٢٥٩٣ - (١١٢٢) (٤٣) وحدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ رُمْحِ بْنِ الْمُهَاجِرِ. أَخْبَرَنِي اللَّيثُ، عَنِ ابْنِ الْهَادِ، عَنْ سُهَيلِ بْنِ أَبِي صَالِحٍ، عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ أَبِي عَيَّاشٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁ قَال: قَال رَسُولُ اللهِ ﷺ: "مَا مِنْ عَبْدٍ يَصُومُ يَوْمًا فِي سَبيِلِ اللهِ
_________________
(١) (٧) باب فضل الصيام في سبيل الله وجواز صوم النفل بنية قبل الزوال وجواز الفطر منه وبيان حكم صوم من أكل أو شرب ناسيًا
(٢) (١١٢٢) (٤٣) (وحدثنا محمد بن رمح بن المهاجر) المصري (أخبرني الليث) بن سعد الفهمي المصري (عن) يزيد بن عبد الله (بن الهاد) الليثي المدني، ثقة، من (٥) (عن سهيل بن أبي صالح) السمان المدني، صدوق، من (٦) (عن النعمان بن أبي عياش) بتحتانية ومعجمة زيد بن الصامت بن زيد الأنصاري الزرقي أبي سلمة المدني، ثقة، من (٤) (عن أبي سعيد) سعد بن مالك الأنصاري (الخدري ﵁). وهذا السند من سداسياته رجاله أربعة منهم مدنيون واثنان مصريان، وفيه التحديث والإخبار والعنعنة (قال) أبو سعيد (قال رسول الله ﷺ ما من عبد يصوم يومًا في سبيل الله) يحتمل أن المراد به مجرد إخلاص النية أي في طاعة الله مخلصًا له، ويحتمل أن المراد به أنه صام حالة كونه غازيًا، والثاني هو المتبادر اهـ سندي على النسائي وابن ماجه، وفي فوائد أبي الطاهر الذهلي من حديث أبي هريرة ﵁ (ما من مرابط يرابط في سبيل الله فيصوم يوما في سبيل الله) الحديث، قال ابن دقيق العيد: العُرف الأكثر استعمال لفظ في سبيل الله في الجهاد فإن حمل عليه كانت الفضيلة لاجتماع العبادتين، قال: ويحتمل أن يراد بسبيل الله طاعته كيف كانت، والأقرب الأول كما يدل عليه حديث أبي هريرة ولا يعارض ذلك أن الفطر أفضل في الجهاد وأولى لأن الصائم يضعف عن اللقاء فإن الفضل المذكور في حديث الباب محمول على من لم يخش ضعفًا، ولا سيما من اعتاد به فصار ذلك من الأمور النسبية فمن لم يضعفه الصوم فالصوم في حقه أفضل ليجمع بين الفضيلتين اهـ فتح الملهم. والمعنى من صام يومًا الخ
[ ١٣ / ١٢٣ ]
إلا بَاعَدَ اللهُ، بِذلِكَ الْيَوْمِ، وَجْهَهُ عَنِ النارِ سَبْعِينَ خَرِيفًا"
_________________
(١) أي من جمع بين الصوم ومشقة الغزو أو معناه صام يومًا لوجه الله تعالى اهـ مرقاة (إلا باعد الله) أي أبعد الله (بـ) سبب صوم (ذلك اليوم وجهه) أي وجه الصائم أو ذاته (عن النار) الأخروية (سبعين خريفًا) أي عامًا أي إلا بعده عنها مسافة سبعين عامًا يعني أنه نحاه عنها وعافاه منها، قال ابن الملك: عبّر عن تنحيته بطريق التمثيل ليكون أبلغ لأن من كان بعيدًا عن عدوه بهذا المقدار لا يصل إليه البتة، وأراد بالخريف وهو الفصل الثالث من فصول السنة الأربعة المجموعة في قول بعضهم: ربيع صيف من الأزمان خريف شتاء فخذ بياني تمام السنة ذكرًا للجزء وارادة للكل اهـ منه. وأوّل النواوي وغيره المباعدة من النار على المعافاة منها دون أن يكون المراد البعد بهذه المسافة المذكورة في الحديث. [قلت]: لا مانع من الحقيقة على ما لا يخفى، ثم هذا يقتضي إبعاد النار عن وجه الصائم، وفي أكثر الطرق إبعاد الصائم نفسه، فإذا كان المراد من الوجه الذات كما في قوله تعالى ﴿كُلُّ شَيءٍ هَالِكٌ إلا وَجْهَهُ﴾ يكون معناهما واحدًا وإن كان المراد حقيقة الوجه يكون الإبعاد من الوجه فقط وليس فيه أن يبقى الجسد في النار لتناله إلا أن الوجه كان أبعد من النار من سائر جسده وذلك لأن الصيام يحصل منه