القلبى إذ لا نافع حينئذ غيره، ورواه أبو داود من طريق يحيى عن أبى سلمة عن ابى هريرة، وزاد اللهم لا تحرمنا أجره ولا تضلنا بعده، ووقع في هذه الرواية "اللهم من أحييته منا فأحيه على الأيمان، ومن توفيته منا توفه على الاسلام" (قال الشوكانى) ولفظ "فأحيه على الاسلام" هو الثابت عند الأكثر وعند أبى داود "فأحيه على الايمان وتوفه على الاسلام (تخريجه) (الأربعة. حب. ك) وقال وله شاهد صحيح من حديث عائشة نحوه، وأخرج هذا الشاهد الترمذى وأعله بعكرمة بن عمار؛ وفي اسناد حديث الباب يحيى بن أبى كثير عن أبى سلمة عن أبى هريرة (قال أبو حاتم) الحفاظ لا يذكرون ابا هريرة، إنما يقولون أبو سلمة عن النبي ﷺ مرسلًا ولا يوصله بذكر أبى هريرة الا غير متقن، والصحيح أنه مرسل، ورواه يحيى بن أبى كثير من حديث أبى ابراهيم الأشهلى عن أبيه عن النبي ﷺ مثل
[ ٧ / ٢٣٥ ]
(١٨٩) وعن عبد الله بن أبي قتادة عن أبيه ﵁ عن النَّبيِّ صلَّى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلَّم مثله
(١٩٠) وعن أبى إبراهيم الأنصارىِّ عن أبيه عن النَّبىِّ ﷺ مثله
(١٩١) عن واثله بن الأسقع ﵁ أنَّه سمع رسول الله
_________________
(١) حديث أبي هريرة، أخرجه من هذا الوجه الأمام أحمد "وسيأتى بعد حديث" والنسائى والترمذى وقال حسن صحيح وقال سمعت محمدا "يعنى البخارى" يقول أصح الروايات في هذا حديث يحيى ابن ابى كثير عن أبى ابراهيم الأشهلى عن أبيه، قال وسألته عن اسم أبى ابراهيم الأشهلى فلم يعرفه.
(٢) عن عبد الله بن أبى قتادة (سنده) حدّثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا عبد الصمد ثنا همام ثنا يحيى بن أبى كثير عن عبد الله بن أبى قتادة عن ابيه أنه شهد النبي ﷺ صلى على ميت فسمعته يقول اللهم اغفر لحينا وميتنا الحديث كسابقه (تخريجه) لم أقف عليه لغير الأمام أحمد، وأورده الهيثمى وقال رواه أحمد رجاله رجال الصحيح.
(٣) عن ابى ابراهيم الأنصارى عن أبيه (سنده) حدّثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا عفان أبان ثنا ييحى بن أبى كثير ثنا شيخ من الأنصار يقال له أبو ابراهيم عن أبيه أن نبى الله ﷺ كان اذا صلى على الميت قال اللهم اغفر لحينا وشاهدنا وغائبنا وذكرنا وأنثانا وصغيرنا وكبيرنا، قال يحيى وحدثنى أبو سلمة بن عبد الرحمن بهذا الحديث عن النبي ﷺ وزاد فيه اللهم من أحييته منا فأحيه على الاسلام، ومن توفيته فتوفه على الايمان (تخريجه) (نس. مذ) وقال حسن صحيح (قلت) وهو حديث ابى ابراهيم الأشهلى الذي أشرت اليه سابقا، والذى قال فيه الترمذى سمعت محمدا "يعنى البخارى" يقول اصح الروايات في هذا حديث يحيى بن أبى كثير عن أبى ابراهيم الأشهلى عن أبيه، وتقدم هذا آنفًا، وانما قيل له الأشهلى لأنه من بنى عبد الأشهل، ووالد أبى إبراهيم هذا لم يعرف وهو صحابى، وجهالة الصحابى لا تضر، وقد توهم بعض الناس أن أبا ابراهيم الأشهلى هو عبد الله بن ابى قتادة (قال الحافظ) هو غلط لأن أبا ابراهيم من بنى عبد الأشهل وأبو قتادة من بنى سلمة، والله أعلم.
(٤) عن وائلة بن الأسقع (سنده) حدّثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا على ابن بحر قال ثنا الوليد بن مسلم قال ثنا مروان بن جناح عن يونس بن ميسرة بن حليس عن وائلة بن الأسقع ﵁ أنه سمع رسول الله ﷺ - الحديث"
[ ٧ / ٢٣٦ ]
صلَّى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلَّم يقول ألا إنَّ فلان بن فلان فى ذمَّتك وحبل جوارك فقه فتنة القبر وعذاب النار، أنت أهل الوفاء والحقِّ اللِّهمَّ فاغفر له وأرحمه فإنَّك أنت الغفور الرَّحيم
(١٩٢) عن عوف بن مالك (الأشجعىِّ الأنصارىِّ) ﵁ قال رأيت رسول الله ﷺ صلَّى على ميِّت ففهمت من صلاته عليه، اللَّهم اغفر له وارحمه وعافه واعف عنه، وأكرم نزله ووسِّع مدخله، واغسله بالماء والثَّلج والبرد ونقِّه من الخطايا كما نقَّيت الثَّوب الأبيض من الدنس
_________________
(١) (غريبه) (١) لفظ أبي داود وابن ماجه (اللهم ان فلان بن فلان الخ" وقوله في ذمتك" أي في أمانك وعهدك وحفظك "وحبل جوارك" ومعناه كما قيل - كان من عادة العرب أن يخيف بعضهم بعضا، وكان الرجل اذا أراد سفرا أخذ عهدا من سيد كل قبيلة فيأمن به ما دام في حدودها حتى ينتهى إلى الأخرى فيأخذ مثل ذلك، فهذا حبل الجوار عند العرب أي العهد والأمان ما دام مجاورًا أرضه، وحبل جوار الله هو القرآن، يعنى أن من تمسك به كان له عهد وميثاق عند الله ﷿ بحفظه من الأذى، وقد ورد "كتاب الله حبل ممدود من السماء إلى الأرض" رواه الأمام أحمد، وتقدم في الجزء الأول صحيفة ١٨٦ رقم ٢ في باب الاعتصام بكتاب الله ﷿، ورواه الحاكم بلفظ "القرآن حبل الله المتين" وصححه "وقوله فقه فتنة القبر" صيغة أمر من الوقاية والمقصود الدعاء أي احفظه من محنة السؤال فيه وعذابه كالضغطة والظلمة ونحو ذلك، وقد مر شئ منه في "باب ما يراه المحتضر، ومصير الروح بعهد مفارقة الجسد" وسيأتى بأوسع منه في أبواب عذاب القبر (٢) أي أهل الوفاة بالوعد، واحقاق الحق واثباته ونصرته (تخريجه) (د. جه) وسنده جيد، وسكت عنه أبو داود والمنذرى.
(٢) عن عوف بن مالك (سنده) حدّثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا عبد الرحمن بن مهدى عن معاوية عن حبيب بن عبيد قال حدثنى جبير بن نفير عن عوف "الحديث" (غريبه) (٣) الثلج معروف، والبرد بفتح الباء الموحدة والراء شئ ينزل من السحاب يشبه الحصى ويسمى حب الغمام، أي طهره بأنواع الرحمة التي بمنزلة الثلج والبرد في إزالة الوسخ؛ وإنما خصهما بالذكر تأكيدًا للطهارة ومبالغة فيها، لأنهما ما آنِ
[ ٧ / ٢٣٧ ]
وأبدله دارًا خيرًا من داره وأهلًا خيرًا من أهله، وزوجًا خيرًا من زوجه وأدخله الجنَّة ونجِّه من النَّار وقه عذاب القبر
_________________
(١) مفطوران على خلقتهما لم يستعملا ولم تنلهما الأيدى ولم يخضهما الأرجل كسائر المياه التي خالطت التراب، وجرت في الأنهار، وجمعت في الحياض، فكان أحق بكمال الطهارة (١) هذا من عطف الخاص على العام على أن المراد بالأهل ما يعم الخدم أيضًا، وفيه إطلاق الزوج على المرأة، قيل هو أفصح من الزوجة فيها (قال الحافظ السيوطى) قالت طائفة من الفقهاء هذا خاص بالرجل، ولا يقال في الصلاة على المرأة ابدلها زوجا خيرا من زوجها لجواز أن تكون لزوجها في الجنة فان المرأة لا يمكن الاشتراك فيها والرجل يقبل ذلك (٢) زاد مسلم والنسائى "قال عوف فتمنيت أن لو كنت أنا الميت لدعاء رسول الله ﷺ عن ذلك الميت" (تخريجه) (م. نس. جه) (وفي الباب عن عائشة) ﵂ قالت سمعت رسول الله ﷺ يقول في الصلاة على الميت، اللهم اغفر له وصل عليه، وأورده حوض رسولك ﷺ - رواه أبو يعلى والطبرانى في الأوسط وزاد "وبارك فيه" وفيه عاصم بن هلال وثقة أبو حاتم وضعفه غيره (وعن ابن عباس) ﵄ أن النبي ﷺ كان إذا صلى على الميت قال "اللهم اغفر لحينا وميتنا وشاهدنا وغائبنا ولأنثانا وذكورنا من أحييته منا فأحيه على الاسلام ومن توفيته منا فتوفه على الايمان، اللهم عفوك عفوك - رواه الطبرانى في الكبير والأوسط وإسناده حسن (وعن أبى هريرة) ﵁ قال سمعت رسول الله ﷺ يقول "إذا صليتم على الميت فأخلصوا له الدعاء" رواه أبو داود وابن ماجه والبيهقى وابن حبان وصححه (وعنه أيضًا) وقد سئل كيف تصلى على الجنازة؟ فقال أنا لعمر الله أخبرك بزيادة عن سؤالك - اتبعها من أهلها فاذا وضعت كبرت وحمدت الله وصليت على نبيه ثم أقول اللهم إنه عبدك وابن عبدك وابن امتك؛ كان يشهد أن لا غله إلا أنت، وأن محمدًا عبدك ورسولك، وأنت أعلم به - اللهم إن كان محسنا فزد في إحسانه، وان كان مسيئا فتجاوز عن سيئاته - اللهم لا تحرمنا أجره ولا تفتنا بعده، رواه الأمام مالك في الموطأ (قال النووى) في شرح المهذب: قال البيهقى والمتولى وآخرون من الأصحاب، التقط الشافعى من مجموع الأحاديث الواردة دعاء ورتبه واستحبه، وهو الذي ذكره في مختصر المزنى وذكره المصنف "يعنى صاحب المهذب" هنا وفي التنبيه وسائر الأصحاب قال يقول* اللهم هذا عبدك وابن عبدك خرج من روح الدنيا وسعتها ومحبوبه وأحباؤه فيها إلى ظلمة القبر. وما هو لاقيه كان يشهد أن لا إله إلا أنت وأن محمدا عبدك ورسولك وأنت أعلم به
[ ٧ / ٢٣٨ ]
.
_________________
(١) اللهم إنه نزل بك وأنت خير منزول به، وأصبح فقيرًا إلى رحمتك وأنت غنى عن عذابه وقد جئناك راغبين اليك شفعاء له - اللهم ان كان محسنا فزد في احسانه وان كان مسيئا فتجاوز عنه ولقه برحمتك الأمن من عذابك حتى تبعثه إلى جنتك يا أرحم الراحمين* قال وقال أبو عبد الله الزهرى من متقدمى أصحابنا في كتابه الكافى وغيره من أصحابنا فان كانت امرأة قال اللهم هذه أمتك ثم ينسق الكلام، ولو ذكرها على ارادة شخص جاز (قال أصحابنا) فان كان الميت صبيا أو صبية اقتصر على حديث اللهم اغفر لحينا وميتنا الخ "يعنى الخ حديث ابى هريرة الثانى من احاديث الباب" وضم اليه اللهم اجعله فرطا لأبويه وسلفا وذخرا وعظمة واعتبارا وشفيعا وثقل به موازينهما وافرغ الصبر على قلوبهما ولا تفتنهما بعده ولا تحرمهما اجره والله اعلم اهـ (قلت) وروى البخارى في صحيحه عن سعيد بن ابى عروبة انه سئل عن الصلاة على لصبى فأخبرهم عن قتادة عن الحسن أنه كان يكبر ثم يقرأ فاتحة الكتاب ثم يقول اللهم اجعله لنا سلفا وفرطا واجرا، وروى نحوه البيهقى من حديث أبى هريرة (وعن الأعمش عن ابراهيم) قال ليس في الصلاة على الميت دعاء مؤقت في الصلاة فادع بما شئت (وعن موسى الجهنى) قال سالت الحكم والشعبي وعطاء ومجاهدا في الصلاة على الميت بشئ مؤقت فقالوا لا إنما أنت شفيع فاشفع بأحسن ما تعلم (وعن عمرو ابن شعيب) عن أبيه عن جده عن ثلاثين من أصحاب رسول الله ﷺ أنهم لم يقوموا على شئ في أمر الصلاة على الجنازة (روى هذه الآثار الثلاثة) ابن أبى شيبة في مصنفه ومعناها أنه لم يرد عن الشارع توقيف على قراءة أو أدعية مخصوصة لا يصح غيرها، بل لو دعا المصلى بأى لفظ كان أجزأه، ولكن اتباع ما ورد أفضل وأكثر ثوابا والله أعلم. (الأحكام) أحاديث الباب تدل على مشروعية الدعاء للميت في صلاة الجنازة بالأدعية الواردة أو بعضها بدون تعيين دعاء مخصوص منها، وقد ذهب إلى مشروعية الدعاء للميت كافة العلماء (قال الشوكانى) انه ينبغى للمصلى على الميت أن يخلص الدعاء له سواء أكان محسنا أم مسيئًا، فان ملابس المعاصى أحوج الناس إلى دعاء اخوانه المسلمين وأفقرهم إلى شفاعتهم، ولذلك قدموه بين أيديهم وجاءوا به اليهم، لا كما قال بعضهم ان المصلى يلعن الفاسق، ويقتصر في المتلبس على قوله "اللهم ان كان محسنا فرد في احسانه، وان كان مسئيا فأنت أولى بالعفو عنه، فان الأول من اخلاص السب لا من اخلاص الدعاء، والثانى من باب التفويض باعتبار المسيء لا من باب الشفاعة والسؤال وهو تحصيل حاصل، والميت غنى عن ذلك (قال) واعلم أنه قد وقع في كتب الفقه ذكر أدعية غير المأثورة عنه ﷺ والتمسك بالثابت عنه أولى، واختلاف الأحاديث
[ ٧ / ٢٣٩ ]
.
_________________
(١) في ذلك محمول على أنه ﷺ كان يدعو لميت بدعاء ولآخر بآخر، والذى أمر به ﷺ الدعاء (وفي أحاديث الباب أيضا) دليل على أنه صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم جهر بالدعاء في صلاة الجنازة لما في حديث واثلة بن الأسقع أنه سمع رسول الله ﷺ صلى على ميت ففهمت من صلاته عليهن اللهم اغفر له الخ" وفي لفظ عند مسلم "فحفظت من دعائه وهو يقول اللهم اغفر له - الحديث" (قال النووى) ﵀ وفيه استحباب هذا الدعاء، وفيه اشارة إلى الجهر بالدعاء فى صلاة الجنازة، وقد اتفق أصحابنا على أنه ان صلى عليها بالنهار أسرّ بالقراءة، وإن صلى بالليل ففيه وجهان الصحيح الذي عليه الجمهور يسرّ والثانى يجهر، وأما الدعاء فيسرّ له بلا خلاف، وحينئذ يتأول هذا الحديث على أن قوله حفظت من دعائه أي علمنيه بعد الصلاة فحفظته اهـ (قلت) ويحتمل أن يقال إنه ﷺ جهر بالدعاء في بعض الأحيان لقصد تعليمهم (وفيها أيضا) دليل على استحباب تسمية الميت باسمه واسم ابيع، وهذا ان كان معروفا، وإلا جعل مكان ذلك اللهم ان عبدك هذا أو نحوه، والظاهر أنه يدعو بالألفاظ الواردة في هذه الأحاديث سواء كان الميت ذكرا أو أنثى، ولا يحول الضمائر المذكورة إلى صيغة التأنيث اذا كان الميث أنثى، لأن مرجعها الميت، وهو يقال على الذكر والأنثى (واعلم) أنه لم يرد في أحاديث الباب تعيين مكان الدعاء في صلاة الجنازة إلا ما جاء في حديث عبد الله بن أبى أوفى أنه قام بعد الرابعة قدر ما بين التكبيرتين يدعو، ثم قال كان رسول الله ﷺ يصنع في الجنازة هكذا، وتقدم هذا الحديث في باب الرخصة في البكاء من غير نوح صحيفة ١٣١ ورقم ٩٩ من هذا الجزء، وهو لا يدل على اختصاص الدعاء بذلك الموضع، بل له مصلى أن يأتى بهذه الأدعية جملة بعد التكبير أو بعد التكبيرة الأولى أو الثانية أو الثالثة أو يفرقه بين كل تكبيرتين أو يدعو بين كل تكبيرتين بواحد من هذه الأدعية ليكون مؤديًا لجميع ما ورد عنه ﷺ، وبتفريق الدعاء بين التكبيرات (قالت المالكية - وذهبت الحنفية والشافعية والحنابلة) إلى أن محله بعد التكبيرة الثالثة والرابعة. وسيأتى مستندهم في أحاديث التتمة، والله أعلم. (تتمة فيما ورد في القرآن والصلاة على النبي ﷺ في صلاة الجنازة) إعلم أرشدنى الله وإياك ما وجدت في مسند الأمام أحمد شيئًا ورد في القراءة والصلاة على النبي ﷺ في صلاة الجنازة ولا في صحيح مسلم أيضا، وقد وقفت على ما ورد في ذلك في بعض الأصول الأخرى، واليك ما ورد (عن أبى أمامة بن مهل) أنه أخبره رجل من اصحاب النبي ﷺ أن السنة في الصلاة
[ ٧ / ٢٤٠ ]
_________________
(١) أن يكبر الإمام ثم يقرأ بفاتحة الكتاب بعد التكبيرة الأولى سرًا في نفسه، ثم يصلى على النبي ﷺ ويخلص الدعاء للجنازة في التكبيرات لا يقرأ في شئ منهن ثم يسلم سرًا في نفسه - رواه الأمام الشافعى في مسنده - وفي اسناده مطرّف، ولكن قد قواه البيهقي بما رواه في المعرفة من طريق عبد الله بن أبى زياد الرصافي عن الزهرى بمعناه؛ وأخرج نحوه الحاكم من وجه آخر، وأخرجه أيضا النسائى وعبد الرازق وإسناده صحيح، وليس فيه قوله "بعد التكبيرة" ولا قوله "ثم يسلم سرًا في نفسه" ولكنه أخرج الحاكم نحوها، أفاده الحافظ (وعن ابن عباس) ﵄ "أنه صلى على جنازة فقرأ بفاتحة الكتاب وقال لتعلموا أنه من السنة" رواه (خ. د. مذ) وصححه النسائى وقال فيه "فقرأ بفاتحة الكتاب وسورة وجهر، فلما فرغ قال سنة وحق" (وعن أبى أمامة بن سهل) بن حنيف عن عبيد ابن السباَّق قال صلى بنا سهل بن حنيف على جنازة، فلما كبر التكبيرة الأولى قرأ بأم القرآن حتى أسمع من خلفه، ثم تابع تكبيره حتى إذا بقيت تكبيرة واحدة تشهَّد تسهُّد الصلاة ثم كبر وانصرف - رواه البيهقى (وعنه أيضا) أنه قال السنة في الصلاة على الجنازة أن يكبر ثم يقرأ بأم القرآن، ثم يصلى على النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم ثم يخلص الدعاء للميت ولا يقرأ الا في الأولى - رواه عبد الرازق والنسائى، وصحح الحافظ اسناده (وعن أبى هريرة) أن النبي ﷺ قرأ على الجنازة أربع مرات "الحمد لله رب العالمين" أورده الحافظ الهيثمى؛ وقال رواه الطبرانى في الأوسط، وفيه ناهض بن القاسم ولم أجد من ترجمة، وبقية رجاله ثقات (الأحكام) الأحاديث الواردة تحت ترجمة "تتمة" الخ تدل على مشروعية قراءة الفاتحة في صلاة الجنازة، والى ذلك ذهب الأئمة (الشافعى وأحمد واسحاق وداود) ﵏؛ وحكاه ابن المنذر عن ابن مسعود وابن عباس وابن الزبير والمسور بن مخرمة وعبيد بن عمير والحسن بن على، وذهب الأئمة (أبو حنيفة واصحابه وسائر الكوفيين ومالك) إلى عدم القراءة، وحكاه ابن المنذر عن أبى هريرة وابن عمر وابن المسيب وطاوس وعطاء وابن سيرين وابن جبير والشعبى ومجاهد وحماد (واختلف الأولون) هل قراءة الفاتحة واجبة أم لا؟ فذهب إلى الوجوب الأمامان (الشافعى وأحمد) وغيرهما واستدلوا بحديث أم شريك "قالت أمرنا رسول الله ﷺ أن نقرأ على الجنازة بفاتحة الكتاب" رواه ابن ماجة (قال الحافظ) وفي اسناده ضعف يسير اهـ، واستدلوا أيضا بالأحاديث التي تقدمت في كتاب الصلاة في باب وجوب قراءة الفاتحة كحديث "لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب" رواه الأمام أحمد والشيخان والأربعة، وصلاة الجنازة صلاة (وفيها أيضا) مشروعية قراءة سورة مع الفاتحة في صلاة الجنازة لما تقدم في حديث
[ ٧ / ٢٤١ ]
.
_________________
(١) ابن عباس أنه قرأ بفاتحة الكتاب وسورة وجهر، فلما فرغ قال سنة وحق، والى استحباب السورة بعد الفاتحة (ذهبت الشافعية) وظاهر حديث ابن عباس استحباب الجهر بالفاتحة والسورة في صلاة الجنازة، وقال بعض أصحاب الشافعى إنه يجهر بالليل كالليلية (قال النووى) اتفق الأصحاب على أنه يسر بغير القراءة من الصلاة على النبي ﷺ والدعاء، واتفقوا على أنه يجهر بالتكبيرات والسلام، واتفقوا أيضًا على أنه يسر بالقراءة نهارًا، وفي الليل وجهان أصحهما أن يسر أيضًا كالدعاء اهـ ج (وذهب الجمهور) إلى انه لا يستحب الجهر في صلاة الجنارة، وتمسكوا بما روى عن ابن عباس ﵄ أنه صلى على جنازة بالابواء فكبر ثم قرأ الفاتحة رافعًا صوته، ثم صلى على النبي ﷺ ثم قال "اللهم هذا عبدك وابن عبديك اصبح فقيرا إلى رحمتك فأنت غنى عن عذابه، إن كان زاكيا فزكه، وإن كان مخطئا فاغفر له" اللهم لا تحرمنا أجره ولا تضلنا بعده، ثم كبر ثلاث تكبيرات، ثم انصرف فقال ايها الناس انى لم أقرأ عليها أي جهرًا إلا لتعلموا أنه سنة - رواه الحاكم وفي اسناده شرحبيل بن سعد (قال الحافظ) واختلفوا في توثيقه اهـ. وفي قول ابن عباس ﵄ في هذا الحديث "لم أقرأ أي جهرًا إلا لتعلموا أنه سنة" (يْعنى ما قرأت جهرًا إلا لتعلموا أن القراءة سنة) دليل على أن السنة في القراءة السرار، وقد تمسك به الجمهور وبما في حديث أبى أمامة الأول من أحاديث التتمة "ثم يقرأ بفاتحة الكتاب بعد التكبيرة الأولى سرًا في نفسه" (وفيها أيضا) دليل على مشروعية الصلاة على النبي ﷺ في صلاة الجنازة، وبه قال الأئمة الأربعة وجمهور العلماء واختاروا أن تكون عقب التكبيرة الثانية الا المالكية فقد اختاروا أن يحمد الله ﷿ عقب التكبيرة الأولى، ثم يصلى على النبي ﷺ ثم يدعو ثم يكبر الثانية، ثم يدعوا وهكذا يكرر الدعاء عقب التكبيرتين الباقيتين، ثم يسلم (وفيها أيضًا) دليل على مشروعية السلام، وحكى النووى الأجماع على ذلك، وذكر اختلاف الائمة في عدده وهل يسر به أو يجهر، وذكر أيضا اختلافهم في رفع اليدين عند التكبيرات، وتقدم ذلك في آخر أحكام الباب السابق فارجع اليه ان شئت (فائدة) قال النووى في المجموع مذهب الشافعى في المسبوق الذي فاته بعض التكبير أنه يلزمه تدارك باقى التكبيرات بعد سلام الأمام، وحكاه ابن المنذر عن ابن المسيب وعطاء وابن سيرين وبه أقول، قال وروينا عن ابن عمر أنه لا يقضيه، وبه قال الحسن البصرى وايوب والأوزاعى، وحكاه العبدرى عن ربيعة، قال وهو اصح الروايتين عند احمد ﵀ (واما المسبوق) الذي ادرك بعض صلاة الأمام فمذهب الشافعى انه يكبر في الحال
[ ٧ / ٢٤٢ ]
(١١) باب موقف المصلي من الرجل والمرأة
إذا كان امامًا أو منفردًا - وكيف يفعل إذا اجتمعت أنواع من الجنائز
(١٩٣) عن أبى غالب عن أنس بن مالك ﵁ أنَّه أتى بجناز رجل فقام عند رأس السرير ثمَّ أتى بجنازة أمرأة، فقام أسفل من ذلك حذاء السَّرير فلمَّا صلَّى قال له الملأ بن زياد يا أبا حمزة أهكذا كان رسول الله ﷺ يقوم من الرَّجل والمرأة نحوًا ممَّا رأيتك فعلت؟
_________________
(١) ولا ينتظر تكبيرة الأمام المستقبلة، وبه قال الأوزاعى وابو يوسف، وهو الصحيح عن احمد ورواية عن مالك، وبه قال ابن المنذر (وقال أبو حنيفة) ينتظر حتى يكبر للمستقبلة فيكبرها معه؛ وحكاه ابن المنذر عن الحارث بن يزيد ومالك والثورى وأبى حنيفة ومحمد بن الحسن واسحاق اهـ.
(٢) عن ابى غالب (سنده) حدّثنا عبد الله حدثنى ابى ثنا وكيع حدثنى همام عن غالب هكذا قال وكيع "غالب" وإنما هو أبو غالب عن انس - الحديث" (غريبه) (١) هو الباهلى مولاهم اسمه نافع او رافع البصرى الخياط، روى عن أنس بن مالك والعلاء بن زياد العدوى وعنه همام بن يحيى وخلف، وثقه ابن معين وأبو حاتم وموسى بن هارون الحمال، وذكره ابن حبان في الثقات وقال لا يعجبنى الاحتجاج بخبره إذا انفرد، روى له البخارى في الأدب والأربعة (٢) لفظ أبى داود "فمرت جنازة معها ناس كثير قالوا جنازة عبد الله بن عمير" فبينت الرجل المبهم هنا بأن اسمه عبد الله ابن عمير بالتصغير، قيل هو أبو محمد مولى أم الفضل والدة عبد الله بن عباس أو مولى ابنها عبد الله بن عباس، وكانت هذه الجنازة بالبصرة لأن أنس بن مالك ﵁ كان اذ ذاك مقيما بها (٣) يعنى الخشبة التي يحمل عليها الميت، والمراد رأس الميت كما جاء مصرحا به في رواية أبى داود قال "فقام عند رأسه" (٤) رواية أبى داود فقام عند عجيزتها فصلى عليها نحو صلاته على الرجل (٥) هو العلاء بن زياد بن مطر البصرى أرسل عن معاذ، وروى عن أبى هريرة والحسن؛ وعنه قتادة ومطر الوراق ذكره ابن حبان في الثقات، وكان من علماء البصرة وقرائهم، مات سنة أربع وتسعين "وقوله يا ابا حمزة" هي كنية انس ابن مالك ﵁ (٦) إنما قال ذلك ياد لماَّ رأى اختلاف قيام أنس على الرجل
[ ٧ / ٢٤٣ ]
قال نعم، قال فأقبل علينا العلاء بن زياد فقال احفظوا
(١٩٤) عن سمرة ثن جندب ﵁ أنَّ النَّبىَّ ﷺ صلَّى على أم فلان (وفى رواية أمِّ كعب) ماتت فى نفاسها فقام وسطها
(١٩٥) عن أنس بن مالك ﵁ قال مات أبن لابى طلحة فصلَّى عليه النَّبيُّ صلَّى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلَّم فقام أبو طلحة خلف النَّبىِّ ﷺ وأمُّ سليم خلف أبى طلحة كأنَّهم عرف ديك وأشار بيده
_________________
(١) والمرأة حيث قام على الرجل عند رأسه وعلى المرأة عند وسطها (١) أي تعلَّموا هذا الحكم واعرفوه ولا تنسوه (تخريجه) أخرجه أبو داود والبيهقى مطولا وأخرجه (جه. ش. طح. مذ) مختصرا وحسنه الترمذى.
(٢) عن سمرة بن جندب (سنده) حدّثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا يزيد ابن هارون أنا حسين يعنى المعلم عن عبد الله بن بريدة عن سمرة بن جندب - الحديث" (غريبه) (٢) ى الأنصارية كما في رواية لأبى نعيم، وفي رواية لمسلم ذكر اسمها بدون نسبة كما هنا (٣) بسكون السين وفتحها؛ وفي رواية لأبى داود من حديث أنس "فقام عند عجيزتها" ولا منافاة بين الحديثين، لأن العجيزة يقال لها وسط وعجز الشئ مؤخره (تخريجه) (ق. والأربعة. ش. هق).
(٣) عن أنس بن مالك (سنده) حدّثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا حماد ابن خالد ثنا عبد الله يعنى العمرى قال سمعت أم يحيى قالت سمعت أنس بن مالك يقول مات ابن لأبى طلحة - الحديث" (غريبه) (٤) اسم أبى طلحة زيد بن سهل بن الأسود بن حرام الأنصارى النجارى، مشهور بكنيته - من كبار الصحابة شهد بدرًا وما بعدها مات سنة أربع وثلاثين، وقال أبو زرعة الدمشقى عاش بعد النبي ﷺ أربعين سنة، افاده الحافظ في التقريب (قلت) وهو زوج أم سليم والدة أنس بن مالك ﵃ (٥) يعنى يتبع بعضهم بعضا، والظاهر أنهم كانوا كذلك ليكونوا ثلاثة صفوف كما هي السنة في الصلاة عن الجنازة، أما سنة الصلاة في غير الجنازة اذا كانوا ثلاثة فيهم امرأة يؤمهم واحد منهم ثم يقف الثانى على يمين الأمام، والمرأة خلفهما كما تقدم في صلاة الجماعة (تخريجه) لم أقف عليه لغير الأمام أحمد، وأورده الهيثمى وقال رواه أحمد وفيه أم يحيى ولم اجد من ترجمها
[ ٧ / ٢٤٤ ]
.
_________________
(١) (قلت) وله شاهد من حديث عبد الله بن ابى طلحة أن ابا طلحة دعا رسول الله ﷺ إلى عمير بن أبى طلحة حين توفى فأتاهم رسول الله ﷺ فصلى عليه في منزله، فتقدم رسول الله ﷺ وكان أبو طلحة ورواءه وأم سليم وراء أبى طلحة ولم يكن معهم غيرهم، أورده الهيثمى وقال رواه الطبرانى في الكبير ورجاله رجال الصحيح (وفي الباب) عن عمار مولى الحارث بن نوفل قال حضرت جنازة صبى وامرأة فقدم الصبى مما يلى القوم ووضعت المرأة وراءه فصلى عليها، وفي القوم أبو سعيد الخدرى وابن عباس وابو قتادة وأبو هريرة فسالتهم عن ذلك فقالوا السنة، رواه النسائى وأبو داود - وسكت عنه أبو داود والمنذرى ورجال غسناده ثقات، وصححه النووى، وأخرجه أيضًا البيهقى "وقال وفي القوم الحسن والحسين وابن عمر وأبو هريرة ونحو عن ثمانين نفسا من أصحاب النبي ﷺ" وفي رواية للبيهقى أن الأمام في هذه القصة ابن عمر (وعن نافع عن ابن عمر) ﵄ أنه صلى على تسع جنائز جميعًا فجعل الرجال يلون الأمام وجعل النساء يلين القبلة، فصفهن صفا واحدا ووضعت جنازة أم كلثوم بنت على امرأة عمر بن الخطاب وابن لها يقال له زيد وصفا جميعا والأمام يومئذ سعيد بن العاص، وفي الناس ابن عمر وأبو هريرة وأبو سعيد وابو قتادة، فوضع الغلام مما يلى الأمام، فقال رجل فأنكرت ذلك فنظرت إلى ابن عباس وابى هريرة وأبى سعيد وابى قتادة، فقلت ما هذا؟ قالوا هي السنة - رواه النسائى وهذا لفظه والبيهقى والدارقطنى وابن الجارود في المنتقى (قال الحافظ) واسناده صحيح (قلت) يستفاد من أول الحديث أن الذي صلى إمام هو ابن عمر؛ لكن يعارضه قوله بعد ذلك، والأمام يومئذ سعيد بن العاصِ، وقد جمع بينهما الحافظ فقال يحتمل قوله والأمام يومئذ سعيد بن العاص (يعنى الأمير) لا أنه كان إماما في الصلاة؛ أو يحمل على أن نسبة ذلك إلى ابن عمر لكونه اشار بترتيب وضع تلك الجنائز اهـ (قلت) والثانى أظهر لأمرين (أحدهما) أن الأمامة كانت من شان الأمراء (الثانى) أنه جاء في بعض الروايات فصلى عليهما أمير المدينة وستأتى (وعن عمار مولى الحارث بن نوفل) أن أم كلثوم بنت على وابنها زيد بن عمر أخرجت جنازتاهما فصلى عليهما أمير المدينة فجعل المرأة بين يدى الرجل واصحاب رسول الله ﷺ يومئذ كثير وثمَّت الحسن والحسين؛ رواه ابن أبى شيبة في مصنفه وسعيد بن منصور في سننه (وعن الشعبى) أن أم كلثوم بنت على وابنها زيد بن عمر توفيا جميعا فأخرجت جنازتاهما فصلى عليهما أمير المدينة فسوّى بين رءوسهما وأرجلهما حين صلى عليهما، رواه أيضا سعيد ابن منصور في سننه (وعن عمرو بن مهاجر) قال صليت مع واثلة بن السقع على ستين جنازة من الطاعون رجال ونساء، فجعلهم صفين. صف النساء بين أيدى الرجال، رأس سرير
[ ٧ / ٢٤٥ ]
.
_________________
(١) المرأة عند رجلي صاحبتها، ورأس الرجل عند رجلى سرير صاحبه (وعن عبد الله بن مغفل) ﵁ أنه صلى على الرجال على حدة وعلى المرأة على حدة، ثم اقبل على القوم فقال هذا الذي لاشك فيه (وعن ابن سيرين) أنه قال في جنائز الرجال والنساء قال نبئت أن ابا الأسود لما اختلفوا عليه صلى على هؤلاء ضربة وعلى هؤلاء ضربة رواهما ابن أبى شيبة في مصنفه (الأحكام) أحاديث الباب تدل على مشروعية وقوف المصلى على الجنازة إماما أو منفردا حذاء رأس الرجل ووسط المرأة، وحمله العلماء على أنه سنة، فان وقف في غير هذا الموضع خالف السنة وصحت صلاته، وبد قال الأئمة (الشافعي وأحمد واسحاق وأبو يوسف ومحمد) وقال الخرقى من الحنابلة: يقوم عند صدر الرجل وهو قريب من القول الأول لقرب أحدهما من الآخر، فالواقف عند أحدهما واقف عند الآخر (وقال الأمام أبو حنيفة) يقوم عند صدر الرجل والمرأة لأنهما سواء، فاذا وقف عند صدر الرجل فكذلك المرأة (وفي رواية لأبى حنيفة وأبى يوسف) يقف من الرجل عند رأسه ومن المرأة عند وسطها، واختاره الطحاوى قائلا وهذا أحب الينا فقد قوَّت الآثار التي قد رويناها عن النبي ﷺ "يعنى أحاديث الباب" (وقال الأمام مالك) يقف عند وسط الرجل، لأن ذلك يروى عن ابن مسعود، ويقف عند منكب المرأة، لأن الوقوف عند أعاليها أمثل وأسلم (قلت) وما ذهب إليه الأولون هو الأقوى دليلا والله تعالى أعلم (وفي أحاديث الباب أيضا) إذا لم يصل على الجنازة إلا إمام ورجل وامرأة استحب لهم أن يكون الرجل وراء الأمام والمرأة وراء الرجل ليكونوا ثلاثة صفوف كما هي السنة في صلاة الجنازة (وفي الأحاديث التي زدناها في الشرح) دليل على أن السنة إذا اجتمعت جنائز أن يصلى عليها صلاة واحدة (وفيها أيضًا) أن الصبى اذا صلى عليه مع امرأة كان الصبى مما يلى الأمام والمرأة مما يلى القبلة، وكذلك إذا اجتمع رجل وامرأة، فان كانوا رجالا ونساء جعلهم صفين، صف الرجال مما يلى الأمام، وصف النساء مما يلى القبلة، رأس كل واحد عند رجلى الآخر، وسواء في ذلك الرجال والنساء، وبذلك قال جمهور العلماء (وفيها أيضًا) دليل على أن الأولى بالتقدم للصلاة على الجنازة ذو الولاية أو نائبه، ويؤيده قوله ﷺ لا يُؤم الرجل في سلطانه، وقد تقدم في أبواب صلاة الجماعة (قال الشوكانى) ووقع الخلاف اذا اجتمع الامام والولى أيهما أولى؟ فعند أكثر العترة وابى حنيفة واصحابه أن الامام وَوالِيه أولى، وعند (الشافعى والمؤيد بالله والناصر) في رواية عنه أن الولى اهـ. والله ﷾ أعلم.
[ ٧ / ٢٤٦ ]
(١٢) باب الصلاة على الجنازة فى المسجد
(١٩٦) عن عبَّاد بن عبد الله بن الزُّبير عن عائشة ﵂ قال لمَّا توفِّى سعد بن أبى وقَّاص ﵁ واتى بجنازته أمرت به عائشة أن يمرَّ به عليها فشقَّ به فى المسجد فدعت له فأنكر ذلك عليها فقالت ما أسرع النَّاس إلى القول ما صلَّى رسول الله ﷺ على ابن بيضاء إلاَّ فى المسجد (ومن طريق ثان) عن عبد الرَّحمن بن عبد الله بن الزُّبير عن عائة زوج النَّبيِّ ﷺ أنها أرسلت هى وأزواج النبى ﷺ إلى أهل سعد بن أبى وقَّاص أن مرُّوا به علينا فى المسجد، فصلَّى عليه أزواج النَّبيِّ ﷺ.
_________________
(١) عن عباد بن عبد الله (سنده) حدّثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا يونس ثنا فليح عن صالح بن عجلان عن عباد بن عبد الله - الحديث (غريبه) (١) أي أدخل في وسط المسجد كأنه شقه نصفين (٢) أي صلت عليه صلاة الجنازة، فالمراد بالدعاء هنا الصلاة لاشتمالها عليه بل هو لبّها، ويؤيد ذلك ما جاء في رواية لمسلم "ادخلوا به المسجد حتى أصلى عليه (٣) أي فأنكر الناس ذلك عليها كما صرح به في رواية مسلم وكذا في الطريق الثانية من هذا الحديث أيضًا، والظاهر أن الذين أنكروا ذلك لم يبلغهم أن النبي ﷺ على ابن البيضاء في المسجد، فلما أخبرتهم بذلك سلموا لها (٤) في رواية لمسلم "فقالت ما أسرع الناس أن يعيبوا ما لا علم لهم به" وهذا يؤيد ما قلنا من أن الذين أنكروا ذلك لم يبلغهم الخ، ومن علم حجة على من لم يعلم (٥) هكذا رواية الأمام أحمد (ابن) بالأفراد ومثلها في رواية لمسلم، وله في أخرى "والله لقد صلى رسول الله ﷺ على ابنى بيضاء في المسجد سهيل وأخيه، ففى هذه الرواية ابنى بالتثنية (قال النووى) قال العلماء بنو بيضاء ثلاثة اخوة، سهل وسهيل وصفوان؛ وأمهم البيضاء اسمها دعد، والبيضاء وصف، وأبوهم وهب بن ربيعة القرشي الفهري، وكان سهيل قديم الأسلام هاجر إلى الحبشة، ثم عاد إلى مكة، ثم هاجر إلى المدينة وشهد بدرًا وغيرها، توفى سنة تسع من الهجرة ﵁ اهـ (٦) (سنده) حدّنا عبد الله حدثنى أبى ثنا عبد الرازق قال أنا ابن جريج قال أخبرنى موسى بن عقبة عن عبد الواحد بن حمزة بن عبد الله بن الزبير عن عبد الرحمن
[ ٧ / ٢٤٧ ]
فأنكر ذلك النَّاس فذكر ذلك لعائشة ﵂، فقالت ألا تعجبون من النَّاس حين ينكرون هذا؟ فوالله ما صلَّى رسول الله صلّى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلَّم على سهل بن ببضاء إلاَّ في المسجد.
(١٩٧) عن أبى هريرة ﵁ قال قال رسول الله ﷺ من صلَّى على جنازة في المسجد فليس له شيء.
_________________
(١) ابن عبد الله بن الزبير - الحديث" (١) في روايات مسلم سهيل بالتصغير فلعل الذين صُلى عليهما في المسجد هما سهل وسهيل، فأخبر الراوى مرة بسهل ومرة بسهيل، أو تكون كلمة سهل أصلها سهيل وحرفت من الناسخ، لأنها في غير المسند سهيل بالتصغير، والله أعلم (تخريجه) (م. هق. ش. والأربعة).
(٢) عن ابى هريرة (سنده) حدّثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا وكيع قال ثنا ابن ابى ذئب عن صالح مولى التوأمة (*) عن أبى هريرة - الحديث" (غريبه) (٢) اللاظهر أن معناه فليس له شئ من الثواب، وعلى هذا فهو ينافى حديث عائشة، وتأوله بعض العلماء على أن له بمعنى على، كقوله تعالى - وإن أسأتم فلها - يعنى فعليها، ولا منافاة على هذا التأويل، وسيأتى الكلام على تحقيق ذلك في الأحكام (تخريجه) (د. جه. هق. ش) ولفظ ابن ماجه كلفظ حديث الباب، ولفظ ابى داود والبيهقى "فلا شئ له" ولفظ ابن أبى شيبة "فلا صلاة له" وفي كل طرقه صالح مولى التوأمة اختلط في آخر عمره (قال في الخلاصة) قال ابن معين ثقة حجة سمع منه ابن أبى ذئب قبل أن يخرف، ومن سمع منه قبل أن يختلط فهو ثبت (قال ابن عدى) لا بأس برواية القدماء عنه اهـ (وفي الباب) عن هشام بن عروة عن أبيه قال ما صُلى على أبى بكر إلا في المسجد (وعن المطلب) ابن عبد الله بن حنطب قال صُلى على أبى بكر وعمر تجاه المنبر (وعن ابن عمر) ﵄ أن عمر صُلى عليه في المسجد (وعن محمد بن عمرو) حدّثنا أشياخنا أن عمر صُلى عليه عند المنبر فجعل الناس يصلون عليه أفواجا (وعن سعيد) بن سمعان عن كثير بن عباس قال لأعرفن ما صليت على جنازة في المسجد، روى هذه الآبار ابن أبى شيبة في مصنفه، وأثر ابن عمر أخرجه أيضًا مالك وسعيد بن منصور في سننه، وأثر عروة أخرجه أيضا سعيد بن منصور (*) التوأمة اسم امرأة، قال في القاموس: هي بنت أمية بن خلف وصالح بن أبي صالح مولاها اهـ
[ ٧ / ٢٤٨ ]
_________________
(١) (الأحكام) حديث عائشة يدل على جواز الصلاة على الميت في المسجد وبه قالت الأئمة (الشافعى وأحمد واسحاق والجمهور) قال ابن عبد البر، ورواه المدنيون في الموطأ عن مالك، وبه قال ابن حبيب المالكي؛ وذهب الأمامان (أبو حنيفة ومالك) في المشهور عنه وابن أبى ذئب وكل من قال بنجاسة الميت إلى كراهة ذلك في المسجد، وأجابوا عن حديث عائشة بأنه محمول على أن الصلاة على ابنى بيضاء كانت وهُما خارج المسجد والمصلون داخله وذلك جائز، وردّ بأن حديث عائشة فيه التصريح بدخول الجنازة المسجد، ففى رواية مسلم والبيهقى "ما صلى رسول الله ﷺ عن سهيل بن بيضاء الا في جوف المسجد" ورواية الأمام أحمد أعنى حديث الباب (فشق به المسجد) وأجابوا أيضا بأن الأمر استقر على ترك ذلك، لأن الذين أنكروا على عائشة كانوا من الصحابة، وردّ بأن عائشة لماَّا أنكرت ذلك الأنكار سلّموا لها فدل على أنها حفظت ما نسوه وأن الأمر استقر على الجواز، ويؤيد ذلك الصلاة على أبى بكر وعمر ﵄ في المسجد كما تقدم في الآثار التي ذكرناها قبل الأحكام، ومنهم من علَّل كراهة الصلاة على الميت في المسجد بنجاسة الميت، وهذا التعليل باطل لقوله ﷺ "المؤمن لا ينجس حيا ولا ميتا" رواه الأمام الشافعى في مسنده والبخارى تعليقا من حديث ابن عباس، وانهض ما استدلوا به على الكراهة (حديث أبى هريرة) الثانى من أحاديث الباب (قال النووى) وأجابوا عنه "يعنى الجمهور" بأجوبة (أحدها) أنه ضعيف لا يصح الاحتجاج به (الثانى) أن الذي في النسخ المشهورة المحققة المسموعة من سنن أبى داود "من صلى على جنازة في المسجد فلا شئ عليه" فلا حجة لهم حينئذ (الثالث) أنه لو ثبت الحديث وثبت أنه "فلا شئ له" لوجب تأويله بأن له (بمعنى عليه) ليجمع بين الروايتين، قال وقد جاء له - بمعنى عليه كقوله تعالى﴾ وإن أسأتم فلها ﴿(الرابع أنه محمول على نقص الأجر في حق من صلى في المسجد ورجع ولم يشيعها إلى المقبرة لما فاته من تشييعه إلى المقبرة وحضور دفنه اهـ (قلت) أما قولهم إن الحديث ضعيف لا يحتج به فغير مسلَّم، لأنهم ضعفوه بسبب اختلاط راويه صالح مولى التوأمة في آخر عمره، وتقدم أن ابن معين قال في صالح إنه ثبت حجة سمع منه ابن أبى ذئب قبل أن يخرّف، ومن سمع منه قبل أن يختلط فهو ثبت اهـ وقيل أيضا لابن معين إن مالكا تركه، فقال إن مالكا أدركه بعد أن خرّف، والثورى إنما أدركه بعد أن خرّف فسمع منه، لكن ابن أبى ذئب سمع منه قبل أن يخرّف، وقال على بن المدينى هو ثقة الا أنه خرّف وكبر فسمع منه الثورى بعد أن خرّف، وسماع ابن أبى ذئب منه قبل ذلك اهـ. وحينئذ فالحديث صحيح، وأحسن الأجوبة هو تأويل قوله في الحديث (فلا شئ له) بمعنى
[ ٧ / ٢٤٩ ]
(فلا شيء عليه) أي فلا وزر، ويؤيده ما حكاه النووى من أن الذي في النسخ المشهورة المحققة المسموعة من سنن أبى داود (فلا شئ عليه) والظاهر من الأدلة أن الصلاة على الجنائز في المسجد كانت قليلة غير مشهورة، وهذا لا ينافى جوازها فيه وان كان الأفضل كونها في غيره (قال العلامة) ابن رشد ﵀ في بداية المجتهد انكار الصحابة على عائشة يدل على اشتهار العمل بخلاف ذلك عندهم "يعنى بخلاف الصلاة على الجنائز في المسجد" قال ويشهد له بروزه ﷺ للمصلى لصلاته على النجاش اهـ (وقال الحافظ ابن القيم) في الهدى ولم يكن من هديه ﷺ الراتب الصلاة عليه "يعنى على الميت" في المسجد، وإنما كان يصلى على الجنازة خارج المسجد، وربما كان يصلى أحيانًا على الميت في المسجد كما صلى على سهيل بن بيضاء وأخيه في المسجد، ولكن لم يكن ذلك سنته وعادته، وأن سنته وهديه الصلاة على الجنازة خارج المسجد الا لعذر، وكلا الأمرين جائز، والأفضل الصلاة عليها خارج المسجد؛ والله أعلم اهـ.
اللهم أحينا على سنة نبيك محمد ﷺ وهديه وتوفنا على ملته، واحشرنا في زمرته مع الذين أنعمت عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين؛ وحسن أولئك رفيقا
_________________
(١) إلى هنا قد انتهى الجزء السابع من كتاب الفتح الرباني (مع شرحه بلوغ الأمانى - من أسرار الفتح الربانى) (ويليه الجزء الثامن وأوله) (أباب حمل الجنازة والسير بها الخ) نسأل الله الأعانة على التمام وحسن الختام آمين م
[ ٧ / ٢٥٠ ]
الفتح الرباني
لترتيب مسند الإمام أحمد بن حنبل الشيباني
مع شرحه
بلوغ الأماني
من أسرار الفتح الرباني
(كلاهما تأليف)
أحمد عبد الرحمن البنا
الشهير بالساعاتي
خادم السنة السنية بعطفة الرسام رقم ٩ بالغورية بمصر
الجزء الثامن
وقد جعلنا الفتح الرباني في أعلى الصحيفة وبلوغ الأماني في أدناها مفصولا بينهما بجدول
(تنبيه) للحافظ بن حجر العسقلاني كتاب أسماه (القول المسدد، في الذب عن مسند الإمام أحمد)
أدرجناه جميعه ضمن الشرح موزعًا على كل حديث ذب عنه الحافظ مع عزوه إليه
إعادة طبعة
دار إحياء التراث العربي
بيروت - لبنان
[ ٨ / ٢١٠٧ ]
رموز واصطلاحات خاصة بالشرح
بسم الله الرحمن الرحيم
(أبواب حمل الجنازة والسير وما يتعلّق بذلك)
(١) باب ما جاء في حمل الجنازة والإسراع بها من غير رمل:
(١٩٨) عَنْ سَعيدِ بِنْ أَبِي سَعيد الخدْري عَنْ أبيه ﵁ قال: قال
_________________
(١) عن سعيد بن أبي سعيد (سنده) حدّثنا عبد الله حدثني أبي قال ثنا يونس وحجاج قالا ثنا ليث قال حدّثني سعيد بن أبي سعيد عن أبيه - الحديث " ======= (رموز واصطلاحات تختص بالشرح) (خ) للبخاري في صحيحه (م) لمسلم (ق) لهما (د) لأبي داود (مذ) للترمذي (نس) للنسائي (جه) لابن ماجه (الأربعة) لأصحاب السنن الأربعة، أبي داود والترمذي. والنسائي. وابن ماجه (ك) للحاكم في المستدرك (حب) لابن خبَّان في صحيحه (خز) لابن خزيمة في صحيحه (بز) للبزار في مسنده (طب) للطبراني في معجمه الكبير (طس) له في الأوسط (طص) له في الصغير (ص) لسعيد بن منصور في سننه (ش) لابن أبي شيبة في مصنفه (عب) لعبد الرزاق في الجامع (عل) لأبي يعلي في مسنده (قط) للدار قطني في سننه (حل) لأبي نعيم في الحلية (هق) للبيهقي في السنن الكبرى (لك) للإمام مالك في الموطأ (فع) للإمام الشافعي، فإن اتفقا على إخراج حديث قلت أخرجه الإمامان (مي) للدارمي في مسنده (طح) للطحاوي في معاني الآثار، وهؤلاء هم أصحاب الأصول والتخريج ﵏، أمّا الشراح وأصحاب كتب الرّجال والغريب ونحوهم فإليك ايختص بهم (طرح) للحافظ أبي زرعة بن الحافظ العراقي في كتابه طرح التثريب (نه) للحافظ ابن الأثير في كتابه النهاية (خلاصة) للحافظ الخزرجي في كتابه خلاصة تذهيب الكمال في أسماء الرجال، ثم إذا قلت قال الحافظ وأطلقت فمرادي به الحافظ ابن حجر العسقلاني في فتح الباري شرح البخاري، فإن كان في غيره بيَّنْتَهُ (وإذا قلت) قال النووي فالمراد به في شرح مسلم، فإن كان في المجموع (*)
[ ٨ / ٢ ]
رسُولُ اللهِ ﷺ إذا وُضِعَتِ الجنَازةُ (١) واحْتَمَلَهَا الرِّجَالُ عَلَى أَعْنَاقِهِمْ، فَإنْ
_________________
(١) (غريبه) (١) المراد بالجنازة هنا الميت وبوضعه جعله في السرير، وقد جاء مصرحًا بذلك في حديث أبي هريرة الآتي بلفظ «إذا وضع الرجل الصالح في سريره قال قدِّموني قدِّموني إلخ» وظاهره أن قائل ذلك هو الجسد الحمول على الأعْنَاقِ، وقال ابن بطال: إنما يقول ذلك الروح، وردَّه ابن المنير بأنه لا مانع أن يردّ الله الروح إلى الجسد في تلك الحال ليكون ذلك زيادة في بشرى المؤمن وبؤس الكافر، وكذا قال غيره وزاد ويكون ذلك مجازًا باعتبار ما يؤول إليه الحال بعد إدخال القبر وسؤال الملكين (قال الحافظ) وهو بعيد ولا حاجة إلى دعوى إعادة الروح إلى الجسد قبل الدفن لأنه يحتاج إلى دليل، فمن الجائز ====================== (*) فالرمز له (ج) وإذا قلت قال المندري فالمراد به الحافظ زكي الدين عبد العظيم بن عبد القوي المنذري في كتابه الترغيب والترهيب (وإذا قلت) قال الهيثمي فالمراد به الحافظ علي بن أبي بكر بن سليمان الهيثمي في كتابه مجمع الزّوائد (وإذا قلت) قال في التنقيح فالمراد به المحدث الشهير أبو الوزير أحمد حسن في كتابه تنقيح الرواة في تخريج أحاديث المشكاة (وإذا قلت) قال في المنتقى: فالمراد به الحافظ مجد الدين عبد السلام المعروف بابن تيمية الكبير المتوفي سنة ٦٢١ جد ابن تيمية المشهور شيخ بن القيم (وإذا قلت) قال الشوكاني فالمراد به المحدث الشهير محمد بن علي بن محمد الشوكان في كتابه نيل الأوطار شرح منتقى الأخبار، فإن نقلت عن غير هؤلاء ذكرت أسماءهم وأسماء كتبهم رحمة الله عليهم أجمعين. (تنبيه) يجد القارئ بالاستقراء من أول الكتاب إلى نهاية الجزء السابع أني أورد في الشرح في آخر كل باب قبل الأحكام ما يتيسر لي من الأحاديث الزائدة على ما أخرجه الإمام احمد في الباب سواء أكانت في الصحاح أو السنن أو المعاجم أو الجوامع أو المسانيد، وسواء كانت صحيحة أو حسنة أو ضعيفة ضعفًا يقوى بغيرها من طرق أخرى وهذا الأخير لا أذكره إلا نادرًا، مُعْرِضًا عن ذكر الأحاديث الشديدة الضعف لأنها لا يعمل بها ولا فائدة في ذكرها قاصدًا بذلك أن يكون (كتابي هذا أجمع كتاب) في علم السنة لا يحتاج مقتنيه إلى غيره، ولما كانت هذه الأحاديث الزائدة تزداد في كل جزء عن سابقه بحسب زيادة المواد التي لم تكن موجودة قبل ذلك وكان لها ارتباط بالأحكام وتكثر الإشارة إليها في الشرح رأيت أن أترجم لها بعنوان (زوائد الباب) وتكون الإشارة إليها بلفظ الزوائد (فإذا قلت) أحاديث الباب مع الزوائد تدل على كذا أو حديث عمر مثلًا الذي في الزوائد يدل على كذا، فمرادي بلفظ الزوائد ما زدته في الشرح من الأحاديث التي تناسب الباب لغير الإمام أحمد، فتنبه والله الهادي.
[ ٨ / ٣ ]
كانت صالحةً قالتْ قدِّموني (١) وإِنْ كانتْ غَيْرَ صَالحةٍ قَالَتْ يا وَيْلَهَا (٢) أَيْنَ تَذْهَبُونَ بِها يَسْمَعُ صَوْتَهَا كلُّ شَيء إلاَّ الإنسانَ، وَلَوْ سَمِعَهَا الإنْسانُ لَصُعِقَ (٣)
(١٩٩) عن عطاءٍ قال حَضَرْنَا مَعَ ابْنِ عَبَّاسٍ جَنَازَةَ مَيْمُونَةَ زَوْجِ النَّبيَّ صلَّى الله عَلَيه وَعَلَى آله وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ بِسَرِفَ (٤) قال فقال ابن عبَّاس هَذِهِ مَيْمُونَةُ
_________________
(١) أن يحدث الله النطق في الميت إذا شاء، قال وكلام ابن بطال فيما يظهر لي أصوب؛ وقال ابن بزيزة قوله في آخر الحديث يسمع صوتها كل شيء دال على أن ذلك بلسان القال لا بلسان الحال اهـ (١) إنّما تقول قدِّموني استعجالًا للخير الذي أمامها مما أعدَّه الله لها من الثواب العظيم والنعيم المقيم (٢) هو دعاء بالويل يدعو به كل من وقع في الهلكة ومعاناه يا حزني وأضاف الويل إلى ضمير الغائب حملًا على المعنى كراهية أن يضيف الويل إلى نفسه أو كأنّه لما أبصر نفسه غير صالحة نفر عنها وجعلها كأنّها غيره، ويؤيد الأول ما في حديث أبي هريرة الآتي من قوله: (يا ويله أين تذهبون بي) فدلّ على أنَّ ذلك من تصرّف الرّواة. (٣) أي لغشي عليه أو مات من شدة ما يسمعه، والضَّمير في يسمعه راجع إلى دعائه بالويل أي يصيح بصوت منكر لو سمعه الإنسان لغشي عليه، قال ابن بزيزة هو مختص بالميت الذي هو غير صالح، وأما الصالح فمن شأنه اللطف والرفق في كلامه فلا يناسب الصّعق من سماع كلامه اهـ (قال الحافظ) ويحتمل أن يحصل الصعق من سماع كلام الصالح لكونه غير مألوف، وقد روى أبو القاسم بن منده هذا الحديث في كتاب الأهوال بلفظ لو سمعه الإنسان لصعق من المحسن والمسيء، فإن كان المراد به المفعول دل على وجود الصعق عند سماع كلام الصالح أيضًا، وقد استشكل هذا مع ما ورد في حديث السؤال في القبر فيضربه ضربة فيصيح صيحة يسمعه كل شيء إلاّ الثقلين، والجامع بينهما كلام الميت والصيحة، والأول استثنى في الأنس فقط، والثاني استثنى فيه الجن والإنس، والجواب أن كلام الميت بما ذكر لا يقتضي وجود الصّعق وهو الفزع إلاّ من الآدمي لكونه لم يألف سماع كلام الميت بخلاف الجن في ذلك. وأما الصيحة التي يصيحها المضروب فإنها غير مألوفة للإنس والجن جميعًا لكون سببها عذب الله، ولا شيء أشد منه على كل مكلّف، فاشترك فيه الجن والإنس والله أعلم اهـ تخريجه (خ. نس. هق. وابن منده).
(٢) «عن عطاء (سنده) حدَّثَنا عبد الله حدَّثَني أبي ثنا جعفر بن عون ثنا ابن جريج عن عطاء - الحديث» (غريبه) (٤) بفتح السين وكسر الراء وبالفاء
[ ٨ / ٤ ]
إِذَا رَفَعْتُمْ نَعْشَها فَلاَ تزَعْزِعُوهَا وَلاَ تزَلْزِلوهَا (١)
(٢٠٠٢) عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودِ ﵁ قَالَ سَألْنَا نَبيَّنا ﷺ عَنِ السَّيْرِ بِالْجَنَازَةِ فَقَالَ السَّيْرُ مَا دُونَ الخَبَبِ (٢) فإنْ يكُ خيْرًا تَعْجَلْ إلَيْهِ أَوْ قَالَ
_________________
(١) ممنوع من الصرف، وهو اسم مكان بقرب مكة، بينه وبينها ستة أميال؛ وقيل سبعة، وقيل تسعة، وقيل اثنا عشر، ومن غريب الصدف أن هذا المكان هو الذي تزوّج النبي ﷺ ميمونة به وبنى بها فيه عند رجوعه من مكة من عمرة القضاء، والدليل على ذلك ما رواه الإمام أحمد بسنده وسيأتي في عمرة القضاء عن يزيد بن الأصم عن ميمونة زوج النبي ﷺ «أ، رسول الله ﷺ تزوّجها حلالًا وبنى بها حلالًا وماتت بسرف فدفنها (يعني ابن عباس) في الظلة التي بنى بها فيها، فنزلنا في قبرها أنا وابن عباس» وإنما تولى دفنها ابن عباس ﵄ لأنها خالته، وهي التي كان يبيت عندها في بعض الليالي كما تقدَّم في أبواب صلاة الليل.
(٢) الزعزعة كل حركة شديدة، والزلزلة كذلك، والمعنى ارفعوا نعشها بتؤدة وسكينة ولا تحركوها تحريكًا شديدًا فإن ذلك ينافي كرامة الميت، وليس هذا آخر الحديث وقد ذكرت هذا الجزء منه هنا لمناسبة الترجمة وبقيته «فإن رسول الله ﷺ كان عنده تسع نسوة وكان يقسم لثمان؛ وواحدة لم يكن ليقسم لها (قال عطاء) التي لم يكن يقسم لها صفية وسيأتي هذا الحديث كاملًا مستوفي الشرح في باب القسم بين الزوجات في آخر كتاب النكاح إن شاء الله تعالى، وتحقيق أن التي لم يكن يقسم لها هي سودة لا صفية كما وَهَمَ عطاء (تخريجه) (م. وغيره)
(٣) عن عبد الله بن مسعود (سنده) حدّثنا عبد الله حدَّثني أبي ثنا أبو كامل ثنا زهير عن يحي الجابر أبو الحارث التيمي أن أبا ماجد رجل من بني حنيفة حدّثه قال: قال عبد الله بن مسعود سألنا إلخ (غريبه) (٢) بفتح أوله وثانيه، هو ضرب من العدْوِ كذا في النهاية، ومعناه الجري، والمراد هنا أن يكون السير بالجنازة أٍرع من المشي المعتاد ودون الجري لأن الجري ينشأ عنه اهتزاز الميت وربما تسبب عنه خروج شيء من الميت ينجسه، ولأنه يقلق الميت ويَذْهَبْ بكرامته وبالخشوع والاتعاظ المقصودين من تشييع الجنازة، وفي الإبطاء في السير بالجنازة تعطيل للمشيعين وتأخير للميت عن الدَّفن، والسنة تعجيله سواء أكان صالحًا أم طالحًا، فإن كان الأول فقد عجل به إلى ما أعدَّه الله له من الخير والكرامة، وإن كان الثاني فشر وضعوه عن أعناقهم، وهذا معنى قوله في
[ ٨ / ٥ ]
تُعَجَّل إليهِ (١) وإن يَكُ سِوَى ذَاكَ فَبُعْدًا (٢) لأَهْلِ النَّارِ، الجَنَازَةُ مَتْبُوعَةٌ (٣) وَلاَ تَتْبَعُ، لَيْسَ مِنَّا مَنْ تَقَدَّمَهَا (٤).
(٢٠١) عَنْ عَبْدِ الرَّحمَنِ بن مِهْرَانَ أنَّ أبا هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ حِينَ حَضَرَهُ الْمَوْتُ لا تضْرِبوا على فُسْطاطًا (٥) ولا تْبِعُوني بمِجْمَرٍ (٦) وَأَسْرِعُوا بي ن فإنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صلَّى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسلَّمَ يَقُولُ إذَا وُضِعَ
_________________
(١) الحديث، فإن يَكُ خيرًا تعجَّل إليه، وإن يَكُ سوى ذاك فبعدًا لأهل النار (١) شك الرواي في أي اللفظين سمع (٢) أي هلاكًا وسحقًا فهو دعاء منه ﷺ على أهل النَّار (٣) أي يتبعها المشيعون فيمشون خلفها «ولا تتبع» بفتح التاء الأولى وسكون الثانية أي لا ينبغي أن تكون خلف المشيعين وتمسك به الحنفية ومن وافقهم في المشي خلف الجنازة وسيأتي الكلام عليه في الباب التالي (٤) هكذا في الأصل «ليس منا» ورواية أبي داود وابن ماجه والبيهقي (ليس معها) أي ليس له حكم من معها من المشيعين، ورواية الترمذي (ليس منها) أي ليس ممن حازوا ثواب تشييعها، ومعنى رواية الإمام أحمد ليس على سنتنا إن كان اللفظ غير محرّف، ومع هذا فالحديث ضعيف، وقد ثبت بما هو أقوى منه جواز المشي أمامها. وسيأتي تحقيق ذلك في أحكام الباب التالي (تخريجه) (د. جه. هق. مذ) وقال هذا حديث لا نعرفه من حديث ابن مسعود إلا من هذا الوجه وسمعت محمد بن إسماعيل (يعني البخاري) يضعف حديث أبي ماجد هذا، وقال محمد قال الحميدي قال ابن عبينة قيل ليحي من أبو ماجد هذا؟ فقال طائر طار فحدّثنا اهـ (قلت) يشير إلى أنه مجهول، وقال البيهقي أبو ماجد مجهول ويحي ضعفه جماعة من أهل النقل.
(٢) «عن عبد الرحمن بن مهران (سنده) حدّثنا عبد الله حدّثني أبي ثنا يزيد أنا ابن أبي ذئب عن المقبري عن عبد الرّحمن بن مهران - الحديث» (غريبه) (٥) الفسطاط بضم الفاء وكسرها بيت من الشعر والجمع فساطيط، والفسطاط بالوجهين أيضًا مدينة مصر قديمًا، وبعضهم يقول كل مدينة جامعة فسطاط، والقسطاس والقرطاس، قاله في المصباح (قلت) والمراد هنا الأول أعني البيت لا المدينة (٦) المِجْمَر بكسر الميم الأولى وفتح الثانية بينهما جيم ساكنة هو الذي يوضع فيه النار للبخور، وفيه أنه لا يجوز نصب فسطاط كالسرادق والخيمة ونحو ذلك لأجل اجتماع النّاس فيه للتعزية، ولا اتباع الجنازة بنار.
[ ٨ / ٦ ]
الرَّجُلُ الصَّالِحُ عَلَى سَرِيرِهِ قَالَ قَدِّمُوني قَدِّمُونِي، وَإذَا وُضِعَ الرّجُلُ السُّوءُ عَلَى سَرِيرِهِ قَالَ يَا وَيْلَهُ أَيْنَ تَذْهَبُونَ بِي.
(٢٠٢) عَنِ ابْنِ المُسِيبِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَة ﵁ قَالَ لا أعْلَمُ إلاَّ رفَعَ الحَدِيثَ (١) قَالَ أَسْرِعُوا (٢) بِجَنَائِزِكُمْ فإنْ كَانَتْ صَالِحَةً (٣) عَجَّلْتُمُوها إلَى الخَيرِ، وَإنْ كَانَتْ طَالِحةً اسْتَرَحْتُمْ مِنْهَا وَوَضَعْتُمُوهَا عَنْ رِقَابِكُمْ.
(٢٠٣) عَنْ عُيَبْنَة (٤) ثَنَا أبي قالَ خَرَجْتُ فِي جَنَازَةِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ
_________________
(١) فإن ذلك من عوائد الجهال ومن لا دين لهم ومما نهى عنه وذم فاعله؛ ومع ذلك فلا تزال هذه العادة باقية عند لنَّاس إلى الآن فلا حول ولا قوة إلا بالله (وقوله أسرعوا بي) المراد به السّير بسرعة دون الخبب وفوق المشي المعتاد كما تقدَّم (تخريجه) (خ. نس. هق. حب)
(٢) عن ابن المسيب (سنده) حدّثنا عبد الله حدّثني أبي ثنا عبد الرزّاق ثنا معمر عن الزّهري عن ابن المسيب عن أبي هريرة - الحديث» (غريبه) (١) يريد الراوي أن أبا هريرة رفع الحديث إلى النبي ﷺ والظَّاهر أن الراوي يشك في صيغة الرفع هل قال سمعت رسول الله ﷺ أو قال: قال رسول الله ﷺ فلما تردد في صيغة الرفع صرح بما هو أعم، وهو قوله لا أعلم إلا رفع الحديث، وقد جاء مثل ذلك في رواية لمسلم من طريق معمر عن الزّهري أيضًا، ورواه البخاري من طريق سفيان عن الزّهري عن سعيد عن أبي هريرة عن النَّبي ﷺ الحديث بالعنعنة، ورواه ابن ماجه من هذا الطريق بلفظ قال قال رسول الله ﷺ ورواه مسلم والنسائي من طريق أبي أمامة بن سهل عن أبي هريرة بلفظ سمعت رسول الله ﷺ فالحديث مرفوع لا شك في رفعه (٢) أي بحملها إلى قبرها وقيل المعنى بتجهيزها فهو أعم من الأول، والأول أظهر لقوله في آخر الحديث «وإن كانت طالحة استرحتم منها ووضعتموها عن رقابكم» نعم ورد الأمر بالإسراع بالتجهيز ولكن بأدلة أخرى تقدَّمت في باب المبادرة إلى تجهيز الميت صحيفة ٩٩ من الجزء السابع والله أعلم (٣) أي الجثة المحمولة، قال الطيبي جعلت الجنازة عين الميت وجعلت الجنازة التي هي مكان الميت مقدَّمة إلى الخير الذي كني به عن عمله الصالح (تخريجه) (ق. هق. والأربعة. وغيرهم).
(٣) عن عيينة (سنده) حدّثنا عبد الله حدَّثني أبي ثنا يحي بن سعيد عن عيينة ثنا أبي - الحديث» (غريبه) (٤) هو ابن عبد الرّحمن بن جوشن
[ ٨ / ٧ ]
ابْنِ سَمُرَةَ قَالَ فَجَعَلَ رِجَالٌ مِنْ أَهْلِهِ يَسْتَقْبِلُونَ الْجَنَازَةَ فَيَمْشُونَ عَلَى أَعْقَابِهِمْ (١) وَيَقُولُونَ رُوَيْدًا بَارَكَ الله فِيكُمْ؛ قَال فَلَحِقَنَا أَبُو بَكْرَةَ (٢) ﵁ مِنْ طَريقِ المِرْبَدِ (٣) فَلَمَّا رَأَى أولئكَ وَمَا يَصْنَعُونَ حَمَلَ عَلَيْهِمْ بِبَغْلَتِهِ (٤) وَأَهْوَى لَهُمْ بِالسَّوْطِ وَقَالَ خَلُّوا (٥) فَوَالَّذي كرَّم وَجْهَ أَبِي القَاسِمِ ﷺ لَقَدْ رَأَيْتُنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وعلى آلهِ وَصَحْبِه وسلّم وَإِنَّا لَنَكَادُ أَنْ نَرْمُلَ بِهَا (٦)
(٢٠٤) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ يَقُولُ كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِذَا تَبِعَ جَنَازَةً قَالَ انْبَسِطُوا بِهَا (٧) وَلاَ تَدِبُّوا دَبيبَ اليَهُودِ بِجَنَائِزِهَا
_________________
(١) الغطفاني أبو مالك البصري عن أبيه ونافع وعنه شعبة ووكيع وثَّقَه النسائي وذكره ابن حيان في الثقات (١) الظاهر من سياق الحديث أن الذين كانوا يحملون الجنازة أسرعوا في السير بها، وكان رجال من أهل الجنازة أمامها، فلما أحسوا بسرعة السير مشوا على أعقابهم أي ارتدوا إلى الوراء مستقبلين الجنازة ليبطئوا من يحملها عن سرعة السير ويقولون رويدًا أي امهلوا ولا تسرعوا (٢) اسمه نفيع بن الحارث الثقفي الصحابي ﵁ (٣) بوزن المنبر هو موضع بالبصرة (٤) يعني فلما رأى تباطؤهَم في السير وهذا خلاف السنة حمل عليهم ببغلته أي أسرع إليهم «وأهوى لهم بالسوط» أي رفعه كمن يريد أن يضرب به وهذا تهديد لهم على التباطؤ في السير وترك السنة (٥) أي اتركوا هذا التباطؤ وأسرعوا في السير (٦) بضم الميم من باب طلب، يقال رمل يرمل رملًا ورملانا إذا أسرع في المشي وهز منكبيه (تخريجه) (د. هق. نس) وسنده جيد - زاد النسائي «فانبسط القوم» أي أسرعوا امتثالًا لأبي بكرة ﵁ ولائهم كانوا يودون السرعة وأسرعوا فعلًا لولا ما حصل من ذوي الميت.
(٢) عن أبي هريرة (سنده) حدّنا عبد الله حدّثني أبي حدّثنا عبد الرحمن حدثنا عبد الحكم قائد سعيد بن أبي عروبة حدثنا عبد الرحمن الأصم قال سمعت أبا هريرة يقول كان رسول الله ﷺ - الحديث» (غريبة) (٧) أي أسرعوا «ولا تدبوا» أي ولا تباطؤوا في السير، يقال دب الصغير يدب من باب ضرب دبيبًا ودب الجيش دبيبًا أيضًا ساروا سيرًا لينًا، ولما كانت اليهود تفعل ذلك بجنائزها أمرهم النبي ﷺ بمخالفتهم لأنه كان يكره التشبه بهم (تخريجه) لم أقف عليه مرفوعًا لغير الأمام أحمد، وفي
[ ٨ / ٨ ]
(٢٠٥) عَنْ أَبِي برْدَةَ عَنْ أَبِيهِ (أَبي موسىَ الأَشْعَرِيِّ ﵁) قَالَ إنَّ أُنَاسًا مَرُّوا عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ بِجَنَازَةٍ يسْرِعُونَ بِهَا، فَقالَ رسُولُ اللهِ ﷺ لِتَكُنْ عَلَيْكُمُ السَّكِينَةُ (١) (وَعَنْهُ مِنْ طَرِيقٍ ثَانٍ) (٢) عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ قَالَ مَرَّتْ بِرَسُولِ اللهِ ﷺ جَنَازَةٌ تُمخَضُ مَخْضَ الزِّقِّ (٣) قَالَ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى وَصَحْبِهِ وَسَلَّم عَلَيْكُمُ القَصْدَ (٤)
_________________
(١) إسناده عبد الحكم قائد سعيد بن أبي عروبة (قال الحافظ) في تعجيل المنفعة، قال الدارقطني متروك. ووصفه بأنه كاتب سعيد بن أبي عروبة، وأنه بصري وفي ثقات التابعين لابن حيان اهـ، ورواه ابن أبي شيبة في مصنفه قال حدَّثنا وكيع عن سفيان عن منصور عن إبراهيم قال كان يقال «انبسطوا بجنائزكم ولا تدبوا بها دب اليهود» وهو مرسل وسنده جيد.
