[١٥١] عَن أَنَسِ بنِ مَالِكٍ؛ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: أَنَا أَوَّلُ النَّاسِ يَشفَعُ فِي الجَنَّةِ، وَأَنَا أَكثَرُ الأَنبِيَاءِ تَبَعًا يَومَ القِيَامَةِ، وَأَنَا أَوَّلُ مَن يَقرَعُ بَابَ الجَنَّةِ.
_________________
(١) بالكسر الإضمامة، يقال: جاء فلان بإضبارةٍ من كتبٍ، وهي الأضابير، قال: والضَّبرُ الجماعة من الناس يغزُون، وضَبَرَ الفرسُ، إذا جمع قوائمه ووثب. وبُثّوا فرّقوا. وهذا الحديث ردّ على الخوارج والمعتزلة، حيث حكموا بخلود أهل الكبائر في النار، وأنّهم لا يخرجون منها أبدًا، وقد تقدم الكلام على الحبة.
(٢) ومن باب قوله: أنا أوّل الناس يشفع في الجنّة أي: في دخول الجنّة قبل الناس، ويدلّ عليه قوله: وأنا أوّل من يقرع باب الجنّة، وقول الخازن: بك أُمِرتُ لا أفتح لأحدٍ قبلك، وقوله في حديث آخر: فأنطلقُ معي برجالٍ فأدخلهم الجنّة وهذه إحدى شفاعاته المتقدِّمة الذكر. وقوله
[ ١ / ٤٥٢ ]
وَفِي رِوَايَةٍ: أَنَا أَوَّلُ شَفِيعٍ فِي الجَنَّةِ، لَم يُصَدَّق نَبِيٌّ مِنَ الأَنبِيَاءِ مَا صُدِّقتُ، وَإِنَّ مِنَ الأَنبِيَاءِ نَبِيًّا مَا يُصَدِّقُهُ مِن أُمَّتِهِ إِلا رَجُلٌ وَاحِدٌ.
رواه البخاري (٦٣٠٥)، ومسلم (١٩٦).
[١٥٢] وَعَنهُ؛ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: آتِي بَابَ الجَنَّةِ يَومَ القِيَامَةِ، فَأَستَفتِحُ، فَيَقُولُ الخَازِنُ: مَن أَنتَ؟ فَأَقُولُ: مُحَمَّدٌ. فَيَقُولُ: بِكَ أُمِرتُ لا أَفتَحُ لأَحَدٍ قَبلَكَ.
رواه أحمد (٣/ ٣٦)، ومسلم (١٩٧).
[١٥٣] وَعَن أَبِي هُرَيرَةَ؛ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: لِكُلِّ نَبِيٍّ دَعوَةٌ مُستَجَابَةٌ، فَتَعَجَّلَ كُلُّ نَبِيٍّ دَعوَتَهُ، وَإِنِّي اختَبَأتُ دَعوَتِي شَفَاعَةً لأُمَّتِي يَومَ
ــ
في الرواية الأخرى: أنا أوّل شفيع في الجنّة يمكن حمله على ما تقدّم، ويحتمل أن يراد به أنّه يشفع في ترفيع منازل بعض أهل الجنّة، والأوّل أظهر.
و(قوله: لكلّ نبيٍّ دعوة مستجابة) أي: مجابة، والسين زائدة، يقال: أجاب واستجاب، قال: فلم يستجبه عند ذلك مجيبُ. أي: لم يجبه. ومعناه: أنهم ﵈ لهم دعوة في أممهم هم على يقين في إجابتها بما أعلمهم الله تعالى، ثم خيّرهم في تعيينها، وما عداها من دعواتهم يرجون إجابتها، وإلا فكم قد وقع (١) لهم من الدعوات المجابة؟ وخصوصًا نبينا - ﷺ -، فقد دعا لأمته بألا يسلط عليهم عدوا من غيرهم، وألا يهلكهم بسنة عامة فأعطيهما. وقد منع أيضًا بعض ما دعا لهم به؛ إذ قد دعا ألا يجعل بأسهم بينهم فمنعها، وهذا يحقق ما قلناه من أنّهم في دعواتهم راجون الإجابة، بخلاف هذه الدعوة الواحدة، والله تعالى أعلم.
_________________
(١) ساقط من (ع).
[ ١ / ٤٥٣ ]
القِيَامَةِ، فَهِيَ نَائِلَةٌ إِن شَاءَ اللهُ مَن مَاتَ مِن أُمَّتِي لا يُشرِكُ بِاللهِ شَيئًا.