الظمأ ومحله الفم لأن الري يحصل بالشرب في الفم كذا في عمدة القاري، وقوله (سبعين خريفًا) والخريف زمان معلوم من السنة، والمراد به هنا العام، وتخصيص الخريف بالذكر دون بقية الفصول الربيع والصيف والشتاء لأن الخريف أزكى الفصول لكونه يجنى فيه الثمار، قال القرطبي: ورد ذكر السبعين لإرادة التكثير كثيرًا اهـ، ويؤيده أن النسائي أخرج الحديث المذكور عن عقبة بن عامر، والطبراني عن عمرو بن عَبَسَة، وأبو يعلى عن معاذ بن أنس فقالوا جميعًا في رواياتهم (مائة عام) وفي بعض الروايات عند ابن عدي (خمسمائة عام) وفي حديث أبي أمامة عند الترمذي (جعل الله بينه وبين النار خندقًا كما بين السماء والأرض) وفي حديث سلامة بن قيصر عند الطبراني في الكبير بعد غراب طار وهو فرخ حتى مات هرمًا، وأصح الروايات فيها رواية سبعين خريفًا فإنها متفق عليها من حديث أبي سعيد، ويحتمل أن يكون ذلك بحسب اختلاف أحوال الصائمين في كمال الصوم ونقصانه والله تعالى أعلم.
[ ١٣ / ١٢٤ ]
٢٥٩٤ - (٠٠) (٠٠) وحدّثناه قُتَيبَةُ بْنُ سَعِيدٍ. حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ (يَعْنِي الدَّرَاوَرْدِيَّ) عَنْ سُهَيل، بِهذَا الإِسْنَادِ.
٢٥٩٥ - (٠٠) (٠٠) وحدّثني إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ بِشْرٍ الْعَبْدِيُّ. قَالا: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ. أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيجٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ وَسُهَيلِ بْنِ أَبِي صَالِحٍ؛ أَنَّهُمَا سَمِعَا النُعْمَانَ بْنَ أَبِي عَيَّاشٍ الزُّرَقِيَّ يُحَدِّثُ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁
_________________
(١) قال القرطبي: قوله (سبعين خريفًا) أي سنة وهو على جهة المبالغة في البعد عن النار، وكثيرًا ما تجيء السبعون عبارة عن التكثير كما قال تعالى: ﴿إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾ و(الخريف) فعيل بمعنى مفتعل أي مخترف وهو الزمان الذي تخترف فيه الثمار اهـ. وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث أحمد [٣/ ٨٣] والبخاري [٢٨٤٠] والترمذي [١٦٢٢] والنسائي [٤/ ١٧٣]. ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة في حديث أبي سعيد الخدري ﵁ فقال:
(٢) (٠٠) (٠٠) (وحدثناه قتيبة بن سعيد) البلخي (حدثنا عبد العزيز) بن محمد الجهني المدني (يعني الدراوردي عن سهيل) بن أبي صالح (بهذا الإسناد) يعني عن النعمان بن أبي عياش عن أبي سعيد، غرضه بيان متابعة عبد العزيز ليزيد بن الهاد في رواية هذا الحديث عن ليث بن سعد. ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة في حديث أبي سعيد الخدري ﵁ فقال:
(٣) (٠٠) (٠٠) (وحدثني إسحاق بن منصور) بن بهرام الكوسج التميمي النيسابوري ثقة، من (١١) (وعبد الرحمن بن بشر) بن الحكم بن حبيب بن مهران (العبدي) أبو محمد النيسابوري، ثقة، من (١٠) (قالا حدثنا عبد الرزاق) بن همام الصنعاني، ثقة، من (٩) (أخبرنا) عبد الملك (بن جريج) الأموي المكي، ثقة، من (٦) (عن يحيى بن سعيد) بن قيس الأنصاري المدني، ثقة، من (٥) (وسهيل بن أبي صالح) صدوق، من (٦) (أنهما سمعا النعمان بن أبي عياش الزرقي) المدني (يحدّث عن أبي سعيد الخدري ﵁) وهذا السند من سداسياته رجاله ثلاثة منهم مدنيون وواحد
[ ١٣ / ١٢٥ ]
قَال: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: "مَنْ صَامَ يَوْمًا فِي سَبِيلِ اللهِ، بَاعَدَ اللهُ وَجْهَهُ عَنِ النَّارِ سَبْعِينَ خَرِيفًا".