(٢) عن أبي بردة (سنده) حدّثنا عبد الله حدّثني أبي ثَنَا محمد بن جعفر ثَنَا شعبة عن ليث قال سمعت أبا بردة يحدّث عن أبيه قال إن أُناسًا - الحديث» (غريبه) (١) الظاهر أنّهم كانوا يسرعون بها جدًا إسراعًا يخشى منه انفجار الميت أو خروج شيء؛ والدليل على ذلك قوله في الطريق الثانية «تمخّض مَخْضَ الزّق» فهو أمر بالتوسط بن أبي موسى عن أبيه أنه قال مرت الخ (٣) أي تحرك تحريكًا سريعًا كتحريك السقاء الذي فيه اللبن ليخرج زبده (٤) أي التوسط في السير وهو ما يكون فوق المشي المعتاد ودون الخبب (تخريجه) (جه. هق. ش) وفي إسناده ليث بن أبي سليم القرشي فيه كلام (زوائد الباب) عن أبي عبيدة قال قال عبد الله بن مسعود «من اتبع جنازة فليحمل بجوانب السرير كلها فإنه من السنة ثم إن شاء فليتطوّع وإن شاء فليدع» رواه ابن ماجه وسعيد بن منصور في سننه والبهيقي وأبو داود الطيالسي من رواية أبي عبيدة ابن عبد الله بن مسعود عن أبيه وهو موقوف حكمه الرفع لكنه منقطع، فإن أبا عبيدة لم يسمع من أبيه، قاله أبو حاتم وأبو زرعة وغيرهما (وعن عامر بن جشيب) أو غيره من أهل الشام قال قال أبو الدرداء من تمام أجر الجنازة أن تتبعها من أهلها وأن تحمل أركانها الأربع وأن تحثو في القبر، رواه ابن أبي شيبة في مصنفه، وأورده ابن حزم في المحلي وقال عامر بن جشيب غير مشهور (قلت) عامر هذا وثقه ابن حيان وغيره فلا عبرة بما قيل فيه
[ ٨ / ٩ ]
_________________
(١) (وعن جعفر بن إياس) قال رأيت الحسن تبع جنازة فحمل فوضع مقدّم السرير على شقه الأيسر فحوّل فحمل مقدّم السرير على شقه الأيمن، ثم تأخر فوضع مؤخر السرير على شقه الأيسر ثم تحول فوضع مؤخر السرير على شقه الأيمن، ثم خلي منها؛ رواه ابن أبي شيبة أيضًا (وروى الإمام الشافعي) عن إبراهيم بن سعد عن أبيه عن جده قال «رأيت سعد بن أبي وقّاص في جنازة عبد الرحمن بن عوف قائمًا بين العمودين المقدمين واضعًا السرير على كاهله، ورواه الشافعي أيضًا بأسانيد من فعل عثمان وأبي هريرة وابن الزّبير وابن عمر أخرجها كلها البيهقي (وروي ابن أبي شيبة وعبد الرزاق) من طريق على الأزدي قال رأيت ابن عمر في جنازة يحمل جوانب السرير الأربع (وروى عبد الرزاق) عن أبي هريرة أنه قال من حمل الجنازة بجوانبها الأربع فقد قضى الذي عليه (وأخرج الترمذي) عن أبي هريرة قال سمعت رسول الله ﷺ يقول من تبع الجنازة وحملها ثلاث مرات فقد قضى ما عليه من حقها (قال الترمذي) هذا حديث غريب، ورواه بعضهم بهذا الإسناد ولم يرفعه (وروى ابن أبي شيبة) في مصنفه قال حدّثنا محمد بن أبي عدي عن أشعث عن الحسن قال كان لا يبالي بأي جوانب السرير بدأت (الأحكام) أحادي الباب تدل على مشروعيه الإسراع في السير بالجنازة (قال الحافظ) نقل ابن قدامة أن الأمر فيه للاستحباب بلا خلاف بين العلماء، وشذّ ابن حزم فقال بوجوبه، والمراد بالإسراع شدة المشي، وعلى ذلك حمله بعض السلف (وهو قول الحنفية) قال صاحب الهداية ويمشون بها مسرعين دون الخبب، وفي المبسوط ليس فيه شيء مؤقت غير أن العجلة أحب إلى أبي حنيفة (وعن الشافعي والجمهور) المراد بالإسراع ما فوق سجية المشي المعتاد، ومن كرهه أراد الإفراط فيه كالرمل، والحاصل أنه يستحب الإسراع لكن بحيث لا ينتهي إلى شدة يخاف معها حدوث مفسدة بالميت أو مشقة على الحامل أو المشيع لئلا ينافي المقصود من النظافة وفيه إدخال المشقة على المسلم (قال القرطبي) مقصود الحديث أن لا يتباطأ بالميت عن الدفن ولأن التباطؤ ربما أدى إلى التباهي والاختيال اهـ. وقد اعترض العيني على الحافظ في قوله «والمراد بالإسراع شدة المشي ونسبة ذلك إلى الحنفية» ولا وجه للاعتراض لأن الحافظ يريد بشدة المشي السعي الشديد الذي هو أقل من الخبب ولذا عقبه يقول صاحب الهداية «ويمشون بها مسرعين دون الخبب» يعني الجري. رحم الله الجميع (وفي الحديث الأول من أحاديث الباب إشارة إلى أنه لا يحمل الجنازة إلا الرجال سواء أكان الميت ذكرًا أم أنثى، ولا خلاف في هذا، لأن النساء يضعفن عن الحمل، وربما انكشف منهن شيء لو حملن وكلهن عورة
[ ٨ / ١٠ ]
(٢) باب المشي أمام الجنازة وخلفها - وما جاء في الركوب معها
(٢٠٦) حدّثنا عَبْدُ اللهِ حَدَّثَنِي أَبِي ثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَاصمٍ ثَنَا الهَجَرِيُّ (١) قال خَرَجَتُ في جَنَازَةِ بنْتِ عَبْدِاللهِبْنِ أَبيِ أَوْفَى (٢) ﵁ وَهُوَ عَلَى بَغْلَةٍ لَهُ حَوَّاءَ يَعْنيِ سَوْدَاءَ، قَالَ فَجَعَلْنَ النِّسَاءُ يَقٌلْنَ لِقَائِدِهِ قَدِّمْهُ أَمَامَ الْجَنَازَةِ (٣) فَفَعَلَ، قَالَ فَسَمِعْتهُ يَقول لَهُ أَيْنَ الجَنَازَةُ؟ قَالَ فَقَالَ خَلْفَكَ، قَالَ فَفَعَلَ ذَلِكَ
_________________
(١) (وفي الحديث الثاني) من أحاديث الباب إشارة إلى أنه يستحب أن يتخذ للمرأة نعش، قال الشيخ نصر المقدسي ﵀، والنعش هو المكبة التي توضع فوق المرأة على السرير وتغطى بثوب لتستر عن أعين الناس، وكذا قاله صاحب الحاوي يختار للمرأة إصلاح النعش كالقبة على السرير لما فيه من الصيانة؛ وروي البيهقي أن فاطمة بنت رسول الله ﷺ ورضي الله عنها أوصت أن يتخذ لها ذلك ففعلوه (وفيه أيضًا) إكرام الميت واحترامه بعدم زعزعته وتحريكه بشدة «وفيما أوردنا من الزوائد» دليل على أن لحمل الجنازة كيفيتين (الأولى) أن يجعل الحامل على رأسه بين عمودي مقدمة النعش ويجعلهما على كاهله (والكاهل ما بين الكتفين) وحكاه ابن المنذر عن عثمان وسعد بن مالك وابن عمر وأبي هريرة وابن الزبير ﵃، وبه قال الشافعي وأبو ثور وغيرهما (الثانية) أن يحملها من الجوانب الأربع، وهو أن يضع قائمة السرير اليسرى المقدمة على كتفه اليمنى ثم ينتقل إلى المؤخرة اليسرى، ثم يضع قائمته اليمنى المقدمة على كتف اليسرى، ثم ينتقل إلى المؤخرة اليسرى هذا صفة التربيع كما في المهذّب، وإلى ذلك ذهب الأئمة (الحسن البصري والنخعي والثوري وأبو حنيفة وأحمد وإسحاق) وقال الأمامان مالك وداود هما سواء في الفضيلة (قال النووي) ﵀ (قال الشافعي والأصحاب ﵏ ٩ حمل الجنازة فرض كفاية ولا خلاف فيه (قال الشافعي والأصحاب) وليس في حملها دناءة وسقوط مروءة بل هو بر وطاعة وإكرام للميت وفعله الصحابة والتابعون ومن بعدهم من أهل الفضل والعلم والله أعلم اهـ ج.
(٢) حدّثنا عبد الله (غريبه) (١) اسمه إبراهيم بن مسلم العبدي أبو إسحاق الهجري بفتح الهاء والجيم (٢) صحابي مشهور تقدمت ترجمته في شرح حديث رقم ٩٩ صحيفة ١٣٦ من الجزء السابع (٣) أي لأنه كان قد عمي في آخر عمره «وقوله
[ ٨ / ١١ ]
مرة أو مرتين، ثم قال ألم أنهك أن تقدمني أمام الجنازة؟ قال فسمع امرأة تلتدم وقال مرة ترثي (وفي رواية فجعل النساء يبكين) فقال مه، ألم أنهكن عن هذا؟ إن رسول الله ﷺ كان ينهي عن المراثي، لتفض إحداكن من عبرتها ما شاءت، فما وضعت الجنازة تقدم فكبر عليها أربع تكبيرات، ثم قام هنية فسبح به بعض القوم فانفتل فقال أكنتم ترون أني أكبر الخامسة؟ قالوا، نعم، قال إن رسول الله ﷺ كان إذا كبر الرابعة قام هنية، فلما وضعت الجنازة جلس وجلسنا، فسئل عن لحوم الحمر الأهلية فقال تلقانا يوم خيبر حمر أهلية خارجا من القرية فوقع الناس فيها فذبحوها فإن القدور لتغلي ببعضها إذا نادى منادي رسول الله
_________________
(١) ففعل ذلك مرة او مرتين" يعني كرر السؤال (١) أي لأنه كان يرى أن الراكب يكون خلف الجنازة لا أمامها، ويؤيده حديث المغيرة بن شعبة الآتي مرفوعا "الراكب خلف الجنازة والماشي حيث شاء- الحديث" (٢) الالتدام ضرب النساء وجوههن في النياحة وهو حرام بالإجماع وقوله "وقال مرة ترثي) قبل معناه الندبة كقولهن واحسرتاه وامصيبتاه واويلاه ونحو ذلك مما فيه سخط وعدم رضا بقضاء الله، فكل هذا حرام لا يجوز فعله (٣) أي بكاء مصحوبا بشيء مما تقدم، ولذا قال لهن (مه) أي اكففن وهو اسم فعل أمر مبني على السكون، ومعناه اكفف فإن وصلت نونت فقلت مه مه "ألم أنهكن عن هذا" ثم عزز ذلك بقوله "إن رسول الله ﷺ كان ينهي عن المراثي" (٤) أي لترق احداكن من دموعها في بكائها ما شاءت بدون صوت ولا تلفظ بما يغضب الله ﷿ (٥) أي للصلاة عليها، وتقدم تفسير هذه الجملة وما بعدها إلى قوله "جلس وجلسنا" في شرح حديث رقم ١٨٦ في باب عدد تكبير صلاة الجنازة (٦) هي الحمر المستأنسة (جمع حمار) التي يركبها الناس أي سأله الناس عن أكلها هل يجوز أم لا (٧) يعني يوم غزوة خيبر وكانت في السنة السابعة من الهجرة، وسيأتي تفصيلها إن شاء الله تعالى في أبواب الغزوات من كتاب السيرة النبوية (٨) في رواية أخرى عن أبي أوفى أيضا قال أصابتنا مجاعة ليالي خيبر، فما كان يوم خيبر وقعنا في الحمر الأهلية فانتحرناها- الحديث"
[ ٨ / ١٢ ]
صلى الله وعلى آله وصحبه وسلم أهريقوها قال فأهرقناها، ورأيت على عبد الله بن أبي أوفا مطرفا من خز
(٢٠٧) ز عن جابر بن سمرة ﵁ قال رأيت رسول الله ﷺ خرج مع جنازة ثابت بن الدحداحة على فرس أغر
_________________
(١) أي صبوا ما فيها وألقوه لأنه لا يجوز أكله، وفي وراية "نادي منادى رسول الله ﷺ أن اكفئوا القدور لا تأكلوا من لحوم الحمر شيئا" وسيأتي الكلام على حكمها في بابها من كتاب الأطعمة إن شاء الله تعالى (٢) المطرف بكسر الميم وفتحها وضمها. الثوب الذي في طرفيه علمان والميم زائدة (والخز) نوعان النوع الأول ثياب تنسج من صوف وحرير وهي مباحة وقد لبسها الصحابة والتابعون (والنوع الثاني) معمول من الحرير الخالص وهو حرام، وعليه حمل قوله ﷺ "قوم يستحلون اللباس إن شاء الله (تخريجه) (هق. جه) مختصرا وفي إسناده إبراهيم بن مسلم الهجري (قال الحافظ) في التقريب لين الحديث يرفع موقوفات أهـ. وفي الخلاصة ضعفه النسائي وغيره (قال ابن عدي) إنما أنكروا عليه كثرة روايته عن أبي الاحوص بن عبدالله وعامتها مستقيمة أهـ.
(٢) "ز" عن جابر بن سمرة (سنده) حدثنا عبدالله حدثني أبو القاسم الزهري عبدالله بن سعد ثنا أبي وعمي قال ثنا أبي عن ابن اسحاق ثنا عمر بن موسى بن الوجيه عن سماك بن حرب عن جابر- الحديث" (غريبه) (٣) بدالين مهملتين مفتوحتين وحاءين مهملتين أولاهما ساكنة والثانية مفتوحة، ويقال أبن الدحداح كما في رواية مسلم والنسائي والترمذي، وهو الذي سأل النبي ﷺ فنزلت "ويسألونك عن المحيض- الآية" وقال الوافدي في غزوة أحد حدثني عبد الله بن عمارة الخطمي قال أقبل ثابت بن الدحداحة يوم أحد فقال يا معشر الأنصار إن كان محمد قتل فإن الله حي لا يموت فقاتلوا عن دينكم فحمل بمن معه من المسلمين فطعنه خالد فأنفذه فوقع ميتا (قال الواقدي) وبعض أصحابنا يقول: إنه جرح ثم برأ من جراحته ومات بعد ذلك والله أعلم أهـ. وهو الذي قال فيه النبي ﷺ "كم من فئة عذق مدلى لابن الدحداح في الجنة" رواه مسلم والبيهقي، وسيأتي سبب قول النبي ﷺ له ذلك في مناقبه من كتاب مناقب الصحابة إن شاء الله تعالى (قال ابن عبد البر) لا يعرف اسمه، وكأنه لم يطلع
[ ٨ / ١٣ ]
محجل تحته ليس عليه سرج معه الناس وهم حوله قال فنزل رسزل الله ﷺ فصلى عليه ثم جلس حتى فرغ منه، ثم قام فقعد على فرسه، ثم انطلق يسير حوله الرجال (وعنه من طريق ثان) قال كنا مع رسول الله ﷺ في جنازة أبي الدحداح وهو على فرس يتوقص ونحن نسعى حوله
_________________
(١) على اسمه في المسند لو اطلع عليه لعرف اسمه أن اسمه ثابت لأنه ثابت فيه (قال الحافظ) في الإصابة ثابت بن الدحداح بن نعيم بن غنم بن إياس حليف الأنصار وكان بلويا حالف بني عمر بن عوف أهـ ﵁ (١) أصل الغرة البياض الذي يكون في وجه الفرس، فكل فرس يكون كذلك يقال له أغر، والفرس المحجل هو الذي يرتفع البياض في قوائمه إلى موضع القيد ويجاوز الأرساغ ولا يجاوز الركبتين لأنهما مواضع الأحجال وهي الخلاخل والقيود، ولا يكون التحجيل باليد واليدين مالم يكن معها رجل أو رجلان (نه) "وقوله تحته" هكذا تركيب العبارة بالأصل فتأمل (وفي رواية مسلم) عن جابر بن سمرة أيضا قال أتى رسول الله ﷺ بفرس معروري فركبه حين انصرف من جنازة ابن الدحداح "وقوله معروري" بضم الميم وفتح الراء الأولى وتنوين الثانية مفتوحة أيضا معناه بفرس عري بوزن قفل كما في لفظ آخر عند مسلم أيضا (قال النووي) قال أهل اللغة: أعروريت الفرس واحلوليت الشيء أهـ (٣) هذه الرواية تفيد ركوبه ﷺ كان في الذهاب والإياب ولم أجدها كذلك لغير عبدالله بن الأمام أحمد بل كل الروايات متفقة على أن ركوبه ﷺ كان في الرجوع بعد الإنصراف من الجنازة كما عند مسلم وغيره، وهذه الرواية لا يحتج بها لأن في إسنادها عمر بن موسى بن الوجيه قيل فيه أنه كذاب يضع الحديث ولأنها تخالف الروايات الصحيحة (٤) (سنده) حدثنا عبدالله حدثني يحيى بن عبدالله ثنا شعبة عن سماك بن حرب أنه سمع جابر بن سمرة يقول كنا مع رسول الله ﷺ- الحديث" (٥) لفظ الترمذي يتوقص به، وهو بتشديد القاف والصاد المهملة أي يتوثب به وفي مصنف ابن أبي شيبة يتوقس بالسين المهملة وهما لغتان، كذا في قوت المغتذي. وقال في الجميع أي يثب يقارب الخطو (تخريجه) هذا الحديث من زوائد عبدالله بن الأمام أحمد على مسند أبيه، ولم أقف على من أخرج الطريق الأولى غيره، وقد علمت ما فيها، أما الطريق الثاني فهي صحيحة أخرجها (م. نس. هق. ش. مذ) وقال هذا حديث حسن صحيح
[ ٨ / ١٤ ]
(٢٠٨) عن المغيرة بن شعبة ﵁ قال قال رسول الله ﷺ الراكب خلف الجنازة والماشي حيث شاء منها والطفل يصلي عليه (وعنه من طريق ثان) عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم قال الراكب خلف الجنازة، والماشي أمامها قريبا عن يمينها أو عن يسارها والسقط يصلي عليه ويدعي لوالديه بالمغفرة والرحمة.
(٢٠٩) عن سالم بن عبدالله بن عمر أن عبدالله بن عمر ﵄ كان يمشي بين يدي جنازة، وأن رسول الله ﷺ كان يمشي بين يديها وأبو بكر وعمر وعثمان ﵃ (وعنه من طريق ثان) عن ابن عمر ﵄ أنه رأي رسول الله ﷺ وأبا بكر وعمر يمشون أمام الجنازة.
(٢١٠) عن عبدالله بن يسار أن عمر بن حريث عاد الحسن
_________________
(١) عن المغيرة بن شعبة (سنده) حدثنا عبدالله حدثني أبي ثنا عبدالرحمن الحداد ثنا سعيد بن عبيد الله الثقفي عن زياد بن جبير عن أبيه عن المغيرة بن شعبة قال قال رسول الله ﷺ - الحديث" (غريبه) (١) أي يسير خلف الجنازة كما في رواية أبي داود لأن اللائق بحاله أن يكون كذلك (٢) رواية أبي داود والماشي يمشي خلفها وأمامها وعن يمينها وعن يسارها قريبا منها (٣) (سنده) حدثنا عبدالله حدثني أبي ثنا هاشم بن القاسم ثنا المبارك قال أخبرني زياد بن جبير أخبرني أبي عن المغيرة بن شعبة عن النبي ﷺ - الحديث" (تخريجه) (هق. ش. والأربعة) وصححه ابن حبان والحاكم.
(٢) عن سالم بن عبدالله (سنده) حدثنا عبدالله حدثني أبي ثنا حجاج ثنا ليث حدثني عقيل بن خالد عن ابن شهاب أن سالم بن عبدالله بن عمر أخبره أن عبدالله بن عمر ﵄ كان يمشي - الحدبث" (٤) (سنده) حدثنا عبدالله حدثني أبي ثنا سفيان عن الزهري عن سالم عن أبيه أنه رأي رسول الله ﷺ - الحديث" (تخريجه) (ق. ش. والأربعة) وجزم بصحته ابن المنذر وابن حزم.
(٣) عن عبد الله بن يسار (سنده) حدثنا عبدالله حدثني أبي ثنا يزيد ثنا حماد بن سلمة عن يعلى بن عطاء عن عبدالله بن يسار - الحديث" (غريبه) (٥) هو ابن حريث بن عمرو بن عثمان بن عبدالله بن عمرو بن عثمان بن عبدالله بن عمرو بن مخزوم القرشي له ولأبيه وصحبة
[ ٨ / ١٥ ]
ابن علي ﵄ فقال له علي أتعود الحسن وفي نفسك ما فيها؟ فقال له عمرو إنك لست بربي فتصرف قلب حيث شئت، قال علي أما إن ذلك لا يمنعنا أن نؤدي إليك النصيحة سمعت رسول الله ﷺ يقول ما من مسلم عاد أخيه إلا ابتعث الله له سبعين ألف ملك يصلون عليه من أي ساعات النهار كان حتى يمسي؛ ومن أي ساعات الليل كان حتى يصبح، قال له عمرو كيف تقول في المشي مع الجنازة بين يديها أو خلفها؟ فقال علي إن فضل المشي من خلفها على بين يديها كفضل صلاة المكتوبة في جماعة على الوحدة قال عمرة فإني رأيت أبا بكر وعمر ﵄ يمشيان أمام الجنازة، قال علي إنهما إنما كرها أن يحرجا الناس.
_________________
(١) أي في مرض غير مرض موته لان عليا ﵁ كان موجودا وموت الحسن كان بعد موت علي بتسع سنين، ومن غريب الصدف أن عليا توفى في رمضان سنة ٤٠ هـ، والحسن توفى في رمضان أيضا سنة ٤٩ هـ ﵄ (وقوله فقال له علي) يعني ابن أبي طالب ﵁ (٢) الظاهر أنه كان بين عمرو وبين علي أو ابنه الحسن أمور شخصية الله أعلم بها، وكان عمرو لا يزال مصرا على ما نفسه، فقال له علي "أتعود الحسن وفي نفسك ما فيها" يريد بذلك أن يصرف ما في نفسه، فقال عمرو إنك لست بربي الخ، يعني أنه لا يقدر على صرف النفوس وتحويلها عما هي عليه إلا الله ﷿، وفيه منقبة لعمرو حيث أنه عاد الحسن وفي نفسه ما فيها ولم يقعده ذلك عن أداء سنة العيادة (٣) يعني أن إصرارك على ما في نفسك لا يمنعني من تبشيرك بما سمعته من رسول الله ﷺ في فضل عيادة المريض وإدخال السرور عليك بذلك فذكر الحديث (٤) صلاة الملائكة على بني آدم دعاؤهم لهم بالرحمة والمغفرة "وقوله من أي ساعات النهار" أي من وقت العيادة إن كانت بالنهار حتى تغرب الشمس، ومن وقتها إن كانت بالليل حتى يطلع الفجر، فينبغي لعائد المريض أن يبكر بالعيادة في أول النهار أو يعجل بها في أول الليل لتكثر صلاة الملائكة عليه (٥) يعني أيكون بين يديها أو خلفها (٦) أي على المنفرد أي كرها أن يدخلا عليهم المشقة بحصرهم في جهة واحدة
[ ٨ / ١٦ ]
(٢١١) عن عبدالله (بن مسعود ﵁) قال سالنا رسول الله ﷺ عن المسير بالجنازة فقال متبوعة وليست بتابعة
(٢١٢) عن أبي هريرة ﵁ قال قال رسول الله ﷺ لا يتبع الجنازة صوت ولا نار ولا يمشي بين يديها
_________________
(١) ففعلا ذلك ليبينا للناس أن المشي خلفها ليس بواجب بل يجوز المشي أمامها وإن كان خلفها أفضل، وهذا بناء على ما يفيده هذا الحديث، لكن ثبت في الباب ما يخالفه وهو حديث ابن عمر والله أعلم (تخريجه) أورد الهيثمي وقال رواه أحمد والبزار باختصار ورجال أحمد ثقات أهـ (قلت) وأخرج نحوه البيهقي وابن أبي شيبة في مصنفه من حديث عبد الرحمن بن أبزي وفيه قال (أي علي ﵁) "إنهما يعلمان أن المشي خلفها أفضل من المشي أمامها كفضل صلاة الرجل في جماعة على صلاته فذا، ولكنهما سهلان يسهلان للناس (قال البيهقي) والآثار في المشي أمامها أصح وأكثر وبالله التوفيق.
(٢) عن عبد الله بن مسعود (سنده) حدثنا عبدالله حدثني ابي ثنا سفيان قال يعني زاد سفيان "وليس منها ما يقدمها" وقرئ على سفيان سمعت يحيى الجابر عن أبي ماجد الحنفي قال سمعت عبدالله يقول سألنا رسول الله ﷺ - الحديث" (غريبه) (١) أي حقيقة وحكما فيمشي خلقها "وقوله وليست بتابعة"فائدته أنها متبوعة محضة لا تكون تابعة أصلا، لا أنها متبوعة من وجه وتابعة من وجه زاد سفيان في رواية "وليس منها من يقدمها" كما في المسند (تخريجه) د. نس. مذ. جه. هق) وفي إسناده أبو ماجد الحنفي تكلم فيه بالجهالة، وتقدم الكلام عليه في تخريج الحديث رقم ٢٠٠ صحيفة ٥.
(٣) عن أبي هريرة (سنده) حدثنا عبدالله حدثني أبي ثنا عبد الصمد ثنا حرب ثنا يحيى حدثني باب بن عمير الحنفي حدثني رجل من أهل المدينة أن أباه حدثه أنه سمع أبا هريرة يقول قال رسول الله ﷺ - الحديث" (غريبه) (٣) سيأتي الكلام عليه في الباب التالي (٤) أي أمامها وقد احتج به الحنفية فقالوا يكره المشي أمام الجنازة، وسيأتي الكلام عن ذلك في الأحكام (تخريجه) (د. هق. قط في العلل) وفي إسناده مجهولان (زوائد الباب) عن ثوبان ﵁ أن رسول الله ﷺ أتى بدابة وهو مع الجنازة فأبى أن يركب، فلما انصرف أتى بدابة فركب فقيل له، فقال إن الملائكة كانت تمشي فلم أكن لأركب وهو يمشون، فلما ذهبوا ركبت، رواه (د. ش)
[ ٨ / ١٧ ]
.
_________________
(١) هق. ك) وقال صحيح على شرط الشيخين (وعنه أيضا) قال خرجنا مع النبي ﷺ في جنازة فرأي ناسا ركبانا فقال ألا تستحيون أن ملائكة الله على أقدامهم وأنتم على ظهور الدواب (جه. مذ) وقال قد روي عنه مرفوعا ولم يتكلم عليه بحسن ولا ضعف، وفي إسناده أبو بكر بن أبي مريم وهو ضعيف (وعن زيد بن أرقم) ﵁ قال لو يعلم رجال يركبون في الجنازة ما لرجال يمشون ما ركبوا (ش) (وعن إبراهيم النخمي) قال كانوا يكرهون أن يسير الراكب أمامها (ش) (وعن سعيد بن كبير عن ابن عباس) ﵄ قال الراكب في الجنازة كالجالس في بيته (ش) (وعن عبدالله بن رباح) قال للماشي في الجنازة قيراطان وللراكب قيراط (ش) (وعن خالد بن دينار) قال أرأيت عطاء يسير أمام الجنازة راكبا (ش) (وعن ابن أبي عروبة) قال رأيت الحسن أمام الجنازة راكبا (ش) (من استحب المشي أمام الجنازة) (عن العقار بن المغيرة) قال كنت أمشي خلف الجنازة، فجاء أبو هريرة فوضع فقاري بين أصبعيه، ثم دفعني حتى تقدمت أمام الجنازة (ش) (وعن أبي صالح) قال كان أصحاب محمد ﷺ يمشون أمام الجنازة إذا تباعدوا عنها قاموا ينتظرونها (ش) (وعن ابن عون) قال سألت محمدا عن المشي أمام الجنازة فقال لا أعلم به بأسا، ذل وكان القاسم وسالم يفعلانه (ش) (من استحب المشي خلف الجنازة) عن ابن جريح عن مسروق قال قال رسول الله ﷺ لكل أمة قربان وإن قربان هذه الأمة موتاها فاجعلوا موتاكم بين أيديكم (ش) وسنده صحيح لكنه مرسل (عن عامر بن جشيب وغيره) من أهل الشام قالوا قال أبو الدرداء من تمام أجر الجنازة أن يشيعها من أهلها ويمشي خلفها (من رخص في المشي خلفها وأمامها وعن يمينها وعن شمالها) عن حميد بن أنس بن مالك ﵁ في الجنازة أنتم مشيعون لها تمشون أمامها وخلفها وعن يمينها وعن شمالها (ش) (وعن أبي العالية) قال خلفها قريب منها وأمامها قريب منها، وعن يسارها قريب منها، وعن يمينها قريب منها (ش) (الأحكام) أحاديث الباب مع زوائده (منها) ما يدل على استحباب المشي أمام الجنازة دون خلفها (منها) ما يدل على استحبابه خلفها دون أمامها (ومنها) ما يدل على جواز المشي أمامها وخلفها وعن يمينها وعن شمالها (ومنها) ما يدل على جواز الركوب أمامها وخلفها (ومنها) ما يخص ذلك بالخلف فقط (ومنها) ما يدل على أن المشي أفضل من الركوب مطلقا (ومنها) ما يدل على جواز الركوب بعد الانصراف بدون كراهة، لأن النبي ﷺ فعل ذلك كما في حديث جابر بن سمرة، لهذا اختلف أهل العلم هل الأفضل لمتبع الجنازة أن يمشي خلفها أو أمامها؟ فقال شريح والقاسم بن محمد وسالم والزهري والأئمة (مالك والشافعي وأحمد والجمهور) وجماعة من الصحابة منهم أبو بكر. وعمر. وعثمان
[ ٨ / ١٨ ]
(٣) باب النهي عن اتباع الجنازة بنار أو صياح أو نساء
(٢١٣) عن مجاهد عن ابن عمر ﵄ قال مرت بنا جنازة
_________________
(١) وابن عمر. وأبو هريرة. والحسن بن علي. وابن الزبير. وأبو قتادة. وأبو أسيد ﵃ أن المشي أمام الجنازة أفضل مستدلين بحديث ابن عمر الرابع من أحاديث الباب، وهو حديث صحيح جزم بصحته ابن المنذر وابن حزم، وقال ابن المنذر ثبت أن النبي ﷺ وأبا بكر وعمر كانوا يمشون أمام الجنازة (وعن ابن عمر) ﵄ قال السنة في الجنازة أن يمشي أمامها (وقال أبو صالح) كان أصحاب رسول الله ﷺ يمشون أمام الجنازة ولأنهم شفعاء له والشفيع يتقدم المشفوع (وقال أبو حنيفة وأصحابه) وحكاه الترمذي عن سفيان الثوري وإسحاق، وحكاه صاحب البحر عن العترة أن المشي خلفها أفضل واستدلوا بحديث ابن مسعود المذكور في أحاديث الباب، وفي إسناده أبو ماجد الحنفي مجهول، وبحديث أبي هريرة الأخير من أحاديث الباب، وفي إسناده مجهولان، وبحديث علي ﵁ وهو موقوف عليه، وربما كان له حكم الرفع لأن مثله لا يقال بالرأي وسنده جيد (وذهب أنس بن مالك) ﵁ إلى أن المشي بين يديها وخلفها وعن يمينها وعن شمالها سواء (اتفقوا) على أن المشي مع الجنازة أفضل من الركوب وعلى جواز الركوب بعد الانصراف بلا كراهة (واختلفوا) في الراكب هل يكون أمامها أو خلفها (فذهبت الشافعة) إلى أنه يكون أمامها كالماشي (وذهب الجمهور) إلى أنه يكون خلفها مستدلين بحديث المغيرة بن شعبة الثالث من أحاديث الباب وصححه ابن حبان والحاكم، وهذا مذهب قوي لولا ما يعارضه من حديث ثوبان المذكور في الزوائد من قوله ﷺ "ألا تستحيون من ملائكة الله على أقدامهم وأنتم على ظهور الدواب (وقد جمع العلماء) بين ذلك بأن قوله ﷺ الراكب خلفها لا يدل على عدم الكراهة وإنما (يدل على الجواز فيكون الركوب جائزا مع الكراهة أو بأن إنكاره ﷺ على من ركب، وتركه للركوب إنما كان لأجل مشي الملائكة، ومشيهم مع الجنازة التي مشي معها رسول الله ﷺ لا يستلزم مشيهم مع كل جنازة لإمكان أن يكون ذلك تبركا به ﷺ فيكون الركوب على هذا جائزا غير مكروه والله أعلم (خلاصة القول في هذا الباب) أن المشي أمام الجنازة أفضل منه خلفها لقوة دليله، وأن الراكب يكون خلفها لحديث المغيرة ابن شعبة، وأن الركوب بعد الانصراف جائز بلا كراهة لفعل النبي ﷺ ذلك كما في حديث جابر بن سمرة، وأن المشي في الجميع أفضل من الركوب إلا لعذر، والله ﷾ أعلم.
(٢) عن مجاهد (سنده) حدثنا عبد الله حدثني أبي ثنا أبو النصر
[ ٨ / ١٩ ]
فقال ابن عمر لو قمت بنامعها، قال فأخذ بيدي فقبض عليها قبضا شديدا فلما دنونا من المقابر سمع رنة من خلفه وهو قابض على يدي فاستدار، فاستقبلها فقال لها شرا وقال نهى رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم أن نتبع جنازة فيها رنة.
(٢١٤) عن أبي هريرة ﵁ قال قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم لا تتبع الجنازة بنار ولا صوت.
_________________
(١) ثنا أبو معاوية يعني شيبان عن ليث عن مجاهد - الحديث" (غريبه) (١) أي صوت امرأة تصيح (٢) أي زجرها ونهرها (٣) رواية ابن ماجة وابن أبي شيبة (رانة) بالراء المهملة بعدها ألف ثم نون مشددة أي مصوتة، قال في القاموس رن يرن رنينا صاح أهـ (تخريجه) (جه. ش) وسنده جيد عند الأمام أحمد وابن أبي شيبة، وفي سنده عند ابن ماجه أبو يحيى القتات فيه مقال وبقية الرجال ثقات.
(٢) عن أبي هريرة (سنده) حدثنا عبدالله حدثني أبي ثنا إسماعيل عن هشام الدستواني عن يحيى عن رجل عن أبي هريرة - الحديث " (غريبه) (٤) هذا عام يشمل كل نار وكل صوت، فقوله بنار يشمل المجامر جمع مجمر كمنبر وهو الذي يوضع فيه الجمر للبخور، لما روى ابن أبي شيبة بسند جيد عن عائشة ﵂ أنها أوصت أن لا تشيعوني بمجمر ولا تجعلوا علي قطيفة حمراء "وقوله ولا صوت" يشمل صوت النياحة والقراءة والذكر وغير ذلك مما يفعل الآن أمام الجنائز، فكل هذا منهي عنه لا يجوز فعله (روى ابن أبي شيبة) في مصنفه بسنده عن قيس عن عباد قال كان أصحاب محمد ﷺ يستحبون خفض الصوت عند ثلاث "عند القتال، وعند القرآن، وعند الجنائز" وإنما نهى عن إتباع الجنازة بنار وصوت، لأن في ذلك تشبها بأهل الكتاب، وقد نهينا عن التشبه بهم، ويؤيد ذلك (ما رواه) ابن أبي شيبة) في مصنفه بسنده عن سعيد بن جبير أنه رأى مجمرا في جنازة فكسره وقال سمعت ابن عباس يقول "لا تشبهوا بأهل الكتاب" (تخريجه) (د. هق. قط في العلل) وفي إسناده رجل لم يسم، وبقية رجاله ثقات وله شاهد عند ابن أبي شيبة من حديث أبي سعيد، وفي اسناده رجل لم يسم.
[ ٨ / ٢٠ ]
(٢١٥) عن أم عطية ﵂ قالت نهى عن إتباع الجنائز ولم يعزم علينا.
(٢١٦) عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ قال بينما نحن نمشي مع رسول الله ﷺ إذ بصؤ بامرأة لا نظن أنه عرفها، فلما توجهنا إلى الطريق وقف حتى انتهت إليه فإذا فاطمة بنت رسول الله ﷺ ورضي عنها، فقال ما أخرجك من بيتك يا فاطمة، قالت أتيت أهل هذا البيت فرحمت إليهم ميتهم وعزيتهم، فقال لعلك بلغت معهم الكدي
_________________
(١) عن أم عطية (سنده) حدثنا عبدالله حدثني أبي ثنا بن أبي عدي عن ابن عون عن محمد عن أم عطية - الحديث" (غريبه) (١) أي النبي ﷺ كما صرح بذلك في رواية أخرى عن طريق يزيد بن حكيم عن الثوري باسناد صحيح بلفظ "نهانا رسول الله ﷺ" أخرجه الإسماعيلي (قال الحافظ) وفيه رد على من قال لا حجة في هذا الحديث، لأنه لم يسم الناهي فيه لما رواه الشيخان وغيرهما أن كل ما ورد بهذه الصيغة كان مرفوعا وهو الأصح عند غيرهما من المحدثين، وفي رواية أخرى لأم عطية عند الأمام أحمد في حديث البيعة قالت "ونهينا عن إتباع الجنائز ولا جمعة علينا" وسيأتي هذا الحديث في باب البيعة من كتاب الخلافة إن شاء الله تعالى "وقوله عن إتباع الجنائز" أي عن السير معها إلى القبور (٢) أي ولم يؤكد علينا في المنع كما أكد علينا في غيره من المنهيات، فكأنها قالت كره لنا إتباع الجنائز من غير تحريم، قاله الحافظ (تخريجه) (ق. د. جه. هق)
(٢) عن عبد الله بن عمرو (سنده) حدثنا عبدالله أبي ثنا أبو عبد الرحمن ثنا سعيد ربيعة بن سيف المعافري عن أبي عبد الرحمن الحبلي عن عمرو- الحديث" (غريبه) (٣) بضم الصاد (والباء في قوله بامرأة) للتعدية مثل بصرت بما لم يبصروا به (٤) أي دعوت له بالرحمة وقلت فيه رحم الله ميتكم "وعزيتهم" أي أمرتهم بالصبر عليه وسليتهم بذلك (٥) بضم ففتح مقصورا جمع كدية بضم فسكون، وهي الأرض الصلبة، قيل أراد المقابر لأنها كانت في مواضع صلبة وكانوا يتخيرونها في هذه
[ ٨ / ٢١ ]
قالت معاذ الله أن أكون بلغتها معهم وقد سمعتك تذكر في ذلك ما تذكر، قال لو بلغتها معهم ما رأيت الجنة حتى يراها جد أبيك.
_________________
(١) المواضع خشية السقوط (١) قيل المراد بذلك التغليظ على من فعل ذلك (قلت) ويمكن أن يقال إن من فعل ذلك لا يدخل الجنة مع السابقين لأن جد أبيها من أهل الفترة، وأهل الفترة لا يدخلونها إلا بعد الاختبار كما وردت بذلك الأحاديث، وسيأتي ذلك في باب ما جاء في أولاد المسلمين وأولاد المشركين، وأهل الفترة من كتاب قيام الساعة وأحوال الآخرة إن شاء الله تعالى، ولأنه معلوم أن المعصية غير الشرك لا تؤدي إلى عدم دخول الجنة، (ورحم الله الحافظ السيوطي حيث قال) لا دلالة في هذا على ما توهمه المتوهمون لأنه لو مشت امرأة مع جنازة إلى المقابر لم يكن ذلك كفرا موجبا للخلود في النار كما هو موضح، وغاية ما في ذلك أن يكون من جملة الكبائر التي يعذب صاحبها، ثم يكون آخر أمره إلى الجنة؛ وأهل السنة يؤولون ما ورد من الحديث في أهل الكبائر أنهم لا يدخلون الجنة، والمراد لا يدخلونها مع السابقين الذين يدخلونها أولا بغير عذاب، فأكثر ما يدل الحديث المذكور على أنها لو بلغت مهم الكدى لم تر الجنة مع السابقين، بل يتقدم ذلك عذاب أو شدة أو ما شاء الله من أنواع المشاق، ثم يؤول أمرها إلى دخول الجنة قطعا، ويكون المعني به "يعني عبد المطلب جد أبيها" كذلك لا يرى الجنة مع السابقين بل يتقدم ذلك الامتحان وحده أو مع مشاق أخر، ويكون معنى الحديث لم تر الجنة حتى يأتي الوقت الذي يراها فيه جد أبيك فترينها حينئذ، فتكون رؤيتك لها متأخرة عن رؤية غيرك من السابقين لها، هذا مدلول الحديث، لا دلالة له على قواعد أهل السنة غير ذلك، والذي سمعته من شيخنا شيخ الإسلام شرف الدين المناوي، وقد سئل عن عبد المطلب فقال هو من أهل الفترة الذين لم تبلغهم الدعوة وحكمهم في المذهب معروف أهـ. وهذا قول حسن (تخريجه) (د. هق. نس) وفي إسناده ربيعة بن سيف وثقه العجلي وضعفه النسائي، وقال البخاري روى أحاديث لا يتابع عليها عنده مناكير، والله ﷾ أعلم (زوائد الباب) (عن أبي سعيد الخدري ﵁) قال قال رسول الله ﷺ لا تتبع الجنازة بصوت ولا بنار ولا يمشي أماها (ش) وفي إسناده رجل لم يسم وبقية رجاله ثقات (وعن ابنة أبي سعيد) أن أبا سعيد قال لا تتبعوني بنار ولا تجعلوا على سريري قطيفة نصراني (ش) (وعن بكر بن عبدالله) أن عبدالله بن مغفل ﵁ أوصى أن لا تتبعوني بصوت ولا نار ولا ترموني بالحجارة يعني المدر الذي يكون على شفير
[ ٨ / ٢٢ ]
.
_________________
(١) القبر (ش) (وعن الحنش بن المعتمر) قال كان رسول الله ﷺ في جنازة فرأى امرأة معها مجمر، فقال اطردوها فما زال قائما حتى قالوا يا رسول الله قد توارت في آجام المدينة (ش) (وعن ابن جريح) قال كان رسول الله ﷺ إذا كان في جنازة أكثر السكوت وحدث نفسه (ش) (وعن علي بن يزيد) عن الحسن أن النبي ﷺ كان يكره الصوت عند ثلاث. عند الجنازة وإذا التقى الزحفان وعند قراءة القرآن (ش) (وعن أبي قلابة) قال كنا في جنازة فرفع ناس من القصاص أصواتهم، فقال أبو قلابة كانوا يعظمون الميت بالسكينة (ش) (وعن ابن عمر ﵄) قال نهينا أن نتبع جنازة معها رانة (ش) وسنده جيد (وعن مسروق) قال خرج رسول الله ﷺ مع جنازة معها امرأة فلم يبرح حتى توارت في البيوت (ش) (وعن ابن مغفل) قال قال عمر لا تتبعني امرأة (ش) (وعن محمد بن المنتشر) قال كان مسروق لا يصلي على جنازة معها امرأة (ش) (وعن إبراهيم النخعي) قال كانوا إذا خرجوا للجنازة أغلقوا الباب على النساء (ش) (وعن عبيد الله بن مرة) عن مسروق قال رأيته يحثوا التراب في وجوه النساء في الجنازة ويقول لهن ارجعن، فإن رجعن مضى مع الجنازة وإلا رجع وتركها (ش) (الأحكام) أحاديث الباب مع الزوائد فيها النهي عن ابتاع الجنازة بنار أو صوت (وفيها) التشديد في عدم خروج النساء مع الجنازة، وظاهر النهي التحريم في الجميع، وحمله الجمهور على كراهة التنزيه إلا إذا كان الصوت بنياحة فيحرم، وتقدم الكلام على مذاهب العلماء في النياحة (قال النووي) ﵀ (قال الشافعي) في الأم وأصحابنا يكره أن تتبع الجنائز بنار، قال ابن الصباغ وغيره: المراد أنه يكره البخور في المجمرة بين يديها إلى القبر، ولا خلاف في كراهته كما نص عليه الشافعي والأصحاب، ونقل ابن منذر إجماع العلماء على كراهته كما نص عليه الشافعي والأصحاب، ونقل ابن منذر إجماع العلماء على كراهته، وقال وممن نقل عنه ذلك عمر وأبو هريرة وعبدالله بن مغفل ومعقل بن يسار وأبو سعيد الخدري وعائشة؛ وذكر البيهقي عن عبادة بن الصامت وعائشة وأسماء وغيرهم أنهم أوصوا أن لا يتبعوا بنار، قال أصحابنا إنما كره للنص، ولأنه تفاءل بذلك فال السوء، وهذا الذي ذكرناه من كراهة الإتباع هو نص (الشافعي والجمهور) وقال الشيخ نصر لا يجوز أن يحمل مع الجنازة المجامر والنار، فإن أراد بقوله لا يجوز كراهة التنزيه فهو كما قاله الشافعي والأصحاب، وإن أراد التحريم فشاذ مردود، قال المحاملي وغيره: وكذا يكره أن يكون عن القبر مجمرة حال الدفن أهـ ج (وقال في الأذكار) واعلم أن الصواب والمختار ما كان عليه السلف ﵃ السكوت في حال السير مع الجنازة فلا يرفع صوت بقراءة ولا ذكر ولا غير ذلك، والحكمة فيه ظاهرة وهي أنه أسكن لخاطره وأجمع لفكره فيما يتعلق بالجنازة وهو المطلوب في هذا الحال فهذا هو الحق.
[ ٨ / ٢٣ ]
_________________
(١) ولا تغتر بكثرة من يخالفه فقد قال أبو علي الفضيل بن عياض ﵁ ما معناه "الزم طرق الهدى ولا يغرك قلة السالكين وإياك وطرق الضلالة ولا تغتر بكثرة الهالكين" وقد روينا في سنن البيهقي ما يقتضي ما قلته، وأما ما يفعله الجهلة من القراء على الجنازة بدمشق وغيرها من القراءة بالتمطيط وإخراج الكلام عن موضوعه فحرام بإجماع العلماء، وقد أوضحت قبحه وغلظ تحريمه وفسق من تمكن من إنكاره فلم ينكره في كتاب آداب القراء، والله المستعان أهـ (وقال ابن قدامة في المغني) ويكره رفع الصوت عند الجنازة لنهي النبي ﷺ أن نتتبع الجنازة بصوت (قال ابن المنذر) روينا عن قيس بن عباد أنه قال: كان أصحاب رسول الله ﷺ يكرهون رفع الصوت عند ثلاث، عند الجنائز وعند الذكر وعند القتال (وذكر الحسن عن أصحاب رسول الله ﷺ أنهم كانوا يستحبون خفض الصوت عند ثلاث فذكر نحوه، وكره سعيد بن المسيب وسعيد بن جبير والحسن والنخعي وإمامنا "يعني الإمام أحمد بن حنبل ﵀" واسحق قول القائل خلف الجنازة استغفروا له، وقال الأوزاعي بدعة وقال عطاء محدثة، وقال سعيد بن المسيب في مرضه إياي وحاديهم هذا الذي يحدوا لهم يقول استغفروا له غفر الله لكم (وقال فضيل بن عمرو) بيننا ابن عمر في جنازة إذ سمع قائلا يقول استغفروا له غفر الله لكم، فقال ابن عمر لا غفر الله لك، رواهما سعيد أهـ (قلت) ومثل ذلك (قالت الحنفية والمالكية) أي بكراهة رفع الصوت أمام الجنازة ولو بذكر أو قراءة، وفي دعاء ابن عمر ﵄ بعدم المغفرة على من رفع صوته بقوله استغفروا لأخيكم أعظم زجر في رفع الصوت عند الجنازة، وروى مثله علي بن مسعود أيضا، فأين هذا مما يفعله أهل هذا العصر من استحضار الموسيقى وجعلها أمام الجنازة، ورفع الأصوات بأنواع مختلفة من الأذكار والقراءة والدلائل، وكل ذلك بتحريف وتمطيط يغضب الله ﷿ فهذا حرام بالإجماع كما قال النووي، فيجب على كل عالم في بلد أن ينهي عن هذه المنكرات والبدع والخرافات ويبين لهم قبحها وسوء عاقبتها، ويدلهم على ما كان عليه النبي ﷺ وأصحابه، وما ذهب إليه أئمة الدين من بعده، وأن يخلص لهم في القول مراعيا الحكمة والموعظة الحسنة، فإنه إن فعل ذلك جنى ثمرة قوله وإلا كان آثما، هذا فيما يختص باتباع الجنازة بصوت أو نار (وأما إتباع النساء الجنازة) فظاهر النهي عنه التحريم كما أسلفنا، لكن النووي ﵀ يكره لهن إتباعها ولا يحرم، قال وهذا هو الصواب، وهو الذي قاله أصحابنا قال وأما قول الشيخ نصر المقدمي ﵀، لا يجوز للنساء إتباع الجنازة فمحمول على كراهة التنزيه، فإن أراد به التحريم فهو مردود مخالف لقول الأصحاب بل للحديث الصحيح، قالت أم عطية ﵂ "نهينا عن إتباع الجنائز ولم يعزم علينا، رواه البخاري ومسلم
[ ٨ / ٢٤ ]
.
_________________
(١) وهذا الحديث مرفوع، فهذه الصيغة معناها رفعه إلى رسول الله ﷺ كما تقرر في كتب الحديث والأصول، وقولها "ولم يعزم علينا" معناه نهانا نهيا شديدا غير محتم، ومعناه كراهة تنزيه ليس بحرام، وأما الحديث المروي عن علي ﵁ قال "خرج رسول الله ﷺ فإذا نسوة جلوس قال ما يجلسكن؟ قلن ننتظر الجنازة، قال هل تغسلن؟ قلن لا، قال هـ لتحملن؟ قلن لا، قال هل تدلين فيمن يدلي؟ قلن لا، قال فارجعن مأزورات غير مأجورات" فرواه ابن ماجه بإسناد ضعيف من رواية إسماعيل بن سليمان الأزرق، ونقل ابن أبي حاتم تضعيفه عن أعلام هذا الفن، وأما حديث عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ أن النبي ﷺ قال لفاطمة ﵂ ما أخرجك من بيتك (فذكر حديث فاطمة المذكور في أحاديث الباب ثم قال) فرواه أحمد بن حنبل وأبو داوود والنسائي بإسناد ضعيف "ثم قال" هذا الذي ذكرناه من كراهة ابتاع النسوة الجنازة (هو مذهبنا ومذهب جماهير العلماء) حكاه ابن المنذر عن ابن مسعود وابن عمر وأبي أمامة وعائشة ومسروق والحسن والنخعي والأوزاعي (وأحمد واسحق وبه قال الثوري) وعن أبي الدرداء والزهري وربيعة أنهم لم ينكروا ذلك (ولم يكرهه مالك إلا لشابة) وحكى العبدري عن مالك أنه يكره إلا أن يكون الميت ولدها أو والدها أو زوجها وكانت ممن يخرج مثلها لمثله "ثم قال" دليلنا حديث أم عطية أهـ (وقال القرطبي) ظاهر سياق أم عطية أن النهي نهي تنزيه وبه قال جمهور أهل العلم (ومال مالك إلى الجواز) وهو قول أهل المدينة، ويدل على الجواز ما رواه ابن أبي شيبة من طريق محمد بن عمرو بن عطاء عن أبي هريرة "أن رسول الله ﷺ كان في جنازة فرأي عمر امرأة فصاح فقال بها فقال رسول الله ﷺ دعها يا عمر- الحديث" (قلت بقيته فإن العين دامعة والنفس مصابة والعهد قريب- هكذا في مصنف ابن أبي شيبة) قال وأخرجه ابن ماجة والنسائي من هذا الوجه، ومن طريق آخر عن محمد بن عمرو ابن عطاء عن سلمة بن الأزرق عن أبي هريرة ورجاله ثقات أهـ (قلت) وأخرجه أيضا من هذا الوجه الإمام أحمد إلا أنه كان في نساء اجتمعن يبكين لا في نساء اتبعن الجنازة كما صرح فيه بذلك، وتقدم في باب الرخصة في البكاء من غير نوح، والعمدة في أحاديث الباب حديث أم عطية، وهو وإن كان سياقه يدل على النهي فيه للتنزيه، إلا أن العلماء خصصوه بذلك الزمن حيث كان يباح لهن الخروج إلى المساجد والأعياد، ومع هذا فقد قالت عائشة ﵂ "لو أن رسول الله ﷺ رأي من النساء ما رأينا لمنعهن من المساجد كما منعت بنو إسرائيل نساءها" رواه الأمام أحمد وهذا لفظه، وتقدم رقم ١٣٤٢ صحيفة ٢٠١ في الجزء الخامس، ورواه أيضا الشيخان وأبو داود والبيهقي، وهذا في نساء زمنها
[ ٨ / ٢٥ ]
(٤) باب من اتبع جنازة فلا يجلس حتى توضع
وماجاء في القيام للجنازة إذا مرت
(٢١٧) عن ابي سعيد الخدري ﵁ عن النبي ﷺ قال إذا رأيتم الجنازة فقوموا لها فمن اتبعها فلا يقعد حتى وتضع هريرة ﵁ قال رسول الله ﷺ من صلى على جنازة فلم يمش معها فليقم حتى تغيب عنه
_________________
(١) فما ظنك بنساء زماننا، وهذا الأثر مع الآثار التي ذكرناها في الزوائد تقوى ضعف الأحاديث التي جاءت في الباب دالة على التحريم (قال ابن الحاج رحمه الله تعالى في كتابه المدخل) واعلم أن الخلاف المذكور بين الأئمة إنما هو في نساء ذلك الزمان "يعني زمان الصحابة والتابعين" وكن على ما يعلم من عادتهن في الاتباع، وأما خروجهن في هذا الزمان فمعاذ الله أن يقول أحد من العلماء أو من له مروءة أو غيره في الدين بجواز ذلك، فإن وقعت ضرورة للخروج فليكن ذلك على ما يعلم في الشرع من الستر، لا على ما يعلم من عادتهن الذميمة في هذا، والله أعلم أهـ. فهذا ابن الحاج يقبح ما كان عليه النساء في زمانه الذي هو آخر القرن السابع وأول القرن الثامن، فما بالك بنساء زماننا اللائي يخرجن رافعات أصواتهن بالنياحة والبكاء، شاقات جيوبهن، كاشفات صدورهن، واضعات ف يوجوههن السواد علامة الحداد، نعوذ بالله من ذلك وبرأ إليه منه، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم اللهم اهدنا رجالا ونساء إلى سبيل الرشاد، واغفر لنا يوم التناد آمين.
(٢) آعن أبي سعيد الخدري (سنده) حدثنا عبد الله حدثني أبي ثنا يحيى بن سعيد عن هشام ثنا يحيى عن أبي سلمة عن أبي سعيد الخدري- الحديث" (غريبه) (١) فيه مشروعية القيام للجنازة إذا مرت لمن كان قاعدا، وسيأتي الكلام عليه في الأحكام (٢) أي على الأرض كما في رواية عند البيهقي وأبي داود من حديث أبي هريرة (تخريجه) (ق. هق. والثلاثة)
(٣) 'عن أبي هريرة (سنده) حدثنا عبدالله حدثني أبي ثنا محمد بن سلمة عن ابن إسحاق عن محمد بن إبراهيم قال أتيت سعيد بن مرجانة فسألته فقال سمعت أبا هريرة يقول قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم من صلى على جنازة - الحديث" (غريبه) (٣) أي تتوارى كما في رواية عند مسلم من حديث
[ ٨ / ٢٦ ]
ومن مشى معها فلا يجلس حتى توضع
(٢١٩) ز عن عثمان ﵁ أنه رأي جنازة فقام إليها وقال رأيت رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم رأي جنازة فقام لها
_________________
(١) جابر قال قام النبي ﷺ لجنازة مرت به حتى توارت (١) زاد فيه أبو داود من طريق سفيان الثوري عن سهيل عن أبيه عن ابي هريرة قال "حتى توضع بالأرض" قال ورواه أبو معاوية عن سهيل، قال "حتى توضع في اللحد" (قال أبو داود) وسفيان أحفظ من أبي معاوية أهـ. فعلم من هذا أن أبا داود رجح الرواية الأولى وهي قوله "حتى توضح في اللحد" وكذلك أِشار البخاري إلى ترجيحها بقوله (باب من شيد جنازة فلا يقعد حتى توضع عن مناكب الرجال) وأخرج أبو نعيم عن سهيل قال رأيت ابا صالح لا يجلس حتى توضع عن مناكب الرجال، وهذا يدل على أن الرواية الأولى أرجح، لأن ابا صالح راوي حديث، وهو أعرف بالمراد منه، وقد تمسك بالرواية الثانية صاحب المحيط من الحنفية فقال الأفضل أن لا يقعد حتى يهال عليها التراب وخالفه الجمهور، ويؤيدها ما ذهب إليه الجمهور حديث البراء بن عازب ﵁ "قال خرجنا مع النبي ﷺ في جنازة رجل من الأنصار فانتهينا إلى القبر ولما يلحد، فجلس رسول الله ﷺ وجلسنا حوله- الحديث" رواه الأمام أحمد، وتقدم صحيفة ٧٤ رقم ٥٣ في الجزء السابع في باب ما يراه المحتضر الخ (تخريجه) (طح) بلفظ حديث الباب ورواه (د. هق) مقتصرين على الشق الثاني منه، ولفظه عن البيهقي من طريق قاسم بن يزيد الجرمي قال حدثنا الثوري عن سهيل عن أبيه عن أبي هريرة ﵁ قال قال رسول الله ﷺ "إذا أتبع أحدكم جنازة فلا يجلس حتى توضع في الأرض" ويعضده حديث أبي سعيد قبله.
(٢) "ز" عن عثمان ﵁ (سنده) حدثنا عبدالله ثنا إسماعيل أبو معمر ثنا يحيى بن سليم الطائفي عن إسماعيل بن أمية عن موسى بن عمران بن مباح عن أبان بن عثمان - الحديث (تخريجه) (طح) وأورده الهيثمي وقال رواه أحمد والبزار، وفيه موسى بن عمران بن مباح، ولم أجد منذ ترجمة بما يشفى (قلت) هذا الحديث من زوائد عبدالله بن الأمام أحمد على مسند أبيه، وموسى بن عمران قد ترجمه الحافظ في تعجيل المنفعة فقال: موسى بن عمران بن مباح عن أبان بن عثمان؛ وعنه إسماعيل بن أمية ليس بمشهور، قال وذكره ابن حبان في الثقات أهـ (قلت) ويشهد له أحاديث الباب، والله أعلم
[ ٨ / ٢٧ ]
(٢٢٠) عن عامر بن ربيعة ﵁ عن النبي ﷺ قال إذ رأى أحدكم الجنازة ولم يكن ماشيا معها فليقم حتى تجاوزه أو توضع (وعنه من طريق ثان) عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم قال إذا رأيت جنازة فقم حتى تجاوزك أو قال قف حتى تجاوزك.
(٢٢١) حدثنا عبدالله حدثني أبي ثنا يحيى ووكيع عن زكريا حدثني عامر قال كان أبو سعيد ومروان جالسين فمر عليهما بجنازة، فقام أبو سعيد فقال مروان اجلس، فقال أبو سعيد رأيت رسول الله صلى الله عليه وعليه وسلم قام، فقام مروان، وقال وكيع مرت به جنازة فقام
_________________
(١) عن عامر بن ربيعة (سنده) حدثنا عبدالله حدثني ابي ثنا يحيى بن عبيد الله قال أخبرني نافع عن ابن عمر عن عامر بن ربيعة - الحديث" (غريبه) (١) أي لم يكن ممن يشيعونها بل مرت عليه "فليقم حتى تجاوزه" اي تتركه وراءها "أو توضع" يعني من على أعناق الرجال على الأرض كما تقدم تحقيق ذلك في شرح الحديث الثاني من أحاديث الباب (٢) (سنده) حدثنا عبدالله حدثني أبي ثنا يزيد بن هارون أنا ابن عون عن نافع عن ابن عمر عن عامر بن ربيعة عن النبي ﷺ - الحديث" (٣) أو للشك من الراوي، هل قال فقم حتى تجاوزك، أو قال. قف. والمعنى واحد (تخريجه) (ق. فع. هق. والأربعة) وزاد الأمام أحمد في الطريق الثانية قال "يعني نافع" وكان ابن عمر إذا رأى جنازة قام حتى تجاوزه، وكان والأربعة) وزاد الأمام أحمد في الطريق الثانية قال "يعني نافع" وكان ابن عمر إذا رأى جنازة قام حتى تجاوزه، وكان إذا خرج مع جنازة ولي ظهره المقابر، وله أيضا بلفظ آخر قال فكان ابن عمر ربما تقدم الجنازة فقعد حتى إذا رآها قد أشرفت قام حتى توضع وربما سترته (رواه ابن أبي شيبة) في مصنفه من طريق الزهري عن سالم عن أبيه عن عامر بن ربيعة يبلغ به النبي ﷺ قال فإذا رأيتم الجنازة فقوموا لها حتى تلحقكم أو توضع.
(٢) حدثنا عبدالله (غريبه) (٤) يعني وقال وكيع في رواية "فقال أبو سعيد رأيت رسول الله ﷺ مرت به جنازة فقام مروان" (وفي رواية أخرى لأمام أحمد) من طريق الشعبي عن أبي سعيد قال مر على مروان بجنازة فلم يقم قال فقال أبو سعيد إن رسول الله ﷺ مر عليه بجنازة فقام قال فقام مروان" (تخريجه) (ش. طح) وسنده جيد.
[ ٨ / ٢٨ ]
(٢٢٢) حدثنا عبد الله حدثني أبي ثنا وكيع عن أبي ذئب عن المقبري عن أبيه عن أبي هريرة أنه كان جالسا مع مروان فمرت جنازة فمر به أبو سعيد فقال قم أيها الأمير فقد علم هذا أن النبي ﷺ كان إذا تبع جنازة لم يجلس حتى توضع
_________________
(١) حدثنا عبد الله حدثني أبي ثنا وكيع (غريبه) (١) اي في المقبرة بعد أن صلى مروان على الجنازة إماما، لأنه كان إذ ذاك أميرا "وقوله فمرت جنازة" أي وهو جالس مع أبي هريرة قبل أن توضع، وهي الجنازة التي صلى عليها كما يستفاد ذلك من رواية الحاكم من طريق ابن عبد الرحمن عن أبيه أنه شهد جنازة صلى عليها مروان بن الحكم فذهب أبو هريرة مع مروان حتى جلسا في المقبرة (ومن رواية البخاري) من طريق سعيد المقبري عن أبيه؛ قال كنا في جنازة فأخذ أبو هريرة ﵁ بيد مروان فجلسا قبل أن توضع (٢) أي مر أبو سعيد بمروان وهو جالس مع أبي هريرة "وقوله فقد علم هذا" يعني أبا هريرة (وفي رواية البخاري) فجاء أبو سعيد رضي عنه فأخذ بيد مروان فقال قم فوالله لقد علم هذا النبي ﷺ نهانا عن ذلك؛ فقال أبو هريرة صدق (ورواية الحاكم) فجاء أبو سعيد الخدري، فقال لمروان أرني يدك فأعطاه يده، فقال قم فقام، ثم قال مروان لم أقمتني؟ فقال كان رسول الله ﷺ إذا رأي جنازة قام حتى يمر بها ويقول إن الموت فزع، فقال مروان أصدق يا أبا هريرة؟ قال نعم، فما منعك أن تخبرني؟ قال كنت إماما فجلست فجلست، قال الحاكم هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه بهذه السياقة (قلت) وأقره الذهبي (قال الحافظ) فعرف بهذا أن أبا هريرة لم يكن يراه واجبا، وأن مروان لم يكن يعرف حكم المسألة قبل ذلك، وأنه بادر إلى العمل بها بخبر أبي سعيد أهـ (تخريجه) (خ. ك. هق) ويستفاد من هذا الحديث أن ابا سعيد لم يكن جالسا مع مروان بل مر عليه وهو جالس مع ابي هريرة، والحديث الذي قبله يفيد أن أبا سعيد هو الذي كان جالسا مع مروان، وظاهر هذا التناقض، ويجمع بينهما بتعدد الواقعة، وأن هذا خاص بمن صلى على جنازة وجلس قبل أن توضع، وذاك خاص بمن مرت عليه جنازة فلم يقم، والله أعلم
[ ٨ / ٢٩ ]
فصل منه في القيام لجنازة الكافر
(٢٢٣) عن عبد الله بن عمر بن العاص ﵄ أنه سأل رجل رسول الله ﷺ وعلى آله وصحبه وسلم، فقال يا رسول الله تمر بنا جنازة الكافر أفنقوم لها؟ قال نعم قوموا لها، فإنكم لستم تقومون لها، وإنما تقومون إعظاما للذي يقبض النفوس.
(٢٢٤) حدثنا عبدالله أبي ثنا عبد الرزاق أنا ابن جريح أخبرنا ابو الزبير أنه سمع جابر بن عبد الله يقول قام النبي ﷺ لجنازة مرت به حتى توارت قال فأخبرني أبو الزبير أيضا أنه سمع جابر بن عبد الله يقول قام النبي ﷺ وأصحابه لجنازة يهودي حتى توارت.
(٢٢٥) عن جابر بن عبد الله ﵄ مرت بنا جنازة
_________________
(١) عن عبد الله بن عمرو بن العاص (سنده) حدثنا عبدالله حدثني أبي ثنا أبو عبد الرحمن الحبلي عن عبدالله بن عمرة - الحديث" (غريبه) (١) المعنى أنكم لا تقومون إعظاما للجنازة، وإنما تقومون إعظاما لله ﷿ الذي قهر الخلق بقبض أرواحهم وصيرهم جثة هامدة بعد أن كانوا أحياء، فالقيام عند رؤية الجنازة سواء كانت جنازة مسلم أو يهودي أو نصراني أو غير ذلك مذكر بعظمة الله تعالى وقهره، منبه للإنسان من الغفلة والاغترار بالدنيا (تخريجه) (حب. ك) وقال صحيح الإسناد ولم يخرجاه (قلت) وأقره الذهبي، وأورده الهيثمي وقال رواه أحمد والبزار والطبراني في الكبير، ورجال أحمد ثقات
(٢) حدثنا عبد الله (غريبه) (٢) أي اختفت، وقوله "قال فأخبرني" القائل فأخبرني هو ابن جريح يريد أن أبا الزبير أخبره بالروايتين عن جابر، ويستفاد من الرواية الثانية أنه ﷺ قام مع أصحابه لجنازة يهودي (تخريجه) (ق. هق. طح)
(٣) عن جابر بن عبدالله (سنده) حدثنا عبدالله حدثني ابي ثنا يحيى عن هشام (ح) وعبد الوهاب الخفاف ثنا هشام عن يحيى بن أبي كثير عن عبيد بن مقسم\
[ ٨ / ٣٠ ]
فقام لها رسول الله ﷺ وقمنا معه، فقلت يا رسول الله إنه جنازة يهودي قال إن الموت فزع فإذا رأيتم الجنازة فقوموا (وعنه من طريق ثان) قال كنا مع رسول الله ﷺ وقمنا معه فذهبنا لنحملها إذا هي جنازة يهودية فقلنا يا رسول الله إنها جنازة يهودية قال إن للموت فزعا، فإذا رايتم الجنازة فقوموا لها
(٢٢٦) عن ابي هريرة ﵁ قال مر على رسول الله ﷺ
_________________
(١) عن جابر - الحديث (غريبه) (١) قال القرطبي معناه إن الموت يفزع منه إشارة إلى استعظامه، ومقصود الحديث لا يستمر الإنسان على الغفلة بعد رؤية الموت لما يشعر ذلك من التساهل بأمر الموت، فم ثم استوى فيه كون الميت مسلما أو غير ذلك، وقال غيره جعل نفس الموت فزعا مبالغا كما يقال رجل عدل (قال البيضاوي) هو مصدر جري مجري الوصف للمبالغة أو فيه تقدير، أي الموت ذو فزع أهـ. (قال الحافظ) ويؤيده الثاني رواية ابي سلمة عن ابي هريرة بلفظ "إن للموت فزعا) أخرجه ابن ماجه، وعن ابن عباس مثله عند البزار قال، وفيه تنبيه على أن تلك الحالة ينبغي لمن رآها أن يقلق من أجلها ويضطرب ولا يظهر منه عدم الاحتفال والمبالاة (٢) (سنده) حدثنا عبدالله حدثتي أبي حدثنا أبو المغيرة حدثنا الأوزاعي حدثني يحيى بن ابي كثير حدثني عبيد الله بن مقسم حدثني جابر بن عبد الله قال كنا مع رسول الله ﷺ - الحديث (٣) أي فلم نحنل فيها وإذا للمفاجأة، وفي رواية للأمام أحمد ايضا (فإذا هي يهودي أو يهودية" بالشك من الراوي، وعند أبي داود "إذ هي جنازة يهودي (تخريجه) (ق. د. نس. هق. طح) وأخرجه الحاكم من حديث أنس مرفوعا ولفظه "إن جنازة يهودي مرت برسول الله ﷺ فقام، فقالوا يا رسول الله إنها جنازة يهودي، فقال إنما قمت للملائكة" (قال الحاكم) هذا حديث على شرط مسلم ولم يخرجاه بهذا اللفظ غير أنهما قد اتفقا على حديث عبدالله بن مقسم عن جابر في القيام لجنازة اليهودي (قلت) وأقره الذهبي
(٢) عن أبي هريرة (سنده) حدثنا عبدالله حدثني أبي ثنا محمد بن بشرتنا محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة ﵁ قال مر على رسول الله ﷺ
[ ٨ / ٣١ ]
بجنازة فقال قوموا فإن للموت فزعا (وعنه من طريق ثان) أن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم مرت به جنازة يهودي، فقام فقيل له يا رسول الله إنها جنازة يهودي\ن فقال إن للموت فزعا.
(٢٢٧) عن أبي ليلى أن سهل بن حنيف وقيس بن سعد كانا قاعدين بالقادسية فمروا بجنازة فقاما فقيل إنما هو من أهل الأرض فقالا إن رسول الله ﷺ مروا عليه بجنازة فقام فقيل له إنه يهودي فقال أليست نفسا.
(٢٢٨) عن خارجة بن زيد عن عمه يزيد بن ثابت ﵁ أنه
_________________
(١) - الحديث (غريبه) (١) أي تعظيما لهول الموت وفزعه لا تعظيما للميت، فلا يختص القيام بميت دون ميت، بل كل الناس فيه سواء مسلمهم وكافرهم، كما يستفاد من الطريق الثانية حيث قيل له يا رسول الله إنها جنازة يهودي، فقال إن للموت فزعا (٢) (سنده) حدثنا عبدالله حدثني أبي ثنا عفان ثنا حماد بن سلمة عن محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ مرت به جنازة - الحديث" (تخريجه) (جه) بدون ذكر اليهودي، وقال البوصيري في زوائد ابن ماجه إسناده صحيح ورجاله ثقات، وروى نحوه البزار من حديث ابن عباس (وقال) فيه تنبيه على أن تلك الحالة ينبغي لمن رآها أن يقلق من أجلها ويضطرب ولا يظهر منه عدم الاحتفال والمبالاة.
(٢) عن أبن أبي ليلى (سنده) حدثنا عبدالله حدثني أبي ثنا يحيى بن سعيد عن شعيبة ومحمد بن جعفر ثنا شعبة عن عمرو بن مرة على ابن أبي ليلى- الحديث" (غريبه) (٣) بالقاف وكسر الدال والسين المهملتين وتشديد التحتية، مدينة صغيرة ذات نخل ومياه بينها وبين الكوفة مرحلتان أو خمسة عشر فرسخا في طريق الحاج، وبها كانت وقعة القادسية في أيام عمر بن الخطاب ﵁ (٤) أي من أهل الذمة كما فسر بذلك في رواية البخاري، والمعنى أنهم من أهل الجزية المقربين بأرضهم، لأن المسلمين لما فتحوا البلاد أقر وهم على عمل الأرض وحمل الخراج (٥) أي ليست نفعا ماتت فالقيام لها لأجل صعوبة الموت وتذكره لا لذات الميت فكأنه إذا قام كان أشد لتذكرة، قاله ابن بطال (قلت) وفيه تعظيم الله الذي خلق الموت، فقوله هنا أليست نفسا لا ينافي التعليل بالفزع في الحديث السابق، لأن ذلك كله يرجع إلى تعظيم الله ﷿ (تخريجه) (ق. نس. هق. ش)
(٣) عن خارجة بن يزيد (سنده) حدثنا عبدالله حدثني أبي ثنا ابن نمير
[ ٨ / ٣٢ ]
كان جالسا مع النبي ﷺ في أصحابه فطلعت جنازة، فلما رآها رسول الله ﷺ ثار وثار أصحابه معه فلم يزالوا قياما حتى نفذت قال والله ما أدري من تأذ بها أو من تضايق المكان ولا أحسبها إلا يهوديا أو يهودية، وما سألنا عن قيامه صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم
_________________
(١) عن عثمان يعني ابن حكيم عن خارجة بن زيد - الحديث (غريبه) (١) أي نهضوا قياما مسرعين (٢) أي مضت (٣) أي يريحها كما في بعض الروايات، وستأتي من حديث الحسن في الباب التالي (٤) أي الجنازة، وقوله يهوديا الخ أي جنازة يهودي أو يهودية (وقوله وما سألنا عن قيامه) أي عن سبب قيامه، والسبب معلوم من الأحاديث المتقدمة وهو تعظيم الله ﷿ وتذكر الموت لا تعظيم الجنازة (تخريجه) (نس. ش) وسنده جيد (زوائد الباب) عن أنس بن مالك ﵁ أن جنازة مرت برسول الله ﷺ فقام فقيل إنها جنازة يهودي، فقال إنما قمنا للملائكة (نس. ك) ورجاله رجال الصحيح (وعن جعفر عن أبيه) قال كان الحسن بن علي ﵄ جالسا مر عليه بجنازة يهودي فقام، ثم قال مر بجنازة يهودي وكان رسول الله ﷺ على طريقها جالسا فكره أن يعلوا رأسه جنازة يهودي فقام (نس. ش) (وعن ابن أبي ليلى) أن أبا موسى وأبا مسعود مرت بهما جنازة فقاما (ش) وسنده جيد (وعن الوليد بن المهاجر) قال رأيت الشعبي مرت به جنازة فقام (ش) (وعن ابن عباس) ﵄ أن النبي ﷺ مرت به جنازة فقام فقيل له، فقال إن الموت فزع (بز) وفيه قيس بن الربيع الأسدي وفيه كلام (وعن ابن عمر ﵄) قال رأيت رسول الله ﷺ قام لجنازة يهودي مرت عليه (طب) وفيه أبو يحيى القتات وفيه كلام (قال الجاحظ) في التقريب أبو يحيى القتات بقاف ومثناه مثقلة آخره مثناة أيضا الكوفي اسمه ذاذان، وقيل دينار، وقيل مسلم، وقيل يزيد وقيل زبان وقيل عبد الرحمن، لين الحديث من السادسة (وعن عائشة ﵂) قالت إنما قام رسول الله ﷺ في جنازة يهودي مر عليه (بز) وإسناده حسن (الأحكام) أحاديث الباب فيها النهي عن جلوس الماشي مع الجنازة حتى توضع على الأرض (وفيها) الأمر بأن من مرت به جنازة وهو جالس فليقم حتى تجاوزه سواء أكانت جنازة مسلم أم كافر (وقد اختلف العلماء) في ذلك، فذهب إلى استحباب عدم جلوس الماشي معها حتى توضع، الاوزاعي واسحاق وأحمد ومحمد بن الحسن، حكى ذلك عنهم القاضي عياض،
[ ٨ / ٣٣ ]
(٤) باب من قال بنسخ القيام للجنازة
(٢٢٩) عن ليث عن أبي بردة بن ابي موسى الأشعري ﵁ عن النبي ﷺ قال إذا مرت بكم جنازة فإن كان مسلما أو يهوديا أو نصرانيا فقوموا لها، فإنه ليس لها نقوم، ولكن نقوم لمن معها من الملائكة، قال ليث فذكرت هذا الحديث لمجاهد، فقال حدثني عبدالله بن سخبرة
_________________
(١) ونقله ابن المنذر عن أكثر الصحابة والتابعين، قالوا والنسخ إنما هو في قيام من مرت به لا في قيام من شيعها، وحكى الحافظ عن الشعبي والنخعي أنه يكره القيام قبل أن توضع، (وذهب بعض السلف) إلى وجوب القيام لما في أحاديث الباب من النهي عن الجلوس قبل وضعها وهو حقيقة للتحريم، وترك الحرام واجب (قال القاضي عياض) واختلفوا في القيام على القبر حتى تدفن، فكرهه قوم وعمل به آخرون، وروى ذلك عن عثمان وعلي وابن عمر وغيرهم ﵃ أهـ (واختلفوا أيضا) فيمن مرت به جنازة وهو جالس هل يقوم أم لا؟ فذهب الأمام أحمد وإسحق وابن حبيب وابن الماجشون المالكيان إلى أن القيام للجنازة لم ينسخ والقعود منه ﷺ كما في الحديث على الآتي في الباب التالي إنما هو لبيان الجواز، فمن جلس فهو في سعة، من قام فله أجر، وكذا قال ابن حزم إن قعوده ﷺ بعد أمره بالقيام يدل على أن الأمر للندب ولا يجوز أن يكون نسخا (وقال النووي) المختار أنه مستحب، وبه قال المتولي وصاحب المهذب من الشافعية، وممن ذهب إلى استحباب القيام ابن عمر وابن مسعود وقيس بن سعد وسهل بن حنيف كما يدل على ذلك رواياتهم المذكورة في الباب (وقال مالك وأبو حنيفة والشافعي) إن القيام منسوخ بحديث على الآتي (قال الشافعي) ﵀ إما أن يكون القيام منسوخا أو يكون لعلة، وأيهما كان فقد ثبت أنه تركه بعد فعله، والحجة في الآخر من أمره والقعود أحب إلي، حكاه الحافظ وسيأتي تحقيق ما إذا كانت أحاديث القيام منسوخة أم لا في أحكام الباب التالي إن شاء الله، والله الموفق
(٢) عن ليث عن أبي بردة (سنده) حدثنا عبدالله حدثني أبي ثنا أبو النضر قال ثنا أبو معاوية يعني شيبان عن ليث عن أبي بردة بن أبي موسى الأشعري - الحديث" (غريبه) (١) هو ابن أبي سليم، وستأتي ترجمته في تخريج هذا الحديث
[ ٨ / ٣٤ ]
الأزدي قال إنا لجلوس مع علي ﵁ ننتظر جنازة إذ مرت بنا أخرى فقمنا، فقال علي ﵁ ما يقيمكم، فقلنا هذا ما تأتونا به يا أصحاب محمد قال وما ذاك؟ قلت زعم أبو موسى أن رسول الله ﷺ قال إذا مرت بكم فإن كان مسلما أو يهوديا أو نصرانيا فقوموا لها فإنه ليس لها نقوم، ولكن نقوم لمن معها من الملائكة، فقال علي ﵁ ما فعلها رسول الله ﷺ قط غير مرة برجل من اليهود وكانوا أهل كتاب وكان يتشبه بهم فإذا نهى انتهى فما عاد لها بعد.
