إنْ قلتَ: ذكرتَ أنَّ أعربَ الوجُوهِ عندك الرَّفعُ في / الحرفين، وأصل «لا» العاملةِ نصبُ النَّكرةِ المنفِيَّةِ المفردةِ التَّاليةِ لها، وقصارَاكَ إنْ عطفتَ النَّكراتِ عليها مع تكرارِها أنْ تجوِّزَ الرفعَ تجويزَ النَّصبِ، فأمَّا ترجيحُهُ عليه فدعوى، وكيف وقُدوةُ الجماعةِ يقولُ: النَّصبُ أجودُ وأكثرُ منَ الرَّفعِ (^٢)؟
فاعلمْ- وفَّقكَ اللهُ- أنِّي إذا بيَّنتُ لك قولي ورفعتُ منارَهُ، رأيتُ ترجِيحَه وإيثارَهُ؛ وذَاك أنِّي لمْ أرَ ذلِك من جِهَةِ مذهبِ النُّحاةِ وتقويمِ الألفاظ، ولكنْ مِن جِهَةِ المعنى وتصحيحِ الأغراضِ، وترتيبِ الكلامِ ونظامِهِ، وردِّ أعجازِهِ لصُدُورِهِ وتفصيلِ أقسامِهِ؛ وذلك أنَّ هذِه المرأةَ أوْدعَتْ أوَّلَ كلامِها تشبيهَ / شيئين مِنْ زوجِها بشيئين كما تقدَّمَ، فشبَّهتْ باللَّحمِ الغَثِّ: بُخلَه وقِلَّةَ عُرْفِهِ، وبالجبلِ الوعْثِ: شراسَةَ خُلُقِهَ وشموخَ أنفِهِ. فلمَّا أتمَّتْ كلامَها، جعلتْ تفسِّرُ- مُستأنِفَةً- كلَّ واحدةٍ مِنَ الجملتين، وتُفصِّلُ- ناعتةً- كلَّ قسمٍ من التَّشبيهين، فَفَصَّلتْ الكلامَ وقسَّمتْهُ، وأبانتْ الوجهَ الذي به علَّقتْ التَّشبيهَ وشرحَتْه، فقالَتْ: لا الجبلُ سهلٌ، فلا يُشقُّ ارتقاؤه لِأخذِ اللَّحمِ الغَثِّ المزهودِ فيه؛ لأنَّ الشَّيءَ المزهودَ / فيه ربَّما أُخِذَ إذا جاء عفوًا، وتُنُوِّلَ إذا سَهُلَ مأخذُهُ،
_________________
(١) كذا في: (ت)، (ع)، وهو الموافق لما في الديوان، وسقطت من: (ك)، وفي المطبوع: «أبدًا»، والبيت من الوافر، وهو - على ما في الديوان- ملفق هنا من بيتين، ينظر: «ديوان أمية بن أبي الصلت» (ص: ١٢١، ١٢٢)، و«خزانة الأدب» (٤/ ٤٩٤).
(٢) «الكتاب» لسيبويه (٢/ ٣٠٤).
[ ١٣٣ ]
ثم قالَتْ: ولا اللَّحمُ سمينٌ؛ فيُتحمَّلُ في طلبِهِ واقتفائهِ (^١) مشقَّةُ / صعودِ الجبلِ، ومعاناةُ وُعورتِهِ؛ إذ الشيءُ المرغوبُ فيه قد / تُتَحمَّلُ المشاقُّ دونَه، فإذا لم يكُنْ هذَا ولا ذاك، واجتمعَ قِلَّةُ الحرصِ عليه، ومشقَّةُ الوصولِ إليهِ، لم تَطْمحْ إليه هِمَّةُ طالبٍ، ولا امتدَّتْ نحوه أمنيَّةُ راغبٍ، فكذلك زوجُهَا قد أُيِسَ مِنْ خيرِهِ / لهذين الوجهين.
فقطعُ الكلامِ عند تمامِ التَّشبيهِ والتَّمثيلِ، وابتداؤُهُ بحكمِ التَّفسيرِ والتَّفصيلِ، ألْيقُ بنظمِ الكلام، وأحسنُ مِنْ نفْيِ التَّبرئةِ وسردِ الصِّفةِ في نمط البيان، وأجلى في ردِّ الأعجازِ على صدورِ هذه الأقسامِ.
