لا يتردد المطلع الباحث أن هذا الغضب الذي قابل به أهل القيروان المعز ابن بديس لما حل بين أظهرهم، وهو صغير السن، من الأسباب الأولى التي جعلت المعز الصنهاجي يتفكر في التخلص من الفاطميين أولًا من التبعية وهو
_________________
(١) معالم الإيمان: ج٤ ص ١٩٢.
[ ١ / ٢٣ ]
شيء وقَرَ في نفوس صنهاجة منذ القدم. وشيء كان يجول في خاطر المعز الفاطمي ولهذا أخر رحيله إلى القاهرة المعزية التي أسسها باسمه جوهر القائد فإنه قد وقع فتح مصر (٣١) إذ سلمت الإِسكندرية سنة (٣٥٨) ولم يرحل إليها. وقد بنى القاهرة والجامع الأزهر جوهر القائد في سنة (٣٥٩). وكذلك بنى القصرين استعدادا لتلقيه، وهو مع ذلك لا يزال مقيما بإفريقية ولم يبارح المنصورية إلا في سنة (٣٦١).
ولم يقم ثلاث سنين وثلاثة أشهر بإفريقية بعد فتح مصر إلا لأمر هام، وهو ما لم يتفطن له أكثرية المؤرخين، ورأى بعضهم من الكتّاب المتأخرين أنه إنما قدم إلى مصر بسبب ثورة القرامطة.
هذا ما رآه هذا الكاتب، وما رآه بعيد جدًا عن التحقيق لأنه يستفاد منه أن المعز لم تكن له نية الانتقال إلى القاهرة، فيقال: لماذا أسسها جوهر القائد، ثم إنَّ القرامطة ما كانوا بدرجة مخوفة حتى يذهب إليهم المعز الفاطمي بنفسه، ثم إنه لما انتقل إلى الشرق لم يخرج إليهم بنفسه، وإنما قاتلهم قرب القاهرة، وكفاه هزيمتهم أنه استمالهم بالمال.
فالسبب غير الخوف من القرامطة فإن المعز لا يعجزه أمرهم، ولهذا بقيتُ باحثا عن السبب المؤثر لهذا التأخير حتى ظفرت به في الكامل لابن الأثير حين ذكر نجر يوسف بلكين بن زيري بن مناد، فبعد أن تحدث على جده مناد الذي كان كبيرا في قومه، وكذلك ابنه زيري فإنه أبلى النبلاء الحسن مما جعل القائم الفاطمي وابنه المنصور يعتمدان عليه، ومن أكبر ما أسداه زيري للدولة الفاطمية أنه أسس مدينة أشير، فإنه جعل صنهاجة قومه بين زناتة المفسدة في البلاد، وبين البلاد الآمنة. ولذلك كف شغب زناتة على الدولة الفاطمية، تحدث على بلكّين بن زيري وكيف كان المعز الفاطمي غير واثق به ومطمئن إليه غاية الاطمئنان.
_________________
(١) المغرب ج١ ص ٢٢٨.
[ ١ / ٢٤ ]
وهذا ما أبداه ابن الأثير في الذي وقر في نفوس صنهاجة منذ التحامهم بالفاطميين فذكر: "أن بلكَّين بن زيري قصد محمد بن حسين الزناتي، وقد خرج عن طاعة المعز، وكثر جمعه وعظم شأنه فظفر به يوسف بلكين، وأكثر القتل في أصحابه، فسر المعز بذلك سرورا عظيما لأنه كان يريد أن يستخلف يوسف بلكين على الغرب لقوته وكثره أتباعه، وكان يخاف أن يتغلب على البلاد بعد مسيره عنها إلى مصر فلما استحكمت الوحشة بينه وبين زناتة أمن تغلبه على البلاد" (٣٢).
وكرر ابن الأثير هذا بعد ذلك: "ثم إن يوسف بلكين جمع فأكثر وقصد زناتة وأكثر القتل فيهم وسبى نساءهم وغنم أولادهم، وأمر أن تجعل القدور على رؤوس قتلاهم، ويطبخ فيها، ولما سمع المعز بذلك سره أيضًا وزاد في إقطاع بلكين المسيلة وأعمالها" (٣٣).
فالانتفاضة بعثت في نفس المعز الصنهاجي ما دار في خلد أجداده منذ القدم وهو الأنفة من التبعية للفاطميين وكأنهم يرونهم غير أهل للخلافة لقيام الدولة العباسية التي تمثلت فيها الخلافة منذ انقراض الدولة الأموية.
