مِنَ الصِّحَاحِ:
٤٣١ - قال رسول الله - ﷺ -: "لنْ يَلِجَ النَّارَ أحدٌ صلَّى قبلَ طُلوعِ الشَّمْسِ وقبلَ غروبهَا" يعني الفجرَ والعصر.
قوله: "لن يلج النار"؛ أي: لن يدخل النار، روى هذا الحديث عمار بن رُويبة.
* * *
٤٣٢ - وقال ﵇: "مَنْ صَلَّى البَرْدَيْنِ دَخَلَ الجنَّةَ"، رواه أبو موسى.
قوله: "من صلى البردين دخل الجنة" رواه أبو موسى.
أراد بالبَردين: الصبح والعصر؛ يعني: داوِموا على أداء هاتين الصلاتين في وقتيهما؛ لأن الملائكة يحضرون فيهما، كما سيأتي، وليس المراد أداءَ هاتين الصلاتين في ترك غيرهما.
* * *
[ ٢ / ٣٣ ]
٤٣٣ - وقال: "يَتَعاقَبُونَ فيكُمْ ملائكَةٌ باللَّيْلِ وملائكَةٌ بالنَّهارِ، ويَجْتمِعُونَ في صَلاةِ الفَجْرِ وصَلاةِ العَصْرِ، ثمَّ يَعْرُجُ الذينَ باتُوا فيكُمْ فَيسأَلُهُمْ رَبُّهُمْ وهو أعلمُ بهم: كيفَ تَركتُمْ عِبادي؟ فيقولونَ: تركناهُمْ وهم يُصلُّونَ، وأتَيْنَاهُم وهم يُصلُّونَ"، رواه أبو هريرة.
قوله: "يتعاقبون"، (التعاقب): أن يجيء أحدٌ على عقيب أحد، وحقُّه أن يقول: يتعاقب؛ لأن الملائكة فاعلة، وإذا كان الفاعل ظاهرًا لا يؤتى في الفعل بألف التثنية وواو الجمع، يقال: جاء زيدٌ، وجاء الزيدان، وجاء الزيدون، وبعض العرب يجوَّز تثنية الضمير وجمعَه في الفعل مع كون الفاعل مُظْهَرًا.
وأراد بقوله: "ملائكة" هنا: الملائكة الذين يكتبون أعمال العباد. "ويجتمعون في صلاة الفجر وصلاة العصر"؛ يعني: يكتب (١) الملائكة الذين يكونون مع الناس في الليل حتى يجيء الملائكة الذين يكونون معهم في النهار؛ أي: في النهار عند صلاة الصبح، فإذا جاء الذين يكونون معهم في النهار وقتَ صلاة الصبح يعرج الذين كانوا معهم في الليل، وإذا كان وقت العصر يجيء الذين يكونون معهم في الليل ويعرج الذين جاؤوا وقت الصبح.
والمراد بهذا الحديث تحريض الناس على المواظبة على هاتين الصلاتين.
قولهم: "تركناهم وهم يصلون"؛ أي: تركناهم في هذه الساعة وهم يصلون الصبح.
"وأتيناهم"؛ أي: لمَّا نزلنا بهم كانوا يصلُّون العصر.
* * *
_________________
(١) في "ق": "يثبت".
[ ٢ / ٣٤ ]
٤٣٤ - وقال: "مَنْ صَلَّى الصُّبْحَ فهو في ذِمَّةِ الله، فلا يَطْلُبنكُمُ الله مِنْ ذِمَّتِهِ بشيءٍ، فإنَّهُ مَنْ يَطْلُبْه مِنْ ذِمَّتِهِ بشيء يُدْرِكْهُ، ثم يَكُبُّهُ على وجهِهِ في نارِ جهنَّمَ"، رواه جُنْدَب القَسْرِيُّ.
قوله: "في ذمة الله"؛ أي: في أمان الله تعالى وعهده.
قوله: "فلا يطلبنكم الله في (١) ذمته بشيء"؛ يعني: مَن صلى الصبح فلا تُلحقوا إليه مكروهًا، فإنكم لو ألحقتم إليه مكروهًا فقد نقضتم عهد الله تعالى فيه، ومَن نقض عهد الله يطلب الله منه عهده فيجازيه بنقض عهده.