(٢٣٠) عن أبي معمر قال كنا مع علي ﵁ فمر جنازة فقام لها ناس فقال علي ﵁ من أفتاكم هذا؟ فقالوا أبو موسى فقال إنما فعل ذلك رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم مرة فكان
_________________
(١) أي هذا القيام الذي تراه منا ما عرفناه إلا منكم وما نقلناه إلا عنكم لأنكم أصحاب رسول الله ﷺ وأعرف الناس بفعله وبكم نقتدي (٢) تشبه النبي ﷺ بأهل الكتاب إنما كان في الأمور المستحسنة التي لم ينزل عليه بها وحي، فكان يتشبه بهم فيها لأنهم أهل كتاب ومصدرها من عند الله ﷿ "فإذا نهى انتهى" يعني فلما نهاه الله ﷿ عن ذلك انتهى فما عاد لها بعد النهي (تخريجه) روى البيهقي وابن أبي شيبة منه حديث أبي موسى، وروى الباقي منه الطحاوي، ورواه الحازمي في الاعتبار بطوله، وأورده الهيثمي بطوله، وقال حديث علي رواه النسائي باختصار "يعني ما ذكره علي ضمن هذا الحديث" ثم قال رواه أحمد "يعني حديث الباب" وفيه ليث بن ابي سليم وهو ثقة ولكنه مدلس أهـ (قلت) قال في الخلاصة ليث بن أبي سليم القرشي الكوفي أحد العلماء والنساك عن عكرمة وغيره وعنه معمر وشعبة والثوري وخلق، قال أحمد مضطرب الحديث، وقال الفضيل بن عياض ليث أعلم أهل الكوفة بالمناسك، وقال الدارقطني إنما أنكروا عليه الجمع بين عطاء وطاوس ومجاهد، قال مطين مات سنة ثلاث وأربعين ومائة. قرنه مسلم بآخر أهـ
(٢) عن ابي معمر (سنده) حدثنا عبدالله حدثني أبي ثنا عبد الرزاق
[ ٨ / ٣٥ ]
يتشبه بأهل الكتاب، لما نهي انتهى
(٢٣١) عن واقد بن عمرة بن سعد بن معاذ قال شهدت جنازة في بني سلمة فقمت فقال لي نافع بن جبير اجلس فإني سأخبرك في هذا بثبت حدثني مسعود بن الحكم الزرقي أنه سمع علي بن ابي طالب ﵁ برحبة الكوفة وهو يقول كان رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم أمرنا بالقيام في الجنازة، ثم جلس بعد ذلك وأمرنا بالجلوس.
(٢٣٢) عن يزيد يعني بن إبراهيم وهو التستري انبأنا محمد نبئت أن جنازة مرت على الحسن بن علي وابن عباس ﵃ فقام الحسن وقعد ابن عباس، فقال الحسن لابن عباس ألم تر إلى النبي صلى الله عليه
_________________
(١) أخبرنا سفيان عن ليث عن مجاهد عن أبي معمر - الحديث" (تخريجه) (ش) وفي إسناده عند الإمام أحمد ليث بن أبي سليم، وتقدم الكلام عليه في تخريج الحديث السابق وسنده عن ابن أبي شيبة جيد.
(٢) عن واقد بن عمرو (سنده) حدثنا عبدالله حدثني أبي ثنا إسماعيل ابن إبراهيم عن محمد بن عمرو وقال حدثني واقد بن عمرو - الحديث" (غريبه) (١) بكسر اللام قبيلة من الأنصار (٢) بفتح الثاء المثلثة والباء الموحدة كسبب اي بحجة، تقول لا أحكم بكذا إلا بثبت بفتح الباء أي حجة (٣) أي رحبة مسجد الكوفة، وأصل الرحبة المكان الواسع ورحبة المسجد ساحته (تخريجه) أخرجه ابن حبان بلفظ حديث الباب والبيهقي بلفظ "ثم قعد بعد ذلك وأمرهم بالقعود" ومسلم بلفظ "رأينا رسول الله ﷺ قام فقمنا وقعد فقعدنا يعني في الجنازة" وله في أخرى "أن رسول الله ﷺ قام ثم قعد" وأبو داود والترمذي والنسائي بنحوها مقتصرين إلى قوله "ثم قعد" (والشافعي) في مسنده بلفظ "كان يقوم في ال جنائز ثم جلس" وابن ماجه بلفظ "قام رسول الله ﷺ فقمنا حتى جلس فجلسنا" وأسانيدهم جميعا جيدة.
(٣) عن يزيد بن إبراهيم (سنده) حدثنا عبدالله حدثني أبي ثنا عفان ثنا يزيد يعني ابن إبراهيم وهو التستري- الحديث" (غريبه) (٤) هو ابن سيرين
[ ٨ / ٣٦ ]
وعلى آله وصحبه وسلم مرت به جنازة فقام، فقال ابن عباس بلى وقد جلس، فلم ينكر الحسن ما قال ابن عباس ﵃
(٢٣٣) عن الحسن بن علي ﵄ أنه مر بهم جنازة فقام القوم ولم يقم، فقال الحسن ما صنعتم؟ إنما قام رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تأذيا يريح اليهودي.
(٢٣٤) عن حسين وابن عباس أو عن أحدهما (﵄) أنه قال إنما قال إنما قام رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم من أجل جنازة
_________________
(١) (تخريجه) (نس. هق. ش) وأشار إليه الترمزي ورجاله ثقات
(٢) عن الحسن بن علي (سنده) حدثنا عبدالله حدثني أبي ثنا عفان أنا حماد عن الحجاج بن أرطأة عن محمد بن علي عن الحسن بن علي ﵄ - الحديث" (غريبه) (١) زاد الطبراني من حديث عبدالله بن عياش (بالتحتانية والمعجمة) فأذاه ريح بخورها (وللطبراني والبيهقي) من وجه آخر عن الحسن كراهية أن تعلو رأسه، وهذا التعليل لا يعارض التلعيل الذي مر في الأحاديث السابقة من قوله ﷺ في حديث عبدالله بن عمرو "إنما تقومون إعظاما للذي يقبض النفوس" وفي حديث جابر "إن ابن سعد "أليست نفسا" وفي حديث أنس عند الحاكم وغيره "إنما قمنا للملائكة" وفي حديث عبدالله بن عمرو عند ابن حبان "إنما تقومون إعظاما لله الذي يقبض الأرواح" لأن التعليل هنا راجع إلى فهمه الراوي، والتعليل الماضي صريح من لفظ النبي ﷺ فكأن الراوي هنا لم يسمع التصريح بالتعليل منه ﷺ فعلل باجتهاده، وبعضهم تردد في التعليل كما في حديث يزيد بن ثابت "قال والله ما أدري من تأه بها أو من تضايق المكان" فالتعليل هناك أوضح قبلا وأصح دليلا (تخريجه) (ط) وفيه الحجاج بن ارطأة مختلف فيه، ورواه (أنس. هق. طب) من وجه آخر فيه "كراهية أن تعلو رأسه" بدل قوله تأذيا بريح اليهودي.
(٣) عن حسين وابن عباس (سنده) حدثنا عبدالله حدثني أبي ثنا عبد الرزاق أنبأنا ابن جريح قال سمعت محمد بن علي بزعم عن حسين وابن عباس أو عن
[ ٨ / ٣٧ ]
يهودي مر بها عليه فقال أذاني ريحها
_________________
(١) أحدهما - الحديث (تخريجه) أورده الهيثمي وقال رواه أحمد والطبراني في الأوسط بنحوه ورجاله رجال الصحيح (زوائد الباب) (عن عبادة بن الصامت) ﵁ قال "كان رسول الله ﷺ يقوم في الجنازة حتى توضع في اللحد فمر به خبر من اليهود فقال هكذا نفعل، فجلس النبي ﷺ وقال اجلسوا خالفوهم (د. جه. بز. هق. طح. مذ) وقال حديث غريب (وعن زيد بن وهب) قال تذاكرنا القيام عند الجنازة عند علي فقال أبو محمود ما زلنا نفعله، فقال علي صدقت ذاك وأنتم يهود (طب) قال الهيثمي اسناده حسن (وعن أبي اسحق) قال كان أصحاب علي وأصحاب عبدالله لم يقوموا للجنائز إذا مرت بهم (ش) (وعن ليث) قال كان عطاء ومجاهد يريان الجنازة لا يقومان لها (ش) (الأحكام) أحاديث الباب منها ما يدل على جواز ترك القيام للجنازة (ومنها) ما يدل على نسخه (أي وجوب تركه) وليس فيها ما يدل على النسخ صراحة إلا حديث علي ﵁ الثالث من أحاديث الباب، حديث عبادة بن الصامت من الزوائد "أما حديث علي ﵁" فهو صحيح، رواه البيهقي وابن حبان وفيه "ثم جلس بعد ذلك وأمرتا بالجلوس" فهو صريح في النسخ، لكن رواه الأمام مالك ومسلم وأبو داود والترمذي بسند أصح إلى قوله ثم قعد (وعند مالك) ورواية لمسلم "ثم جاس" بدون الزيادة التي جاءت في حديث الباب وهي قوله "وأمرنا بالجلوس" وهو بدون الزيادة لا يدل على النسخ (وأما حديث عبادة) فقد رواه أبو داود والترمذي وابن ماجه والبزار، وفي اسناده بشر بن رافع كما قال الترمذي (وقال البزار) تفرد به بشر وهو لين (قال الترمذي) حديث عبادة غريب، قال أبو بكر الهمداني لو صح لكان صريحا في النسخ غير أن حديث ابي سعيد أصح وأثبت فلا يقاومه هذا الإسناد أهـ (قلت) حديث ابي سعيد تقدم في أول الباب السابق مرفوعا بلفظ "إذا رأيتم الجنازة فقوموا لها فمن اتبعها فلا يقعد حتى توضع " رواه الشيخان والثلاثة وغيرهم (لهذا اختلفت أنظار العلماء) فذهب قوم إلى أن القيام للجنازة لم ينسخ، وتقدم ذكرهم في أحكام الباب السابق وحملوا أحاديث الباب على بيان الجواز، وأن قعوده ﷺ بعد أمره بالقيام يدل على أن الأمر للندب ولا يجوز أن يكون ناسخا، وأجابوا عن حديث عبادة وإن كانوا صريحا في النسخ بأنه ضعيف لا يجوز أن يستند في نسخ تلك الثنة الثابتة بالأحاديث الصحيحة من طريق جماعة من الصحابة إلى مثله، بل المتحتم الأخذ بها واعتقاده مشروعيتها حتى يصح ناسخ صحيح
[ ٨ / ٣٨ ]
.
_________________
(١) ولا يكون إلا بأمر بالجلوس أو نهي عن القيام أو أخبار من الشارع بأن تلك السنة منسوخة بكذا (وأجابوا عن حديث علي ﵁) بأن اقتصار جمهور المخرجين له وحفاظهم على مجرد القعود بدون ذكر زيادة الأمر بالجلوس مما يوجب عدم الاطمئنان والتمسك بها في النسخ لما هو من الصحة في الغاية، لا سيما بعد أن شد من عضدها عمل جماعة من الصحابة بها يبعد ك البعد أن يخفي على مثلهم الناسخ، ووقوع ذلك منهم بعد عصر النبوة "ويمكن الجواب على ذلك" بأن اقتصار جمهور المخرجين على مجرد ذكر القعود لا ينافي صحة الزيادة، فقد خرجها غيرهم من طرق مختلفة، وزيادة الثقة مقبولة، وبأ، الأمر بالجلوس لا يعارض بفعل القيام من بعض الصحابة بعد أيام النبوة، لا سيما وقد تركه بعض الصحابة أيضا عملا بالأمر بالجلوس، ومن علم حجة علي من لم يعلم، وحديث عبادة وإن كان ضعيفا فهو لا يقصر عن كونه شاهدا لحديث الأمر بالجلوس (وذهب آخرون) إلى أن الأمر بالقيام منسوخ (قال الحازمي في الاعتبار) وقال أكثرهم أهل العلم ليس على أحد القيام للجنازة، روينا ذلك عن علي بن أبي طالب والحسن بن علي وعلقمة والأسود والنخعي ونافع بن جبير وفعلة سعيد المسيب، وبه قال عروة بن الزبير ومالك وأهل الحجاز والشافعي وأصحابه، وذهبوا إلى أن الأمر بالقيام منسوخ وتمسكوا في ذلك بأحاديث، ذكر الحازمي منها حديث علي "أن رسول الله ﷺ كان يقوم في الجنائز ثم جلس بعد" وقال هذا حديث صحيح أخرجه مسلم في الصحيح من حديث ليث بن سعد عن يحيى بن سعيد (ومنها) حديث علي الثالث من أحاديث الباب (منها) حديث أبي معمر الثاني من أحاديث الباب وفيه "فلما نسخ ذلك ونهى عنه انتهى" ولفظ النسخ ليس موجودا في رواية الإمام أحمد (ومنها) حديث ليث الأول من أحاديث الباب، ثم قال (قال الشافعي) فقد جاء عن النبي ﷺ تركه بعد فعله والحجة في الآخر من أمر رسول الله ﷺ إن كان الأول واجبا فالآخر من أمره ناسخ. وإن كان استحبابا فالآخر هو الاستحباب، وإن كان مباحا فلا بأس بالقيام والقعود، فالقعود أولى لأنه الآخر من فعله أهـ، وروى الترمذي حديث فقال حدثنا قتيبة قال الليث بن سعد عن يحيى بن سعيد عن واقد وهو ابن عمرو بن سعد بن معاذ عن نافع بن جبير عن مسعود بن الحكم عن علي بن أبي طالب ﵁ أنه ذكر القيام في الجنازة حتى توضع فقال علي قام رسول الله ﷺ ثم قعد (قال الترمذي) حديث علي حسن صحيح وفيه رواية أربعة م التابعين بعضهم من بعض، والعمل على هذا عند بعض أهل العلم (قال الشافعي) وهذا أصح شيء في هذا الباب، وهذا الحديث ناسخ للحديث الأول (إذا رأيتم الجنازة فقوموا" وقال أحمد إن شاء قام وإن شاء لم يقم
[ ٨ / ٣٩ ]
(٥) باب ثناء الناس على الميت وشهادتهم
(٢٣٥) عن أنس (بن مالك ﵁) قال مروا بجنازة فأثنوا عليها خيرا فقال النبي ﷺ وجبت وجبت وجبت، فقال عمر فداك أبي وأمي مر بجنازة فأثنى عليها خيرا فقلت وجبت وجبت وجبت ومر بجنازة فأثنى عليها شرا فقلت وجبت وجبت وجبت، فقال من أثنيتم عليه خيرا
_________________
(١) واحتج بأن النبي ﷺ قد روي عنه أنه قام ثم قعد وهكذا قال اسحق بن إبراهيم، ومعني قول علي "قام النبي ﷺ في الجنازة ثم قعد" يقول كان النبي ﷺ يقوم إذا رأى الجنازة ثم ترك ذلك بعد فكان لا يقوم إذا رأى الجنازة أهـ. والله أعلم.
(٢) عن أنس بن مالك (سنده) حدثنا عبدالله حدثني أبي ثنا إسماعيل ثنا عبد العزيز عن أنس - الحديث" (غريبه) (١) بين الحاكم ما أثنوا عليه به على الميت من رواية النضر بن أنس قال (فقالوا كان يحب الله ورسوله ويعمل بطاعة الله ويسعى فيها) وله أيضا من حديث جابر فقال بعضهم لنعم المرء لقد كان عفيفا مسلما، وفي الجنازة الأخرى فقال بعضهم بئس المرء إنه كان لفظا غليظا (٢) أي وجبت له الجنة كما سيأتي في آخر الحديث وكرره ثلاث مرات للتوكيد ومثله في صحيح مسلم (قال النووي) في شرحه هكذا وقع هذا الحديث في الأصول، وجبت وجبت وجبت ثلاث في المواضع الأربعة وأنتم شهداء الله في الأرض ثلاث مرات، قال وفيه استحباب توكيد الكلام المتهم بتكراره ليحفظ وليكون أبلغ (٣) استعمال الثناء في الشر لغة شاذة لكنه استعمل هنا للمشاكلة لقوله فأثنوا عليها خيرا، وإنما مكنوا من الثناء بالشر مع الحديث الصحيح في النهي عن سب الأموات، رواه الإمام أحمد والبخاري والنسائي عن عائشة بلفظ "لا تسبوا الأموات فإنهم قد أفضوا إلى ما قدموا" (وسيأتي في باب النهي عن سب الأموات) لأن النهي عن سبهم إنما هو في حق غير المنافقين والكفار وغير المتظاهرين بالفسق والبدعة، أما هؤلاء يحرم سبهم للتحذير من طريقتهم ومن الاقتداء بآثارهم والتخلق بأخلاقهم، وقد بين الحاكم في روايته التي أشرنا إليها سابقا ما أثنوا به عليه من الشر قال، فقالوا " كان يبغض الله ورسوله ويعمل بمعصية الله ويسعى فيها" وهي تؤبد أن الميت كان منافقا لأنه لا يبغض الله ورسوله إلا منافق كافر (٤) هكذا بالأصل خيرا بالنصب
[ ٨ / ٤٠ ]
وجبت له الجنة ومن أثنيتم عليه شرا وجبت له النار، أنتم شهداء الله في الأرض، أنتم شهداء الله في الأرض، أنتم شهداء الله في الأرض.
(٢٣٦) وعن أبي هريرة ﵁ عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم نحوه، وفيه فأثنوا عليها خيرا في مناقب الخير (وقال في الأخرى) فأثنوا عليها شرا في مناقب الشر فقال وجبت، ثم
_________________
(١) وكذلك شرا الآتي بعده، ومثله في البخاري ومسلم (قال الحافظ) كذا في جميع الأصول خيرا بالنصب وكذا شرا، وقد غلط من ضبط أثنى بفتح الهمزة على البناء للفاعل فإنه في جميع الأصول مبني للمفعول (قال ابن التين) والصواب الرفع، وفي نصبه بعد في اللسان، ووجهه غيره بأن الجار والمجرور أقيم مقام المفعول الأول، وخيرا مقام الثاني وهو جائز، وإن كان المشهور عكسه، وقال النووي هو منصوب بنزع الخافض، أي أثنى عليها بخير أهـ (١) فيه بيان لأن المراد بقوله وجبت أي الجنة لذي الخير والنار لذي الشر، والمراد بالوجوب الثبوت إذ هو في صحة الوقوع كالشيء الواجب، والأصل أنه لا يجب على الله شيء، بل الثواب فضله والعقاب عدله، لا يسئل عما يفعل، أفاده الحافظ (٢) تقدم الكلام على فائدة تكرار اللفظ، والمخاطبون بذلك هم الصحابة رضوان الله عليهم ومن كان على صفتهم من المؤمنين، وحكي ابن التين أن ذلك مخصوص بالصحابة لأنهم كانوا ينطقون بالحكمة بخلاف من بعدهم، قال والصواب أن ذلك يختص بالثقات والمتقين أهـ (قلت) هذا التخصيص يرده ما جاء عاما في قوله ﷺ "المؤمنون شهداء الله في الأرض" رواه البخاري في الشهادات، وما رواه أبو داوود والإمام أحمد، وسيأتي في هذا الباب "أنتم شهداء الله بعضكم على بعض" ولفظ أبي داود "إن بعضكم على بعض شهيد" وسيأتي تحقيق ذلك في الأحكام (تخريجه) (ق. نس. هق)
(٢) عن أبي هريرة (سنده) حدثنا عبدالله حدثني أبي ثنا يعلى ويزيد قالا أنا محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة قال مرت على رسول الله ﷺ قال يزيد مروا على رسول الله ﷺ بجنازة فأثنوا عليها خيرا - الحديث" (غريبه) (٣) أي خيرا معدودا في مناقب الخير (٤) جاء التصريح بما قالوه في الشر عند الطبراني في الكبير م حديث كعب بن عجرة قال شهدت مع رسول الله ﷺ مجلسين، أما أحدهما فأتي بجنازة
[ ٨ / ٤١ ]
قال إنكم شهداء الله في الأرض
(٢٣٧) عن عبدالله بن بريدة قال جلس عمر ﵁ مجلسا كان رسول الله ﷺ بجلسة تمر عليه الجنائز، قال فمروا بجنازة فأثنوا خيرا فقال وجبت، ثم مروا بجنازة فأثنوا خيرا فقال وجبت، ثم مروا بجنازة فقالوا خيرا، فقال وجبت، ثم مروا بجنازة فقالوا هذا كان أكذب الناس فقال أكذب الناس أكذبهم على الله ثم الذين يلونهم من كذب على روحه في جسده، قال قالوا أرأيت إذا شهد أربعة؟ قال وجبت قالوا ثلاثة؟ قال وجبت، قالوا اثنان؟ قال وجبت، ولأن أكون قلت واحدا أحب إلي من حمر النعم قال فقيل لعمر هذا شيء تقوله برأيك أم شيء سمعته من
_________________
(١) فقيل هذا فلان بئس الرجل وأثنى عليه شرا - الحديث" سيأتي في الزوائد كاملا (١) لفظ أبي داود "إن بعضكم على بعض شهيد" ولفظ النسائي "فقال النبي ﷺ الملائكة شهداء الله في السماء وأنتم شهداء الله في الأرض" يعني أن الله ﷿ يقبل شهادة المؤمنين بعضهم على بعض ويحكم بمقتضاها، وقبل غير ذلك والله أعلم (تخريجه) (د. نس. جه. ش. هق. طب. بز) وسنده جيد ورجاله من رجال الصحيحين.
(٢) عن عبدالله بن بريدة (سنده) حدثنا عبدالله حدثني أبي ثنا وكيع ثنا عمر بن الوليد الشني عن عبدالله بن بريدة - الحديث" (غريبه) (٢) هكذا في الأصل "فقالوا خيرا" ولم يقل فأثنوا كما تقدم ولا مانع من ذلك (٣) الظاهر أنه كان من المنافقين لأنهم أكذب الناس، وقد وصفهم الله بالكذب في كتابه العزيز، وما وصفوا بذلك إلا لكثرة كذبهم وافتراءهم على الله، قاتلهم الله أني يؤفكون (٤) يعني المنافقين وأهل الشرك "ثم الذين يلونهم" أي الذي أقل منهم درجة في الكذب "من كذب على روحه في جسده" ككونه يصف نفسه بصفة ليست فيها ونحو ذلك (٥) أي وجبت له الجنة كما تقدم، ومثله من شهد له ثلاثة بل ومن شهد له اثنان (٦) يعني ولأن أكون سألت النبي ﷺ في شهادة أمر الواحد كان ذلك أحب إلي من حمر النعم، يعني الإبل الحمر التي يعز وجودها عند العرب، ولكنه ما سأله في شهادة الواحد كما يستفاد ذلك من الحديث
[ ٨ / ٤٢ ]
رسول الله ﷺ قال لا بل سمعته من رسول الله ﷺ
(٢٣٨) عن عبدالله بن بريدة عن أبي الأسود أنه قال أتيت المدينة فوافيتها وقد وقع فيها مرض فمنهم يموتون موتا ذريعا فجلست إلي عمر بن الخطاب ﵁ وجبت، ثم مر بأخرى فأثنى على صاحبها خير، فقال عمر وجبت ثم مر بالثالثة فأثنى عليها شر، فقال عمر وجبت، فقال أبو الأسود ما وجبت يا أمير المؤمنين قال قلت كما قال رسول الله ﷺ، أيما مسلم شهد له أربعة
_________________
(١) التالي وفيه قال "ثم لم نسأل عن الواحد (١) يعني أن ما قاله عمر ﵁ قال النبي ﷺ وسمعه منه عمر؛ ويؤيده الحديث الآتي بعده وهو أًصرح من هذا (تخريجه) لم أقف عليه لغير الإمام أحمد بهذا اللفظ. ويعضده حديث أبي الأسود الآتي بعده
(٢) عن عبدالله بن بريدة (سنده) حدثنا عبدالله حدثني أبي ثنا يونس بن محمد ثنا داود يعني ابن أبي الفراء عن عبدالله بن بريدة عن أبي الأسود - الحديث" (غريبه) (٢) اسمه ظالم بن عمرو بن سفيان الديلي بكسر الدال المهملة وسكون التحتية. ويقال الدؤلي بضم الدال بعدها همزة مفتوحة، وهو أول من تكلم في النحو بعد علي ﵁ (٣) أي سريعا وزنا ومعنى (٤) أي ما معنى قولك لكل منهما وجبت مع اختلاف الثناء بالخير والشر (٥) الظاهر أن قوله أيما مسلم هو المقول. فحينئذ يكون قول عمر لكل منهما وجبت قاله بناء على اعتقاده صدق الوعد المستفاد من قوله ﷺ أدخله الله الجنة؛ وأما اقتصار عمر على ذكر أحد الشقين فهو إما للاختصار وإما لإحالة السامع على القياس. والأول أظهر؛ وعرف من القصة أن الثمنى على كل من الجنائز المذكورة كان أكثر من الواحد. وكذا في قول عمر فلنا وما وجبت إشارة إلى أن السائل عن ذلك هو وغيره. وقد وقع في تفسير قوله تعالى "وكذلك جعلناكم أمة وسطا" في البقرة عند ابن أبي حاتم من حديث أبي هريرة أن أبي بن كعب سأل عن ذلك "وقوله فقلنا ثلاثة" وفيه اعبتار مفهوم الموافقة، لأنه سأله عن الثلاثة ولم يسأل عما فوق الاربعة كالخمسة مثلا. وفيه أن مفهوم العدد ليس دليلا قطعيا بل هو في مقام الاحتمال "وقوله ثم لم نسأله عن الواحد" قال فيه الزين بن المنير إنما لم يسأل عمر عن الواحد استبعادا منه أن يكتفي في مثل هذا المقام
[ ٨ / ٤٣ ]
بخير أدخله الله الجنة، قال فقلنا وثلاثة، فقال وثلاثة، قال قلنا واثنان، قال واثنان، قال ثم لم نسأله عن الواحد.
(٢٣٩) عن أبي بكر بن أبي زهير الثقفي عن أبيه ﵁ قال سمعت رسول الله ﷺ وهو يقول بالنباءة أ، النباوة شك نافع بن عمر من الطائف وهو يقول يا أيها الناس إنكم توشكون أن تعرفوا أهل الجنة من أهل النار، أ، قال خياركم من شراركم، قال فقال رجل من الناس بم يا رسول الله، قال بالثناء المسئ والثناء الحسن، وأنتم شهداء الله بعضكم على بعض.
(٢٤٠) عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ يرويه عن ربه ﷿ قال، ما من عبد مسلم يموت يشهد له ثلاثة ابيات من جيرانه
_________________
(١) العظيم بأقل من النصاب "وقال أخوه في الحاشية" فيه إيماء الاكتفاء بالتزكية بواحد كذا قال وفيه غموض. أفاده الحافظ (تخريجه) (خ. مذ. نس. ش. هق)
(٢) عن أبي بكر بن أبي عمير (سنده) حدثنا عبدالله حدثني أبي ثنا عبد الملك بن عمرو وسريج المعني قالا ثنا نافع بن عمر يعني الجمحي عن أميه بن صفوان عن أبي بكر بن أبي زهير، قال أبي كلاهما قال عن أبي بكر بن أبي زهير الثقفي عن أبيه - الحديث" (غريبه) (١) نافع بن عمر هو أحد الرواة شك هل قال بالنباءة بالهمز أو النباوة بالواو، والمشهور بالواو (قال في القاموس) والنباوة ما ارتفع من الأرض كالنبوة والنبي. وموضع بالطائف أهـ. والمعنى أنه سمع النبي ﷺ بهذا الموضع وهو مكان معروف بالطائف، يقول يا أيها الناس الخ الحديث "وقوله توشكون" أي يقرب أن تعرفوا أهل الجنة الخ (تخريجه) لم أقف عليه لغير الإمام أحمد وسنده جيده.
(٣) عن أبي هريرة (سنده) حدثنا عبدالله أبي حدثني عفان ثنا مهدي بن ميمون ثنا عبدالحميد صاحب الزيادة عن شيخ من أهل البصرة عن أبي هريرة - الحديث" (غريبه) (٢) فيه أن شهادة ثلاثة من جيران الميت من موجبات مغفرة الله تعالى، ولا يعارضه حديث أنس الآتي بعده حيث قال فيه "فليشهد له أربعة" لأنه ورد ذكر الثلاثة في حديث عمر عند البخاري وغيره والإمام أحمد. وتقدم في هذا الباب
[ ٨ / ٤٤ ]
الأدنين بخير إلا قال الله ﷿ قد قبلت شهادة عبادي على ما علموا وغفرت له ما أعلم.
(٢٤١) عن أنس بن مالك ﵁ أن النبي ﷺ قال ما من مسلم يموت فيشهد له أربعة أهل أبيات من جيرانه الأذنين إلا قال الله ﵎ قد قبلت علمكم فيه وغفرت له ما لا تعلمون.
(٢٤٢) عن أبي قتادة بن ربعي ﵁ قال مر علي النبي ﷺ بجنازة قال مستريح ومستراح منه، قالوا يا رسول الله ما المستريح
_________________
(١) أن النبي ﷺ قال "أيما مسلم شهد له أربعة بخير أدخله الله الجنة، قال فقلنا وثلاثة؟ فقال وثلاثة، قال قلنا واثنان؟ قال واثنان، قال ثم لم نسأله عن الواحد" وتقدم الكلام عليه في شره حديث أبي الأسود "وقوله أبيات" جمع بيت ويجمع بيوت أيضا؛ وليس المراد شهادة البيوت نفسها بل شهادة، أهلها فهو على حذف مضاف "أي يشهد له ثلاثة أهل أبيات" كما في حديث أنس الآتي بعده بلفظ "أربعة أهل أبيات" وخص الجيران بالذكر لأنهم أعرف الناس بالميت. وخص الأقربين منهم بقوله الأدنين مبالغة في شدة المعرفة لأن الجار القريب أعرف بأحواله من الجار البعيد. كما أن الله ﷿ قدمه في البر والإحسان بقوله عز من قائل "والجار ذي القربى والجار الجنب" (١) استدل به القائلون بقبول شهادة المسلمين للميت فيما علموا والمغفرة له وإن كان له ذنوب مستورة عنهم (تخريجه) لم أقف عليه لغير الإمام أحمد وفي إسناده رجل لم يسم. ويشهد له حديث أنس الآتي بعده.
(٢) عن أنس بن مالك (سنده) حدثنا عبدالله حدثني أبي ثنا مؤمل ثنا حماد ثنا سالم عن أنس - الحديث" (تخريجه) (حب. عل. ك) وقال هذا حديث صحيح على شروط مسلم (قلت) وأقره الذهبي.
(٣) عن ابي قتادة بن ربعي (سنده) حدثنا عبدالله حدثني أبي ثنا يحيى بن سعيد ثنا عبدالله بن سعيد يعني بن أبي هند حدثني محمد بن عمرو بن حلحلة عن ابن الكعب بن مالك عن أبي قتادة بن ربعي - الحديث" (غريبه) (٢) هكذا عند الإمام أحمد قال بدون فاء، وكذا في رواية عند البخاري، وله في أخرى بزيادة الفاء
[ ٨ / ٤٥ ]
والمستراح منه؟ قال المؤمن استراح من نصب الدنيا وأذاها إلى رحمة الله تعالى، والفاجر استراح منه العباد والبلاد والشجر والدواب
_________________
(١) في أوله وكذا لمسلم والنسائي بزيادة الفاء ايضا "وقوله مستريح ومستراح منه" قال في النهاية، يقال أراح الرجل واستراح إذا رجعت إليه نفسه بعد الإعياء أهـ. والواو في قوله ومستراح بمعنى أوفهي تنويعية، والمعنى هذا الميت أو كل ميت إما مستريح أو مستراح منه (١) زاد النسائي في رواية وهب بن معد من أوصاب الدنيا، والأوصاب جمع وصب بفتح الواو المهملة ثم موحدة وهو دوام الوجع، ويطلق أيضا على فتور البدن "والنصب" بوزنه، لكن أوله نون وهو التعب وزنه ومعناه، والأذى من عطف العام على الخاص (قال ابن التين) يحتمل أن يراد بالمؤمن من التقى خاصة، ويحتمل كل مؤمن "والفاجر" يحتمل أن يريد به الكافر؛ ويحتمل أن يدخل فيه العاصي؛ أفاده الحافظ (٢) قال النووي: وأما استراحة العباد من الفاجر معناه اندفاع أذاه عنهم؛ وأذاه يكون من وجوه، منها ظلمة لهم، ومنها ارتكابه للمنكرات فإن أنكروها قاسوا مشقة من ذلك. وربما نالهم ضرورة، وإن سكتوا عنه أثموا "واستراحة الدواب منه" كذلك لأنه كان يؤذيها ويضربها ويحملها ما لاتطيقه ويجيعها في بعض الأوقات وغير ذلك "واستراحة البلاد والشجر" فقيل لأنها تمنع القطر بمصيبته. قاله الدوادي (وقال الباجي) لأنه يغصبها ويمنعها حقها من الشرب وغيره أهـ (تخريجه) (ق. نس. قط. عل) (زوائد الباب) (عن كعب بن عجزة) ﵁ قال شهدت مع رسول الله ﷺ مجلسين، أما أحدهما فأتى جنازة، فقيل هذا فلان بئس الرجل وأثنى عليه شرا، فقال رسول الله ﷺ تعلمون ذلك؟ قالوا نعم، قال وجبت، وأما الآخر فأنى بجنازة رجل فقالوا هذا فلان وأثنوا عليه أخرا، قال تعلمون ذلك؟ قالوا نعم؛ قال وجبت، رواه الطبراني في الكبير وفيه عبد العزيز بن عبيد الله بن حمزة وهو ضعيف (وعن سلمة بن الأكوع) ﵁ قال كنا عند النبي ﷺ فأتي بجنازة فقال القوم إن كنت وإن كنت، ثم أتى بأخرى فقال القوم إن كنت لكنت وكنت، فأثنوا على واحدة خيرا والأخرى شرا، فقال رسول الله ﷺ أنتم شهداء الله في الأرض والملائكة شهداء الله في السماء؛ وفي رواية فإذا شهدتم وجبت (طب) وفي السند الأول عبد الغفار بن القاسم أبو مريم وهو ضعيف، وفي الأخرى موسى بن عبيدة وهو ضعيف، قاله الهيثمي (قلت) وأخرج الطريق الثانية ابن أبي شيبة قال حدثنا زيد بن الحباب عن موسى بن عبيدة عن إياس بن سلمة عن أبيه قال مر على النبي ﷺ
[ ٨ / ٤٦ ]
.
_________________
(١) بجنازة رجل من الأنصار فأثنى عليها خير، فقال وجبت، فقال يا رسول الله وما وجبت؟ قال الملائكة شهود الله في السماء وأنتم شهداء الله في الأرض، وموسى بن عبيدة مختلف فيه، بعضهم وثقة وبعضهم ضعفه، والله أعلم (وعن عامر بن ربيعة ﵁ قال قال رسول الله ﷺ إذا مات العبد والله يعلم منه شرا وتقول الناس، قال الله ﷿ لملائكته فقد قبلت شهادة عبادي على عبدي وغفرت له علمي فيه (بز) وفيه محمد بن عبد الرحمن العشيري وهو متروك الحديث، قال الهيثمي أيضا (وروى ابن أبي شيبة) قال حدثنا جرير عن عبدالعزيز عن خيثمة قال قال عبدالله انظروا الناس عند مضاجعهم، فإذا رأيتم العبد يموت على خير ما ترونه فأرجوا له الخير، وإن رأيتموه يموت على شر ما ترونه فخافوا عليه (الأحكام) أحاديث الباب تدل على أن من مات وشهد له اثنان فأكثر من المسلمين بالخير قبل الله شهادتهم وغفر له بسببها، وأن من شهد عليه اثنان فأكثر بالشر استحق العذاب بسببها، وقد اختلف العلماء في معنى ذلك، فقال الداودي المعتبر في ذلك شهادة أهل الفضل والصدق لا الفسقة، لأتهم قد يثنون على من يكون مثلهم، ولا من بينه وبين الميت عداوة. لأن شهادة العدو لا تقبل أهـ. ونقل الطيبي عن بضع شراح المصابيح قال ليس معنى قوله أنتم شهداء الله في الأرض أي الذي يقولونه في حق شخص يكون كذلك حتى يصير من يستحق الجنة من أهل النار بقولهم ولا العكس، بل معناه أن الذي أثنوا عليه خيرا رأوه منه كان ذلك علامة كونه من أهل الجنة وبالعكس. وتعقبه الطيبي بأن قوله وجبت بعد الثناء حكم عقب وصفا مناسبا فأشعر بالعلية، وكذا قوله أنتم شهداء الله في الأرض لأن الإضافة فيه للتشريف لأنهم بمنزلة عالية عند الله فهو كالتزكية للأمة بعد أداء شهادتهم فينبغي أن يكون لهاأثر، قال وإلى هذا يومي ثوله تعالى "وكذلك جعلناكم أمة وسطا - الآية" أهـ (وقال النووي ﵀) للعلماء في ذلك قولان (أحدهما) أن هذا الثناء بالخير لمن أثنى عليه أهل الفضل. فكان ثناؤهم مطابقا لأفعاله فيكون من أهل الجنة فإن لم يكن كذلك فليس هو مرادا بالحديث (والثاني) وهو الصحيح المختار أنه على عمومه وإطلاقه، وأن كل مسلم فألهم الله تعالى الناس أو معظمهم الثناء عليه كان ذلك دليلا على أنه من أهل الجنة سواء كانت أفعاله تقتضي ذلك أم لا، وإن لم تكن أفعاله تقتضيه فلا تحتم عليه العقوبة، بل هو في خطر المشيئة. فإذا ألهم الله ﷿ الثناء عليه استدللنا بذلك على أنه ﷾ قد شاء المغفرة له، وبهذا تظهر فائدة الثناء وقوله ﷺ "وجبت وأنتم شهداء الله" ولو كان لا ينفعه ذلك إلا أن تكون أعماله تقتضيه لم يكن للثناء فائدة، وقد أثبت النبي ﷺ له فائدة أهـ (قال الحافظ) وهذا في جانب الخير واضح
[ ٨ / ٤٧ ]
(٥) باب النهي عن سب الأموات وذكر مساوئهم
(٢٤٣) عن عائشة ﵂ أن النبي ﷺ قال لا تسبوا الأموات
_________________
(١) ويؤيده ما رواه أحمد وابن حبان والحاكم من طريق حماد بن سلمة عن ثابت عن أنس مرفوعا "ما من مسلم يموت فيشهد له أربعة من جيرانه الأدنين" فذكر حديث أنس السابع من أحاديث الباب، ثم قال ولأحمد من حديث أبي هريرة نحوه، فذكر حديث أبي هريرة السادس من أحاديث الباب، ثم قال وأما جانب الشر فظاهر الأحاديث أنه كذلك، لكن إنما يقع ذلك في حق من غلب شره على خيره، وقد وقع في رواية النضر (يعني ابن أنس عن أبيه أنس بن مالك ﵁) عند الحاكم وفيها "إن لله ملائكة تنطق على ألسنة بني آدم بما في المرء من الخير والشر" أهـ (وفيها دليل) على قبول الشهادة بالاستفاضة وأن أقل أصلها اثنان (وقال ابن العربي) فيها جواز الشهادة قبل الاستشهاد وقبولها قبل الاستفصال أهـ (وفيها) استعمال الثناء في الشر للمؤاخاة والمشاكلة وحقيقته إنما هي في الخير (وفيها دليل) على جواز ذكر المرء بما فيه من خير أو شر ولا يكون ذلك من الغيبة (وفيها) فضيلة هذه الأمة وأعمال الحكم بالظاهر، وفيها غير ذلك والله أعلم. (تنبيه) اعتاد الناس في بعض البلاد أن يقول أحدهم بعد الفراغ من الصلاة على الميت سواء أكان صالحا أم طالحا ما تشهدون فيه؟ فيقولون من أهل الخير والصلاح وإن كان من أفسق الفساق، فهذا القول من الجهتين بدعة ذميمة مخالف لما كان عليه النبي ﷺ وأصحابه، والذي كان في عصرهم أنهم كانوا يشهدون تطوعا بدون سؤال، وكانت شهادتهم على حسب ما يعلمون في الميت. أما هؤلاء فقد ابتدعوا السؤال الذي لا أصل له في الشرع ويشهدون زورا في بعض الأحيان، لأنهم لا يفرقون بين الصالح والطالح فيلحقهم الإثم، قمن أراد النجاة من ذلك فليتأس بفعل النبي ﷺ وأصحابه وليسلك سبيلهم، فالخير كله في الإتباع والشر كله في الابتداع، قال تعالى "ومن يتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيرا" وقال عز من قائل "وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه وال تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله ذلكم وصاكم به لعلكم تتقون" نسأل الله ﷾ التوفيق إلى أقوم طريق آمين.
(٢) عن عائشة ﵂ (سنده) حدثنا عبدالله حدثني أبي ثنا عبد الرحمن بن مهدي ثنا شعبة عن الأعمش عن مجاهد عن عائشة - الحديث" (غريبه) (١) كيف الجمع بين هذا ونحوه مما سيأتي في هذا الباب وبين ما جاء في أحاديث الباب السابق
[ ٨ / ٤٨ ]
فإنهم قد أفضوا إلى ما قدموا
(٢٤٤) عن المغيرة بن شعبة ﵁ قال نهى رسول الله ﷺ عن سب الأموات (وعنه من طريق ثان) قال قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم لا تسبوا الأموات فتؤذوا الأحياء.
(٢٤٥) عن ابن عباس ﵄ أن رسول الله صلى الله عليه
_________________
(١) من أنه ﷺ مر عليه بجنازة فأثنوا عليها شرا، فقال ﷺ وجبت ولم ينههم عن الثناء بالشر، وأجاب النووي يرحمه الله بأن النهي عن سب الأموات هو في غير المنافق والكافر وفي غير المتظاهر بفسق أو بدعة، فأما هؤلاء فلا يحرم ذكرهم بالشر للتحذير من طريقهم ومن الاقتداء بآثارهم والتخلق بأخلاقهم، قال والحديث الآخر محمول على أن الذي أثنوا عليه شرا كان مشهورا بنفاق أو نحوه مما ذكرنا (١) أي وصلوا إلى ما قدموا لأنفسهم من الأعمال، والمراد جزؤها اي فلا ينفع سبهم فيهم كما ينفع الحي في النهي والزجر حتى لا يقع في الهلاك (تخريجه) (خ. نس. هق)
(٢) عن المغيرة بن شعبة (سنده) حدثنا عبدالله حدثني أبي ثنا وكيع ثنا سفسان عن زياد بن علاقة عن المغيرة بن شعبة ﵁ - الحديث" (٢) "وعنه عن طريق ثان" (سنده) حدثنا عبدالله حدثني أبي ثنا أبو نعيم ثنا سفيان عن زياد قال سمعت المغيرة بن شعبة قال قال رسول الله صلى الله - الحديث" (غريبه) (٣) أي من أقاربهم وذويهم (تخريجه) أخرج الطريق الأولى منه ابن أبي شيبة بسندها ولفظها كما عند الإمام أحمد وسندها جيد (وأخرج الطريق الثانية) منه الترمذي وحسنها الحافظ السيوطي
(٣) عن ابن عباس (سنده) حدثنا عبدالله حدثني أبي حدثني حجير ابن المثنى ثنا إسرائيل عن عبد الأعلى عن ابن جبير عن ابن عباس ﵄ أن رجلا من الأنصار وقع في أب للعباس كان في الجاهلية فلطمه العباس، فجاء قومه فقالوا والله لتلطمنه كما لطمه، فلبسوا السلاح قبلغ ذلك رسول الله ﷺ فصعد المنبر، فقال أيها الناس أي أهل ال\ارض أكرم على الله؟ قالوا أنت، قال فإن العباس مني وأنا منه فلاتسبوا موتانا فتؤذوا أحيانا، فجاء القوم فقالوا يا رسول الله نعوذ بالله من غضبك
[ ٨ / ٤٩ ]
وعلى آله وصحبه وسلم قال لاتسبوا موتانا فتؤذوا أحيانا
(٢٤٦) عن قطبة بن مالك ﵁ عم زياد بن علاقة قال نال المغيرة بن شعبة من على ﵁، فقال زيد بن أرقم ﵁ قد علمت أن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم كان ينهي عن سب الموتى فلم تسب عليا وقد مات
_________________
(١) وسيأتي هذا الحديث في المتن كاملا في مناقب العباس بن عبد المطلب من كتاب المناقب إن شاء الله تعالى، وإنما ذكرت هذا الجزء منه هنا لمناسبة ترجمة الباب (تخريجه) (نس) وسنده جيد
(٢) عن قطبة بن مالك (سنده) حدثنا عبدالله حدثني أبي ثنا محمد ابن بشرتنا مسعر عن الحجاج مولي بني ثعلبة عن قطبة بن مالك - الحديث" (غريبه) (١) أي سب المغيرة بن شعبة عليا ﵁ بعد موته ولم يصرح باسم المغيرة في رواية ابن أبي شيبة ولفظه "سب أمير من الأمراء عليا" (٢) أنكر عليه زبد بن أرقم ﵁ فعله ولامه عليه، لاسيما وقد علم النهي عن ذلك م رسول الله ﷺ وفعل المنهي عنه بعد العلم بالنهي حرام لا يجوز، ولذا لم يسمع زيد بن أرقم السكوت على ذلك لأنه من باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وهو واجب. ولم يقعده عن ذلك كون المغيرة أميرا، فهكذا يكون الإيمان ﵁ (تخريجه) (نس. ش. ك) وقال هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه (قلت) وأقره الذهبي (زوائد الباب) عن عائشة ﵂ قالت ذكر عند النبي ﷺ هالك (أي ميت) بسوء، فقال لا تذكروا هلكاكم إلا بخير (نس) وسنده جيد (وعن هلاك بن يساف) عن عمر بن الخطاب ﵁ أنه خطب بمنى على جمل، فقال لا تسبوا الأموات، فإن ما يسب به الموتى فإنما يؤذي به الحي (ش) وسنده جيد (وعن عبدالله بن عمرو) ﵁ قال ساب الميت كالمشرف على الهلكة (ش) وسنده جيد (عن عائشة ﵂) قالت لا تذكروا موتاكم إلا بخير (ش) (وعن ابن مسعود) ﵁ قال أذى المؤمن في موته كأذاه حيا (ش) وسنده جيد (وعن سعيد بن زيد) ﵁ قال قال رسول الله ﷺ لا تؤذوا مسلما يشتم كافر (ك) وقال هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه (قلت)
[ ٨ / ٥٠ ]
_________________
(١) وأقره الذهبي (وعن ابن عمر) ﵄ قال قال رسول الله ﷺ اذكروا محاسن موتاكم وكفوا عن مساويهم، أورده المنذري وقال رواه أبو داود والترمذي وابن حبان في صحيحه كلهم من رواية عمران بن أنس المكي عن عطاء عنه (وقال الترمذي) حديث غريب سمعت محمد بن إسماعيل البخاري يقول عمران بن أنس منكر الحديث (قال المنذري) وتقدم حديث أم سلمة الصحيح قالت قال رسول الله ﷺ "إذا حضرتم الميت فقولوا خيرا فإن الملائكة يؤمنون على ما تقولون" أهـ (وعن مجاهد) قال قالت عائشة ﵂ ما فعل بزيد بن قيس لعنه الله؟ قالوا قد مات؛ قات فاستغفر الله، فقالوا لما مالك لعنتيه ثم قلت استغفر الله؟ قالت إن رسول الله ﷺ قال لا تسبوا الأموات فإنهم أفضوا إلى ما قدموا، رواه ابن حبان في صحيحه وصححه ورواه (خ. نس. هق) والإمام أحمد بدون ذكر القصة وتقدم أول الباب، أما قصة يزيد بن قيس فسببها أن عليا ﵁ أرسله في أيام وقعة الجمل برسالة إلى عائشة ﵂ فلم ترد عليه جوابا فبلغها أن يزيد عاب عليها ذلك فكانت تلعنه، ثم لما بلغها موته نهت عن لعنه وقالت إن رسول الله ﷺ نهانا عن سب الأموات، أخرجه عمر ابن شبه في كتاب أخبار البصرة عن مجاهد (الأحكام) أحاديث الباب تدل بظاهرها على عموم النهي عن سب الأموات مطلقا، ولكن هذا العموم مخصوص بأحاديث الباب السابق حيث قال ﷺ عند ثنائهم بالخير وبالشر وجبت، وأنتم شهداء الله في الأرض ولم ينكر عليهم، ويحتمل أن اللام في الأموات عهدية، والمراد به المسلمون، لأن الكفار مما يتقرب إلى الله بسبهم، قاله الزين بن المنير (وقال القرطبي) في الكلام على حديث وجبت يحتمل أجوبة (الأول) أن الذي كان يحدث عنه بالشر كان مستظهرا بع فيكون من باب لا غيبة في فاسق، أو كان منافقا (ثانيها) يحمل النهي على ما بعد الدفن، والجواز على ما قبله ليتعظ به من يسمعه (ثالثها) يكون النهي العام متأخرا فيكون ناسخا وهذا ضعيف (وقال ابن رشيد ما محصله) إن السب ينقسم في حق الكفار وفي حق المسلمين، أما الكافر فيمنع إذا تأذى به الحي المسلم، وأما المسلم فحيث تدعو الضرورة إلى ذلك كأن يصير من قبيل الشهادة، وقد يجب في بعض المواضع، وقد يكون فيه مصلحة للميت كمن علم أنه أخذ ماله بشهادة زور ومات الشاهد، فإن ذكر ذلك ينفع الميت إن علم أن ذلك المال يرد إلى صاحبه (قال الحافظ) والوجه عندي حمله على العموم إلا ما خصصه الدليل بل لقائل أن يمنع ما كان على جهة الشهادة وقصد التحذير لأنه يسمى سبا في اللغة أهـ (وقال ابن بطال) سب الأموات يجري مجرى الغيبة، فإن كان أغلب أحوال المرء الخير وقد تكون منه الفلتة فالاغتياب له ممنوع، وإن كان فاسقا معلنا فلا غيبة له فكذلك الميت، ويحتمل
[ ٨ / ٥١ ]
أبواب الدفن وأحكام القبور
(١) باب اختبار اللحد على الشق وتعميق القبر وتوسيعه
(ودفن الاثنين والثلاثة في قبر واحد إذا اقتضى الحال)
(٢٤٧) عن جرير بن عبدالله البجلي ﵁ أن رجلا جاء فدخل في الإسلام، فكان رسول الله ﷺ يعلمه الإسلام وهو في مسيره، فدخل خف بعيره في جحر يربوع فوقصه بعيره فمات، فأتى عليه رسول الله ﷺ فقال عمل قليلا وأجر كثيرا، قالها حماد ثلاثا اللحد لنا والشق
_________________
(١) أن يكون النهي على عمومه فيما بعد الدفن والمباح ذكر الرجل بما فيه قبل الدفن ليتعظ بذلك فساق الأحياء، فإذا صار إلى قبره وأمسك عنه لأفضائه إلى ما قدم وقد عملت عائشة راوية هذا الحديث بذلك في حق من استحق عندها اللعن فكانت تلعنه وهو حي، فلما مات تركت ذلك ونهت عن لعنه، أفاده الحافظ (والخلاصة) أن أصح ما قيل في ذلك جواز ذكر مساوئ الكفار والفساق للتحذير منهم والتنفير عنهم، وقد أجمع العلماء على جواز جرح المجروحين من الرواة أحياء وأمواتا، والله أعلم.
(٢) عن جرير بن عبدالله (سنده) حدثنا عبد الله حدثني أبي ثنا عفان ثنا حماد بن سلمة عن الحجاج عن عمرو بن مرة عن زاذان عن جرير بن عبدالله- الحديث" (غريبه) (١) اليربوع بفتح الياء التحتية وسكون الراء دويبة نحو الفأرة، لكن ذنبه وأذناه أطول منها، ورجاه أطول من يديه عكس الزرافة، والجمع يرابيع، والعامة تقول جربوع بالجيم؛ ويطلق على الذكر والأنثى، ويمنع الصرف إذا جعل علما، قاله في المصباح "وقوله فوقصه" الوقص كسر العنق أي رمي به فدقت عنقه فالعنق موقوصة أي مكسورة (٢) هو ابن سلمة أحد الرواة، يعني أن حمادا كرر هذه الجملة "عمل قليلا وأجر كثيرا" ثلاث مرات، فيحتمل أن النبي ﷺ قالها كذلك، ويحتمل أن حمادا هو الذي كررها، والمراد بتكريرها التأكيد وتفهيم السامع أن الرجل لم يعمل من أعمال الإسلام إلا النطق بالشهادتين وهو عمل يسير جدا؛ لكن ترتب عليه أجر كثير وهو النجاة من النار ودخول الجنة، فيالها من سعادة، نسأل الله حسن الخاتمة (٣) أي معشر المسلمين، ويقال في اللحد لحد يلحد كذهب يذهب وألحد يلحد إذا حفر القبر.
[ ٨ / ٥٢ ]
لغيرنا وعنه م طريق ثان بنحوه وفيه فجاء رسول الله ﷺ حتى جلس عللا شفير القبر، فقال ألحدوا ولا تشقوا فإن اللحد لنا والشق لغيرنا (وعنه عن طريق ثالث) قال قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم اللحد لنا والشق لأهل الكتاب.
(٢٤٨) عن هشام بن عامر ﵄ قال جاءت الأنصار إلى
_________________
(١) وسمي اللحد لحدا لأنه شق يعمل في جانب القبر بقدر ما يسع الإنسان فيميل به عن وسطه ثم ينصب عليه اللبن، ثم تردم الحفرة، والألحاد في أصل اللغة الميل والعدول، ومنه قيل للمائل عن الدين ملحد (١) يعني أهل الكتاب كما جاء مصرحا به في الطريق الثالثة، والمراد بالشق هنا غير اللحد، وهو حفرة مستطيلة عميقة تبنى جوانبها باللبن ونحوه يوضع فيها الميت وتسقف باللبن أو الخشب أو نحو ذلك، ويكون السقف مرتفعا عن الميت بحيث لو انتفخ لا يمسه، وهو جائز إلا أن اللحد أفضل، لأنه فعل للنبي ﷺ، ولأن النبي صى الله عليه وسلم مدحه (٢) هذا طرف من حديث طويل تقدم بسنده وطوله في الفصل السادس في باب سن وفد عن النبي ﷺ من العرب من كتاب الإيمان رقم ١٨ صحيفة ٧٢ من الجزء الأول (٣) قال النووي. وهو يوصل الهمزة وفتح الحاء، ويجوز بقطع الهمزة وكسر الحاء أهـ (وقال الفراء) الرباعي أجود، وقال غيره. الثلاثي أكثر، ويؤيده حديث عائشة في قصة دفن النبي ﷺ قالت فأرسلوا إلى الشقاق واللاحد (٤) (سنده) حدثنا عبدالله حدثني أبي ثنا وكيع ثنا سفيان عن أبي اليقظان عثمان بن عمير البجلي عن زاذان عن جرير بن عبدالله قال قال رسول الله ﷺ - الحديث" (٥) قال الحافظ ابن تيمية ﵀ فيه تنبيه على مخالفتنا لأهل الكتاب في كل ما هو شعارهم حتى في وضع الميت داخل القبر أهـ. (تخريجه) (جه. بز) وفي إسناده عثمان بن عمير ضعيف، لكنه ليس من رجال الطريقين الأولى والثانية عند الإمام أحمد وسندهما جيد، وله شاهد من حديث ابن عباس عند الأربعة بلفظ "قال قال رسول الله ﷺ اللحد لنا. والشق لغيرنا" (وقال الترمذي) غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه.
(٢) عن هشام بن عامر (سنده) حدثنا عبدالله حدثني أبي ثنا بهز قال ثنا سليمان بن المغيرة قال ثنا حميد بن هلال قال قال هشام بن عامر جاءت الأنصار - الحديث" (غريبه) (٦) هو عامر بن أمية بن زيد بن الحسحاس بمهملات ابن
[ ٨ / ٥٣ ]
رسول الله ﷺ يوم أحد، فقالوا يا رسول الله أصابنا قرح وجهد فكيف وجهد فكيف تأمرنا قال احفروا وأوسعوا (زاد في رواية وأعمقوا) واجعلوا الرجلين والثلاثة في القبر قالوا فأيهم نقدم قال أكثرهم قرآنا، قال فقدم أبي عامر بين أيدي رجل أو اثنين (وعنه من طريق ثان) قال قتل أبي يوم أحد، فقال النبي ﷺ احفرو وأوسعوا وأحسنوا وادفنوا الإثنين والثلاثة في القبر، وقدموا أكثرهم قرآنا (وفي رواية أكثرهم جمعا وأخذا للقرآن) وكان أبي ثالث ثلاثة؛ وكان أكثرهم قرآنا فقدم
_________________
(١) مالك بن عدي بن عامر بن غنم بن عدي بن النجار الأنصاري الخزرجي والد هشام ذكره موسى بن عقبة وابن اسحاق فيمن شهد بدرا (وفي صحيح مسلم) عن سعيد بن هشام عن عائشة ﵂ قالت نعم المرء كان عامرا، أصيب يوم أحد ﵁ (١) أي قتل وجراحات وهزيمة، وأصل القرح بالفتح والضم الجرح، وقيل هو بالضم الاسم وبالفتح المصدر، والجهد بالفتح المشقة، وبالضم الوسع والطاقة، والمراد هنا الأول، وفي رواية عند البيهقي "اشتدت الجراحات يوم أحد فشكوا إلى رسول الله ﷺ كثرة الجراحات فذكر الحديث" (٢) أمر من حفر من باب ضرب، وفي قوله "وأوسعوا - وأعمقوا" استحباب توسيع القبر وإعماقه، وقد اختلف في حد الأعماق، وسيأتي الكلام عليه في الأحكام (٣) فيه جواز دفن أكثر من واحد في قبر واحد، وذلك إذا دعت الضرورة إليه كما هنا لكثرة الموتى وقلة القبور، أما إذا لم تكن هناك ضرورة فيكون كل واحد في قبر منفردا (٤) أي في اللحد إلى جهة القبلة ليكون أقرب إليها (٥) يعني قدم في القبر عن رجل أو اثنين دفنا معه، والظاهر أنهما اثنان غيره كما يستفاد ذلك من الطريق الثانية وفيها "فكان أبي فكان أبي ثالث ثلاثة" والله أعلم (٦) (سنده) حدثنا عبدالله حدثني أبي ثنا عبد الرزاق قال حدثنا معمر عن أيوب عن حميد بن هلال قال أنا هشام بن عامر قال قتل أبي - الحديث" (٧) من الإحسان بمعنى الإكمال في الحفر\ن والظاهر أنهم كانوا يريدون الترخيص لهم بأدنى حفر، فمنعهم عن ذلك وأمرهم بالإعماق والإحسان والتوسيع (تخريجه) (د. نس. هق. مذ) وقال هو حديث حسن صحيح (قلت) هذا الحديث له طرق أخرى عند الإمام أحمد منها، فحدثنا عبدالله حدثني أبي ثنا سفيان بن عيينة عن أيوب عن حميد
[ ٨ / ٥٤ ]
(٢٤٩) عن عاصم بن كليب عن أبيه عن رجل من الأنصار قال خرجنا مع رسول الله ﷺ في جنازة رجل من الأنصار وأنا غلام مع أبي فجلس رسول الله ﷺ على حفيرة القبر، فجعل يوصي الحافر ويقول أوسع من قبل الرأس، وأوسع من قبل الرجلين، لرب عذق له في الجنة
(٢٥٠) عن سعد بن أبي وقاص ﵁ قال ألحدوا لي لحدا
_________________
(١) ابن هلال عن هشام بن عامر قال إنكم لتخطون إلى أقوام ماهم بأعلم بحديث رسول الله ﷺ منا، قتل أبي يوم أحد فقال رسول الله ﷺ احفروا وأوسعوا وادفنوا الإثنين والثلاثة في القبر وقدموا أكثرهم قرآنا، وكان أبي أكثرهم قرآنا فقدم.
(٢) عن عاصم بن كليب (سنده) حدثنا عبدالله حدثني أبي سمعت وحدي ثنا محمد بن فضيل عن عاصم بن كليب عن أبيه - الحديث" (غريبه) (١) يعني من الصحابة ﵃، ولو أقف على ذكر اسمه، وجهالة الصحابي لا تضر (٢) لم يذكر اسم الرجل الميت ولم أقف على من ذكره، والظاهر والله أعلم أنه ثابت بن الدحداح ﵁ لما رواه مسلم عن جابر بن سمرة ﵁، قال ﷺ على ابن الدحداح، ثم أتى بفرس عري فعقله رجل مركبه، فجعل يتوقص به ونحن نتبعه لسعي خلفه فقال رجل من القوم أن النبي ﷺ قال "كم من عذق معلق أو مدلي في الجنة لابن الدحداح" والله أعلم (٣) الحفيرة ما يحفر في الأرض، فعيلة بمعنى مفعولة والجمع حفائر، والحفرة مثلها والجمع حفر مثل غرفة وغرف، والمعنى أ، هـ ﷺ بتوسيع قبره وإكرامه وباشر الحفرة بنفسه (والعذق) بفتح العين النخلة، والجمع أعذق وأعذاق، وبكسر العين القنو منها، والعنقود من العنب والجمع أعذاق وعذوق، والله أعلم بالمراد (تخريجه) أورده الحافظ في التلخيص وقال رواه أحمد وأبو داود والبيهقي وإسناده صحيح، وصححه النووي أيضا، ويؤيده حديث هشام بن عامر الذي قبله، رواه (د. نس. مذ) وصحه.
(٣) عن سعد بن أبي وقاص (سنده) حدثنا عبدالله حدثني أبي ثنا أبو سلمة الخزاعي أخبرنا عبدالله بن جعفر عن إسماعيل بن محمد عن عامر بن سعد عن سعد
[ ٨ / ٥٥ ]
وانصبوا على اللبن نصبا كما صنع برسول الله ﷺ
_________________
(١) ابن أبي وقاص ﵁ - الحديث" (غريبه) (١) قال الواقدي فيه استحباب اللحد ونصب اللبن، وأنه فعل ذلك برسول ﷺ بإتفاق الصحابة ﵃، وقد نقلوا أن عدد لبناته تسع (تخريجه) (م. نس. جه) (زوائد الباب) (عن بريدة ﵁) قال الحد لرسول الله ﷺ ﷺ ونصب عليه اللبن نصبا وأخذ من قبل القبلة (طس. وابن عدي في الكامل) (وعن أبي بن كعب) ﵁ عن النبي ﷺ قال لما توفى آدم غسلته الملائكة بالماء وترا ولحد له، وقالت هذه سنة آدم وولده (طس) ورجاله موثقون وفي بعضهم كلام (وعن أنس بن مالك ﵁) قال لما توفى رسول الله ﷺ كان رجل يلحد وآخر يضرح) "أي يشق" قالوا نستخير ربنا فنبعث إليهما فأيهما سبق تركناه، فأرسل إليهما فسبق صاحب اللحد فألحدوا له لحدا (وعن ابن عمر) ﵄ وعن عبد الرحمن عن أبيه عن عائشة ﵂ أن النبي ﷺ ألحد له، رواهما (ش) والإمام أحمد، وسيأتيان وغيرهما فيما جاء في دفنه ﷺ قبره ولأبي بكر وعمر، ثم تفاخرتم (ش) (وعن محمد بن اسحاق) عن أبيه عن أشياخ الأنصار قالوا أتى رسول الله ﷺ يوم أحد بعبد الله بن عمر وبن حرام وعمرو بن الجموح ممثلين، فقال ادفنوهما في قبر واحد فإنهما كانا متصاحبين في الدنيا (ش) (وعن ابي العلاء) أن أبا موسى أوصيى حفرة قبره أن يعمقوا له قبره (ش) (وعن مغيرة عن إبراهيم) أنه قال يحفر القبر إلى السرة (ش) (وعن الحسن) قال أوصى عمر أن يجعل عمق قبره قامة وبسطة (ش) (الأحكام) أحاديث الباب تدل على جملة أحكام (منها) استحباب اللحد، وأنه أولى من الشق، وإلى ذلك ذهب جمهور العلماء (قال النووي ﵀) أجمع العلماء أن الدفن في اللحد وفي الشق جائزان، لكن إن كانت الأرض صلبة لا ينهار ترابها فاللحد أفضل لما سبق من الأدلة. وإن كانت رخوة تنهار فالشق أفضل (قال الشافعي) في الأم وأصحابنا فإن اختار الشق حفر حفيرة كالنهر وبني جانبيها باللبن أو غيره، وجعل بينهما شقا يوضع فيه الميت ويسقف عليه اللبن أو الخشب أو غيرهما، ويرفع السقف قليلا بحيث لا يمس الميت، ويجعل في شقوقه قطع اللبن (قال الشافعي) في الأم ورأيتهم عندنا يعني في مكة شرفها الله، يضعون على السقف الأذخر، ثم يضعون عليه التراب (قال النووي) واللحد هو أن يحفر في حائط "يعني من حائطي الشق" من أسفله إلى ناحية القبلة قدر ما يوضع الميت فيه ويستره، قال وهذا الذي ذكرته من صفة الشق، واللحد
[ ٨ / ٥٦ ]
(٢) باب من أين يدخل الميت قبره - وما يقال عند ذلك ومن يدخلها
(ومن جاء في الحثي في القبر وانتظار الفراغ من الدفن)
(٢٥١) عن أبي أمامة ﵁ قال لما وضعت أم كلثوم بنت رسول الله ﷺ في القبر، قال رسول الله ﷺ في القبر، قال رسول الله ﷺ منها خلقناكم وفيها نعيدكم ومنها نخرجكم تارة أخرى، قال ثم لا أدري أقال، باسم الله، وفي سبيل الله، وعلى ملة رسول الله أم لا فلما بني عليها لحدها طفق يطرح لهم الجيوب ويقول سدوا خلال اللبن، ثم قال أما إن هذا ليس بشئ ولكنه
_________________
(١) نص عليه الشافعي في الأم واتفق عليه أصحاب أهـ ج (ومنها) ما يدل على مشروعية أعماق القبر وتوسيعه واحسانه، وقد اختلف في حد الأعماق فقال الشافعي ﵀ قامة وقال عمر بن عبد العزيز إلى السرة، وقال الإمام يحيى إلى الثدي، وأفله ما يواري الميت ويمنع السبع؛ وقال مالك لاحد لأعماقه (وذكر الشافعي) والشيخ أبو حامد والأصحاب لاستحباب تعميقه ثلاث فوائد؛ أن لا ينبشه سبعن ولا تظهر رائحته، وأن يتعذر أو يتعسر نبشه على من يريد سرقة كفنه أهـ ج (ومنها) جواز دفن الإثنين والثلاثة في قبر واحد إذا دعت الحاجة إلى ذلك كما في أحادييث الباب (قال الشوكاني) وإلا كان مكروها كما ذهب إليه الهادي والقاسم (وأبو حنيفة والشافعي) أ. هـ (تنبيه) قال النووي في المجموع، قال صاحب المهذب وسائر الأصحاب يكره أن يدفن الميت في تابوت إلا غذا كان رخوة "يعني الأرض" أو ندبة قالوا ولا تنفذ وصيته به إلا في مثل هذا الحال، قالوا ويكون التابوت من رأس المال صرح به البغوي وغيره، وهذا الذي ذكرناه من كراهة التابوت مذهبنا ومذهب العلماء كافة وأظنه إجماعا قال العبد ري ﵀ لا أعلم فيه خلافا، يعني لا خلاف فيه بين المسلمين كافة والله أعلم أهـ ج
(٢) عن أبي أمامة ﵁ (سنده) حدننا عبد الله حدثني أبي ثنا على بن اسحق أنا عبد الله يعني ابن المبارك أنا يحيى بن أيوب عن عبيد الله بن زحر عن علي بن يزيد عن القاسم عن أبي أمامة - الحديث" (غريبه) (١) جاءت هذه الجملة في رواية ذكرها الحافظ في التلخيص وعزاها للحاكم والبيهقي من حديث أبي أمامة بدون تردد م الراوي (٢) بفتح الجيم هو المدرواحدتها جبوبة (٣) أي ليس فعله ضروريا
[ ٨ / ٥٧ ]
يطيب بنفس الحيي
(٢٥٢) عن ابن عمر ﵄ عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم قال إذا وضعتم موتاكم في القبر فقولوا باسم الله وعلى ملة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم
(٢٥٣) حدثنا عبد الله حدثني ابي ثنا هشيم أنا خالد عن ابن سيرين أن أنس بن مالك شهد جنازة رجل من الأنصار، قال فأظهروا الاستغفار فلم ينكر ذلك أنس، قال هشيم قال خالد في حديثه، وأدخلوه من قبل رجل القبر وقال هشيم مرة إن رجلا من الأنصار مات بالبصرة فشهده
_________________
(١) وإنما هو لحبس الرائحة لئلا يتأذى منه الناس، أو لأنه يمنع دخول التراب على الميت ويجوز أن يكون لهما جميعا والله أعلم (تخريجه) (هق. عب. ك) وضعفه الحافظ، لكن يؤيده حديث ابن عمر الآتي بعده فقد حسنه الترمذي، وله شواهد أخرى تعضده.
(٢) عن ابن عمر ﵄ (سنده) حدثنا عبدالله حدثني ابي ثنا يزيد أنا همام بن يحيى عن قتادة عن أبي الصديق هو الناجي عن ابن عمر - الحديث" (تخريجه) (د. نس. حب. مذ) قال الترمذي حديث حسن غريب من هذا الوجه وصححه ابن حبان، وأخرجه أيضا الحاكم من طريق همام بسند حديث الباب ولفظه وقال هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، قال وهمام بن يحيى ثبت مأمون إذا أسند مثل هذا الحديث لا يعلل بأحد بأحد إذا أوقفه شعبة أهـ، ورواه ايضا من طريق شعبة موقوفا على ابن عمر (قال الذهبي) على شرطهما وقد وقفه شعبة
(٣) حدثنا عبدالله (غريبه) (١) أي دعوا للميت بالمغفرة جهرا عند إدخاله في القبر، وهو جائز بل مستحب، ويؤيد ذلك أحاديث وآثار وردت في الدعاء للميت عند إدخاله في القبر، وهو جائز بل مستحب، ويؤيد ذلك أحاديث وآثار وردت في الدعاء للميت عند إدخاله في القبر ستأتي في زوائد الباب، أما المكروه فهو الجهر بالاستغفار له أو الذكر أو نحو ذلك حين تشييع الجنازة والسير بها، وقد نقدم الكلام على ذلك مبسوطا في باب أحكام النهي عن اتباع الجنازة بنار أو صياح أو نساء فارجع إليه إن شئت (٢) فسره الشراح بأن يوضع رأس الميت عند رجل القبر أي جهة الموضع الذي يكون فيه رجل الميت بعد
[ ٨ / ٥٨ ]
أنس بن مالك فأظهروا له الاستغفار
(٢٥٤) عن أنس بن مالك ﵁ قال شهدنا ابنة لرسول الله ﷺ ورسول الله ﷺ جالس عل القبر، فرأيت عينيه تدمعان، ثم قال هل منكم من رجل لم يقارف الليلة، قال سربج يعني ذنبا، فقال أبو طلحة أنا يا رسول الله، قال فانزل، قال فنزل في قبرها
_________________
(١) وضعه في القبر، ثم يسل من قبل رأسه سلا رفيقا (تخريجه) لم أقف عليه لغير الإمام أحمد، وقال الهيثمي رجاله رجال الصحيح
(٢) عن أنس بن مالك (سنده) حدثنا عبدالله حدثني أبي ثنا يونس وسربج قالا ثنا فليح عن هلال بن علي بن أسامة عن أنس بن مالك - الحديث" (غريبه) (١) قال الحافظ هي أم كلثوم زوج عثمان؛ رواه الواقدي عن فليح بن سليمان بهذا الإسناد وأخرجه ابن سعد في الطبقات في ترجمة أم كلثوم، وكذا الدولابي في الذرية الطاهرة، وكذلك رواه الطبري والطحاوي من هذا الوجه، ورواه حماد بن سلمة عن ثابت عن أنس فسماها رقية، أخرجه البخاري في التاريخ الأوسط والحاكم في المستدرك (قال البخاري) ما أدري ما هذا؟ فإن رقية ماتت والنبي ﷺ ببدر لم يشهدها (قال الحافظ) وهم حماد في تسميتها فقط، ويؤيده الأول ما رواه ابن سعد أيضا في ترجمة ام كلثوم من طريق عمرة بنت عبد الرحمن قالت نزل في حفرتها أبو طلحة أهـ (٢) بقاف وآخره فاء، فسره سربج أحد الرواة عن فليح أنه الذنب يعني لم يقترف ذنبا "وفي رواية عند البخاري" في باب من يدخل قبر امرأة، ذكرها تعليقا ووصلها الإسماعيلي (قال ابن المبارك قال فليح أراه يعني الذنب) وقيل معناه لم يجامع تلك الليلة، وبه جزم ابن حزم، وقال معاذ الله أن يتبجح أبو طلحة عند رسول الله ﷺ بأنه لم يذنب تلك الليلة أهـ. ويؤيده م في الحديث الآتي بعده من قوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم "لا يدخل القبر رجل قارف أهله" (٣) قيل الحكمة في اختيار م نلم يحصل منه جماع في تلك الليلة أنه حينئذ يأمن من أن يذكره الشيطان بما كان منه تلك الليلة والله ﷾ أعلم (تخريجه) (خ. هق. طح. مذ) في الشمائل وابن سعد في الطبقات
[ ٨ / ٥٩ ]
(٢٥٥) وعنه أيضا أن رقية ﵂ لما ماتت قال رسول الله صلى الله وعلى آله وصحبه وسلم لا يدخل القبر رجل قارف أهله فلم يدخل عثمان بن عفان ﵁ القبر
(٢٥٦) عن أبي هريرة ﵁ أن سول الله ﷺ قال من تبع جنازة يحمل علوها، وحثا في قبرها، وقعد حتى يؤذن له آب بقيراطين من الأجر كل قيراط مثل أحد
_________________
(١) وعنه أيضا (سنده) حدثنا عبدالله حدثني أبي ثنا حماد يعني ابن سلمة عن ثابت عن أنس أن رقية ﵁ - الحديث" (غريبه) (١) تقدم في شرح الحديث السابق أنها أم كلثوم لا رقية، وأن حمادا وهم في تسميتها فقط كما قال (الحافظ) (٢) أي جامع زوجته (٣) في الحديث السابق أن النبي ﷺ أمر أبا طلحة أن ينزل، وفي هذه الرواية فلم يدخل عثمان، قيل إن السر في إيثار أبي طلحة على عثمان أن عثمان كان قد جامع بعض جواريه في تلك الليلة فتلطف النبي ﷺ في منعه من النزول في قبر زوجته حيث لم يعجبه أنه اشتغل عنها تلك الليلة بذلك، لكن يحتمل أنه طال مرضها واحتاج عثمان إلى الوقاع، ولم يكن يظن أنها تموت تلك الليلة، وليس في الخبر ما يقتضي أنه واقع بعد موتها، بل ولا حين احتضارها، والله أعلم بالحقيقة (تخرجه) (ك والبخاري في التاريخ) قاله الحافظ، وأورده الهيثمي وقال رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح.
(٢) (عن أبي هريرة ﵁) هذا الحديث تقدم بسنده ومتنه وشرحه وتخريجه في باب فضل الصلاة على الميت وتشييع الجنازة من الجزء السابع صحيفة ١٩٦ رقم ١٤٩، وإنما ذكرته هنا لما فيه من مناسبة الترجمة وهو قوله "وحثا في قبرها" وفي إسناده ضعيفان، ولكن له شواهد صحيحة تعضده، ولم أقف عليه لغير الإمام أحمد، وسيأتي في زوائد الباب ذكر أحاديث وآثار وردت في الحشو في القبر (زوائد الباب) (عن أبي اسحق) قال أوصى الحارث أن يصلي عليه عبدالله بن يزيد فصلي عليه، ثم أدخله القبر من قبل رجلي القبر، وقال هذا من السنة، رواه أبو داود وسعيد في سننه والبيهقي وصححه ورجال إسناده رجال الصحيح (وعن ابن عباس) ﵄ أن النبي ﷺ سل من قبل رأسه سلا (فع) السل بتشديد اللام الإخراج بتأن وتدريج، وهو أن يوضع السرير في
[ ٨ / ٦٠ ]
.