٢٥٩٦ - (١١٢٣) (٤٤) وحدّثنا أبُو كَامِلٍ فُضَيلُ بْنُ حُسَينٍ. حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ زِيَادٍ. حَدَّثَنَا طَلْحَةُ بْنُ يَحْيَى بْنِ عُبَيدِ اللهِ. حَدَّثَتْنِي عَائِشَةُ بنْتُ طَلْحَةَ، عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤمِنِينَ ﵂. قَالتْ: قَال لِي رَسُولُ اللهِ ﷺ، ذَاتَ يَوْمٍ: "يَا عَائِشَةُ! هَلْ عِنْدَكُمْ شَيءٌ؟ "
_________________
(١) مكي وواحد صنعاني وواحد نيسابوري، غرضه بيان متابعة ابن جريج ليزيد بن الهاد في رواية هذا الحديث عن سهيل (قال) أبو سعيد (سمعت رسول الله ﷺ يقول: من صام يومًا في سبيل الله) تعالى (باعد الله وجهه عن النار سبعين خريفًا) أي عامًا، من إطلاق الجزء وإرادة الكل. ثم استدل المؤلف رحمه الله تعالى على الجزء الثاني من الترجمة بحديث عائشة رضي الله تعالى عنها فقال:
(٢) (١١٢٣) (٤٤) (وحدثنا أبو كامل فضيل بن حسين) الجحدري البصري، ثقة، من (١٠) (حدثنا عبد الواحد بن زياد) العبدي البصري، ثقة، من (٨) (حدثنا طلحة بن يحيى) بن طلحة (بن عبيد الله) التيمي المدني، صدوق، من (٦) روى عنه في (٥) أبواب (حدثتني) عمتي (عائشة بنت طلحة) بن عبيد الله التيمية أم عمران المدنية، أمها أم كلثوم بنت أبي بكر الصديق، كانت فائقة الجمال، روت عن خالتها عائشة أم المؤمنين في الصوم والفضائل والقدر، ويروي عنها (ع) وابن أخيها طلحة بن يحيى بن طلحة وفضيل بن عمرو وابنها طلحة بن عبد الله بن عبد الرحمن وغيرهم، قال ابن معين: ثقة حجة، وقال العجلي: مدنية تابعية ثقة، وذكرها ابن حبان في الثقات، وقال في التقريب: ثقة، من الثالثة (عن عائشة أم المومنين ﵂) وهذا السند من خماسياته رجاله ثلاثة منهم مدنيون واثنان بصريان (قالت) عائشة (قال لي رسول الله ﷺ ذات يوم) أي يومًا من الأيام، فلفظ ذات مقحم أو الإضافة للبيان أي ذاتًا هو يوم (يا عائشة هل عندكم شيء) من طعام، وفي رواية صحيحة: هل عندكم من غداء -بفتح المعجمة والدال المهملة- وهو ما يؤكل قبل الزوال كذا في المرقاة
[ ١٣ / ١٢٦ ]
قَالتْ: فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ! مَا عِنْدَنَا شَيءٌ. قَال: "فَإِنًي صَائِمٌ" قَالتْ: فَخَرَجَ رَسُولُ اللهِ ﷺ. فَأُهْدِيَتْ لنَا هَدِيَّةٌ (أَوْ جَاءَنَا زَوْرٌ)
_________________
(١) (قالت) عائشة (فقلت: يا رسول الله ما عندنا شيء، قال: فإني صائم) وهذا يدل على جواز نية النفل في النهار وبه قال الأكثرون، وقال مالك وداود: يجب التبييت كما في الفرض لعموم قوله ﷺ: "لا صيام لمن لم يجمع الصيام من الليل" وتأول البعض حديث الباب على أن سؤاله: هل عندكم شيء، لكونه كان نوى الصوم من الليل ثم ضعف عنه وأراد الفطر لذلك، قال النواوي: وهو تأويل فاسد وتكلف بعيد، قال الخطابي: في الحديث نوعان من الفقه أحدهما جواز تأخير نية الصوم عن أول النهار إذا كان تطوعًا، والآخر جواز إفطار الصائم قبل الليل إذا كان متطوعًا