قوله: "فإنه من يطلبه"؛ أي: مَن يطلبه الله تعالى لا يمكن التخلُّص منه، بل "يدركه ثم يكبه"؛ أي: يلقيه في نار جهنم.
وإنما خصَّ صلاة الصبح بهذا التهديد؛ لأنه مَن ترك النوم وقام إلى صلاة الصبح فالظاهرُ أنه لا يترك النومَ إلى صلاة الصبح إلا عن خلوصِ النية وصحةِ الإيمان، ومَن كانت هذه صفتُه يستحقُّ أن يشرِّفه الله بمنع الناس عن إيذائه بمثل هذا الحديث.
وفي بعض النسخ: "رواه جندب القشيري" فـ (القُشَيريُّ) بالشين المنقوطة غلط؛ لأن جندبًا هذا هو بَجَليٌّ لا قُشيري، وقد ذكرت (٢) نسبه، والبَجَلي منسوبٌ إلى قبيلة بَجيلة، نعم كان في قبيلة بَجيلة بطنٌ تسمَّى: قسرًا، بالسين غير المعجمة، لعل أحدًا نسب جندبًا إلى قسرٍ فقرأ جماعةٌ: جندب القشيري بـ: جندب القَسْري، على التصحيف.
* * *
_________________
(١) في "ش": "من".
(٢) في "ت": "ذكر".
[ ٢ / ٣٥ ]
٤٣٥ - وقال: "لو يعلمُ الناسُ ما في النداءِ والصفَّ الأوَّلِ ثم لمْ يجدُوا إلَّا أنْ يَسْتَهِمُوا عليهِ لاستَهَمُوا عليه، ولو يَعلمونَ ما في التَّهْجير لاستَبَقُوا إليهِ، ولو يَعلمونَ ما في العَتَمةِ والصُّبح لأتَوْهما ولو حَبْوًا"، رواه أبو هريرة - ﵁ -.
قوله: "ما في النداء"؛ أي: قَدْرَ ما يكون للمؤذِّن ولمَن حضر الصفَّ الأول من الثواب.
(استهم القوم): إذا أخرجوا القرعة بينهم على أنَّ مَن خرجت قرعتُه يأخذ المال الذي - أو يفعل الفعل الذي - أخرجوا فيه القرعة؛ يعني: لتنازعوا في الصف الأول حتى أخذوا المواضع من الصف الأول بالقرعة.
"التهجير": الإتيان في غاية الحرارة إلى شيء، والمراد ها هنا: حضورُ الظهر في أول الوقت.
(الاستباق): المبادرة إلى فعل.
"العتمة": العشاء.
(الحبو): المشي على الركبتين والكفين كفعل الصبي.
قوله: "ولو حبوًا"؛ يعني: يمشي الناس إلى هاتين الصلاتين لطلب كثرة الثواب وإن كانوا يمشون على الرُّكب من غاية الضعف والعجز.
* * *
٤٣٦ - وقال: "ليسَ صلاةٌ أثقلَ على المُنافِقينَ مِنَ الفَجْرِ والعِشاءِ، ولو يَعلمُونَ ما فيهما لأتَوْهما ولو حَبْوًا"، رواه أبي هريرة - ﵁ -.
قوله: "ليس صلاة أثقل على المنافقين من الفجر والعشاء ولو يعلمون ما فيهما لأتوهما ولو حبوًا".
وإنما ثَقُلت هاتان الصلاتان على المنافقين لأنهما في وقت النوم، وتركُ النوم
[ ٢ / ٣٦ ]
شديدٌ على مَن ليس له إيمانٌ وخلوصُ نيةٍ.
* * *
٤٣٧ - وقال: "مَنْ صلَّى العِشاءَ في جماعةٍ كانَ كقِيامِ نِصْفِ ليلةٍ، ومَنْ صلَّى العِشاءَ والفَجْرَ في جماعةٍ كانَ كقيامِ ليلةٍ"، رواه عُثمان بن عفان - ﵁ -.
قوله: "كقيام نصف ليلة" أراد بالقيام هنا إحياءَ الليل بالصلاة والذكر.