_________________
(١) مؤخر ويحمل الميت منه فيوضع في اللحد (وعن أبي رافع) قال سل رسول الله ﷺ سعد ابن معاذ سلا ورش على قبره الماء (جه) (وعن ابن علية) عن منصور بن عبد الرحمن قال قلت للشعبي رجل دفن ميتا فسله من قبل رجل القبر. قال هذا والله السنة (ش) (وعن ابن سيرين) قال كنت مع أنس في جنازة فأمر بالمبيت فأدخل من قبل رجليه (ش) (وعن أبي اسحق) قال شهدت عبدالله بن يزيد ادخل الحارث من قبل رجليه وقال هكذا السنة (ش) (وعن ابن بريدة عن أبيه) قال أدخل النبي ﷺ من قبل القبلة وألحد له لحد ونصب عليه اللبن نصبا (هق) وضعفه (وعن عطاء) عن ابن عباس ﵄ قال دخل رسول الله ﷺ قبرا ليلا وأسرج له سراج وأخذه من القبلة وكبر عليه أربعا، ثم قال رحمك الله إن كنت لأواها تاليا للقرآن (هق) وقال هذا إسناد ضعيف، قال وروي من وجه آخر ضعيف عن ابن مسعود أهـ (وعن إبراهيم) قال لحد للنبي ﷺ وأخذ من قبل القبلة ورفع قبره حتى يعرف (ش) (وعن عمير بن سعيد) أن عليا أدخل ميتا من قبل القبلة (ش) (وعن عمران بن أبي عطاء) مولى بني أسد قال شهدت وفاة ابن عباس فوليه ابن الحنفية، قال فكبر عليه أربعا وأدخله من قبل القبلة (ش) (وعن عبد الرحمن بن العلاء بن اللجلاج) قال قال لي أبي يا بني إذا أنا مت فالحد لي لحدا فإذا وضعتني في لحدي فقل بسم الله، وعلى ملة رسول الله ﷺ، ثم سن التراب على سنا "أي وضعه وضعا سهلا" ثم اقرأ عند رأسي بفاتحة البقرة وخاتمتها، فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول ذلك (طب) ورجاله موثقون (وعن قتادة) أن أنسا دفن ابنه له فقال اللهم جاف الأرض عن جنبيه، وافتح أبواب السماء لروحه، وأبدله دارا خيرا من داره (طب) ورجاله موثقون (وعن سعيد بن المسيب) قال حضرت عبدالله بن عمر في جنازة، فلما وضعها في اللحد قال، بسم الله، وفي سبيل الله، وعلى ملة رسول الله ﷺ فلما أخذ في تسوية اللبن على اللحد قال، اللم أجرها من الشيطان، ومن عذاب القبر، ومن عذاب النار، فلما سوى الكثيب عليها قام جانب القبر، ثم قال اللهم جاف الأرض (وفي لفظ القبر) عن جنبيها، وصعد بروحها، ولقها منك رضوانا، فقلت لابن عمر أشيء سمعته من رسول الله ﷺ أم شيء قلته من رأيك؟ قال إني إذا لقادر على القول، بل سمعته من رسول الله ﷺ (جه. هق) وضعفه (وعن عبد الرحمن بن أبزي) قال ماتت زينب بنت جحش ﵂، فكبر عمر عليها أربعا، ثم سأل أزواج النبي ﷺ من يدخلها القبر؛ فقلن من كان يدخل عليها في حياتها (ش) (وعن الحسن) قال يدخل الرجل قبر امرأته ويلي سفلتها (ش) (وعن عامر بن ربيعة) ﵁ قال رأيت النبي ﷺ حين دفن عثمان بن مظعون صلى عليه وكبر عليه أربعا وحثى قبره بيديه ثلاث
[ ٨ / ٦١ ]
.
_________________
(١) حثيات من التراب وهو قائم عند رأسه (بز. قط. هق) وزاد البزار (فأمر فرش عليه الماء) وضعفه البيهقي، وله شاهد من حديث جعفر بن محمد عن أبيه مرسلا، رواه الشافعي عن إبراهيم بن محمد عن جعفر (وعن أبي المنذر» عند أبي داود في المراسل أن النبي ﷺ حثى في قبر ثلاثا، قال أبو حاتم في العلل أبو المنذر) عند أبي داود في المراسل أن النبي ﷺ حثى في قبر ثلاثا، قال أبو حاتم في العلل أبو المنذر مجهول (وعن أبي أمامة ﵁) قال توفى رجل فلم تصب له حسنة إلا ثلاث حثيات حثاها على قبر فغفرت له ذنوبه (وعن أبي أمامة ﵁) قال توفى رجل فلم تصب له حسنة إلا ثلاث حثيات حثاها على قبر فغفرت له ذنوبه (وعن أبي هريرة) مرفوعا من حثى على مسلم احتسابا كتب له بكل ثراة حسنة، رواه أبو الشيخ وضعفه الحافظ (وعنه أيضا) أن النبي ﷺ صلى على جنازة، ثم أتى قبر الميت فحثى عليه من قبل رأسه ثلاثا (جه) ورواه أيضا ابن ابي داود من الوجه الذي رواه منه ابن ماجه وصححه، وقال أبو حاتم في العلل هذا حديث باطل (قال الحافظ) اسناده ظاهر الصحة لكن أبو حاتم إمام لم يحكم عليه بالبطلان إلا بعد أن تبين له أهـ (قلت) وجود النووي اسناده (وعن عبدالله بن نمير) قال كان عبدالله بن الزبير إذا مات المسلم لم يزل قائما حتى يدفنه (ش) (وعن عمير بن سعيد) أن عليا ﵁ قام على قبر حتى دفن وقال ليكن لأحدكم قيام على قبره حتى يدفن (ش) (وعن ثمامة) قال خرجنا مع فضالة ابن عبيد إلى أرض الروم، قال وكان عاملا لمعاوية على الدرب فأصيب ابن عم لنا يقال له نافع فصلى عليه فضالة وقام على حفرته حتى واراه (ش) (الأحكام) أحاديث الباب تدل على جملة أحكام (منها) استحباب إدخال الميت من قبل رجلي القبر أي موضع رجلي الميت منه عند وضعه فيه. وكيفية ذلك أن يوضع رأسه في ذلك الموضع، ثم يسل سلا رفيقا بتأن ورفق، وإلى ذلك (ذهبت الشافعية) وحكاه ابن المنذر عن ابن عمر وأنس بن مالك وعبدالله بن يزيد الخطمي الصحابي والشعبي والنخعي وهو (مذهب الأمام أحمد) واختاره ابن المنذر (وذهبت الحنفية) إلى أنه يوضع عرضا من ناحية القبلة، ثم يدخل القبر معترضا وحكى ذلك عن علي بن أبي طالب ﵁ وابنه محمد واسحق بن راهوية (وقال الأمام مالك) ﵀ كلاهما سواء، وعن رواية كالشافعية، واحتج الحنفية بما رواه البهقي عن ابن عباس وبريدة وابن مسعود ﵃ "أن النبي ﷺ أدخل من جهة القبلة وبأن جهة القبلة أفضل، ويجاب عن ذلك بأن البيهقي ضعفها كلها؛ وذكرنا ذلك في الزوائد (قال البيهقي) والذي ذكره الشافعي أشهر في أرض الحجاز يأخذه الخلف عن السلف، فهو أولي بالاتباع أهـ. وسيأتي ما ذكره الشافعي (واحتج الشافعية) بحديث عبدالله بن يزيد الخطمي الأنصاري الصحابي المذكور في الزوائد وفيه "ثم أدخله القبر من قبل رجلي القبر وقال هذا من السنة" رواه أبو داود وسعيد بن منصور والبيهقي وصححه البيهقي وغيره
[ ٨ / ٦٢ ]
.
_________________
(١) وقول الصحابي بيمن السنة كذا مرفوع كما نقرر في علم مصطلح الحديث، واحتجوا أيضا بحديث ابن عباس المذكور في الزوائد "أن النبي ﷺ سل من قبل رأسه" قال النووي يحتج (ومن حججهم أيضا) ما جاء في بعض أحاديث الباب عن ابن سيرين أنهم أدخلوا ميتا من الأنصار من قبل رجل القبر مع حضور أنس بن مالك ﵁ لم ينكر ذلك، وقد أنكر الإمام الشافعي ﵀ نقل من نقل أن النبي ﷺ أدخل من جهة القبلة (قال النووي) ﵀ قال القاضي حسين وإمام الحرمين وآخرون، هذا الذي نقلوه من أقبح الغلط، لأن شق قبره ﷺ لاصق بالجدار، ولحده تحت الجدار، وليس هناك موضع يوضع فيه، هذا كلام القاضي وموافقيه أهـ أما إنكار (الإمام الشافعي) فقد قال ﵀ في الأم "وسل الميت سلا من قبل رأسه "وقال بعض الناس يدخل معترضا من قبل القبلة وروى حماد عن إبراهيم أن النبي ﷺ أدخل من قبل القبلة معترضا، أخبرني الثقات من أصحابنا أن قبر النبي ﷺ على يمين الداخل من البيت لاصق بالجدار، والجدار الذي اللحد لجنبه قبلة الميت، وأن لحده تحت الجدار فكيف يدخل معترضا واللحد لاصق بالجدار لا يقف عليه شيء، ولا يمكن إلا أن يسل سلا أو يدخل من خلاف القبلة، وأمور الموتى وإدخالهم من الأمور المشهورة عندنا لكثرة الموت وحضور الأئمة وأهل الثقة، وهو من الأمور العامة التي يستغني فيها عن الحديث، ويكون الحديث فيها كالتكليف بعموم معرفة الناس لها ورسول الله ﷺ والمهاجرون والأنصار بين أظهرنا ينقل العامة عن العامة لا يختلفون في ذلك أن الميت يسل سلا، ثم جاءنا آت من غير بلدنا يعلمنا كيف ندخل الميت، ثم لم يعلم حتى روى عن حماد عن إبراهيم أن النبي ﷺ أدخل معترضا أهـ (وقد روى الربيع) قال أخبرنا الشافعي، قال أخبرنا مسلم بن خالد وغيره عن ابن جريح عن عمران بن موسى أن رسول الله ﷺ سل من قبل رأسه والناس بعد ذلك (وروى أيضا عن ابن عباس) ﵄ مثل ذلك. وروى أثرا عن أبي الزناد وربيعة وابن النضر لا اختلاف بينهم في ذلك أن رسول الله ﷺ سل من قبل رأسه، وكذلك أبو بكر وعمر ﵄ أهـ (قال صاحب البدر المنير) بعد أن ذكر أنه ﷺ أدخل من جهة القبلة "وهو غير ممكن كما ذكره الشافعي في الأم وأطنب في الشناعة على من يقول ذلك ونسبه إلى الجهالة ومكابرة الحس" أهـ (قال النووي) وما ادعوه من استقبال القبلة (فجوابه) أن استقبال القبلة إنما يستحب بشرطين، أن يمكن، ولا ينابذ سنة، وهذا ليس ممكنا ومنابذا للسنة أهـ ج (وفيها أيضا) استحباب قول من يضع الميت حين وضعه في قبره ما روى عن ابن عمر في أحاديث الباب وفي الزوائد، وروى البيهقي بسنده عن عمير ابن سعيد النخعي قال شهدت علي بن أبي طالب ﵁ وقد أدخل ميتا في قبره فقال "وفي لفظ إذا أدخل ميتا في قبره قال" اللهم
[ ٨ / ٦٣ ]
.
_________________
(١) إنه عبدك ابن عبدك نزل بك وأنت خير منزول به، ولا نعلم به إلا خيرا، وأنت أعلم به كان يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله ﷺ، فاغفر له ذنبه، ووضع له مدخله (وعن عاصم بن ضمرة) قال كان علي يقول عند المنام إذا نام، بسم الله، وفي سبيل الله وعلى ملة رسول الله ﷺ ويقوله ويقوله إذا أدخل الرجل القبر (ش) ويجوز أن يدعو بأي لفظ كان والمأثور أفضل، وقد اتفق الأئمة على استحباب الدعاء هنا (وفيها أيضا) مشروعية أن يتولى الدفن الرجال سواء أكان الميت رجلا أم امرأة، لأنه يجتاج إلى بطش وقوة، والنساء ضعيفات لا قدرة لهن على ذلك، ولأن المرأة لو تولته لأدى إلى انكشاف بعض بدنها على مرأى من الرجال، وبدنها كله عورة، وقد منعهن النبي ﷺ عن اتباع الجنازة وقال لهن على سبيل المثال الأنكار "هل تدلين فيمن يدلي؟ قلن لا، قال فارجعهن مأزورات غير مأجورات" والأولى أن يدخل الرجل زوجته لما روى ابن شيبة قال حدثنا معاذ بن معاذ قال أخبرنا أشعث عن الحسن قال (يدخل الرجل قبر امرأته ويلي سفلتها) ثم محارمها، ثم الأقرب فالأقرب فإن لم يوجد فشيوخ الرجال وأصلحهم لأن أبا طلحة ﵁ تولى دفن بنت النبي ﷺ وهو أجنبي، ولكنه كان من صالحي الحاضرين، ولم يكن هناك محرم إلا النبي ﷺ فلعله كان له عذر في نزول قبرها، وكذا زوجها عثمان ﵁، ومعلوم أنها كانت أختها فاطمة، وغيرها من محارمها وغيرهن هناك، فدل على أنه لا يدخل النساء في إدخال القبر والدفن (وقد ذهب إلى ذلك الشافعية والجمهور) وقالت الحنابلة: الأولى بذلك المحارم، ثم الزوج ثم صالح الناس وشيوخهم، واحتجوا بأن الزواج تزول زوجيته بموتها والقرابة باقية، وبحديث عبد الرحمن بن أبزي المذكور في الزوائد فإنه يفيد أن الأولى بإدخال المرأة قبرها من كان يدخل عليها في حياتها وهم المحارم، والله أعلم (وفيها أيضا) أنه يستحب لكل من على القبر أن يحثي عليه ثلاث حثيات من تراب بيديه جميعا من قبل رأسه بعد الفراغ من سد اللحد، قص عليه الشافعي في الأم (قال النووي) واتفق الأصحاب عليه، وممن صرح به شيخ الأصحاب الشيخ أبو حامد والمارودي والقاضي أبو الطيب وسليم الرازي والبغوي وصاحب العدة وآخرون (قال القاضي حسين والمتولي وآخرون) يستحب أن يقول في الحثية الأولى "منها خلقناكم" وفي الثانية "وفيها نعيدكم" وفي الثالثة "ومنها نخرجكم تارة أخرى" وقد يستدل له بحديث أبي أمامة ﵁ قال (لما وضعت أم كلثوم بنت رسول الله ﷺ في القبر قال رسول الله ﷺ منها خلقناكم وفيها نعيدكم ومنها نخرجكم تارة أخرى) أهـ. وخالف في ذلك المكلية والحنابلة فقالوا لا يطلب ذكر الآية أو غيرها عند حثو التراب، ثم يهال عليه التراب بالمساحي (وفيها أيضا) استحباب بقاء المشيعين حتى يفرغ من دفنه لما ذكرنا في الزوائد من الآثار (ويستحب ايضا) انتظارهم بعد الدفن
[ ٨ / ٦٤ ]
_________________
(١) قدر ساعة لحديث عمرو بن العاص ﵁ "وفيه فإذا واريتموني التراب فاقعدوا عند قبري قدر نحر جزور أستأنس بكم" رواه الإمام أحمد وسيأتي في مناقب عمرو بن العاص من كتاب المناقب إنشاء الله تعالى، وهو حديث طويل، ورواه مسلم أيضا في كتاب الإيمان "وفيه ثم اقيموا حول قبري قدر ما تنحر جزور ويقسم لحمها حتى استأنس بكم وأعلم ماذا أراجع رسل ربي" (فائد) يستحب أن يضجع الميت في القبر على جنبه الأيمن مستقبل القبلة حتما، لأنه كذلك فعل برسول الله ﷺ، وكذلك كان يفعل، وخالف المالكية، فقالوا بالستحباب فيهما ووافقهم القاضي أبو الطيب من الشافعية، ويستحب أن يوسد رأسه بلبنة أو حجر أو تراب؛ ويفضي بخده الأيمن إلى اللبنة ونحوها أو إلى التراب، ومعناه أن ينحي الكفن عن خده ويوضع على التراب، لما روى عن عمر ﵁ أنه قال إذا أنزلتموني إلى اللحد فافضوا بخدي إلى الأرض، ذكره صاحب المهذب، وروى ابن أبي شيبة بسنده عن الضحاك أنه أوصى تحل عنه العقد ويبرز وجهه من الكفن، ويستحب وضع شيء خلفه من لبن أو تراب يسنده حتى لا يستلقي على قفاه، ويستحب أيضا حل عقد الكفن عن الميت، لأن النبي ﷺ فعله ببعض أصحابه، رواه ابن أبي شييبة، ويستحب ايضا أن يمد ثوب على الميت عند إدخاله في القبر؛ وقد ذهب إلى استحبابه في الرجل والمرأة (الشافعية) وقال الأئمة (أبو حنيفة ومالك وأحمد) يستحب في قبر المرأة دون الرجل، وحكى ابن المنذر عن عبدالله بن بريد وشريح أنهما كرها ذلك على الرجل، والله أعلم (تتمة فيما ورد في الدعاء للميت بعد دفنه وما جاء في تلقينه) (عن عثمان بن عفان) ﵁ قال كان النبي ﷺ إذا فرغ من دفن الميت وقف عليه؛ فقال استغفروا لأخيكم وسلوا له التثبيت فإنه الآن يسأل، أخرجه أبو داود والحاكم وصححه، واقر الذهبي تصحيحه؛ وأخرجه أيضا البزار وقال لا يروى عن النبي ﷺ إلا من هذا الوجه (عن عبدالله بن ابي بكر) قال كان أنس بن مالك ﵁ إذا سوى على الميت قبر قام عليه فقال "اللهم عبدك رد إليك فأرأف به وارحمه، اللهم جاف الأرض عن جنبيه، وافتح أبواب السماء لروحه، وتقبله منك بقبول حسن، اللهم إن كان محسنا فضعف له في إحسانه، وإن كان مسيئا قتجاوز عنه" (وعن ابن ابي مليكة) قال لما فرغ من قبر عبدالله بن السائب قام ابن عباس ﵄ على القبر فوقف عليه ثم دعا؛ ثم انصرف (وعن خالد بن شمير) قال كنت مع الأحنف في جنازة فجلس الأحنف وجلست معه، فلما فرغ من دفنها وهو ضرار بن القعقاع التميمي رأيت الأحنف انتهى إلى قبره، فقام فبدأ بالثناء قبل الدعاء، فقال كنت والله ما علمت كذا كنت والله
[ ٨ / ٦٥ ]
.
_________________
(١) ما علمت كذا، ثم دعا له" (هذه الآثار) رواها كلها ابن أبي شيبة في مصنفه بأسانيد جيدة، وما ورد فيها وفي غيرها من الأحاديث في القيام على القبر أو الوقوف عليه، يراد به الوقوف عند رأس القبر لا على القبر نفسه كما جاء مصرحا به في بعض الأحاديث، ولأن الوقوف أو الجلوس على القبر منهي عنه كما سيأتي ذلك في بابه قريبا (وعن راشد بن سعد وضمرة بن حبيب وحكيم بن عمير) قالوا إذا سوى على الميت قبره وانصرف الناس عنه كانوا يستحبون أن يقال للميت عند قبره يا فلان قل لا إله إلا الله، أشهد أ، لا إله إلا الله ثلاث مرات، يافلان قل ربي الله، وديني الإسلام ونبيي محمد ﷺ ثم ينصرف" رواه سعيد ابن منصور في سننه، وذكره الحافظ في التلخيص وسكت عنه، ورواته الثلاثة كلهم من قدماء التابعين حمصيون (وعن سعيد بن عبد الله الأزدي) قال شهدت ابا أمامة ﵁ وهو في النزاع، فقال إذا مت فاصنعوا بي كما أمرنا رسول الله ﷺ، فقال إذا مات أحد من إخوانكم فسويتم التراب على قبره فليقم أحدكم على رأس قبره، ثم ليقل يا فلان ابن فلانة فإنه يسمعه ولا يجيب، ثم يقول يا فلان ابن فلانة فإنه يستوى قاعدا؛ ثم يقول يا فلان ابن فلانة، فإنه يقول أرشدنا رحمك الله، ولكن لا تشعرون، فليقل اذكر ما خرجت عليه من الدنيا شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله، وأنك رضيت بالله ربا وبالإسلام دينا، وبمحمد نبيا وبالقرآن إماما، فإن كان منكرا ونكيرا يأخذ كل واحد منهما بيد صاحبه، ويقول انطلق بنا، ما نقعد عند من لقن حجته، فقال رجل يا رسول الله فإن لم نعرف أمه؟ قال فينسبه إلى أمه حواء يافلان بن حواء" رواه الطبراني في الكبير وعبد العزيز الحنبلي في الشافي، وأورده الحافظ في التلخيص وقال إسناده صالح، وأورده الهيثمي وقال في إسناده جماعة لم أعرفهم أهـ. وضعفه النووي ثم قال فهذا الحديث وإن كان ضعيفا فيستأنس به، وقد اتفق علماء المحدثين وغيرهم على المسامحة في أحاديث الفضائل والترغيب والترهيب، وقد اعتضد بشواهد من الأحاديث كحديث "واسألوا له التثبيت" ووصية عمرو بن العاص وهما صحيحان أهـ ج (وفي هذه الأحاديث) مشروعية الاستغفار للميت عند الفراغ من دفنه وسؤال التثبيت له، لأنه يسأل في تلك الحال (وفيها دليل) على ثبوت حياة القبر، وقد وردت بذلك أحاديث كثيرة بلغت حد التواتر (وفيها أيضا) استحباب تلقين الميت بعد دفنه (وبه قالت الشافعية وأكثر الحنابلة، وخالفهم الجمهور) قال الأثرم قلت لأحمد هذا الذي يصنعونه إذا دفن الميت يقف الرجل ويقول يا فلان ابن فلانة، قال ما رأيت أحدا يفعله إلا أهل الشام حين مات أبو المغيرة، يروى فيه عن أبي بكر بن ابي مريم عن أشياخهم أنهم كانوا يفعلونه، وكان اسماعيل بن عياش يرويه، يشير إلى حديث أبي أمامه أهـ (وقال النووي)
[ ٨ / ٦٦ ]
(٣) باب ما جاء في الدفن ليلا وبيان الأوقات المنهي عن الدفن فيها
(٢٥٧) عن جابر بن عبد الله الأنصاري ﵄ قال توفى رجل على عبد رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم من بني عذرة فقبر ليلا، فنهى رسول الله ﷺ أ، يقبر الرجل ليلا حتى يصلى عليه
_________________
(١) قال جماعة من أصحابنا يستحب تلقين الميت عقب دفنه، فيجلس عند رأسه إنسان ويقول يا فلان ابن فلان أو يا عبد الله بن أمة الله اذكر العهد الذي خرجت عليه الدنيا، شهادة أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمدا عبده ورسوله، وأن الجنة حق والنار حق وأن البعث حق. وأن الساعة آتية لا ريب فيها وأن الله يبعث من في القبور، وانك رضيت بالله ربا، وبالإسلام دينا، وبمحمد ﷺ نبيا، وبالقرآن إماما، وبالكعبة قبلة، وبالمؤمنين إخوانا. زاد الشيخ نصر "ربي وربك الله لا إله إلا هو عليه توكلت، وهو رب العرش العظيم" فهذا التلقين عندهم مستحب ممن نص على استحبابه القاضي حسين والمتولي والشيخ نصر المقدسي والرافعي وغيرهم، ونقله القاضي حسين عن أصحابنا مطلقا، وسئل الشيخ أبو عمرو بن الصلاح ﵀، فقال التلقين هو الذي نختاره ونعمل به، قال وروينا فيه حديثا عن أبي أمامة ليس إسناده بالقائم، ولكن اعتضد بشواهد ويعمل به أهل الشام قديما هذا كلام أبي عمرو (قال النووي) ولم يزل أهل الشام على العمل بهذا في زمن من يقتدي به وإلى الآن وهذا التلقين إنما هو في حق المكلف الميت، أما الصبي فلا يلقن والله أعلم أهـ ج
(٢) عن جابر بن عبدالله (سنده) حدثنا عبدالله حدثني أبي ثنا عفان ثنا المبارك حدثني نصر بن راشد عمن حدثه عن جابر بن عبد الله - الحديث" (غريبه) (١) جاء النهي صريحا في رواية ابن ماجه من حديث جابر أيضا قال قال رسول الله ﷺ لا تدفنوا موتاكم بالليل إلا أن تضطروا (٢) ضبطه النووي بفتح اللام، والمراد بذلك أن الدفن نهارا يحضره كثيرون من الناس فيصلون عليه ولا يحضره في الليل إلا أفراد قليلون هذا ما يفيده كلام النووي ﵀ (قلت) ويحتمل أن يضبط قوله يصلي بكسر اللام مشددة وفتح الياء الأخيرة ويكون المعنى حتى يصلي عليه ﷺ لأنه كان حريصا على ذلك، وقد ورد مايؤيد هذا المعنى عند الأمام أحمد من حديث زيد بن ثابت ﵁، وفيه أنه ﷺ قال لا يموتن فيكم ميت ما كنت بين أظهركم إلا آذنتموني به فإن صلاتي
[ ٨ / ٦٧ ]
إلا أن يضطروا إلى ذلك
(٢٥٨) عن عائشة ﵂ قالت ما علمنا بدفن رسول الله ﷺ وعلى آله وصحبه وسلم حتى سمعت صوت المساحي من آخر الليل ليلة الأربعاء، قال محمد والمساحي المرور.
(٢٥٩) عن عقبة بن عامر الجهني ﵁ قال ثلاث ساعات كان ينهانا رسول الله ﷺ أن نصلي فيها أو أن نقبر فيها موتانا، حين تطلع الشمس
_________________
(١) عليه له رحمة، وتقدم هذا الحديث في باب الصلاة على القبر بعد الدفن صحيفة ٢٢٥ رقم ١٧٩ في الجزء السابع (قوله إلا أن يضطروا" يفيد أنه لا بأس بالدفن ليلا في وقت الضرورة والله أعلم (تخريجه) (م. د) عن جابر، ولفظهما "أن النبي ﷺ خطب يوما فذكر رجلا من أصحابه قبض فكفن في كفن غير طائل وقبر ليلا فزجر النبي ﷺ أن يقبر الرجل بالليل حتى يصلى عليه إلا أن يضطر إنسان إلى ذلك، وقال النبي ﷺ إذا كفن أحدكم أخاه فليحسن كفنه، وأورده أيضا الإمام أحمد بهذا اللفظ، وتقدم في باب إحسان الكفن صحيفة ١٦٩ رقم ١٢٤ من الجزء السابع.
(٢) عن عائشة ﵂ (سنده) حدثنا عبدالله حدثني أبي ثنا عبدة بن سليمان قال ثنا محمد بن اسحق عن فاطمة بنت محمد عن عمرة عن عائشة - الحديث" (غريبه) (١) هي جمع مسحاة، والمسحاة آلة من حديد يجرف بها الطين، مشتقة من السحو وهو كشف وجه الأرض، والميم فيها زائدة (٢) هو ابن اسحق أحد الرواة "وقوله المرور" جمع مر بفتح الميم بعدها راء مهملة وهو المسحاة على ما في القاموس وقيل صوت المسحاة على الأرض (تخريجه) (ش) وفي إسناده محمد بن اسحق مدلس وقد عنعن، وفاطمة بنت محمد لم أقف على ترجمتها، وله شواهد تعضده
(٣) عن عقبة بن عامر (سنده) حدثنا عبد الله حدثني أبي ثنا وكيع عن موسى بن علي عن أبيه قال سمعت عقبة بن عامر- الحديث" (غريبه) (٣) بضم الباء من باب النصر، وبكسرها من باب ضرب لغتان، والمراد به دفن الميت، وحمله بعضهم على صلاة الجنازة وهو بعيد لا ينساق إليه الذهن من لفظ الحديث، يقال قبر الميت دفنه
[ ٨ / ٦٨ ]
بازغة حتى ترتفع وحين يقوم قائم الظهيرة حتى تميل الشمس وحين تضيف للغروب حتى تغرب
_________________
(١) ولا يقال قبره إذا صلى عليه (١) أي طالعه ظاهرة لا يخفى طلوعها (٢) أي يقف ويستقر الظل الذي يقف عادة عند الظهيرة حسب ما يبدو، فإن الظل عن الظل عند الظهيرة لا يظهر له سرعة حركة حتى يظهر، أي المعنى أنه واقف وهو سائر حقيقة، لأن الشمس إذا بلغت وسط السماء ابطأت حركتها إلى أن تزول فيحسب أنها وقفت وهي سائرة، ولا شك أن الظل تابع لها، والحاصل أن المراد بذلك وقت الاستواء (٣) بفتح أوله وثانيه وتشديد الياء التحتية مفتوحة اصله تتضيف بتاءين حذفت احداهما تخفيفا أي تميل للغروب (تخريجه) (م. والأربعة. وغيرهم) زوائد الباب) (عن عمرو بن دينار) قال أخبرني جابر بن عبدالله أو سمعت جابر بن عبدالله ﵄ قال رأى ناس نارا في المقبرة فأتوها فإذا رسول الله ﷺ في القبر؛ وإذا يقول ناولوني صحبكم، فإذا هو الرجل الذي كان يرفع صوته بالذكر (د. ك. هق) قال النووي وإسناده على شرط البخاري ومسلم. واحتج به أبو داود في المسألة أهـ. ولعل المراد بالذكر هنا القرآن كما في رواية الترمذي من حديث ابن عباس؛ وفيه أن النبي ﷺ قال "رحمك الله إن كنت لأواها تلاء للقرآن " (وعن ابن عباس ﵄) أن رسول الله ﷺ مر بقبر قد دفن ليلا، فقال متى دفن هذا؟ قالوا البارحة، قال افلا آذنتموني؟ قالوا دفناه في ظلمة الليل فكرهنا أن نوقظك، فقام فصففنا خلفه (فال ابن عباس) وأنا فيهم فصلى عليه (وعن عائشة ﵂) أن أبا بكر ﵁ لم يتوف حتى أمسى من ليلة الثلاثاء ودفن قبل أن يصبح، رواه البخاري (وعن موسى بن علي) عن أبيه قال كنت عند عقبة بن عامر، فسئل عن التكبير على الميت فقال أربع، قلت الليل والنهار سواء؟ قال الليل والنهار سواء، قلت يدفن الميت بالليل؟ قال قبر أبو بكر بالليل (وعن أبي زرعة بن عمرو) مولى لآل حباب عن أبيه عمرو قال "دفنا عثمان بن عفان بعد عشاء الآخرة بالبقيع وكنت رابع أربعة فيمن حمله (وعن خالد بن شمير) قال سألت أنسا ﵁ عن الصلاة على الميت بالليل فقال ما الصلاة على الميت بالليل إلا كالصلاة على الميت بالنهار (وعن ابن أبي عروبة) عن قتادة أن ابن مسعود دفن ليلا، قال وكان قتادة يكره ذلك (وعن أبي حرة) عن الحسن أنه كان يكره أن يدفن ليلا، روى هذه الآثار الخمسة ابن أبي شيبة في مصنفه (الأحكام) حديث جابر يدل بظاهره على كراهة الدفن بالليل؛ وقد جاء عند ابن ماجه بلفظ "لا تدفنوا
[ ٨ / ٦٩ ]
(٤) باب تسوية القبور ورش الماء عليها وتسميتها لتعرف
(٢٦٠) عن أبي محمد الهذلي عن علي ﵁ قال كان رسول الله
_________________
(١) موتاكم بالليل إلا أن تضطروا" وبه قال الحسن وقتادة فإنهما كرها الدفن بالليل كما جاء عند ابن أبي شيبة إلا للضرورة، وتقدم في الزوائد، وخالفهم الجمهور فقالوا بعدم الكراهة مستدلين بحديث عائشة الثاني من أحاديث الباب، وبما ذكر في الزوائد من الأحاديث والآثار (قال النووي) ﵀، وقال جماهير العلماء من السلف فدفنوا ليلا من غير إنكار، وبحديث المرأة السوداء والرجل الذي كان يقم المسجد، فتوفى بالليل فدفنوه ليلا وسألهم النبي ﷺ فقالوا توفى ليلا فدفناه في الليل، فقال ألا آذنتموني؟ قالوا كانت ظلمة ولم ينكر عليهم، وأجابوا عن هذا الحديث "يعني حديث جابر" بأن النهي كان لترك الصلاة، ولم ينه عن مجرد الدفن بالليل (قال في المجموع) قال أصحابنا لا يكره الدفن بالليل لكن المستحب دفنه نهارا، قالوا وهو مذهب العلماء كافة إلا الحسن البصري فإنه كرهه أهـ (وحديث عقبة بن عامر) ﵁ يدل على كراهة الدفن في الأوقات المذكورة فيه، وبه قالت الحنابلة، لكن قال النووي معناه تعمد تأخير الدفن إلى هذه الأوقات كما يكره تعمد تأخير العصر إلى اصفرار الشمس بلا عذر وهي صلاة المنافقين، قال فإما إذا وقع الدفن بلا تعمد في هذه الأوقات فلا يكره عندنا، نص عليه الشافعي في الأم في باب القيام للجنازة واتفق عليه الأصحاب، قال ونقل الشيخ أبو حامد في أول باب الصلاة على الميت من تعليقه والماوردي والشيخ نصر المقدسي وغيرهم اجماع العلماء عليه، وثبت في صحيح مسلم ﵀ عن عقبة ابن عامر ﵁ قال ثلاث ساعات فذكر حديث عقبة الثالث من أحاديث الباب ثم قال وأجاب الشيخ أبو حامد والماوردي ونصر المقدسي وغيرهم بأن الإجماع دل على ترك ظاهره في الدفن. وأجاب القاضي أبو الطيب والمتولي وغيرهما بأن النهي عن تحري هذه الأوقات للدفن وقصد ذلك، قالوا وهذا مكروه، فأما إذا لم يتحره فلا كراهة ولا هو مراد الحديث وهذا الجواب أحسن أهـ ج (قلت) حكاية الإجماع غير مسلمة، لأن ابن قدامة حكى الكراهة عن الإمام أحمد فقال وكره أحمد دفن الميت في هذه الأوقات لحديث عقبة أهـ. ولم يذكر التفصيل الذي قالته الشافعية (قال الشوكاني) وظاهر الحديث أن الدفن في هذه الأوقات محرم من غير فرق وبين العامد وغيره إلا أن يخص غير العامد بالأدلة القاضية برفع الجناح عنه أهـ والله أعلم
(٢) عن أبي محمد الهذلي (سنده) حدثنا عبدالله حدثني أبي ثنا معاوية
[ ٨ / ٧٠ ]
ﷺ في جنازة فقال أيكم ينطلق إلى المدينة فلا يدع بها وثنا إلا كسره ولا قبرا إلا سواه ولا صورة إلا لطخها فقال رجل أنا يا رسول الله فانطلق ثم رجع فقال يا رسول الله لم أدع بها وثنا إلا كسرته ولا قبرا إلا سويته ولا صورة إلا لطختها ثم قال رسول الله ﷺ من
_________________
(١) ثنا أبو إسحق عن شعبة عن الحكم عن أبي محمد الهذلي - الحديث" (غريبه) (١) أي المدينة المنورة التي كانت تسمىيثرب (٢) الفرق بين الوثن والصنم أن الوثن كل ماله جثة معمولة من جواهر الأرض أو من الخشب والحجارة كصورة الآدمي تعمل وتنصب فتعبد، والصنم الصورة بلا جثة، ومنهم من لم يفرق بينهما وأطلقهما على المعنيين؛ وقديطلق الوثن على غير الصورة "ومنه حديث عدي بن حاتم" قدمت على النبي ﷺ وفي عنقي صليب من ذهب، فقال لي ألق هذا الوثن عنك (٣) أي هدمه وجعله مساويا للأرض إلا شيئا يسيرا كالشبر ونحوه لما سيأتي في الأحكام من حديث جعفر بن محمد أن رسول الله ﷺ رش على قبر ابنه إبراهيم ووضع عليه حصباء ورفعه شبرا (٤) في رواية أخرى للإمام أحمد أيضا "إلا طلخها" بتقديم الطاء المهملة على اللام، ومعناه لطخها بالطين حتى يطمسها، من الطلخ، وهو الذي يبقى في أسفل الحوض والغدير، وقيل معناه سودها من الليلة المطلخمة على أن الميم زائدة "نه" (٥) لم يسم هذا الرجل، ولكنه من الأنصار كما صرح بذلك في الطرق الثانية (٦) أي خاف مشركي أهل المدينة، لأن هذا أعظم حدث يصيبهم في معبودهم لم يقدر عليه إلا رجل قوي. جلد. همام. باع نفسه في سبيل الله (٧) ذكر المؤرخون وأصحاب السير أن ارسال علي ﵁ لكسر الأصنام كان في السنة الثامنة من الهجرة عام الفتح أي فتح مكة (فإن قيل) كيف يكون بالمدينة أصنام إلى السنة الثامنة وأهلها أول من بادر من أهل القرى إلى الإسلام وترك عبادة الأوثان (فالجواب) أن هذا لا ينافي وجود أناس منهم تأخر إسلامهم إلى هذا التاريخ فكانوا يعبدون الأصنام، والظاهر أن أصنامهم كانت بمنازلهم أو بدار خاصة لهم بالمدينة وبضواحيها، أما صنمهم الرئيسي الذي كانوا يحجون إليه فقد كان منصوبا على ساحل ابحر من ناحية المشلل بقديد بين المدينة ومكة، وهو المسمى بمناة المذكور في قوله تعالى (أفرأيتم اللات والعزى ومناة الثاثة الآخرى) وكان أهل المدينة وما جاورها من العرب يعبدونه قبل الإسلام، وكانت الأوس والخزرج أشد الناس
[ ٨ / ٧١ ]
عاد لصنعة شيء من هذا فقد كفر بما أنزل على محمد ﷺ ثم قال لا تكونن فتانا ولا مختالا ولا تاجرا إلا تاجر خير فإن أولئك هم المسبوقون بالعمل
_________________
(١) تعظيما له، فلما أظهر الله الإسلام وفتح عل نبيه بفتح مكة أراد ﷺ أن يطهر جزيرة العرب من هذه الأصنام، فأرسل عليا لمناة وما يتبعها من الأصنام الصغيرة، وأسل المغيرة بن شعبة وأبا سفيان صخر بن حرب إلى اللات، وكانت بالطائف فهدمها وجعلا مكانها مسجدا بالطائف، وأرسل خالد بن الوليد إلى العزى، وكانت شجرة عليها بناء وأستار بنخلة، وهي بين مكة والطائف، وكانت قريشا تعظمها، ولذا قال أبو سفيان يوم أحد (لنا العزى ولا عزى لكم) فقطعها خالد بن الوليد وهدم البيت الذي كان عليها (وقد ذكر أبو المنذر) هشام بن محمد بن السائب الكلبي في كتابه المسمى كتاب الأصنام، أن أقدم أصنام العرب كلها مناة؛ قال وقد كانت العرب تسمي عبد مناة. وزيد مناة، وكانت الأوس والخزرج ومن ينزل المدينة ومكة وما قارب من المواضع يعظمونه ويذبحون له ويهدون له، قال وحدثنا رجل من قريش عن أبي عبيدة بن عبدالله بن أبي عبيدة بن عمار بن ياسر، وكان أعلم الناس بالأوس والخزرج، قال كانت الأوس والخزرج ومن يأخذ بإخذهم من عرب أهل يثرب وغيرها يحجون فيقفون مع الناس المواقف كلها ولا يحلقون رءوسهم، فإذا انفروا أتوه فحلقوا رءوسهم عنده وأقاموا عنده لا يرون لحجهم تماما إلا بذك، فالأعظام الأوس والخزرج يقول عبد العزى ابن وديعة المزني أو غيره من العرب إن حلفت يمين صدق بره بمناة عند محل آل الخزرج قال وكانت قريس وجميع العرب تعظمه ولم يكن أحد أشد إعظاما له من الأوس والخزرج، لم يزل على ذلك حتى خرج رسول الله ﷺ من المدينة سنة ثمان من الهجرة، وهو عام الفتح، فلما سار من المدينة أربع ليال أو خمس ليال بعث عليا إليها فهدمها وأخذ ما كان لها فأقبل به إلى النبي ﷺ فكان فيما أخذ سيفان كان الحارث بن أبي شمر الغساني ملك غسان أهداهما لها. أحدهما يسمى مخذوما والآخر رسوبا، وهما سيفا الحارث اللذان ذكرهما علقمة في شعره فقال: مظاهر سربالي حديد عليهما عقيلا سيوف مخذم ورسوب فوهبهما النبي ﷺ لعلي ﵁، فيقال أن ذا الفقار أحدهما أهـ (١) يعني ثم قال النبي ﷺ لعلي يا علي لا تكونن فتانا، وقد صرح باسم على في الطريق الثانية، وإنما قال النبي ﷺ هذه الجملة لعلي، لأنه قام بمهمة شاقة خطيرة لا يقدر عليها من الرجال سواه فخشي النبي ﷺ أن يعجب بنفسه أو يداخله الاختيال أو يفتتن به الناس وإن لم يحصل شيء
[ ٨ / ٧٢ ]
(ز وعنه من طريق ثان) عن علي بن أبي طالب ﵁ أن رسول الله ﷺ بعث رجلا من الأنصار أن يسوي كل قبر، وأن يلطخ كل صنم، فقال يا رسول الله إني أكره أن أدخل بيوت قومي قال فأرسلني، فلما جئت قال يا علي لا تكونن فتانا ولا مختالا ولا تاجرا إلا تاجر خير، فإن أولئك مسوفون في العمل.
(٢٦١) ز عن جرير بن حيان عن أبيه أن عليا ﵁ قال لأبيه لأبعثنك فيما بعثني فيه رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم أن أسوي كل قبر وأن أطمس كل صنم
_________________
(١) لكنه أراد تهذيبه بهذا القول وتعوده الإخلاص في العمل، لأن كل عمل يشوبه رياء أو فخر مهما عظم لا يساوي عند الله شيئا ولا يقبل من فاعله "قوله ولا تاجرا" معناه لا تكن كالتاجر الذي لا يبتغي بعمله إلا ربح الدراهم وعرض الدنيا، غافلا عن أعمال الآخرة مسوفا في ذلك حتى يسبقه غيره، بل كن كتاجر الخير الذي ينبغي بعمله الثواب ويراقب الله ﷿ في تصرفاته، فهذا عمله مقبول وتجارته رابحة لن تبور (١) (سنده) "ز" حدثنا عبدالله حدثني شيبان أبو محمد ثنا حماد يعني ابن سلمة أنبأنا حجاج بن ارطأة عن الحكم ابن عتيبة عن أبي محمد الهذلي عن علي بن أبي طالب - الحديث" (٢) يستفاد من هذا أن أصنامهم الصغيرة كانت في البيوت كما أشرنا إلى ذلك سابقا (تخريجه) الطريق الأول رواية الإمام أحمد، والطريق الثانية من زوائد عبدالله بن الإمام أحمد على مسند أبيه، وفي كلتيهما أبو محمد الهذلي مجهول، ولم أقف على هذا الحديث بطريقيه لغير الإمام أحمد وابنه عبدالله رحمهما الله، ويؤيده الحديث الآتي بعده فقد رواه مسلم وغيره.
(٢) "ز" عن جرير بن حيان (سنده) حدثنا عبدالله حدثنا شيبان أبو محمد ثنا حماد بن سلمة أنبأنا يونس بن خباب عن جرير بن حيان عن أبيه - الحديث" (غريبه) (٣) اسم أبيه حيان بالياء التحتية ابن حصين؛ وكنيته أبو الهياج الأسدي الكوفي من ثقات التابعين (٤) تقدم حديث علي ﵁ وبعث رسول الله ﷺ إياه لهذا الغرض، وتقدم أيضا الكلام عليه (٥) الطمس استئصال أثر الشيء أي محو أثره (تخريجه) (م. والثلاثة)
[ ٨ / ٧٣ ]
(٢٦٢) عن ثمامة قال خرجنا مع فضالة بن عبيد الأنصاري ﵁ إلى أرض الروم، وكان عاملا لمعاوية على الدرب فأصيب ابن عم لنا فصلى عليه فضالة ﵁ وقام على حفرته حتى واراه، فلما سوينا عليه حفرته قال أخفوا عنه فإن رسول الله ﷺ كان يأمرنا بتسوية القبور (وعنه من طريق ثان) قال غزونا أرض الروم وعلى ذلك الجيش فضالة ابن عبيد الأنصاري فذكر الحديث، فقال فضالة خففوا فإني سمعت رسول الله ﷺ يأمر بتسوية القبور (ومن طريق ثالث) عن يزيد بن أبي حبيب أن أبا علي الهمداني أخبره أنه رأى فضالة بن عبيد ﵁
_________________
(١) عن ثمامة (سنده) حدثنا أبو عبد الرحمن عبدالله بن أحمد بن محمد ابن حنبل قال حدثني أبي ثنا محمد بن يحيى بن اسحق عن ثمامة- الحديث" (غريبه) (١) هو ابن شفي الهمداني كما صرح بذلك في سند الطريق الثانية (٢) الدرب المدخل بين جبلين، والجمع دروب كفلس وفلوس، وليس أصله عربيا، والعرب تستعمله في معنى الباب، فيقال لباب السكة درب وللمدخل الضيق درب، لأنه كالباب يفضي إليه، وكل مدخل إلى الروم درب، والمعنى أن معاوية ﵁ استعمله أميرا على ذلك الجيش لغزو الروم كما يستفاد من الطريق الثانية (٣) أي أخفوا التراب عن قبره، وكأنهم أرادوا أن يظهروا قبره فأكثروا عليه التراب، فأمرهم بتسويته مستدلا بالحديث (٤) (سنده) حدثنا عبدالله حدثني أبي ثنا يعقوب ثنا أبي عن ابن اسحق قال حدثني ثمامة ابن شفي الهمداني قال غزونا أرض الروم- الحديث" (٥) كانت هذه الغزوة بجزيرة رودس من أرض الروم كما صرح بذلك في رواية مسلم وأبي داود "ورودس" براء مضمومة ثم واو ساكنة ثم جال مهملة مكسورة ثم سين مهملة، هكذا ضبطه، النووي في شرح مسلم؛ وفي بعض نسخ أبي داود بذال معجمة وسين مهملة، وهي جزيرة ببحر الروم "المسمى الآن بالبحر الأبيض المتوسط" مقابل الأسكندرية على ليلة منها، فتحت سنة ثلاث وخمسين من الهجرة في عهد معاوية، ولم تزل تتقلب عليها الأيدي حتى فتحها السلطان سليم الثاني سنة اثنتين وعشرين وتسعمائة هجرية، وهي الآن تابعة لدولة إيطاليا (٦) (سنده) حدثنا عبدالله حدثني أبي ثنا بن موسى قال ثنا ابن لهيعة قال ثنا يزيد بن أبي حبيب
[ ٨ / ٧٤ ]
أمر بقبور المسلمين فسويت بأرض الروم، وقال سمعت رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم يقول سووا قبوركم بالأرض
_________________
(١) الحديث (تخريجه) (م. د. نس. هق) بألفاظ مختلفة (زوائد الباب) (عن سفيان التمار) أنه رأى قبر النبي ﷺ مسنما؛ رواه البخاري، ورواه أيضا ابن أبي شيبة وزاد "وقبر أبي بكر وقبر عمر كذلك" وكذلك أخرجه أبو نعيم بالزيادة (وعن جعفر بن محمد عن أبيه) أن رسول الله ﷺ رش على قبر ابنه إبراهيم ووضع عليه حصباء، والحصباء لا تثبت على سطح إلا على قبر مسطح، رواه الشافعي في مسنده مرسلا، وأخرجه أيضا سعيد بن منصور والبيهقي من هذا الوجه مرسلا بهذا اللفظ وزادا "ويرفع قبره قدر شبر" (وعن جابر بن عبدالله) ﵄ قال رش على قبر النبي ﷺ بالماء رشا، فكان الذي رش على قبره بلال بن رباح بدأ من قبل رأسه من شقه الأيمن حتى انتهى إلى رجليه وفي إسناده الواقدي والكلام فيه معروف (وروى سعيد بن منصور) أن الرش على القبر كان على عهد رسول الله ﷺ (وعن الحسن) أنه لم يكن يرى بأسا برش الماء على القبر (وعن أبي جعفر) قال لا بأس برش الماء على القبر، رواهما ابن أبي شيبة في مصنفه (وعن المطلب بن عبد الله بن حنطب) قال لما مات عثمان بن مظعون أخرج بجنازته فدفن فأمر النبي ﷺ رجلا أن يأتيه بحجر فلم يستطع حمله، فقام إليه رسول الله ﷺ وحسر عن ذراعيه قال كأني انظر إلى بياض ذراعي رسول الله ﷺ حين حسر عنهما؛ ثم حملها فوضعها عند رأٍسه وقال أتعلم بها قبر أخي وأدفن إليه من مات من أهلي، رواه أبو داود (قال الحافظ) وإسناده حسن ليس فيه إلا كثير بن زيد رواةيه عن المطلب وهو صدوق أهـ (قال الشوكاني) والمطلب ليس صحابيا، ولكنه بين أن مخبرا أخبره ولم يسمه وإيهام الصحابي لا يضر أهـ (الأحكام) أحاديث الباب فيها ما يدل على مشروعية تسوية القبور وهو حديث على ﵁ بجميع طرقه وحديث فضالة بن عبيد رضب الله عنه بجميع طرقه، وليس المراد بتسويتها التسوية بالأرض، وإنما المراد تسطيحها وارتفاعها عن الأرض قدر شبر لما أخرجه سعيد بن منصور في سننه والبيهقي من حديث جعفر بن محمد عن أبيه أن رسول الله ﷺ رش على قبر ابنه إبراهيم ووضع عليه حصباء ورقعه شبرا ولما سيأتي من حديث القاسم بن محمد حيث وصف قبر النبي ﷺ وصاحبيه أبي بكر وعمر ﵄ بأنها غير مشرفة ولا لاطئة، أي لا مرتفعة كثيرا ولا مساوية للأرض بل مرتفعة نحو شبر، ولاطئة بالهمز أو بالياء التحتية أي لازقة، يقال لطئ يلطأ مثل لصق
[ ٨ / ٧٥ ]
وزنا ومعنى (وفيها ما يدل على استحباب تسميتها) وهو حديث سفيان الثمار عند البخاري أنه رأي قبر النبي ﷺ مسنما، وتقدم في الزوائد، وإلى استحباب تسنيمها ذهب الأئمة (أبو حنيفة ومالك وأحمد والمزني وكثير من الشافعية) (قال الحافظ وادعى القاضي حسين اتفاق الأصحاب عليه، وتعقب بأن جماعة من قدماء الشافعية استحبوا التسطيح كما نص عليه الشافعي، وبه جزم الماوردي وآخرون، وقول سفيان التمار لا حجة فيه كما قال البيهقي، لاحتمال أن قبره ﷺ لم يكن في الأول مسنما؛ فقد روى أبو داود والحاكم من طريق القاسم بن محمد بن أبي بكر "قال دخلت على عائشة فقلت يا أمه، اكشفي لي عن قبر رسول الله ﷺ وصاحبيه، فكشفت له عن ثلاثة قبور لا مشرفة، ولا لاطئة مبطوحة ببطحاء العرضة الحمراء" (أي مفروشة بحصباء الموضع المعروف بالعرضة الحمراء، والبطحاء في الأصل مسيل واسع فيه دقاق الحصا، والمراد به هنا الحصا لإضافته إلى العرضة، وهي كل موضع واسع لا بناء فيه) زاد الحاكم "فرأيت رسول الله ﷺ مقدما، وأبا بكر رأسه بين كتفي النبي ﷺ، وعمر رأسه عند رجلي النبي ﷺ" وهذا كان في خلافة معاوية، فكأنها كانت في الأول مسطحة ثم لما بني جدار القبر في إمارة عمر بن عبد العزيز على المدينة من قبل الوليد بن عبد الملك صيروها مرتفعة، وقد روى أبو بكر الآجري في كتاب صفة قبر النبي ﷺ من طريق اسحاق بن عيسى عن بنت داود بن أبي هند عن غنيم بن بسطام المديني قال رأيت قبر النبي ﷺ في أمارة عمر بن عبد العزيز فرأيته مرتفعا نحوا من اربع أصابع، ورأيت قبر أبي بكر وراء قبره، ورايت قبر عمر وراء قبر أبي بكر اسفل منه، ثم الاختلاف في ذلك في أيهما أفضل لافي أصل الجواز، ورجع المزني التسنيم من حيث المعني بأن المسطح يشبه ما يصنع للجلوس بخلاف المسنم، ورجحه ابن قدامة بأنه يشبه أبنية أهل الدنيا وهو من شعار أهل البدع فكان التسنيم أولى، ويرجح التسطيح ما رواه مسلم من حديث فضالة بن عبيد أنه مر بقبر فسوي، ثم قال سمعت رسول الله ﷺ يأمر بتسويتها أهـ وقد جمع البيهقي بين روايتي التسنيم والتسطيح بأنه كان أولا مسطحا كما قال القاسم بن محمد، ثم لما سقط الجدار في زمن الوليد ابن عبد الملك أصلح فجعل مسنما، قال وحديث القاسم أولى وأصح والله أعلم أهـ، وقد اتفق الأئمة ﵃ على ارتفاع القبر نحو شبر عن الأرض ومازاد على ذلك فهو بدعة ذميمة مخالفة لهدي رسول الله ﷺ وسننه، فما يفعله الناس الآن من تشييد القبور وبناء القباب والمساجد والبيوت عليها حرام لا يجوز فعله، لا سيما إذا كانت المقبرة مسبلة (قال الشافعي) ﵀ في الأم ورأيت من الولاء من يهدم ما بنى فيها، قال ولم أر الفقهاء يعيبون عليه ذلك، ولأن في ذلك تضييقا على الناس أهـ (وقال الشوكاني) ﵀ والظاهر
[ ٨ / ٧٦ ]
.
_________________
(١) أن رفع القبور زيادة على القدر المأذون فيه محرم، وقد صرح بذلك (أصحاب أحمد) وجماعة من أصحاب (الشافعي ومالك) والقول بأنه غير محظور لوقوعه من السلف والخلف بلا نكير كما قال الإمام يحيى والمهدي في الغيث لا يصح، لأن غاية ما فيه أنهم سكتوا عن ذلك، والسكوت لا يكون دليلا إذا كان في الأمور الظنية وتحريم رفع القبور ظن (ومن رفع القبور الداخل تحت الحديث دخولا أوليا) القباب والمشاهد المعمورة على القبور، وأيضا هو من اتخاذ القبور مساجد، وقد لعن رسول الله ﷺ فاعل ذلك كما سيأتي، وكم قد سرى عن تشييد أبنية القبور وتحسينها مفاسد يبكي لها الإسلام (منها) اعتقاد الجهلة لها كاعتقاد الكفار للأصنام وعظم ذلك فظنوا أنها قادرة على جلب النفع ودفع الضرر فجعلوها مقصدا لطلب قضاء الحوائج وملجأ لنجاح المطالب، وسألوا منها ما يسأله العباد من ربهم وشدوا إليها الرحال وتمسحوا بها واستغاثوا، وبالجملة أنهم لم يدعوا شيئا مما كانت الجاهلية تفعله بالأصنام إلا فعلوه، فإنا لله وإنا إليه راجعون، ومع هذا المنكر الشنيع والكفر الفظيع لا نجد من يغضب لله ويغار حمية للدين الحنيف، لا عالما ولا متعلما ولا أميرا ولا وزيرا ولا ملكا، وقد توارد إلينا من الأخبار ما لا يشك معه أن كثيرا من هؤلاء القبوريين أو أكثرهم إذا توجهت عليه يمين من جهة خصمه حلف بالله فاجرا، فإذا قيل له بعد ذلك احلف بشيخك ومعتقدك الولي الفلاني تلعثم وأبى واعترف بالحق، وهذا من أبين الأدلة الدالة على أن شركهم قد بلغ فوق شرك من قال إنه تعالى ثاني اثنين أو ثالث ثلاثة، فياعلماء الدين ويا ملكوك المسلمين أي رزء للإسلام أشد من الكفر وأي بلاء لهذا الدين أضر عليه من عبادة غير الله وأي مصيبة يصاب بها المسلمون تعدل هذه المصيبة، وأي منكر يجب إنكاره إن لم يكن إنكار هذا الشرك البين واجبا لقد أسمعت لو ناديت حيا ولكن لا حياة لمن تنادي ولو نارا نفخت بها أضاءت ولكن أنت تنفخ في رماد أهـ "وفيما أوردنا في الزوائد" دليل على مشروعية ش الماء على القبر وإليه ذهب الإمامان (أبو حنيفة والشافعي) رحمهما الله تعالى والقاسمية والحسن وأبو جعفر (وفيها أيضا) جواز جعل علامة على قبر الميت كنصب حجر أو نحوه لحديث عبد المطلب بن عبدالله بن حنطب المذكور في الزوائد (وبه قالت الشافعية) قال النووي ﵀ السنة أن يجعل عند رأسه علامة شاخصة من حجر أو خشبة أو غيرهما، هكذا قاله الشافعي وصاحب المهذب والأصحاب أهـ. قال الإمام يحيى فأما نصب حجرين على المرأة، وواحد على الرجل فبدعة، قال في البحر قلت لا بأس به لقصد التمييز لنصبه على قبر ابن مظعون أهـ وذهب الجمهور إلى كراهة ذلك إلا إذا خيف ذهاب معالم القبر فيجرز وضع ذلك للتمييز، أما إذا قصد به التفاخر والمباهاة فهو حرام، والله أعلم.
[ ٨ / ٧٧ ]
(٥) باب النهي عن البناء على القبرو وتخصيصها والجلوس عليها والصلاة إليها
(وما جاء في كسر عظم الميت والمشي بين القبور بالنعل)
(٢٦٣) عن جابر بن عبدالله ﵄ قال سمعت النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم ينهى أن يقعد على القبر وأن يقصص أو يبنى عليه.
(٢٦٤) عن أم سلمة ﵂ قالت نهى رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم أن يبنى على القبر وأن يحصص.
(٢٦٥) عن أبي هريرة ﵁ يرفعه إلى النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم قال لا يجلس أحدكم على جمرة فتحرق ثيابه حتى
_________________
(١) عن جابر بن عبدالله (سنده) حدثنا عبدالله حدثني أبي ثنا عبدالرزاق ثنا ابن جريح أخبرني أبو الزير أنه سمع جابر بن عبدالله يقول سمعت النبي ﷺ - الحديث" (غريبه) (١) بقاف وصادين مهملتين أي يطلي بالقصة بفتح القاف وتشديد الصاد المهملة؛ أي الجص بكسر الجيم وهو المعروف بالجير (٢) يعني أي بناء كان سواء تعلق بالميت أو الحي، فمثاله للميت أن يبنى على القبر قبة أو نحوها، ومثاله للحيي أن يبنى عليه حجرة أو مسجد أو نحو ذلك، فهذا كله لا يجوز فعله (تخريجه) (م. د. نس. هق) ورواه الترمذي وصححه بلفظ "نهي أن يبنى على القبر أو يزاد عليه بجص أو يكتب عليه
(٢) عن أم سلمة (سنده) حدثنا عبدالله حدثني أبي ثنا حسن ثنا ابن لهيعة ثنا يزيد بن أبي حبيب عن ناعم مولى أم سلمة عن أم سلمة - الحديث" (غريبه) (٣) أي يطلي بالجص بكسر الجيم كما تقدم (تخريجه) لم أقف عليه لغير الإمام أحمد وفي إسناده ابن لهيعة فيه كلام، وله طريق آخر عند الإمام أحمد عن ناعم مولى أم سلمة مرسلا "أن النبي ﷺ نهى أن يجصص قبر أو يبنى عليه أو يجلس عليه" وفي إسناده ابن لهيعة أيضا
(٣) عن أبي هريرة (سنده) حدثنا عبدالله حدثني أبي ثنا يحيى بن آدم ثنا شريك عن سهل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة ﵁- الحديث"
[ ٨ / ٧٨ ]
تفضي إلى جلده خير له من أن يجلس على قبر (وفي لفظ) خير من أن يطأ على قبر رجل مسلم.
(٢٦٦) عن أبي مرثد الغنوي ﵁ سمع رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم يقول لا تصلوا إلى القبور ولا تجلسوا عليها (وفي لفظ) لا تجلسوا على القبور ولا تصلوا عليها.
(٢٧٦) حدثنا عبدالله حدثني أبي ثنا عبد الرزاق أنا داود بن قيس عن سعد بن سعيد عن يحيى بن سعيدة عن عمرة عن عائشة ﵂ أن النبي ﷺ قال كسر عظم الميت ككسره وهو حي قال يرون أنه في الإثم
_________________
(١) (غريبه) (١) المراد بالجلوس القعود، وقيل أراد القعود لقضاء الحاجة أو للأحداد وأمر بأن يلازمه لا يرجع عنه "وقوله خير من أن يطأ الخ" الوطء هنا معناه الدوس بالقدم، وروى الطحاوي من حديث محمد بن كعب قال إنما قيل أبو هريرة من جلس على قبر يبول عليه أو يتغوط فكأنما جلس على جمرة (قال الحافظ) لكن إسناده ضعيف، وقال نافع كان ابن عمر يجلس على القبور؛ ومخالفة الصحابي لما روى تعارض المروي (تخريجه) (م. د. نس. جه)
(٢) عن أبي مرثد الغنوي (سنده) حدثنا عبدالله ثنا أبي ثنا الوليد ابن مسلم قال سمعت ابن جابر يقول حدثني بسر بن عبيد الله الحضرمي أنه سمع وائلة بن الأسقع صاحب رسول الله ﷺ يقول حدثني أبو مرثد الغنوي سمع رسول الله ﷺ - الحديث" (غريبه) (٢) أبو مرثد بفتح الميم والثاء المثلثة واسمه كناز بفتح الكاف وتشديد النون وآخره زاي ابن حصين، ويقال ابن حصين الغنوي بفتح الغين المعجمة والنون توفى بالشام ثنتي عشرة وقيل سنة إحدى عشرة وهو ابن ست وستين سنة وحضر هو وابنه مرثدا بدرا، قاله النووي ج (٣) جاءت هذه الرواية في الأصل هكذا "ولا تصلوا عليها" وهي مخالفة للرواية الأولى، وقد رواه مسلم بطريقيه وفيه "ولاتصلوا إليها بدل "عليها" لكن أشار الحافظ في باب هل تنبش قبور مشركي الجاهلية الخ في البخاري من طريق أبي مرثد الغنوي أيضا مرفوعا بلفظ "لا تجلسوا على القبور ولا تصلوا إليها أو عليها" ولم أقف على هذه الزيادة عند مسلم، فالله أعلم (تخريجه) (م. د. مذ. هق)
(٣) حدثنا عبدالله (غريبه) (٥) فسره الراوي بقوله يرون أنه
[ ٨ / ٧٩ ]
قال عبد الرزاق أظنه قول داود (وعنها من طريق ثان) قالت قال رسول الله ﷺ إن كسر عظم المؤمن ميتا مثل كسره حيا.
(٢٦٨) عن بشير ابن الخصاصية ﵁ بشير رسول الله ﷺ قالت أماشي رسول الله ﷺ آخذا بيده فقال لي يا ابن الخصاصية ما أصبحت تنقم على الله ﵎، أصبحت تماشي رسوله، قال أحسبه
_________________
(١) في الإثم، يعني أن من كسر عظم ميت كان آثما كما يأثم كم كسر عظم الحي (قال عبد الرزاق) أظنه قول داود يعني تفسيره بالإثم هو قول داود بن قيس أحد الرواة، وقد اتفق العلماء على تحريم ذلك في الحياة والموت، لافي القصاص والدية فإنهما مرفوعان عن كاسر عظم الميت إجماعا أو يكون معنى ذلك أن الميت يتأذى مما يتأذى منه حال الحياة، فقد اخرج ابن شيبة ﵀ عن ابن مسعود ﵁ قال "أذى المؤمن في موته كأذاه في حياته" يعني فلا يهان ميتا كما لا يهان حيا (قال الحافظ) ومن لوازمه أن يستلذ بما يستلذ به الحي أهـ وذكر الحافظ السيوطي سبب هذا الحديث في كتابه درجات الصعود حاشية أبي داود (عن جابر ﵄) قال خرجنا مع رسول الله ﷺ في جنازة فجلس النبي ﷺ على شفير القبر وجلسنا معه فأخرج الحفار عظما ساقا أو عضدا، فذهب ليكسره فقال ﷺ لا تكسره، فإن كسرك إياه ميتا ككسرك إياه حيا ولكن دسه بجانب القبر (١) (سنده) حدثنا عبدالله حدثني أبي ثنا ابن نمير ثنا سعد بن سعيد قال أخبرتني عمرة قال سمعت عائشة تقول قال رسول الله ﷺ - الحديث" (تخريجه) (د. جه. هق) أخرجه (لك) في الموطأ موقوفا على عائشة وأخرجه (جه) أيضا من حديث أم سلمة مرفوعا، وحديث الباب حسنه ابن القطان، وقال ابن دقيق العيد أنه على شروط مسلم.
(٢) عن بشير بن الخصاصية (سنده) حدثنا عبدالله حدثني أبي ثنا يزيد بن هارون أنا أسود بن شيبان عن خالد بن سمير عن بشير بن نهيك عن بشير بن الخصاصية - الحديث" (غريبه) (٢) أضيف إلى رسول الله ﷺ لأنه هو الذي سماه بشيرا وكان اسمه زحما بزاي مفتوحة ثم جاء مهملة ساكنة، وفي رواية أبي داود مولي رسول الله ﷺ بدل بشير رسول الله ﷺ وفي رواية الحاكم يشير رسول الله ﷺ كما هنا (٣) بكسر القاف من نقم كضرب إذا كره الأمر ومل منه "وما" استفهامية، والمراد منه أي شيء تكره على الله مع أنه أنعم عليك بهذه النعمة العظيمة حيث أصبحت تمشي مع رسول الله ﷺ، والغرض إظهار نعمة الله تعالى
[ ٨ / ٨٠ ]
قال آخذا بيده قال قلت ما أصبحت أنقم على الله شيئا، قد أعطاني الله ﵎ كل خير، قال فأتينا على قبور المشركين، فقال لقد سبق هؤلاء خيرا كثيرا ثلاث مرات، ثم أتينا على قبور المسلمين، فقال لقد أدرك هؤلاء خيرا كثيرا ثلاث مرات يقولها، قال فبصر برجل بمشي بين المقابر في نعليه قال ويحك يا صاحب السبتيتين ألق سبتيتيك مرتين أو ثلاثا فنظر الرجل، فلما رأى رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وصحبه وسلم خلع نعليه.
_________________
(١) عليه ولهذا أقرأ الخصاصية بذلك (١) القائل "أحسبه قال آخذا بيده" هو الأسود بن شيبان أحد رجال السند (٢) أي ماتوا قبل أن يسلموا وتقدموا الإسلام وحادوا عنه حتى جعلوه خلف ظهورهم ولم يعبئوا به، فحرموا خيره وما يترتب عليه من سعادة الدارين، نعوذ بالله من ذلك (٣) يعني أنهم أسلموا وعملوا بتعاليم الإسلام حتى ماتوا عليه فكتبت لهم السعادة وفازوا بالنعيم المقيم والخير العميم جعلنا الله منهم آمين (٤) ويحك كلمة ترحم واشفاق عكس ويلك "والسبتيتين" بكسر السين وسكون الموحدة نسبة إلى السبت وهو جلد البقر المدبوغ بالقرط تتخذ منها النعال، سميت بذلك لأن شعرها قد سبت أي أزيل عنها. أو لأنها انسبتت أي لانت بالدباغ، والمعنى يا اصاحب النعلين المتخذين من السبت (٥) إنما أمره النبي ﷺ بالخلع احتراما للمقابر عن المشي بينها بها أو لقذر بهما أو لاختباله في مشيه والله أعلم (تخريجه) (د. جه. هق. ك) وقال هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه (قلت) وأقره الذهبي، وله طريق آخر عند الإمام أحمد، قال حدثنا عبد الصمد ثنا الأسود ثنا خالد بن سمير ثنا بشر بن نهيك قال حدثني بشير رسول الله ﷺ وكان اسمه في الجاهلية. زحم بن معبد، فهاجر إلى رسول الله ﷺ، فسأله فقال ما اسمك قال زحم قال لا، بل أنت بشير فكان اسمه، قال بينما أنا أماشي رسول الله ﷺ إذ قال يا ابن الخصاصية ما أصبحتم تنقم على الله ﵎؟ أصبحت تماشي رسول الله ﷺ، قال أبو شيبان وهو الاسود بن شيبان احسبه قال آخذا بيده، فقلت يا رسول الله بأبي وأمي ما أنقم على الله ﷿ شيئا فذكر الحديث، وقال يا صاحب السبتيتين ألق سبتيتيك
[ ٨ / ٨١ ]
(٢٦٩) حدثنا عبد الله حدثني أبي ثنا وكيع عن سفيان عن السدي عن أبيه عن أبي هريرة ﵁ قال سفيان يرفعه، قال إن الميت ليسمع خفق نعالهم إذا ولوا عنه مدبرين
(٢٧٠) عن أنس بن مالك ﵁ أن نبي الله ﷺ قال إن العبد إذا وضع في قبره وتولى عنه أصحابه حتى إنه ليسمع قرع نعالهم أتاه ملكان الحديث
_________________
(١) حدثنا عبد الله (غريبه) (١) اي صوت مشيهم بالنعال على الأرض "وقوله إذا ولوا عنه مدبرين" أي بعد الدفن، وقد استدل به القائلون بجواز المشي بالنعال في المقابر، وسيأتي تحقيق ذلك في الأحكام وكيفية الجمع بينه وبين سابقه.
(٢) (عن أنس بن مالك) هذا طرف من حديث طويل رواه الشيخان وغيرهما وسيأتي بطوله وسنده وشرحه في الباب الأول من أبواب عذاب القبر إن شاء الله تعالى وإنما ذكرته هنا لما يستفاد منه من جواز المشي في المقبرة بالنعال (زوائد الباب) (عن عمارة بن حزم) ﵁ قال رآني رسول الله ﷺ جالسا على قبر، فقال يا صاحب القبر \انزل من على القبر لا تؤذي صاحب القبر ولا يؤذيك (قال الهيثمي) رواه الطبراني في الكبير، وفيه ابن لهيعة وفيه كلام وقد وثق (وعن ابن مسعود ﵁) قال لأن أطأ على جمرة أحب إلى من أطأ على قبر رجل مسلم (ش) (وعن عقبة بن عامر ﵁) قال لأن أطأ على جمرة أو على حد سيف حتى يخطف رجلي أحب إلى من أن أمشي على قبر رجل مسلم (ش» وعن عمران بن جدير) عن أبي العلاء بن الشخير قال يا فلان تمشون على قبوركم؟ قلت نعم، قال فكيف تمطرون (ش) (وعن أنيسه بنت زيد) عن زيد بن أرقم قالت مات ابن لزبد يقال له سويد فاشترى غلام له أو جارية جصا أو آجرا، فقال له زيد ما تريد إلى هذا؟ قال أردت أن أبني قبره وأجصصه، قال جفوت ولغوت. لا يقربه شئ مسته النار (ش) (وعن مغيرة عن إبراهيم) قال كانوا يستحبون اللبن ويكرهون الآجر، ويستحبون القصب ويكرهون الخشب (ش) (وعن جابر بن عبدالله) ﵄ قال نهى رسول الله ﷺ أ، يبنى على القبر أو يزاد عليه أو يجصص، زاد سليمان بن موسى "أحد الرواة" أو يكتب عليه (نس) (وعن ابن عون) قال سئل محمد بن سيرين هل تطين القبور؟ فقال لا أعلم به بأسا (ش) (وعن يونس عن الحسن) أنه كان يكره
[ ٨ / ٨٢ ]
.
_________________
(١) تطيين القبور (ش) ولأبي نعيم شيخ البخاري "بينما أنس يصلي إلى قبر ناداه عمر القبر القبر فظن أنه يعني القمر، فلما رأى أنه يعني القبر تجاوز القبر وصلى (قال الحافظ) وله طرق أخرى بينتها في تعليق التعليق منها من طريق حميد عن أنس نحوه، وزاد فيه فقال بعض من يلبني، إنما يعني القبر فتنحيت عنه، وقوله القبر القبر بالنصب فيهما على التحذير أهـ (الأحكام) أحاديث الباب تدل على أحكام شتى (منها) النهي عن القعود على القبر والمراد به الجلوس، وظاهر النهي التحريم، وبه قال ابن حزم لماورد فيه من الوعيد، لكن قال النووي عبارة الشافعي في الأم وجمهور الأصحاب في الطرق كلها أنه يكره الجلوس، وأرادوا به كراهة التنزيه كما هو المشهور في استعمال الفقهاء وصرح به كثيرون منهم، قال عبارة الشافعي في الأم وجمهور الأصحاب في الطرق كلها أن يكره الجلوس، وأرادوا به كراهة التنزيه كما هو المشهور في استعمال الفقهاء وصرح به كثيرون منهم، قال وبه قال جمهور العلماء، منهم النخعي والليث (وأبو حنيفة وأحمد) وداود، قال ومثله في الكراهة الاتكاء عليه والاستناد إليه أهـ ج (قال الإمام مالك) في الموطأ إنما نهى عن القعود على القبور فيما نرى (أي نظن) للمذاهب "يعني لحاجة الإنسان البول والغائط" ولهذا قالت المالكية بجواز القعود لغير قضاء الحاجة بلاكراهة؛ لما رواه الطحاوي بسنده أن محمد بن سعد القرظي أخبرهم، قال إنما قال أبو هريرة قال رسول الله ﷺ "من جلس على قبر يبول عليه أو يتغوط فكأنما جلس على جمرة" وتقدم أن الحافظ ضعف اسناده. وعلى فرض صحته لا يخصص عموم النهي الصريح في الجلوس كحديث أبي مرثد الغنوي المذكور في أحاديث الباب بلفظ "لا تجلسوا على القبور الخ" ومشهور (مذهب المالكية) أنه يكره القعود والمشي على القبر إذا كان مسنما أو مسطحا والطريق دونه وظن بقاء شيء من عظام الميت وإلا جاز بلا كراهة، ومحل الخلاف في القعود إذا كان لغير قضاء الحاجة، أمالها فيحرم اتفاقا، واتفقوا أيضا على جواز المشي على القبور لضرورة كما إذا لم يصل إلى قبر ميته إلا بذلك والله أعلم (منها) النهي عن تجصيص القبور وظاهر النهي التحريم وبه قال ابن حزم، وحمله الأئمة الأربعة والجمهور على الكراهة، قال العراقي ذكر بعضهم أن الحكمة في النهي عن تجصيص القبور كون الجص أحرق بالنار، وحينئذ فلا بأس بالتطبيق كما نص عليه الشافعي أهـ (قلت) ويؤيد ذلك ما جاء في الزوائد عن زيد بن أرقم موقوفا عليه وفيه "لا يقربه شئ مسته النار" وقيل الحكمة في ذلك أن القبر للبلى لا للبقاء؛ وأن التجصيص من زينة الدنيا؛ ولا حاجة للميت إليها، وهو وجيه، أما تطيين القبر فلا بأس به عند (الشافعية والحنابلة) قال الترمذي وقد رخص بعض أهل العلم. منمه الحسن البصري في تطيين القبور (وقال الشافعي) لا بأس به أن يطين القبر أهـ (قال الشوكاني) وقد روى أبو بكر النجاد من طريق جعففر بن محمد عن أبيه أن النبي ﷺ رفع قبره عن الأرض شبرًا
[ ٨ / ٨٣ ]
.