وكما جعل غضب الأفارقة المعز الضنهاجي يفكر في التخلص من التبعية أولًا جعله كذلك ثانيًا يرمي إلى محو دعوتهم من الديار الإِفريقية. لأنه رأى أن الفاطميين منذ تأسست دولتهم وهم في صراع مع علماء إفريقية وعامة رجالها، فقد تذرعوا بكل الوسائل حتى تتمكن دعوتهم من النفوس فتنوعوا في وسائلهم بين ترغيب وترهيب، وإقناع، فقامت المناظرات بين رجالهم الداعين لمذهبهم، وبين علماء السنة، فما أجدى شيء من ذلك.
ويدل على قلة الداخلين في دعوتهم أن الانتفاضات النابعة في المدن
_________________
(١) الكامل لابن الأثير عز الدين الجزري ج٧ ص٤٧.
(٢) المصدر نفسه ج٧ ص٤٧.
[ ١ / ٢٥ ]
الإفريقية لم تجد عددا وافرا من المتمذهبين بالمذهب المذكور بل وجدت أقلية ضئيلة لا يعبأ بها ولا يحسب لها حساب فبمجرد ما نبذهم القوم، وقاموا في وجوههم تحصنوا فكانوا في متناول الأيد لقتلهم.
وتحدثنا المصادر الصحيحة أن الدرب الذي لهم بالقيروان كان معروفا بأن أهله يتسترون بمذهب الشيعة من شرار الأمة، فانصرفت العامة إليهم من فورهم فقتلوا منهم خلقا رجالًا ونساءً، وانبسطت أيدي العامة على الشيعة وانتهبت دورهم وأموالهم.
وكان الأمر كذلك بالمهدية حين انتهى إليهم ما حدث بالقيروان حتى أن من لجأ إلى الجامع بالمهدية لم يسلم، فقتل من اجتمعوا به عن آخرهم.
وكان عددهم بالمنصورية لما رجعت إليهم العامة ألفا وخمسمائة حوصروا حتى قتل أكثرهم (٣٤).
يتضح مما ذكرته المصادر المعتمدة التي نقل عنها المراكشي في "المغرب" فهو خلاصتها: أن المتمذهبين ليسوا بكثرة إذ لو كانوا كذلك لقامت حرب داخلية إذ بمجرد ما امتدت إليهم أيدي العامة انقرضوا عن آخرهم أو كانوا كالمنقرضين.
فكون الأمة لم تكن في صف المذهب الفاطمي أدى بالمعز الصنهاجي أن يعلنها قطيعة صريحة مع الفواطم بمصر، وكان إعلانه لذلك سنة (٤٤٠) وإن كان قبل ذلك يتودّد إلى العامة بالظهور بمذهب أهل السنة، فقد كان يلعن الرافضة، وكبا به فرسه ذات مرة فنادى مستغيثا باسم أبي بكر وعمر مما أدى إلى زيادة ثورة العامة على الشيعة (٣٥).
_________________
(١) المغرب للمراكشي ج١ ص ٢٦٨.
(٢) كتاب العبر لابن خلدون ج٦ ص ٣٢٥.
[ ١ / ٢٦ ]
والبحث يؤكد لنا أن المعز الصنهاجي لم يكن تظاهره بالسنة سببا لانتفاضة القيروان. ويؤيد هذا:
أولًا: ما في المغرب لأنه لا يمكن أن يكون سنة (٤٠٧)، وهو ابن سبع سنين يتعلق بمذهب أهل السنة ويستغيث بأبي بكر وعمر، وإنما الحامل له على تعلقه بالسنة، وإعلانه الانتماء إلى الدولة العباسية هو أنه رأى أن ملكه لا يقوم إلا إذا عدل عن مذهب الفواطم، وأخذ بالسنة مذهب مالك، وقد افتتح ملكه على ظهور تمكن السنة ولا يمكن أن يكون حبه للسنة وإعلانه رفض الدعوة الفاطمية يرجع إلى خصوص تأثير أبى الحسن بن أبي الرجال كما ذكر.
ثانيًا: ما تظافر عليه من الأسباب، وأقواها كما أراه هو أن إفريقية لم تلتفت إلى مذهب الفاطميين وتمسكت بمذهب مالك الذي عمل رجاله بإخلاص وصدق على تمتينه والأمة على رأيهم، فبذلك انقرض هذا المذهب الانقراض الرسمي وإلا فهو في نفس الأمر والواقع قد انقرض منذ زمان بعيد، بل إنه له يتمكن من هذه الديار، ولم يحلّ في العقول، وإنما كان مذهب الخاصة من أصحاب الأطماع الذين اندمجوا فيه استدرارا لما يجدونه من منافع خاصة (٣٦).
وهذا ما جعل المازري يكون من أشد الناس تمسكا بالسنة، ومن زمرة الأشعرية المتمسكين بأشعريتهم وكذلك بالمالكية.