* * *
٤٣٨ - وقال: "لا يَغْلِبنكُمْ الأَعرابُ على اسم صلاتِكُمُ المَغرِبِ"، قال: "وتقولُ الأَعرابُ هي العِشاءُ"، رواه عبد الله المُزَنيُّ.
قوله: "لا يغلبنكم الأعراب"؛ يعني: يقول أعراب الجاهلية للمغرب: العشاء، فلا تُوافقوهم في هذه التسمية، بل قولوا: المغرب، وسمُّوها المغربَ، وكثَّروا استعمالها لتَغْلِبَ تسميتُكم لها على تسميتهم.
* * *
٤٣٩ - وقال: "لا يَغْلِبنكُمْ الأَعرابُ على اسم صلاتِكُمُ العِشاءِ، فإنَّها في كتابِ الله تعالى العِشاءُ، فإنَّها تُعْتِمُ بحِلابِ الإِبلِ"، رواه ابن عمر.
قوله: "فإنها في كتاب الله تعالى"؛ يعني: سمَّاها الله تعالى العشاء في قوله في سورة النور: ﴿وَمِنْ بَعْدِ صَلَاةِ الْعِشَاءِ﴾ [النور: ٥٨] يعني سمَّاها الله العِشاء وسمَّتها العرب العتمة، فكثَّروا استعمالها بالعشاء حتى تبقى تسميتُها بالعشاء وتُترك تسميتُها بالعتمة.
قوله: "فإنها تُعْتِمُ بحلاب الإبل"، (تعتم)؛ أي: تؤخَّر، (الاعتمام): التأخير والإبطاء.
[ ٢ / ٣٧ ]
وعتم - بفتح العين في الماضي وكسرها في الغابر - عَتْمًا: إذا أبطأ؛ أي: لبث؛ يعني: سمَّت العرب وقت العشاء عتمةً؛ لأنهم يؤخَّرون حلابَ إبلهم إلى غيبوبة الشفق، فسمَّوا الوقت الذي يحلبون فيه إبلهم عتمةً.
* * *
٤٤٠ - عن عليًّ - ﵁ -: أنَّ رسولَ الله - ﷺ - قالَ يومَ الخَنْدَقِ: "حَبَسُونا عَنْ الصَّلاةِ الوُسطى صَلاةِ العَصْرِ، مَلأَ الله بُيوتَهُمْ وقُبورهُمْ نارًا".
٤٤١ - عن ابن مسعود - ﵁ -، عن النَّبيَّ - ﷺ - قال: "صلاة الوُسْطَى صَلاةُ العَصْرِ".
"قال يوم الخندق: حبسونا"، (يوم الخندق): يوم اجتمع الكفار حول مدينة الرسول ليحاربوا رسول الله، فحفر رسول الله حول المدينة خندقًا فدفع الله الكفار، ويأتي شرحه في موضعه.
قوله: "حبسونا"؛ أي: منعنا الكفار "عن الصلاة الوسطى" بأن اشتغلنا بحفر الخندق بسبب دفع الكفار بالخندق.
قوله: "صلاة العصر" مجرورةٌ بأنها بدلُ (صلاة الوسطى) أو عطفُ بيان.
وغرض المصنف من إيراد هذا الحديث: بيان صلاة الوسطى أنها صلاة العصر.
وقد اختلف العلماء في صلاة الوسطى: أيُّ صلاةٍ هي؟ فمذهب الشافعي أنها صلاة الفجر، ومذهب أبي حنيفة أنها صلاة العصر بدليل هذا الحديث.
* * *
٤٤٢ - عن أبي هريرة - ﵁ -، عن النَّبيَّ - ﷺ - في قوله تعالى: ﴿وَقُرْآنَ
[ ٢ / ٣٨ ]
الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾ قال: "تَشْهدُهُ مَلائكَةُ اللَّيْلِ ومَلائكَةُ النَّهارِ".
قوله: " ﴿قُرْآنَ الْفَجْرِ﴾ "؛ أي: صلاة الفجر، سمَّيت قرآنًا لِمَا يُقرأ فيها من القرآن، "تشهده": أي: تحضره.
وقد ذكر بحثُ هذا قبلَ هذا.
* * *