٦٦ - عن أنس بن مالك ﵁ أنه قال: حلبت لرسول الله ﷺ شاة داجن وهي في داري وشيب لبنها بماء من البئر التي في داري فأعطى** رسول الله ﷺ القدح فشرب منه حتى إذا نزع القدح من فيه وعلى يساره أبو بكر وعن يمينه أعرابي فقال عمر: وخاف أن يعطيه الأعرابي أعط أبا بكر يا رسول الله عندك فأعطاه الأعرابي الذي على يمينه ثم قال الأيمن فالأيمن.
[ ٢ / ٢٨٢ ]
-[المعنى العام]-
دعا أنس بن مالك ﵁ رسول الله ﷺ إلى داره وقدم إليه إناء فيه لبن مخلوط بماء، فشرب رسول الله منه، فلما أبان القدح عن فمه نظر إلى القوم، وفيهم أبو بكر عن يساره وعمر من أمامه وأعرابي عن يمينه، ورأى عمر أن الرسول ﷺ يميل الإناء نحو الأعرابي، فخشي أن يقدمه على أول مصدق في الإسلام، ثاني اثنين إذ هما في الغار، فقال: أعط أبا بكر بجوارك يا رسول الله وفطن الرسول إلى مقصد عمر، وكان ﷺ يقصد مقصدا أسمى، فناول الأعرابي كان يقصد أن يربي الأمة، وأن يغرس في نفوسهم أن الناس سواسية أمام الأحكام الشرعية، وأن اليمين مقدم على الشمال، ولئن طيب التشريع نفوس الكبراء بتقديمهم عند تساوي بعض الأوصاف، فقد طيب نفوس الضعفاء والفقراء بتقديمهم إذا هم سبقوا إلى الأماكن المفضلة الشرعية، فإن فاتتهم فرصة الجاه والمكانة، فأمامهم فرصة السبق إلى عمل الخير، وإلى المكان المقدم لينالوا الفضل والفضيلة.
-[المباحث العربية]-
(شاة داجن) الداجن شاة ألفت البيوت وأقامت بها، قال ابن الأثير الداجن الشاة التي يعلفها الناس في منازلهم، ولم يقل: داجنة لأن الشاة تذكر وتؤنث.
(وشيب لبنها بماء) الفل على صيغة المبني للمجهول، من شاب يشوب أي خلط (فأعطي رسول الله ﷺ القدح) فاعل "أعطى" ضمير يعود على أنس، وأصل الرواية بضمائر الغيبة، ولفظها "حدثني أنس بن مالك ﵁ أنه حلبت لرسول الله ﷺ شاة داجن -وهو دار أنس بن مالك -وشيب لبنها بماء من البئر التي في دار أنس، فأعطي رسول الله ﷺ القدح ".
(إذا نزع القدح) أي قلعه من فمه وأبعده عنه، وجواب إذا محذوف
[ ٢ / ٢٨٣ ]
تقديره: مال نحو الأعرابي.
(وعلى يساره أبو بكر وعن يمينه أعرابي) قيل: إنه خالد بن الوليد ورد بأنه لا يقال له أعرابي، وسبب تعبيره أولا بعلى وثانيا بعن أن موضع اليسار كان مرتفعا فاعتبر استعلاؤه، أو كان الأعرابي بعيدا عن الرسول ﷺ، والجملة حال.
(فقال عمر) الفعل معطوف على جواب "إذا"
(وخاف أن يعطيه الأعرابي) فاعل "يعطي" يعود على الرسول ﷺ والهاء مفعوله الثاني ويعود على القدح، والأعرابي مفعوله الأول. وأن ما دخلت عليه في تأويل مصدر مفعول "خاف" وفاعلها يعود على عمر، وجملة خاف في محل النصب على الحال بتقدير "قد" عند من يشترط اقتران الماضي بها إذا وقع حالا.
(أعط أبا بكر يا رسول الله عندك) مفعول أعط الثاني محذوف، أي أعط أبا بكر القدح، والظرف متعلق بمحذوف وقع حالا أي أعط أبا بكر حالة كونه عندك ومجاورا لك.
(الأيمن فالأيمن) بالنصب على تقدير: قدموا أو أعطوا. وبالرفع على تقدير الأيمن أحق، ويدل على ترجيح رواية الرفع ما جاء في بعض الطرق "الأيمنون. الأيمنون. الأيمنون".
-[فقه الحديث]-
يمكن إجمال نقاط الحديث في:
١ - وجهة نظر عمر في طلبه.
٢ - آراء الفقهاء في تقديم الأيمن في الشراب مع توجيه الأحاديث.
