(باب دفن الميت)
مِنَ الصِّحَاحِ:
١٢٠٠ - قال سعد بن أبي وقَّاص - ﵁ - في مرضه: ألحِدُوا لي لَحْدًا، وانصِبوا عليَّ اللَّبن نَصْبًا كما صُنِعَ برسولِ الله - ﷺ -.
قوله: "كما صنع برسول الله ﵇"؛ أي: فُعِلَ بقبر رسول الله ﵇؛ يعني: وضع على قبر رسول الله - ﵇ - اللَّبن.
يعني: جعلُ اللحدِ ونصبُ اللبن عليه سنةٌ بإجماع الصحابة - ﵃ -.
* * *
١٢٠١ - وقال ابن عباس - ﵄ -: جُعِلَ في قبْرِ رسولِ الله - ﷺ - قطيفةٌ حمراء.
قوله: "قطيفة حمراء"، (القطيفة): نوعٌ من الكساء.
[ ٢ / ٤٤٥ ]
الذي أَلْحَدَ - أي: حفر لحدَ - رسول الله - ﷺ - هو أبو طلحة، والذي جعل القطيفة في قبره - ﵇ - هو شُقْرَانُ، واسمه صالحٌ ولقبه شقران، وهو مولى رسول الله - ﷺ -، وإنما جَعَل القطيفة في قبره - ﷺ - لأنها كان رسول الله - ﷺ - يلبسها، فوضعها شقران في قبره، فقال: والله لا يلبسها أحدٌ بعدك.
وكره ابن عباس أن يُفرش تحت الميت شيءٌ.
* * *
١٢٠٢ - وعن سُفيان التَّمَّار: أنه رأى قبرَ النبيِّ - ﷺ - مُسَنَّمًا.
قوله: "مسنمًا" بفتح النون وتشديدها، وهو القبر الذي يكون مثلَ ظهر حمار، وتسنيم القبر وتسطيحه كلاهما جاء في الحديث.
والتسنيم: أن يجعل القبر مسنَّمًا كما ذكرنا، والتسطيح: أن يُجعل مسطَّحًا، وهو أن يجعل مثل سرير، وميل الشافعي إلى التسطيح.
* * *
١٢٠٣ - وقال علي - ﵁ - لأبي الهيَّاج الأَسَدي: ألا أبعثُكَ على ما بَعَثَني عليه رسولُ الله - ﷺ -: أن لا تدعَ تِمْثالًا إلا طمَستَه، ولا قبرًا مُشْرِفًا إلا سوَّيتَه.
قوله: "ألا أبعثك"، أي: ألا أرسلك على أمرٍ قد بعثني رسول الله - ﵇ - إليه.
"لا تدع"؛ أي: لا تترك "تمثالًا"؛ أي: صورةً وشكلًا يشبه شكلَ الحيوان، (التمثال): ما يُجعل على مثال شيء يشبهه، "إلا طمسته"؛ أي: إلا مَحَوْته، فإنَّ جَعْلَ صورة الحيوان محرَّمٌ إلا على الفراش.
"ولا قبرًا مشرفًا"؛ أي: قبرًا مرتفعًا، "إلا سويته": أي: أزلت ارتفاعه،
[ ٢ / ٤٤٦ ]
وليس معنى التسويةِ هنا جعلَ القبر مستويًا على وجه الأرض بحيث لا يُعلم أنه قبر، بل هذا لا يجوز في قبور المسلمين، بل السنة: أن تجعل قبور المسلمين مرتفعةً من الأرض بقَدْرِ شبرٍ: إما مسطَّحًا، وإما مسنَّمًا، ولا ترفع أكثر من شبر.
* * *
١٢٠٤ - وقال جابر - ﵁ -: نهى رسولُ الله - ﷺ - أن يُجَصَّصَ القبرُ، وأن يُبنى عليه، وأن يُقعدَ عليه.
قوله: "نهى رسول الله - ﵇ - أن يجصص القبر، وأن يبنى عليه، وأن يقعد عليه".
تجصيصُ القبور والبناءُ عليها - بجَعْلِ بيتٍ على القبر، أو ضربِ خيمةٍ عليه - منهي؛ لأنه إضاعة المال من غير فائدة للميت فيه، ولأنه من فعل الجاهلية.
وقد أباح السلف - ﵏ - أن يبنى على قبور المشايخ والعلماء المشهورين ليزورهم الناس، ويستريح الناس بالجلوس في البناء الذي يكون على قبورهم مثل الرباطات والمساجد.
