(باب فضل من استبرأ لدينه)
٥٢ - حَدَّثَنَا أبُو نُعيْمٍ، حَدَّثَنَا زكرِيَّاءُ، عَنْ عَامِرٍ قَالَ: سَمِعْتُ النُّعْمَانَ بْنَ بَشِيرٍ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: "الحَلَالُ بيِّنٌ وَالحَرَامُ بيِّنٌ، وَبَيْنَهُمَا مُشَبَّهَاتٌ لَا يَعْلَمُهَا كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ، فَمَنِ اتَّقَى المُشَبَّهَاتِ اسْتَبْرَأَ لِدِينِهِ وَعِرْضِهِ، وَمَنْ وَقَعَ فِي الشُّبُهَاتِ كَرَاعي يَرْعَى
[ ١ / ٢٩٥ ]
حَوْلَ الحِمَى، يُوشِكُ أَنْ يُوَاقِعَهُ، أَلَا وَإنَّ لِكُلّ مَلِكٍ حِمًى، أَلَا إنَّ حِمَى اللهِ فِي أَرْضِهِ مَحَارِمُهُ، أَلَا وَإِنَّ فِي الجَسَدِ مُضْغَةً إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الجَسَدُ كُلُّهُ، وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الجَسَدُ كُلُّهُ، أَلَا وَهِيَ القَلْبُ".
(ع).
(زكريا) هو ابن أبي زائِدة.
(وعامر) هو الشَّعبي، والإسناد كلُّه كوفيون، فإنَّ النُّعمان وَليَها.
(سمعت) يُشعر بسماع النُّعمان من النبيِّ ﷺ، ففيه رَدٌّ على مَن قال: لم يَسمع.
والحديث أجمع العُلماء على عظيم مَوقعه، وأنَّه أحد الأحاديث التي عليها مَدار الإسلام، قيل: هو ثلُث الإسلام؛ لأنَّه يَدور عليه، وعلى: "الأَعمال بالنيَّة"، و"مِنْ حُسْنِ إِسلامِ المَرءِ"، وقد سبَق في حديث النيَّة: أنَّ أبا داود قال: يَدور على أربعةٍ، والرابع: "لا يُؤمِنُ أَحدُكم حتى يُحبَّ لأَخيهِ ما يُحبُّ لنَفْسِهِ"، وسبَب عَظيمِ مَوقع هذا الحديث أنَّه نبَّه فيه على صلاح المَطْعم والمَشْرَب والمَلبَس والمَنكَح وغيرها، وأنَّه يكون حلالًا، وأَرشدَ إلى الحلال، وأنَّه ينبغي أن يترك الشُّبُهات، وأَوضحه بضَرْب المثَل بالحِمَى.
(بين)؛ أي: ظاهرٌ واضحُ الأدلَّة.
(مشبهات)؛ أي: التي يَتجاذبها دليلان بحيث يَعسُر الترجيح.
قال (ن): الحلال البيِّن كالخُبْز، والفواكه، والكلام، والمشي،
[ ١ / ٢٩٦ ]
وغير ذلك، والحرام البيِّن كالخمر، والميتة، والدم، والزِّنا، والكذب، وغير ذلك، والمُشتَبِه ما ليس بواضحِ الحِلِّ والحُرمة لا يَعرفها كثيرٌ من الناس، بل يعرفُها العُلماء بنصٍّ، أو قياسٍ، أو استصحابٍ، أو غير ذلك، فإذا رُدِّد الشيء بين ذلك اجتَهد فيه المجتهدُ، وألحقَه بأَحدهما بالدليل الشَّرعي، وإذا كان الدليل غير خالٍ من احتمالٍ؛ فالوَرع تَرْكه، وما لم يَظهر للمُجتهد فيه شيءٌ فهو مُشتبهٌ، فهل يُؤخذ فيه بالحِلِّ، أو بالحُرمة، أو توقُّفٍ؟ ثلاثة مذاهب.
وضُبِطَ (مُشبِهات) بكسر المُوحَّدة، أي: مُتشبهات أنفُسها بالحَلال، وبالفتح، أي: شُبِّهت بالحلال، والوجهان أيضًا مُشبِهات بلا تشديدٍ اسم فاعل الاشتباه، أو مفعوله، أو مُشتبِهات بالكسر من الافتِعال.
(اتقى)؛ أي: احتَذَرَ، وأحذر.
(استبرأ) بالهمز، أي: حصَّل البَراءةَ لدِينه من الذَّمِّ الشَّرعي، وصانَ عِرْضَه عن كلام الناس.
(لعرضه) إشارةٌ لما يتعلَّق بالناس.
(ودينه) إشارةٌ إلى ما يتعلَّق بالله تعالى، أو الأول للمُروءة، والثاني للشَّرع.
(ومن وقع) يحتمل أن تكون (مَنْ) شرطيةً، وموصولةً، والخبر جواب الشرط.
(كراع)؛ أي: كانَ كراع، وفي نُسخةٍ: (فقَدْ وَقَعَ في الحَرَامِ
[ ١ / ٢٩٧ ]
كراع)، فيكون هو الخبر، أو جواب الشَّرط، ويحتمل أن: (يُوشك) هو الخبر، أو الجواب، وما قبلَه حالٌ.