٣ - وآرائهم في تقديمه في غير الشراب مع التوجيه.
٤ - الجمع بين الحديث وبين أحاديث معارضة.
[ ٢ / ٢٨٤ ]
٥ - ما يؤخذ من الحديث من أحكام، وهذا هو التفصيل:
أولا: قصد عمر بن الخطاب ﵁ بهذا العرض تذكير الرسول ﷺ وإعلام الأعرابي بجلالة قدر أبي بكر ﵁.
ثانيا: وجمهور الفقهاء على استحباب تقديم من هو يمين الشارب في الشرب وإن كان مفضولا بالنسبة إلى من هو على يسار الشارب، لفضل جهة اليمين على جهة اليسار. قال القاضي عياض: وهذا لا خلاف فيه. وقال النووي: إنها واضحة، وخالف في ذلك ابن حزم فقال لا بد من مناولة الأيمن كائنا من كان، فلا يجوز مناولة الأيسر إلا بإذن الأيمن، ويؤيده ظاهر ما ورد في البخاري "أتى النبي ﷺ بقدح فشرب منه وعن يمينه غلام أصغر القوم، والأشياخ عن يساره فقال: يا غلام أتأذن لي أن أعطيه الأشياخ؟ قال: ما كنت لأوثر بفضل منك أحدا يا رسول الله. فأعطاه إياه" وما ورد عن ابن عباس قال: "دخلت أنا وخالد بن الوليد مع رسول الله ﷺ على ميمونة فجاءتنا بإناء فيه لبن، فشرب رسول الله ﷺ وأنا معه وخالد عن يساره فقال لي: الشربة لك، وإن شئت آثرت خالدا، فقلت: ما كنت لأوثر بسؤرك أحدا" والجمهور يحمل هذه الأحاديث على الندب، لا على الوجوب، وإنما استأذن رسول الله ﷺ ابن عباس أن يعطي خالد بن الوليد ولم يستأذن الأعرابي في أن يعطي أبا بكر ائتلافا لقلب الأعرابي وتطييبا لنفسه، وشفقة عليه أن يسبق إلى قلبه شيء يهلك به، لقرب عهده بالجاهلية ولم يجعل ذلك لابن عباس لقرابته ﷺ ولصغر سنه، ولأن الأشياخ أقاربه فاستأذنه تأدبا ولئلا يوحشهم بتقديمه عليهم، وتعليما بأنه لا ينبغي أن يدفع لغير الأيمن إلا بإذنه.
ثالثا: والجمهور على أن غير المشروب من الفاكهة واللحم وغيرها حكمه حكم الماء. ونقل عن مالك تخصيص ذلك بالشراب، ولعل ملحظه أن الشرب يكون خيره في أوله غالبا، ولأن النفس تعاف السؤر عادة، فرفعا لهذا الحرج احتجنا إلى مرجح شرعي، وهو تقديم الأيمن لفضل اليمين أما غير الشراب فالمتأخر يتساوى في الخير مع المتقدم، بل قد يفضله في النوع أو الكمية.
[ ٢ / ٢٨٥ ]
رابعا: وقد تعارض ظاهر الحديث مع ما ورد "ابدءوا بالكبراء" أو قال "بالأكابر" وجمع بينهما بأن البدء بالكبراء إنما يكون إذا لم يوجد أحد على جهة اليمين، بأن كان الحاضرون تلقاء وجه المناول أو وراءه: فتقديم الأفاضل والكبار هو عند التساوي في باقي الأوصاف.
-[ويؤخذ من الحديث:]-
١ - مشروعية تقديم من هو على يمين المناول.
٢ - جواز شرب اللبن بالماء لنفسه أو لأهل بيته أو لأضيافه، وإنما يمنع ذلك إذا أراد بيعه، لأنه غش حرام.
٣ - أن الجلساء شركاء في الهدية، وذلك على جهة الأدب والمروءة والفضل والأخوة، لا على الوجوب، لإجماعهم على أن المطالبة بذلك غير واجبة.
٤ - أن من قدم إليه شيء من الطعام أو الشراب استحب له قبوله إذا علم طيب مكسب صاحبه.
٥ - أن من سبق إلى مجلس عالم أو كبير أو إلى موضع من المسجد أو إلى موضع مباح فهو أحق ممن يجيء بعده كائنا من كان، ولا يقام أحد من مجلس جلسه.
٦ - فضيلة اليمين على غيرها.
٧ - أن من استحق شيئا من الأشياء لا يصرف عنه إلى غيره مهما كانت مرتبته.
[ ٢ / ٢٨٦ ]