وأما القعود على القبور: علة النهي عنه: أنه إذلالٌ واستخفاف بالميت، وهذا لا يليق بقبور المسلمين.
وقد روي: أن رسول الله - ﵇ - رأى رجلًا قد اتكأ على قبر فقال النبي ﵇: "لا تؤذ صاحب القبر"؛ يعني: الميت.
وقد أجاز قومٌ الجلوس على القبر، وحَمَلَ حديث النهي عن القعود على القبر على أن المراد منه: القعود للتغوط على القبر والبول.
* * *
١٢٠٥ - قال رسولُ الله - ﷺ -: "لا تجلِسوا على القُبورِ، ولا تُصَلُّوا إليها".
[ ٢ / ٤٤٧ ]
"لا تجلسوا على القبور ولا تصلوا إليها"؛ يعني: لا تصلُّوا وتلقاءَ وجوهكم قبر، وقد ذكر بحثه في باب المساجد.
روى هذا الحديث: أبو مرثد (١) الغَنوي.
* * *
١٢٠٦ - وقال رسولُ الله - ﷺ -: "لأن يجلِسَ أحدُكم على جَمْرةٍ فَتُحرِقَ ثيابَهُ فتَخلُصَ إلى جِلْده خيرٌ له مِن أن يجلِسَ على قبرٍ"، يرويه أبو هريرة - ﵁ -.
قوله: "لأن يجلس " إلى آخره.
روى هذا الحديث أبو هريرة.
قوله: "فتَخْلُصَ"؛ أي: فتصلَ الجمرةُ إلى جلده فتحرقَ جلده، "خيرٌ له من أن يجلس على قبر"؛ لأن الجلوس على القبر يوجب عذاب الآخرة، وعذابُ الدنيا أهون من عذاب الآخرة.
* * *
مِنَ الحِسَان:
١٢٠٧ - قال عروةُ: كانَ بالمدينةِ رجلانِ أحدهما يَلْحَد والآخرُ لا يَلْحَدُ، فقالوا: أيُّهما جاءَ أولًا عَمِلَ عَمَلَه، فجاءَ الذي يَلْحَدُ، فَلَحَدَ لرسولِ الله - ﷺ -.
قوله: "أحدهما يَلحد"؛ يعني: أحدهما يحفر القبر، ويجعل فيه اللحد، وهو أبو طلحة بن زيد بن سهل الأنصاري.
قوله: "والآخر لا يلحد"؛ يعني: والآخر يحفر القبر، ولم يجعل فيه
_________________
(١) في جميع النسخ: "أبو مرثد بن أبي مرثد"، والصواب المثبت.
[ ٢ / ٤٤٨ ]
اللحد، وهو أبو عبيدة بن الجراح، وجَعْلُ اللحد في القبر وتركُ اللحدِ كلاهما جائز، لأنه لو كان واحدٌ منهما منهيًا لَمَا فعله أبو عبيدة مع أنه من العشرة المبشَّرة بالجنة، وأبو طلحة مع أنه من كبار الصحابة.
قوله: "فقالوا: أيهما جاء"؛ يعني: اختلف الصحابة في أنه يجعل قبر النبي - ﵇ - مع اللحد، أو من غير اللحد.
فاتفقوا على أن يبعثوا رجلين إلى الذي يلحد، وإلى الذي لا يلحد، فقالوا: أيهما جاء أولًا يعمل عمله، فجاء أبو طلحة، فحفر قبر رسول الله - ﵇ - مع اللحد.
* * *
١٢٠٨ - عن ابن عباس - ﵄ - قال: قالَ رسولُ الله - ﷺ -: "اللَّحدُ لنا، والشَّقُّ لغيرِنا".
قوله: "اللحد لنا"؛ يعني: جُعل اللحد في القبر من اختيارنا، وهو أولى عندنا.
قوله: "والشق لغيرنا"؛ أي: تركُ اللحد مختارٌ لأهل الأديان التي قبلنا، وقد قلنا: اللحد وتركُ اللحد جائزٌ، واللحدُ أفضل بدليل هذا الحديث.
* * *
١٢٠٩ - وعن هشام بن عامرٍ - ﵁ -: أنَّ النبيَّ - ﷺ - قالَ يومَ أُحُد: "احْفِرُوا، وأَوْسِعُوا، وأَعْمِقُوا، وأَحْسِنُوا، وادفِنُوا، الاثنينِ، والثلاثةَ في قبرٍ واحدٍ، وقدِّموا أكثرَهم قرآنًا".
