وفي هذه الفترة الحرِجَة من تاريخِ الأندلسِ، كان الوَضعُ يتهيّأ في المغرب لظهور قُوَّةٍ إسلاميّة ضاربةٍ، ستقلبُ موازين القوى في التّعامل الدّوليّ بين المسلمين وغير المسلمين في الغرب الإِسلامي لصالح القوى الإِسلامية، وهذه هي دولة المرابطِين (المُلَثمين) والّتي ظَهَرت أوّل ما ظهرت في الصّحراء الكبرى، وتوسَّعَت أوّلًا جنوبًا في بعض المناطق الإفريقية مثل غَانَا، ثمّ بدأت تتّجه شمالًا حتّى ظهروا في المغرب عام ٤٥٢هـ في الفترة نفسها الّتي ظهر فيها السَّلاجِقَة في المشرق، وتوّسعوا وإمتدُّوا على طُول ساحليّ البحر الأبيض المتوسَّط والمحيط الأطلنطي. وفي ذات الوقت الّذي كان المرابطون يتوسّعون فيه من قلب إفريقيا شمالًا صوب السّاحل، كان ألفونسو السّادس يتوسّعُ جَنوبًا صَوْبَ السّاحل أيضًا، ولكن على ضفَّتِه الأخرى، وهكذا بَدَا وكأنَّ المغرب يستعدُّ لتواجه الخصمين وجهًا لوَجْهٍ. وفي الوقت الّذي سقطت فيه طُلَيْطِلَة [toledo] لألفونسو عام ٤٧٨هـ كان يوسف بن تاشفين أمير
_________________
(١) الحياة العلمية في عصر ملوك الطَّوائف للبشري: ١٠٧.
(٢) وقد تأثر صاحبنا ابن العربيّ برحلة شيخه الباجي، فعزم على الرحلة كما صرَّحَ بذلك في قانون التأويل: ٧٦.
[ ١ / ٤٦ ]
المرابطين يستكمل توسُّعَه في الجزائر ويضمّها عام ٤٧٤ هـ وهكذا جذبت تلك القُوَّة المسلمة الصّاعدة في الغرب أنظارَ ملوك الطَّوائف في إسبانيا، فأرسلوا يستنجدون بها ويسنصرونها على نصارى الشّمال. ولا كانت دولة المرابطين نشأت في "رباط" دينيّ، وكان توجّهها توجُّهًا إيمانيًّا نَقِيًّا، كان الجهادُ سياسة أساسية لها، ونُصرة المسلمين رُكنًا من أركانها، فكانت استجابتهُم لطَلَب الذَّهاب إلى الأندلس؛ لأن "مجاهدة الإفرنج فريضة"، ولأنّ واجب السلم إغاثة أخيه السلم، فكان عُبور المرابطين للأندلس رغم توجُّس بعض ملوك الطَّوائف هناك من قوَّتهم، بل وتفضيلهم مداراة ألفونسو والاستعانة به للحيلولة دون تمكين المرابطن.
ولقد كانت أوّل خطوة للمرابطين على أرض الأندلس نصرًا حاسمًا، عندما استطاعوا أن يهزموا قوات المعسكر الصّليي الحاقد في يوم الزّلّاقة العظيم عام ٤٧٩ هـ/ ١٠٨٦ م، ولقد ساهم هذا النّصر في استرداد المسلمين في الأندلس ثقتهم بأنفسهم، حيث استعادوا ذكريات الحاجب المنصور بن أبي عامر، كما أن الفتح أورثَ هيبة المرابطين في نفوس الممالك النصرانية، ثمّ الأهمّ من ذلك أنّ يوسف بن تاشفين كلّف والد قاضينا ابن العربيّ بنقل رسالة إلى الخليفة العباسيّ يطلبُ فيها الشّرعية لإمارته، فحصل عليها بفَتْوَى من الإِمامين الغزالي والطرطوشي (١). وكان هذا أوّل اتّصال بين الأندلس
_________________
(١) انظر كتاب الأستاذة عصمت دندش: دور المرابطين في نشر الإسلام في غريب افريقيا مع نشر وتحقيق رسائل أبي بكر بن العربي: ١٧٦ - ٢١٧ (دار الغرب الإِسلامي، بيروت، ١٤٠٨ هـ).
[ ١ / ٤٧ ]
والخلافة العباسيّة منذ قيام الدّولة الأمويّة في الأندلس قبل أكثر من ثلاثة قرون.
