من أكبر أسباب اشتعال الفتنة مؤخرًا ضد التشيع هو أن بعض رجال الدولة الفاطمية أعلنوا بمذهبهم خلاف المتقدمين منهم فقد كانوا يتسترون ولا يُظهرون مذهبهم كما هو، وإنما كانوا يظهرون بعض الشيء مخافة أن يطَّلع الناس على مذهبهم فيثوروا عليهم فلذلك كانوا في تستُّر.
_________________
(١) البيان المغرب لابن عذاري المراكشي: ج١ ص ٢٧٧.
(٢) البيان المغرب: ج١ ص ٢٦٨.
[ ١ / ١٠ ]
ويرجع تستر الفاطميين إلى شدة شكيمة الأفارقة فإنهم لم يقبلوا بالسنَّة بدلًا كلّفهم ذلك ما كلّفهم، ومع أنهم لاقُوا شدة وبلاء كبيرا من الفاطميين لم تلن لهم قناة، ولا رجعوا عن السنة. ولم ينقلب على عقبيه إلا قليل القليل من الذين استهوتهم الأطماع، ومالوا إلى الرتب التي أسندتها إليهم الشيعة.
ثم إن ثورة أبي يزيد مخلد بن كيداد لا تزال ماثلة أمام العيون، فهي ثورة من أكبر الثورات، وأشدها، وهي ثورة تغيير المواقف.
ومما أعان على اشتعال هذه الثورة وانتشارها، والتهابها التهابا كادت الدولة تعجز عنه أن أبا يزيد مخلد بن كيداد عرف كيف يستغل الموقف، فهو وإن كان من النكّارين لكنه كان لا يظهر مذهبه، ويزعم أنه يدعو إلى الحق، فرجا الناس منه الخير، والقيام بالسنة حتى رأوه رجل الخلاص، فلذلك خرج معه الفقهاء والعبّاد، وزاد في الإِقبال عليه أنه أمر الناس بقراءة مذهب مالك فخرج الفقهاء والصلحاء في الأسواق بالصلاة على النبي - ﷺ -، وعلى أصحابه، وأزواجه (٣).
وقابل الذي من أبي يزيد ما أظهره أبو القاسم القائم مما هو مخالف لكتاب الله تعالى واشتداده على من وقف في وجه دعوته من الأفارقة الشديدي الشكيمة.
ومن هذين العاملين كان اشتداد أمر أبي يزيد حتى كادت ثورته تقضي على ملك المهدية لولا إعانة جاءت من بعيد وهي اليد التي قدمها زيري ابن مناد الصِّنهاجي إلى القائم فإنه حمل الميرة إليه وهو محصور بالمهدية من قبل أبي يزيد.
وما همدت فتنة أبي يزيد إلا بعد أن ذاق الفواطم الأمرَّين، وعلموا أن
_________________
(١) البيان: ج١ ص ٣١٧.
[ ١ / ١١ ]
السنة لا تغالب، وأنهم إذا أظهروا ما ينطوون عليه لم يروا إلا الحسام فضلا عن الإِصاخة لهم.
فكان الموقف بإفريقية موقف الشدة المتناهي، وهو ما جعل المعز يتخوف من الظهور بمذهبه الظهور الجليّ إلا أنه لما حل بمصر، وتمكن من ناصيتها، ورأى ضعف المقاومة هناك، وأنها ليست كالتي بإفريقية، فالصرامة التي ظهرت بإفريقية هي صرامة من نوع خاص من الذب عن السنة، تغير موقفه نوعا ما.
إلا أن المعز لم يعلنها دعوة صريحة كما حكاه ابن الأثير صاحب الكامل: "وكان المعز عالمًا فاضلًا، جوادًا، شجاعًا، جاريًا على منهاج أبيه من حسن السيرة، وإنصاف الرعية، وستر ما يدعون إليه إلا عن الخاصة، ثم أظهره وأمر الدعاة بإظهاره إلا أنه لم يخرج فيه إلى حد يذم به" (٤).
والظاهر أن إبداء الدعوة الصريحة إنما كان بعد فتح مصر، والتوثق منها، والوقوف على ضعف المقاومة من جندها، عكس ما كان عليه الأمر بإفريقية من سيَلان دماء، وإزهاق أرواح، ومجادلات عنيفة.
ويؤيد ما ذهبت إليه أن شاعره ابن هاني (٥) لم يصرح في أمداحه بالغلو إلا بعد فتح مصر، وسيّر المعز إليها، فأنشده قصيدته التي كانت تمثل الغلو في شخص الأمير الفاطمي: [الكامل]
مَا شِئْتَ لَا مَا شَاءَتِ الأقدَارُ فَاحْكُمْ فأنت الوَاحِدُ القَهَّارُ
وَكَأنَّمَا أنتَ النَّبِيءُ مُحمّدٌ وَكأنَّمَا أنْصَارُك الأنْصَارُ
_________________
(١) كامل ابن الأثير: ج ٧ ص ٧٤.
(٢) محمد بن هانىء بن محمد بن سعدون الأندلسي ثم الإِفريقي اتصل في آخر أيامه بالمعز العبيدى، وتوفي قتيلًا ببرقة سنة (٣٦٢).
[ ١ / ١٢ ]
أنْتَ الذِي كانت تُبَشَّرُنَا بِهِ في كُتْبِهَا الأحْبَار والأخْبَارُ
هَذَا إمَام المُتَّقِينَ وَمَنْ بِهِ قد دُوّخ الطُّغْيَان والكُفَّارُ
هَذَا الَّذِي تُرْجَى النَّجَاة بِحُبِّه وبهِ يحط الإِصْر والأوْزَارُ
هَذَا الَّذِي تُجْدِي شَفَاعَتُهُ غَدًا حَقًّا وَتَخْمَد أنْ تَرَاه النَّار
إلى أن يقول له حين سيصير قطين مصر:
أمُعِزَّ دِين الله إن زِمَامَنَا بك فيهِ بَأوٌ (٦) جَلَّ واسْتِكْبَارُ
ها أنَّ مصر غَدَاةَ صِرْتَ قَطِينَهَا أَحْرَى لتحسُدهَا بكَ الأقْطَار (٧)