به، ولم يذكر في الحديث إيجاب القضاء، وكان غير واحد من الصحابة يذهب إلى ذلك منهم ابن مسعود وحذيفة وأبو الدرداء وأبو أيوب الأنصاري ﵃ وبه قال الشافعي وأحمد بن حنبل، وكان ابن عمر لا يصوم تطوعًا حتى يجمع من الليل، وقال جابر بن زيد: لا يجزئه في التطوع حتى يبيت النية، وقال مالك بن أنس في صوم النافلة: لا أحب أن يصوم أحد إلا أن يكون قد نوى الصيام من الليل اهـ من العون (قالت) عائشة (فخرج رسول الله ﷺ) من عندنا (فأُهديت لنا) أي أُرسلت لنا من بعض الجيران (هدية أو) قالت (جاءنا زور) والشك من الراوي، والزور هو مصدر بمعنى الزائر كعدل بمعنى العادل أو جمعه كركب وراكب كما في النهاية، قال النواوي: معناه جاءنا زائرون ومعهم هدية أو أُهدي لنا بسببهم هدية اهـ. قال الشيخ أبو الحسن السندي: قوله (فخرج رسول الله ﷺ) ظاهره أنه عطف على (قال إني صائم) فيفيد أنه كان نوى الإفطار في ذلك اليوم، ومفاد الرواية الآتية أن الإفطار كان في يوم آخر، قال النواوي: وهاتان الروايتان حديث واحد، والثانية مفسرة للأولى ومبينة أن القصة في الرواية الأولى كانت في يومين لا في يوم واحد كذا قاله القاضي وغيره اهـ، ولم يبين وجه التوفيق ولعل وجهه أن يقال كلمة فاء العطف بمعنى ثم للدلالة على أن الواقعة الثانية كانت بعد الأولى أي ثم بعد أيام خرج يومًا آخر أو هي بمعناها للدلالة على أن الواقعة كانت بعد الواقعة الأولى بقليل؛ أي فبعد ذلك بقليل من الأيام خرج يومًا آخر، ويمكن أن يقال القصة كانت في يوم واحد، ومرادها بقولها ثم أتانا يومًا آخر أي وقتًا آخر حملًا لليوم على الوقت وهو شائع، ووحدة اليوم كانت سببًا لاهتمام عائشة بما
[ ١٣ / ١٢٧ ]
قَالتْ: فَلَمَّا رَجَعَ رَسُولُ اللهِ ﷺ قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ! أُهْدِيَتْ لَنَا هَدِيَّةٌ (أَوْ جَاءَنَا زَوْرٌ) وَقَدْ خَبَأْتُ لَكَ شَيئًا. قَال: "مَا هُوَ؟ " قُلْتُ: حَيسٌ. قَال: "هَاتِيهِ" فَجِئْتُ بِهِ فَأَكَلَ. ثُمَّ قَال: "قَدْ كُنْتُ أَصْبَحْتُ صَائِمًا". قَال طَلْحَةُ: فَحَدَّثْتُ مُجَاهِدًا بِهذَا الْحَدِيثِ فَقَال: ذَاكَ بِمَنْزِلَةِ الرَّجُلِ يُخْرِجُ الصَّدقَةَ مِنْ مَالِهِ. فَإِنْ شَاءَ أَمْضَاهَا وإنْ شَاءَ أَمْسَكَهَا
_________________
(١) فعلت حيث خبأت له شيئًا من الحيس والله أعلم اهـ فتح الملهم (قالت) عائشة (فلما رجع رسول الله ﷺ) إلى البيت (قلت) له (يا رسول الله أُهديت لنا هدية أو) قالت (جاءنا زور) بفتح الزاي الزوار، ويقع الزور على الواحد والجماعة القليلة والكثيرة قاله النواوي؛ أي جاءنا زائرون ومعهم هدية (وقد خبات) أي أبقيت (لك شيئًا) من تلك الهدية كان محفوظًا عندي لتتناوله، قال القاضي عياض: وفيه نظر المرأة في بيتها وفيما يهدى لها وقسمها على ما تراه من أهل البيت بنظرها (قال) رسول الله ﷺ (ما هو) أي ما الشيء الذي خبأته لي قالت عائشة (قلت) له ﷺ هو (حيس) -بفتح الحاء المهملة وسكون