الحمد لله الذي شرع لنا من الدين ما به صلاح العالمين، ويسرّ لنا سُبُل المعرفة، بما بيّنه مما هو لا يحتاج إلى صفة. والصلاة والسلام على المبعوث رحمة: فإنه قد فرّج الله به كل أزمة، وعلى آله المكن لهم المودة، وأصحابه الأبرار الذين فرّج الله بهم كل شدة.
هذا وإن إظهار "المعلم" ستكون له آثار في التشريع الفقهي لما له من نظرات تسمو به لأنه انبنى على إبداء أفكار اجتهادية صحيحة مبنية على الروح الإِسلامية المتماشية مع السهولة والآخذة بعين الاعتبار لكل ما يحفظ للإِنسان أن يكون في إطار من أحكم الإِطارات وفيه يتمتع المجتمع بنظام يكفل كل وسائل الإِصلاح.
فـ"المعلم" في الحقيقة من هذه الناحية بهر الأنظار، واستوعب كثيرا من الأفكار، حتى أن ما كان له من إكمالات مثل إكمال القاضي عياض هي من نواح تتعلق بجوانب أخرى هي ثانوية عند الإِمام.
أما الناحية الاجتهادية في التشريع المبنية على الاستخراج من الكنز الثمين
[ ١ / ٥ ]
السنة النبوية التي هي المصدر المَعين الثريّ في الاستنتاج من بيان الأسوة الأولى الرسول الكريم - ﷺ - فقد صرف لها الإِمام المازري عناية بالغة لم تفتقر إلى تكميل أساسي بل إلى ما هو من الإِفاضة من نبعه ذاته.
نال الحديث النبوي من الأصحاب الكرام اهتماما وتتبعا للدقيق والجيل، وهو مما امتاز به الإِسلام عن الديانات السماوية الأخرى إذ لم يحتفظ المتصلون بأصحاب الرسالات بالمحيطات النبوية حيث لم تتمكن رسالتهم حين الظهور ولم تتصل بالأنبياء المرسلين لأن رسالة موسى ﵇ عاشت في التيه، ورسالة المسيح ﵇ بلغت بوسائط.
أما الإِسلام فإن الصحابة حافظوا على الأطوار النبوية كلّها المتعلقة بنزول التشريع فلذلك حافظ الإِسلام على التشريع الإلهى صافيا نقيّا لم تكدره الشوائب.
فالأسوة النبوية لا توجد إلا في الإِسلام حيث تمتع الإِسلام بأنه الدين الوحيد الذي استطاع أن يظهر في مظهر دين ودولة، فما انتقل - ﷺ - إلا والإِسلام قائم الذات متمكن في الأرض.
بينما موسى ﵇ لم يلق من بني إسرائيل الأكفاء الذين يضطلعون بالأسس الدولية حتى يقوموا بأعباء دين ودولة بينما الإِسلام قد تهيأت له الأسباب في الهجرة إذ توفرت الدواعي للاضطلاع بإبراز الدين في أكمل الصور وأتمها.
فظهر الإِسلام بالمظهر الباهر الذي بوأ المسلمين مركز القيادة، وسهّل لهم أن يبلّغوا الرسالة مكتملة لأن تبقى خالدة في جدّة وحياة مستمرة.
وهذا المعنى الكامن في السنة النبوية وهي الروح التشريعية التي امتاز بها الإِسلام ركز عليها الإِمام المازرى في "المعلم" لأن من سبقه من شرّاح الحديث يتعلق بالجانب اللفظي أكثر بما يتعلق بالمعاني السامية.
[ ١ / ٦ ]
فلهذا سيكون "المعلم" إبداء لما اختصت به السنة من أنها مصدر فريد للاجتهاد الإِسلامي الصحيح مما يدعو الفكر إلى أن يعرف ما في الإِسلام من نظام كفيل بالحياة الاجتماعية من كل جوانبها مما يعزّ وجوده في غيره.
وقد انصرف الجهد لأن يكون هذا التأليف في ثوب لائق به من حيث صحة النص، وتسهيل الوقوف على مسائله بإبرازها بصورة تتمثل فيها كل مسألة على حدة معرّفا بها مع ما يحتاجه تحقيق النصوص من عمل. ونرجو من الله أن يوفر مجهودنا المتطلباتِ بعون منه إن شاء تعالى.
ونخص بالشكر الجزيل المؤسسة الوطنية للترجمة والتحقيق والدراسات "بيت الحكمة" في شخص رئيسها سعادة الأستاذ أحمد بن عبد السلام، وكافة أعضاده لتوليها طبع كتاب "المعلم".
وإن الاطلاع على "المعلم" سيعزز شهرته التي أطبقت إفريقية والمغرب بقسميه الأوسط والأقصى، والأندلس، وحتى المشرق، ويتحقق ما يتمتع به هذا الفذ الشهير من أن إمامته إمامة حقة، وأن اختصاصه بها اختصاص عن جدارة وقيمة.
وبذلك يصير يعيش ييننا كما عاش في عصره بالإفادة بآرائه، وتدقيقاته التي اجتذبت الأفكار إليه بحيث لا تبقى شهرته شهرة تاريخية غير معززة بآثاره، وإن كانت الكثرة من تحريراته نقلتها مصادر كثيرة من حديثية وفقهية، حتى أن كتاب "المعيار المعرب والجامع المغرب عن فتاوى أهل إفريقية والأندلس والمغرب" لم يخل له جزء من أجزائه الاثني عشر من نقل عنه في عدة مناسبات، وكذلك غير "المعيار" من كتب المتقدمين.
لكن تلك التحريرات منقوصة، ثم إنها مفرقة ومشتتة بخلاف ما دوّن من إملائه لهذا الكتاب فإن فيه علاوة على الأمانة في النقل جمع الكثير من اجتهاداته العزيزة النظير بل عديمة المثال.
ويحق لتونس أن تكون فخورة بقيام المؤسسة الوطنية بأنها أصبحت تعيد
[ ١ / ٧ ]
مجدها السالف في ظل حكومة فخامة الرئيس الجليل الحبيب بو رقيبة رئيس الجمهورية التونسية ومعالي الأستاذ وزير الشؤون الثقافية زكريا بن مصطفى.
ونسأله تعالى أن نكون موفقين في إبراز هذا الأثر الجليل في ثوبه الذي قمنا به بقدر المستطاع وأن يجعل عملَنا مقبولا عنده مفيدا لأربابه، معينا لطلابه إنه ولي الإِعانة ﷻ.
المحقق
شكر واجب
سهّل الله سبحانه إتمام الجزء الأول من المعلم طبعا والثاني قدم للمطبعة ليأخذ طريقه -إن شاء الله- إلى النشر، والثالث يتهيأ لأن يلتحق بالجزأين الأول والثاني وبه يتم الكتاب.
وتقديرا للمجهودات التي بذلها بعض الإخوان في الله نشكر كل من قدّم إعانة في إبراز الجزء الأول وخاصة فضيلة الشيخ محمد البشير المجدوب في تصحيح الكتاب وكذلك السيد الفاضل يوسف الذوادي في التصحيح والمقابلة فجازهما الله خير الجزاء إنه ولي الإعانة.
محمد الشاذلي النيفر
[ ١ / ٨ ]