(الحمى) بكسر الحاء، وفتح الميم، أي: الموضع الذي حماه الإمام لأمرٍ، ومنعَ الناسَ منه، فمَن دخله عاقبَه، ومن اجتَنبَه سَلِم، وحَمَيتُه دفعتُ عنه، فهو حِمَى، أي: محظورٌ.
(يوشك) من أفعال المقاربة، بكسر الشين، أي: يَقرُب، وفي لغةٍ رديئةٍ بالفتح، وهو صفةٌ، أو استئنافٌ، أو خبرٌ، أو جوابٌ كما سبق.
(أن يواقعه)؛ أي: الحَرامَ بكثْرة تَعاطيه للشُّبُهات، وإنْ لم يتعمَّد، فيأْثم بذلك إذا قصَّر، وقال (خ): لأنَّه يَعتاد التَّساهُل، فيَجسُر على شيءٍ، ثم على أغلَظ منه، حتى يقَع في الحرام المحقَّق كما قال بعض السلف: المعاصي بَريد الكُفر، أي: تَسوق إليه.
(ألا) بالتخفيف: حرف تنبيهٍ يُبتدأ بها، ويدلُّ على صِحَّة ما بعدها، وتكريرها دليلُ تفخيمِ شأْن مَدخولها وعِظَمه.
(محارمه)؛ أي: المعاصي التي حرَّمها الله كالقتل والسرقة.
واعلم أن في نُسخةٍ ذكر الواو في الأول والثالث دُون الثاني إشعارًا بأن بين الجُملتين المعطوفة إحداهما على الأُخرى مناسبةً؛ إذ هو بالحقيقة مُشبِّه للحرام بالحِمى المشتبِه بما حوله، وبينهما مشاركةٌ، وترك الواو في الثاني إشعارًا بكمال الانقطاع، وبالبَون البعيد بين حمى الملوك وحمى الله تعالى؛ إذ لا ملك حقيقةً إلا لله تعالى، أو
[ ١ / ٢٩٨ ]
إشعارًا بكمال الاتحاد، إذ لما كان لكلِّ ملِكٍ حِمى كان لله تعالى حِمى؛ لأنَّه ملك الملوك، وهو الملِك الحقيقيُّ، فذكره مع ذِكْر فائدةٍ زائدةٍ، وهي أنَّ حِمَى الله تعالى مَحارمه، وكذا بين الأُولى والثانية مُناسبة؛ لأن الأصل الاتقاء، والوُقوع ما كان بالقَلْب؛ لأنَّه عِماد الأمر ومِلاكه، والمناسبة بينهما بالضِّدِّية، أي: كما أنَّ حِفْظ الأصل بحفْظ الفَرع كذلك حفْظ الفرع بحفْظ الأصل، فلا بُدَّ من رعاية الأَصل والفَرع حتى تتمَّ البراءة الكاملة بتعاضدهما.
(مضغة)؛ أي: قِطْعة من اللَّحم؛ لأنَّها تُمضَغ في الفم لصِغَرها، فالمراد تصغير القَلْب بالنسبة إلى باقي الجسد مع أنَّ صلاحه وفساده به.
(صلحت) بفتح اللام على الأفصح، وقد تُضمُّ، وإنما عبَّر بـ (إذا) وهي للتَّحقق دون (إِنْ) التي للشكِّ؛ لأنَّها قد تَحلُّ محلَّها.
(القَلْب) سُمي بذلك لتقلُّبه، أو لأنَّه خالص البدَن، وخالص كلِّ شيءٍ قَلْبه، وهو سُلطان البدَن، وفي الطِّبِّ أنَّه أوَّل نُقطةٍ تكون في النُّطفة، وبه تظهَر القُوى، وتنْبعث الأَرواح، ويَنشأُ الإدراك، ويَبتدئ التعقُّل.
قيل: في الحديث حجةٌ على أنَّ العقل في القَلْب، ولهذا قال تعالى: ﴿لهم قلوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا﴾ [الحج: ٤٦]، وهو قول أصحابنا، وجمهور المتكلمين.
وقال (ن): لا دلالة في ذلك.
[ ١ / ٢٩٩ ]
وقال أبو حنيفة: العقل في الدِّماغ، وحُكي الأول أيضًا عن الفَلاسفة، والثاني عن الأطبَّاء احتجاجًا بأنَّه إذا فسَد الدماغ فسَد العقل، ورُدَّ بأنَّ الدِّماغ آلةٌ عندهم، وأنَّ فَساد الآلة يقتضي فسادَه، وعلى قاعدتنا أنَّ الله تعالى أَجرى العادةَ بذلك.
قال (ط): هذا الحديث أصلٌ لحماية الذَّرائع.
وقال (ن): فيه دلالةٌ على أنَّ مَن حلَف: لا يأْكُلُ لحمًا فأَكلَ قَلْبًا حَنِثَ، ومَن منعَ قال: في العُرف لا يُسمَّى لحمًا.
* فائدة: قال الغَزالي: السَّلاطين في زماننا ظلَمةٌ، قلَّما يأْخذون شيئًا على وجْهه بحقِّه، فلا تحلُّ مُعاملتهم، ولا من يتعلَّق بهم حتى القُضاة، ولا التجَّار في الأَسواق التي يعمرها بغير حقٍّ، واستِبراء الدِّين والورع اجتِناب الرُّبُط والمَدارس والقَناطر التي أَنشؤوها بالأموال التي لا يُعلم مالكُها، عافانا الله منها.
* * *