_________________
(١) وطين بطين أحمر من العرصة، وحكي في البحر عن الهادي والقاسم أنه لا بأس بالتطيين لئلا ينطمس، وقال الإمام يحيى وأبو حنيفة يكره أهـ (قلت) المختار عند الحنفية عجم الكراهة (وقالت المالكية) يكره ما لم يتوقف منع الرائحة على تطيينه وإلا جاز (ومنها أيضا) النهي عن البناء على القبور، وظاهره التحريم وبه جزم ابن حزم، وهذا النهي يشمل البناء على نفس القبر ليرتفع عن أن ينال بالوطء كما يفعله كثير من الناس، والبناء حوله كقبة أو مدرسة أو مسجد أو بيوت للاستراحة فيها عند الزيارة ونحوها، وقد حمله الأئمة على الكراهة إذا لم يقصد بالبناء الزينة والتفاخر وإلا كان ذلك حراما، وهذا إذا كانت الأرض غير مسبلة ولا موقوفة، والمسبلة هي التي اعتاد الناس الدفن فيها ولم يسبق لأحد ملكها، والموقوفة هي ما وقفها مالك بصيغة الدفن كقرافة مصر التي وقفها عمر بن الخطاب ﵁، أما الموقوفة والمسبلة، فيحرم فيها البناء مطلقا لما في ذلك من الضيق والتحجير على الناس (وقالت الحنابلة بكراهة البناء مطلقا سواء كانت الأرض مسبلة أم لا، إلا أنه في المسبلة أشد كراهة (وقال العلامة الأمير) المالكي ﵀، وحرم موقوفة كأعداده القبر حال الحياة، وسمعت شيخنا يقول رب مصر كالملك فيجوز إعداده أي القبر، قال محشيه الشيخ الحجازي ﵀ "وقوله وحرم موقوفة" إلا أن يكون يسيرا كما في الخطاب، ومثل الموقوفة المسجد عند جواز الدفن فيه، قال الفاكهاني على الرسالة لأن في ذلك تضييقا على الناس (قال الشافعي) وقد رأيت من الولاة من يهدم بمكة ما بني بها، ولم أر الفقهاء يغيرون عليه، وقد أفتى من تقدم من جملة العلماء عل ما أخبرني به من أثق به يهدم ما بني بقرافة مصر وإلزام البانين فيها حمل النقض وإخراجه منها إلى موضع غيرها أهـ وقد كان هذا قبل أن يتغالوا فيها بالبناء والتفنن فيه ونبش القبور لذلك وتصويب المراحيض على أموات المسلمين من الأشراف والعلماء والصالحين وغيرهم، فكيف في هذا الزمان وقد تضاعف ذلك جدا حتى كأنهم لم يجدوا من البناء فيها بدا، وجاء في ذلك أشياء إذا فتحت على ولي الأمر أرشده الله لأمر بهدمها وتخريبها حتى يعود طولها عرضا وسماؤها أرضا، ولو لم يكن في البناء فيها مفسدة إلا الضيق على الناس لكان كافيا في وجوب الهدم، فكيف وقد انضاف لذلك هتك الحريم واختلاط البرئ بالسقيم، فإنهم استباحوا التكشف فيها واتخذوه ديدنا لا يستحيون من الله تعالى ولا من الناس، وخالفوا في ذلك الكتاب والسنة والإجماع والقياس، وربما أضافوا لذلك آلات الباطل من الدفوف والشبابات "الغاب" واقتحموا في ليالي الجمع وغيرها تعاطي هذه المحرمات واستهانوا بحرمة القبور، وارتكبوا بين ظهرانيها الفجور، وربما أكلوا الحشيش وشربوا الخمور، وهذا مع أنها مواطن الاعتبار ةتذكر الموت وخوف عقوبة الجبار
[ ٨ / ٨٤ ]
.
_________________
(١) فناهيك بها معصية ما أفظعها وشناعة ما أشنعها، ولم أسمع بذلك في بلد من بلاد المسملين ولا غيرهم أهـ (ومنها أيضا) النهي عن زيادة تراب القبر على ما يخرج منه كما في رواية النسائي والبيهقي "نهي أن يبنى على القبر أو يزاد عليه الحديث" وقد بوب على هذه الزيادة البيهقي فقال "باب لا يزاد على القبر أكثر من ترابه لئلا يرتفع" وظاهره أن المراد بالزيادة عليه الزيادة على ترابه، واستدل به الشافعية على ذلك (وحكى النووي عن الشافع) ﵀ أنه قال في المختصر يستحب أن لا يزاد القبر على التراب الذي أخرج منه "قال الشافعي" والأصحاب ﵏ إنما قلنا يستحب أن لايزاد لئلا يرتفع القبر ارتفاعا كثيرا "قال الشافعي" فإن زاد فلا بأس (قال أصحابنا) معناه أنه ليس بمكروه؛ لكن المستحب تركه أهـ ج (وقال آخرون) المراد بالزيادة عليه أن يقبر ميت على قبر ميت آخر والله أعلم (ومنها) النهي عن الكتابة على القبور كما في حديث جابر أيضا عند النسائي والترمذي والحاكم بزيادة "وأن يكتب عليها" قال أبو الطيب السندي في تعليقه على النسائي يحتمل النهي عن الكتابة مطلقا ككتابة ةاسم صاحب القبر وتاريخ وفاته، أو كتابة شيء من القرآن وأسماء الله الحسنى ونحو ذلك للتبرك، لاحتمال أن يوطأ أو يسقط على الأرض فيصير تحت الأرجل، قال الحاكم بعد تخريج هذا الحديث في المستدرك، الإسناد صحيح وليس العمل عليه، فإن أئمة المسلمين من الشرق والغرب يكتبون على قبورهم، وهو شئ أخذه الخلف عن السلف، وتعقبه الذهبي في مختصره بأنه محدث ولم يبلغهم النهي، والله تعالى أعلم أهـ (وقال الشوكاني) فيه تحريم الكتابة علي القبور، وظاهره عدم الفرق بين كتابة اسم الميت على القبر وغيرها، وقد استثنت الهادوية رسم الاسم فجوزوه لا على وجه الزخرفة قياسا على وضعه ﷺ الحجر على قبر عثمان كما تقدم (يعني. عثمان بن مظعون ليعرف به" قال وهو من التخصيص بالقياس وقد قال به الجمهور، لا أنه قياس في مقابلة النص كما قال في ضوء النهار، ولكن الشأن في صحة هذا القياس أهـ (وقد ذهبت الحنفية) إلى أن يكره تحريما الكتابة على القبر مطلقا إلا إذا خيف ذهاب أثره فلا يكره "ووقالت المالكية) الكتابة على القبر إن كانت قرآنا حرمت وإن كانت لبيان اسمه أو تاريخ موته فهي مكروهة (وذهبت الشافعية) إلى الكراهة سواء أكانت الكتابة قرآنا أم غيره إلا إذا كان قبر عالم أو صالح فيندب كتابة اسمه وما يميزه ليعرف (وقالت الحنابلة) تكره الكتابة على القبور من غير تفصيل والله أعلم (ومنها أيضا) النهي عن الصلاة إلى القبور "أي متوجها إليها" أو عليها أي جاعلها تحته، وحمله جماعة من العلماء على التحريم، منهم الظاهرية، ولم يفرقوا بين مقابر المسلمين والكفار (قال ابن حزم) وبه يقول طوائف من السلف فحكى عن خمسة من الصحابة النهي عن ذلك، وهم عمر. وعلي
[ ٨ / ٨٥ ]
.
_________________
(١) وأبو هريرة. وأنس. وابن عباس. ﵃ وفصل آخرون، فقالت (الحنفية) تكره الصلاة في المقبرة إذا كان القبر بين يدي المصلي بحيث لو صلى صلاة الخاشعين وقع بصره عليه، أما إذا كان خلفه أو فوقه أو تحت ما هو واقف عليه فلا كراهة، وقيدوا الكراهة بأن لا يكون في المقبرة موضع أعد للصلاة لا نجاسة فيه ولا قذر وإلا فلا كراهة. وهذا في غير قبور الأنبياء، فلا تكره الصلاة عليها مطلقا (وقالت الشافعية) تكره الصلاة في المقبرة غير المنبوشة سواء أكانت القبور خلفه أو أمامه أو على يمينه أو شماله أو تحته إلا قبور الأنبياء والشهداء فإن الصلاة في المقبرة وهي ما احتوت على ثلاثة قبور فأكثر في أرض موقوفة للدفن باطلة مطلقا، أما إذا لم تحتو على ثلاثة بأن كان بها واحد أو اثنان فالصلاة فيها صحيحة بلا كراهة إن لم يستقبل القبر وإلا كره، وتقدم شيء من ذلك في أحكام الباب الأول من أبواب اجتناب النجاسة في الجزء الثالث؛ فارجع إليه إن شئت (ومنها أيضا) ما يستدل به على تحريم كسر عظم الميت، ويستفاد منه تكريم الآدمي حيا وميتا، وأن الميت يتأذى مما يتأذى به الحيي (ومنها أيضا) ما يستدل به على عدم جواز المشي بين القبور بالنعلين (قال الشوكاني) ولا يختص عدم الجواز بكون النعلين سبتيتين لعدم الفرق بينهما وبين غيرهما قال وقال ابن حزم يجوز وطء القبور بالنعال التي ليست سبتية لحديث "إن الميت يسمع خفق نعالهم" وخصخ المنبع بالسبتية، وجعل هذا جمعا بين الحديثنين وهو وهم، لأن سماع الميت لخفق النعال لا يستلزم أن يكون المشي على القبر أو بين القبور فلا معارضة أهـ (وقال النووي) المشهور في مذهبنا أن لا يكره المشي في المقابر بالنعلين فلا معارضة أهـ (وقال النووي) المشهور في مذهبنا أن لا يكره المشي في المقابر بالنعلين والخفين ومحوهما، مما صرح بذلك من أصحابنا الخطابي والعبدري وآخرون، ونقله العبدري عن مذهبنا ومذهب أكثر العلماء (وقال أحمد بن حنبل) ﵀ يكره، وقال الحاوي يخلع نعليه لحديث بشير بن معبد الصحابي المعروف بأن الخصاصية، فذكر حديثه المذكور في الباب بلفظ "إن العبد إذا وضع في قبره وتولى عنه أصحابه حتى إنه ليسمع قرع نعالهم الحديث" قال وأجابوا عن الحديث الأول (يعني حديث ابن الخصاصية) بجوابين (أحدهما) وبه أجاب الخطابي أنه يشبه أنه كرههما لمعنى فيهما، لأن النعال السبتية هي لباس أهل الرقة والتنعم، فنهى عنهما لمافيهما من الخيلاء فأحب ﷺ أن يكون دخوله المقابر على زي التواضع ولباس أهل الخشوع (والثاني) لعل كان فيهما نجاسة، قالوا وحملنا على تأويله الجمع بين الحديثين أهـ والله أعلم.
[ ٨ / ٨٦ ]
(٦) باب تعزية المصاب وثواب صبره وأمره به وما يقال لذلك
(٢٧١) عن ثابت (البناني) قل سمعت أنسا يعني بن مالك ﵁ يقول لامرأة من أهله أتعرفين فلانة فإن رسول الله ﷺ مر بها وهي تبكي على قبر فقال لهااتقي الله واصبري فقالت إياك عني فإنك لا تبالي بمصيبتي قال ولم تكن عرفته فقيل لها إنه رسول الله ﷺ فأخذها مثل الموت، فجاءت إلى بابه فلم تجد عليه بوابا فقالت يا رسول الله
_________________
(١) عن ثابت البناني (سنده) حدثنا عبدالله بن أحمد بن محمد بن حنبل حدثني أبي ثنا عبد الصمد ثنا شعبه وأبو داود قال أنا شعبة المعني ثنا ثابت قال سمعت أنسا- الحديث" (غريبه) (١) قال الحافظ لم أقف على اسمها ولا اسم صاحب القبر وفي رواية لمسلم ما يشعر بأنه ولدها ولفظه "تبكي على صبي لها" وصرح به في مرسل يحيى ابن أبي كثير عند عبد الرزاق ولفظه "قد أصيبت بولدها" (٢) في رواية أبي نعيم في المستخرج، فقال يا أمة الله اتقي الله (قال القرطبي) الظاهر أنه كان في بكائها قدر زائد من نوح أو غيره، ولهذا أمرها بالتقوى (قال الحافظ) ويؤيده أنه في مرسل يحيى بن أبي كثير "فسمع منها ما يكره فوقف عليها" وقال الطيبي قوله اتقي الله توطئة لقوله واصبري كأنه قيل لها خافي غضب الله إن لم تصبري، ولاتجزعي ليحصل الثواب أهـ. وقولها "إياك عني" معناه تنح وابعد (٣) أي لم تصب بمصيبتي فتبالي بها، وفي لفظ للبخاري فإنك خلو من مصيبتي" وهو بكسر المعجمة وسكون اللام، ولأبي يعلى من حديث أبي هريرة أنها قالت "ياعبد الله إني أنا الجري الثكلي ولو كنت مصابا عذرتني" معنى الحري محروقة القلب من الحزن والثكلى فاقدة ولدها (٤) أي خاطبته بذلك ولم تعرف أنه رسول الله ﷺ ﵄ " (٥) في رواية الطبراني من طريق عطية عن أنس أن الذي أخبرها هو الفضل بن العباس ﵄ وقوله فأخذها مثل الموت" أي شدة الكرب الذي أصابها لما عرفت أنه رسول الله ﷺ استشعرت خوفا ومهابة (٦) قال الطيبي فائدة هذه الجملة أنه لما قيل لها أنه النبي ﷺ استشعرت خوفا وهيبة في نفسها؛ فتصورت أنه مثل الملوك له حاجب وبواب يمنع الناس من الوصول إليه، فوجدت الأمر بخلاف ما تصورته أهـ "فقالت يا رسول الله إني لم أعرفك" أي حين رددت عليك هذا الرد الخشن، فاغتفر لها ﷺ تلك الجفوة لصدورها منها في جال مصيبتها وعدم معرفتها به "إنما الصبر عند أول صدمة" والمعنى أن الصبر
[ ٨ / ٨٧ ]
إني لم أعرفك، فقال إن الصبر عند أول صدمة
(٢٧٢) عن الحسين بن علي ﵄ عن النبي ﷺ قال ما من مسلم ولا مسلمة يصاب بمصيبة فيذكرها وإن طال عهدها، قال عبادة قدم عهدها فيحدث لذلك استرجاعا إلا جدد الله له عند ذلك فأعطاه مثل أجرها يوم أصيب بها
(٢٧٣) عن أم سملة زوج النبي ﷺ ورضي عنها قالت سمعت رسول الله
_________________
(١) الذي يحمد عليه صاحبه ما كان عند مفأجأة المصيبة بخلاف ما بعد ذلك فإنه على طول الأيام يسلو كما يقع لكثير من أهل المصائب بخلاف أول وقوع المصيبة، فإنه يصدم القلب بغتة، وقد قيل إن المرء لا يؤجر على المصيبة لأنها ليست من صنعه، وإنما يؤجر لحسن نيته وجميل صبره (تخريجه) (ق. والأربعة. وغيرهم)
(٢) عن الحسين بن علي (سنده) حدثنا عبدالله حدثني أبي ثنا يزيد وعباد بن عبادة قال انبأنا هشام بن أبي هشام قال عباد بن زياد عن أمه عن فاطمة بنة الحسين عن أبنها الحسين بن علي ﵄- الحديث" (غريبه) (١) يعني أن عبادة قال في روايته "وإن قدم عهدها" بدل وإن طال، والمعنى واحد "وقوله فيحدث لذلك استرجاعا" أي يقول "إنا لله وإنا إليه راجعون" لأن الله ﷿ جعل هذه الكلمات ملجأ لذوي المصائب وعصمة للممتحنين لما جمعت من المعاني المباركة فإن قوله "إنا لله" توحيد وإقرار بالعبودية والملك "وقوله وإن إليه راجعون" إقرار بالموت على أنفسنا والبعث من قبورنا، واليقين أن رجوع الأمر كله إليه كما هو له (قال سعيد بن جبير) رحمه الله تعالى لم تعط هذه الكلمات نبينا قبل نبينا ﷺ ولو عرفها يعقوب لما قال يا أسفي على يوسف (٢) المعنى أن استرجاع المصاب عند ذكر المصيبة يكون سببا لاستحقاقه لمثل الأجر الذي كتبه الله له في الوقت الذي كتبه الله له في الوقت الذي أصيب فيه بتلك المصيبة وإن تقادم عهدها ومضت عليها أيام طويلة (تخريجه) (جه) وفي إسناده هشام بن زياد (قال الحافظ) في التقريب هشام بن زياد بن أبي يزيد، وهو هشام بن أبي هشام أبو المقدم؛ ويقال له أيضا هشام بن أبي الوليد المدني متروك، وقال الإمام أحمد وأبو زرعة وغيرهما ضعيف أهـ
(٣) عن أم سلمة (سنده) حدثنا عبدالله حدثني أبي ثنا ابن نمير قال
[ ٨ / ٨٨ ]
ﷺ يقول مامن عبد تصيبه مصيبة فيقول إنا لله وإنا إليه راجعون، اللهم أجرني في مصيبتي (وفي رواية اللهم عندك أحتسب مصيبتي فأجرني فيها) واخلف لي خيرا منها إلا أجره الله في مصيبته وأخلف له خيرا منها، قالت فلما توفى أبو سلمة، قلت من خير من أبي سلمة صاحب رسول الله ﷺ؟ قالت فعزم الله ﷿ لي فقلتها اللهم أجرني في مصيبتي وأخلف لي خيرا ومنها، قالت فتزوجت رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم
(٢٧٤) عن أسامة بن زيد ﵄ قال أرسلت إلى رسول الله ﷺ بعض بناته أن صبيا لها ابنا أو ابنة قد احتضرت فاشهدنا، قال فأرسل إليها يقرأ السلام ويقول، إن لله ما أخذ وما أعطى (وفي لفظ لله ما أخذ ولله ما أعطي) وكل شيء عنده إلى أجل مسمى فتصبر ولتحتسب
_________________
(١) ثنا سعد بن سعيد قال أخبرني عمر بن كثير عن سفيان مولى أم سلمة عن أم سلمة زوج النبي ﷺ - الحديث" (غربه) (١) قال القاضي عياض أجرني بالقصر والمد، حكاها صاحب الأفعال، وقال الأصمعي وأكثر أهل اللغة هو مقصور لا يمد، ومعنى أجره الله اعطاه أجره وجزاء صبره وهمه في مصيبته (٢) أي أصبر عليها ابتغاء وجه الله تعالى وطلبا لثوابه (٣) قال النووي هو بقظع الهمزة وكسر اللا م، قال أهل اللغة يقال لمن ذهب له مال أو ولد أو قريب أو شيء يتوقع حصول مثله، أخلف الله عليك أي رد عليك مثله، فإن ذهب ما لا يتوقع مثله بأن ذهب والد أو عم أو أخ لمن لا جد له ولا والد له، قيل خلف الله عليك بغير ألف، أي كان الله خليفة منه عليك (٤) أي خلق لي أو خلق في عزما (تخريجه) (م. جه. هق. غيرهم)
(٢) (عن أسامة بن زيد) هذا طرف من حديث ذكر بتمامه وسنده وشرحه في باب البكاء من غير نوح صحيفة ١٣٨ رقم ١٠١ من الجزء السابع، وأخرجه الشيخان أيضا، وإنما ذكرته هنا لمناسبة الترجمة (زوائد الباب) (عن عبد الله بن محمد) بن أبي بكر بن عمرو بن حزم عن أبيه عن جده عن النبي ﷺ قال "ما من مؤمن يعزي
[ ٨ / ٨٩ ]
.
_________________
(١) أخاه بمصيبة إلا كساه الله ﷿ من حلل الكرامة يوم القيامة، رواه ابن ماجه ورجاله كلهم ثقات إلا قيسا ابا عمارة فقيه لين، وقد ذكره الحافظ في التلخيص وسكت عنه (وعن عبدالله بن مسعود) ﵁ عن النبي ﷺ قال من عزى مصابا فله مثل أجره، رواه ابن ماجه والحاكم والترمذي وقال غريب لا نعرفه مرفوعا إلا من حديث على بن عاصم (وعن أبي برزة) ﵁ قال قال رسول الله ﷺ من عزي ثكلى كسى بردا في الجنة، رواه الترمذي وقال هذا حديث غريب وليس اسناده قوي (وعن معاذ بن جبل) ﵁ أنه مات ابن له فكتب إليه رسول الله ﷺ يعزيه بابنه، فكتب إليه بسم الله الرحمن الرحيم من محمد رسول الله إلى معاذ بن جبل، سلام عليك فإني أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو. أما بعد: فأعظم الله لك الأجر وألهمك الصبر ورزقنا وإياك الشكر، فإن أنفسنا وأموالنا وأهلنا من مواهب الله الهنيئة وعواريه المستودعة، متعك الله به في غبطة وسرور؛ وقبضه منك بأجر كثير؛ الصلاة والرحمة والهدى، إن احتسبته فاصبر، ولا يحبط جزعك أجرك فتندم، واعلم أن الجزع لا يرد ميتا ولا يدفع حزنا؛ وما هو نازل فكأن فد والسلام (يعني فكأنه قد نزل) أورده الهيثمي، وقال رواه الطبراني في الكبير والأوسط وفيه مجاشع بن عمرو وهو ضعيف (قلت) ورواه ايضا الحاكم وابن مردويه (وعن جابر ابن عبدالله) ﵄ قال لما توفى رسول الله ﷺ عزتهم الملائكة يسمعون الحس ولا يرون الشخص، فقالت السلام عليكم أهل البيت ورحمة الله وبركاته إن في الله عزاء من كل مصيبة، وخلفا من كل فائت، فبالله فثقوا وإياه فارجوا، فإنما المحروم من حرم الثواب والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته، رواه الحاكم وقال هذا الحديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه (قلت) وأقره الذهبي (وعن أنس بن مالك) ﵁ قال لما قبض رسول الله ﷺ أحدق به أصحابه فبكوا حوله واجتمعوا فدخل رجل أصهب اللحية جسيم صبيح فتخطى رقابهم، فبكى ثم التفت إلى أصحاب رسول الله ﷺ فقال وأقره الذهبي (وعن أنس بن مالك) ﵁ قال لما قبض رسول الله ﷺ أحدق به أصحابه فبكوا حوله واجتمعوا فدخل رجل أصهب اللحية جسيم صبيح فتخطى رقابهم، فبكى ثم التفت إلى أصحاب رسول الله ﷺ فقال إن في الله عزاء كل مصيبة، وعوضا من كل فائت، وخلفا من كل هالك، فإلى الله أنيبوا وإليه فارغبوا؛ ونظرة إليكم في البلاء فانظروا، فإنما المصاب من لم يجبر "وفي لفظ من يجبره الثواب" "وفي لفظ من حرم الثواب" وانصرف، فقال بعضهم لبعض تعرفون الرجل؟ فقال أبو بكر وعلي نعم، هذا أخو رسول الله ﷺ الخضر ﵇، رواه الحاكم وقال هذا شاهد لما تقدم "يعني حديث جابر" وإن كان عباد بن عبد الصمد ليس من شرط هذا الكتاب أهـ وأورده الهيثمي وأورده الهيثمي، وقال رواه الطبراني في الأوسط وفيه عباد بن عبد الصمد أبو معمر ضعفه البخاري (وعن طلحة بن عبيد الله) بن كريز قال "من عزى مصابا كساه الله رداء
[ ٨ / ٩٠ ]
_________________
(١) يجبر به يعني يغبط به (ش) (وعن داود بن ناقد) قال قلت لعبيد الله بن عبيد كيف كان هذان الشيخان يعزيان؟ يعني ابن الزبير وعبد الله بن عمر، قال كانا يقولان أعقبك الله عقبي المتقين صلوات منه ورحمة جعلك من المهتدين واعقبك كما اعقب عباده الصالحين (ش) (وعن أبي خالد الوالبي) أن النبي ﷺ عزى رجلا يرحمه الله ويأجرك (ش) (وعن الحسن) عن سمرة أنه كان إذا عزى مصابا قال اصبر لحكم الله ربك (الأحكام) أحاديث الباب تدل على مشروعية التعزية لأهل الميت؛ وأصل العزاء في اللغة الصبر الحسن، والتعزية التصبر وعزاه صبره؛ فكل ما يجلب للمصاب صبرا يقال له تعزية بأي لفظ كان، ويحصل به للمعزى الأجر المذكور في أحاديث الباب والأفضل أن يكون بالألفاظ الواردة، ومن أحسنها ما جاء في حديث أسامة بن زيد ﵄ من قوله ﷺ "إن لله ما أخذ وله ما أعطى وكل شيء عنده بأجل مسمى- الحديث" قال صاحب المهذب ويستحب أن يعزي بتعزية الخضر ﵇ أهل بيت رسول الله ﷺ "قلت تقدم لفظه في الزوائد" قال ويستحب أن يدعو للميت فيقول أعظم الله أجرك وأحسن عزاءك، وإن عزى كافرا بمسلم قال أحسن الله عزاءك وغفر لميتك وإن عزى كافرا بكافر قال أخلف الله عليك ولا نقص عددك أهـ "وقد اتفق العلماء على استحباب التعزية" قال النووي ﵀ (قال الشافعي والأصحاب) يستحب أن يعزي جميع أهل الميت وأقاربه الكبار والصغار الرجال والنساء إلا أن تكون المراة شابة فلا يعزيها إلا محارمها، قالوا وتعزية الصلحاء والضعفاء عن احتمال المصيبة والصبيان آكد أهـ ج (واختلفوا في وقت التعزية) من حين يموت ويبقى إلى ثلاثة أيام بعد الدفن، والثلاثة على التقريب لا على التحديد، كذا قال الشيخ أبو محمد الجويني من أصحابنا (قال أصحابنا) وتكره التعزية بعد ثلاثة أيام، لأن التعزية لتسكين قلب المصاب، والغالب سكون قلبه بعد الثلاثة فلا يجدد له الحزن، هكذا قاله الجماهير من أصحابنا، وقال أبو العباس بن القاص من أصحابنا لا بأس بالتعزية بعد الثلاثة بل يبقى أبدا وإن طال الزمان، وحكى هذا إمام الحرمين ايضا عن بعض أصحابنا، والمختار أنها لا تفعل بعد ثلاثة أيام إلا في صورتين استثناهما أصحابنا أو جماعة منهم وهما إذا كان المغزى أو صاحب المصيبة غائبا حال الدفن، واتفق رجوعه بعد الثلاثة (قال
[ ٨ / ٩١ ]
_________________
(١) أصحابنا) والتعزية بعد الدفن أفضل منها قبله، لأن أهل الميت مشغولون بتجهيزه، ولأن وحشتهم بعد دفنه لفراقه أكثر، هذا إذا لم ير منهم جزعا شديدا، فإن رآه قدم التعزية ليسكنهم، والله أعلم أهـ أذكار (وفي أحاديث الباب) أيضا فضل عظيم وثواب جسيم لمن عزى مصابا ولمن ابتلى فصبر واسترجع، ومن نظر إلى حديث أسامة بن زيد المذكور في الباب، وإلى قوله ﷺ فيه لابنته "إن لله ما أخذ ولله ما أعطى وكل شئ عنده بأجل مسمى فمرها فلتصبر ولتحتسب" من نظر إلى هذا الحديث بعين الأنصاف والتأمل والاعتبار هان عليه مصائب الدنيا (قال النووي ﵀) في كتابه الأذكار هذا الحديث من أعظم فواعد الإسلام المشتملة على مهمات كثيرة من أصول الدين وفروعه والآداب والصبر على النوازل كلها ملك لله تعالى، فلم يأخذ ما هو لكم بل أخذ ما هو له عندكم في معنى العارية "ومعنى له ما أعطى" أن ما وهبه لكم ليس خارجا عن ملكه بل هو له سبحانه يفعل فيه ما يشاء، وكل شئ عنده بأجل مسمى، فلا تجزعوا فإن من قبضه قد انتهى أجله المسمى؛ فمحال تأخره أو تقدمه عنه، فإذا علمتم هذا كله فاصبروا واحتسبوا ما نزل بكم، والله أعلم قال وروينا في كتاب النسائي بإسناد حسن عن معاوية بن قرة بن إياس عن أبيه رضي عنه أن النبي ﷺ فقد بعض أصحابه فسأل عنه، فقالوا يا رسول الله بنيه الذي رأيته هلك؛ فلقيه النبي ﷺ فسأله عن بنيه فأخبره أنه هلك فعزاه عليه، ثم قال يا فلان أيما كان أحب إليك، أن تمتع به عمرك أو لا تأتي غدا بابا من أبواب الجنة إلا وجدته قد سبقك إليه يفتحه لك، قال يا نبي الله بل يسبقني إلى الجنة فيفتحها لهو أحب إلى، قال فذلك لك (وروى البيهقي) بإسناده في مناقب الشافعي رحمهما الله، أن الشافعي بلغه أن عبد الرحمن ابن مهدي ﵀ مات له ابن فجزع عليه عبد الرحمن جزعا شديدا فبعث إليه الشافعي ﵀، مات له ابن فجزع عليه عبد الرحمن جزعا شديدا فبعث إليه الشافعي ﵀، يا أخي عز نفسك بما تعزي به غيرك، واستقبح من فعلك ما تستقبحه من فعل غيرك، واعلم أن آخر المصائب فقد سرور وحرمان أجر، فكيف إذا اجتمعتا مع اكتساب وزر فتناول حظك يا اخي إذا قرب منك قبل تطلبه وقد نأى عنك؛ ألهمك الله عند المصائب صبرا، وأجرز لنا ولك بالصبر أجرا وكتب إليه إني معزيك لا أني على ثقة من الخلود ولكن سنة الدين فما المعزى بباق بعد ميته ولا المعزي ولو عاشا إلى حين وكتب رجل إلى بعض إخوانه يعزيه بابنه (أما بعد) فإن الولد على والده ما عاش حزن وفتنة، فإذا قدمه فصلاة ورحمة، فلا تجزع على ما فاتك من حزنه وفتنته، ولا تضيع
[ ٨ / ٩٢ ]
(٧) باب صنع طعام لأهل الميت وكراهة منهم لأجل اجتماع الناس عليه
(٢٧٤) عن عبدالله بن جعفر ﵄ قال لما جاء نعي جعفر حين قتل قال النبي ﷺ أصنعوا لآل جعفر طعاما فقد أتاهم أمر يشغلهم أو أتاهم ما يشغلهم.
(٢٧٥) عن أسماء بنت عميس ﵂ في قصة موت زوجها جعفر بن أبي طالب ﵁ أن النبي ﷺ قال لأهله لاتغفلوا آل جعفر من أن تصنعوا لهم طعاما فإنهم قد شغلوا بأمر صاحبهم.
_________________
(١) ما عوضك الله ﷿ من صلاته ورحمته (وعن عبدالله بن عمر ﵄) أنه دفن ابنا له وضحك عند قبره، فقيل له أتضحك عند القبر؟ قال أردت أن أرغم أنف الشيطان أهـ. وفي هذا قدر كفاية، وسيأتي إن شاء الله تعالى في كتابنا هذا من هذا القبيل في كتاب الصبر ما يروي الظمآن ويشفي العليل، والله الهادي إلى سواء السبيل
(٢) عن عبدالله بن جعفر (سنده) حدثنا عبدالله حدثني أبي ثنا سفيان ثنا جعفر بن خالد عن أبيه عن عبدالله بن جعفر- الحديث" (غريبه) (١) كان قتل جعفر ﵁ في جمادى سنة ثمان من الهجرة في غزوة مؤتة، وهي موضع معروف بالشام عند الكرك، وسيأتي تفصيل ذلك في هذه الغزوة من كتاب الغزوات إن شاء الله تعالى (٢) يعني لزوجاته أمهات المؤمنين ﵅ (٣) بفتح الياء التحتية وحكى ضمها (قال النووي) وهو شاذ قال وقد وقع في المهذب يشغلهم عنه، والذي في كتب الحديث يشغلهم بحذف عنه أهـ (تخريجه) (فع. د. جه. مذ) وحسنه وصححه ابن السكن
(٣) (عن أسماء بنت عميس) هذا طرف من حديث طويل سيأتي بتمامه وسنده في مناقب جعفر بن عبد المطلب من كتاب مناقب الصحابة إن شاء الله تعالى (غريبه) (٤) أي زوجات النبي ﷺ "وقوله لا تغفلوا آل جعفر بما أصابهم، يقال أغفل الشئ تركه عن ذكر (تخريجه) (جه) وفي إسناده أم عيسى مجهولة لا يعرف حالها ويعضده ما قبله، ولفظه عند ابن ماجه حدثنا يحيى بن خلف أبو سلمة قال
[ ٨ / ٩٣ ]
(٢٧٦) عن عروة عن عائشة ﵂ إنها كانت إذا مات الميت من أهلها فاجتمع النساء، ثم تفرقن إلا أهلها وخلصتها، أمرت ببرمة من تلبينة فطبخت، ثم صنع ثريد فصنت التلبينة عليها، ثم قالت كلن منها فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم يقول التلبينة مجمة لفؤاد المريض تذهب ببعض الحزن
(٢٧٧) عن جرير بن عبد الله البجلي ﵁ قال كنا نعد الاجتماع
_________________
(١) ثنا عبد الأعلى عن محمد بن اسحق حدثني عبدالله بن أبي بكر عن أم عيسى الجزار قالت حدثتني أم عون بن محمد بن جعفر عن جدتها أسماء بنت عميس قالت لما أصيب جعفر رجع رسول الله ﷺ إلى أهله فقال إن آل جعفر قد شغلوا بشأن ميتهم فاصنعوا لهم طعاما، قال عبدالله فما زالت سنة حتى كان حديثا فترك
(٢) عن عروة عن عائشة (سنده) حدثنا عبدالله حدثني أبي ثنا حجاج حدثني ليث حدثني عقيل عن ابن شهاب عن عروة عن عائشة - الحديث" (غريبه) (١) أي من أقاربها (٢) بضم الموحدة الثانية قدر من حجارة "وقوله من تلبينة" التلبينة بفتح المثناة وسكون اللام وكسر الموحدة بعدها تحتانية ثم نون ثم هاء، وقد يقال بلاهاء (قال الأصمعي) هي حساء يعمل من دقيق أو نخالة، ويجعل فيه عسل، قال غيره أو لبن سميت تلبينة تشبيها لها باللبن في بياضها ورقتها، وقال ابن قتيبة وعلى قول من قال يخلط فيها لبن سميت بذلك لمخالطة اللبن لها، وقال أبو نعيم في الطب هي دقيق بحت، وقال قوم فيه شحم، وقال الدوادي يؤخذ العجين غير خمير فيخرج ماؤه فيجعل حشوا فيكون لا يخالطه شيء فلذلك كثر نفعه، وقال الموفق البغدادي التلبينة الحساء ويكون في قوام اللبن وهو الدقيق النضج لا الغليظ النيئ (٣) الثريد بفتح المثلثة وكسر الراء هو أن يثرد الخبز بمرق اللحم، وقد يكون معه لحم (٤) بضم الميم وكسر الجيم اسم فاعل أي مريحة، ويجوز فتح الميم الأولى والجيم والميم الثانية مشددة (٥) بضم الحاء المهملة وسكون الزاي ويجوز فتحها، والفؤاد رأس المعدة، وفؤاد الحزين يضغف باستيلاء اليبس على أعضاءه ومعدته لتقليل الغذاء، وهذا الطعام يربطها ويقويها ويفعل ذلك ايضا بفؤاد المريض (تخريجه) (ق. نس. مذ)
(٣) عن جرير بن عبدالله (سنده) حدثنا عبدالله حدثني أبي ثنا نصر
[ ٨ / ٩٤ ]
إلى أهل الميت وصنيعة الطعام بعد دفنه من النياحة
_________________
(١) ابن باب عن اسماعيل عن قيس عن جرير بن عبد الله البجلي - الحديث" (غريبه) (١) يغني أنهم كانوا يعدون الاجتماع عند أهل الميت بعد دفنه وأكل الطعام عندهم نوعا من النياحة لما في ذلك من التثقيل عليهم وشغلهم مع ماهم فيه من اشتغال الخاطر بموت الميت، وما فيه من مخالفة السنة، لأنهم مأمورون بأن يصنعوا لأهل الميت طعاما فخالفوا ذلك وكلفوهم صنعة الطعام لغيرهم (تخريجه) (جه) وإسناده صحيح، ورواه ابن ماجه من طريقين أحدهما على شرط البخاري، والثاني على شرط مسلم، وقول الصحابي كنا نعد كذا من كذا هو بمنزلة رواية اجماع الصحابة ﵃ أو تقرير النبي ﷺ، وعلى الثاني فحكمه الرفع، وعلى التقديرين فهو حجة (زوائد الباب) (عن أنس بن مالك) ﵁ قال قال رسول الله ﷺ "لا عقر في الإسلام. قال عبد الرزاق كانوا يعقرون عند القبر يعني ببقرة أو بشئ" رواه أبو داود والبيهقي، وسكت عنه أبو داود والمنذري، ورجال إسناده رجال الصحيح (وروى سعيد بن منصور) في سننه أن جريرا وفد على عمر بن الخطاب ﵁ فقال هـ ليناح على ميتكم؟ قال لا، قال فهل تجتمعون عند أهل الميت وتجعلون الطعام؟ قال نعم، قال ذلك النوح (الأحكام) أحاديث الباب تدل على مشروعية صنع طعام لأهل الميت من أقاربه وجيرانه لأن أهل الميت جاءهم من الحزن ما يمنعهم عن تهيئة الطعام لأنفسهم فربما حصل لهم ضرر بذلك وهم لا يشعرون، فصنع الطعام لهم نوع من أنواع البر بالقريب والجار والعطف عليه، وفي ذلك أعظم تسلية لأهل الميت ومزيد أجر لفاعله (قال القارئ ﵀) والمراد طعام يشبعهم يومهم وليلتهم فإن الغالب أن الحزن الشاغل عن تناول الطعام لا يستمر أكثر من يوم، ثم إذا صنع لهم ما ذكر سن أن يلح عليهم في الأكل لئلا يضعفوا بتركه استحياء أو لفرط جزع أهـ (قلت) وهو قول الحنفية وبمثل ذلك قالت (الشافعية أيضا) قال النووي ﵀ قال الشافعي في المختصر وأحب لقرابة الميت وجيرانه أن يعملوا لأهل الميت في يومهم وليلتهم طعاما يشبعهم فإنه سنة وفعل أهل الخير، قال أصحابنا ويلح عليهم في الأكل أهـ. قال النووي (قال أصحابنا) ﵏، ولو كان النساء بنحن لم يجز اتخاذ طعام لهن لأنه إعانة على المعصية أهـ ج، وبنحو ذلك (قالت المالكية والحنابلة) (وفيها أيضا) استحباب صنع التلبينة وإطعامها لأهل الميت لأنها تذهب ببعض الحزن كما في حديث عائشة وتقدم الكلام على ذلك في شرحه (واتفق الأئمة الأربعة) على كراهة صنع أهل الميت طعاما للناس يجتمعون عليه مستدلين بحديث جرير بن عبد الله المذكور في الباب وظاهره التحريم، لأن النياحة حرام، وقد عده الصحابة ﵃ من النياحة فهو حرام
[ ٨ / ٩٥ ]
_________________
(١) وبذلك قال بعض أهل العلم منهم شيخ الإسلام زكريا الأنصاري الشافعي، قال وهو ظاهر في الحرمة فضلا عن الكراهة والبدعة الصادقة بكل منهما أهـ (قلت) والحكمة في الكراهة أو التحريم أن في صنع الطعام من اهل الميت زيادة على مصيبتهم وشغلالهم إلى شغلهم وتشبها بصنع أهل الجاهلية وعكسها للمشروع (قال ابن قدامة في المغنى) فإن دعت الحاجة إلى ذلك جاز فإنه ربما جاءهم من يحضر ميتهم من القرى والأماكن البعيدة ويبيت عندهم ولا يمكنهم إلا أن يضيفوه أهـ (قلت) هذا إذا لم يكن للميت أيتام أو كان ولم يصنع من مالهم، وإلا كانت الضيافة على أهل البلد، فإن كان من مال الأيتام حرم بالاتفاق (ويستفاد من حديث جرير أيضا) عدم جواز الاجتماع إلى اهل الميت كما يفعل الآن لأجل التعزية (قال النووي ﵀) وأما الجلوس للتعزية فنص الشافعي وصاحب المهذب وسائر الأصحاب على كراهته، ونقله الشيخ أبو حامد في التعليق وآخرون عن نص الشافعي، قالوا يعني الجلوس لها أن يجتمع أهل الميت في بيتهم فيقصدهم من أراد التعزية، وقالوا بل ينبغي أن ينصرفوا في حوائجهم فمن صادفهم عزاهم ولا فرق بين الرجال والنساء في كراهة الجلوس لها، صرح به المحاملي، ونقله عن نص الشافعي ﵀ وهو موجود في الأم (قال الشافعي في الام) وأكره المآتم وهي الجماعة وإن لم يكن لهم بكاء، فإن ذلك يجدد الحزن ويكلف المؤنة مع ما مضى فيه من الأثر، هذا لفظه في الأم أهـ ج (وقال صاحب المهذب) ويكره الجلوس للتعزية ثلاثة أيام والمحدث بدعة (ويمثل ذلك قالت الحنابلة، وقالت الحنفية) بجواز الجلوس للتعزية ثلاثة أيام من غير ارتكاب مخذور من فرش البسط والأطعمة؛ لأنها تتخذ عند السرور أهـ. وذهب جماعة منهم إلى ما ذهب جماعة منهم إلى ما ذهب إليه الشافعية والحنابلة (وذهبت المالكية) إلى جواز ذلك، ونقل الخطاب عن سند أنه يجوز الجلوس لها ولم يذكر مدة معينة لذلك، ومحل الخلاف إذا خلا المجلس عما ينكره الشرع، وإلا امتنع بالاتفاق، فما يفعله الناس الآن من الاجتماع للتعزية وذبح الذبائح وتهيئة الطعام ونصب الخيام والقماش المزخرف بالألوان وفرش البسط وغيرها وصرف الأموال الطائلة في هذه الأمور المبتدعة التي لا يقصدون بها إلا التفاخر والرياء ليقول الناس فلان فعل كذا وكذا وأنفق كذا وكذا في مأتم أبيه مثلا، كله حرام مخالف لهدي النبي ﷺ وهدي السلف الصالح من الصحابة والتابعين؛ ولم يقل به أحد من أئمة الدين، نسأل الله السلامة (وفي حديث أنس) ﵁ المذكور في الزوائد دليل على عدم جواز العقر في الإسلام كما كان في الجاهلية (قال الخطابي ﵀) وكان أهل الجاهلية يعقرون الإبل على قبر الرجل الجواد يقولون نجازيه على فعله؛ لأنه كان يعقرها في حياته فيطعمها الأضياف فنحن نعقرها عند قبره حتى تأكلها السباع والطير فيكون مطعما بعد مماته كما كان مطعما في حياته، قال ومنهم من كان يذهب
[ ٨ / ٩٦ ]
(٨) باب ما جاء في باب وصول ثواب القريب المهداة إلى الموتى
(٢٧٨) عن ابن عباس ﵄ أن سعد بن عبادة أخا بني ساعدة توفيت أمه وهو غائب عنها، فقال يا رسول الله إن أمي توفيت وأنا غائب عنها، فهل ينفعها إن تصدقت بشئ عنها؟ قال نعم قال فإني أشهدك أن حائطي المخرف وفي لفظ ال مخراف صدقة عليها
_________________
(١) في ذلك إلى أنه إذا عقرت راحلته عند قبره حشر في القيامة راكبا، ومن لم يعقر عنده حشر راجلا أهـ (قلت) كان ذلك في الجاهلية قبل الإسلام، فلما جاء الإسلام منعه ونهى عنه فلم يفعله الصحابة ولا التابعون ولا من السلف من صالحي الأمة، ولكن زين الشيظان لبعض الجهال ما كان عليه أهل الجاهلية فقلدوهم في ذلك ونحوه ونبذوا سنة رسول الله ﷺ وراء ظهورهم وتحملوا تبعة ذلك وتبعة من تبعهم إلى يوم القيامة فباءوا بالخزي والخذلان، وقد جاء في الحديث الصحيح عن أبي هريرة ﵁ قال قال رسول الله ﷺ "من سن سنة ضلال فاتبع عليها كان عليه مثل أوزارهم من غير أن ينقص من أوزارهم شئ، ومن سن سنة هدى فأتبع عليها كان له مثل أجورهم من غير أن ينقص من أجورهم شئ" رواه مسلم والأربعة والإمام أحمد، وتقدم في باب التحذير من الابتداع في الدين من كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة ١٥ صحيفة ١٩٣ في الجزء الأول نسأل الله تعالى التوفيق للعمل بكتابه واتباع سنة نبيه ﷺ.
(٢) عن ابن عباس (سنده) حدثنا عبدالله حدثني أبي ثنا عبد الرزاق وابن بكر قالا أنا ابن جريج قال أخبرني يعلى أنه سمع عكرمة مولى ابن عباس يقول أنبأنا ابن عباس أن سعد بن عبادة "الحديث" (غريبه) (١) هو الأنصاري الخزرجي سيد الخزرج، وبنو ساعدة بطن من الخزرج شهير (٢) هي عمرة بنت مسعود وقيل سعد بن قيس بن عمرو أنصارية خزرجية، ذكر ابن سعد انها أسلمت وبايعت وماتت سنة خمس من الهجرة وابنها غائب مع النبي ﷺ في غزوة دومة الجندل، قال فلما رجعوا جاء النبي ﷺ فصلى على قبرها (قال الحافظ) وعلى هذا فهذا الحديث مرسل صحابي، لأن ابن عباس كان حينئذ مع أبويه بمكة، والذي يظهر سمعه من سعد بن عبادة (٣) يعني ينفعها عند الله (٤) الحائط البستان والمخرف بوزن مبر عطف بيان لحائط، اسم له أو وصف، أي المثمر (٥) هذا اللفظ لابن بكر أحد الرواة "والمخراف" بوزن مفتاح المكان المثمر سمي بذلك لما يخرف منه أي يجني من الثمرة، تقول شجرة مخراف ومثمار، قاله الخطابي (تخريجه) (خ. د. نس. مذ)
[ ٨ / ٩٧ ]
(٢٧٩) عن عائشة ﵂ أن رجلا قال للنبي صلى الله عليه وعلى لآله وصحبه وسلم إن أمي افتلتت نفسها، وأظنها لو تكلمت تصدقت فهل لها أجر أن أتصدق عنها؟ قال نعم
(٢٨٠) حدثنا عبدالله حدثني أبي ثنا حجاج قال سمعت شعبة يحدث عن قتادة قال سمعت الحسن يحدث عن سعد بن عبادة ﵁ أن أمه ماتت فقال لرسول الله ﷺ إن أمي ماتت افأتصدق عنها؟ قال نعم، قال فأي الصدقة أفضل، قال سقى الماء قال فتلك سقاية آل سعد بالمدينة
_________________
(١) عن عائشة (سنده) حدثنا عبدالله حدثني أبي ثنا يحيى قال أنا هشام قال أخبرني أبي قال أخبرتني عائشة أن رجلا قال للنبي صلى الله عليه - الحديث" (غريبه) (١) هو سعد بن عبادة ﵁ المتقدم ذكره في الحديث السابق ويؤيده الحديث الآتي بعده، وما رواه الإمام مالك في الموطأ عن سعيد بن عمرو بن شرحبيل ابن سعيد بن سعد بن عبادة عن أبيه عن جده قال خرج سعد بن عبادة مع النبي ﷺ في بعض مغازيه وحضرت أمه الوفاة بالمدينة، فقيل لها أوصى، فقالت قيم أوصي، المال مال سعد، فتوفيت قبل أن يقدم سعد فذكر الحديث (٢) بالفاء وضم التاء الفوقية أي ماتت بغتة وفجأة، والفلتة والإفتلات ما كان بغتة "وقوله نفسها" برفع السين ونصبها، هكذا ضبطوه وهما صحيحان؛ الرفع على مالم يسم فاعله، والنصب الثاني "وأما قوله أظنها لو تكلمت تصدقت" معناه لما علمه من حرصها على الخير أو لما علمه من رغبتها في الوصية، أفاده النووي (فإن قيل) يستفاد من هذا الحديث أنها ماتت بغتة ولم تتكلم، وفي حديث مالك الذي تقدم ذكره آنفا أنها تكلمت وقالت "فيم أوصي المال مال سعد" فكيف الجمع بينهما (فالجواب) ما قاله الحافظ وهو إن أمكن تأويل رواية الباب بأن المراد أنها لم تتكلم أي بالصدفة؛ ولو تكلمت لتصدقت أي فكيف أمضي ذلك، أو يحمل على أن سعدا ما عرف بما وقع منها فإن الذي روى هذا الكلام في الموطأ هو سعيد بن سعد بن عبادة أو ولده شرحبيل مرسلا فعلى التقديرين لم يتحد راوي الإثبات وراوي النفي فيمكن الجمع بينهما بذلك، والله أعلم (٣) لفظ البخاري، قال نعم تصدق عنها (تخريجه) (ق. لك. وغيرهم)
(٢) حدثنا عبدالله (غريبه) (٤) فيه دليل على أن سقى الماء أفضل
[ ٨ / ٩٨ ]
قال شعبة فقلت لقتادة من يقول تلك سقاية آل سعد\ظ قال الحسن
(٢٨١) عن ابن عباس عن سعد بن عبادة ﵃ أنه أتى النبي ﷺ فقال إن امي ماتت وعليها نذر أفيجزى عنها أن أعتق عنها، قال أعتق عن أمك
(٢٨٢) عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن العاص بن وائل نذر في الجاهلية أن ينحر مائة وأن هشام بن العاص نحر حصته خمسين
_________________
(١) الصدقة "وقوله فتلك سقاية آل سعد بالمدينة" القائل هو الحسن كما سيأتي، يعني أن سقاية آل سعد لا زالت باقية بالمدينة إلى زمنه، وأصرح من ذلك ما جاء في رواية أبي داود قال فأي الصدقة أفضل؟ قال الماء، فحفر بئر أو قال هذه لأم سعد" يعني يستقي منها الناس، وهذا الحديث مبين لجهة الصدقة التي ابهمت في حديث عائشة وللرجل المبهم فيه أيضا وهو سعد بن عبادة (تخريجه) (د. نس. جه) ورجال اسناده ثقات إلا أن الحسن لم يدرك سعدا.
(٢) عن ابن عباس (سنده) حدثنا عبدالله حدثني أبي ثنا عفان ثنا سليمان بن كثير أوب داود عن الزهري عن عبيد الله بن عبدالله عن ابن عباس - الحديث" (غريبه) (١) رواية البخاري إلى قوله وعليها نذر، فقال يعني النبي ﷺ اقضه عنها، وقد أفادت رواية الإمام أحمد بيان ما هو النذر المذكور وهو أنها نذرت أن تعتق رقبة فماتت قبل أن تفعل (قال الحافظ) ويحتمل أن تكون نذرت نذرا أن تعتق رقبة فماتت قبل أن تفعل (قال الحافظ) ويحتمل أن تكون نذرت نذرا مطلقا غير معين فيكون في الحديث، حجة لمن أفتى في النذر المطلق كفارة يمين والعتق أعلى كفارات الأيمان فلذلك أمره أن يعتق عنها؛ وحكى ابن عبد البر عن بعضهم أن النذر الذي كان على والدة سعد صيام واستند إلى حديث ابن عباس في الصوم أن رجل قال يا رسول الله إن أمي ماتت وعليها صوم الحديث ثم رده بأن في بعض الروايات عن ابن عباس جاءت امرأة فقالت إن أختي ماتت، قال الحافظ والحق أنها قصة أخرى أهـ (٢) يستفاد من هذا الحديث أن أم سعد ماتت وعليها نذر فوفاه عنها، وفي حديث الحسن تصدق عنها بسقى الماء، وفي الحديث الأول من أحاديث الباب أنه تصدق عنها بحائطه المخرف، ولا منافاة بين ذلك لاحتمال أ، يكون سأل عن ذلك كله وفعل كل ذلك والله أعلم (تخريجه) (خ. لك. نس)
(٣) عن عمرو بن شعيب (سنده) حدثنا عبدالله حدثني أبي ثنا هشيم
[ ٨ / ٩٩ ]
بدنة وأن عمرا سال النبي ﷺ عن ذلك فقال أما أبوك فلو كان أقر بالتوحيد فصمت وتصدقت عنه نفعه ذلك.
(٢٨٣) عن ابي هريرة ﵁ أن رجلا قال للنبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم إن أبي مات وترك مالا ولم يوص، فهل يكفر عنه أن أتصدق عنه؟ فقال نعم
(٢٨٤) عن عقبة بن عامر ﵁ أن غلاما أتي النبي ﷺ (وفي لفظ سأل رجل رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم) فقال يا رسول الله إن أمي ماتت وتركت حليا أقأتصدق به عنها؟ قال أمك
_________________
(١) أنا حجاج ثنا عمرو بن شعيب "الحديث" (غريبه) (١) إنما كانت حصته خمسين لأن العاص بن وائل خلف اثنين هشاما وعمرا، فأراد هشام أن يفي بنذر أبيه فنحر حصته من المائة التي نذرها وحصته خمسون. وأراد عمرو أن يفعل كفعل أخيه فسأل رسول الله ﷺ فأخبره أن موت أبيه على الكفر مانع من وصول نفع ذلك إليه؛ وأنه لو أقر بالتوحيد لأجزأ ذلك عنه ولحقه ثوابه (تخريجه) لم أقف عليه لغير الإمام أحمد وسنده جيد.
(٢) عن أبي هريرة (سنده) حدثنا عبد الله حدثني أبي ثنا سليمان بن داود قال حدثنا إسماعيل يعني ابن جعفر قال أخبرني العلاء عن أبيه عن ابي هريرة - الحديث" (غريبة) (٢) من التكفير اي يكفر سيئاته؟ فيحتمل أن المتوفي لم يؤد زكاة ماله مع وجوبها عليه فسأل ابنه النبي ﷺ إن أداها عن أبيه يكفر عنه هذا الذنب؟ قال نعم، ويحتمل أن المراد بالسيئة هو ترك الوصية مع كثرة المال، وعده سيئة لما فيه من النقصان والحرمان من الثواب العظيم مع وجود الإمكان والله أعلم.
(٣) عن عقبة بن عامر (سنده) حدثنا عبدالله حدثني أبي ثنا اسحق ابن عيسى وموسى بن داود قالا ثنا ابن لهيعة عن يزيد بن ابي حبيب عن أبي الخير عن عقبة بن عامر - الحديث" وفي آخره قال عبد الله حدثني أبي ثناه أبو عبد الرحمن يعني المقري "يريد أنه روى ولأن لفظ الغلام قد يطلق على الرجل مجازا باسم ما كان عليه، كما يقال للصغير شيخ
[ ٨ / ١٠٠ ]
أمرتك بذلك قال لا، قال فأمسك عليك حلي أمك
(٢٨٥) عن معقل بن يسار ﵁ أن رسول الله ﷺ قال يس قلب القرآن لا يقرؤها رجل يريد الله تعالى والدار الآخرة إلا غفر له واقرءوها على موتاكم
_________________
(١) مجازا باسم ما يؤول إليه (١) يريد بذلك إن كانت أمرته فليتصدق بما أمرت به وجوبا وإلا فاستحبابا إن لم يكن محتاجا، فإن كان محتاجا فهو أولى، والظاهر أنه ﷺ رأى رجل محتاجا فأمره بإمساك حلي أمه والله أعلم (تخريجه) أورده الهيثمي وقال رواه أحمد والطبراني في الكبير، إلا أنه قال إن أمي توفيت ولم توص فهل ينفعها إن تصدقت عنها؟ قال احبس عليك مالك، ورجال الطبراني رجال الصحيح، وفي إسناد أحمد ابن لهيعة.
(٢) (عن معقل بن يسار) هذا الحديث تقدم بسنده وشرحه وتحريجه في باب قراءة يس عند المحتضر في الجزء السابع صحيفة ٦٣ رقم ٤١ - وقد ذكرته هنا لأن بعض العلماء يرى أن قراءة يس تستحب للميت مطلقا عند الاحتضار وفي القبر، وسيأتي الكلام على ذلك في الأحكام (زوائد الباب) (وعن عبد الله بن عمرو) قال قال رسول الله ﷺ إذا تصدق بصدقة تطوعا فيجعلها عن أبويه فيكون لهما أجرها ولا ينتقص من أجره شيئا أورده الهيثمي وقال رواه الطبراني في الأوسط، وفيه خارجة بن مصعب العبدي ضعيف (وعن أبي هريرة) ﵁ أن رسول الله ﷺ قال إذا مات الإنسان انقطع عمله عنه إلا من ثلاث، إلا من صدقة جارية. أو علم ينتفع به. أو ولد صالح يدعو له (م. والأربعة) والإمام أحمد، وسيأتي في باب الصدقة الجارية من كتاب الزكاة (وروى الدارقطني) أن رجلا قال يا رسول الله إنه كان لي أبوان أبرهما في حال حياتهما فكيف لي ببرهما بعد موتهما؟ قال إن من البر بعد البر أن تصلي لهما مع صلاتك وأن تصوم لهما مع صيامك (وعن عبد الرحمن بن العلاء) بن اللجلاج عن أبيه أنه قال لبنيه إذا أدخلتموني قبري فضعوني في اللحد وقولوا "بسم الله وعلى سنة رسول الله ﷺ وسنوا علي التراب سنا واقرءوا عند رأسي أول البقرة وحاتمتها فإني رأيت ابن عمر يستحب ذلك، رواه (هق. طب) وسنده جيد (الأحكامي) أحاديث الباب مع ما ذكرنا في الزوائد تدل على انتفاع الميت بما يهديه إليه الاحياء من أعمال الخير كالصدقة والصلاة والصيام والحج والعتق وقراءة القرآن (وللعلماء في ذلك مذاهب شتى) (قال الحافظ ابن القيم) في كتابه الروح أجمع أهل السنة على انتفاع الأموات بشيئين (أحدهما)
[ ٨ / ١٠١ ]
.
_________________
(١) ما تسبب به الميت في حياته لقوله تعالى: فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره" واستدل بأحاديث كثيرة (منها) حديث أبي هريرة المذكور في الزوائد بلفظ "إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاث الخ" (والثاني) دعاء المسلمين واستعفارهم والتصدق عنه والحج لقوله تعالى "والذين جاءوا من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا باللإيمان" وأجمعت الأمة على الدعاء للميت في صلاة الجنازة وأتى باحاديث كثيرة في هذا المعنى. واستدل لانتفاع الميت بالصدفة بأحاديث الباب، واستدل لجواز الجج عن الميت بأحاديث كثيرة (منها) ما رواه البخاري وغيره أن امرأة من جهينة جاءت إلى النبي ﷺ فقالت إن أمي نذرت أن تحج فلم تحج حتى ماتت افأحج عنها؟ قال حجي عنها أرأيت لو كان على أمك دين أكنت قاضيته؟ اقضوا الله قالله أحق بالوفاء، قال والواصل إلى الميت ثواب العمل عند الجمهور (وقال) بعض الحنفية بل ثواب الأنفاق (قال) بعض الحنفية بل ثواب الإنفاق (قال) واختلف في العبادات البدنية كالصوم والصلاة وقراءة القرآن والذكر، فمذهب أحمد وجمهور السلف وصولها، نص عليه الإمام أحمد في رواية محمد بن يحيى الكمال، قال قيل لأبي عبدالله الرجل يعمل الشئ من الخير من صلاة أو صدقة وغيرها، وقال اقرأ آية الكرسي ثلاث مرات وقل هو الله أحد وقل اللهم فصله لأهل المقابر، واستدل الحافظ بن القيم لجواز الصيام عن الميت بأحاديث (منها) حديث عزاه للصحيحين عن عائشة ﵂ مرفوعا من مات وعليه صيام صام عنه وليه (منها) حديث عمرو بن العاص ﵁ المذكور في الباب فيه "أما أبوك فلو أقر بالتوحيد فصمت وتصدقت عنه نفعه ذلك" قال والعبادات قسمان مالية وبدنية وقد نبه الشارع بوصول ثواب الصدقة على وصول سائر الأعمال المالية، أما أداء الدين فبالاجتماع ولو كان من أجنبي بلا إذن أو من غير تركة الميت، وبوصول ثواب الصوم على وصول ثواب سائر العبادات البدنية، وبوصول ثواب الحج على وصول ثواب المركب منهما، والمشهور من (مذهب الشافعي ومالك) أن ثواب العبادات البدنية المتحضة لا يصل، لأن العبادات نوعان (احدهما) لا يدخله النيابة بحال كالإسلام والصلاة وقراءة القرآن والصيام، فهذا النوع يختص ثوابه بفاعله لا يتعداه كما في الحياة (والثاني) تدخله النيابة كودائع وأ>اء الديون وإخراج الصدقة والحج. فهذا يصل ثوابه إلى الميت لأنه يقبل النيابة في الحياة فبعد الموت أولى، ثم قال وسر المسألة أن الثواب ملك العامل، في إذا تبرع به لأخيه المسلم أوصله أكرم الأكرمين إليه فما الذي خص من هذا الثواب ثراءة القرآن وحجر على العبد أن يوصله إلى أخيه؟ ولم يزل عمل الناس عليه حتى المنكرين في سائر الأعصار والأمصار من غير نكير من أحد العلماء. قال والأنفع للميت من ذلك ما كان أنفع نفسه فالعتق والصدقة أنفع من الصيام
[ ٨ / ١٠٢ ]
.
_________________
(١) لتعدي نفعها وقصور نفعه، وأفضل الصدقة ما صادف حاجة من المتصدق عليه وكان دائما مستمرا، ومنه حديث (أفضل الصدقة سقى الماء على الأنهار) وكذلك الدعاء والاستغفار له إذا كان بصدق وإخلاص وتضرع فهو موضعه أفضل من الصدقة عنه، وذلك كالصلاة على جنازته والوقوف على قبره للدعاء أهـ باختصار (وقال الشوكاني ﵀) أحاديث الباب تدل على أن الصدقة من الولد تلحق الوالدين بعد موتهما بدون وصية منهما ويصل إليهما ثوابها، فيخصص بهذه الأحاديث عموم قوله تعالى "وأن ليس للإنسان إلا ما سعى" ولكن ليس في أحاديث الباب إلا لحوق الصدقة من الولد فالظاهر من العموميات القرآنية أنه لا يصل ثوابه إلى الميت فيوقف عليها حتى يأتي دليل يقتضي تخصيصها (وقد اختلف) في غير الصدقة من أعمال البر هل يصل إلى الميت؟ (فذهبت المعتزلة) إلى أن يجعل ثواب عمله لغيره صلاة كان أو صوما أو حجا أو صدقة أو قراءة قرآن أو غير ذلك من جميع أنواع البر ويصل ذلك إلى الميت وينفعه عند أهل السنة أهـ. والمشهور من مذهب الشافعي وجماعة من العلماء وجماعة من أصحاب الشافعي إلى أن يصل، كذا ذكره النووي في الأذكار، وف شرح المنهاج لإبن النحوي لا يصل إلى الميت عندنا ثواب القراءة على المشهور والمختار الوصول إذا سأل الله إيصال ثواب قراءته، وينبغي الجزم به لأنه دعاء، إذا جاز الدعاء للميت بما ليس للداعي فلإن يجوز بما هو له أولى، ويبقى الأمر فيه موقوفا على استجابة الدعاء، وهذا المعنى لا يختص بالقراءة بل يجري في سائر الأعمال، والظاهر أن الدعاء متفق عليه أنه ينفع الميت والحي القريب والبعيد بوصية وغيرها وعلى ذلك أحاديث كثيرة، بل كان أفضل الدعاء أن يدعو لأخيه يظهر الغيب أهـ. وقد حكي النووي في شرح مسلم الإجماع على وصول الدعاء إلى الميت، وكذا حكى الإجماع على أن الصدقة تقع عن الميت وبصله ثوابها ولم يقيد ذلك بالولد، وحكى أيضا الإجماع على لحوق قضاء الدين (قال الشوكاني) والحق أنه يخصص عموم الآية (بالصدفة) من الولد كما في أحاديث الباب (وبالحج) من الولد كما في خبر الخثعمية (ومن غير الولد) أيضا كما في حديث المحرم عن أخيه شبرمة ولم يستفصله ﷺ هل أوصي شبرمة أم لا (وبالعتق) من الولد كما وقع في البخاري في حديث سعد خلافا للمالكية على المشهور عندهم (وبالصلاة) من الولد كما وقع في البخاري في حديث سعد خلافا للمالكية على المشهور عندهم (وبالصلاة) من الولد أيضا لما روى الدارقطني أن رجلا قال يا رسول الله إنه كان لي أبوان ابرهما الخ الحديث المتقدم في الزوائد قال وبالصيام) من الولد لهذا الحديث (ولحديث) عبدالله بن عمرو المذكور في الباب (ولحديث) ابن عباس عند البخاري ومسلم أن
[ ٨ / ١٠٣ ]
.
_________________
(١) امرأة قالت يا رسول الله إن أمي ماتت وعليها صوم نذر فقال أرأيت لو كان على أمك دين فقضيته أكان يؤدي ذلك عنها؟ قالت نعم، قال فصومي عن أمك، وأخرج مسلم وأبو داود والترمذي من حديث بريدة أن امرأة قالت إنه كان على أمي صوم شهر افأصوم عنها؟ قال صومي عنها (ومن غير الولد) أيضا لحديث من مات وعليه صيام صام عنه وليه متفق عليه من حديث عائشة (وبقراءة يس) من الولد وغيره لحديث اقرءوا على موتاكم يس، وقد تقدم (وبالدعاء من الولد) لحديث أو ولد صالح يدعو له (ومن غيره) لحديث استغفروا لأخيكم وسلوا له التثبيت فإنه الآن يسأل، وقد تقدم، ولحديث فضل الدعاء للأخ بظهر الغيب، ولقوله تعالى "والذين جاءوا من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان" ولما ثبت من الدعاء للميت عند الزيارة كحديث بريدة عند مسلم وأحمد وابن ماجه "قال كان رسول الله ﷺ يعلمهم إذا خرجوا إلى المقابر أن يقول قائلهم السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين والمسلمين، وأنا إن شاء الله بكم لاحقون، نسأل الله لنا ولكم العافية" (وبجميع ما يفعله الولد لوالديه) من أعمال البر لحديث "ولد الإنسان من سعيه" وكما تخصص هذه الأحاديث الآية المتقدمة كذلك يخصص حديث أبي هريرة عند مسلم وأهل السنن قال قال رسول الله ﷺ "إذا مات الإنسان انقطع عمله الخ" وقد تقدم فإن ظاهره أنه ينقطع عنه ما عدا هذه الثلاثة كائنا ما كان، وقد قيل إنه يقاس على هذه المواضع التي وردت بها الأدلة غيرها؛ فيلحق الميت كل شيء فعله غيره أهـ. وقال شارح الكنز إن الآية منسوخة بقوله تعالى "والذين آمنوا واتبعتهم ذريتهم" وقيل الإنسان أريد به الكافر؛ وأما المؤمن فله ما سعى اخوانه، وقيل ليس له من طريق العدل، وهو له من طريق الفضل، وقيل اللام بمعنى على كما في قوله تعالى ولهم اللعنة أي عليهم أهـ (وقال الحافظ بن كثير) ﵀ في تفسير قوله تعالى "وأن ليس للإنسان إلا ما سعى" أي كمالا يحمل عليه وزرع غيره كذلك لا يحصل له من الأجر إلا ما كسب هو لنفسه، قال ومن هذه الآية الكريمة استنبط الشافعي ﵀ ومن اتبعه أن القراءة لا يصل اهداء ثوابها إلى الموتى لأنه ليس من عملهم ولا كسبهم؛ ولهذا لم يندب إليه رسول الله ﷺ أمته ولا حثهم عليه ولا أرشدهم إليه بنص ولا إيماء؛ ولم ينقل ذلك عن أحد من الصحابة ﵃ ولو كان خيرا لسبقوا إليه، وباب القربات يقتصر فيه على النصوص ولا يتصرف فيه بأنواع الأقيسة والآراء (فأما الدعاء والصدقة) فذاك مجمع على وصولها ومنصوص من الشارع عليهما (وأما الحديث) الذي رواه مسلم في صحيحه عن أبي هريرة قال قال رسول الله ﷺ إذا مات الإنسان انقطع عمله (فذكر الحديث المتقدم في الزوائد) ثم قال فهذه الثلاثة في الحقيقية هي من سعيه وكده وعمله كما جاء في الحديث
[ ٨ / ١٠٤ ]
.
_________________
(١) "إن أطيب ما أكل الرجل من كسبه وإن ولده من كسبه، والصدقة الجارية كالوقف ونحوه هي من آثار عمله ووقفه، وقد قال تعالى (إنا نحن نحيي الموتى ونكتب ما قدموا وآثارهم) الآية والعلم الذي نشره في الناس فاقتدى به الناس بعده هو أيضا من سعيه وعمله، وثبت في الصحيح من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من اتبعه من غير أن ينقص أجورهن شيئا أهـ (وقال الإمام القرطبي في التذكرة) كان الإمام أحمد رضي الله تعالى عنه يقول إذا دخلتم المقابر فاقرءوا فاتحة الكتاب والمعوذتين وقل هو الله أحد واجعلوا ثواب ذلك لأهل المقابر فإنه يصل إليهم، وكان ﵁ ينكر قبل ذلك وصول الثواب من الأحياء للموتى، فلما حدثه بعض الثقات أن عمر بن الخطاب ﵁ أوصى إذا دفن أن يقرأ عند راسه فاتحة الكتاب وخاتمة سورة البقرة رجع عن ذلك (وكذلك بلغنا) عن الشيخ عز الدين بن عبد السلام ﵀ أنه كان ينكر وصول ثواب القراءة للموتى ويقول قال الله تعالى "وأن ليس للإنسان إلا ما سعى" فلما مات رآه بعض أصحابه فسأله عن ذلك، فقال رجعت عما كنت أقوله من عدم وصول الثواب إلى الموتى من القارئ حين رأيت وصوله وأنا في القبر، ويؤيد ذلك ما رواه الحافظ السلفي مرفوعا "من مر بالمقابر فقرأ قل هو الله أحد احدى عشرة مرة ثم وهب أجره للأموات أعطى من الأجر بعدد الأموات" (وكان الحسن البصري) رضي الله تعالى عنه يقول من دخل المقابر فقال اللهم رب هذه الأجساد البالية والعظام النخرة التي خرجت من الدنيا وهي بك مؤمنة، اللهم فأدخل عليها روحا منك وسلاما مني، كتب له بعددهم حسنات، قال الإمام القرطبي ﵀، وقد أجمع العلماء على وصول الصدقة للأموات فكذلك القول في قراءة القرآن والدعاء والاستغفار إذ كل صدقة، ويؤيده حديث "وكل معروف صدقة" فلم يخص الصدقة بالمال؛ وكذلك يؤيده قوله ﷺ "الميت في قبره كالغريق المتعوب ينتظر دعوة تلحقه من أبيه أو من أخيه أو من صديق له، فإذا لحقته كانت أحب إليه من الدنيا وما فيها، وإن هدايا الأحياء للأموات الدعاء والاستغفار (وحكى عن الحسن البصري) رضي الله تعالى عنه أن امرأة كانت تعذب في قبرها وكل الناس يرون ذلك في المنام ثم رؤيت بعد ذلك وهي في النعيم، فقيل لها ما سبب ذلك؟ فقالت مر بنا رجل فقرأ الفاتحة وصلى على النبي ﷺ وأهدى ذلك لنا، وكان في المقبرة خمسمائة وستون رجلا في العذاب فنودي ارفعوا العذاب عنهم ببركة صلاة هذا الرجل على النبي ﷺ أهـ (قلت) والذي أميل إليه ما ذهب إليه الحافظ ابن القيم وموافقوه (وفي أحاديث الباب أيضا) دليل على أن نذر الكافر بما هو قربة لا يلزم إذا مات على كفره، وأما إذا أسلم وقد وقع منه نذر في الجاهلية ففيه خلاف؛ والظاهر أنه يلزمه الوفاء بنذره، لما أخرجه الشيخان والإمام أحمد.
[ ٨ / ١٠٥ ]
(أبواب عذاب القبر)
(١) باب ما جاء في هول القبر وفتنته والسؤال فيه وشدته
(٢٨٦) ز عن هانيء مولي عثمان (بن عفان) قال كان عثمان ﵁ إذا وقف على قبر بكى حتى يبل لحيته، فقيل له تذكر الجنة والنار فلا تبكي وتبكي من هذا؟ فقال إن رسول الله ﷺ قال القبر أول منازل الآخرة فإن ينج منه فما بعده أيسر منه، وإن لم ينج منه فما بعده أشد منه، فقال وقال رسول الله ﷺ والله ما رأيت منظرا قط إلا والقبر أفظع منه
_________________
(١) وسيأتي في كتاب الأيمان والنذور من حديث ابن عمر أن عمر ﵁ قال يا رسول الله إني نذرت في الجاهلية أن اعتكف ليلة في المسجد الحرام؛ فقال له ﷺ أوف بنذرك، وفي ذلك أحاديث كثيرة ستأتي في باب من نذر وهو مشرك من كتاب الإيمان والنذور إن شاء الله تعالى والله أعلم.
(٢) "ز" عن هانئ مولى عثمان (سنده) حدثنا عبدالله حدثني يحيى ابن معين ثنا هشام بن يوسف حدثني عبدالله بن بخير القاص عن هانئ مولى عثمان - الحديث" (غريبه) (١) أي الذي يتحقق به مصيره، إما إلى الجنة وإما إلى النار، ويؤيد ذلك ما رواه الشيخان والإمام أحمد، وسيأتي في هذا الباب عن ابن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال "إن أحدكم إذا مات عرض عليه مقعده بالغداة والعشي إن كان من أهل الجنة فمن أهل الجنة، وإن كان من أهل النار فمن أهل النار، فيقال هذا مقعدك حتى يبعثك الله يوم القيامة" وهذا لفظ البخاري (فإن قيل) ثبت في الأحاديث الصحيحة عن أنس وغيره "وتقدم في الباب الأول من كتاب الجنائز في الجزء السابع" إن المؤمن إذا حضر جاءه البشير من الله ﷿ بما هو صائر إليه، وكذلك الفاجر أو الكافر، ومقتضى هذا أنه يعلم مصيره قبل الموت (قلت) ذاك في الدنيا فهو تبشير من الملك للمؤمن وتهديد للكافر، والذي يكون في القبر إنما هو فعل صريح وكشف للغطاء عن المقعد، فهو المبين عما بعده يقينا (٢) أي من مناظر الدنيا الفظيعة، وإلا فالنار أفظع (تخريجه) (جه. مذ) وقال هذا حديث حسن غريب لا نعرفه إلا من حديث هشام بن يوسف
[ ٨ / ١٠٦ ]
(٢٨٧) عن عبدالله بن عمرو (بن العاص) ﵄ أن رسول الله ﷺ ذكر فتان القبور، فقال عمر أترد علينا عقولنا يا رسول الله؟ فقال رسول الله ﷺ نعم كهيئتكم اليوم، فقال عمر بفيه الحجر.
