قوله (٢): وَلَقَدْ حَدَّثَتْنِي عَائِشَةُ زَوْجُ النَّبِيِّ - ﷺ - أَنَّ رَسُولَ اللهِ كَانَ يُصَلِّي الْعَصْرَ وَالشَّمْسُ في حُجْرَتِهَا قَبْلَ أَنْ تَظْهَرَ.
قال الإمام: إنّما أدخل مالك - ﵁ - هذا الحديث وقَصَدَ به تبيين تعجيل صلاة العصر، وذلك (٣) إنَّما يكونُ مع قِصَرِ الحيطانِ، وإنما أراد عُرْوَةُ بذلك ليُعْلِمَ عمرَ ابنَ عبدِ العزيزِ، عن عائشة. أنّ النّبيَّ - ﷺ - كان يُصَلِّي العصرَ قبل الوقت الّذي أخَّرها عمرُ إليه، وفيه للعلماء ثلاثة ألفاظ:
اللّفظ الأول: قولُه: "قَبْلَ أنّ تَظهَر".
قيل معناه: قبل أنّ يظهرَ الظِّلُ على الجِدِار، يريدُ: قبل أنّ يرتفعَ ظلُّ حُجرتها على جِدَارها (٢)، وكلُّ شيءٍ علا شيئًا فقد ظهر، قال الله تعالى: ﴿فَمَا اسْطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ﴾ الآية (٤)، أي يعلوه.
_________________
(١) قال المؤلِّف في العارضة: ١/ ٢٥٩ "وقد روِّينا في حديث مالك. ﵁. من قول جبريل - ﷺ -:. "بهذا أمرتَ، برفع التاء ونصبها" وهي رواية ابن وضّاح، كما نصَّ على ذلك الباجي في المنتقى: ١/ ٥، وانظر مكلات الموطأ: ٣٥، وتعليق أبي الوليد الوقّشي على الموطأ: الورقة ١/ ٦.
(٢) أي قول عُروة في حديث الموطأ (٢) رواية يحيى، وهو حديث موصول بالحديث الّذي قبله، ورواه عن مالك: محمَّد بن الحسن (٣)، وابن القاسم (٤٥)، والقعنبي (٥)، وسويد (١)، والزهري (٢).
(٣) من هنا إلى آخر الكلام على هذا الحديث مقتبس من الاستذكار: ١/ ٤٦ - ٤٧ (ط. القاهرة)، وانظر التمهيد: ٨/ ٩٧.
(٤) الكهف: ٩٧.
[ ١ / ٣٦٨ ]
وقال (١) الهَرَوِيّ (٢) في قوله: "لم تظهر" أي: لم تعل السَّطح (٣). ومنه قوله تعالى: ﴿وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ﴾ (٤) ومنه الحديث الآخر: "لا تزالُ طائفةٌ من من أمَّتي ظاهرينَ على الحَقِّ" (٥). أي: عالين عليه.
وقال الجعدي (٦) في ذلك:
بَلَغْنَا السَّمَاءَ مَجْدَنَا وَجُدُودَنَا وَإِنَّا لَنَرْجُوا فَوْقَ ذَلِكَ مَظْهَرَا
الثاني: قيل معناه: حتى يخرج الظِّلَّ من قاعة الحُجْرةِ، وكلُّ شيءٍ خرجَ أيضًا فقد ظَهَرَ.
*والحجرةُ: الدّارُ إذا كانت ضيِّقَة امتنع ارتفاعُ الشّمس منها، ولم يكن موجودًا فيها إلَّا والشمس مرتفعة في الأُفُقِ جدًّا* (٧).
فالحجرةُ: الدّارُ، وكلُّ ما أُحِيطَ به حائطٌ فهو حُجْرةٌ، وفيه دليلٌ على قِصَرِ بُنْيَانِهِم.
رَوَى الحسن بن أبي الحسن البصري - ﵁ - أنّه قال: كنتُ أدخلُ بيوتَ رسولِ الله - ﷺ - وأنا مُحْتَلِمٌ، فأنالُ سُقُفَها بيدِي، وذلك في خلافة عثمانَ (٨).
_________________
(١) هذه الفقرة من زيادات المؤلِّف على نصِّ ابن عبد البرّ، وقد اقتبسها من المعلم للمازري: ١/ ٢٨٥.
(٢) في الغريبين: ٤/ ٥٦ بنحوه.