الياء- تمر مخلوط بسمن وأقط، وقيل طعام يتخذ من الزبد والتمر والأقط، وقد يبدل الأقط بالدقيق والزبد بالسمن، وقد يبدل السمن بالزيت، قال الشاعر: التمر والسمن جميعًا والأقط الحيس إلا أنه لم يختلط قال الهروي: هو ثريدة من أخلاط اهـ (قال) رسول الله ﷺ لي (هاتيه) أي هاتي ذلك الحيس وقربيه إليّ لأتناوله، يقال هات يا رجل أي أعط، وللمرأة هاتي، والمهاتاة مفاعلة منه كذا في الصحاح، قالت عائشة (فجئت به) أي بذلك الحيس إلى رسول الله ﷺ (فأكل) منه (ثم قال) رسول الله ﷺ (قد كنت أصبحت صائمًا) ولكن الآن أفطرت لحاجتي إلى الطعام ففيه جواز الفطر من صوم التطوع وهو قول الجمهور، ولم يجعلوا عليه قضاء إلا أنه يستحب له ذلك، وعن مالك الجواز وعدم القضاء بعذر والمنع وإثبات القضاء بغير عذر، وعن أبي حنيفة يلزمه القضاء مطلقًا ذكره الطحاوي وغيره كذا في الفتح (قال طلحة) بن يحيى (فحدثت مجاهدًا) ابن جبر (بهذا الحديث) الذي سمعته من عمتي عائشة بنت طلحة (فقال) مجاهد (ذاك) الصائم المتطوع (بمنزلة الرجل) الذي (يخرج الصدقة من ماله) ويفصلها عنه ولم يقبضها المحتاج (فإن شاء) ذلك الرجل (أمضاها وإن شاء أمسكها) أي إن شاء ذلك
[ ١٣ / ١٢٨ ]
٢٥٩٧ - (٠٠) (٠٠) وحدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيبَةَ. حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنْ طَلْحَةَ بْنِ يَحْيَى، عَنْ عَمَّتِهِ عَائِشَةَ بِنْتِ طَلْحَةَ، عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ. قَالتْ: دَخَلَ عَلَيَّ النَّبِيُّ ﷺ ذَاتَ يَوْمٍ فَقَال: "هَلْ عِنْدَكمْ شَيءٌ؟ " فَقُلْنَا: لَا. قَال: "فَإِنِّي إِذَنْ صَائِمٌ" ثُم أَتَانَا يَوْمًا آخَرَ فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللهِ، أُهْدِيَ لَنَا حَيسٌ. فَقَال: "أَرِينِيهِ
_________________
(١) المتصدق أمضى تلك الصدقة ونفذها بإقباضها الفقير وإن شاء أمسكها ولا يقبضها الفقير ويرجعها إلى ماله لأنها لم تخرج عن ملكه فله الإمضاء والإمساك وكذلك الصائم المتطوع أمير نفسه إن شاء أتم وإن شاء أفطر وهذا قول مجاهد في هذه الرواية، وروى عبد الرزاق عن ابن عباس أنه ضرب لذلك مثلًا كمن ذهب بمال ليتصدق به ثم رجع ولم يتصدق به أو تصدق ببعضه وأمسك بعضه، قال القرطبي: وهذا القياس ليس بصحيح فإن الذي يخرج الصدقة من ماله ولم يعطها للفقير ولم يعينها لم يدخل في عمل يجب إتمامه بخلاف الصائم فإنه قد دخل في عمل الصوم وقد تناوله نهي قوله تعالى ولا تبطلوا أعمالكم وإنما يدخل في عمل الصدقة بدفعها لمستحقها أو بتعيينها وحينئذ تجب للفقير، ويحرم على مخرجها الرجوع فيها وأخذها منه فأما قبل ذلك فغاية ما عنده نية الصدقة لا الدخول فيها فافترق الفرع من الأصل ففسد القياس اهـ من المفهم. وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث أحمد [٦/ ٢٥٧]، وأبو داود [٢٤٥٥]، والترمذي [٧٣٣]، والنسائي [٤/ ١٩٥]. ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة في حديث عائشة رضي الله تعالى عنها فقال:
(٢) (٠٠) (٠٠) (وحدثنا أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا وكيع عن طلحة بن يحيى عن عمته عائشه بنت طلحة عن عائشة أم المؤمنين) وهذا السند من خماسياته، غرضه بسوقه بيان متابعة وكيع لعبد الواحد بن زياد (قالت) عائشة (دخل عليّ) في حجرتي (النبي ﷺ ذات يوم فقال) لي (هل عندكم شيء) من الطعام (فقلنا لا) أي ليس عندنا شيء (قال) النبي ﷺ (فإني إذن) أي إذ ليس عندكم طعام (صائم) أي ناوٍ للصوم (ثم أتانا) رسول الله ﷺ (يومًا آخر فقلنا يا رسول الله أُهدي لنا حيس) فخبأنا لك شيئًا منه فهل نعطيكه (فقال أرينيه) أمر
[ ١٣ / ١٢٩ ]
فَلَقَدْ أَصْبَحْتُ صَائِمًا" فَأَكَلَ.
٢٥٩٨ - (١١٢٤) (٤٥) وحدّثني عَمْرُو بْنُ مُحَمَّدٍ النَّاقِدُ. حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ هِشَامِ الْقُرْدُوسِيِّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ، عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ ﵁. قَال: قَال رَسُولُ اللهِ ﷺ: "مَن نَسِيَ وَهُوَ صَائِمٌ، فَأَكَلَ أَوْ شَرِبَ، فَلْيُتِمَّ صَوْمَهُ
_________________
(١) للمؤنث من الإراءة، وفي رواية أدنيه وأرنيه كناية عنها لأن ما يكون قريبًا يكون مرئيًا ذكره الطيبي (فـ) والله (لقد أصبحت صائمًا) قال القاري: أي مريدًا للصوم في الصباح، وقال بعضهم: المراد بالصوم اللغوي ومعناه لم آكل بعد شيئًا، وقال ابن الملك: أي كنت نويت الصوم في أول النهار، قال القاري: وهو مخالف للمذهب فيحتاج إلى تأويل وتقدير عذر. وتقدم بيان الخلاف فيه (فأكل) الحيس وأفطر. وشارك المؤلف في هذه الرواية أحمد [٦/ ٤٩]، والترمذي [٧٣٤]، والنسائي [٤/ ١٩٤ - ١٩٥]. ثم استدل المؤلف رحمه الله تعالى على الجزء الأخير من الترجمة بحديث أبي هريرة ﵁ فقال:
(٢) (١١٢٤) (٤٥) (وحدثني عمرو بن محمد) بن بكير (الناقد) البغدادي (حدثنا إسماعيل بن إبراهيم) ابن علية الأسدي البصري (عن هشام) بن حسان الأزدي (القردوسي) البصري، وقد روى هذا الحديث البخاري في الصيام من طريق يزيد بن زريع عن هشام عن ابن سيرين، ولم ينسبه فظن الحافظ رحمه الله تعالى أنه هشام الدستوائي فقال: أي هشام بن أبي عبد الله أبو بكر البصري، والظاهر أنه وهم والله أعلم اهـ فتح الملهم (عن محمد بن سيرين) الأنصاري البصري (عن أبي هريرة ﵁) وهذا السند من خماسياته رجاله ثلاثة منهم بصريون وواحد مدني وواحد بغدادي (قال) أبو هريرة (قال رسول الله ﷺ: من نسي) صومه (وهو) أي والحال أنه (صائم) أي ناو للصوم في الليل في الفرض أو في أول النهار في النفل (فأكل أو شرب) وكذا الجماع على قوله (فليتم صومه) قال النواوي: فيه دلالة لمذهب الأكثرين أن الصائم إذا أكل أو شرب أو جامع ناسيًا لا يفطر، وممن قال بهذا الشافعي وأبو حنيفة وداود وآخرون، وقال ربيعة ومالك: يفسد صومه وعليه القضاء دون الكفارة، وقال
[ ١٣ / ١٣٠ ]