(٢٨٨) عن ابن عمر ﵄ قال قال رسول الله ﷺ ما منكم أحد إلا يعرض عليه مقعده بالغداة والعشي إن كان من أهل الجنة فمن أهل الجنة، وإن كان من أهل النار فمن أهل النار يقال هذا مقعدك حتى
_________________
(١) عن عبد الله بن عمرو (سنده) حدثنا عبدالله حدثني أبي ثنا حسن ثنا ابن لهيعة حدثني حي بن عبدالله أن أبا عبد الرحمن حدثه عن عبد الله بن عمرو - الحديث" (غريبه) (١) هذا القول من عمر ﵁ كناية عن أنه إذا أردت عليه روحه يستطيع أن يدافع عن إيمانه بالجواب الذي يسكت الفتان ويقنعه، وإنما صدر ذلك منه ﵁ لرسوخ الإيمان في نفسه وثباته في قلبه، ويستعمل العرب هذا اللفظ دائما كناية عن الجواب المسكت، والله أعلم (تخريجه) أورده المنذري، وقال رواه أحمد من طريق ابن لهيعة والطبراني بإسناد جيد
(٢) عن ابن عمر ﵄ (سنده) حدثنا عبدالله حدثني أبي ثنا يحيى عن عبيد الله أخبرني نافع عن ابن عمر - الحديث" (غريبه) (٢) قال القرطبي ﵀ يجوز أن يكون هذا العرض على الروح فقط، ويجوز أن يكون عليه مع جزء من البدن، قال والمراد بالغداة والعشي وقتهما، وإلا فالموتى لا صباح عندهم ولا مساء، قال وهذا في حق المؤمن والكافر واضح، فأما المؤمن المخلص فمحتمل في حقه أيضا، لأنه يدخل الجنة في الجملة، ثم هو مخصوص بغير الشهداء لأنهم أحياء وأرواحهم تسرح في الجنة، ويحتمل أن يقال أن فائدة العرض في حقهم تبشير أرواحهم باستقرارها في الجنة مقترنة بأجسادها، فإن فيه قدرا زائدا على ما هي فيه الآن أهـ (٣) ظاهره اتحاد الشرط والجزاء، لكنهما متغايران في التقدير؛ ويحتمل أن يكون تقديره فمن مقاعد أهل الجنة أي فالمعروض عليه من مقاعد أهل الجنة، فحذف المبتدأ والمضاف المجرور بمن وأقيم المضاف إليه مقاما، وفي رواية مسلم بلفظ "إن كان من أهل الجنة فالجنة، وإن كان من أهل النار فالنار، تقديره فالمعروض الجنة النار، فاقتصر فيها على حذف المبتدأ فهي
[ ٨ / ١٠٧ ]
تبعث إليه (زاد في رواية) يوم القيامة
(٢٨٩) عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال شهدت مع رسول الله ﷺ جنازة فقال رسول الله ﷺ يا أيها الناس إن هذه الأمة تبتلى في قبورها
_________________
(١) أقل حذفا، أو المعنى فإن كان من أهل الجنة فسييسر بما لا يدرك كنهه ويفوز بما لا يقدر قدره (١) لفظ البخاري حتى يبعثك الله يوم القيامة، ولمسلم حتى يبعثك الله إليه يوم القيامة بزيادة لفظ (إليه) لكن حكي ابن عبد البر أن الأكثرين من أصحاب مالك، رووه كالبخاري وابن القاسم كرواية مسلم (نعم) روى النسائي رواية ابن القاسم كلفظ البخاري، واختلف في الضمير هل يعود على المقعد أي هذا مقعدك تستقر فيه حتى تبعث إلى مثله من الجنة أو النار، ولمسلم من طريق الزهري عن سالم عن أبيه، ثم يقال هذا مقعدك الذي تبعث إليه يوم القيامة، والضمير يرجع إلى الله تعالى، أي إلى لقاء الله تعالى أو إلى المحشر، أي هذا الآن مقعدك إلى يوم الحشر؛ فيرى عند ذلك كرامة أو هوانا ينسى عنده هذا المقعد كقوله تعالى "وإن عليك لعنتي إلى يوم الدين" (قال الزمخشري) أي أنك مذموم مدعو عليك باللعنة في السموات والأرض إلى يوم الدين، فإذا جاء ذلك اليوم عذبت بما تنسى اللعن معه (تخريجه) (ق. نس. مذ)
(٢) عن أبي سعيد الخدري (سنده) حدثنا عبد الله حدثني أبي ثنا أبو عامر ثنا عباد يعني ابن راشد عن داود بن أبي هند عن أبي نضرة عن أبي سعيد - الحديث" (غريبه) (٢) المراد بالأمة هنا كل ما بلغته دعوة النبي ﷺ سواء أكان مسلما أم كافرا، وأما قول بعضهم إن الكافر لا يسأل فهو محجوج بقوله ﷺ في هذا الحديث "وإن كان كافرا أو منافقا الخ" وبقوله تعالى (يثبت الله الذين آمنوا منكم بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة ويضل الله الظالمين) وظاهره أن الأمم السالفة لا تسأل "وقوله تبتلى" أي تختبر وتمتحن، والحكمة في اختصاص هذه الأمة بالسؤال اختبارهم في عقيدتهم بالنسبة للنبي ﷺ بدليل قوله ﷺ في حديث عائشة الآتي في هذا الباب "فأما فتنة القبر فبي تفتنون وعني تسألون" وجزم الحكيم الترمذي باختصاص هذه الأمة بالسؤال وقال كانت الأمم، قبل هذه الأمة تأتيهم الرسل، فإن أطاعوا لذاك وإن أبوا اعتزلوهم عوجلوا بالعذاب، فلما أرسل الله محمدا ﷺ رحمة للعالمين، أمسك عنهم العذاب وقبل الإسلام ممن أظهره سواءا أسر الكفر أولا، فلما ماتوا قيض الله لهم فتان القبر يستخرج
[ ٨ / ١٠٨ ]
فإذا الإنسان دفن فتفرق عنه أصحابه، جاءه ملك في يده مطراق فأقعده، قال ما تقول في هذا الرجل؟ فإن كان مؤمنا قال أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله، فيقول صدقت، ثم يفتح له باب إلى النار فيقول هذا كان منزلك لو كفرت بربك، فأما إذ آمنت فهذا منزلك، فيفتح له باب إلى الجنة فيريد أن ينهض إليه، فيقول له اسكن، ويفسح له في قبره (وإن كان كافرا أو منافقا) يقول له ما تقول في هذا الرجل؟ فيقول لا أدري، سمعت الناس يقولون شيئا، فيقول لا دريت ولا تليت ولا اهتديت ثم يفتح له باب إلى الجنة فيقول هذا منزلك لو آمنت بربك، فأما إذ كفرت به فإن الله ﷿ أبدلك به هذا، ويفتح له باب إلى النار، ثم يقمعه قمعة بالمطراق يسمعها خلق الله كلهم غير الثقلين، فقال بعض القوم يا رسول الله
_________________
(١) سرهم بالسؤال؛ وليميز الله الخبيث من الطيب، ويثبت الله الذين آمنوا ويضل الله الظالمين أهـ (وقال الحافظ ابن القيم) ليس في الأحاديث ما ينفي المسألة عمن تقدم من الأمم، وإنما أخبر النبي ﷺ أمته بكيفية امتحانهم في القبور؛ لا أنه نفى ذلك من غيرهم، قال والذي يظهر أن كل نبي مع أمته كذلك فتعذب كفارهم في قبورهم بعد سؤالهم وإقامة الحجة عليهم كما يعذبون في الآخرة بعد السؤال وإقامة الحجة أهـ (١) في حديث أنس الآتي بعد هذا "أتاه ملكان" وفي هذه الرواية "جاءه ملك" فيحتمل أنهما ملكان أيضا، وخص أحدهما بالذكر لكونه يحمل المطراق (والمطراق) بكسر الميم اسم لآلة الضرب كالعصا ونحوها (٢) المعنى لا فهمت ولا قرأت القرآن ولا اتبعت من يدري، وتقدم الكلام عليه بأوسع من هذا في شرح حديث البراء بن عازب صحيفة ٨١ في الجزء السابع (٣) أي يضربه ضربة "وقوله غير الثقلين" أي الجن والإنس، قيل لهم ذلك لأنهم كالثقل على وجه الأرض. ومقتضى هذا أن كل شيء خلقه الله ﷿ من ملائكة وحيوان وجماد يسمعه إلا الثقلين. لكن يمكن أن يخص به منه الجماد حديث أبي هريرة عند البزار بلفظ "يسمعه كل دابة إلا الثقلين"
[ ٨ / ١٠٩ ]
ما أحد يقوم عليه ملك في يده مطراق إلا هبل عند ذلك، فقال رسول الله ﷺ (يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت)
(٢٩٠) عن أنس بن مالك ﵁ أن نبي الله صلى الله وعليه والسلام قال إن العبد إذا وضع في قبره وتولى عنه أصحابه حتى أنه ليسمع قرع نعالهم أتاه ملكان فيقعدانه فيقولان له ما كنت تقول في هذا الرجل لمحمد ﷺ فأما المؤمن فيقول أشهد أنه عبدالله ورسوله، فيقال انظر إلى مقعدك من النار قد أبدلك الله به مقعدا في الجنة، قال رسول الله ﷺ فيراهما جميعا، قال روح في
_________________
(١) والله أعلم (١) أي فقد عقله من شدة الخوف والجزع (تخريجه) أورده الهيثمي وقال رواه أحمد والبزار وزاد "في الحياة الدنيا والآخرة ويضل الله الظالمين ويفعل الله ما يشاء" ورجاله الصحيح.
(٢) عن أنس بن مالك (سنده) حدثنا عبدالله حدثني أبي ثنا روح عبادة ثنا سعيد عن قتادة عن أنس بن مالك ويونس ثنا شيبان ثنا قتادة ثنا أنس بن مالك - الحديث" "وقوله في السند ويونس" معناه أن الإمام أحمد ﵀ ذكر هذا الحديث بإسنادين، فذكر السند الأول إلى قوله عن أنس بن مالك، ثم ذكر السند الثاني بقوله ويونس يعني وحدثنا يونس الخ (غريبه) (١) يقال لأحدهما المنكر والآخر النكير، كما صرح بذلك في رواية أبي هريرة عند الترمذي وابن حبان (٢) أي في الرجل المشهور بين أظهركم، ولا يلزم منه الحضور وتركهما ما يشعر بالتعظيم لئلا يسير تلقينا؛ وهو لا يناسب موضع الاختبار (٣) هو أحد رجال السند الأول يريد أن قتادة روى الحديث عن أنس إلى قوله فيراهما جميعا، ثم قال قتادة فذكرنا (بالبناء للمفعول) أنه يفسح له في قبره سبعون ذراعا ويملأ عليه خضرا إلى يوم يبعثون، يشير بذلك إلى أن هذه الجملة من قوله "يفسح له في قبره إلى قوله يوم يبعثون" ليست من أحديث أنس، ويؤيده قول روح بعد ذلك "ثم رجع إلى حديث أنس بن مالك قال وأما الكافر الخ" رواه مسلم من طريق عبد بن حميد حدثنا يونس بالسند الثاني لحديث الباب، ومتنه إلى قوله "فيراها جميعا" ثم قال قتادة وذكر لنا أنه يفسح له في قبره سبعون ذراعا ويملأ عليه خضرا إلى يوم يبعثون، وإلى هنا
[ ٨ / ١١٠ ]
حديثه، قال قتادة فذكر لنا أنه يفسح له في قبره سبعون ذراعا ويملأ عليه خضرا إلى يوم يبعثون، ثم رجع إلى حديث أنس بن مالك "قال وأما الكافر أو المنافق" فيقال له ما كنت تقول في هذا الرجل، فيقول لا أدري، كنت أقول ما يقول الناس فيقال له لا دريت ولا تليت ثم يضرب بمطراق من حديد ضربة بين أذنيه فيصيح صيحة فيسمعها
_________________
(١) انتهى الحديث عند مسلم (١) قال القاضي عياض يحتمل أن يكون هذا الفسح له على ظاهره، وأنه يرفع عن بصره ما يجاوره من الحجب الكثيفة بحيث لا تناله ظلمة القبر ولا ضيقه إذا ردت إليه روحه، قال ويحتمل أن يكون على ضرب المثل والاستعارة للرحمة والنعيم كما قال سقى الله قبره والاحتمال الأول أظهر" والله أعلم (٢) قال النووي الخضر ضبطوه بوجهين أصحهما بفتح الخاء وكسر الضاد المعجمتين، والثاني بضم الخاء وفتح الضاد والأول أشهر؛ ومعناه يملأ نعما غضة ناعمة، واصلة من خضرة الشجر، هكذا فسروه أهـ. (قلت) قال القرطبي في التذكرة فسر في الحديث بالريحان أهـ (٣) يريد أنه كان مقلدا في دينه للناس ليس له عقيدة ثابتة (٤) يجوز فيقوله من حديد وجهان (أحدهما) أن يكون صفة لموصوف محذوف أي من ضارب حديد، أي قوي شديد الغضب (والثاني) أن يكون صفة للمطراق، فعلى هذا تكون كلمة من بيانية، والظاهر أن الضارب غير المنكر والنكير؛ ويحتمل أن يكون أحدهما، ويحتمل أن يكون غيرهما، وقد جاء في مسند الإمام أحمد ما يدل على جواز الوجهين، فما يدل على أنه غيرهما ما جاء في حديث البراء بن عازب - وتقدم في الجزء السابع صحيفة ٧٢ - ثم يقيض له أعمى أصم أبكم في يده مرزبة لو ضرب بها جبل كان ترابا، فيضربه ضربة حتى يصير ترابا - وما سيأتي في حديث أسماء "ثم تسلط عليه دابة في قبره معها صوت تمرئة جمرة مثل غرب البعير تضربه ما شاء الله الحديث" ومما يدل على أنه أحدهما ما ذكر في حديث أبي سعيد بلفظ "ثم يقمعه قمعة بالمطراق يسمعها خلق الله كلهم، وما رواه أبو داود من حديث أنس بلفظ "فيضربه بمطراق من حديد بين أذنيه فيصيح صيحة يسمعها الخلق الثقلين" فهذا يدل صريحا على أن الضارب هو الملك الذي يسأله وهو إما المنكر. وإما النكير (فإن قلت) كيف الجمع بين الوجهين (فالجواب) يحتمل أن يكون الضرب معددا، مرة من أحد الملكين ومرة من الأعمى الأبكم، وكل هذا في
[ ٨ / ١١١ ]
من يليه غير الثقلين، وقال بعضهم يضيق عليه قبره حتى تختلف أضلاعه
(٢٩١) عن عائشة ﵂ قالت جاءت يهودية فاستطعمت على بابي فقالت أطعموني أعاذكم الله من فتنة الدجال ومن فتنة عذاب القبر قالت فلم أزل أحبسها حتى جاء رسول الله ﷺ فقلت يا رسول الله ما تقول هذه اليهودية؟ قال وما تقول؟ قلت تقول أعاذكم الله من فتنة الدجال ومن فتنة عذاب القبر، قالت عائشة فقام رسول الله ﷺ فرقع يديه مدا يستعيذ بالله من فتنة الدجال ومن فتنة عذاب القبر، ثم قال أما فتنة الدجال فإنه لم يكن نبي إلا قد حذر أمته ووسأحذركموه تحذيرا لم يحذره نبي أمته إنه أعور والله ﷿ ليس بأعور، مكتوب بين عينيه كافر يقرؤه كل مؤمن (فأما فتنة القبر) فبي تفتنون وعني تسألون، فإذا كان الرجل الصالح أجلس في قبره غير فزع ولا مشعوف ثم يقال له فيم كنت؟ فيقول في الإسلام، فيقال ما هذا الرجل الذي كان فيكم؟ فيقول محمد رسول الله
_________________
(١) في حق الكفار والله أعلم (١) يعني بعض الرواة ولم يرفعه - وقد جاء مرفوعا من حديث أبي هريرة عند الطبراني في الأوسط بإسناد حسن، وفيه ويضيق عليه قبره حتى تختلف أضلاعه فذلك قول الله ﷿ (ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا) (تخريجه) (ق. والثلاثة)
(٢) عن عائشة (سنده) حدثنا عبدالله حدثني أبي ثنا يزيد بن هارون قال ابن أبي ذئب عن محمد بن عمرو بن عطاء عن ذكوان عن عائشة ﵂ - الحديث" (غريبه) (٢) أي تطلب الطعام وتبتغي الصدقة لفقرها (٣) أي أشاغها وألهيها (٤) ورد أن الأنبياء المتقدمين كانوا يحذرون أممهم من الدجال، ولكن تحذير النبي ﷺ أمته أبلغ لأنه مع تحذيرهم منه ذكر لهم صفته لئلا يلتبس عليهم أ/ره (٥) بشين معجمه بعدها عين مهملة من الشعف- والشعف شدة الفزع حتى يذهب بالقلب، والشعف
[ ٨ / ١١٢ ]
ﷺ جاءنا بالبنات من عند الله ﷿ فصدقناه، فيفرج له فرجة قبل النار فينظر إليها يحطم بعضهم بعضا، فيقال له أنظر إلى ما وقاك الله ﷿ ثم يفرج له فرجة إلى الجنة فينظر إلى زهرتها وما فيها، فيقال له هذا مقعدك منها؛ ويقال على اليقين كنت عليه ومت وعليه تبعث إن شاء الله (وإن كان الرجل السوء) أجلس في قبره فزعا مشعوفا، فيقال له فيم كنت؟ فيقول لا أدري، فيقال ما هذا الرجل الذي كان فيكم؟ فيقول سمعت الناس يقولون قولا فقلت كما قالوا؛ فتفرج له فرجة قبل الجنة فينظر إلى زهرتها وما فيها، فيقال له انظر إلى ما صرف الله ﷿ عنك، ثم يفرج له فرجة قبل النار فينظر إليها يحطم بعضها بعضا ويقال له هذا مقعدك منها، كنت على الشك وعليه مت وعليه تبعث إن شاء الله ثم يعذب.
(٢٩٢) عن أبي الزبير أنه سأل جابر بن عبدالله ﵄ عن فتان القبر، فقال سمعت النبي ﷺ وعلى آله وصحبه وسلم يقول إن هذه الأمة تبتلى في قبورها، فإذا أدخل المؤمن من قبره وتولى عنه أصحابه جاء ملك شديد الانتهار، فيقول له ما كنت تقول في هذا الرجل؟ فيقول المؤمن إنه رسول الله وعبده، فيقول له الملك انظر غلى مقعدك الذي كان في النار قد أنجاك الله منه وأبدلك بمقعدك الذي ترى من النار مقعدك الذي ترى من النار مقعدك الذي ترى من الجنة فسيراها كلاهما، فيقول المؤمن دعوني أبشر أهلي، فيقال
_________________
(١) أيضا شدة الحب وما يغشى قلب صاحبة (تخريجه) لم أقف عليه لغير الإمام أحمد ورجاله من رجال الصحيحين.
(٢) حدثنا عبدالله حدثني أبي حدثنا موسى بن داود حدثنا ابن لهيعة عن
[ ٨ / ١١٣ ]
له اسكن "وأما المنافق" فيقعد إذا تولى عنه أهله، فيقال له ما كنت تقول في هذا الرجل؟ فيقول لا أدري أقول ما يقول الناس، فيقال له لا دريت هذا مقعدك الذي كان لك من الجنة قد أبدلت مكانه مقعدك من النار، قال جابر فسمعت النبي ﷺ يقول يبعث كل عبد في القبر على ما مات، المؤمن على إيمانه، والمنافق على نفاقه.
(٢٩٣) عن محمد بن المنكدر قال كانت أسماء (بنت أبي بكر ﵄ تحدث عن النبي ﷺ قالت قال إذا دخل الإنسان قبره فإن كان مؤمنا أحف به عمله بالصلاة والصيام، قال فيأتيه الملك من نحو الصلاة فترده ومن نحو الصيام فيرده، قال فيناديه اجلس، قال فيجلس فيقول له ماذا تقول في هذا الرجل يعني النبي ﷺ قال من؟ قال محمد، قال أنا أشهد أنه رسول الله ﷺ قال يقول وما يدريك. أدركته؟ قال أشهد أنه رسول الله، قال يقول على ذلك عشت، وعليه مت وعليه تبعث "قال وإن كان فاجرا أو كافرا" قال جاء الملك وليس بينه وبينه شئ يرده، قال فأجلسه قال يقول
_________________
(١) عن أبي الزبير - الحديث" (تخريجه) أورده الهيثمي، وقال في الصحيح منه "يبعث كل عبد على مامات عليه" فقط. رواه أحمد والطبراني في الأوسط. وفيه ابن لهيعة وفيه كلام وبقية رجاله ثقات.
(٢) عن محمد بن المنكدر (سنده) حدثنا عبدالله حدثني أبي ثنا حجين ابن المثنى قال ثنا عبد العزيز يعني ابن أبي سلمة الماجشون عن محمد يعني ابن المنكدر - الحديث" (غريبه) (١) أي تدفع الملك عنه وتقول ليس قبلي مدخل كما صرح بذلك عند الطبراني في الأوسط بإسناد حسن من حديث أبي هريرة عن أبي الزبير، وفيه "فإذا كان مؤمنا كانت الصلاة عند رأسه. والزكاة عن يمينه. والصوم عن شماله. وفعل الخيرات والمعروف والإحسان إلى الناس من قبل رجليه، فيؤتى من قبل رأسه، فتقول
[ ٨ / ١١٤ ]
اجلس ماذا تقول في هذا الرجل؟ قال أي رجل، قال محمد ﷺ قال يقول والله ما أدري سمعت الناس يقولون شيئا فقلته، قال فيقول له الملك على ذلك عشت وعليه مت وعليه تبعث، قال وتسلط عليه دابة في قبره معها سوط تمرته جمرة مثل غرب البعير تضربه ما شاء الله، صماء بكماء لا تسمع صوته فترحمه
_________________
(١) الصلاة ليس قبلي مدخل، فيؤتى عن يمينه قتقول الزكاة ليس قبلي مدخل، ويؤتى من قبل شماله فيقول الصوم ليس قبلي مدخل، ثم يؤتى من قبل رجليه فيقول فعل الخيرات إلى الناس ليس قبلي مدخل، فيقال له اجلس فيجلس الحديث (١) هذه الجملة وهي قوله "تمرته جمره مثل غرب البعير" لم أفهم لها معنى، وهي بالأصل هكذا، ولم أجد هذا الحديث في كتب أخرى إلا في مجمع الزوائد معزوا إلى مسند الإمام أحمد باختلاف في هذه الجملة، ولفظها "وتسلط عليه دابة في قبره معها سوط تمربه جمرة مثل البعير تضربه ما شاء الله الخ" وهي غير واضحة أيضا، والظاهر أن ذلك نشأ عن تحريف من الناسخ في صفة السوط فقط، وما عدا هذه الجملة معتاه ظاهر وهو أن الله ﷿ يسلط على الكافر أو الفاجر في قبره دابة صماء معها سوط تضربه به إلى ما شاء الله، والحكمة في كونها صماء لمرادة التنكيل به وعدم رحمته والإشفاق عليه، لأنها لو كانت تسمع استغاثته وأنينه ربما أشفقت عليه ورحمته والله أعلم (تخريجه) لم أقف عليه لغير الإمام أحمد، وأورده الهيثمي وقال رواه أحمد، وروى الطبراني منه طرفا كبيرا، ورجال أحمد رجال الصحيح (زوائد الباب) (عن أبي حازم عن أبي هريرة) أحسبه رفعه قال إن المؤمن ينزل به الموت ويعاين ما يعاين فود لو خرجت يعني نفسه والله يحب لقاءه، فإن المؤمن يصعد بروحه إلى السماء فتأتيه أرواح المؤمنين فيستخبرونه عن معارفهم من أهل الأرض، فإذا قال تركت فلانا في الدنيا أعجبهم ذلك، وإذا قال إن فلان قد مات قالوا ما جاء إلينا. وإن المؤمن يجلس في قبره فيسأل من ربه فيقول ربي الله - فيقول من نبيك؟ فيقول نبي محمد ﷺ - قال فما دينك؟ قال ديني الإسلام - فيفتح له باب في قبره أو يقال انظر إلى مجلسك ثم يرى القبر فكأنما كانت رقدة (فإذا كان عدو الله) نزل به الموت وعاين ما عاين فإنه يحب أن لا تخرج روحه أبدا والله يبغض لقاءه، فإذا جلس في قبره أو اجلس. فيقال من ربك؟ فيقول لا أدري فيقال لا دريت. فيفتح له باب من جهنم ثم يضرب ضربة تسمع كل دابة إلا الثقلين، ثم يقال له نم كما ينام المنهوش، فقلت لأبي هريرة ما المنهوش؟ قال الذي تنهشه الدواب والجنادب
[ ٨ / ١١٥ ]
..
_________________
(١) ثم يضيق عليه قبره - أورده الهيثمي وقال في الصحيح طرف منه، رواه البزار ورجاله ثقات خلا سعيد بن بحر القراطيسي فإني لم أعرفه (وعن أبي هريرة أيضا) قال شهدنا جنازة مع نبي الله ﷺ فلما فرغ من دفنها وانصرف الناس (قال نبي الله ﷺ) إنه الآن يسمع خفق نعالكم أتاه نكير ومنكرا عينهما مثل قدور النحاس وأنيابهما مثل صياصي البقر (يعني قرونها" وأصواتهما مثل الرعد فيجلسانه فيسألانه ما كان يعبد ومن كان نبيه، فإن كان ممن يعبد الله، قال كنت أعبد الله ونبيي محمد ﷺ جاءنا بالبينات فآمنا به وابتعناه، فذلك قول الله (يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة) فيقال له على اليقين حييت وعليه مت وعليه تبعث، ثم يفتح له باب إلى الجنة ويوسع له في حفرته (وإن كان من أهل الشك) قال لا أدري سمعت الناس يقولون شيئا فقلته، فيقال له على الشك حييت وعليه مت وعليه تبعث - ثم يفتح له باب إلى النار ويسلط عليه عقارب وتنانين لو نفخ أحدهم في الدنيا ما نبتت شيئا تنهشه، وتؤمر الأرض فتضمه حتى تختلف أضلاعه- رواه الطبراني في الأوسط وفيه ابن لهيعة وفيه كلام (وعن عبد الله) يعني ابن مسعود ﵁ قال إذا حدثتكم بحديث أنبئكم بتصديق ذلك، إن المؤمن إذا مات جلس في قبره فيقال من ربك؟ ما دينك؟ من نبيك؟ فيقول ربي الله، وديني الإسلام، ونبي محمد ﷺ - فيوسع له في قبره ويفرج له فيه - ثم قرأ عبد الله "يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة ويضل الله الظالمين" رواه الطبراني في الكبير وإسناده حسن (وعن ابن عباس) ﵄ قال اسم الملكين الذين يأتيان في القبر منكر ونكير - وكان اسم هاروت وماروت وهما في السماء، عززا وعزيزا. رواه الطبراني في الأوسط وإسناده حسن (وعن عائشة) ﵂ قالت قلت يا رسول الله تبتلى هذه الأمة في قبورها فكيف بي وأنا امرأة ضعيفة قال "يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة" أورده المنذري والهيثمي وقالا رواه البزار؛ ورواته ثقات (وروي عن ابن أبي شيبة) في مصنفه قال حدثنا غندر بن شعبة عن يعلى بن عطاء عن تميم عن غيلان بن سلمة قال جاء رجل إلى أبي الدرداء ﵁ وهو مريض فقال يا أبا الدرداء إنك قد أصبحت على جناح فراق الدنيا فمرني بأمر ينفعني الله به وأذكرك به، قال إنا من أمة معافاة. فأقم الصلاة وأد الزكاة مالك إن كان لك وصم رمضان واجتنب الفواحش ثم أبشر، قال ثم أعاد الرجل على أبي الدرداء فقال مثل ذلك، قال شعبة وأحسبه أعاد عليه ثلاث مرات ورد عليه أبو الدرداء ثلاث مرات فنفض الرجل رداءه وقال "إن الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات والهدى من بعد ما بيناه للناس في الكتاب إلى قوله "ويلعنهم اللاعنون" فقال أبو الدرداء على بالرجل فجاءه فقال
[ ٨ / ١١٦ ]
أبو الدرداء ما قلت؟ قال كنت رجلا معلما، ما عندك من العلم ما ليس عندي، فأردت أن تحدثني بما ينفعني الله به، فلم تزد على إلا قولا واحدا، قال أبز الدرداء اجلس ثم أعقل ما أقول لك، أين أنت من يوم ليس لك من الأرض إلا عرض ذراعين في طول أربعة أذرع، أقبل بك أهلك الذين كانوا لا يحبون فراقك وجلساءك وإخوانك فألقوا عليك اللبينات ثم أكثروا عليك التراب ثم تركوك بمثل ذلك ثم جاءك ملكان أسودان أزرقان جعدان أسماؤهما منكر ونكير فأجلساك ثم سألاك ما أنت أم على ماذا كنت ثم ماذا نقول في هذا؟ فإن قلت والله ما أدري سمعت الناس قالوا قولا فقلته والله لا دريت ولا نجوت ولا هديت، وإن قلت محمد رسول الله ﷺ فقد والله نجوت وهديت، ولم تستطع ذلك إلا بتثبيت من الله مع ما ترى من الشدة والخوف (الأحكام) أحاديث الباب تدل على اثبات فتنة القبر والسؤال فيه، وأن السؤال عام يشمل المسلم والمنافق والكافر، وقد ذهب إلى ذلك جمهور العلماء، وزعم بعضهم أن السؤال على من يدعي الإيمان إن محقا وإن مبطلا، وأما الكافر الجاحد فلا يسأل عن دينه، وهو محجوج بقوله تعالى "يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة ويضل الله الظالمين" وبحديث أنس عند البخاري والإمام أحمد وفيه "وأما المنافق والكافر" بواو العطف، وتقدم تحقيق هذه المسألة وذكر الخلاف فيها في باب ما يراه المحتضر الخ صحيفة ٨٤ من الجزء السابع فارجع إليه (واختلف أيضا) في فتنة القبر هل هي للأمة المحمدية خاصة أو لكافة الأمم المتقدمة؟ وتقدم الكلام على ذلك في شرح حديث أبي سعيد المذكور في أحاديث الباب (قال النووي) ﵀ فإن قيل فنحن نشاهد الميت على حاله في قبره فكيف يسأل ويقعد ويضرب بمطارق من حديد ولا يظهر له أثر (فالجواب) أن ذلك غير ممتنع بل له نظير في العادة وهو النائم فإنه يجد لذة وآلاما لا نحس نحن شيئا منها، وكذا كان جبريل يأتي النبي ﷺ فيخبره بالوحي الكريم ولا يدركه الحاضرون، وكل هذا ظاهر جلي (قال أصحابنا) وإما إقعاده المذكور في الحديث فيحتمل أن يكون مختصا بالقبور دون المنبوذ ومن أكلته السباع والحيتان، وأما ضربه بالمطارق فلا يمتنع أن يوسع له في قبره فيقعد ويضرب والله أعلم أهـ (وفي أحاديث الزوائد) ما يستدل به على أن اسم فتاني القبر منكر ونكير (قال القرطبي) فإن قال قائل فلم يسمي فتانا القبر بمنكر ونكير (فالجواب) أنهما سميا بذلك لأن خلقهما لا يشبه خلق الآدميين ولا خلق الملائكة ولا خلق البهائم ولا خلق الهوام، بل هما خلق بديع لا يأنس بهما أحد من الناظرين، ولكن الله تعالى يخلق عندهما اللطف والرحمة والستر للمؤمن فضلا منه تعالى
[ ٨ / ١١٧ ]
(٢) باب ما جاء في عذاب القبر والتعوذ منه
(٢٩٤) عن مسروق عن عائشة ﵁ قالت دخلت عليها
_________________
(١) فيتشكلان لكل إنسان بشاكلة عمله وعلمه واعتقاده (فإن قال قائل) كيف يخاطب الملكان جميع الموتى في جميع أقطار الأرض في وقت واحد (فالجواب) أن الله تعالى جعل جسمهما كبيرا مثل جسم ملك الموت فتكون الدنيا كلها بين يديهما كالإناء الذي يؤكل منه، فإذا تكلما وصل إلى كل واحد من الموتى في سائر أقطار الأرض فيتخيل أن الخطاب له من منعم ومعذب فيدخل في أذن كل واحد من ذلك الكلام ما يناسب حاله من لطف وشدة ونعيم وعذاب أهـ (وفي أحاديث الباب أيضا) دليل على أن الأعمال الصالحة كالصلاة والصيام ونحو ذلك تدافع عن صاحبها عند فتنة القبر، وتتشكل أيضا في صورة رجل صالح يبشر صاحبه بالجنة ويؤنسه في قبره كما جاء في حديث البراء بن عازب، وتقدم في الجزء السابع صحيفة ٧٤ وفيه "ثم يأتيه آت حسن الوجه طيب الريح حسن الثياب فيقول أبشر بكرامة من الله ونعيم مقيم فيقول وأنت فبشرك الله بخير، من أنت؟ فيقول أنا عملك الصالح -الحديث (وفيه أن الكافر) يأتيه آت قبيح الوجه قبيح الثياب منتن الرائحة فيقول أبشر بهوان من الله وعذاب مقيم. فيقول وأنت فبشرك الله بالشر من أنت؟ فيقول أنا عملك الخبيث -الحديث" (قال القرطبي ﵀) فإن قال قائل فكيف تنقلب الأعمال أشخاصا وهي في نفسها أعراض (فالجواب) أن الله تعالى يخلق من ثواب الأعمال أشخاصا حسنة وقبيحة لأن العرض نفسه لا ينقلب جوهرا، وقد ورد في الصحيح أنه يؤتى بالموت يوم القيامة كأنه كبش أملح فيوقف على الصراط فيذبح ومحال أن ينقلب الموت كبشا لأنه عرض وإنما المعنى أن الله تعالى يخلق شخصا يسميه الموت فيذبح بين الجنة والنار، قال وهكذا كل ما ورد في هذا الباب من الأمور التي لا تدركها العقول هو مؤول أهـ (وقال الشعراني) في مختصره التذكرة، ويجوز أن يقال إذا كان للحق ﷾ إيجاد الخلق من عدم فله تعالى إيجاد الجوهر من العرض بالأولى والله أعلم (فإن قيل) قد اختلفت الآثار في سعة القبر وضيقه من سبعين ذراعا أو أربعين أو مد البصر كما في الصحيح من ذلك (فالجواب) هذا مختلف باختلاف الناس من أهل الخير، فكل من زاد في الأعمال الصالحة كان قبره أوسع، وأما الكافر فقبره ضيق على حالة واحدة لا يتسع أبدا، نسأل الله العافية
(٢) عن مسروق (سنده) حدثنا عبدالله حدثني أبي ثنا أبو معاوية قال ثنا الأعمش عن شقيق عن مسروق عن عائشة ﵂- الحديث"
[ ٨ / ١١٨ ]
يهودية استوهبتها طيبا، فوهبت لهاعائشة، فقالت أجارك الله من عذاب القبر، فقالت فوقع في نفسي من ذلك حتى جاء رسول الله ﷺ قال فذكرت ذلك له قت يا رسول الله إن للقبر عذابا؟ قال نعم، إنهم ليعذبون في قبورهم عذابا تسمعه البهائم.
(٢٩٥) عن اسحق بن سعيد عن أبيه عن عائشة ﵂ أن يهودية كانت تخدمها فلا تصنع إليها عائشة شيئا من المعروف إلا قالت لها اليهودية وقاك الله عذاب القبر، قالت فدخل رسول الله ﷺ على فقلت يا رسول الله هل للقبر عذاب قبل يوم القيامة؟ قال لا، وعم ذلك، قالت هذه اليهودية لا نصنع إليها من المعروف شيئا إلا قالت وقاك الله عذاب القبر قال كذبت يهود وهم على الله ﷿ أكذب، لا عذاب دون يوم القيامة قالت ثم مكث بعد ذاك ما شاء الله أن يمكث، فخرج ذات يوم نصف النهار
_________________
(١) (غريبه) (١) يعني أنها أنكرت قو لاليهودية لأنها لم تسمع بعذاب القبر قبل ذلك (٢) جمع بهيمة؛ والبهيمة كل ذات أربع من دواب البحر والبر، وكل حيوان لا يميز فهو بهيمة، وجاء في حديث أبي سعيد في الباب السابق يسمعها خلق الله كلهم غير الثقلين، يعني الجن والإنس (تخريجه) (ق. نس)
(٢) عن اسحق بن سعيد (سنده) حدثنا عبدالله حدثني أبي ثنا هاشم قال ثنا اسحق بن سعيد - الحديث" (٣) بضم الدال وكسرها يقال خدمه يخدمه خدمة بفتح الخاء وكسرها فهو خادم غلاما كان أو جارية، والخادمة بالهاء في المؤنث قليل والجمع خدم وخدام (٤) أي لم تسألين عن ذلك أو عن أي شيء نشأ هذا السؤال، وأصله عن ما، فسقطت ألف ما وأدغمت النون في الميم كقوله تعالى "عم يتساءلون" قاله صاحب النهاية، قال وهذا ليس بابها وإنما ذكرناها للفظها (٥) ي هذه الرواية أنه ﷺ أنكر على اليهودية ونفى عذاب القبر - وفي الرواية الأولى أنه ﷺ اقرها وأثبت عذاب القبر بقوله "إن للقبر عذابا" وظاهر هذا التعارض، وأجاب النووي عن ذلك تبعا للطحاوي وغيره بأنهما قصتان. فأنكر النبي ﷺ قول اليهودية في القصة الأولى، ثم أعلم النبي ﷺ بذلك
[ ٨ / ١١٩ ]
مشتملا بثوبه محمرة عيناه وهو ينادي بأعلى صوته أيها الناس أظلتكم الفتن كقطع الليل المظلم أيها الناس لو تعلمون ما أعلم لبكيتم كثيرا
_________________
(١) ولم يعلم عائشة فجاءت اليهودية مرة أخرى فذكرت لها ذلك فانكرت عليها مستندة إلى الإنكار الأول، فأعلمها النبي ﷺ بأن الوحي نزل بإثباته أهـ. ويستفاد من حديث عائشة المتقدم في الجزء السادس رقم ١٦٩٤ صحيفة ١٩٨ من أبواب صلاة الكسوف ف باب من روى أنها ركعتان في كل ركعة ركوعان، أن النبي ﷺ لم يعلم بحكم عذاب القبر إلا وهو بالمدينة في آخر الأمر، ولفظ الحديث عن عائشة رض الله عنها قالت جاءتني يهودية تسألني فقالت "أعاذك الله من عذاب القبر" فلما جاء النبي ﷺ قلت يا رسول الله أنعذب في القبور؟ قال عائذ بالله، فركب مركبا فخسفت الشمس، ثم ذكرت صفة صلاة الخسوف - ثم قالت فسمعته بعد ذلك يستعيذ بالله من عذاب القبر (وفي رواية للبخاري) ثم أمرهم أن يتعوذوا من عذاب القبر" فثبت أن صلاة الخسوف كانت بالمدينة بل وفاة النبي ﷺ بعام أو عامين (فإن قيل) إن عذاب القبر جاء في آيتين من كتاب الله نزلنا بمكة (أحدهما) قوله تعالى "يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة" (والثانية) قوله ﷿ "النار يعرضون عليها غدوا وعشيا - الآية" فكيف لم يعلم النبي ﷺ بحكم عذاب القبر إلا بالمدينة في آخر أمره (وأجاب الحافظ) عن ذلك بقوله إن عذاب القبر إنما يؤخذ من الأولى بطريق المفهوم في حق من لم يتصف بالإيمان، وكذلك بالمنطوق في الأخرى في حق آل فرعون وإن التحق بهم من كان له حكمهم من الكفار، فالذي أنكره النبي ﷺ إنما هو وقوع عذاب القبر على الموحدين، ثم اعلم ﷺ أن ذلك قد يقع على من يشاء الله منهم، فجزم به وحذر منه وبالغ في الاستعاذة منه تعليما لأمته وإرشادا، فانتفى التعارض بحمد الله تعالى أهـ. (١) كان ﷺ تحمر عيناه ووجنتاه من شدة الغضب في خطبه عند التحذير وذكر الساعة ليتأثر السامعون، فينبغي لكل خطيب أن يكون كذلك (٢) يشير ﷺ بذلك إلى ما سيحدث بعده من الفتن وقد كان كما قال (٣) أي من عقاب الله للعصاة وشدة مناقشته للعباد وكشف السرائر وجواب لو "قوله لبكيتم كثيرا أو ضحكتم قليلا" والمراد أن كل من كان بربه أعرف كان من ربه أخوف، ومن علامة شدة الخوف ودوام انزعاج القلب لتوقع ما يستوجبه من العقوبة لما يأتيه من الجرم وتحول البدن والخشية والبكاء (قال الشيخ أبو حامد) هذا الحديث من الأسرار التي أودعها الله في قلب الأمين الصادق محمد ﷺ ولا يجوز إفشاء سرها، فإن صدور الأحرار قبور الإسرار، بل كان يذكر لهم ذلك حتى يبكوا
[ ٨ / ١٢٠ ]
وضحكتم قليلا، أيها الناس استعيذوا بالله من عذاب القبر فإن عذاب القبر حق
(٢٩٦) وعنها أيضا قالت دخل علي النبي ﷺ وعندي امرأة من اليهود وهي تقول أشعرت أنكم تفتنون في القبور فارتاع النبي ﷺ وقال إنما تفتن اليهود، فقالت عائشة فلبثنا ليالي ثم قال النبي ﷺ هل شعرت أنه أوحى إلي أنكم تفتنون في القبور؟ قالت عائشة فسمعت رسول الله ﷺ بعد ذلك يستعيذ من عذاب القبر.
(٢٩٧) عند عبد الله بن القاسم قال حدثتني جارة للنبي ﷺ أنها كانت
_________________
(١) ولا يضحكوا، فإن البكاء ثمرة شجرة حياة القلب لحي بذكر الله واستشعار عظمته وهيبته وجلاله، والضحك نتيجة القلب الغافل عن ذلك أهـ. وفي الحديث من البديع مقابلة الضحك بالبكاء والقلة بالكثرة ومطابقة كل منهما بالآخر (تخريجه) لم أقف عليه بهذا السياق لغير الإمام أحمد، وصحه الحافظ إسناده، وقال الهيثمي هو في الصحيح باختصار، ورواه أحمد ورجاله رجال الصحيح أهـ (قلت) ورواه أيضا الحاكم في المستدرك مختصرا، وروى منه الشيخان والأربعة "لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلا ولبكيتم كثيرا" من حديث أنس، زاد الحاكم من حديث أبي ذر " ولما ساغ لكم الطعام والشراب"
(٢) وعنها أيضا (سنده) حدثنا عبد الله حدثني أبي ثنا أبو اليمان قال أنا شعيب عن الزهري قال حدثني عروة بن الزبير أن عائشة زوج النبي ﷺ قالت دخل علي النبي ﷺ - الحديث" (غريبه) (١) بفتح العين المهملة، يقال شعرت بالشيء شعورا من باب قعد وشعرا وشعرا بكسرهما علمت، وليت شعري ليتني علمت أهـ مصباح (٢) أي فزع من ذلك وأنكره، وتقدم في شرح الحديث السابق أن ذلك كان قبل أن يوحى إليه بشأن عذاب القبر (٣) أي زمنا قليلا، ثم أوحي إليه بفتنة القبر، فلما علم ذلك كان يستعيذ من عذاب القبر ويأمرهم بذلك (تخريجه) (م. وغيره)
(٣) عن عبد الله بن القاسم (سنده) حدثنا عبد الله حدثني أبي ثنا أبو عبد الرحمن يعني المقري ثنا سعيد يعني ابن أبي أيوب حدثني أبو عيسى الخرساني عن عبد الله بن القاسم "الحديث" وفي آخره قال أبو عيسى فقلت لعبد الله أرأيت إن جمعهما إنسان قال فقال قال رسول الله ﷺ ما قال (غريبه) (٤) لم أقف على اسم هذه الجارة، وجهالة
[ ٨ / ١٢١ ]
تسمع رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم يقول عند طلوع الفجر اللهم إني أعوذ بك من عذاب القبر ومن فتنة القبر.
(٢٩٨) عن أبي بن كعب ﵁ أن رسول الله ﷺ ذكر الدجال فقال إحدى عينيه كأنها زجاجة خضراء (وفي رواية عينه خضراء كأنها الزجاجة) وتعوذوا بالله ﵎ من عذاب القبر.
(٢٩٩) حدثنا عبد الله حدثني أبي ثنا سفيان بن عيينة سمع أم خالد بنت خالد (بن سعيد بن العاص) ﵄ قال ولم أسمع أحدا يقول سمعت رسول الله ﷺ غيرها سمعت النبي ﷺ يتعوذ من عذاب القبر.
(٣٠٠) عند عبدالله (بن مسعود ﵁) قال قالت أم حبيبة ﵁) قال قالت أم حبيبة ﵂ ابنة أبي سفيان، اللهم أمتعتني بزوجي رسول الله ﷺ وبأبي
_________________
(١) الصحابي لا تضر (تخريجه) لم اقف عليه لغير الإمام أحمد وسنده جيد
(٢) عن أبي بن كعب (سنده) حدثنا عبدالله حدثني أبي ثنا سليمان ابن داود ثنا شعبة عن حبيب بن الزبير قال سمعت عبدالله بن أبي الهذيل سمع ابن أبزي سمع عبد الله بن خباب سمع أبيا يحدث أن رسول الله - الحديث" (تخريجه) أخرجه أيضا أبو داود الطيالسي في مسنده وسنده جيد.
(٣) حدثنا عبدالله (غريبه) (١) اسمها أمة (قال الحافظ) في التقريب أمة بنت خالد بن سعيد بن العاص بن أمية صحابية بنت صحابي ولدت بأرض الحبشة وتزوجها الزبير بن العوام وعمرت حتى لحقها موسى بن عقبة (٢) يريد أنه لم يلحق أحدا من الصحابة غيرها لأنها عمرت حتى لحقها موسى بن عقبة (٢) يريد أنه لم يلحق أحدا من الصحابة غيرها لأنها عمرت (٣) يعني قالت أم خالد سمعت النبي ﷺ يتعوذ الخ (تخريجه) رواه ابن أبي شيبة أيضا في مصنفه وسنده جيد.
(٤) عن عبد الله (سنده) حدثنا عبدالله حدثني أبي ثنا وكيع عن مسعر عن علقمة بن مرثد عن المغيرة بن عبد الله اليشكري عن المعرور بن سويد عن عبدالله - الحديث" وفي آخره بعد قوله "كان أخير وأفض" قال وذكر عنده القردة قال مسعر أراه قال والخنازير إنه مما مسخ، فقال النبي ﷺ إن الله لم يمسخ شيئا فيدع له نسلا أو عاقبة
[ ٨ / ١٢٢ ]
أبي سفيان، وبأخي معاوية قال لها رسول الله ﷺ إنك سألت الله لآجال مضروبة وأيام معدودة، وأرزاق مقسومة؛ لن يعجل شئ قبل حله أو يؤخر شئ عن جله، ولو كنت سألت الله أن يعيذك من عذاب في النار وعذاب في القبر كان أخير وأفضل
فصل منه فيما في عذاب الكفار واليهود في القبر
(٣٠١) عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال قال رسول الله ﷺ
_________________
(١) وقد كانت القردة أو الخنازير قبل ذلك (غريبه) (١) أي تدعو الله تعالى أن يظيل حياتهم لتتمتع بوجودهم (١) بكسر الحاا المهملة ويجوز فتحها، والأشهر الكسر وهما لغتان، ومعناه وجوبه وحينه - يقال حل الأجل يحل حلا وحلا، وهذا الحديث صريح في أن الآجال والأرزاق مقدرة لا تتغير عما قدره الله تعالى وعلمه في الأزل، فيستحيل زيادتها ونقصها حقيقة عن ذلك، ونقل النووي عن المازري أنه قال هنا قد تقرر بالدلائل القطعية أن الله تعالى أعلم بالآجال والأرزاق وغيرها؛ وحقيقة العلم معرفة المعلوم على ما هو عليه، فإذا علم الله تعالى أن زيدا يموت سنة خمسمائة استحال أن يموت قبلها أو بعدها لئلا ينقلب العلم جهلا، فاستحال أن الآجال التي علمها الله تعالى تزبد وتنقص، فيتعين تأويل الزيادة أنها بالنسبه إلى ملك الموت أو غيره ممن وكله الله بقبض الأرواح وأمره فيها بآجال ممدودة فإنه بعد أن يأمره بذلك أو يثبته في اللوح المحفوظ ينقص منه ويزيد على حسب ما سبق به علمه في الأزل؛ وهو معنى قوله تعالى "يمحو الله ما يشاء ويثبت" وعلى ما ذكرناه يحمل قوله تعالى "ثم قضى أجلا وأجل مسمى عنده" واعلم أن مذهب أهل الحق أن المقتول مات بأجله (وقالت المعتزلة) قطع اجله والله أعلم (فإن قيل) ما الحكمة في نهيها عن الدعاء بالزيادة في الأجل مع أنه مفروغ منه وندبها إلى الدعاء بالاستعاذة من العذاب مع أنه مفروغ منه أيضا كالأجل (فالجواب) أن الجميع مفروغ منه، لكن الدعاء بالنجاة من عذاب النار ومن عذاب القبر ونحوهما عبادة، وقد أمر الشرع بالعبادات، فقيل أفلا نتكل على كتابنا وما سبق لنا من القدر، فقال اعلموا فكل ميسر لما خلق له، وأما الدعاء بطول الأجل فليس عبادة، وكما لا يحصل ترك الصلاة والصوم والذكر اتكالا على القدر، فكذا الدعاء بالنجاة من النار ونحوه والله أعلم.
(٢) عن أبي سعيد الخدري (سنده) حدثنا عبدالله حدثني أبي ثنا
[ ٨ / ١٢٣ ]
يسلط على الكافر في قبره تسعة وتسعون تنينا تلدغه حتى تقوم الساعة فلو أن تنينا منها نفخ في الأرض ما أنتت خضراء.
(٣٠٢) عن عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ في نخل لنا لأبي طلحة يتبرز لحاجته، قال وبلال يمشي وراءه يكرم نبي الله ﷺ أن يمشي إلى جنبه فمر نبي الله ﷺ وعلى آله وصحبه وسلم بقبر فقام
_________________
(١) أبو عبد الرحمن ثنا سعيد بن أبي أيوب قال سمعت أبا السمح يقول سمعت أبا الهيثم يقول سمعت أبا سعيد الخدري يقول قال رسول الله ﷺ- الحديث" (غريبه) (١) التنين بالكسر والتشديد نوع من الحيات كثير السم كثير الجنة (تخريجه) أورده المنذري وقال رواه أحمد وأبو يعلى؛ ومن طريقه ابن حبان في صحيحه كلهم من طريق دراج عن أبي الهيثم أهـ (قلت) دراج الذي أشار إليه المنذري في السند؛ اسمه دراج السهمي قاضي مصر وثقة ابن معين وضعفه الدارقطني، قال أبو داود حديثه مستقيم إلا عن أبي الهيثم أهـ وهذا هو السر في قول المنذري ﵀ كلهم من طريق دراج عن أبي الهيثم يعني أنه ضعيف، ورواه أيضا الدارمي والضياء المقدسي في المختارة وعبد بن حميد كلهم عن أبي سعيد، وربما يعضده كثرة طرقه، والله أعلم.
(٢) عن عائشة (سنده) حدثنا عبدالله حدثني أبي ثنا روح ثنا حماد عن علي بن زيد عن علي بن زيد عن أم محمد عن عائشة - الحديث" (غريبه) (٢) القرص هنا معناه العض، أي تعضانه بأنيابهما مرة بعد أخرى، وهذا معنى قوله كلما فرغتا عادتا، ومنه حديث إن قرصتك نملة أي عضتك (تخريجه) لم أقف عليه لغير الإمام أحمد، وأورده الهيثمي وقال رواه أحمد وإسناده حسن.
(٣) عن أنس بن مالك (سنده) حدثنا عبدالله حدثني أبي ثنا عبد الصمد ثنا أبي ثنا عبد العزيز عن أنس "الحديث" (غريبه) (٣) فيه استحباب مشى المفضول
[ ٨ / ١٢٤ ]
حتى لم إليه بلال، فقال ويحك يا بلال هل تسمع ما أسمع؟ فقال ما أسمع شيئا، قال صاحب القبر يعذب، قال فسئل عنه فوحد يهوديا.
(٣٠٤) عن أبي أيوب الأنصاري ﵁ أن النبي ﷺ خرج بعد ما غربت الشمس فسمع صوتا، فقال يهود تعذب في قبورها.
فصل ثان في عذاب أهل الجاهلية في القبر
(٣٠٥) عن أم مبشر (امرأة زيد بن حارثة ﵂) قالت دخل على رسول الله ﷺ وأنا في حائط من حوائط بني النجار وفيه قبور منهم قد ماتوا في الجاهلية فسمعهم وهم يعذبون، فخرج وهو يقول استعيذوا بالله من عذاب القبر، قالت قلت يا رسول الله وإنهم ليعذبون في قبورهم؟ قال نعم عذابا تسمعه البهائم.
(٣٠٦) عن أنس بن مالك ﵁ قال دخل النبي ﷺ حائطا من حيطان المدينة لبني النجار، فسمع صوتا من قبر فسأل عنه متى دفن هذا؟
_________________
(١) وراء الفاضل لا بجنبه؛ وذلك من الأدب الممدوح إلا إذا قربه الفاضل فيستحب الامتثال (١) أي قرب منه "وقوله ويحك" كلمة ترحم وقد مر تفسيرها غير مرة (تخريجه) لم اقف عليه لغير الإمام أحمد، وأورده الهيثمي وقال رواه أحمد ورجال أحمد رجال الصحيح
(٢) عن أبي أيوب (سنده) حدثنا عبدالله حدثني أبي ثنا يحيى عن شعبة حدثني عون بن أبي جحيفة عن أبيه عن البراء عن أبي أيوب الأنصاري - الحديث" (تخريجه) (ق. نس وغيرهما)
(٣) عن أم مبشر (سنده) حدثنا عبدالله حدثني أبي ثنا أبو معاوية قال ثنا الأعمش عن أبي سفيان عن جابر عن أم مبشر - الحديث" (غريبه) (٢) الحائط هنا البستان من النخيل إذا كان عليه حائط وهو الجدار وجمعه الحوائط كما في الحديث (تخريجه) أخرجه أيضا ابن ابي شيبة في مصنفه، ورجاله رجال الصحيح.
(٤) عن أنس بن مالك (سنده) حدثنا عبدالله حدثني أبي ثنا ابن أبي عدي
[ ٨ / ١٢٥ ]
فقالوا يا رسول الله دفن هذا في الجاهلية فأعجبه ذلك وقال لولا أن لا تدافنوا لدعوت الله ﷿ أن يسمعكم عذاب القبر (وعنه من طريق ثان) قال دخل النبي ﷺ خربا لبني النجار، وكان يقضي فيها حاجة فخرج إلينا مذعورا أو فزعا، وقال لولا أن تدافنوا لسألت الله ﵎ أن يسمعكم من عذاب أهل القبور ما أسمعني
(٣٠٧) عن أبي سعيد الخدري عن زيد بن ثابت ﵄ قال كنا مع رسول الله ﷺ في حائط من حيطان المدينة فيه أقبر وهو بغلته فحادث به وكادت أن تلقيه، فقال من يعرف هذه الأقبر؟ فقال رجل يا رسول الله قوم هلكوا في الجاهلية، فقال لولا أن لا تدافنوا لدعوات الله ﷿ أن يسمعكم عذاب القبر، ثم قال لنا تعوذوا بالله من عذاب جهنم
_________________
(١) عن حميد عن أنس - الحديث" (غريبه) (١) أي لأنه ﷺ كان يخشي أن يكون صاحب الصوت من أهل الإسلام فقد سمعه يستغيث من العذاب؛ فلما علم أنه من أهل الجاهلية اطمئن (٢) بحذف احدى التاءين أي لولا الخوف عليكم من ترك دفن موتاكم لدعوات الله الخ ليزول عنكم استعظامه واستبعاده، والغرض من ذلك اثبات عذاب القبر وأنه واقع لا شك فيه (٣) (سنده) حدثنا عبدالله حدثني أبي ثنا سفيان قال سمع قاسم الرحال أنسا يقول دخل النبي ﷺ - الحديث (٤) بفتح المعجمة وكسر الراء اسم جمع واحد خربة، وهي موضع ما تخرب من البنيان، والمراد هنا والله أعلم موضع السور الذي كان يحيط بالبستان، وكان به قبور أهل الجاهلية فسمع النبي ﷺ صوت صاحب القبر وهو يعذب فخرج إليهم خائفا مذعورا فذكر الحديث (تخريجه) (م. نس. ش)
(٢) عن أبي سعيد الخدري (سنده) حدثنا عبدالله حدثني أبي ثنا يزيد بن هارون أنا أبو مسعود الجريري عن أبي نضرة عن أبي سعيد الخدري- الحديث" (غريبه) (٥) أي مالت عن الطريق ونفرت لما اعتراها من الفزع عند سماع أصوات
[ ٨ / ١٢٦ ]
قلنا نعوذ بالله من عذاب جهنم، ثم قال تعوذوا بالله من فتنة المسيح الدجال، فقلنا نعوذ بالله من عذاب القبر، ثم قال تعوذوا بالله من فتنة المحيا والممات، قلنا نعوذ بالله من فتنة المحيا والممات.
فصل ثالث في عذاب عصاة المؤمنين في القبر وما يخففه عنهم وإنه أكثره بسبب البول
(٣٠٨) عن طاوس عن ابن عباس ﵄ قال مر النبي ﷺ بقبرين، فقال إنهما ليعذبان وما يعذبان في كبير أما أحدهما فكان لا يستنزه من البول (قال وكيع من بوله) وأما الآخر فكان يمشي بالنميمة ثم أخذ جريدة فشقها بنصفين فغرز في كل قبر واحدة، فقالوا يا رسول الله لم صنعت
_________________
(١) المعذبين من أهل القبور؛ وقد أطلع الله ﷿ ونبيه على ذلك، فقال ما قال (تخريجه) (م. وغيره)
(٢) عن طاوس عن ابن عباس (سنده) حدثنا عبدالله حدثني أبي ثنا أبو معاوية ووكيع المعنى قال حدثنا الأعمش ومجاهد قال وكيع سمعت مجاهدا يحدث عن طاوس عن ابن عباس- الحديث) (غريبه) (١) العذاب واقع على صاحبي القبرين لا على القبرين؛ فهو من باب تسمية الحال باسم المحل (٢) يحتمل أن يكون نفى كونه كبيرا باعتبار اعتقاد الإثنين المعذبين أو اعتقاد مرتبكه مطلقا أو باعتبار اعتقاد المخاطبين، أي ليس كبيرا عندكم، ولكنه كبير عند الله كما جاء في رواية عند البخاري "وما يعذبان في كبير بلى أنه كبير" فهو كقوله تعالى "وتحسبونه هينا وهو عند الله عظيم" (٣) أي لا يتحرز عن ملابسته وعدم الاستبراء منه، والمراد بذلك بول نفسه بدليل قوله في رواية وكيع أحد الرواة "من بوله" (٤) يقال نم الرجل الحديث نما من بابي قتل وضرب، سعى به ليوقع فتنة أو وحشة، فالرجل نم تسمية بالمصدر، ونمام مبالغة والاسم النميمة، وخرج بذلك ما كان للنصيحة أو لدفع مفسدة، والباء في قوله بالنميمة للمصاحبة أي يسير في الناس متصفا بهذه الصفة، أو للسببية أي يمشي بسبب ذلك (٥) قال الزركشي دخلت الباء على المفعول زائدة أهـ. يعني في قوله بنصفين، وقد تعقبه صاحب مصابيح الجامع فقال لا نسلم شيئا
[ ٨ / ١٢٧ ]
هذا؟ قال لعلهما أن يخفف عنهما ما ييسا "قال وكيع تييسا" (وعنه من طريق ثان) عن مجاهد عن ابن عباس ﵄ قال مر رسول الله ﷺ بحائط من حيطان المدينة فسمع صوت إنسانين يعذبان في قبرهما فذكره، وقال حتى ييسا أو مالم ييسا
_________________
(١) من ذلك، أما دعواه أن نصفين فلإن شق إنما يتعدى لمفعول واحد وقد أخذه، وليس هذا بدلا منه، وأما دعوى الزيادة فعلى خلاف الأصل وليس هذا من محال زيادتها ثم قال والباء للمصاحبة وهي مدخولها ظرف مستقر منصوب على الحال، أي فشقها متلبسة بنصفين، ولا مانع من أن يجتمع الشق، وكونها ذات نصفين في حالة واحدة، وليس المراد أن انقسامها إلى النصفين كان ثابتا قبل الشق وإنما هو معه وبسببه. ومنه قوله تعالى "وسخر لكم الليل والنهار والشمس والقمر والنجوم، مسخرات بأمره" أهـ (١) يعني العذاب "وقوله لم ييبسا" بالمثناة التحتية المفتوحة وفتح الموحدة وكسرها "وما" مصدرية زمانية أي مدة دوامها إلى زمن اليبس؛ ولعل بمعنى عسى، فلذا استعمل استعماله في افترائه بأن، وإذا كان الغالب في لعل التجرد، وليس في الجريد معني بخصه ولا في الرطب معنى ليس في اليابس، وإنما ذلك خاص ببركة يده الكريمة، ومن ثم استنكر الخطابي وضع الناس الجريد ونحوه على القبر عملا بهذا الحديث، وكذلك الطرطوشي في سراج الملوك قائلين بأن ذلك خاص بالنبي صلى الله عليه والسلام لبركة يده المقدسة وبعلمه بما في القبور، وجرى على ذلك ابن الحاج في مدخله؛ وما ذكره البخاري في صحيحه تعليقا أن بريدة الأسلمي أمر أن يجعل على قبره جريدتان محمول على أن ذلك رأى له لم يوافقه أحد من الصحابة عليه وأن المعنى فيه أنه يسبح ما دام رطبا فيحصل التخفيف ببركة التسبيح، وحينئذ فيطرد في كل ما فيه رطوبة من الرياحين والبقول وغيرها، وليس لليابس تسبيح، قال تعالى "إن من شيء إلا يسبح بحده" أي كل شيء حي، وحياة كل شيء بحسبه. فالخشب ما لم ييبس، والحجر ما يقطع من معدته، والجمهور أنه على حقيقته وهو قول المحققين إذ العقل لا يحيله أو بلسان الحال باعتبار دلالته على الصانع وأنه منزه، أفاده القسطلاني (٢) (سنده) حدثنا عبد الله حدثني أبي ثنا حسين ثنا شيبان عن منصور عن مجاهد عن ابن عباس- الحديث" (٣) أو للشك من الراوي (تخريجه) (ق. د. وغيرهم)
[ ٨ / ١٢٨ ]
(٣٠٩) وعن يعلى بن سيابة ﵁ عن النبي ﷺ بنحوه
(٣١٠) عن أبي بكرة (نفيع بن الحارث ﵁) قال بينما أنا أماشي رسول الله الله ﷺ وهو آخذ بيدي ورجل عن يساره فإذا نحن بقبرين أمانا، فقال رسول الله ﷺ إنهما ليعذبان وما يعذبان في كبير وبلى فأيكم يأتيني بجريدة؛ فاستبقنا فسبقته فأتيته بجريدة فكسرها نصفين فألقى على ذا القبر قطعة وعلى ذا القبر
_________________
(١) عن يعلى بن سيابة (سنده) حدثنا بعد الله حدثني أبي ثنا سليمان ابن حرب ثنا حماد عن عاصم بن بهدلة عن حبيب بن أبي جبيرة عن يعلى بن سيابة أن النبي ﷺ مر بقبر فقال إن صاحب هذا القبر يعذب في غير كبير، ثم دعا بجريدة فوضعها على قبره فقال لعله أن يخفف عنه مادامت رطبة (غريبة) (١) هو يعلى بن مرة الثقفي، ويقال له العامري أيضا، وقد جاء كل ذلك في مسند الإمام أحمد (تخريجه) رواه أيضا ابن أبي شيبة في مصنفه كما هنا متنا وسندا، وأورده الهيثمي وقال رواه أحمد، وفيه حبيب بن أبي جبيرة. قال الحسيني مجهول.
(٢) عن أبي بكرة (سنده) حدثنا عبدالله أبي ثنا أبو سعيد مولي بني هاشم ثنا الأسود بن شيبان ثنا بحر بن مرار عن عبد الرحمن بن أبي بكرة قال ثنا أبو بكرة قال بينما أنا أماشي رسول الله ﷺ - الحديث" (غريبه) (٢) رواية البخاري من حديث ابن عباس "وما يعذبان في كبير ثم قال بلى" يعني وإنه لكبير (قال الحافظ) وصرح بذلك (يعني البخاري) في الأدب من طريق عبد حميد عن منصور فقال "وما يعذبان في كبيروإنه لكبير" وهذا من زيادات رواية منصور على الأعمش ولم يخرجها مسلم، واستدل ابن بطال برواية الأعمش على أن التعذيب لا يختص بالكبائر بل قد يقع على الصغائر؛ قال لأن الاحتراز في البول لم يرد فيه يعني قبل هذه القصة، وتعقب بهذه الزيادة، وقد ورد مثلها من حديث أبي بكرة عند أحمد والطبراني ولفظه "وما يعذبان في كبير" وقال ابن مالك في قوله في كبير شاهد على ورود (في) للتعليل وهو مثل قوله ﷺ "عذبت امرأة في هرة" قال وخفي ذلك على أكثر النحويين مع وروده في القرآن كقوله تعالى "لمسكم فيما أخذتم" وفي الحديث كما تقدم، وفي الشعر فذكر شواهد أهـ (قلت) وتقدم الكلام على قوله وإنه لكبير في شرح حديث ابن عباس ﵄
[ ٨ / ١٢٩ ]
قطعة وقال إنه يهون عليهما ما كانتا رطبتين، وما يعذبان إلا في البول والغيبة.
(٣١١) عن جسرة قالت حدثتني عائشة ﵂ قالت دخلت على امرأة من اليهود فقالت إن عذاب القبر من البول فقلت كذبت، فقالت بلى إنا لنقرض منه الثوب والجلد، فخرج رسول الله ﷺ إلى الصلاة وقد ارتفعت أصواتنا فقال ما هذه، فأخبرته بما قالت، فقال صدقت، قالت فما صلى رسول الله ﷺ من يؤمئذ إلا قال في دبر الصلاة اللهم رب جبريل وميكائيل (أعذني من حر النار وعذاب القبر)
(٣١٢) عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم
_________________
(١) (تخريجه) (جه. طب) وسنده جيد
(٢) عن جسرة (سنده) حدثنا عبد الله حدثني أبي ثنا يعلى ثنا قدامة يعني ابن عبد الله العامري عن جسرة - الحديث" (غريبه) (١) المراد بتخصيص البول بالذكر تعظيم أمره لا نفي الحكم عما عداه، فعلى هذا لا يلزم من ذكره حصر عذاب القبر عليه، لكن الظاهر من الاقتصار على ذكره أنه أمكن في ذلك من غيره؛ ومثل البول في ذلك النميمة لذكرها مع البول" وأورد فيه حديث ابن عباس (فإن قيل) إن حديث ابن عباس ليس فيه للغيبة ذكر وإنما ورد بلفظ النميمة (فالجواب) لعل مراد البخاري أن الغيبة تلازم النميمة؛ لأن النميمة مشتملة على ضربين، نقل الكلام المغتاب إلى الذي اغتابه، والحديث عن المنقول عنه بما لا يريده (قال ابن رشيد) لكن لا يلزم من الوعيد على النميمة ثبوته على الغيبة وحدها، لأن مفسدة النميمة أعظم، وإذا لم تساوها لم يصح الإلحاق، إذ لا يلزم من التعذيب على الأشد التعذيب على الأخف، لكن يجوز أن يكون ورد على معنى التوقع والحذر، فيكون قصد التحذير من المغتاب لئلا يكون له في ذلك نصيب أهـ. (قلت) وقع في بعض طرق هذا الحديث بلفظ الغيبة كما في حديث أبي بكرة المتقدم، فالظاهر أن البخاري جرى على عادته في الإشارة إلى ما ورد في بعض طرق الحديث؛ والله أعلم (تخريجه) لم أقف عليه لغير الإمام أحمد وسنده جيد.
(٣) عن أبي هريرة (سنده) حدثنا عبدالله حدثني أبي حدثنا عفان
[ ٨ / ١٣٠ ]
قال أكثر عذاب القبر في البول
(٣١٣) عن أبي أماة ﵁ قال مر النبي ﷺ في يوم شديد الاحر نحو بقيع الغرقد، قال فكان الناس يمشون خلفه، قال فلما سمع صوت النعال وقر ذلك في نفسه فجلس حتى قدمهم أمامه لئلا يقبع في نفسه من الكبر، فلما مر ببقيع الغرقد إذ بقبرين قد دفنوا فيهما رجلين، قال فوقف النبي ﷺ فقال من دفنتم هاهنا اليوم؟ قالوا يا نبي الله فلان وفلان، قال إنهما ليعذبان الآن ويفتنان في قبريهما، قالوا يا رسول الله فيم ذلك؟ قال أما أحدهما فكان لا يستنزه من البول، وأما الآخر فكان يمشي بالنميمة، وأخذ جريدة رطبة فشقها ثم جعلها على القبرين، قالوا يا نبي الله ولم فعلت؟ قال ليخففن عنهما، قالوا يا نبي الله وحتى متى يعذبهما الله؟ قال غيب
_________________
(١) ثنا أبو عوانة عن سليمان الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة - الحدثي" (غريبه) (١) أي في عدم التنزه من البول وترك التحرز منه لأنه مفسد للصلاة (تخريجه) (جه. ك) وسنده جيد وصححه ابن خزيمة.
(٢) عن أبي أمامة (سنده) حدثنا عبدالله حدثني ابي ثنا أبو المغيرة ثنا معان بن رفاعة حدثني على بن يزيد قال سمعت القاسم أبا عبد الرحمن يحدث عن أبي أمامة - الحديث" (غريبه) (٢) بفتح أوله وثانيه، أي ثقل على نفسه، من الوقر وهو الحمل الثقيل، والمعنى أنه ﷺ لما تردد في سمعه صوت نعالهم وهم يمشون وراءه جلس حتى لحقوا به فقدمهم أمامه لئلا يقع في نفسه من الكبر، وكل ما يشين الإنسان، ولكنه فعل ذلك ليتأسى به غيره (٣) أي خضراء، وفي رواية للأعمش من حديث ابن عباس فدعا بعسيب رطب، والعسيب بمهملتين بوزن فعيل، هي الجريدة التي لم ينبت فيها خوض، فإن نبت فهي السعفة، وقيل إنه ﷺ خص الجريد بذلك لأنه بطئ الجفاف، وروى النسائي من حديث أبي رافع بسند ضعيف أن الذي أتاه بالجريدة بلال ولفظه "كنا مع النبي ﷺ في جنازة إذ سمع شيئا زفر، فقال لبلال ائتني بجريدة خضراء الحديث (فإن قيل) تقدم
[ ٨ / ١٣١ ]
لا يعلمه إلا الله، قال ولولا تمريغ قلوبكم أو تزيدكم في الحديث لسمعتم ما أسمع
(٣١٤) عن أبي هريرة ﵁ قال مر رسول الله ﷺ على قبر فقال ائتوني بجريدتين، فجعل إحداهما عند رأسه والأخرى عند رجليه، فقيل يا نبي الله أينفعه ذلك؟ قال لن يزال أن يخفف عنه بعض عذاب القبر ما كان فيهما ندو.
(٣١٥) عن عبد الله بن يسار قال كنت جالسا مع سليمان بن صرد وخالد بن عرقطة ﵄ قال فاذكروا رجلا مات من بطنه قال
_________________
(١) في حديث أبي بكرة أنه الذي أتى بها إلى النبي ﷺ فكيف الجمع بينهما (فالجواب) أن الواقعة تعددت والله أعلم (١) أي تقلبها وعدم ثباتها على حالة واحدة وتزيدكم في الحديث الخ (تخريجه) (طب) وفي إسناده على بن يزيد فيه كلام.
(٢) عن أبي هريرة (سنده) حدثنا عبدالله حدثني أبي ثنا محمد بن عبيد عن يزيد يعني ابن كيسان عن ابن أبي حازم عن أبي هريرة - الحديث" (غريبه) (٢) بضم أوله وثانيه وتشديد الواو مضمومة أيضا أي نداوة (قال صاحب النهاية) كذا جاء في مسند أحمد وهو غريب، إنما يقال ندى الشيء فهو ند وأرض ندية وفيها نداوة أهـ. والمعنى أن الله ﷿ يخفف عن الميت بعض عذاب القبر مدة بقاء الرطوبة في الجريدتين (تخريجه) أورده الهيثمي وقال رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح أهـ (قلت) وأورده أيضا ابن أبي شيبة في مصنفه بإسناد جيد.
(٣) عن عبد الله بن يسار (سنده) حدثنا عبدالله حدثني أبي ثنا حجاج ثنا شعبة عن جامع بن شداد قال سمعت عبدالله بن يسار - الحديث" (غريبه) (٣) قيل هو أن يميته الإسهال وقي الاستسقاء (قال في النهاية) أي الذي يموت بمرض بطنه كالاستسقاء ونحوه؛ وقال القرطبي في التذكرة فيه قولان (أحدهما) أنه الذي يصيبه الذرب وهو الإسهال (والثاني) أنه الاستسقاء، وهو أظهر القولين فيه لأن العرب تنسب موته إلى بطنه، يقولون قتله بطنه يعنون الداء الذي أصابه في جوفه، وصاحب الاستسقاء
[ ٨ / ١٣٢ ]
فكأنما اشتهيا أن يصليا عليه، فقال أحدهما للآخر ألم يقل النبي ﷺ من قتله بطنه فإنه لن يعذب في قبره؟ قال الآخر بلى
(فصل رابع فيما جاء في ضغطة القبر)
(٣١٦) عن جابر بن عبد الله الأنصاري ﵄ قال خرجنا مع رسول الله ﷺ يوما إلى سعد بن معاذ ﵁ حين توفى قال فلما صلى عليه رسول الله ﷺ ووضع في قبره وسوى عليه سبح رسول الله ﷺ فسبحنا طويلا، ثم كبر فكبرنا، فقيل يا رسول الله لم سبحت ثم كبرت؟ قال لقد تضايق على هذا العبد الصالح قبره
_________________
(١) قل أن يموت غلا بالذرب، فكأنه قد جمع الوصفين، والوجود شاهد للميت بالبطن أن عقله لا يزال حاضرا وذهنه باقيا على حين موته، بخلاف من يموت بالسام والبرسام والحميات المطبقة أ، القولون أو الحصاة فتغيب قلوبهم لشدة الآلام لورم أدمغتهم ولفساد أمزجتها، فإذا كان الحال هكذا فالميت يموت وذهنه حاضر وهو عارف بالله أهـ (تخريجه) (نس. حب. مذ) وقال هذا حديث حسن غريب.
(٢) عن جابر بن عبدالله (سنده) حدثنا عبد الله حدثني أبي ثنا يعقوب ثنا أبي عن ابن اسحق حدثني معاذ بن رفاعة الأنصاري ثم الزرقي عن محمود بن عبد الرحمن ابن عمرو بن الجموح عن جابر بن عبدالله - الحديث" (تخريجه) (١) هو سيد الأوس الأنصاري الصحابي من السابقين إلى الإسلام من أهل المدينة؛ أسلم سعد على يد مصعب ابن عمير ﵁ حين بعثه رسول الله ﷺ قبله مهاجرا إلى المدينة يعلم المسلمين أمور دينهم، فلما أسلم سعد قال لبني عبد الأشهل كلام رجالكم ونسائكم علي حرام حتى تسلموا، فأسلموا، وكان من أعظم الناس بركة في الإسلام ومن أنفعهم لقومه وشهد بدرا وأحدا والخندق، وتوفى شهيدا عام الخندق من جرح اصابه، وثبت في الصحيحين ومسند الإمام أحمد أن النبي ﷺ قال اهتز عرش الرحمن لموت سعد بن معاذ؛ وسيأتي ذكر مناقبه في كتاب مناقب الصحابة إن شاء الله تعالى (٢) إن قيل إن وصفه بالعبد الصالح ينافي تضايق القبر عليه (فالجواب) إن هذا عام للصالح والطالح، فالصالح يضمه القبر ضمة برفق وإشفاق
[ ٨ / ١٣٣ ]
حتى فرجه الله ﷿ عنه
(٣١٧) عن عائشة ﵂ عن النبي ﷺ إن للقبر ضغطة ولو كان أحد ناجيا منها نجا منها سعد بن معاذ
_________________
(١) والطالح يضمه ضمة تختلف منها أضلاعه، سيأتي في حديث عائشة أن ضمة القبر لا ينجو منها أحد (وروى ابن أبي الدنيا عن محمد التيمي) قال كان يقال ضمة القبر إنما أصلها أنها أمهم (يعني الأرض) ومنها خلقوا فغابوا عنها الغيبة الطويلة، فلما ردوا إليها ضمتهم ضمة الوالدة غاب عنها ولدها ثم قدم عليها، فمن كان لله مطيعا ضمته برأفة ورفق، ومن كان عاصيا ضمته بعنف سخطا منها عليه لربها (تخريجه) أخرجه أيضا الطبراني في الكبير وسنده جيد.
(٢) عن عائشة (سنده) حدثنا عبدالله حدثني أبي ثنا يحيى عن شعبة ثنا سعد بن إبراهيم وابن جعفر ثنا شعبة عن سعد بن إبراهيم عن نافع قال ابن جعفر عن إنسان عن عائشة عن النبي ﷺ - الحديث" (غريبه) (١) بفتح الضاد المعجمة، ومعناه التقاء جانبي القبر على جسد الميت (٢) قال أبو القاسم السعدي لا ينجو من ضغطة القبر صالح ولا طالح غير أن الفرق بين المسلم والكافر فيها دوام الضغط للكافر وحصول هذه الحالة للمؤمن في أول نزوله إلى قبره ثم يعود إلا الانفساح، قال والمراد بضغط القبر التقاء جانبيه على جسد الميت (وقال الحكيم الترمذي) سبب هذا الضغط أنه ما من أحد غلا وقد ألم بذنب ما فتدركه هذه الضغطة جزاء له، ثم تدركه الرحمة، وكذلك ضغطة سعد بن معاذ في التقصير من البول (قال الحافظ السيوطي) قلت يشير إلى ما أخرجه البيهقي من طريق ابن اسحق حدثني أمية بن عبد الله أنه سأل بعض أهل سعد ما بلغكم من قول رسول الله ﷺ؟ فقالوا ذكر لنا أن رسول الله ﷺ سئل عن ذلك، فقال كان يقصر في بعض الطهور من البول، وقال ابن سعد في طبقاته أخبر شبابه بن سوار أخبرني أبو معشر عن سعيد المقبري قال لما دفن رسول الله ﷺ سعدا قال لو نجا أحد من ضغطة القبر لنجا سعد، ولقد ضم ضمة اختلفت منها أضلاعه من أثر البول (وأخرج البيهقي) عن الحسن أن النبي ﷺ قال حين دفن سعد بن معاذ أنه ضم في القبر ضمة حتى صار مثل الشعرة فدعوت الله أن يرفعه عنه، وذلك بأنه كان لا يستبريء من بوله، ثم قال الحكيم، وأما الأنبياء فلا يعلم أن لهم في القبور ضمة ولا سؤالا لعصمتهم (وقال النسفي) في بحر الكلام المؤمن المطيع لا يكون له عذاب القبر ويكون له ضغطة القبر، فيجد هول ذلك وخوفه لما أنه تنعم بنعمة الله ولم يشكر النعمة (تخريجه) (نس. هق) وغيرهما وسنده جيد.
