إن الجو الذي خلَّفه ابن الحداد وابن أبي زيد والقابسي وأضرابهم جعل الشعب يذهب إلى تلك الثورة لأنه كان على السنة والفواطم أبدوا وجههم الحقيقي في الدعوة العُبَيْدية فانطلقت الشرارة الأولى في تلك السنة (٤٠٧).
وصنهاجة في تلك الفترة كانت بين عاملين عامل الولاء للدولة الأم، وهي الدولة الفاطمية، وعامل الخوف من الشعب الذي كان في غليان ضد العبيديين، ولهذا كانت صنهاجة أمام عاملين: عالم إرضاء العبيديين في مصر الذين لا يتهاونون بدعوتهم لأنها أساس ملكهم، وعامل إرضاء الشعب الإفريقي المتحمّس للسنة أشد التحمس.
فلهذا لما انتفضت إفريقية انتفضت كلّها على العبيديين بسبب إعلان الحاكم عن مذهبه الذي تغالى فيه أشد التغالي فإن من كان قبله من الأمراء
[ ١ / ٢٠ ]
العبيديين كالمعز لدين الله (٣٤١ - ٣٦٥) والعزيز لدين الله أبي منصور نزار (٣٦٥ - ٣٨٦) كان فيهم تستر فلذلك كان الأفارقة مكتفين بالمقاومة السلبية لكن لما تولى الحاكم تغالى في كل أموره ومنها إظهار مذهب أهل بيته حتى أنه ادعى أنه روح الله بإخباره بالمغيبات، وكان ذلك بواسطة جواسيس بثّهم في البلاد ينقلون إليه الأخبار فيزفها للناس في قالب مغيبات فلذلك كان موقف صنهاجة متحرجا.
وكان امتداد مدة ملك الحاكم أكثر من عشرين سنة (٣٨٨ - ٤١١) وشره مستطير، وتظاهراته بمخالفة الدّين بينة واضحة، فدعا ذلك الأفارقة أن يقوموا بثورتهم على المتمذهبين بمذهب العبيديين، وعمت الانتفاضة المدن الإِفريقية.
وفي طليعة المدن الناقمة القيروان، وكان رأسَ علمائها أبو علي حسن ابن خلدون البلوي الذي كان شديدا على البدع والروافض، مغريا بهم، وكانت العامة تتبعه، ويستند منه أهل السنة إلى ملجأ ووَزَر. وضايق ذلك الرافضة فلهجوا بعدائه من قبل الشيعة:
كأنَّمَا ذِكْر الهوى عنده ذكرى ابن خلدون لدى الشيعة (٢٧)
فلما انتفضت القيروان أتى عامل القيروان ومعه جماعة إلى مسجد أبى علي يوم الخميس الثاني عشر من شوال من السنة نفسها سنة (٤٠٧) بعد صلاة العصر، وهو جالس، وعنده جماعة فاندفع رجال الوالي إلى أبي محمد ابن العرب فقتلوه، وهم يظنونه أبا علية، لأن هذا الأخير كان سِناطا (٢٨)،
_________________
(١) المدارك ج٤ ص ٦٢٤.
(٢) السناط بكسر السين، والسنوط والسنوطي بفتح أولهما، وبالضم في الثلاثة: الكوسج الذي لا لحية له أصلًا، أو الخفيف العارض ولم يبلغ حد الكوسج، من القاموس وشرحه.
[ ١ / ٢١ ]
فلم يظنوه صاحب المجلس. وبعد قتلهم للمذكرر خرجوا، فلما عرفوا أنه ليس أبا علي رجعوا وتعاوروه بسكاكينهم وجرحوا جماعة ممن في المسجد، فحمل أبو علي إلى داره وبه حشاشة فتوفي في ليلته.
وارتجت المدينة، وثارت الصيحة من نواحي القيروان، واشتغل الناس عن أبي علي بسبب النهب، واحتراق الأسواق، والاستيلاء على أموال التجار.
وبسبب هذا الهيعة أراد العامل بالقيروان إرضاء الناس فجاء برجلين وقال: إنهما القاتلان لأبي علي فقتلهما.
وفي مقتله يقول ابن الوارق:
مُضَرَّجٌ بِدَمِ الإِسْلَامِ مُهْجَتُه مِنْ بَيْنِ أحْشَاءِ دينِ الله تُنْتَزَعُ (٢٩)
إن الصناهجة أرادوا القضاء على الانتفاضة ولكن لما غلبهم الأمر أظهروا أن مقتل أبي علي ابن خلدون ليس من الحكومة وإنما هو افتيات من ذينك الرجلين المقتولين ظاهرا بدمه، والله أعلم هل هناك سبب موجب للقتل غير قتل ابن خلدون أو ليس هناك سبب حقيقي، والمقطوع به أنهما بريئان من دم أبي علي ابن خلدون.