قوله: "أوسعوا"؛ أي: اجعلوا القبر واسعًا.
[ ٢ / ٤٤٩ ]
"وأعمقوا"؛ أي: اجعلوه بعيد القعر، السنة أن يكون القبر قَدْرَ قامة رجلٍ إذا مدَّ يده إلى رؤوس أصابع يديه.
"وأحسنوا"؛ أي: اجعلوا القبر حسنًا بتسوية قعره عن الارتفاع والانخفاض، وتنقيته من التراب، وغير ذلك.
روى هذا الحديث هشام بن عامر، وجدُّ هشام: أمية بن الخشخاش الأنصاري.
* * *
١٢١٠ - وقال جابر: لمَّا كانَ يومُ أحدٍ جاءتْ عَمَّتي بأبي لتدفِنَه في مقابرنا، فنادَى منادِي رسولِ الله - ﷺ -: "رُدُّوا القَتْلى إلى مَضاجِعِها".
قوله: "ردوا القتلى إلى مضاجعها"؛ (ردوا) أمرُ مخاطَبين، يعني: لا ينقل الشهداء من الموضع الذي قُتلوا فيه إلى غيره، بل ادفنوهم حيث قتلوا، وكذلك حكمُ غير الشهيد لا ينقل من البلد الذي مات فيه إلى بلد آخر.
* * *
١٢١١ - عن عكرمة، عن ابن عباس - ﵄ - قال: سُلَّ رسولُ الله - ﷺ - مِن قِبَلِ رأسِه.
"سل رسول الله - ﵇ - من قبل رأسه"، (سُلَّ): ماضٍ مجهولٌ، من سَلَّ: إذا جَرَّ؛ أي: أُدخل النبي - ﵇ - في قبره من قِبَلِ رأسه بأن وُضع رأس الجنازة على مؤخَّر القبر، ثم يُدخل الميت القبر، وبهذا قال الشافعي.
وقال أبو حنيفة: توضع الجنازة فيما قبل القبلة من القبر بحيث يكون مؤخَّرُ
[ ٢ / ٤٥٠ ]
الجنازة إلى مؤخَّرِ القبر، ورأسُ الجنازة إلى رأس القبر، ويدخل الميت القبر.
* * *
١٢١٢ - وعن عطاء، عن ابن عباس: أنَّ النبيَّ - ﷺ - دَخَلَ قبرًا ليلًا فأُسْرِجَ له سراجٌ، فأخَذَ من قِبَلِ القبلةِ، وقال: "رحمكَ الله إنْ كنتَ لأوَّاهًا تلاءً للقرآن"، إسناده ضعيف.
قوله: "فأسرج له سراج"؛ يعني: دخل رسول الله - ﵇ - القبر في الليل، فوضع سراجٌ على طرف القبر ليضيء القبر، فأخذ رسول الله - ﵇ - الميت من قِبَلِ القبلة، ووضعه في القبر.
قوله ﵇: "إن كنتَ لأوَّاهًا تلَاّءً" (إنْ) بسكون النون بمعنى (إنَّ) بتشديد النون، وتقديره: إنَّك كنتَ لأوَّاهًا؛ أي: كنت كثير التأوُّه من خشية الله تعالى "تلاء"؛ أي: كثير القراءة.
* * *
١٢١٤ - وعن جعفر بن محمد، عن أبيه: أن النبيَّ - ﷺ - حَثَى على الميتِ ثلاثَ حَثَيَاتٍ بيدَيْه جميعًا، وأنه رشَّ ماءً على قبرِ ابنهِ إبراهيم صلى الله عليه، ووضعَ عليه حَصباء"، مرسل.
قوله: "حثا على الميت" هذا الحديثُ يدل على أن السنَّة لكلَّ واحدٍ من الذين يكونون على رأس القبر أن يحثوَ ثلاث حثيات من التراب في القبر بعد نصب اللَّبنات على اللحد، وعلى أنَّ رشَّ القبر بالماء ووضعَ الحصباء - وهو الحجار الصغار - على القبر سنةٌ؛ ليشتد القبر، كي لا ينبشه سبعٌ، وليكون علامةً للقبر.