[ ٨ / ١٣٤ ]
(٣١٨) عن حذيفة بن اليمان ﵁ قال كنا مع النبي ﷺ في جنازة فلما انتهينا إلى القبر قعد على شفته فجعل يرد بصره فيه ثم قال يضغط المؤمن فيه ضغطة تزول منها حمائله ويملأ على الكافر نارا، ثم قال ألا أخبركم بشر عباد الله؟ الفظ المستكبر ألا أخبركم بخير عباد الله؟ الضعيف المستضعف ذو الطمرين لو أقسم على الله لأبر الله قسمه
_________________
(١) عن حذيفه (سنده) حدثنا عبد الله حدثني أبي ثنا موسى بن داود ثنام محمد بن جابر عن عمرو بن مرة عن أبي البحتري عن حذيفة بن اليمان- الحديث" (غريبه) (١) أي المرتكب "وقوله حمائله أي عواتقه وصدره (٢) الفظ هو الغليظ القلب الجافي، والمستكبر هو صاحب الكبر، وهو بطر الحق وغمط الناس والاستهانة بهم واعتقاد أنهم دونه (٣) هو الفقير الذي لا يملك شيئا من الدنيا ولا قوة في الجسم ولهذا وصف بالمستضعف بفتح العين، ومعناه يستضعفه الناس ويحتقرونه ويتجرءون عليه لضعف حاله في الدنيا يقال تضعفه واستضعفه (٤) الطمر الثوب الخلق (٥) معناه لو حلف يمينا طمعا في كرم الله تعالى بإبراره لأبره، وقيل لو دعا لأجابه، يقال أبررت قسمه وبررته، والأول هو المشهور، واعلم أن هذه المزية لا تكون إلا لمن كان صالحا تقيا متواضعا لله غير متصنع، وإلا فهو من شياطين الإنس كما يوجد الآن كثير من هذا الصنف، أما الصنف الأول فوجوده نادر (تخريجه) أورده الهيثمي وقال رواه أحمد وفيه محمد بن جابر ضعيف أهـ (قلت) روى القسم الثاني منه المختص بشر عباد الله وخيرهم الشيخان وغيرهما (وهذا الحديث) مما حكم عليه ابن الجوزي بالوضع وذب عنه الحافظ ابن حجر العسقلاني ﵀ في كتابه "القول المسدد في الذب عن المسند للإمام أحمد" بعد ذكر الحديث وسنده (قال ﵀) قال ابن الجوزي هذا حديث لا يصح، محمد بن جابر قال يحيى ليس بشيء، وقال أحمد لا يحدث عنه إلا من هو شر منه (قال الحافظ) وأبو البحتري اسمه سعيد بن فيروز لم يدرك حذيفة، ولكن مجرد هذا لا يدل على أن المتن موضوع فإن له شواهد أما القصة الأولى فشاهدها في أحاديث كثيرة لا يتسع الحال لاستيعابها، وأما القصة الثانية فشاهدها في الصحيحين من حديث حارثة بن وهب قال سمعت رسول الله ﷺ يقول ألا أخبركم بأهل النار؟ كل عتل جواظ مستكبر، وفي رواية ابي داود "لا يدخل الجنة الجواظ" قال والجواظ الغليظ الفظ، وفي المستدرك للحاكم والأوسط للطبراني بإسناد حسن
[ ٨ / ١٣٥ ]
_________________
(١) عن سراقة بن مالك بن جعشم أن رسول الله ﷺ قال ألا أخبرك بأهل الجنة وأهل النار؟ قلت بلى، قال أما أهل النار فكل جواظ مستكبر، وأما أهل الجنة فالضعفاء المغلوبون أهـ ما قاله الحافظ (زوائد الباب) (عن ابن عباس ﵄) أن النبي ﷺ يوم دفن سعد بن معاذ وهو قاعد على قبره، قال لو نجا أحد من فتنة القبر أو مسألة القبر لنجا سعد بن معاذ وهو قاعد على قبره، قال لو نجا أحد من فتنة القبر أو مسألة القبر لنجا سعد بن معاذ ولقد ضم ضمة ثم أرخي عنه، رواه الطبراني في الكبير والأوسط ورجاله موثقون (وعن أنس بن مالك) ﵁ قال توفيت زينب بنت رسول الله ﷺ فخرجنا معه فرأينا رسول الله ﷺ مهتما شديد الحزن فجعلنا لا نكلمه حتى انتهينا إلى القبر فإذا هو لم يفرغ من لحده، فقعد رسول الله ﷺ وقعدنا حوله، فحدث نفسه هنيهة وجعل ينظر إلى السماء، ثم فرغ من القبر فنزل رسول الله ﷺ فيه فرأيته يزداد حزنه، ثم إنه فرغ فخرج فرأيته سري عنه وتبسم ﷺ، فقلنا يا رسول الله رأيناك مهتما حزينا فلم نستطع أن نكلمك، ثم رأيناك سري عنك فلم ذلك؟ قال كنت أذكر ضيق القبر وغمه وضعف زينب فكان ذلك يشق علي، فدعوت الله ﷿ أن يخفف عنها ففعل، ولقد ضغطها ضغطة سمعها من بين الخافقين، رواه الطبراني في الكبير والأوسط وإسناده ضعيف (وعن أبي أيوب الأنصاري) ﵁ أن صبيا دفن فقال رسول الله ﷺ لو أفلت أحد من ضمة القبر لأفلت هذا الصبي، رواه الطبراني في الكبير ورجاله رجال الصحيح (وعن أنس) ﵁ أن النبي ﷺ صلى على صبي أو صبية، فقال لو كان أحد نجا من ضغطة القبر لنجا هذا الصبي، رواه الطبراني في الأوسط ورجاله موثقون (وعن أبي هريرة) ﵁ قال خرجنا مع رسول الله ﷺ في جنازة فجلس إلى قبر منها، فقال ما يأتي على هذا القبر من يوم إلا وهو ينادي بصوت ذلق طلق (أي فصيح بليغ) يا ابن آدم كيف نسيتني، ألم تسلم أني بيت الوحدة. وبيت الغربة. وبيت الوحشة. وبيت الدود. وبيت الضيق إلا من وسعني الله عليه، ثم قال رسول الله ﷺ "القبر إما روضة من رياض الجنة أو حفرة من حفر النار" رواه الطبراني في الكبير وإسناده حسن (وعن أبي هريرة) ﵁ عن رسول الله ﷺ أنه قال المؤمن في قبره في روضة ويرحب له قبره سبعين ذراعا وينور له كالقمر ليلة البدر، أتذرون فيما أنزلت هذه الآية "فإن له معيشة ضنكا ونحشره يوم القيامة أعمى" قالوا الله ورسوله أعلم، قال عذاب الكافر في قبره، والذي نفسي بيده إنه ليسلط عليهم تسعة وتسعون تنينا؛ أتدرونما التنين؟ قالوا تسع وتسعون حية، لكل حية سبهة رؤوس، ينفخون في جسمه ويلعنونه ويخدشونه إلى يوم القيامة، رواه أبو يعلى
[ ٨ / ١٣٦ ]
_________________
(١) وفيه دراج وحديثه حسن واختلف فيه، وهذه الأحاديث أعني أحاديث الزوائد التي في هذا الباب، أوردها الهيثمي جميعها وتكلم عليها جرحا وتعديلا (الأحكام) أحاديث الباب تدل على ثبوت عذاب القبر وأنه واقع على الكفار مطلقا وعلى من شاء الله من الموحدين، (وفيها أيضا) مشروعية التعوذ من عذاب القبر وفتنته كما كان يتعوذ النبي ﷺ، والمقصود من تعوذه تعليم أمته وإلا فهو ﷺ معصوم من العذاب (وفيها أيضا) ثبوت ضغطة القبر وأنه لا ينجو منها أحد إلا الأنبياء لعصمتهم كما قال الحكيم الترمذي، وما ذكرنا من الأحكام هو مذهب أهل السنة، وقد تظاهرت عليه دلائل كتاب الله ﷿ وسنة رسوله ﷺ أما الكتاب فقد قال الله ﷿ "النار يعرضون عليها غدوا وعشيا" وأما السنة فما ذكر في الباب من الأحاديث الصحيحة عن النبي ﷺ من رواية جماعة من الصحابة ﵃، ولا يمتنع في العقل أن يعيد الله تعالى الحياة في جزء من الجسد ويعذبه، وإذا لم يمنعه العقل وورد الشرع به وجب قبوله واعتقاده، ولم يخالف في ثبوت عذاب القبر إلا الخوارج ومعظم المعتزلة وبعض المرجئة فإنهم نفوا ذلك (قال النووي ﵀، والمعذب عند أهل السنة الجسد بعينه أو بعضه بعد إعادة الروح إليه أو إلى جزء منه، وخالف فيه محمد بن جرير وعبد الله ابن إكرام وطائفة فقالوا لا يشترط إعادة الروح إليه أو إلى جزء منه، وخالف فيه محمد بن جرير وعبدالله ابن كرام وطائفة فقالوا لا يشترط إعادة الروح إليه أو إلى جزء منه، وخالف فيه محمد بن جرير وعبدالله ابن كرام وطائفة فقالوا لا يشترط إعادة الروح (قال أصحابنا) هذا فاسد لأن الألم والإحساس إنما يكون في الحي (قال أصحابنا) ولا يمنع من ذلك كون الميت قد تفرقت أجزاؤه كما نشاهد في العادة أو أكلته السباع أو حيتان البحر أو نحو ذلك، فكذا يعيد الحياة إلى جزء منه أو أجزاء وإن أكلته السباع والحيتان أهـ (وقال الحافظ ابن القيم) ﵀ في كتابه الروح، أما عذاب القبر فحق أعاذنا الله منه، ولا خلاف بين أهل السنة فيه لنبوته في الأخبار الصحيحة الصريحة الكثيرة المتواترة أي تواترا معنويا، ففي صحيح مسلم وجميع السنن (قلت ومسند الإمام أحمد أيضا) عن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال إذا فرغ أحدكم من التشهد الأخير فليتعوذ بالله من أربع من عذاب جهنم. ومن عذاب القبر. ومن فتنة المحيا والممات. ومن فتنة المسيح الدجال، وفي صحيح مسلم أيضا وغيره عن ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ كان يعلمهم هذا الدعاء كما يعلمهم السورة من القرآن "اللهم إني أعوذ بك من فتنة المحيا وأعوذ بك من فتنة الممات. وأعوذ بك من فتنة المسيح الدجال" وذكر الحافظ ابن القيم ما تقدم في أحاديث الباب وزاد شيئا من أحاديث الإسراء لما فيها من الأدلة على ذلك، ثم قال وهذا كما أنه مقتضى الأحاديث الصحيحة فهو متفق عليه بين أهل السنة (قال المروزي) قال أبو عبد الله يعني أحمد بن حنبل لا ينكره إلا ضال مضل (وقال ابن حنبل) قلت لأبي عبدالله في عذاب القبر، فقال هذه أحاديث صحاح نؤمن بها ونقر بكل ما جاء عن النبي ﷺ
[ ٨ / ١٣٧ ]
_________________
(١) بإسناد جيد. قال تعالى "وما أتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا" قال وسمعت أبا عبد الله يقول نؤمن بعذاب القبر ومنكر ونكير، وأن العبد يسئل في قبره فيثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة في القبر (وقال أحمد بن القاسم) قلت يا أبا عبد الله تقر بمنكر ونكير وبما يروى في عذاب القبر؟ قال سبحانه نعم، نقر بذلك ونقوله قال (يعني الحافظ بن القيم) واعلم أن عذاب القبر هو عذاب البرزخ، فكل ميت أراد الله تعذيبه ناله ما أراده به قبر أو لم يقبر، ولو صلب أو غرق في البحر أو أكلته الدواب أو أحرق حتى صار رمادا وذرى في الريح، فسبحان ذي القدرة الشاملة والعظمة الباهرة الكاملة (وأما) محل العذاب فالروح والبدن جميعا لاتفاق أهل السنة، فإذا مات العبد تبقى روحه منعمة أو معذبة تارة منفردة عن البدن إلا عند من شدد فقال إنما الروح الحياة ولا تبقى بعد فراق البدن، وتارة تتصل به وهو متصل بها فيكون النعيم والعذاب عليهما في هذه الحالة مجتمعين، وهل يكون النعيم والعذاب للبدن بدون الروح؟ فيه قولان مشهوران لأهل الحديث وأهل الكلام (والحاصل) أن مذهب سلف الأمة أن المرء إذا مات يكون في نعيم أو عذاب، وأن ذلك يحصل لروحه وبدنه، وأن الروح تبقى بعد مفارقة البدن منعمة أو معذبة، وأنها تتصل بالبدن أحيانا يحصل له معها النعيم أو العذاب، فإذا كان يوم القيامة الكبرى أعيدت الأرواح إلى الأجساد، وجميع هذا ثابت بالكتاب والسنة واتفاق الأمة، ومعاد الأبدان متفق عليه بين أهل الشرائع؛ المسلمين واليهود والنصاري، وإنما أوقع من أحال عذاب القبر في الضلال قياسهم غيب المآل على شاهد الحال؛ والجواب عن شبههم أنا نعلم أن الرسل صلوات الله عليهم وسلامه لم يخبروا بحيلة العقل، غاية ما يقال أنهم يخبرون بما لا تدركه العقول بمجردها كالغيوب من تفاصيل البرزخ واليوم الآخر والثواب والعقاب، ولا يكون خبرهم محالا في العقل أصلا، بل كل خبر يظن أن العقل يحيله فلا يخلو من أمرين (أحدهما) أن يكون كذبا عليهم (والثاني) أن يكون ذلك العقل فاسدا، قال الله تعالى "أفمن يعلم أن ما أنزل إليك من ربك الحق كمن هو أعمى" وهذا ينفع بأمور ملاكها أن تمعن النظر في السنة مع التلبس بأثواب الافتقار والتضرع للملك الجبار حتى تفهم عن رسول الله ﷺ مراده من غير غلو ولا تقصير، فلا تحمل كلامه ما لا يحتمله ولا تخرج به عن مراده، وقد حصل بإهمال ذلك من الضلال ما لا يعلمه إلا الله، وسوء الفهم عن الله ورسوله أصل كل بدعة وضلالة، بل أصل كل خطأ في الأصول والفروع لا سيما إن أضيف إليه سوء القصد، وإنك ربما مررت على الكتاب من أوله إلى آخره فلا تجد صاحبه فهم عن الله ورسوله مراده كما ينبغي في موضع واحد، وهذا إنما تعرفه إذا عرضت الآراء على ما جاء به الرسول؛ وأما من عكس هذا الأمر فعرض
[ ٨ / ١٣٨ ]
.
_________________
(١) ما جاء به الرسول على ما اعتقده مما قلد فيه من أحسن الظن فهو في الضلال لا ينفعه جدال فقد يتفق الغلط من المتبوع فيتبعه مقلده إحسانا للظن أو لسوء قصد، نسأل الله العافية من ذلك وأن لا يكلنا إلى أنفسنا طرفة عين ولا إلى أحد من خلقه إنه حسبنا ونعم الوكيل. وقد ذكر الحافظ ابن القيم هنا أمورا مهمة آثرت نقلها لأهميتها وهي (الأمر الأول) أن الله جعل الدور ثلاثة. دار الدنيا. دار البرزخ. دار القرار، وجعل لكل دار أحكاما تختص بها؛ وركب هذا الإنسان من بدن ونفس (وجعل أحكام دار الدنيا) على الأبدان، والأرواح تبعا لها، ولهذا جعل الأحكام الشريعة مرتبة على ما يظهر من حركات اللسان والجوارح وإن أضمرت النفوس خلافه (وجعل أحكام البرزخ) على الأرواح والأبدان تبع لها، فكما تبعت الأرواح الأبدان في أحكام الدنيا فتألمت بألمها والتذت براحتها وكانت هي التي باشرت أسباب النعيم والعذاب. تبعت الأبدان الأرواح في القبور في نعيمها وعذابها؛ والأرواح حينئذ هي التي تباشر العذاب والنعيم، فالأبدان هنا ظاهرة، والأرواح خفية والأبدان كالقبور لها، والأرواح هناك ظاهرة، والأبدان خفية في قبورها تجري أحكام البرزخ على الأرواح فتسري إلى أبدانها نعيما وعذابا كما تجري أحكام الدنيا على الأبدان فتسري إلى الأرواح كذلك (وجعل أحكام الدار الآخرة) على الأرواح والأبدان معا، فأحط بهذا الموضع علما يزل عنك كل إشكال، وقد أراك الله تعالى نموذجا في الدنيا من حال النائم، إن ما ينعم به أو يعذب يجري على روحه أصلا، والبدن تبع له، وقد يتعدى أثره إلى البدن تأثيرا مشاهدا، فيرى النائم أنه عذب أو نعم فيصبح وأثر ذلك في جسمه ونحو ذلك (ذكر الحارث بن أسد المحاسبي) وأصبغ وخلف بن القاسم وجماعة عن سعيد بن سلمة قال بينما امرأة عند عائشة إذ قالت بايعت رسول الله ﷺ على أن لا أشرك بالله شيئا ولا أسرق ولا أزني ولا أقتل ولدي ولا آتي ببهتان افتريه بين يدي ورجلي ولا أعصي في معروف فوفيت لربي، فوالله لا يعذبني الله تعالى، فأتاها في المنام ملك فقال كلا، إنك تتبرجين. وزينتك تبدين، وخيرك تكدرين. وجارك تؤذين. وزوجك تعصين، ثم وضع أصابعه الخمسة على وجهها فقال خمس بخمس، ولو زدت زدناك، فأصبحت وأثر الأصابع على وجهها (وقال بد الرحمن ابن القاسم) صاحب مالك سمعت مالكا يقول إن يعقوب بن عبد الله بن الأشج كان من خيار هذه الأمة نام في اليوم الذي استشهد فيه فقال لأصحابه إني قد رأيت أثرا ولأخبرن به، إني رأيت كأني أدخلت الجنة فسقيت لبنا، فاستقاء فقاء اللبن واستشهد بعد ذلك (قال ابن القاسم) وكان في غزوة في البحر بموضع لا لبن فيه، وقد سمعت غير مالك يكره ويذكر أنه معروف، فقال إني رأيت كأني أدخل الجنة فسقيت فيها لبنا، فقال له بعض القوم
[ ٨ / ١٣٩ ]
.
_________________
(١) أقسمت عليك ألا تقيأت، فقاء لبنا يصلد وما في السفينة لبن ولا شاة إلى (يصلد أي يبرق) وذكر مسعدة في كتابه) عن ربيع بن يزيد الرقاشي قال أتاني رجلان فصعدا إلي فاغتابا رجلا فنهيتهما، فأتاني أحدهما بعد ذلك فقال إني رأيت في المنام كأن زنجيا أتاني بطبق عليه جنب خنزير ولم أر لحما قط أسمن منه فقال لي كل، فقلت آكل لحم خنزير؟ فتهددني فأكلت فأصبحت وقد تغير فمي، فلم يزل يجد الريح في فمه شهرين (قال الحافظ ابن القيم ﵀) وأعجب منه ذلك أنك ربما رأيت النائم يقوم ويضرب ويبطش ويتكلم كأنه يقظان وهو نائم لا شعور له بشيء من ذلك، لكن الحكم لما جرى على الروح استعانت بالبدن من خارجه ولو دخلت فيه استيقظ، فإذا كانت الروح هنا تتألم وتتنعم فيصل ذلك إلى البدن بطريق الاستتباع، ففي البرزخ أقوى، فإذا كان يوم الحشر صار الحكم على الأرواح والأجساد معا كل منهما أصل في ذلك، ومتى أعطيت هذا الموضع حقه لاحت لك أسرار أخبار الرسول ﷺ عن عذاب القبر ونعيمه، ومن أشكل عليه شيء من ذلك فمن غلظ كبده ورداءة فهمه ونقده، (واغرب من ذلك) أنم ترى النائمين في فراش، هذا روحه في نعيم وهذا روحه في عذا، وربما استيقظا أو أحدهما وأثر ذلك موجود ولا شعور لأحدهما بما فيه الآخر (الأمر الثاني) أن الله تعالى حجب أمر الآخرة وما كان متصلا بها عن إدراك المكلفين في هذه الدار، وذلك من كما لحكمته ليتميز المؤمنون بالغيب عن غيرهم، فأول ذلك نزول الملائكة على المحتضر على الهيئات التي تقدمت في الأحاديث، وقد يسلمون عليه فيرد عليهم بلفظهم أو إشارته، وربما سأل من عنده عنهم من أين هؤلاء الرجال الحسان أو نحو ذلك، وكل من امتدت حياته في هذه الدار رأى من ذلك ما يغنيه من الأخبار، ويكفي من ذلك قوله تعالى "حتى إذا بلغت الحلقوم وأنتم حينئذ تنظرون ونحن أقرب إليه منكم ولكن لا تبصرون" أي أقرب بملائكتنا ورسلنا وغير ذلك من قبض الروح وخروجها والشعاع الذي يخرج معها والريح الطيب أو الخبيث وهو غير مرئي لنا ولا محسوس وهو في هذه الدار، ثم تأتي الروح فتشاهد غسل الميت وتكفينه وحمله (روى البخاري) عن أبي سعيد الخدري ﵁ أن رسول الله ﷺ قال إذا وضعت الجنازة فاحتملها الرجال على أعناقهم، فإن كانت صالحة قالت قدموني، وإن كانت غير صالحة قالت يا ويلها أين تذهبون، بها يسمع صوتها كل شيء إلا الإنسان، وقد ثبت نحو هذا في هذه الدار واطلع الله عليه بعض من اختار، فهذا جبريل كان ينزل على النبي ﷺ ويتمثل له رجلا يكلمه تارة بكلام الرجال وتارة مثل صلصلة الجرس ويدارسه القرآن؛ ويشاهد الصحابة من النبي ﷺ من الأحوال الاضطرارية الطبيعية ما يعلم بها مجيئة إليه قطعا من غير إخبار، ولا يسمعون كلامه ولا يرون شخصه، وربما رآه
[ ٨ / ١٤٠ ]
.
_________________
(١) بعضهم كما في صحيح الأخبار، فقد كانت الملائكة تضرب الكفار بالسياط وتصيح بهم ويراهم الكفار ويسمعونهم كما أخبر كثير منهم بذلك بعد إسلامه، ولا يسمع المسلمون ولا يرونه، كل من له نظر في كتب السنة الصحيحة فقطع بذلك بعد إسلامه، ولا يسمع المسلمون ولا يرونه، وكل من له نظر في كتب السنة الصحيحة فقطع بذلك، وهذه الجن تتكلم بالأصوات المرتفعة بيننا ونحن لا نسمعهم، والعبد أضعف أثرا وسمعا من أن يثبت لمشاهدة عذاب القبر وربما كشف لبعض الناس عن شيء فربما ثبت وربما صعق، وليس بعزيز على من أوجد هذا الإنسان من العدم وجله حيا عالما سميعا بصيرا بعد أن لم يكن شيئا مذكورا أن يجمع أجزاءه بعد أن تفرقت رمادا في هواء البر والبحر وفي حواصل الطير وبطون السباع، ويجعل للروح اتصالا بها لتحس بالعذاب والنعيم، فقد أرانا أعجب من ذلك بأن جعل في الجمادات شعورا وإدراكا، فقد صح أنه ﷺ كان يسمع تسليم الحجر والشجر عليه، وأن الصحابة رضوان الله عليهم كانوا يسمعون تسبيح الطعام وهو يؤكل والحصى في أيديهم، وأما حنين الجذع فأشهر من أن يذكر (الأمر الثالث) اتساع القبر وضيقه ونوره وظلمته أمر معلوم من الدين بالضرورة لا مرية فيه لمتشرع، ثم ذكر جملة أحاديث في الصحيحين وغيرهما وتقدت في باب هول القبر وفتنته والسؤال فيه وشدته وفيها أنه يفسح للمؤمن في قبره سبعون ذراعا ويملأ عليه خضرا إلى يوم يبعثون، والكافر بعكس ذلك، وذكر من أحاديث هذا الباب شيئا كثيرا، ثم قال واتساع القبر للروح بالذات والبدن تبع لها، فيكون البدن في لحد أضيق من ذراع، وقد فسح له مد بصره تبعا لروحه قال (وقد أخبرنا بعض الصادقين) أنه حفر ثلاثة أقبر، فلما فرغ منها اضطجع ليستريح فرأى فيما يرى النائم ملكين نزلا فوقفا على أحد الأقبر، فقال أحدهما لصاحبه اكتب فرسخا في فرسخ، ثم وقفا على الثاني، فقال أكتب ميلا في ميل، ثم وقفا على الثالث فقال أكتب فترا في فتر، ثم انتبه فجيء برجل غريب لا يؤبه له فدفن في الأول، ثم جيء برجل آخر فدفن في الثاني، ثم جيء بامرأة مترفة من وجوه البلد حولها ناس كثير فدفنت في القبر الضيق الذي سمته فتر في فتر؛ والفتر بالفاء المكسورة والفوقية الساكنة، ما بين رأسي الإبهام والسبابة (الأمر الرابع) أن الميت إذا وضع في لحده ودفن لم يحجب التراب الملائكة عن الوصول إليه، بل لو نقر له حجر وأودع فيه وختم عليه بالرصاص لم يمنع وصولهم إليه، فإن هذه الأجسام الكثيفة لا تمنع خرق الأرواح لها، وأنت ربما شاهدت من الجن في ذلك العجائب، وقد جعل الله الحجارة والتراب للملائكة بمنزلة الهواء للطير (الأمر الخامس) أن النار في القبر والخضرة ليستا من نار الدنيا ولا نباتها ولا يحس به أهل الدنيا، فالله تعالى يحمي على الميت ذلك التراب وتلك الحجارة التي فوقه وتحته حتى تكون أعظم حرا من نار الدنيا بما لا يعلمه
[ ٨ / ١٤١ ]
_________________
(١) إلا الله، ولو لمسها أهل الدنيا لم يحسوا بذلك (بل أعجب من هذا) أن الرجلين يدفنان أحدهما إلى جنب الآخر؛ وهذا في حفرة من حفر النار لا يصل حرها إلى جاره، بل ربما كان في روضة من رياض الجنة، وقد أرانا الله تعالى من آثار قدرته في هذه الدار ما هو أعجب من ذلك، لكن النفوس مولعة بالتكذيب بما لم تحط به علما إلا من وفقه الله، فكيف ينكر في الحكمة الإلهية اسبال غطاء يحول بين المكلفين وبين مشاهدة ما يريد الله ﷿ واخفاءه حتى إذا كشف الغطاء رأوه وشاهدوه عيانا، وقد يطلع على ذلك بعض عبيده، ولو اطلع الكل عليه لزالت حكمة التكليف والإيمان بالغيب، ولا تدافن الناس كما الصحيحين في حديث زيد بن ثابت (قلت) تقدم في أحاديث الباب من رواية الإمام أحمد بلفظ "لولا أن لا تدافتوا لدعوت الله أن يسمعكم عذاب القبر" وتقدم أيضا من رواية أنس بلفظ "لولا أن لا تدافنوا لسألت الله ﵎ أن يسمعكم من عذاب أهل القبور ما أسمعني" (قال) وسر ذلك كله أن ما في البرزخ من النبات والنار والسعة والضيق ليس من جنس المعهود في الدنيا، فلا مانع من سؤال الملكين الميت ولو كان بين الناس ملثى على جذع مصلوبا ويعذبانه أو ينعمانه ولا يحس الناس بذلك، هذا الواحد منا ينام إلى جنبه صاحبه فيعذب في النوم بما قد يرى أثره عليه بعد أن يستيقظ، وليس عند من إلى جنبه علم بذلك البتة؛ (وحدثني صاحبنا أبو عبدالله) محمد بن الوزير الحراني أنه أخرج من داره بعد العصر بآمد إلى بستان، قال فلما كان قبل غروب الشمس توسطت القبور فإذا قبر خرج منه جمرة نار مثل كور الزجاج والميت في وسطه، فجعلت أمسح عيني وأقول أنائم أنا أو يقظان، ثم التفت إلى سور المدينة وقلت والله ما أنا بنائم، ثم ذهبت إلى أهلي وأنا مدهوش فأتوني بطعام فلم أستطع الأكل، ثم سألت عن صاحب القبر فإا هو مكاس قد توفى في ذلك اليوم \٠ وذكر ابن أبي الدنيا) في كتاب القبور عن الشعبي أن رجلا قال للنبي ﷺ مررت ببدر فرأيت رجلا يخرج من الأرض فضربه رجل بمقمعة حتى يغيب في الأرض ثم يخرج فيفعل به ذلك فقال رسول الله ﷺ ذلك أبو جهل بن هشام يفعل به إلى يوم القيامة (وذكر من طريق حماد بن سلمة) عن عمرو بن دينار عن سالم بن عبدا لله بن عمر عن أبيه قال بينما أنا أسير بين مكة والمدينة على راحلة وأنا محتقب أداوة إذ مررت بمقبرة، فإذا رجل خارج من قبره يلتهب نارا وفي عنقه سلسلة يجرها، فقال يا عبد الله انضح فوالله ما أدري أعرفني باسمي أو كما يدعو الناس، فخرج آخر فقال يا عبد الله لا تنضح، ثم اجتذب السلسلة فأعاده في قبره (قال وحدثني أبي) أخبرنا موسى بن داود أخبرنا حماد بن سلمة عن هشام بن عروة عن أبيه قال بينما راكب يسير بين مكة والمدينة إ مر بمقبرة فإذا برجل قد خرج من قبره
[ ٨ / ١٤٢ ]
.
_________________
(١) يلتهب نارا مصفدا في الحديد، فقال يا عبد الله انضح يا عبد الله انضح، وخرج آخر يتلوه فقال يا عبد الله لا تنضح يا عبد الله لا تنضح، وعشي على الراكب وعدلت به راحلته إلى العوج وأصبح وقد أبيض شعره، فأخبر عثمان بذلك فنهى أن يسافر الرجل وحده (قلت) حديث ابن عمر أورده الهيثمي في مجمع الزوائد ولفظه (عن ابن عمر ﵄) قال بينما أسير بجنبات بدر إذ خرج رجل من حفرة في عنقه سلسلة، فناداني يا عبد الله اسقني فلا أدري أعرف اسمي أودعاني بدعاية العرب، وخرج رجل من ذلك الحفير في يده سوط فناداني لا تسقه فإنه كافر، ثم ضربه بالسوط حتى عاد إلى حفرته، فأتيت النبي ﷺ مسرعا فأخبرته فقال لي أو قد رأيته؟ قلت نعم، قال ذاك عدو الله أبو جهل بن هشام وذاك عذابه إلى يوم القيامة (قال الهيثمي) رواه الطبراني في الأوسط وفيه عبد الله بن محمد ابن المغيرة وهو ضعيف أهـ. قال الحافظ ابن القيم (وذكر عن حصين الأسدي قال سمعت مرثد بن حوشب قال كنت جالسا عند يوسف بن عمر وإلى جنبه رجل كأن شق وجهه صفحة من حديد، فقال له يوسف حدث مرثدا بما رأيت. قال كنت شابا قد أتيت هذه الفواحش، فلما وقع الطاعون قلت اخرج إلى ثغر من هذه الثغور ثم رأيت أن احفر القبور فأني لليلة بين المغرب والعشاء قد حفرت قبرا وأنا متكيء على تراب قبر آخر إذ جيء بجنازة رجل حتى دفن في ذلك القبر وسووا عليه، فأقبل عليه طيران أبيضان مثل البعيرين سقط أحدهما عند رأسه والآخر عند رجليه، ثم أثاراه ثم تدنى أحدهما في القبر والآخر على شفيره، فجئت حتى جلست على شفير القبر وكنت رجلا لا يملأ جوفي شيء، فسمعته يقول ألست الزائر أصهارك في ثوبين ممصرين تسحبهما كبرا تمشي الخيلاء، فقال أنا أضعف من ذلك، فضربه ضربة امتلأ القبر حتى قاض ماء ودهنا؛ ثم عاد وأعاد عليه القول حتى ضربه ثلاث ضربات كل ذلك يقول ذلك، ويذكر أن القبر بفيض ماء ودهنا، قال فرفع رأسه فنظر إلى فقال انظروا أين هو جالس نكسه الله، ثم ضرب جانب وجهي فسقطت فمكثت ليلتي حتى أصبحت، ثم أخذت أنظر إلى القبر فإذا هو على حاله. فهذا ماء ودهن في رأي العين لهذا، وهما نار تأجج للميت كما أخبر ﷺ عن نار الدجال أنها ماء بارد وعن مائة أنه نار تأجج (وقيل لنباش) قد تاب ما أعجب ما رأيت قال نبشت رجلا فإذا هو مسمر بمسامير في سائر جسده ومسمار كبير في رأسه وآخر في رجليه (وقيل لآخر) قال رأيت جمجمة إنسان مصبوبا فيها الرصاص (الأمر السادس) أن يعلم أ، عذاب القبر ونعيمه عبارة عن عذاب البرزخ ونعيمه، وهو ما بين الدنيا والآخرة، وإنما أضيف إلى القبر باعتبار الغالب فالمصلوب والغريق والحريق وأكيل السباع والطيور له من عذاب البرزخ ونعيمه قسطه، حتى لو علق
[ ٨ / ١٤٣ ]
.
_________________
(١) العاصي على رءوس الأشجار في مهاب الرياح لأصاب جسده من عذاب البرزخ حظه، ولو لقي الصالح في أتون من النار لأصاب جسده من نعيم البرزخ وروحه نصيبه، فيجعل النار على هذا بردا وسلاما والهواء على ذلك نارا وسموما، فعناصر العالم وموارده منقادة لربها يصرفها كيف يشاء كما صرفها فيما نشاهد بخلق هذه القوى فيها بعد أن لم تكن، تبارك اسمه وعزت مشيئته وتعالت قدرته وجلت قوته (وأما هل ذكر في القرآن) فنعم في قوله تعالى "ولو ترى إذ الظالمون في غمرات الموت والملائكة باسطوا أيديهم أخرجوا أنفسكم. اليوم تجزون عذاب الهون بما كنتم تقولون على الله غير الحق وكنتم عن آياته تستكبرون" فخاطبوهم عند الموت بقولهم (اليوم تجزون) وفي قوله "فوقاه الله سيئات ما مكروا وحاق بآل فرعون أشد العذاب" فذكر عذاب الدارين ذكرا صريحا لا يحتمل غيره، وفي قوله تعالى "ولنذيقهم من العذاب الأدنى دون العذاب الأكبر" احتج بها ابن عتاب على عذاب القبر (فإن قيل) إنما المراد بهذا العذاب في الدنيا بالقتل والقحط والأسر وغيرها بدليل قوله "لعلهم يرجعون" أي عن الكفر (قيل) حبر الأمة وترجمان القرآن يقول ذلك، وهو أدق فهما وأغزر علما، وتقرير قوله أن قوله تعالى "من العذاب الأدنى" يدل على أنه يبقى بعد ما يذوقونه منه في الدنيا بقية يذوقونها بعد الموت، والعذاب الأكبر بعد الحشر، وهذا نظير قوله ﷺ فيفتح له طاقة إلى النار فيأتيه من حرها وسمومها، فإن الذي يصل إليه بعض ذلك ويبقى أكثره (وأما هل هو دائم أو منقطع) فهو نوعان (أحدهما دائم) وهو عذاب الكفار وبعض العصاة لقوله تعالى في آل فرعون "النار يعرضون عليها غدوا وعشيا" وفي حديث سمرة عند البخاري في رؤيا النبي ﷺ فهو يفعل ذلك إلى يوم القيامة، وفي حديث أبي هريرة في الذين ترضخ رءوسهم لا يفتر عنهم، وفي الصحيح عن أبي هريرة في قصة الذي لبس بردين وجعل يمشي ويتبختر فخسف الله به الأرض فهو يتجلجل فيها إلى يوم القيامة، وفي بعض ألفاظ حديث البراء الطويل الماضي عند أجمد ثم يخرق له خرقا إلى النار فيأتيه من غمها ودخانها إلى يوم القيامة، لكن ورد في بعض الأحاديث أنه يخفف عنهم ما بين النفختين، فإذا قاموا من قبورهم قالوا يا ويلنا من بعثنا من مرقدنا (الثاني منقطع) وهو عذاب من خفت جرائمهم من العصاة فإنه يعذب بحسب جريمته، ثم يرفع عنه بدعاء أو صدقة أو نحو ذلك (قال ابن أبي الدنيا) حدثني محمد بن موسى الصائغ أخبرنا عبد الله بن نافع قال مات رجل من أهل المدينة فرآه رجل كأنه من أهل النار فاغتم لذلك ثم إنه بعد سابعة أو ثامنة رآه كأنه من أهل الجنة، فقال ألم تكن قلت إنك من أهل النار؟ قال قد كان ذلك
[ ٨ / ١٤٤ ]
.
_________________
(١) إلا أنه دفن معنا رجل من الصالحين، فشفع في أربعين من جيرانه فكنت منهم، وحدثنا أحمد بن يحيى حدثنا بعض أصحابنا قال مات أخ لي فرأيته في النوم، فقلت له ما حالك حين وضعت في قبرك؟ قال أتاني آت بشهاب من نار فلولا أن داعيا دعالي لرأيت أنه سيضربني به (وحدثني) أبو عبد الله بن بجير حدثني بعض أصحابنا قال أرأيت أخا لي في النوم بعد موته فقلت أيصل إليك دعاء الأحياء؟ قال إي والله يترفرف مثل النور ثم نلبسه (وعمر بن جرير) إذا دعا العبد لأخيه الميت أتاه بها إلى قبره ملك فقال يا صاحب القبر الغريب هذه هدية من أخ عليك شفيق (وقال بشار بن غالب) رأيت رابعة في منامي وكنت كثير الدعاء لها، فقالت لي يا بشار بن غالب هداياك تأتينا على أطباق من نور مخمرة بمناديل الحرير، قلت وكيف ذاك؟ قلت هكذا دعاء المؤمنين الأحياء إذا دعوا للموتى فاستجيب لهم جعل ذلك الدعاء على أطباق النور ثم خمر بمناديل الحرير، ثم أتى على الذي دعى له من الموتى فقيل هذه هدية فلان إليك (وأما الأسباب) الموقعة في عذاب القبر فهي الجهل بالله والإضاعة لأمره والارتكاب لمعاصيه المفضية إلى سخطه المعبر به عن عذابه، فمن أغضب الله وأسخطه في هذه الدار ومات من غير توبة كان له من عذاب البرزخ بقدر غضب الله وسخطه عليه فمستقل ومستكثر، وقد عين النبي ﷺ للإيقاع فيها أسبابا من اتقى ما ذكرناه من هذا الإجمال استغنى عن تفصيلها، ولما كان أكثر الناس مستخفا بأكثر الأرجاس كان أكثر أصحاب القبور معذبين والفائز منهم قليل، إلا أن عفا الله وهو أهل العفو والمغفرة، فظواهر القبور تراب وبواطنها حسرات وعذاب، ظواهرها بالحجارة المنقوشة مبنيات، وفي بواطنها الدواهي والبليات، تغلي بالحسرات كما تغلي القدور بما فيها، وحق لها لعمري وقد حيل بينها وبين أمانيها، (ذكر ابن أبي الدنيا) عن سماك بن حرب قال مر أبو الدرداء بين القبور، فقال ما أسكت ظواهرك وفي باطنك الدواهي؟ (قال ثابت البناني) بينما أنا أمشي في المقابر وإذا صوت خلفي يقول يا ثابت لا يغرنك سكوتها فكم من مغموم فيها، فالتفت فلم أر أحدا (ومر الحسن) على مقبرة فقال يا لهم من عسكر ما أسكتهم وكم فيهم من مكروب. (خاتمة) وأما الأسباب المنجية منه فالعلم بالله وخشيته وتقواه والامتثال لأمره والوقوف عند نهيه وزجره وتجنب الأسباب المقتضية للعذاب، ومن أنفع ذلك أن نجلس عند المنام ساعة تحاسب فيها نفسك، ثم تجدد لكل ذنب توبة نصوحا وتنام على تلك التوبة، فإن مت كنت على توبة وإلا استيقظت مستقبلا للعمل مسرورا بتأخير الأجل حتى تستقبل ربك وتستدرك ما فاتك، وليس للعبد أنفع من هذه التوبة لا سيما إذا عقب ذلك بذكر الله واستعمل السنن التي وردت عن رسول الله ﷺ حتى يغلبه النوم، هذا وقد عين ﷺ
[ ٨ / ١٤٥ ]
.
_________________
(١) للنجاة منها أسبابا فعليك بها (أخرج مسلم) في صحيحه عن سلمان ﵁ قال سمعت رسول الله ﷺ يقول رباط يوم خير من صيام شهر وقيامه، وإن مات أجرى عليه عمله الذي كان يعمله وأجرى عليه رزقه وأمن الفتان (وللترمذي) وقال حسن صحيح عن فضالة بن عبيد ﵁ عن رسول ﷺ قال "كل ميت يختم على عمله إلا الذي مات مرابطا في سبيل الله فإنه ينمي إلى يوم القيامة ويأمن فتنة القبر" (وللنسائي) عن رشدين بن سعد عن رجل من أصحاب النبي ﷺ أن رجلا قال يا رسول الله ما بال المؤمنين يفتنون في قبورهم إلا الشهيد، وقال كفى ببارقة السيوف على رأسه فتنة، معناه والله أعلم أنه امتحن إيمانه من نفاقه ببارقة السيوف، فدل على إيمانه هو الذي يحمله على بروزه للقتل وبذل نفسه لله وتسلميها له، وهاج من قلبه حمية الغضب لله ورسوله وإظهار دينه وإعزاز كلمته، فظهر أن دعواه الإيمان بلسانه برزت عن قلب صادق وضمير بالله واثق فأغنى ذلك عن الامتحان في قبره (وللترمذي) وهذا لفظه وقال حسن صحيح غريب وابن ماجه عن المقدام بن معد يكرب ﵁ قال قال رسول الله ﷺ للشهيد عند الله ست خصال، يغفر له في أول دفعة من دمه ويرى مقعده من الجنة، ويجار من عذاب القبر، ويؤمن من الفزع الأكبر، ويوضع على رأسه تاج الوقار الياقوته منه خير من الدنيا وما فيها، ويزوج اثنتين وسبعين زوجة من الحور العين. ويشفع في سبعين من أقاربه (وللترمذي أيضا) وقال حسن غريب عن ابن عباس ﵄، قال ضرب رجل من أصحاب رسول الله ﷺ خباه على قبر وهو لا يحسب أنه قبر، فإذا قبر إنسان يقرأ سورة الملك حتى ختمها، فقال ﷺ هي المانعة هي المنجية تنجيه من عذاب القبر، وفي مسند عبد بن حميد عن إبراهيم ابن الحكم عن أبيه عكرمة عن ابن عباس ﵄ أنه قال لرجل ألا أتحفك بحديث تفرح به؟ قال الرجل بلى، قال اقرأ تبارك الذي بيده الملك، احفظهما وعلمها جميع أهلك وولدك وصبيان بيتك وجيرانهم ظنها المنجية والمجادلة، تجادل أو تخاصم يوم القيامة عند ربها لقارئها، وتطلب له إلى ربها أن ينجيه من عذاب النار إذا كان جوفه، وينجي الله صاحبها من عذاب القبر، قال رسول الله ﷺ أنه قال سورة ثلاثون آية شفعت في صاحبها حتى غفر له، تبارك الذي بيده الملك (قلت) رواه الإمام أحمد وأصحاب السنن والحاكم، وقال هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه - وأقره الذهبي - قال (وقد جاء فيما ينجي من عذاب القبر) حديث رواه أبو موسى المديني وبنى عليه كتابه في الترغيب والترهيب وجعله سر حاله رواه من طريق الفرج بن فضالة حدثنا هلال أبو حبلة عن سعيد بن المسيب عن عبد الرحمن
[ ٨ / ١٤٦ ]
.
_________________
(١) ابن سمرة ﵁ قال خرج علينا رسول الله ﷺ ونحن في صفة بالمدينة، فقام علينا فقال إني رأيت البارحة عجبا، رجلا من أمتي أتاه ملك الموت ليقبض روحه فجاءه بره بوالديه فرد ملك الموت عنه، ورأيت رجلا من أمتي قد بسط عليه عذاب القبر فجاءه وضوءه فاستنقذه من ذلك، ورأيت رجلا من أمتي قد أحتوشته الشياطين، فجاءه ذكر ذكر الله فطرد الشيطان عنه (وفي رواية فخلصه من أيديهم) ورأيت رجلا من أمتي يلهث عطشا، فلما دنى من حوض منع وطرد فجاءه صيام شهر رمضان فأسقاه ورواه، ورأيت رجلا من أمتي من بين يديه ظلمة وهو متحير فيه (وفي روايته فتحير فيها) فجاءه حجة وعمرته فأخرجاه من الظلمة وأدخلاه في النور، ورأيت رجلا من أمتي يتقي بوجهه وهج النار وشررها (وفي رواية يقي حر النار وشررها بيده ووجهه) فجاءت سترته بينه وبين النار وظللت على رأسه، ورأيت رجلا من أمتي يكلم المؤمنين ولا يكلمونه فجاءته صلته لرحمه فقالت يا معشر المؤمنين إنه كان وصولا لرحمه فكلموه، فكلمه المؤمنون وصافحوه وصافحهم (وفي رواية وكان معهم) ورأيت رجلا من أمتي قد احتوشته الزبانية فجاءه أمره بالمعروف ونهيه عن المنكر فاستنفذه من أيديهم وأدخله في ملائكة الرحمة، ورأيت رجلا من أمتي جاثيا. على ركبتيه وبينه وبين الله حجاب فجاءه حسن خلقه فأخذ بيده فأدخله على الله ﷿، ورأيت رجلا من أمتي قد ذهبت صحيفته من قبل شماله، فجاءه خوفه من الله ﷿ فأخذ صحيفته فوضعها في يمينه، ورأيت رجلا من أمتي قد خف ميزانه فجاءه افراطه فنقلوا ميزانه، ورأيت رجلا من أمتي قائما على شفير جهنم فجاءه وجله من الله ﷿ فاستنقذه ومضى، ورأيت رجلا من أمتي قد هوى في النار فجاءته دمعته التي بكت من خشية الله ﷿ فاستنقذته من ذلك، ورأيت رجلا من قائما على الصراط يرعد كما ترعد السعفة في ريح عاصف فجاءه حسن ظنه بالله فسكن روعه (وفي رواية فسكن رعدته ومضى) ورأيت رجلا من أمتي يزحف على الصراط يحبو أحيانا ويتعلق أحيانا فجاءته صلاته على فإقامته على قدميه وأقعدته حتى جاز، ورأيت رجلا من أمتي انتهى إلى أبواب الجنة فغلقت الأبواب دونه فجاءته شهادة أن لا إله إلا الله ففتحت له الأبواب وأدخلته الجنة (قال الحافظ) أبو موسى هذا حديث حسن جدا، رواه عن سعيد بن المسيب عمر بن ذر وعلي بن زيد بن جدعان، ونحو هذا الحديث مما قيل فيه رؤيا الأنبياء وحيى فهي على ظاهرها، ورؤياه طويلة، وردت من ثلاثة أوجه، من حديث سمرة في الصحيح، ومن حديث على وأبي أمامة، والثلاثة قريب بعضها من بعض تشتمل على
[ ٨ / ١٤٧ ]
(٣) باب ما جاء في الميت ينقل أو ينبش لفرص صحيح
(٣١٩) عن جابر بن عبد الله ﵄ لما مات عبد الله بن أبي أتي ابنه النبي ﷺ فقال يا رسول الله إنك إن لم تأته لم نزل نعير بهذا فأتاه النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم فوجده قد أدخل في حفرته، فقال أفلا قبل أن تدخلوه فأخرج من حفرته فتفل عليه
_________________
(١) ذكر عقوبات جماعة من المعذبين في البرزخ، فأما هذه الرواية فاتبع العقوبة بالعمل المنجي لصاحبها وراويها عن ابن المسيب هلال أبو حبلة مدني لا يعرف بغير هذا الحديث، فكره ان أبي حاتم عن أبيه هكذا، وكنى الحاكمان أبو أحمد وأبو عبد الله أباه أبا حبل بغير الهاء، وحكياه عن مسلم، ورواية عنه الفرج بن فضالة، وهو وسط في الرواية ليس بالقوي ولا المتروك، ورواية عنه بشر بن الوليد الفقيه المعروف بابن الخطيب كان حسن المذهب جميل الطريقة أهـ (قال الحافظ ابن القيم) سمعت شيخ الإسلام يعظم أمر هذا الحديث، وقال أصول السنة تشهد له، وهو من أحسن الأحاديث أهت باختصار.
(٢) عن جابر بن عبد الله (سنده) حدثنا عبد الله حدثني أبي ثنا محمد ابن عبيد ثنا عبد الملك عن أبي الزبير عن جابر- الحديث" (غريبه) (١) يعني ابن سلول وهو رأس المنافقين ورئيسهم (٢) هو عبد الله بن عبد الله بن أبي وكان اسمه الحباب بضم الحاء المهملة فسماه النبي ﷺ عبد الله، وهو صحابي جليل، وقد استأذن النبي ﷺ في قتل أبيه، فقال له النبي ﷺ لا تقتل أباك، رواه الطبراني، وروى نحوه ابن منده وزاد بل أحسن صحبته (٣) أي لأن في عدم حضور النبي ﷺ جنازته دليل على غضب الله ﷿ ومقته إياه، وفي حضوره مداراة لذلك، ولكن الله ﷿ نهى نبيه بعد ذلك عن الصلاة على المنافقين وفضحهم على لسان نبيه بقوله عز من قائل " ولا تصل على أحد منهم مات أبدا ول تقم على قبره. إنهم كفروا بالله ورسوله وماتوا وهم فاسقون" ونهاه عن الاستغفار لهم بقوله ﷿ "استغفر لهم أو لا تستغفر لهم إن تستغفر لهم سبعين مرة فلن يغفر الله لهم. ذلك بأنهم كفروا بالله ورسوله. والله لا يهدي القوم الفاسقين (٤) يعني أفلا آذنتموني بالحضور قبل أن تدفنوه، وكان أهل عبد الله بن أبي بادروا إلى تجهيزه قبل وصول النبي ﷺ، فلما وصل وجدهم قد دلوه في حفرته فأمربإخراجه فأخرج (وفي رواية البخاري) أتى رسول الله ﷺ عبد الله بن أبي بعد ما أدخل حفرته، فأمر به
[ ٨ / ١٤٨ ]
من قرنه إلى قدمه وألبسه قميصه
(٣٢٠) عن جابر بن عبد الله ﵄ قال استشهد أبي بأحد فأرسلتني أخواتي إليه بناضح لهن فقلن اذهب فاحتمل أباك على هذا الجمل فادفنه في مقبرة بني سلمة قال فجئته وأعوان لي فبلغ ذلك نبي الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وصحبه وسلم وهو جالس بأحد فدعاني وقال
_________________
(١) فأخرج فوضعه على ركبتيه فنفث فيه من ريقه وألبسه قميصه فالله أعلم، وكان كسا عباسا قميصا، قال سفيان فيرون النبي ﷺ ألبس عيد الله قميصه مكافأة بما صنع، والقائل فالله أعلم هو جابر راوي الحديث؛ وكأنه التبست عليه الحكمة في صنعه ﷺ بعبد الله ذلك بعد ما تبين نفاقه، أما سبب كسوة العباس قميص عبدالله بن أبي فإنه لما أتى بالأسارى يوم بدر والعباس معهم لم يكن عليه ثوب فوجدوا قميص عبد الله بن أبي، فكساه النبي ﷺ إياه، فلذلك ألبسه النبي ثلى الله عليه وسلم قميصه، ويمكن أن يكون السبب ما أخرجه البخاري أيضا في الجنائز أن ابن عبدالله المذكور قال يا رسول الله ألبس أبي قميصك الذي إلى جلدك (وفي رواية) أنه قال أعطني قميصك أكفنه فيه، ويمكن أن يكون السبب هو المجموع، السؤال والمكافأة، ولا مانع من ذلك والله أعلم (تخريجه) (خ. وغيره)
(٢) عن جابر بن عبد الله (سنده) حدثنا عبدالله حدثني أبي ثنا على ابن اسحق حدثنا عبد الوهاب وعتاب أخبرنا عبد الله أنا عمر بن سلمة بن أبي يزيد المديني حدثني أبي قال سمعت جابر بن عبد الله يقول استشهد أبي بأحد - الحديث" (غريبه) (١) هو البعير الذي يحمل الماء لسقي لزرع يقال نضح البعير الماء حمله من نهر أو بئر لسقي الزرع فهو ناضح، والأنثى ناضحة بالهاء، سمي ناضحا لأنه ينضح العطش أي يبله بالماء الذي يحمله، هذا أصله، ثم استعمل الناضح في كل بعير وإن لم يحمل الماء، وفي حديث "أطعمه ناضحك" أي بعيرك والجمع نواضح (٢) يعني بالمدينة (وفي رواية أخرى عند الإمام أحمد من حديث جابر أيضا أن عمة جابر جاءت بأبيه وخاله (الشهيدين) قال عادلتهما على ناضح فدخلت بهما المدينة لتدفنهما في مقابرنا إذ لحق رجل ينادي ألا إن النبي ﷺ يأمركم أن ترجعوا بالقتلى فتدفنوهما في مصارعهما حيث قتلت، فرجعنا بهما فدفناهما حيث قتلا، وسيأتي
[ ٨ / ١٤٩ ]
والذي نفسي بيده لا يدفن إلا مع إخوته، فدفن مع أصحابه بأحد
_________________
(١) هذا الحديث تامًا في مناقب عبدالله بن عمرو بن حرام والد جابر من كتاب مناقب الصحابة إن شاء الله تعالى (تخريجه) (الأربعة. وغيرهم) وصححه الترمذي (زوائد الباب) (وعن جابر بن عبد الله) ﵄ قال دفن مع أبي رجل لم تطب نفسي حتى أخرجته فجعلته في قبر على حدة، رواه البخاري والنسائي (ولمالك في الموطأ) أنه سمع غير واحد يقول إن سعد بن أبي وقاص وسعيد بن زيد ماتا بالعقيق فحملا إلى المدينة ودفنا بها (ولسعيد بن منصور في سننه) عن شريح بن عبيد الحضرمي أن رجالا قبروا صاحبا لهم لم يغسلوه ولم يجدوا له كفنا، ثم لقوا معاذ بن جبل فأخبروه فأمرهم أن يخرجوه فأخرجوه من قبره، ثم غسل وكفن وحنط ثم صلى عليه (الأحكام) في أحاديث الباب دليل على جواز نبش الميت لحاجة كالغسل والتكفين والصلاة عليه كما في قصة عبدالله ابن أبي، وما رواه سعيد بن منصور المذكور في الزوائد في الرجل الذي دفن من غبر غسل ولا كفن وحنط ثم صلى عليه، وهذا وإن كان قول صحابي ولا حجة فيه. ولكن جعل الدفن مسقطا لما علم من وجوب غسل الميت أو تكفينه أو الصلاة عليه محتاج إلى الدليل ولا دليل (وفي حديث جابر) المذكور في الزوائد أنه نبش قبر أبيه وأخرجه ليدفن على حدة دليل على جواز نبش الميت لأمر يتعلق بالحي لأنه لا ضرر على الميت في دفن ميت آخر معه وقد بين جابر ذلك بقوله فلم تطب نفسي، ولكن هذا إن ثبت أن النبي ﷺ أذن له بذلك أو قرره عليه. وإلا فلا حجة في فعل الصحابي، والرجل الذي دفن معه هو عمرو بن الجموح ابن زيد بن حرام الأنصاري، وكان صديق والد جابر وزوج أخته هند بنت عمرو، روى ابن اسحق في المغازي أن النبي ﷺ قال اجمعوا بينهما فإنهما كانا متصادقين في الدنيا أهـ (وفي حديث جابر) المذكور في المتن رواية الإمام أحمد دليل على عدم جواز دفن الشهيد في غير الموطن الذي استشهد فيه، أما غير الشهيد فيجوز نقله إلى موطن آخر لما في الزوائد عن مالك في الموطأ أن سعد بن أبي وقاص وسعيد بن زيد ﵄ ماتا بالعقيق فحملا إلى المدينة ودفنا بها، ولأن الأصل الجواز، ولو كان ذلك غير جائز لما سكت عنه الصحابة عند نقلهما وهم حينئذ كثيرون، ولا يقاس غير الشهيد على الشهيد لوجود الفارق وهو أن الشهيد له مزايا ليست في غيره، وربما كان لدفنه بمصرعه مزية يعلمها الشارع والله أعلم (قال ابن قدامة في المعنى في المغنى) ويستحب دفن الشهيد حيث قتل، قال أحمد أما القتلى فعلى حديث جابر أن النبي ﷺ قال ادفنوا القتلى في مصارعهم، وروى ابن ماجة أن رسول الله ﷺ أمر بقتلي أحد أن يردوا إلى مصارعهم، فأما غيرهم فلا ينقل الميت من بلده إلى بلد آخر إلا
[ ٨ / ١٥٠ ]
(٤) باب النهي عن اتخاذ المساجد على القبور
(٣٢١) عن أبي هريرة ﵁ قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم يقول قاتل الله اليهود والنصارى اتخذوا
_________________
(١) لغرض صحيح، وهذا مذهب الأوزاعي وابن المنذر، قال عبد الله بن أبي مليكة توفى عبد الرحمن بن أبي بكر بالحبشي (*) فحمل إلى مكة فدفن، فلما قدمت عائشة أتت قبره ثم قالت والله لو حضرتك ما دفنتك إلا حيث مت ولو شهدتك ما زرتك، ولأن ذلك أخف لمؤنثة وأسلم له من التغيير، فأما إن كان فيه غرض صحيح جاز (قال أحمد) ما أعلم بنقل الرجل بموت في بلده إلى بلد أخرى بأسا، وسئل الزهري عن ذلك فقال قد حمل سعد بن أبي وقاص وسعيد بن زيد من العقيق إلى المدينة (وقال ابن عيينة) مات ابن عمر هنا فأوصى أن لا يدفن هاهنا وأن يدفن بسرف أهـ. (قلت) وجواز النقل مشروط بما إذا كان المكان قريبا كما بين العقيق والمدينة، أما إذا كان بعيدا يخشى من النقل إليه تغير الميت فهو غير جائز بالاتفاق، لأن تعريض الميت للتغيير حرام (قال صاحب المهذب) وإذا دفن الميت قبل الصلاة صلى على القبر لأن الصلاة تصلي إليه في القبر، وإن دفن من غير غسل أو إلى غير القبلة ولم يخش عليه الفساد في نبشه نبش وغسل ووجه إلى القبلة. لأنه واجب مقدور على فعله، وإن خشي عليه الفساد لم ينبش. لأنه تعذر فعله فسقط كما يسقط وضوء الحي واستقبال القبلة في الصلاة إذا تعذر أهـ (قلت) وبهذا قال الأئمة (مالك وأحمد وداود - وقال أبو حنيفة) لا يجب ذلك بعد إهالة التراب عليه (وذكر ابن قتيبة في المعارف) وغيره أن طلحة بن عبيد الله أحد العشرة ﵃ دفن فرأته بنته عائشة بعد دفنه بثلاثين سنة في المنام فشكا إليها النز، فأمرت به فاستخرج طريا فدفن في داره بالبصره (قال غيره قال الراوي) كأني أنظر إلى الكافور في عينيه لم يتغير إلا عقيصته فمالت عن موضعها واخضر ضقه الذي يلي النز، ﵁
(٢) عن أبي هريرة (سنده) حدثنا عبد الله حدثني أبي ثنا حجاج ثنا ليث بن سعد حدثني عقيل عن ابن شهاب عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة - الحديث" (غريبه) (١) لفظ النصاري لم يرد في رواية البخاري وأبي داود، وورد في رواية لمسلم "ومعنى" قاتل أي قتلهم وأهلكهم- فقاتل بمعنى قتل كسارع بمعنى أسرع، أو المعنى (*) هو بضم الحاء وسكون الباء وكسر الشين والتشديد، موضع قريب من مكة، وقال الجوهري هو جبل بأسفل مكه (نه) وقال السيوطي مكان بينه وبين مكة اثنا عشر ميلا، وقد جاء في نسخة المغني طبع المنار بلفظ (الحبشة) وهو خطأ لم يقطن له مصححه صاحب المنار ﵀ بل أقره على الهامش بقوله "ولذلك أنكرت عائشة نقل أخيها من الحبشة" والكمال لله وحده.
[ ٨ / ١٥١ ]
قبور أنبيائهم مساجد (وعنه عن طريق ثان) قال قال رسول الله ﷺ قاتل الله اليهود اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد.
(٣٢٢) عن زيد بن ثابت ﵁ أن رسول الله ﷺ قال لعن (وفي لفظ قاتل) الله اليهود اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد.
(٣٢٣) عن أسامة بن زيد ﵄ قال قال لي رسول الله ﷺ أدخل على أصحابي فدخلوا عليه فكشف القناع ثم قال لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد (وعنه من طريق ثان بنحوه)
_________________
(١) لعنهم الله وأبعدهم عن رحمته كما في رواية البخاري والإمام أحمد من حديث عائشة وسيأتي "لعن الله اليهود والنصارى الخ. وللإمام أحمد من حديث زيد بن ثابت، وسيأتي بعد هذا بلفظ "لعن الله اليهود اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد" وهذا دعاء منه ﷺ عليهم فهو خبر بمعنى الإنشاء "وقوله اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد" جملة مستأنفة بيان سبب دعائه ﷺ عليهم، ومعنى اتخاذها مساجد أنهم جعلوها قبلة يصلون إليها فلعنهم لما فيه من التشبه بعبادة الأصنام، أو أنهم بنوا عليها مساجد يصلون فيها، وفي صحيح مسلم أن النبي ﷺ قال ذلك قبل أن يموت بخمس ليال، وزاد فلا تتخذوا القبور مساجد، إني أنهاكم عن ذلك (وفي رواية للإمام أحمد) من حديث عائشة وسيأتي أن رسول الله ﷺ قال ذلك في مرضه الذي لم يقم منه (١) (سنده) حدثنا عبد الله حدثني أبي ثنا إبراهيم ابن أبي عباس قال حدثنا أبو أويس عن الزهري عن سعيد بن المسيب أنه سمع أبا هريرة يقول قال رسول الله ﷺ - الحديث" (تخريجه) (ق. د. نس)
(٢) عن زيد بن ثابت (سنده) حدثنا عبد الله حدثني أبي ثنا عثمان بن عمر ثنا ابن أبي ذئب عن عقبة بن عبد الرحمن بن ثوبان عن زيد بن ثابت أن رسول الله ﷺ قال- الحديث" (تخريجه) أورده الهيثمي وقال رواه (طب) ورجاله موثقون.
(٣) عن أسامة بن زيد (سنده) حدثنا عبدالله حدثني أبي أبو سعيد مولى بني هاشم ثنا قيس بن الربيع ثنا جامع بن شداد عن كلثوم الخزاعي عن أسامة ابن زيد- الحديث" (غريبه) (٢) كان ذلك في مرض موته ﷺ كما يستفاد من حديث عائشة الآتي (٣) أي غطاء رأسه لأن الرأس موضع القناع (٣) (سنده)
[ ٨ / ١٥٢ ]
إلا أنه قال فدخلوا عليه وهو مقتنع ببردله معا فري يقل والنصارى.
(٣٢٤) عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ اللهم لا تجعل قبري وثنا لعن الله قوما اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد.
(٣٢٥) وعنه أيضا قال قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم لا تتخذوا قبري عيدا ولا تجعلوا بيوتكم قبورا وحيثما كنتم
_________________
(١) حدثنا عبد الله حدثني أبي ثنا سريج ثنا قيس عن جامع إلا أنه قال فدخلوا عليه الخ (١) أي مغطى ببرد له "وقوله معافري" صفة البرد وهي برود يمانية منسوبة إلى معافر، وهي قبيلة باليمن والميم زائدة (٢) المعنى أنه لم يقل في هذه الرواية لعن الله اليهود والنصارى كما قال في الطريق الأولى، بل اقتصر على اليهود فقال لعن الله اليهود اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد (تخريجه) أورده الهيثمي وقال رواه أحمد والطبراني في الكبير ورجاله موثقون.
(٢) عن أبي هريرة (سنده) حدثنا عبد الله حدثني أبي ثنا سفيان عن حمزة بن المغيرة عن سهيل بن أبي صالح عن أبيه هريرة ﵁ - الحديث" (غريبه) (٣) الوثن هو الصنم الذي يعبده المشركون؛ وقد كانت اليهود والنصارى يسجدون لقبور الأنبياء تعظيما لشأنهم ويجعلونها قبلة يتوجهون إليها في الصلاة واتخذوها أوثانا، فدعا النبي ﷺ ربه ﷿ أن لا يكون ثبره كذلك، ولعن من فعله وحذر منه سدا للذريعة المؤدية إلى فعله (تخريجه) لم أقف عليه بهذا اللفظ لغير الأمام أحمد وسنده جيد.
(٣) وعنه أيضا (سنده) حدثنا عبد الله حدثني أبي ثنا سريج قال ثنا عبد الله بن نافع عن ابن أبي ذئب عن سعيد المقبري عن أبي هريرة قال قال رسول الله ﷺ - الحديث" (غريبه) (٤) العيد مشتق من العود وهو الرجوع والمعاودة لأنه يتكرر، والمعنى لا تجعلوا لزيارة قبري أياما معلومة وأوقاتا بخصوصة، ولا تتخذوه منسكا ترحلون إليه كالحج، ولا تشبهوا باليهود والنصارى فإنهم يفعلون ذلك (٥) أي لا تجعلوها كالقبور مهجورة من الصلاة، لأن القبور ليست محلا للعبادة، والمراد به صلاة الناقلة، أي صلوا النواقل في بيوتكم، وتقدم عن زيد بن خالد الجهني ﵁ في باب فضل صلاة التطوع في البيت من الجزء الرابع قال "قال رسول الله ﷺ في بيوتكم ولا تتخذوها
[ ٨ / ١٥٣ ]
فصلوا على فإن صلاتكم تبلغني
(٣٢٦) عن عائشة ﵂ قالت قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم في مرضه الذي لم يقم منه لعن الله اليهود والنصارى فإنهم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد، قالت ولولا ذلك أبرز قبره غير أنه خشي
_________________
(١) قبورا" (١) أي تبلغه بواسطة الملائكة إن كان المصلي بعيدا عن القبر، فإن كان عند القبر سمعه ﷺ بلا واسطة (لما أخرجه البزار والطبراني وابن حبان) عن عمار بن ياسر ﵁ قال قال رسول الله ﷺ "إن لله ﵎ ملكا أعطاه اسماء الخلائق فهو قائم على قبري إذا مت، فليس أحد يصلي على صلاة إلا قالوا يا محمد صلى عليك فلان بن فلان؛ قال فيصلي الرب ﵎ على ذلك الرجل بكل واحدة عشرا (ولما صح عن ابن عباس) ﵄ مرفوعا ما من أحد يمر على قبر أخيه المؤمن، وفي رواية "بقبر الرجل كان يعرفه في الدنيا" فيسلم عليه إلا عرفه ورد عليه، وهذا في عامة الناس، فما بالك بالأنبياء منهم، وقد ثبت أن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام أحياء في قبورهم (تخريجه) (د. عل) وفي إسناده عبد الله بن نافع ضعيف، وقد روي في الصحاح بعضه.
(٢) عن عائشة (حدثنا) عبد الله حدثني أبي ثنا هاشم ثنا أبو معاوية يعني شيبان عن هلال بن أبي حميد الأنصاري عن عروة بن الزبير عن عائشة - الحديث" (غريبه) (٢) رواية البخاري " في مرضه الذي مات فيه" ورواية مسلم كلفظ حديث الباب (٣) أي لولا الخوف من اتخاذ قبره ﷺ مسجدا كما فعل اليهود والنصارى بأنبيائهم لأبرز قبر النبي ﷺ ولم يتخذ عليه حائل (قال الحافظ) والمراد الدفن خارج بيته، وهذا قالته عائشة قبل أن يوسع المسجد النبوي، ولهذا لما وسع المسجد جعلت حجرتها مثلثة الشكل محددة حتى لا يتأتى لأحد أن يصلي إلى جهة القبر مع استقبال القبلة (٤) قال النووي ضبطناه بضم الخاء وفتحها وهما صحيحان أهـ (قلت) وفي رواية البخاري "غير أني أخشى" قال الحافظ كذا هنا، وفي رواية أبي عوانة عن هلال الآتية في أواخر الجنائز (يعني في صحيح البخاري) غير أنه خشي أو خشي على الشك هل هو بفتح الخاء المعجمة أو ضمها؟ قال (وفي رواية مسلم) غير أنه خشي بالضم لا غير، قال فرواية الباب "يعني غير أني أخشى" المذكورة في صحيح البخاري تقتضي أنها هي التي امتنعت من ابرازه، ورواية الضم مبهمة يمكن أن تفسره بهذه والهاء ضمير الشأن
[ ٨ / ١٥٤ ]
أن يتخذ مسجدا
(٣٢٧) عن أبي عبيدة ﵁ قال آخر ما تكلم به النبي ﷺ أخرجوا يهود أهل الحجاز وأهل نجران من جزيرة العرب، واعلموا أن شرار الناس الذين اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد
_________________
(١) وكأنها أرادت نفسها ومن وافقها على ذلك، وذلك يقتضي أنهم فعلوه باجتهاد، بخلاف رواية الفتح فإنها تقتضي أن النبي ﷺ هو الذي أمرهم بذلك أهـ. والله أعلم (تخريجه) (ق. وغيرهما)
(٢) عن أبي عبيدة (سنده) حدثنا عبد الله حدثني أبي ثنا يحيى بن سعيد ثنا إبراهيم بن ميمون ثنا سعد بن سمرة بن جندب عن أبيه عن أبي عبيدة - الحديث" (غريبه) (١) هو موضع معروف بين الحجاز والشام واليمن كان به قوم نصارى وإنما أمر ﷺ بإخراجهم من جزيرة العرب حتى يتوحد الدين وتتوحد العناصر، وقد أخرجوا في عهد عمر ﵁ (وجزيرة العرب) قال أبو عبيد هو اسم صقع من الأرض، وهو مابين حفر أبي موسى الأشعري إلى أقصى اليمن في الطول، وما بين رمل يبرين إلى منقطع السماوة في العرض، وقيل هو من أقصى عدن إلى ريف العراق طولا، ومن جدة وساحل البحر إلى أطراف الشام عرضا، قال الأزهري سميت جزيرة، لأن بحر فارس وبحر السودان أحاطا بجانبيها وأحاط بالجانب الشمالي دجلة والفرات، وإذا أطلقت في الحدث ولم تضف إلى العرب فإنما يراد بها ما بين دجلة والفرات (نه) (تخريجه) أورده الهيثمي عن أبي عبيدة ابن الجراح أيضا بلفظ "قال قال رسول الله ﷺ لعن الله اليهود اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد" قال وأحسبه قال "أخرجوا اليهود من أرض الحجاز" رواه البزار ورجاله ثقات أهـ (زوائد الباب) (عن عبد الله بن مسعود) ﵁ قال سمعت رسول الله ﷺ يقول "من شرار الناس تدركهم الساعة وهم أحياء، ومن يتخذ القبور مساجد" (طب) وإسناده حسن (وعن علي بن ابي طالب) ﵁ قال قال لي النبي ﷺ في مرضه الذي مات فيه ائذن للناس علي فاذنت، قال لعن الله قوما اتخذوا قبور أنبيائهم مسجدا، ثم أغمى عليه، فلما أفاق قال يا علي ائذن للناس علي فأذنت للناس عليه، فقال لعن الله قوما اتخذوا قبور أنبيائهم مسجدا ثم أغمى عليه، فلما آفاق قال يا علي ائذن للناس فأذنت لهم، فقال لعن الله قوما اتخذوا قبور أنبيائهم مسجدا ثم أغمى عليه، فلما آفاق قال يا علي ائذن للناس فأذنت لهم، فقال لعن الله قوما اتخذوا قبور أنبيائهم مسجدا، ثلاثا في مرض موته، رواه
[ ٨ / ١٥٥ ]
البزار، وفيه أبو الرقاد لم يروا عنه غير حنيف المؤذن، وبقية رجاله موثقون (وعن أبي سعيد الخدري ﵁) أن النبي ﷺ قال "اللهم إني أعوذ بك أن يتخذ قبري وثنا، فإن الله ﵎ اشتد غضبه على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد، رواه البزار وفيه عمر بن صهبان، وقد اجتمعوا على ضعفه (قلت) أورد هذه الأحاديث الحافظ الهيثمي وتكلم عليها جرحا وتعديلا؛ وحديث أبي سعيد يشهد له حديث أبي هريرة الرايع من أحاديث الباب والله أعلم بالصواب (وعن جندب) ﵁ قال سمعت النبي ﷺ يقول، ألا وإن من كان قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد، ألا فلا تتخذوا القبور مساجد، إني أنهاكم عن ذلك؛ رواه مسلم (الأحكام) أحاديث الباب تدل على عدم جواز اتخاذ المساجد على القبور، لأن تخصيص القبور بالصلاة عندها يشبه تعظيم الأصنام بالسجود لها، والأصل في عبادة الأصنام تعظيم الأموات باتخاذ صورهم ومسحها والصلاة عندها، كما يستفاد من حديث ابن عباس وغيره عند البخاري وغيره "أن ودا وسواعا ويغوث ويعوق ونسرا" التي اتخذها قوم نوح أصناما كانت أسماء رجال صالحين اتخذ الناس لهم صورا بعد موتهم ليستأنسوا برؤية تلك الصور ويتذكروا أحوالهم الصالحة ليجتهدوا كاجتهادهم، ثم خلف من بعدهم خلف جهلوا مرادهم ووسوس لهم الشيطان أن أسلافكم كانوا يعبدون هذه الصور ويعظمونها فاعبدوها، فحذر النبي ﷺ من مثل ذلك سدا للذريعة المؤدية إليه (وفي أحاديث الباب أيضا) أن النهي عن اتخاذ القبور مساجد كان في مرض النبي ﷺ الذي مات فيه (وفي رواية لمسلم) كان قبل أن يتوفى بخمس، وفائدة التنصيص على زمن النهي الإشارة إلى أنه من الأمر المحكم الذي لم ينسخ لكونه صدر في آخر حياته ﷺ - وكأنه ﷺ لما علم بقرب أجله خشي أن يفعل بعض أمته بقبره الشريف ما فعلته اليهود والنصارى بقبور أنبيائهم فنهى عن ذلك، قال التوربشتي هو مخرج على الوجهين (أحدهما) كانوا يسجدون لقبور الأنبياء تعظيما لهم وقصد العبادة في ذلك (وثانيهما) أنهم كانوا يتحرون الصلاة في مدافن الأنبياء والتوجه إلى قبورهم في حالة الصلاة والعبادة لله، نظرا منهم أن ذلك الصنيع أعظم موقعا عند الله لاشتماله على الأمرين، العبادة والمبالغة في تعظيم الأنبياء، وكلا الطريقين غير مرضية، أما الأولى فشرك جلي (وأما الثانية فلما فيها من معنى الإشراك بالله ﷿ وإن كان خفيا؛ والدليل على ذم الوجهين قوله ﷺ اللهم لا تجعل قبري وثنا، اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد، والوجه الأول أظهر وأشبه، كذا قال التوربشتي (وقال البيضاوي) لما كانت اليهود والنصارى يسجدون لقبور الأنبياء تعظيما لشأنهم ويجعلونها قبلة يتوجهون في الصلاة نحوها
[ ٨ / ١٥٦ ]
(أبواب زيارة القبور)
(١) باب استحبابها للرجال دون النساء
(٣٢٨) ز عن علي ﵁ أن رسول الله ﷺ نهى عن زيارة القبور وعن الأوعية وأن تجلس لحوم الأضاحي بعد ثلاث ثم قال إني كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها فإنها تذكركم الآخرة ونهيتكم عن الأوعية فاشربوا فيها، واجتنبوا كل ما أسكر، ونهيتكم عن لحوم الأضاحي أن تحبسونها بعد ثلاث فاحبسوا ما بدا لكم
_________________
(١) واتخذوها أوثانا لعنهم ومنع المسلمين عن مثل ذلك، أما من اتخذ مسجدا في جوار صالح وقصد التبرك بالقرب منه لا التعظيم له ولا التوجه نحوه فلا يدخل في ذلك الوعيد أهـ (قلت) الأولى التباعد عن ذلك سدا للذريعة، وما ذكرنا من تحريم اتخاذ القبور ومساجد هو ما ذهب إليه كافة العلماء إلا ما ذهب إليه بعضهم من حمل الوعيد على من كان في ذلك، وقد تقدم لنا في هذا الموضوع كلام نفيس في الباب التاسع من أبواب المساجد في الجزء صحيفة ٧٥ فارجع إليه تجد ما يسرك والله الموفق.
(٢) "ز" عن علي (سنده) حدثنا عبد الله ثنا يزيد أنبأنا حماد بن سلمة عن علي بن يزيد عن ربيعة بن النابغة عن أبيه عن علي ﵁ "الحديث" (غريبه) (١) يعني وعن الانتباذ في الأوعية المتخذة من الدباء والخنتم والنقير والمزفت، وقد مر تفسير ذلك في الحديث الرابع عشر من كتاب الأيمان في الجزء الأول، وسيأتي أيضا في كتاب الأشربة (٢) أي بعد ثلاث ليال من يوم النحر يعني لا تدخروها زيادة عن هذه المدة، وسيأتي شرح ذلك في الأضحية إن شاء الله تعالى (٣) هذا الأمر ناسخ للنهي المتقدم، وحمله جمهور العلماء على الاستحباب (٤) هذه الأوامر ناسخة للنهي المتقدم أيضا وسيأتي الكلام على كل في بابه إن شاء الله تعالى (تخريجه) أورده الهيثمي وقال في الصحيح طرف منه، رواه أبو يعلى وأحمد وفيه ربيعة بن النابغة (قال البخاري) لم يصح حديثه عن علي في الأضاحي أهـ (قلت) هو من زوائد عبد الله بن الإمام أحمد على مسند أبيه ويعضده ما بعده
[ ٨ / ١٥٧ ]
(٣٢٩) وعن عبد الله بن بريدة عن أبيه (بريدة الأسلمي ﵁) عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم نحوه.