فَإنَّمَا أَطْعَمَهُ اللهُ وَسَقَاهُ"
_________________
(١) عطاء والأوزاعي والليث: يجب القضاء في الجماع دون الأكل، وقال أحمد: يجب في الجماع القضاء والكفارة ولا شيء في الأكل، وقال ابن دقيق العيد: ذهب مالك ومن وافقه إلى إيجاب القضاء على من أكل أو شرب ناسيًا وهو القياس فإن الصوم قد فات ركنه وهو من باب المأمورات والقاعدة أن النسيان لا يؤثر في المأمورات، قال القرطبي: وأيضًا إن الذي تعرض في الحديث سقوط المؤاخذة عمن أفطر ناسيًا، والأمر بمضيه على صومه وإتمامه فأما القضاء فلا بد له منه إذ المطلوب صيام يوم تام لا يقع فيه خرم ولم يأت به فهو باق عليه هذا عذر أصحابنا عن هذا الحديث الذي جاء بنص صحيح مسلم، وفي كتاب الدارقطني: لهذا الحديث مساق أنص من هذا عن أبي هريرة مرفوعًا قال (إذا أكل الصائم ناسيًا أو شرب ناسيًا فإنما هو رزق ساقه الله إليه ولا قضاء عليه) رواه الدارقطني [٢/ ١٧٨] قال الدارقطني في إسناده: إسناد صحيح وكلهم ثقات، وفي طريق آخر له (من أفطر في شهر رمضان ناسيًا فلا قضاء عليه ولا كفارة) وهو صحيح أيضًا، وهذه النصوص لا تقبل ذلك الاحتمال والشأن في صحتها فإن صحت وجب الأخذ بها وحُكم بسقوط القضاء اهـ من المفهم (فإنما أطعمه الله) تعالى (وسقاه) يعني أنه لما أفطر ناسيًا لم ينسب إليه من ذلك الفطر شيء وتمحضت نسبة الإطعام والسقي إلى الله تعالى إذ هو فعله ولذلك قال في بعض رواياته (فإنما هو رزق ساقه الله إليه) قال الحافظ رحمه الله تعالى: وفي الحديث لطف الله بعباده والتيسير عليهم ورفع المشقة والحرج عنهم، وقد روى أحمد لهذا الحديث سببًا فأخرج من طريق أم حكيم بن دينار عن مولاتها أم إسحاق أنها كانت عند النبي ﷺ فاتى بقصعة من ثريد فأكلت معه ثم تذكرت أنها كانت صائمة فقال لها ذو اليدين: الآن بعد ماشبعت! فقال لها النبي ﷺ: "أتمي صومك، فإنما هو رزق ساقه الله إليك" وفي هذا رد على من فرق بين قليل الأكل وكثيره، ومن المستظرفات ما رواه عبد الرزاق عن ابن جريج عن عمرو بن دينار: أن إنسانًا جاء إلى أبي هريرة فقال: أصبحت صائمًا فنسيت فطعمت؟ ! فقال أبو هريرة: لا بأس، قال: ثم دخلت على إنسان فنسيت فطعمت وشربت، قال: لا بأس الله أطعمك وسقاك، ثم قال: دخلت على إنسان آخر فنسيت فطعمت، فقال أبو هريرة: أنت إنسان لم تتعود الصيام اهـ. وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث البخاري [٦٦٦٩]، وأبو داود [٢٣٩٨]، والترمذي [٧٢١]، وابن ماجه [١٦٧٣].
[ ١٣ / ١٣١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) وجملة ما ذكره المؤلف في هذا الباب من الأحاديث ثلاثة الأول حديث أبي سعيد الخدري ذكره للاستدلال به على الجزء الأول من الترجمة وذكر فيه متابعتين، والثاني حديث عائشة ذكره للاستدلال به على الجزء الثاني من الترجمة وذكر فيه متابعة واحدة، والثالث حديث أبي هريرة ذكره للاستدلال به على الجزء الأخير من الترجمة والله تعالى أعلم. ***
[ ١٣ / ١٣٢ ]