* * *
[ ٢ / ٤٥١ ]
١٢١٥ - وقال جابرٌ - ﵁ -: نهى رسولُ الله - ﷺ - أن تُجَصَّص القبورُ، وأن يُكْتَب عليها، وأن تُوطَأ يعني بالقدم.
قوله: "وأن يكتب عليها"؛ يعني: مكروهٌ أن يكتب اسم الله واسمُ رسوله والقرآنُ على القبور؛ لأنه ربما يبولُ عليه الكلب وغيره من الدواب، وربما يضع عليه أحد رجليه، وتُلقي الريح التراب عليه، وكذلك يكره أن يُكتب اسم الله تعالى على جدار المساجد وغيرها، وكذلك القرآن.
* * *
١٢١٧ - وعن المُطَّلِبِ أنه قال: لمَّا ماتَ عثمانُ بن مَظْعون - ﵁ - فدُفِنَ؛ أمَرَ النبيُّ - ﷺ - رجلًا أن يأتِيَهُ بحجرٍ، فلم نستطع حملَها، فقامَ النبيُّ - ﷺ - وحَسَرَ عن ذراعيهِ وحملَها، فوضَعها عندَ رأسِه وقال: "أُعَلِّم بها قبرَ أخي، وأَدْفِنُ إليه مَن ماتَ مِن أهلي".
قوله: "وحسر عن ذراعيه"؛ أي: أبعد كُمَّهُ عن ساعده ولفَّ كمَّه، كما هو عادةُ مَن يعمل عملًا.
"أعلِّم بها قبر أخي"؛ يعني: أجعلُ هذه الصخرة علامةً لقبر عثمان بن مظعون، وعُلم من هذا الحديث: أنَّ جَعْلَ العلامة على القبر ليعرفه الناس سنَّةٌ، وكذلك دفنُ الأقارب بعضهم قريب من بعض.
* * *
١٢١٨ - وقال القاسمُ بن محمدٍ: دخلتُ على عائشةَ ﵂ فقلت: يا أُمَّاهُ!، اكشفي لي عن قبرِ النبيِّ - ﷺ -، فكَشَفَتْ لي عن ثلاثةِ قُبورٍ لا مُشْرِفَةٍ ولا لَاطِئَةٍ، مبطوحةٍ ببطحاءِ العَرَصَةِ الحمراءِ. غريب.
[ ٢ / ٤٥٢ ]
قوله: "عن ثلاثة قبور" أحدها قبر النبي ﵇، والثاني قبر أبي بكر، والثالث قبر عمر - ﵄ -، وعلق على وجهها ستر.
"لا مشرفة"؛ أي: ليست القبورُ بمرتفعةٍ ارتفاعًا كثيرًا.
"ولا لاطئة"؛ أي: وليست مستويةً على وجه الأرض بحيث لا تكون مرتفعةً، بل كانت مرتفعةً قَدْرًا يسيرًا.
قوله: "مبطوحة"؛ أي: مبسوطةً عليها بطحاءُ العَرْصة، البطحاء: الرمل، والعَرْصَة: اسم موضع.
* * *
١٢١٩ - وقال البَرَاءُ بن عازبٍ - ﵁ -: خَرَجْنَا مع رَسولِ الله - ﷺ - في جنازةٍ، فوجدْنا القبرَ لم يُلْحَدْ، فجلسَ مستقبَلَ القِبْلَةِ وجلسْنا معَه.
قوله: "فوجدنا القبر لم يلحد" هذا يدل على أن القبر من غير اللحد جائزٌ؛ لأن النبي - ﷺ - رأى ذلك القبر من غير لحدٍ ولم ينههم.
قوله: "فجلس مستقبل القبلة" هذا يدل على أن الجلوس عند القبر إذا لم يتمَّ دفن الميت ليكن مستقبل القبلة، وأما عند زيارة الميت ليجلس مستقبل وجه الميت مستدبرَ القبلة.
* * *
١٢٢٠ - عن عائشةَ ﵂: أن رسولَ الله - ﷺ - قال: "كَسْرُ عظمِ المَيتِ ككَسْرهِ حَيًَّا".
قوله: "ككسره حيًا"؛ يعني: كما أن كسر عضو رجلٍ حيًّ فيه إثمٌ، فكذلك كسرُ عظم الميت فيه إثم؛ لأنه استخفافٌ وإذلال، ولا يجوز إذلال
[ ٢ / ٤٥٣ ]
الإنسان لا في الحياة ولا في الممات.
* * *