(٣) في الغريبين: (أي ما قدروا أنّ يعلوا عليه لارتفاعه".
(٤) الزّخرف: ٣٣.
(٥) أخرجه مسلم (١٩٢٠) من حديث ثوبان.
(٦) هو النّابغة قيس بن عبد الله الجعدي، والبيت في ديوانه: ٣١ من قصيدة مَطْلَعُها: خَلِيلَيَّ غُضَّا ساعةً وتَهَجَّرَا ولُومَا على ما أَحدثَ الدَّهر أو ذرَا
(٧) ما بين النجمتين من زيادات المؤلِّف على نصِّ ابن عبد البرّ.
(٨) رواه ابن سعد في الطبقات الكبرى: ١/ ٥٠٠، وأبو داود في المراسيل: ٣٤١، والبيهقي في الشعب (١٠٧٣٤)، وذكره ابن عبد البر في التمهد: ٨/ ٩٨، والذهبي في السير: ٤/ ٥٦٩.
[ ١ / ٣٦٩ ]
قال الأوزاعيُّ: كان عمر بن عبد العزيز يصلِّي الظُّهرَ في السَّاعةِ الثامنةِ، والعصرَ في السَّاعةِ العاشرةِ (١) حينَ يدخُل (٢).
وفي هذا الحديث فوائد:
الفائدة الأولى (٣):
فيه دليلٌ على قَبُولِ خَبَرِ الواحدِ، لأنّ عمرَ قَبِلَ خبرَ عُرْوَة وحدَهُ فيما جَهِل من أَمْرِ دِينِهِ. لأنّ عمر كان لم يَصِلْه الحديث فأنكره عليه.
وأمّا قولنا: "إنَّه دليلٌ على قَبُولِ خَبَرِ الواحدِ" إنّما هو على الشّبهة، فإن قَبُولَ خَبَرٍ الواحدِ مستفيضٌ عند النّاس، مُسْتَعْمَلٌ لا على سبيل الْحُجَّةِ؛ لأنّا لا نقولُ: إنَّ خبرٍ الواحدِ حُجَّة في قَبُولِ خَبَرِ الواحدِ على من أنكرَهُ.
الفائدة الثانية (٤) في هذا الحديث:
هو ما كان عليه السَّلَف والعلماء من صُحْبَةِ الأُمُراءِ، وكان عمر بن عبد العزيز يَصْحَبُ جماعةً من العلماءِ، منهم: رَجَاء بن حيوةَ، وابن شهاب، وعُروَة، وعُبَيْد الله بن عبد الله، وَأَخْلِق بالأمير إذا صحب العلماء أنّ يكون عَدْلًا فاضلًا (٥).
ورَوَى حمّادُ بنُ زَيدِ عن محمّدِ بن الزُّبير؛ أنه قال؛ دخلتُ على عُمَرَ بنِ عبدِ العزيزِ فسألني عن الحَسَنِ كما يسألُ الرَّجُلُ عن وَلَدِه، وقال: وكيف طُعْمَتُه؟ وهل رأيتَهُ
_________________
(١) بالتوقيت العربي.
(٢) أي حين يدخل وقت العصر، والقول ذكره ابن عبد البرّ في التمهيد: ٨/ ٩٦ وقال: "حدثني بذلك عاصم بن رجاء بن حيوة عن أبيه عنه، قال أبو عمر: هذه حَالُةُ إذ صار خليفةً، وحَسْبُكَ به اجتهادًا في خلافته"، كما ذكره ابن حجر في الفتح: ٢/ ٤.
(٣) هذه الفاندة مقبسة بتصرّف من الاستذكار: ١/ ٤٨ (ط. القاهرة)، وانظر التمهيد: ٨/ ٦٨.
(٤) هذه الفائدة مقتبسة من المصدر السابق.
(٥) انظر التهيد: ٨/ ٦٨.
[ ١ / ٣٧٠ ]
يدخلُ على عَدِيِّ بن أَرْطَأَة؟ وأين مجلِسُهُ منه؟ وهل رأيتَهُ يَطْعَمُ عند عَدِيِّ؟ فقلتُ له: نعم (١).
وكانوا يقولون: خيرُ الأمراء من صحِبَ العلماء، وشرُّ الأمراء من بَغَضَ العلماء، وشرُّ العلماء من صَحِبَ الأمراء إلَّا من قال الحقّ، وأمر بالمعروف، وأعان الضّعيف.