رواه أحمد (٢/ ٢٧٥)، والبخاري (٦٣٠٤)، ومسلم (١٩٨)، والترمذي (٣٥٩٧)، وابن ماجه (٤٣٠٧).
[١٥٤] وَعَن عَبدِ اللهِ بنِ عمرو بنِ العَاصِ؛ أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - تَلا قَولَ اللهِ ﵎ فِي إِبرَاهِيمَ: رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضلَلنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ الآيَةَ، وَقَالَ عِيسَى: إِن تُعَذِّبهُم فَإِنَّهُم عِبَادُكَ وَإِن تَغفِر لَهُم فَإِنَّكَ أَنتَ العَزِيزُ الحَكِيمُ فَرَفَعَ يَدَيهِ وَقَالَ: اللهُمَّ! أُمَّتِي. أُمَّتِي وَبَكَى، فَقَالَ اللهُ ﵎: يَا جِبرِيلُ! اذهَب إِلَى مُحَمَّدٍ، وَرَبُّكَ أَعلَمُ، فَسلهُ: مَا يُبكِيكَ؟ فَأَتَاهُ جبريل فَسَأَلَهُ، فَأَخبَرَهُ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - بِمَا قَالَ،
ــ
و(قوله: فهي نائلة إن شاء الله تعالى) نائلة، وأصله من نال الشيء إذا ظفر به، ودخول الاستثناء هنا كدخوله في قوله تعالى: لَتَدخُلُنَّ المَسجِدَ الحَرَامَ إِن شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ وسيأتي القول فيه في قوله - ﵊ -: وإنّا إن شاء الله بكم لاحقون (١) في الطهارة.
و(قوله: وقال عيسى: إن تعذّبهم) هو مصدر معطوف على قوله: وتلا قول الله. والعرب تقول: قال يقول قولا وقالا وقيلا، فكأنه قال: وتلا قول عيسى (٢). ومعنى هاتين الآيتين أنّ كلَّ واحد من إبراهيم وعيسى لم يَجزِمَا في الدعاء لعصاة أممهما، ولم يُجهدا أنفسهما في ذلك، ولم يكن عندهما من فرط الشفقة ما كان ينبغي لهما. ألا ترى أنهما في الآيتين كأنّهما تبرأا من عصاة أممهما، ولما فهم نبينا - ﷺ - ذلك؛ انبعث بحكم ما يجده من شدة شفقته ورأفته وكثرة حرصه
_________________
(١) سيأتي برقم (١٨٥).
(٢) ساقط من (ع).
[ ١ / ٤٥٤ ]
وهو أَعلَمُ. فَقَالَ اللهُ: يَا جِبرِيلُ! اذهَب إِلَى مُحَمَّدٍ فَقُل: إِنَّا سَنُرضِيكَ فِي أُمَّتِكَ وَلا نَسُوءُكَ.
رواه مسلم (٢٠٢).
* * *
ــ
على نجاة أمته، وبحكم ما وهبه الله تعالى من رفعة مقامه على غيره، جازمًا في الدعاء مجتهدًا فيه لهم متضرعًا باكيا مُلحًّا يقول: أمتي أمتي، فعل المحب المستهتر (١) بمحبوبه، الحريص على ما يرضيه، الشفيق عليه، اللطيف به، ثم لم يزل كذلك حتى أجابه الله فيهم، وبشّره بما بشرّه من مآل حالهم، حيث قال له تعالى: إنا سنرضيك في أمتك، وهو معنى قوله تعالى: وَلَسَوفَ يُعطِيكَ رَبُّكَ فَتَرضَى (٢).
قال بعض العلماء: واللهِ ما يرضى محمد وواحد من أمته في النار. وهذا كلّه يدلّ على أنّ الله تعالى خصّ نبينا - ﷺ - من كرم الخُلق، ومن طيب النفس، ومن مقام الفتوة (٣) بما لم يخص به أحدا غيره، وإليه الإشارة بقوله تعالى: وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ، وبقوله: لَقَد جَاءَكُم رَسُولٌ مِن أَنفُسِكُم الآية، صلى الله عليه أفضل ما صلى على أحدٍ من خليقته، وجازاه عنّا أفضل ما جازى نبيًّا عن أمته.
وأمر الله تعالى جبريل بأن يسأل نبينا ﵊ عن سبب بكائه؛ ليعلم جبريل تمكن نبينا في مقام الفتوة، وغاية اعتنائه بأمته - ﷺ -.
_________________
(١) "المستهتر": المولَع.
(٢) ما بين حاصرتين ساقط من (ع).
(٣) "الفتوة": حُسْن الخُلُق وبذل المعروف.
[ ١ / ٤٥٥ ]