(٣٣٠) وعن أبي سعيد الخدري ﵁ عن النبي ﷺ نحوه وفيه ونهيتكم عن زيارة القبور، فإن زرتموها فلا تقولوا هجرا
(٣٣١) عن أنس بن مالك ﵁ قال قال رسول الله ﷺ نهيتكم عن زيارة القبور، ثم بدا لي أنها ترق القلب وتدمع العين وتذكر
_________________
(١) وعن عبد الله بن بريدة (سنده) حدثنا عبدالله حدثني أبي ثنا محمد ابن فضيل ثنا ضرار يعن يا ابن مرة أبو سنان عن محارب بن دينار عن عبدالله بن بريدة عن أبيه قال قال رسول الله ﷺ "نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها، ونهيتكم عن لحوم الأضاحي أن تمسكوها فوق ثلاث فامسكوها ما بدالكم، ونهيتكم عن النبيذ إلا في سقاء فاشربوا في الأسقية كلها ولا تشربوا مسكرا (تخريجه) (م. والأربعة).
(٢) وعن أبي سعيد الخدري (سنده) حدثنا عبد الله حدثني أبي ثنا هشام بن سعيد أنا فليح وسريج قال ثنا فليح عن محمد بن عمرو بن ثابت عن أبيه قال مر بي ابن عمر فقلت من أين أصبحت غاديا ابا عبد الرحمن؟ قال إلى سعيد الخدري، فانطلقت معه فقال أبو سعيد سمعت النبي ﷺ يقول إني نهيتكم عن لحوم الأضاحي وادخاره بعد ثلاثة أيام فكلوا وادخروا فقد جاء الله بالسعة، ونهيتكم عن أشياء من الأشربة والأنبذة فاشربوا وكل مسكر حرام، ونهيتكم عن زيارة القبور فزوروها ولا تقولوا هجرا، ولفظ الحاكم "نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها فإن فيها عبرة" (ومعنى قوله في الحديث ولا تقولوا هجرا) بضم الهاء أي فحشا يقال أهجر في منطقه بهجر إهجارا إذا أفحش، وكذلك إذا أكثر الكلام فيما لا ينبغي، والاسم الهجر بالضم وهجر يهجر هجرا بالفتح إذا خلط في كلامه وإذا هذى (نه) (تخريجه) (فع. ك) وقال هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه (قلت) واقره الذهبي.
(٣) عن أنس بن مالك (سنده) حدثنا عبدالله حدثني أبي ثنا يعقوب ثنا أبي عن ابن اسحاق حدثني يحيى بن الحارث الجابر عن عبد الوارث مولى أنس بن مالك وعمرو بن عامر عن أنس بن مالك قال نهى رسول الله ﷺ عن زيارة القبور وعن لحوم الأضاحي
[ ٨ / ١٥٨ ]
الآخرة فزوروها ولا تقولوا هجرا
(٣٣٢) عن أبي هريرة ﵁ قال زار النبي ﷺ قبر أمه فبكى وأبكى من حوله فقال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم استأذنت ربي أن استغفر لها فلم يؤذن لي واستأذنته في أن أزور
_________________
(١) بعد ثلاث وعن النبيذ في الدباء والنقير والحنتم والمزفت، قال رسول الله ﷺ بعد ذلك ألا أني قد كنت نهيتكم عن ثلاث ثم بدا لي فيهن نهيتكن عن زيارة القبور - الحديث" (غريبه) (١) ليس هذا آخر الحديث، وبقيته "ونهيتكم عن لحوم الأضاحي أن تأكلوها فوق ثلاث ليال، ثم بدا لي أن الناس يتحفون ضيفهم ويخبئون لغائبهم فأمسكوا ما شئتم، ونهيتكم عن النبيذ في هذه الأوعية فاشربوا بما شئتم ولا تشربوا مسكرا، فمن شاء أو كما سقاءه على إثم (تخريجه) (د. نس. ك) وفي إسناده يحيى بن الحارث الجابر (قال الذهبي) الجابر ضعيف.
(٢) عن أبي هريرة (سنده) حدثنا عبد الله حدثني أبي ثنا محمد بن عبيد الطنافسي قال ثنا يزيد بن كيسان عن أبي حازم عن أبي هريرة - الحديث" (غريبه) (٢) هي آمنة بنت وهب بن عبد مناف بن زهرة (قال ابن اسحق) حدثني عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم أن أم رسول الله ﷺ توفيت وهو ابن ست سنين بالإبواء (اسم موضع) بين مكة والمدينة كانت قد قدمت به على أخواله من بني عجي بن النجار تزيره إياهم فماتت وهي راجعة به إلى مكة (٣) أي تسبب في بكاء من حوله ببكائه ﷺ (قال القاضي عياض) بكاؤه ﷺ ليس لتعذيبها، وإنما هو آسف على ما فاتها من إدراك أيامه والإيمان به أهـ (قلت) ويؤيده ما رواه البيهقي من حديث ابن بريدة عن أبيه ﵁ قال انتهى النبي ﷺ إلى رسم قبر فجلس وجلس الناس حوله فجعل يحرك رأسه كالمخاطب ثم بكى فاستقبله عمر، فقال ما يبكيك يا رسول الله؟ قال هذا قبر آمنة بنت وهب واستأذنت ربي في أن أزور قبرها فأذن لي واستأذنته في الاستغفار لها فأبى علي وأدركتني رقتها فبكيت، قال فما رأيت ساعة أكثر باكيا من تلك الساعة (٤) بالبناء للمفعول، قيل ولعله لم يؤذن للنبي ﷺ في الاستغفار لأمه لأنه فرع المؤاخذة على الذنب، ومن لم تبلغه الدعوة لا يؤاخذ على ذنبه فلا حاجة إلى الاستغفار لها، ولأن عدم اللإذن بالاستغفار لها لا يستلزم أن تكون كافرة لجواز أن يكون الله تعالى منعه من الاستغفار
[ ٨ / ١٥٩ ]
قبرها فأذن لي، فزوروا القبور فإنها تذكر الموت
فعل منه فيما جاء في لعن زائرات القبور من النساء والمتخذين عليها المساجد والسرج
(٣٣٣) عن ابن عباس ﵄ قال لعن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم زوارات القبور.
_________________
(١) لها لمعنى آخر كما كان ﷺ ممنوعا في أول الإسلام من الصلاة على من عليه دين لم يترك له وفاء، ومن الاستغفار له مع أنه من المسلمين، وعلل ذلك بأن استغفاره ﷺ مجاب على الفور فمن استغفر له مع أنه من المسلمين، وعلل ذلك بأن استغفاره ﷺ مجاب على الفور فمن استغفر له وصل ثواب دعاؤه إلى منزله في الجنة وانتفع به فورا، والمدين محبوس عن مقامه الكريم حتى يقضي دينه، فقول من قال إن عدم الإذن في الاستغفار لكفرها والاستغفار للكافر لا يجوز غير سديد والله أعلم (تخريجه) (م. هق. ك. والأربعة.
(٢) عن ابن عباس (سنده) حدثنا عبد الله حدثني أبي ثنا يحيى عن شعبة ثنا محمد بن جحادة قال سمعت أبا صالح عن ابن عباس - الحديث" (وقوله ووكيع) معناه أن الإمام أحمد روى هذا الحديث من طريقين، الأولى عن يحيى عن شعبة الخ والثانية عن وكيع عن شعبة اخ (غريبه) (١) قال الترمذي رأى بعض أهل العلم أن هذا كان قبل أن يرخص النبي ﷺ في زيارة القبور، فلما رخص دخل في رخصته الرجال والنساء؛ وقال بعضهم إنما كره زيارة القبور للنساء لقلة صبرهن وكثرة جزعهن (٢) جمع سراج قال في مجمع البحار نهى عن الإسراج لأنه تضييع مال بلا نفع، أو احتراز عن تعظيم القبور لاتخاذها مساجد (تخريجه) (بز. حب. ك. والأربعة) وقال الترمذي حديث ابن عباس حديث حسن.
(٣) عن حسان بن ثابت (سنده) حدثنا عبد الله حدثني أبي ثنا معاوية ابن هشام ثنا سفيان عن عبد الله بن عثمان قال أبي وثنا قبيصة عن سفيان عن ابن خثيم عن عبد الرحمن بن بهمان عن عبد الرحمن بن حسان عن أبيه - الحديث" (غريبه) (٣) قال القارئ لعل المراد كثيرات الزيارة (وقال القرطبي) هذا للعن إنما هو للمكثرات
[ ٨ / ١٦٠ ]
(٣٣٥) عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ لعن زوارات القبور
_________________
(١) من الزيارة لما تقتضيه الصيغة من المبالغة، ولعل السبب ما يفضي إليه ذلك من تضييع حق الزوج وما ينشأ منهن من الصياح ونحو ذلك، فقد يقال إذا أمن جميع ذلك فلا مانع من الإذن، لأن تذكر الموت يحتاج إليه الرجال والنساء أهـ (تخريجه) (ك. جه) وفي زوائد ابن ماجه للبوصيري إسناد حديث حسان بن ثابت صحيح ورجاله ثقات.
(٢) عن أبي هريرة (سنده) حدثنا عبد الله حدثني أبي ثنا يحيى بن اسحق ثنا أبو عوانة عن عمر بن أبي سلمة عن أبيه عن أبي هريرة ﵁ - الحديث" (تخريجه) (جه. حب. مذ) وصححه الترمذي (زوائد الباب) (وعن عائشة ﵂) أن رسول الله ﷺ رخص في زيارة القبور (جه) قال البوصيري في زوائد ابن ماجه رجال إسناده ثقات (وعن عبد الله بن أبي مليكة) أن عائشة أقبلت ذات يوم من المقابر، فقلت لها يا أم المؤمنين من أين أقبلت؟ قالت من قبر أخي عبد الرحمن، فقلت لها أليس كان نهي رسول الله ﷺ عن زيارة القبور؟ قالت نعم كان نهى عن زيارة القبور ثم أمر بزيارتها، رواه الأثرم في سننه والبيهقي والحاكم وقال الذهبي صحيح (وعنه أيضا) قال توفى عبد الرحمن بن أبي بكر بالحبشى (بضم الحاء وسكون الباء وكسر الشين تشديد الباء موضع قريب من مكة كذا في النهاية) فملا حجت عائشة ﵂ أتت قبره فقالت وكنا كندماني جذيمة حقبة من الدهر حتى قيل لن يتصدعا فلما تفرقنا كأني ومالكا لطول اجتماع لم نبت ليلة معا أما والله لو شهدتك ما زرتك ولدفنتك حيث مت، رواه الطبراني في الكبير ورجاله رجال الصحيح (وعن عائشة ﵂) أن النبي ﷺ نهى عن زيارة القبور ثم رخص فيها، أحسبه قال فإنها تذكر الآخرة، رواه البزار ورجاله ثقات (وروى البيهقي) من طريق محمد بن إسماعيل بن أبي فديك أخبرني سليمان بن داود عن جعفر بن محمد عن أبيه عن علي بن الحسين عن أبيه أن فاطمة بنت النبي ﷺ كانت تزور قبر عمها حمزة كل جمعة فتصلي وتبكي عنده، قال البيهقي كذا قال - قال وقد قيل عنه سليمان بن داود عن أبيه جعفر بن محمد عن أبيه دون ذكر علي بن الحسين عن أبيه فيه (قال البيهقي) وهو منقطع أهـ ورواه أيضا الحاكم وقال هذا الحديث رواته كلهم ثقات، لكن قال الذهبي هذا منكر جدا وسليمان ضعيف أهـ (قلت) سليمان هذا هو ابن داود أحد رجال السند (وعن أبي هريرة) ﵁ قال قال رسول الله ﷺ من زار قبر أبويه أو أحدهما كل جمعة غفر له وكتب برا (قال الهيثمي) رواه الطبراني في الأوسط والصغير
[ ٨ / ١٦١ ]
وفيه عبد الكريم أبو أمية وهو ضعيف (وعن علي ﵁) قال الخروج إلى الجبان في العيدين من السنة (قال الهيثمي) رواه الطبراني في الأوسط، وفيه الحارث وهو ضعيف (وعن أبي هريرة) ﵁ قال قال رسول الله ﷺ "زوروا القبور فأنها تذكركم الآخرة" (جه) وصححه الحافظ السيوطي في الجامع الصغير (الأحكام) أحاديث الباب تدل على مشروعية زيارة القبور ونسخ النهى عن الزيارة، وقد حكي الحازمي والعبدري والنووي اتفاق أهل العلم على أن زيارة القبور للرجال جائزة (قال الحافظ) كذا اطلقوه وفيه نظر، لأن ابن أبي شيبة وغيره رووا عن ابن سيرين وإبراهيم النخعي والشعبي أنهم كرهوا ذلك مطلقا، حتى قال الشعبي لولا نهي النبي ﷺ لزرت قبر ابنتي، فلعل من أطلق أراد بالاتفاق ما استقر عليه الأمر بعد هؤلاء، وكأن هؤلاء لم يبلغهم الناسخ والله أعلم (وذهب ابن حزم) إلى زيارة القبور واجبة ولو مرة واحدة في العمر لورود الأمر به، وهذا يتنزل على الخلاف في الأمر بعد النهي هل يفيد الوجوب أو مجرد الإباحة فقط والكلام في ذلك مستوفى في كتب الأصول (وفي أحاديث الباب أيضا) عدم جواز زيارة النساء للقبور، وقد ذهب إلى الكراهة هل هي كراهة تحريم أو تنزيه، فذهب إلى كراهة التحريم بعض الشافعية والمالكية والحنفية (وذهب أكثر الشافعية وبعض الحنفية) إلى كراهة التنزيه وهو مشهور مذهب الحنابلة، قالوا وصرفه عن التحريم حديث أم عطية المتقدم في باب النهي عن اتباع الجنازة بنار أو صباح أو نساء بلفظ (نهى "أي النبي ﷺ " عن اتباع الجنائز ولم يعزم علينا) وفي لفظ "نهانا رسول الله ﷺ الحديث" (وقال أكثر الحنفية) بجوازها (وهو قول المالكية) ورواية عن الإمام أحمد قالوا إن منعهن من الزيارة كان قبل الترخيص فلما رخص فيها عمت الرخصة الرجال والنساء؛ واستدلوا بأدلة (منها) دخولهن تحت الأذن العام في قوله ﷺ فزوروها، وعبر بضمير المذكر تغليبا، ولأن النساء شقائق الرجال (ومنها) الحديث الثاني من أحاديث الزوائد عن ابن ابي مليكة أن عائشة قالت كيف أقول يا رسول الله إذا زرت المقابر الخ (ومنها) ما رواه مسلم والإمام أحمد وسيأتي عن عائشة قالت كيف أقول يا رسول الله إذا زرت القبور؟ قال ولي السلام على اهل الديار من المؤمنين- الحديث" (ومنها) ما رواه الشيخان والإمام أحمد، وتقدم أن النبي ﷺ مر بامرأة تبكي عند قبر فقال اتقي الله واصبري فقالت إليك عني الحديث ولم ينكر عليها الزيارة (ومنها) ما رواه البيهقي والحاكم وتقدم في الزوائد أن فاطمة بنت رسول الله ﷺ كانت تزور قبر عمها حمزة كل جمعة فتصلي وتبكي عنده (قال النووي) في شرح المهذب قال صاحب المستظهر وعندي إن كانت زيارتهن
[ ٨ / ١٦٢ ]
لتجديد الحزن والتعديد والبكاء والنوح على ما جرت به عادتهن حرم، قال وعليه يحمل الحديث "لعن الله وزارات القبور" وإن كانت زيارتهن للاعتبار من غير تعديد ولا نياحة كره إلا أن تكون عجوزا لا تشتهي فلا يكره كحضور الجماعة في المساجد، وهذا الذي قاله حسن ومع هذا فالاحتياط للعجوز ترك الزيارة الظاهر الحديث أهـ (قلت) وبهذا يجمع بين الأحاديث المتعارضة في هذا الباب، وهو جمع حسن (قال صاحب المدخل) المالكي قد اختلفت العلماء في خروجهن على ثلاثة أقوال، بالمنع والجواز على ما يعلم في الشرع من الستر والتحفظ عكس ما يفعل اليوم، والثالث يفرق بين الشابة والمتجالة أي العجوز، قال واعلم أن الخلاف في نساء ذلك الزمان، أما خروجهن في هذا الزمان فمعاذ الله أن يقول أحد من العلماء أو من له مروءة أو غيرة في الدين بجوازه أهـ (وقال القرطبي) اللعن المذكور في الحديث إنما هو للمكثرات من الزيارة لما تقتضيه الصيغة من المبالغة، ولعل السبب ما يفضي إليه ذلك من تضييع حق الزوج والتبرج وما ينشأ من الصباح ونحو ذلك، وقد يقال إذا أمن جميع ذلك فلا مانع من الأذن لهن، لأن تذكر الموت يحتاج إليه الرجال والنساء أهـ (قال الشوكاني) وهذا الكلام هو الذي ينبغي اعتماده في الجمع بين أحاديث الباب المتعارضة في الظاهر أهـ والله أعلم (وفي أحاديث الباب أيضا) مشروعية زيارة قبور أهل الفترة خصوصا الأقارب لما في ذلك من صلة الرحم والاعتبار (وفيها أيضا) دليل على جواز البكاء حال الزيارة بلا صوت ولا نوح وعلى مزيد شفقته ﷺ على والديه وقيامه بحقوقهما حق القيام، أما عدم الإذن له ﷺ في الاستغفار لأمة فقد تقدم الكلام عليه في شرح الحديث، وقد ترجم النسائي ﵀ لهذا الحديث بزيارة قبر المشرك، وما كان ينبغي ذلك سامحه الله (قال السندي) في حاشيته على النسائي كأنه أخذ ما ذكر في الترجمة من المنع عن الاستغفار أو من مجرد أنه الظاهر على مقتضى وجودها في وقت الجاهلية، لا من قوله بكى وأبكى، إذ لا يلزم من البكاء عند الحضور في ذلك المحل العذاب أو الكفر بل يمكن تحققه مع النجاة والإسلام أيضا، لكن من يقول بنجاة الوالدين لهم ثلاثة مسالك في ذلك (مسلك) أنهما ما بلغتهما الدعوة، ولا عذاب على من لم تبلغه، لقوله تعالى "وماكنا معذبين الخ" فلعل من سلك هذا المسلك يقول في تأويل الحديث إن الاستغفار فرع تصوير الذنب، وذلك في أوان التكليف ولا يعقل ذلك فيمن لم تبلغه الدعوة فلا حاجة إلى الاستغفار لهم فيمكن أنه ما شرع الاستغفار إلا لأهل الدعوة لا لغيرهم وإن كانوا ناجين "وأما من يقول" بأنهما أحييا له ﷺ فآمنا به فيحمل هذا الحديث على أنه كان قبل الإحياء "وأما من ميقول" بأنه تعالى يوفقهما عند الامتحان يوم القيامة فهو يقول بمنع الاستغفار لهما قطعا فلا حاجة له
[ ٨ / ١٦٣ ]
إلى تأويل، فاتضح وجه الحديث على جميع المسالك والله تعالى أعلم أهـ
هذا وللحافظ جلال الدين السيوطي ﵀ كتاب أسماه (مسالك الحنفاء في والدي المصطفى ﷺ) لخصت منه ما يحتاج إليه في هذا المقام لأهميته (قال ﵀) بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى (مسئلة) الحكم في أبوي النبي ﷺ أنهما ناجيان وليسا في النار، صرح بذلك جمع من العلماء ولهم في تقرير ذلك مسالك (المسلك الأول) أنهما ماتا قبل البعثة ولا تعذيب قبلها، لقوله تعالى "وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا" وقد أطبقت أئمتنا الأشاعرة من أهل الكلام والأصول والشافعية من الفقهاء على أن من مات ولم تبلغه الدعوة يموت ناجيا وإنه لا يقاتل حتى يدعي إلى الإسلام، وأنه إذا قتل يضمن بالدية والكفارة، نص عليه الإمام الشافعي ﵁ وسائر الأصحاب، بل زاد بعض الأصحاب وقال إنه يجب في قتله القصاص ولكن الصحيح خلافه؛ لأنه ليس بمسلم حقيقي وشرط القصاص المكافأة، وقد علل بعض الفقهاء قوله إذا مات لا يعذب بأنه على أصل الفترة ولم يقع منه عناد ولا جاءه رسول فكذبه، وهذا المسلك أول ما سمعته في هذا المقام الذي نحن فيه من شيخنا شيخ الإسلام شرف الدين المناوي فإنه سئل عن والد النبي ﷺ هل هو في النار؟ فزأر في السائل زارة شديدة، فقال له السائل هل ثبت إسلامه؟ فقال إنه مات في الفترة ولا تعذيب قبل البعثة، ونقله البسيط ابن الجوزي في كتاب مرآة الزمان عن جماعة، فإنه حكى كلام اجده على حديث إحياء أمة ﷺ ثم قال ما نصه، وقال قوم قد قال الله تعالى "وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا" والدعوة لم تبلغ أباه وأمه فما ذنبهما، وجزم به الأبي في شرح مسلم وسأذكر عبارته، وقد ورد في أهل الفترة أحاديث أنهم بمتحنون يوم القيامة وآيات مشيرة لعدم تعذيبهم، وإلى ذلك مال حافظ العصر شيخ الإسلام أبو الفضل ابن حجر في بعض كتبه فقال والظن بآله ﷺ يعني الذين ماتوا قبل البعثة أنهم يطيعون عند الامتحان إكراما له ﷺ لتقر عينه بهم، ثم رأيته قال في الإصابة ورد من عدة طرق في حق الشيخ الهرم ومن مات في الفترة ومن ولد أكمه أعمى أصم ومن ولد مجنونا أو طرأ عليه الجنون قبل أن يبلغ ونحو ذلك أن كلا منهم يدلي بحجة ويقول لو عقلت أو ذكرت لآمنت، فترفع لهم نار ويقال ادخلوها، فمن كانت له بردا وسلاما، ومن امتنع ادخلها كرهاه، هذا معنى ما ورد في ذلك، قال وقد جمعت طرقه في جزء مفرد، قال ونحن نرجو أن يدخل عبد المطلب وآل بيته في جملة من يدخلها طائعا فينجو إلا أبا طالب فإنه أدرك البعثة ولم يؤمن، وثبت في ضحضاح من نار، وقد جعلت قصة الإمتحان داخلة في هذا المسلك مع أن الظاهر أنها مسلك مستقل ولكني وجدت ذلك لمعنى دقيق لا يخفى على ذوي التحقيق
[ ٨ / ١٦٤ ]
(ذكر الآيات المشيرة إلى ذلك) (الأولى) قوله تعالى "وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا" وهذه الآية هي التي أطبقت أئمة السنة على الاستدلال بها في أنه لا تعذيب قبل البعثة وردوا بها على المعتزلة ومن وافقهم في تحكم العقل، أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم في تفسيريهما عن قتادة في قوله "وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا" قال إن الله ليس بمعذب أحدا حتى يسبق إليه من الله خير أو تأتيه من الله بينة (الآية الثانية) وقوله تعالى "ذلك أن لم يكن ربك مهلك القرى بظلم وأهلها غافلون" أورد هذه الآية الزركشي في شرح جمع الجوامع استدلالا على قاعدة أن شكر المنعم ليس بواجب عقلا بل بالسمع (الثالثة) قوله تعالى "ولولا أن تصيبهم مصيبة بما قدمت أيديهم فيقولوا ربنا لو أرسلت إلينا رسولا فنتبع آياتك ونكون من المؤمنين" أورد هذه الزركشي أيضا (وأخرج ابن أبي حاتم) في تفسيره عند هذه الآية بسند حسن عن أبي سعيد الخدري قال قال رسول الله ﷺ الهالك في الفترة يقول رب لم يأتيني كتاب ولا رسول، ثم قرأ هذه الآية ثم قرأ هذه الآية "ربنا لولا أرسلت إلينا رسولا فنتبع آياتك ونكون من المؤمنين" (الرابعة) قوله تعالى " ولو أنا أهلكناهم بعذاب من قبله لقالوا ربنا لولا أرسلت إلينا رسولا فنتبع آياتك من قبل أن نذل ونخزى" وأخرج ابن أبي حاتم في تفسيره عند هذه الآية عن عطية العوفي قال الهالك في الفترة يقول رب لم يأتني كتاب ولا رسول وقرأ هذ الآية "ولو أنا أهلكناهم بعذاب من قبله لقالوا الخ" الآية (الخامسة) قوله تعالى "وما كان ربك مهلك القرى حتى يبعث في أمها رسولا يتلو عليهم آياتنا" أخرج ابن أبي الحاتم عن ابن عباس وقتادة في الآية قالا لم يهلك الله ملة حتى يبعث إليهم محمدا ﷺ - فلما كذبوا وظلموا بذلك هلكوا (السادسة) قوله تعالى "وهذا كتاب أنزلناه مبارك فاتبعوه واتقوا لعلكم ترحمون، أن تقولوا إنما أنزل الكتاب على طائفتين من قبلنا وإن كنا عن دراستهم لغافلين" (السابعة) قوله تعالى "وما أهلكنا من قرية إلا لها منذرون ذكرى وما كنا ظالمين" أخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم في تفاسيرهم عن قتادة في الآية قال، ما أهلك الله من قرية إلا بعد الحجة والبينة والعذر حتى يرسل الرسل وينزل الكتب تذكرة لهم وموعظة وحجة لله "ذكرى وما كنا ظالمين" يقول ما كنا لنعذبهم إلا من بعد البينة والحجة (الثامنة) قوله تعالى "وهم يصطرخون فيها ربنا أخرجنا نعمل صالحا غير الذي كنا نعمل. أو لم نعمركم ما يتذكر فيه من تذكر وجاءكم النذير" قال المفسرون احتج عليهم ببعثة النبي محمد ﷺ وهو المراد بالنذير في الآية (ذكر الأحاديث الواردة في أن أهل الفترة يمتحنون يوم القيامة) فمن أطاع منهم أدخل الجنة، ومن عصى أدخل النار، وهنا ذكر الحافظ السيوطي جملة أحاديث في هذا المعنى
[ ٨ / ١٦٥ ]
منها ما رواه الإمام أحمد واسحق بن راهويه في مسنديهما والبيهقي في كتاب الاعتقاد وصححه عن الأسود بن سريع أن النبي ﷺ قال أربعة يحتجون يوم القيامة. رجل أصم لا يسمع شيئا. ورجل أحمق. ورجل هرم؛ ورجل مات في فترة، فأما الأصم فيقول رب لقد جاء الإسلام وما أسمع شيئا، وأما الأحمق فيقول رب لقد جاء الإسلام وما أعقل شيئا، وأما الذي مات في الفترة فيقول رب ما أتاني لك رسول فيأخذ مواثيقهم ليطيعنه، فيرسل إليهم أن ادخلوا النار فمن دخلها كانت عليه بردا وسلاما، ومن لم يدخلها يسحب إليها، وذكر الحافظ السيوطي أحاديث أخرى لا تخرج عن معنى هذا الحديث غلى أن قال (وقال النووي) في شرح مسلم في أطفال المشركين إن المذهب الصحيح المختار الذي صار إليه المحققون أنهم في الجنة، لقوله تعالى "وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا" قال إذا كان لا يعذب البالغ لكونه لم تبلغه الدعوة فغيره أولى أهـ. فإن قلت هذا المسلك الذي قررته هل هو عام في أهل الجاهلية كلهم؟ قلت لا بل هو خاص بمن لم تبلغه دعوة نبي أصلا، أما من بلغته منهم دعوة أحد من الأنبياء السابقين، ثم أصر على كفره فهو في النار قطعا، وهذا لا نزاع فيه؛ وأما الأبوان الشريفان، فالظاهر من حالهما ما ذهبت إليه هذه الطائفة من عدم بلوغهما دعوة أحد، وذلك لمحموع أمور، تأخر زمانهما. وبعد ما بينهما وبين الأنبياء السابقين، فإن آخر الأنبياء قبل بعثة نبينا ﷺ عيسى ﵇، وكانت الفترة بينه وبين بعثة نبينا نحو ستمائة سنة، ثم أنهما كانا في زمن الجاهلية، وقد طبق الجهل الأرض شرقا وغربا وفقد من يعرف الشرائع ويبلغ الدعوة على وجهها إلا نفرا يسيرا من أحبار أخل الكتاب مفرقين في أقطار الأرض كالشام وغيرها، ولم يعهد لهما تقلب في الأسفار سوى المدينة، ولا عمرا عمرا طويلا بحيث يقع لهما فيه التنقيب والتفتبش، فإن واولد النبي ﷺ لم يعش من العمر إلا قليلا (قال الحافظ) صلاح الدين العلاني في كتابه (الدرة السنية في مولد سيد البرية) كان سن عبد الله حين حملت منه آمنة برسول الله ﷺ نحو ثمانية عشر عاما، ثم ذهب إلى المدينة ليمتار تمرا لأهله، فمات بها عند أخواله من بني النجار والنبي ﷺ حمل على الصحيح أهـ. وأمه قريبة من ذلك لا سيما وهي امرأة مصونة محجبة في البيت عن الاجتماع بالرجال، والغالب على النساء أنهن لا يعرفن ما الرجال فيه من أمر الديانات والشرائع خصوصا في زمان الجاهلية الذي رجاله لا يعرفون ذلك فضلا عن نسائه، ولهذا لما بعث النبي ﷺ تعجب من بعثته أهل مكة وقالوا بعث الله بشرا رسولا، وقالوا "لو شاء ربنا لأنزل ملائكة ما سمعنا بهذا في آبائنا الأولين" فلو كان عندهم علم من بعثة الرسل ما أنكروا ذلك، وربما كانوا يظنون أن إبراهيم بعث بما هم عليه فإنهم لم يجدوا من يبلغهم
[ ٨ / ١٦٦ ]
شريعة إبراهيم على وجهها لدثوروها وفقد من يعرفها، إذ كان بينهم وبين زمن زمن إبراهيم أزيد من ثلاثة آلا ف سنة، فاتضح بذلك صحة دخولها في هذا المسلك.
(تنبيه) ثم رأيت الإمام ابا عبد الله محمد بن خلف الأبي بسط الكلام على هذه المسألة في شرح مسلم عند حديث إن ابي وأباك في النار، فأورد قول النووي فيه أن من مات كافرا في النار ولا تنفعه قرابة الأقربين، ثم قالت قلت انظر هذا الإطلاق، وقد قال السهيلي ليس لنا أن نقول ذلك، فقد قال ﷺ لا تؤذوا الأحياء بسبب الأموات، وقال تعالى "إن الذين يؤذون الله ورسوله" ولعله يصح ما جاء أنه ﷺ سأل الله سبحانه فأحيا له أبويه فآمنا به، ورسول الله ﷺ لا تؤذوا الأحياء بسبب الأموات، وقال تعالى "إن الذين يؤذون الله ورسوله" ولعله يصح ما جاء أنه ﷺ سأل الله سبحانه فأحيا له أبويه فآمنا به، ورسول الله ﷺ فوق هذا ولا يعجز الله سبحانه شيء، ثم أورد قول النووي وفيه أن من مات في الفترة على ما كانت عليه العرب من عبادة الأوثان في النار، وليس هذا من التعذيب قبل بلوغ الدعوة لأنه بلغتهم دعوة إبراهيم وغيره من الرسل، ثم قال قلت تأمل ما في كلامه من التنافي، فإن من بلغتهم الدعوة ليسوا من أهل الفترة، فإن أهل الفترة هم أمم الأمم الكائنة بين أزمنة الرسل الذين لم يرسل إليهم الأول ولا أدركوا الثاني كالأعراب الذين لم يرسل إليهم عيسى ولا لحقوا النبي ﷺ، والفترة بهذا التفسير تشمل ما بين كل رسولين، ولكن الفقهاء إذا تكلموا في الفترة فإنما يعنون التي بين عيسى والنبي ﷺ ولما دلت القواطع على أنه لا تعذيب حتى تقوم الحجة علمنا أنهم غير معذبين (فإن قلت) صحت أحاديث بتعذيب أهل الفترة كصاحب المحجن وغيره، قلت أجاب عن ذلك عقيل بن ابي طالب بثلاثة أجوبة (الأول) أنها أخبار آحاد فلا تعارض القاطع (الثاني) قصر التعذيب المذكور في هذه الأحاديث على من بدل وغير الشرائع وشرع من الضلال ما لا يعذر به فإن أهل الفترة (ثلاثة أقسام) (الأول) من أدرك التوحيد ببصيرته، ثم من هؤلاء فإن أهل الفترة (ثلاثة أقسام) (الأول) من أدرك التوحيد ببصيرته، ثم من هؤلاء من لم يدخل في شريعة كقس بن ساعدة وزيد بن عمرو بن نفيل، ومنهم من دخل في شريعة حتى قائمة الرسم كتبع وقومه (القسم الثاني) من بدل وغير وأشرك ولم يوحد وشرع لنفسه فحلل وحرم، وهم الأكثر كعمرو بن لحيي أول من سن للعرب عبادة الأصنام وشرع الأحكام، فبحر البحيرة. وسيب السائبة. ووصل الوصيلة. وحمى الحامي، وزادت طائفة من العرب على ما شرعه أن عبدوا الجن والملائكة. وحرقوا البنين والبنات. واتخذوا بيتا جعلوا لها سدنة وحجابا يضاهون بها الكعبة كاللات والعزى ومناة (القسم الثالث) من لم يشرك ولم يوحد ولا دخل في شريعة نبي ولا ابتكر لنفسه شريعة ولا اخترع دينا بل بقي عمره على حال غفلة من هذا كله، وفي الجاهلية من كان كذلك، فإذا انقسم أهل الفترة إلى الثلاثة الأقسام فيحمل من صح تعذيبه على أهل القسم الثاني لكفرهم بما لا يعذرون به
[ ٨ / ١٦٧ ]
(وأما القسم الثالث) فهم أهل الفترة حقيقة وهم غير معذبين للقطع كما تقدم (وأما القسم الأول) فقد قال ﷺ في كل من قس وزيد إنه يبعث أمة وحده (وأما تبع ونحوه) فحكمهم حكم أهل الدين الذين دخلوا فيه ما لم يلحق أحد منهم الإسلام الناسخ لكل دين أهـ ما أورده الأبي (المسلك الثاني) أنهما لم يثبت عنهما شرك، بل كانا على الحيفية دين جدهما إبراهيم ﵇ كما كان على ذلك طائفة من العرب كزيد بن عمرو بن نفيل وورقة بن نوفل وغيرهما، وهذا المسلك ذهبت إليه طائفة منهم الإمام فخر الدين الرازي فقال في كتابه أسرار التنزيل ما نصه، قيل إن آزر لم يكن والد إبراهيم بل كان عمه، واحتجوا عليه بوجوه (منها) إن آباء الأنبياء ما كانوا كفارا، ويدل عليه وجوه (منها) قوله تعالى "الذي يراك حين تقوم وتقلبك في الساجدين" قيل معناه أنه كان ينقل نوره من ساجد إلى ساجد وبهذا التقدير فالآية دالة على أن جميع أباء محمد ﷺ كانوا مسلمين وحينئذ يجب القطع بأن والد إبراهيم ما كان من الكافرين إنما ذاك عمه، وأقصى ما في الباب أن يحمل قوله تعالى "الذي يراك حين تقوم وتقلبك في الساجدين" قبل معناه أنه كان ينقل نوره من ساجد إلى ساجد وبهذا التقدير فالآية دالة على أن جميع أباء محمد ﷺ كانوا مسلمين وحينئذ يجب القطع بأن والد إبراهيم ما كان من الكافرين إنما ذلك عمه، وأقصى ما في الباب أن يحمل قوله تعالى "وتقلبك- في الساجدين" على وجوه أخرى، وإذا وردت الروايات بالكل ولا منافاة بينها وجب حمل الآية على الكل، ومتى صح ذلك ثبت أن والد إبراهيم ما كان من عبدة الأوثان "ثم قال ومما يدل على أن أباء محمد ﷺ ما كانوا مشركين" قوله ﵊ "لم أزل أنقل من أصلاب الطاهرين إلى أرحام الطاهرات" وقال تعالى "إنما المشركون نجس" فوجب أن لا يكون أحد من أجداده مشركا، هذا كلام الإمام فخر الدين الرازي بحروفه (المسلك الثالث) أن الله أحيا له أبويه حتى آمنا به، وهذا المسلك مال إليه طائفة كثيرة من حفاظ المحدثين وغيرهم، منهم ابن شاهين والحافظ أبو بكر الخطيب البغدادي والسهيلي والقرطبي والمحب الطبري والعلامة ناصر الدين ابن المنير وغيرهم واستدلوا لذلك بما أخرحه ابن شاهين في الناسخ والمنسوخ، والخطيب البغدادي في السابق واللاحق، والدارقطني وابن عساكر كلاهما في غرائب مالك بسند ضعيف عن عائشة ﵂ قالت "حج بنا رسول الله ﷺ حجة الوداع فمر بي على عقبة الحجون وهو باك حزين مغتم فنزل فمكث عني طويلا، ثم عاد إلى وهو فرح مبتسم فقلت له، فقال ذهبت لقبر أمي فسألت الله أن يحييها فأحياها فآمنت بي وردها الله" هذا الحديث ضعيف باتفاق المحدثين، بل قيل إنه موضوع، لكن الصواب ضعفه لا وضعه؛ وقد ألفت في بيان ذلك جزء مفردا. وأورد السهيلي في الروض الأنف بسند قال إن فيه مجهولين عن عائشة أن رسول الله ﷺ سأل ربه أن يحيى أبويه فأحياهما فآمنا به ثم أماتهما (وقال السهيلي) بعد إيراده، الله قادر على كل شيء، وليس تعجز رحمته وقدرته عن شيء، ونبيه ﷺ أهل
[ ٨ / ١٦٨ ]
أن يختص بما شاء من كرامته (وقال القرطبي) لا تعارض بين حديث الأحياء وحديث النهي عن الاستغفار، فإن إحياءهما متأخر عن الاستغفار لهما بدليل حديث عائشة أن ذلك كان في حجة الوداع، لذلك جعله ابن شاهين ناسخا لما ذكر من الأخبار (وقال العلامة ناصر الدين ابن المنير) المالكي في كتاب (المقتفي. في شرف المصطفى) وقع لنبينا ﷺ إحياء الموتى نظير ما وقع لعيسى بن مريم إلى أن قال وجاء في حديث أن النبي ﷺ لما منع من الاستغفار للكفار دعا الله أن يحيى له أبويه فأحياهما له فآمنا به وصدقا وماتا مؤمنين (وقال القرطبي) فضائل النبي ﷺ لم تزل تتوالي ونتابع إلى حين مماتة فيكون هذا مما فضله الله به وأكرمه، قال، قال وليس إحياءهما وأيمانها به يمتنع عقلا ولا شرعا، فقد ورد في القرآن إحياء قتيل بني إسرائيل وإخباره بقاتله، وكان عيسى ﵇ أحيا الله على يديه جماعة من الموتى، قال وإذا ثبت هذا فلا يمتنع أن إيمانها بعد إحيائهما زيادة كرامة في فضيلته (وقال الحافظ فتح الدين بن سيد الناس في سيرته بعد ذكر قصة الأحياء والأحاديث الواردة في التعذيب) وذكر بعض أهل العلم في الجمع بين هذه الروايات ما حاصله أن النبي ﷺ لم يزل راقيا في المقامات السنية صاعدا في الدرجات العلية إلى أن قبض الله روحه الطاهرة إليه، وأزلفه بما خصه به لديه من الكرامة حين القدوم عليه، فمن الجائز أن تكون هذه درحة حصلت له ﷺ بعد أن لم تكن، وأن يكون الإحياء والإيمان متأخرا عن تلك الأحاديث فلا تعارض أهـ (وقال الحافظ) شمس بن ناصر الدين الدمشقي في كتابه المسمى (مورد الصادي في مولد الهادي ﷺ بعد إيراد الحديث المكورة منشدا لنفسه
حبا الله النبي فضل على فضل وكان به رءوفا
فأحيا أمه وكذا أباه لإيمان به فضلا لطيفا
فسلم فالقديم بذا قدير وإن كان الحديث به ضعيفا أهـ
وجمع من العلماء لم تقو عندهم هذه المسالك فأبقوا حديثي مسلم ونحوهما على ظاهرها من غير عدول عنها بدعوى نسخ ولا غيره، ومع ذلك قالوا لا يجوز لأحد أن يذكر ذلك (قلت) حديثا مسلم المشار إليهما (أحدهما) حديث الباب المروي عن أبي هريرة في عدم الإذن له ﷺ في الاستغفار لأمه، وتقدم الكلام عليه في الشرح (والثاني) ما رواه مسلم عن أنس أن رجلا قال يا رسول الله اين أبي؟ قال في النار، قلما ففي دعاه، فقال إن أبي وأباك في النار" لم يتفق على ذكرها الرواة، وإنما ذكرهما حماد بن سلمة عن ثابت عن أنس، وهي الطريق التي رواها مسلم منها، وقد خالفه معمر عن ثابت فلم يذكر "إن أبي وأباك في النار" ولكن قاله له إذا مررت بقبر كافر فبشره بالنار، وهذا اللفظ لا دلاله فيه على والده ﷺ بأمر البتة، وهو
[ ٨ / ١٦٩ ]
أثبت من حيث الرواية، فإن معمرا أثبت من حماد، فإن حمادًا تكلم في حفظه ووقع في أحاديثه مناكير، ذكروا أن ربيبه دسها في كتبه وكان حماد لا يحفظ فحدث بها فوهم فيها، ومن ثم لم يخرج له البخاري شيئا، ولا خرج له مسلم في الأصول إلا من رواتيه عن ثابت (قال الحاكم) في المدخل ما خرج مسلم لحماد في الأصول من حديثه عن ثابت، وقد خرج له في الشواهد عن طائفة، وأما معمر فلم يتكلم في حفظه ولا استنكر شيء من حديثه، واتفق على التخريج له الشيخان فكان لفظه أثبت، ثم وجدنا الحديثورد من حديث سعد بن أبي وقاص بمثل لفظ رواية معمر عن ثابت عن أنس، فأخرج البزار والطبراني والبيهقي من طريق إبراهيم بن سعد عن الزهري عن عامر بن سعد عن أبيه أن إعرابيا قال لرسول الله ﷺ أين أبي؟ قال في النار، قال فأين ابوك؟ قال حيثما مررت بقبر كافر فبشره بالنار، وهذا إسناد على شرط الشيخين فتعين الاعتماد على هذا اللفظ وتقديمه على غيره، وقد زاد الطبراني والبيهقي في آخره قال فأسلم الأعرابي بعد فقال كلفني رسول الله ﷺ تعبا، ما مررت بقبر كافر إلا بشرته بالنار، فهذه الزيادة أوضحت بلا شك أن هذا اللفظ عام هو الذي صدر منه ﷺ ورآه الأعرابي بعد إسلامه أمرا مقتضيا للامتثال فلم يسمعه إلا امتثاله، ولو كان الجواب باللفظ الأول لم يكن فيه أمر بشيء البتة، فعلم أن هذا اللفظ العام هو الذي صدر منه ﷺ ورآه الأعرابي بعد إسلامه أمرا مقتضيا للامتثال فلم يسمعه إلا امتثاله، ولو كان الجواب باللفظ الأول لم يكن فيه أمر بشيء البتة، فعلم أن هذا اللفظ الأول من تصرف الراوي رواه بالمعني على حسب فهمه، وقد وقع في الصحيحين روايات كثيرة من هذا النمط فيها لفظ تصرف فيه الراويوغيره أثبت منه، كحديث مسلم عن أنس في نفي قراءة البسملة، وقد أعله الإمام الشافعي ﵁ بذلك، وقال إن الثابت من طريق آخر نفي سماعها، ففهم منه الراوي نفي قراءتها فرواه بالمعنى على ما فهمه فأخطأ، ونحن أجبنا عن حديث مسلم في هذا المقام بنظير ما أجاب به إمامنا االشافعي ﵁ عن حديث مسلم في نفي قراءة البسملة، ثم لو فرض اتفاق الرواة على اللفظ الأول كان معارضا بما تقدم من الأدلة؛ والحديث الصحيح إذا عارضه أدلة أخرى هي أرجح منه وجب تأويله وتقديم تلك الأدلة عليه كما هو مقرر في الأصول (قال السهيلي) في الروض الانف بعد إيراده حديث مسلم، وليس لنا نحن أن نقول ذلك في أبويه ﷺ لقوله "لا تؤذوا الأحياء بسبب الأموات" وقال الله تعالي "إن الذين يؤذون الله ورسوله لعنهم الله في الدنيا والآخرة وأعد لهم عذابا مهينا" (وسئل القاضي) أبو بكر ابن العربي أحد أئمة المالكية عن رجل قال إن أبا النبي ﷺ في النار؟ فأجاب بأن من قال ذلك فهو ملعون لقوله تعالى "إن الذين يؤذون الله ورسوله لعنهم الله في الدنيا والآخرة" قال ولا أذى أعظم من أن يقال عن أبيه إنه في النار (ومن العلماء من ذهب إلى قول خامس) وهو الوقف، قال الشيخ تاج الدين الفاكهاني في كتابه الفجر المنير الله أعلم بحال أبويه أهـ
[ ٨ / ١٧٠ ]
(وأخرج أبو نعيم) في دلائل النبوة بسند ضعيف من طريق الزهري عن أم سماعة بنت أبي رهم عن أمها قالت شهدن آمنة أم رسول الله ﷺ في علتها التي ماتت فيها ومحمد ﷺ غلام يفع له خمس سنين عند رأسها فنظرت إلى وجهه ثم قالت:
بارك فيك الله من غلام يا ابن الذي من حومه الحمام
نجا بعون المالك العلام فودي غداة الضرب بالسهام
بمائة من إبل سوام إن صح ما أبصرت في المنام
فأنت مبعوث إلى الأنام تبعث في الحل وفي الحرام
تبعث بالتحقيق والإسلام دين أبيك البر ابراهام
فالله أنهاك عن الأصنام ألا تواليها مع الأقوام
ثم قالت كل حي ميت. وكل جديد بال. وكل كبير يفنى. وأنا ميتة وذكري باق، وقد تركت خيرا وولدت ظهرا، ثم ماتت فكنا نسمع نوح الجن عليها فحفظنا من ذلك.
نبكي الفتاة البرة الأمينة ذات الجمال العفة الرزينة
زوجة عبدالله والقرينة أم نبي الله ذي السكينة
وصاحب المنر بالمدينة صارت لدى حفرتها رهينة
فأنت ترى هذا الكلام منها صريحا في النهي عن موالاة الأصنام مع الأقوام والاعتراف بدين إبراهيم وببعث ولدها إلى الأنام من عند ذي الجلال والإكرام بالإسلام، وهذه الألفاظ منافية للشرك، وقولها تبعث بالتحقيق كذا هو في النسخة، وعندي أنه تصحيح وإنما هو بالتخفيف، وإلى هنا قد انتهى ما قصدت تلخيصه من كتاب (مسالك الحنفا في والدي المصطفى ﷺ (وأما أبوة ﷺ) فقد نقل عنه كلمات دلت على توحيده وإيمانه بالشرائع القديمة كقوله حين عرضت امرأة نفسها عليه:
أما الحرام فالممات دونه والحل لا حل فاستبينه
يحمي الكريم عرضه ودينه فكيف بالأمر الذي تبغينه
هذا مع ما كان عليه من كمال العفة فقد افتتن به النساء ولم ينلن منه شيئا (قال الحلواني في المواكب) القول بكفر أبويه ﷺ زلة عاقل نعوذ بالله من ذلك، فمن تفوه به فقد تعرض للكفر بإيذائه ﷺ فقد جاء أن عكرمة بن أبي جهل اشتكى إلى النبي ﷺ أن الناس يسبون أباه، فقال ﷺ "لا تؤذوا الأحياء بسبب الأموات" رواه الطبراني؛ ولا شك أنه ﷺ حي في قبره تعرض عليه أعمالنا، وإذا روعي عكرمة ﵁ في أبيه بالنهي عما يتأذى به من سبه فسيد الخلق أولى وأوجب، فكيف وقد جاء أن سبيعة وكأنها المعروفة
[ ٨ / ١٧١ ]
(٢) باب ما يقال عند زيارة القبور وهل يسمع الميت قول الحي
(٣٣٦) عن سليمان بن بريدة عن أبيه (بريدة الأسلمي) ﵁ قال كان رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم يعلمهم إذا خرجوا إلى المقابر فكان قائلهم يقول السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين والمسلمين قال معاوية في حديثه إنا إن شاء الله بكم لاحقون أنتم فرطنا ونحن لكم تبع، ونسأل الله لنا ولكم العافية
(٣٣٧) عن أبي هريرة ﵁ عن النبي صلى الله عليه وعلى
_________________
(١) بدرة بنت أبي لهب جاءت إلى رسول الله ﷺ فقالت إن الناس يصيحون بي يقولون إني ابنة حطب النار، فقام رسول الله ﷺ وهو مغضب شديد الغضب فقال "ما بال أقوام يؤذونني في نسبي وذوي رحمي، ألا ومن آذى رحمي فقد آذاني، ومن آذاني فقد آذى الله ﷿" أهـ باختصار (وقال العلامة السحيمي) في شرحه على عبد السلام إنه يجب اعتقاد أن جميع الأنبياء وأمهاتهم مؤمنون وأنهم في الجنة مخلدون، هذا هو الذي نعتقده ونلقي الله إن شاء الله تعالى عليه والحمد لله رب العالمين أهـ
(٢) عن سليمان بن بريدة (سنده) حدثنا عبد الله حدثني أبي ثنا معاوية ابن هشام وأبو أحمد قالا ثنا سفيان عن علقمة بن مرثد عن سليمان بن بريدة - الحديث" (غريبه) (١) أهل منصوب على النداء أي يا أهل (والديار) جمع دار واسم الدار يقع على المقابر (قال الخطابي) وهو صحيح فإن الدار في اللغة تقع على الربع المسكون وعلى الخراب غير المأهول (٢) فيه أن المسلم والمؤمن قد يكونان بمعنى واحد، وعطف أحدهما على الآخر لاختلاف اللفظ، وهو بمعنى قوله تعالى "فاخرجنا من كان فيها من المؤمنين. فما وجدنا فيها غير بيت من المسلمين" ولا يجوز أن يكون المراد بالمسلم في هذا الحديث غير المؤمن إن كان منافقا لا يجوز السلام عليه والترحم، قاله النووي (وقوله قال معاوية في حديثه) يغني معاوية بن هشام أحد رجال السند (٣) التقييد بالمشيئة على سبيل التبرك وامتثال قول الله تعالى "ولا تقولن لشيء إني فاعل ذلك غدا إلا أن يشاء الله" وقبل المشيئة عائدة إلى الكون معهم في تلك التربة، وقيل غير ذلك "وقوله فرطنا" أي سبقتمونا بالموت يقال يفرط فهو فارط، وفرط إذا تقدم القوم وسبق (تخريجه) (م. نس. جه. هق)
(٣) عن أبي هريرة (سنده) حدثنا عبدالله أبي ثنا محمد
[ ٨ / ١٧٢ ]
آله وصحبه وسلم أنه أتى المقبرة فسلم على أهل المقبرة فقال سلام عليكم دار قوم مؤمنين، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون الحديث.
(٣٣٨) حدثنا عبد الله حدثني أبي ثنا حجاج قال أنا ابن جريج قال حدثني عبد الله رجل من قريش أنه سمع محمد بن قيس بن مخرمة بن المطلب أنه قال يوما ألا أحدثكم عني وعن أمي؟ فظننا أنه يريد أمه التي ولدته، قال قالت عائشة ألا أحدثكم عني وعن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم؟ قلت بلى، قال قالت لما كانت ليلتي التي كان النبي
_________________
(١) ابن جعفر ثنا شعبة قال سمعت العلاء بن عبد الرحمن يحدث عن أبيه عن أبي هريرة - الحديث" (غريبه) (١) رواية مسلم وأبي داود "السلام عليكم" بلام التعريف (٢) الحديث له بقية وسيأتي بتمامه في أبواب ما جاء في الحوض والكوثر من كتاب قيام الساعة إن شاء الله تعالى (تخريجه) (م. د. هق)
(٢) حدثنا عبد الله (غريبه) (٣) هكذا وقع في السند عند مسلم أيضا بلفظ "اخبرني عبد الله رجل من قريش" (قال القاضي عياض) ﵀ هكذا وقع في مسلم في إسناده حجاج عن ابن جريج أخبرني عبدالله رجل من قريش، وكذا رواه أحمد بن حنبل، وقال النسائي وأبو نعيم الجرجاني وأبو بكر النيسابوري وأبو عبد الله الجرجاني كلهم عن يوسف بن سعيد المصيصي حدثنا حجاج عن ابن جريج أخبرني عبدالله بن أبي مليكة (وقال الدارقطني) هو عبد الله بن كثير بن المطلب بن أبي وداعة، قال أبو علي الغساني الجياني هذا الحديث أحد الأحاديث المقطوعة في مسلم، وقال وهو أيضا من الأحاديث التي وهم في رواتها، وقد رواه عبد الرزاق في مصنفه عن ابن جريج قال أخبرني محمد بن قيس بن مخرمة أنه سمع عائشة (قال القاضي) قوله إن هذا مقطوع لا يوافق عليه بل هو مسند، وإنما لم يسم بعض رواته فهو من باب المجهول لا من باب المنقطع، إذا المنقطع ما سقط من رواته راو قبل التابعي (قال القاضي) ووقع في سنده إشكال آخر، وهو أن قول مسلم "وحدثني من سمع حجاجا الأعور واللفظ له قال حدثنا حجاج بن محمد. يوهم أن حجاجا الأعور حدث به عن آخر يقال له حجاج ابن محمد" وليس كذا. بل حجاج الأعور هو حجاج بن محمج بلاشك، وتقدير كلام مسلم حدثني من سمع حجاجا الأعور قال هذا المحدث حدثني حجاج بن محمد فحكى لفظ المحدث أهـ (قال النووي) هذا كلام القاضي، ولا يقدح رواية مسلم لهذا الحديث عن هذا المجهول الذي
[ ٨ / ١٧٣ ]
صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم فيها عندي انقلب فوضع رداءه وخلع نعليه فوضعهما عند رجليه وبسط طرف إزاره على فراشه فاضطجع، فلم يلبث إلا ريثما ظن أني قد رقدت فأخذ رداءه رويدا وانتعل رويدا وفتح الباب فخرج ثم أجافه رويدا فجعلت درعي في رأسي واختمرت وتقنعت إزاري ثم انطلقت على إثره حتى جاء البقيع فقام فأطال القيام ثم رفع يديه ثلاث مرات ثم انحرف فانحرفت، فأسرع فأسرعت، فهرول فهرولت، فأحضر فأحضرت فسبقته، فدخلت، فليس إلا أن اضطجعت فدخل فقال مالك يا عائش حشيا رابية؟ قالت قلت لا شيء يا رسول الله، قال لتخبريني أو ليخبرني اللطيف الخبير، قالت قلت يا رسول الله
_________________
(١) سمعه منه عن حجاج الأعور، لأن مسلما ذكره متابعة لا متأصلا معتمدا عليه، بل الاعتماد على الإسناد الصحيح قبله (١) أي رجع من صلاة العشاء (٢) بفتح الراء وسكون الياء بعدها مثلثة مفتوحة أي قدر ما ظن أني قد رقدت (٣) أي برفق لئلا ينبهها (٤) بالجيم أي أغلقه، وإنما فعل ذلك ﷺ في خفية لئلا يوقظها ويخرج عنها فربما لحقها وحشة في انفرادها في ظلمة الليل، وهذا من كمال خقله ورحمته بأهله ﷺ (٥) درع المرأة قميصها أي لبست قميصها (واختمرت) أي غطت رأسها بالخمار وهو ما تستر به المرأة رأسها ورقبتها (٦) قال النووي هكذا هو في الأصول بغير باء في أوله، وكأنه بمعنى لبست إزاي فلهذا عدى بنفسه (٧) أي بقيع الغرقد، وهو مقبرة المسلم بالمدينة (٨) قال النووي فيه استحباب إطالة الدعاء وتكريره ورفع اليدين فيه، وفيه أن الدعاء القائم أكمل من دعاء الجالس في القبور (٩) من الإحضار بحاء مهملة وضاد معجمة بمعنى العدو بسكون الدال المهملة (١٠) قال النووي يجوز في عائش فتح الشين وضمها وهما وجهان جاريان في كل المرخمات، وفيه جواز ترخيم الاسم إذا لم يكن فيه إيذاء للمرخم "وحشيا" بفتح الحاء المهملة وإسكان الشين المعجمة مقصور، معناه وقد وقع عليك الحشا، وهو الربو والتهيج الذي يعرض للمسرع في مشيه والمحتد في كلامه من ارتفاع النفس وتواتره، يقال امرأة حشياء وحشية ورجل حشيان وحشش، قيل أصله من أصاب الربو حشاه "وقوله رابية" أي مرتفعة البطن
[ ٨ / ١٧٤ ]
بأبي أنت وأمي فأخبرته قال فأنت السواد الذي رأيت أمامي؟ قلت نعم، فلهزني في ظهري لهزة فأرجعتني، وقال أظننت أن يحيف عليك الله ورسوله؟ قالت مهما يكتم الناس يعلمه الله، قال نعم، فإن جبريل ﵇ أتاني حين رأيت فناداني فأخفاه منك، فأجبته فأخفيته منك، ولم يكن ليدخل عليك وقد وضعت ثيابك، وظننت أنك قد رقدت فكرهت أن أوقظك وخشيت أن تستوحشي، فقال إن ربك جل وعز يأمرك أن تأتي أهل البقيع فتستغفر لهم، قالت فكيف أقول يا رسول الله؟ فقال قولي السلام على أهل الديار من المؤمنين والمسلمين ويرحم الله المستقدمين منا والمستأخرين وإنا إن شاء الله للاحقون.
(٣٣٩) عن عائشة ﵂ قالت قام النبي ﷺ من الليل فظننت
_________________
(١) أي أفديك بأبي وأمي "وقوله السواد" أي الشخص (٢) بزاي معجمة في آخره واللهز الضرب بجمع الكف، وفي رواية مسلم فلهدني بالدال المهملة من اللهد وهو الدفع الشديد في الصدر، وكانت الضربة شديدة ولذلك أوجعتها، وإنما فعل ذلك ﷺ، وإنما فعل ذلك النبي ﷺ تأديبا لها من سوء الظن (٣) من الحيف بمعنى الجور أي بأن يدخل الرسول في نوبتك على غيرك، وأسند الفعل أولا لله ﷿ للدلالة على أن الرسول لا يمكن أن يفعل بدون إذن من الله تعالى، فلو كان منه جور لكان بإذن الله تعالى له فيه وهذا غير ممكن، ويستفاد منه أن القسم كان واجبا عليه ﷺ إذ لا يكون تركه جورا إلا إذا كان واجبا (٤) أي القبور تشبيها للقبر بالدار في كونها مسكنا (٥) أي المتقدمين ولا طلب في السين، وكذا المستأخرين "وقوله إن شاء الله" تبرك أو للموت على الإيمان، اللهم أحسن عاقبتنا في الأمور كلها وأجرنا من خزي الدنيا وعذاب الآخرة واختم لنا بالإيمان (تخريجه) (م. نس) وفي رواية أخرى لمسلم عن عائشة قالت كان رسول الله ﷺ يخرج من آخر الليل إلى البقيع فيقول السلام عليكم دار قوم مؤمنين وأتاكم ما توعدون غدا مؤجلون، وإن شاء الله بكم لاحقون، اللهم اغفر لأهل بقيع الغرقد.
(٢) عن عائشة (سنده) حدثنا عبدالله حدثني أبي ثنا أسود بن عامر
[ ٨ / ١٧٥ ]
أنه يأتي بعض نسائه فاتبعتع فأتى المقابر، ثم قال سلام عليكم دار قوم مؤمنين (زادني رواية وأنتم لنا فرط) وإنا بكم لاحقون، اللهم لا ترحمنا أجرهم، ولا تفتنا بعدهم، قالت ثم التفت فرآني فقال ويحها لواستطاعت ما فعلت.
(٣٤٠) عن ابن عمر ﵄ قال وقف رسول الله ﷺ على القليب يوم بدر فقال يا فلان يا فلان يا فلان هل وجدتم ما وعد ربكم حقا؟ أما والله إنهم الآن ليسمعون كلامي، قال يحيى فقالت عائشة غفر الله لأبي عبد الرحمن إنه وهل إنما قال رسول الله ﷺ والله إنهم ليعلمون
_________________
(١) قال ثنا شريف عن عاصم بن عبيد الله عن القاسم عن عائشة- الحديث" (غريبه) (١) ويح كلمة ترحم وقوله "لو استطاعت ما فعلت" معناه والله أعلم أنها لو استطاعت كبح جماح الغيرة ما قامت من مضجعها واتبعتني (تخريجه) لم أقف عليه بهذا اللفظ لغير الإمام أحمد، وفي إسناده عاصم بن عبيد الله ضعيف، وقال العجلي لا بأس به، وقال ابن عدي هو مع ضعفه يكتب حديثه أهـ (قلت) وفيه أيضا من اسمه شريف لم أقف على من ترجم له، ويعضده ما قبله.
(٢) عن ابن عمر (سنده) حدثنا عبدالله حدثنا أبي ثنا يزيد أنا محمد يعني ابن عمرو عن يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب أنه حدثهم عن ابن عمر أنه قال وقف رسول الله ﷺ- الحديث" (غريبه) (٢) القليب هي البئر كما صرح بذلك في رواية عند مسلم قال (فجعلوا في بئر بعضهم على بعض" وله في رواية أخرى "فألقوا في طوى من أطواء بدر" قال النووي القليب والطوى بمعنى؛ وهي البئر المطوية بالحجارة أهـ (٣) هو ابن عبد الرحمن بن حاطب أحد رجال السند (٤) بفتحات أي ذهب وهمه إلى ذلك، ويجوز أن يكون بمعنى سها وغلط، يقال منه وهل في الشيء وعن الشيء بالكسر يوهل فهو وهل (نه) (قلت) وإنما قالت عائشة ﵂ باعتبار ما بلغها، والظاهر أن النبي ﷺ قال ما رواه ابن عمر وما روته عائشة، فسمع ابن عمر الجملتين ولم يبلغ عائشة إلا الجملة الأخيرة، لأنه لم يثبت أنها شهدت غزوة بدر وسمعت ذلك من النبي صلى الله ﵊، على أنه لو ثبت ذلك لكان الوهل منها أقرب، لما ثبت في الأحاديث الصحيحة التي لا مدفع لها عن كثير من الصحابة عن النبي ﷺ أن الميت يسمع خطاب الحي وحركته بعد الدفن وعند الزيارة
[ ٨ / ١٧٦ ]
الآن أن الذي كنت أقول لهم حقا، وإن الله تعالى يقول (إنك لا تسمع الموتى (وما أنت بمسمع من في القبور)
_________________
(١) وتقدم في هذا الكتاب (أي كتاب الجنازة) شيء كثير من هذا القبيل، أما استدلالها بالآية فلاحجة فيه، فقد قال العلماء هي محمولة على الكفار الاحياء الذين لم يستجيبوا للنبي ﷺ مجازا، فإن قلوبهم ميتة مقبورة لا تعي ما يقال لها (قال ابن عبد البر) ثبت عن النبي ﷺ أي من حديث ابن عباس ﵄ قال " ما من مسلم يمر بقبر أخ كان يعرفه في الدنيا فيسلم عليه إلا رد الله عليه روحه حتى يرد ﵇" (وقال الحافظ ابن القيم في كتابه الروح) وفي الصحيحين من وجوه متعددة أنه ﷺ أمر بقتلى بدر فألقوا في قليب ثم جاء حتى وقف عليهم وناداهم بأسمائهم يا فلان بن فلان ويا فلان بن فلان هل وجدتم ما وعد ربكم حقا؟ فإني وجدت ما وعدني ربي حقا، فقال له عمر يا رسول الله ما يخاطب من أقوام قد جيفوا (أي انتنوا) فقال والذي بعثني بالحق ما أنتم بأسمع لما أقول منهم ولكن لا يستطيعون جوابا، وأما قوله تعالى "وما أنت بمسمع من في القبور" فسياق الآية يدل على أن الكافر ميت القلب لا يقدر على اسماعه اسماعا ينتفع به أي إجابته، كما أن من في القبر لا يقدر على إسماعه إسماعا يجيب عنه، وكذا (إنك لا تسمع الموتى ولا تسمع الصم الدعاء إذا ولوا مدبرين) أي كما أنك لا تسمع الموتى اسماعا يستجيبون له، فكذلك الصم إذا أدبروا؛ فانضم إذا صممهم إلى عدم إبصارهم بإدبارهم لم يقدر أن يسمعهم اسماعا يستجيبون له، فحال هؤلاء الكفار في عدم الاستجابة كحالهم، فإن قلوبهم ميتة وصم عن الحق، ولم ينف عنهم السماع بالكلية، يوضحه قوله عقبه "إن أنت إلا نذير" كيف وقد ثبت عنه ﷺ من حديث أنس في الصحيحين أن الميت يسمع قرع نعال المشيعين له إذا انصرفوا أهـ (تخريجه) (ق. وغيرهما) (زوائد الباب) (عن عمر ﵁) أن رسول الله ﷺ خرج إلى البقيع بقيع الغرقد فقال السلام على أهل الديار من المسلمين والمؤمنين ورحم الله المستقدمين وإنا إن شاء الله لا حقوق يعني بكم، رواه البزار وفيه غالب بن عبد الله وهو ضعيف (وعنه أيضا) قال مر النبي ﷺ على مصعب بن عمير حين رجع من أحد فوقف عليه وعلى أصحابه، فقال أشهد أنكم أحياء عند الله، فزورهم وسلموا عليهم، فو الذي نفسي بيده لا يسلم عليهم أحد إلا ردوا عليه يوم القيامة، رواه الطبراني في الكبير، وفيه ابو بلال الأشعري ضعفه الدارقطني (وعن مجمع بن حارثة) ﵁ قال خرج النبي ﷺ في جنازة من بني عمرو بن عوف حتى انتهى غلى المقبرة، فقال
[ ٨ / ١٧٧ ]
السلام على أهل القبور ثلاث مرات من كان منكم من المؤمنين والمسلمين، أنتم لنا فرط ونحن لكم تبع، عافانا الله وإياكم، رواه الطبراني في الكبير والأوسط وفيه اسماعيل بن عياش؛ وفيه كلام وقد وثق، أورد هذه الأحاديث الثلاثة الحافظ الهيثمي ويعضدها ما تقدم من أحاديث الباب (وعن ابن عباس) ﵄ قال مر رسول الله ﷺ بقبور المدينة فأقبل عليهم بوجهه فقال السلام عليكم يا أهل القبور يغفر الله لنا ولكم، أنتم سلفنا ونحن بالأثر، رواه الترمذي وقال حديث حسن غريب (وعن الحسن البصري) قال من دخل المقابر فقال اللهم رب الأجسام البالية والعظام النخرة التي خرجت من الدنيا وهي بك مؤمنة أدخل عليها روحا (بفتح فسكون أي رحمة) منك وسلاما مني؛ استغفر له كل مؤمن مات منذ خلق آدم، رواه ابن أبي شيبة في مصنفه (الأحكام) أحاديث الباب تدل على مشروعية السلام على الأموات عند زيارتهم والدعاء لهم بالعافية، وباستحباب ذلك قال جمهور العلماء (قال الخطابي وغيره) إن السلام على الأموات والأحياء سواء في تقديم السلام على عليكم، بخلاف ما كانت الجاهلية عليه كقولهم.
عليكم سلام الله قيس بن عاصم ورحمته ما شاء أن يترجما أهـ
(قال النووي ﵀) ويستحب للزائر أن يسلم على المقابر ويدعو لمن يزوره ولجميع أهل المقبرة، والأفضل أن يكون السلام والدعاء بما ثبت في الحديث، ويستحب أن يقرأ من القرآن ما تيسر ويدعو لهم عقيها، نص عليه الشافعي واتفق عليه الأصحاب، قال الحافظ أبو موسى الأصفهاني ﵀ في كتابه آداب زيارة القبور، الزائر بالخيار إن شاء زار قائما وإن شاء قعد كما يزور الرجل أخاه في الحياة، فربما جلس عنده وربما زاره قائما أومارا، قال وروى القيام عند القبر من حديث أبي أمامة والحكم بن الحارث وابن عمر وأنس، وعن جماعة من السلف ﵃، قال أبو موسى وقال الإمام أبو الحسن محمد ابن مرزوق الزعفراني وكان من الفقهاء المحققين في كتابه في الجنائز ولا يستلم القبر بيده ولا يقبله، قال وعلى هذا مضت السنة، قال أبو الحسن واستلام القبور وتقبيلها الذي يفعله العوام الآن من المبتدعات المنكرة شرعا ينبغي تجنب فعله وينهى فاعله وينهى فاعله، قال فمن قصد السلام على ميت سلم عليه من قبل وجهه، وإذا أراد الدعاء تحول عن موضعه واستقبل القبلة، قال أبو موسى وقال الفقهاء المتبحرون الخراسانيون المستحب في زيارة القبور أن يقف مستدير القبلة مستقبلا وجه الميت يسلم ولا يمسح القبر ولا يقبله ولا يمسه =، فإن ذلك عادة النصارى، قال وما ذكروه صحيح لأنه قد صح النهي عن تعظيم القبور، ولأنه إذا لم يستحب استلام الركنين الشاميين من أركان الكعبة لكونه لم يسن استحباب استلام الركنين الآخرين، فلأن لا يستحب
[ ٨ / ١٧٨ ]
من القبور أولى والله أعلم أهـ (وقال الحافظ ابن القيم) في الهدى كان ﷺ إذا زار قبور أصحابه يزورها للدعاء لهم والترحم عليهم والاستغفار لهم، وهذه هي الزيارة التي سنها لأمته وشرعها لهم وأمرهم أن يقولوا إذا زاروها السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين والمسلمين وإنا إن شاء الله بكم لاحقون نسأل الله لنا ولكم العافية، وكان هديه أن يقول ويفعل عند زيارتها من جنس ما يقوله عند الصلاة عليه من الدعاء والترحم والاستغفار، فأبي المشركون الأدعاء والإشراك به والأقسام على الله به سؤاله الحوائج والاستعانة به والتوجه إليه، بعكس هديه ﷺ فإنه هدى توحيد وإحسان إلى الميت، وهدى هؤلاء شرك وإساءة إلى نفوسهم وإلى الميت، وهم ثلاثة أقسام، إما أن يدعو به أو عنده، ويرون الدعاء عنده أوجب وأولى من الدعاء في المساجد، ومن تأمل هدي رسول الله ﷺ وأصحابه تبين الفرق بين الأمرين وبالله أهـ (وقال الإمام محمد بن اسماعيل الصنعاني) صاحب كتاب سبل السلام في رسالته (تطهير الاعتقاد من أدران الالحاد) بعد كلام طويل في هذا الموضوع (فإن قلت) هذا أمر عم البلاد واجتمعت عليه سكان الأغوار والانجاد وطبق الأرض شرقا وغربا ويمنما وشاما وجنوبا وشمالا بحيث لا بلدة من بلاد الإسلام ولا قرية من قراه إلا وفيها قبور ومشاهد، وأحياء يعتقدون فيها ويعظمونها وينذرون لها ويهتفون بأمسائها ويحلفون ويطوفون بفناء القبور ويسرجونها ويلقون عليها الورد والرياحين ويلبسونها الثياب ويصنعون كل أمر ويقدرون عليه من العيادة لها وما في معناها من التعظيم والخشوع والتذلل والافتقار إليها، بل هذه مساجد المسلمين غالبا لا تخلو عن قبر أو مشهد يقصده المصلون في أوقات الصلاة يصنعون فيه ما ذكر أو بعضه، ولا يسع العاقل أن منكرا يبلغ إلى ما ذكرت من الشناعة والقباحة ويسكت عليه علماء الإسلام الذين ثبتت لهم الوطأة في جميع جهات الدنيا (قلت) إن أردت الأنصاف، وتركت متابعة الأسلاف، وعرفت أن الحق ما قام عليه الدليل، لا ما اتفق عليه العوالم جيلا بعد جيل وقبيلا بعد قبيل، فاعلم أن هذه الأمور التي تدندن حول انكارها، ونسعى في هدم منارها، صادرة عن العامة الذين اسلامهم تقليد الآباء بلا دليل؛ ومتابعتهم لهم من غير فرق بين دني ومثيل، ينشأ الواحد فيهم فيجد أهل قريته وأصحاب بلدته يلقنونه في الطفولية أن يهتف باسم من يعتقدون فيه، ويراهم ينذرون له ويعظمونه ويرحلون به إلى محل قبره ويلطخونه بترابه ويطوفون به على قبره، فينشأ على هذا الصغير رشاخ عليه الكبير، ولا يسمعون من أحد انكارا عليهم، بل ترى من يتسم بالعلم ويدعي الفضل وينتصب للقضاء
[ ٨ / ١٧٩ ]
أو الفتيا أو التدريس أو الولاية والمعرفة أو الأمارة والحكومة معظما لما يعظمونه مكرما لما يكرمونه قابضا للنذور، آكلا ما ينحر على القبور، فيظن أن هذا دين الإسلام، وأنه رأس الدين والسنام، ولا يخفي على أحد يتأهل للنظر، ويعرف بارقة من علم الكتاب والسنة والأثر، أن سكوت العالم أو العالم على وقوع منكر ليس دليلا على جواز ذلك المنكر، ولنضرب لك مثلا من ذلك، وهي هذه المكوس المسماة بالمجابي المعلوم من ضرورة الدين تحريمها قد ملأت الديار والبقاع، وصارت أمرا مأنوسا لا يلج إنكارها إلى سمع من الأسماع، وقد امتدت أيدي المكاسين في أشرف البقاع، في مكة أم القرى يقبضونها من القاصدين لأداء فريضة الإسلام، ويرتكبون في البلد الحرام كل فعل حرام (١) وسكانها من فضلاء الأنام، والعلماء والحكام ساكتون عن الأنكار معرضون عن بيان أنها ظلم وعدوان، أفيكون السكوت من العلماء بل من العالم دليلا على جوازها وأخذها، هذا لا يقوله من له أدنى إدراك، بل أضرب لك مثلا آخر، هذا حرم الله الذي هو أفضل بقاع الدنيا باتفاق وإجماع العلماء، أحدث فيه بعض ملوك الشراكسة الجهلة الضلال هذه المقامات الأربعة التي فرقت عبادة العباد (٢) واشتملت على ما لا يحصيه إلا الله ﷿ من الفساد، وفرقت عبادات المسلمين وصيرتهم كالملل المختلفة في الدين، بدعة قرت بها عين إبليس اللعين، وصيرت المسلمين ضحكة للشياطين، وقد سكت الناس عليها، ووفد علماء الآفاق والأقطار إليها، وشاهدها كل ذي عينين، وسمع بها كل ذي أذنين، أفهذا السكوت دليل على جوازها، هذا لا يقوله من له إلمام بشيء من المعارف، وكذلك سكوتهم على هذه الأشياء الصادرة من عباد القبور (فإن قلت) يلزم من هذا أن الأمة قد اجتمعت على ضلالة حيث سكتت عن إنكارها لأعظم جهالة (قلت) الإجماع حقيقة اتفاق مجتهدي أمة محمد ﷺ على أمر بعد عصره وفقهاء المذاهب الأربعة يحيلون الاجتهاد من بعد الأئمة الأربعة، وإن كان هذا قولا باطلا، وكلاما لا يقوله إلا من كان للحقائق جاهلا، فعلى زعمهم لا إجماع أبدا من بعد الأئمة الأربعة فلا يرد السؤال، فإن هذا الابتداع والفتنة بالقبور لم يكن على عهد أئمة المذاهب
_________________
(١) كان ذلك في الزمن السابق أما الآن فقد استنارت الأفكار وانتشر الفقه بين أهل الحرمين الشريفين وفي الأرض المقدسة واختفى كثير من المبتدعات وعم الأمن تلك البلاد وسهل الحج واستراح العباد.
(٢) لعل المصنف يعني جعل أربعة أئمة للصلاة، كل إمام على مذهب من المذاهب الأربعة يصلي بإتباع ذلك المذهب، وقد زال الآن واجتمع الناس على إمام واحد يصلي بهم جميعا، وذلك بهمة حكومة الحجاز وعلى رأسها جلالة الملك الهمام عبد العزيز بن سعود، وإنا لنسأل الله أن يوفق أمراء الإسلام وملوكه في كل مكان إلى نصر السنة وقمع البدعة، آمين.
[ ٨ / ١٨٠ ]