ذكر عمر بن الخطاب، ﵁، في كتابه أنْ صَلُّوا الظُّهْرَ إذا كَانَ الفَييْءُ ذِرَاعًا. والمصلون على قسمين واحد وجماعة. فأما الواحد فأول الوقت له أفضل، بلا خلاف بين المالكية والشافعية نعم وقبل النفل، فإن أراد أن يتنفَّل فبعد أن يؤدّي الفرض، وقد وهم في ذلك بعض المالكية وبيناه في موضعه.
وأما الجماعة فأول الوقت أفضل لها بلا خلاف. إلا أنه لما كان تألفهم لا يمكن في أول الوقت لأنه يأتي في غفلة، فإلى أن يتأهب له الناس يمضي منه برهة فقدره لهم عمر
_________________
(١) = ما يسير الراكب ثلاثة فراسخ. الموطّأ ١/ ٧. وذكر السُّيوطي أن له شاهدًا مرفوعًا من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله، - ﷺ -: "مَنْ حَافَظَ عَلَى هَؤُلَاءِ الصَّلَوَاتِ الْمَكْتُوبَاتِ لَمْ يُكْتَبْ مِنَ الْغافِلِينَ" تنوير الحوالك ١/ ٢٥. درجة الحديث: المرفوع منه صحَّحه الحاكم كما ذكره السُّيوطي تنوير الحوالك ١/ ٢٥.
(٢) سورة البقرة آية ٢٨٦.
(٣) إذا قال الصحابي قولًا وظهر ذلك في علماء الصحابة وانتشر، ولم يعرف له مخالف، كان ذلك إجماعًا مقطوعًا به. التبصرة في أصول الفقه للشيرازي ص ٣٩١ وانظر المنخول من تعليقات الأصول ص ٣١٨ والمحصول للشارح ل ٥٢ ل.
(٤) الموطّأ ١/ ٢٤٥ - ٢٤٦.
[ ٨١ ]
بربع القامة مصلحة لهم وحرصًا على اجتماعهم على هذه الشعيرة وفي هذا إثبات المقدرات بالقياس ردًا على أهل العراق (١).
وبهذا يتبين أنَّ فضل الجماعة أفضل من فضل أول الوقت، والدليل عليه الحاسم للإشكال أنه لو أن أهل بلد اتفقوا على ترك الجماعة قوتلوا، ولو اتفقوا على ترك أول الوقت لم يلاموا، ومن الرفق بهم أن قدّر لهم وقت العصر ببياض الشمس؛ لأن تقديره بظل الشخص بمثله لا يمكن إلا لمن حصله أول الزوال. ولما كان إهماله عند الخلق لكثرة أشغالهم أكثر من تحصيله عدل بهم إلى البياض لأنه دليله وأقرب في التحصيل منه وحده في المغرب وقتًا واحدًا، وقد ثبت عن النبي، - ﷺ -، (أنَّها إِلَى مَغِيب الشَّفَقِ) (٢) في وقت وصارت المغرب ما بين الشفق والمغرب كالصبح ما بين الفجر والطلوع، إلا أنَّ المبادرة بها أفضل وتزيد على سائر الصلوات في ذلك بأن وقتها يدخل على ذكرى من الخلق وفراغ من أعمالهم فلا وجه لتأخيرها، وقد روي عن مالك أن وقتها عند غروب الشمس واحد (٣).
ولا ينبغي أن يلتفت إليه لأن الموطّأ رواه عنه خلق كثير وكتبه بيده وأقرأه عمره، لمن روى عنه هذا الذي فيه من أنّ المغرب لها وقتان، ولمن روى خلافه فلا يصح أن يترك هذا الخبر المتواتر لذلك الخبر الواحد المظنون.