لقد كانت حركة المرابطين حركة رشيدة في الحكم، سديدة في السياسة، منقذة للإسلام من الخطر الّذي داهمه في الأندلس، فالمرابطون هم الّذين وحَّدُوا المغرب الإِسلاميّ لأوّل مرّة سياسيًّا ودينيًّا، وقَضَوا على التمزُّق السياسيّ والمذهبيّ، وهم الّذين أوقفوا التقدم النّصرانيّ في عدّة معارك حاسمةكالزّلّاقة -الّتي أشرنا إليها سابقًا- وأُقْليش [ucles] عام ٥٠١هـ/ ١١٠٨م، وإفْراغَه [fraga] عام ٥٢٨ هـ/١١٤٣م، فكانت هذه الانتصارات سببًا في ثبات جبهة الأندلس بعد أن أوشكت على الانهيار في عصر الطَّوائف، فبَقِيَ الإسلام والمسلمون بعهدها ما يقرب من أربعة قرون (١).
وفي أثناء هذا الصّراع الطّويل مع النصارى في الأندلس، تُوفِّيَ يوسف بن تاشفين سنة:٥٠٠هـ/١١٠٧م بعد حُكمٍ دام سبعًا وثلاثين سنة:، حافلة بالعمل والجهاد، وخَلَفَه ابنه عليّ، فسار بأمور الدّولة سيرًا حثيثًا إلى الأمام، وسجّل اسمه بين عظماء تاريخ المغرب الإِسلامي.
وبينما كان عليّ بن يوسف يواصل جهاده وجهوده في المغرب والأندلس، بدأ محمد بن تُومَرت المعروف بمهدي الموحدِّين دعايته ضد المرابطين، واجتهد في تشويه سُمعتهم واتِّهامهم بالتَّجسيم والمروق من الدِّين، وما كان ذلك في
_________________
(١) أضواء جديدة على المرابطين، للأستاذة عصمت دندش: ٣٣ - ٣٤ (دار الغرب الإسلامي، بيروت، ١٩٩١).
[ ١ / ٤٨ ]
نظرنا إلّا عصبية مصموديّة، حملت ابن تُومَرْت على السَّعْي لانتزاع السُّلطان من صنهاجة الصّحراء. كما أن القول بالتّوحيد والمهديّة وعَصْمَة الإمام ما هي إلّا دعوات سياسيّة استخدَمها ابن تُومَرْت في تحقيق غاياته، وقد اجتهد أيّما اجتهاد في توجيه الاتّهامات إلى المرابطين دون حقّ، وجاء مؤرِّخُو الموحَّدين فحملوا على المرابطين حملة ظالمة، استغلّها في عصرنا كبار المستشرقين، أمثال الهولندي راينهارت دوزي [R.DozY] وغيره ممن يحملون بين جنباتهم قلبًا مفعمًا بكُرْهِ الإسلام وأهله، ومن أسَفٍ فإنّنا نرى بعض المؤرِّخين من بني جلدتنا يردِّدون كلام دُوزِي من غير بحثٍ ولا تمحيص.
وفي هذا الموضوع تقول الأستاذة عصمت دندش في مقالها الماتع: "كلّمة حقّ في المرابطين" (١): "لقد وُصِمَ المرابطون بالقسوة، وأنّهم أجلاف بَدْوٌ، غزوا الأندلس طمعًا في خيراتها، فحكموها بالحديد والنار، ولكن من خلال المصادر يتبّين أنّ الحكم المرابطي كان نموذجًا متقدّمًا للحُكم الدِّيمقراطي -إذا جاز لنا أن نستعمل هذا اللفظ- الّذي تفتقِرُه الكثير من الدُّول المعاصرة في وقتنا. وكان للمرابطين الفضل في المزج بين ثقافة وحضارة الأندلس مع ثقافة المغرب والسّودان، وأياديهم البيضاء وجهادهم في نشر الإسلام والثّقافة العربية جنوب الصحراء، لا ينكره إلّا جاحد لا يقرّ الحقيقة. وبرغم النّقد الشديد الّذي وُجِّه لأمراء المرابطين بسبب ما أتاحوه للفقهاء من سُلْطَةٍ وسُلطانِ، فلم يكن للفقهاء في دولة المرابطين من السُّلطان أكثر مما كان لهم في
_________________
(١) صفحة: ٣٣ - ٣٥، وقد نشر هذا المقال ضمن الكتاب السابق ذكره.
[ ١ / ٤٩ ]
غيرها من الدُّول، ويرجع للغالبية من هؤلاء الفقهاء الفضل في نشر العلوم الدينية في مجتمع لم يكن يجيد العربية".