وتأمَّلْ كتابَ اللهِ العزيزِ، فإنَّ المنفيَّاتِ حيثُ تردَّدَتْ فيه معطوفةً لشيءٍ واحدٍ، جاءتْ بالوجوهِ الثَّلاثةِ، كقوله تعالى: ﴿وَفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ (٣٢) لَا مَقْطُوعَةٍ وَلَا مَمْنُوعَةٍ﴾ [الواقعة: ٣٢ - ٣٣]، و﴿كَأْسًا لَا لَغْوٌ فِيهَا وَلَا تَأْثِيمٌ﴾ [الطور: ٢٣]، و﴿يَوْمٌ لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خُلَّةٌ﴾ [البقرة: ٢٥٤]، قُرِئ بالوجَهين الرَّفعُ والنَّصبُ (^٢)، و﴿لَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾ [البقرة: ١٩٧].
وحيث وردَتْ المنفيَّاتُ فيه لِصفاتِ أشياءٍ أو لشَيئينِ يختَصُّ كلُّ واحدٍ منها بوصفٍ، وقُصِدَ كلُّ شيءٍ منها بنفْيِ عيبٍ: ابتُدِأ الكلامُ حينئذٍ مستأنفًا، فقال: ﴿بَيْضَاءَ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ (٤٦) لَا فِيهَا غَوْلٌ وَلَا هُمْ عَنْهَا يُنْزَفُونَ﴾ [الصافات: ٤٦ - ٤٧].
_________________
(١) في المطبوع: «وانقائه».
(٢) قرأ ابن كثير وأبو عمرو بالفتح في بيع وخلة وشفاعة ولا تنوين والباقون بالرفع والتنوين. ينظر: «الكنز في القراءات العشر» (١/ ٨٣)، «شرح طيبة النشر» لابن الجزري (ص: ١٧٣)، و«المكرر في ما تواتر من القراءات السبع وتحرر» (ص: ٦٠).
[ ١٣٤ ]
فقولُهُ: ﴿لَا فِيهَا غَوْلٌ﴾ من صفةِ المشروبِ، وقولُهُ: ﴿وَلَا هُمْ عَنْهَا يُنْزَفُونَ﴾ مِنْ صفةِ الشَّاربين، وهذا مِنَ التَّرتيبِ البديعِ، والتَّناسُبِ العجيبِ؛ فإنَّه جعلَ الوصفَ الأوَّلَ للموصوفِ الأوَّلِ، والثَّانِي للثَّانِي، وهو مِن أبدعِ أنواعِ التَّأليفِ، وأحسنِ أساليب التَّرصيفِ (^١)، ومثلُهُ قولِ امرئ القيسِ: /
كَأنَّ قلُوبَ الطَّيرِ رَطْبًا ويابِسًا لَدَى وَكْرِهَا العُنَّابُ، والحَشَفُ البَالِي (^٢)
/ فأتَى «بالعُنَّابِ» أوَّلًا «للقلوبِ الرَّطبةِ» المذكورةِ أوَّلًا، و«الحَشَفُ» ثانِيًا «لليابِسَةِ» المذكورةِ ثَانِيًا، وقول بعضِهم:
سَلْ عنه، وانْطِقْ بِهِ، وانْظُرْ إليهِ، تَجِدْ مِلءَ المَسامِعِ، والأَفْواهِ، والمُقَلِ (^٣)
فإنَّه قابَلَ بقولِهِ: «مِلء المَسامِعِ» أوَّلًا في الشَّطرِ الثَّانِي قولَهُ: / «سل عنه» أوَّلًا في الشَّطرِ الأوَّلِ.
_________________
(١) الترصيف: هو وصل كل حرف متصل إلى حرف. التأليف: هو جمع كل حرف غير متصل إلى غيره على أفضل ما ينبغي ويحسن. «صبح الأعشى» (٣/ ١٤٤).
(٢) البيت من الطويل، وينظر: «ديوان امرئ القيس» (ص: ١٣٩)، والعناب: ثمر أحمر معروف، والحشف البالي: يابس التمر. والبيت قبله: كأني بفتخاءِ الجناحيْنِ لقوةٍ ** صيودٍ من العقبان طأطأت شيمالي فالضمير في «وكرها» عائد على العقاب، واستشهد به أهل البيان على التشبيه الملفوف، وهو أن يؤتى بمشبهين ثم المشبه بهما، فإن العناب راجع إلى رطب، والحشف راجع الى يابس. قال المبرد: هذا البيت أحسن ما جاء في تشبيه شيئين مختلفين في حالين مختلفين بشيئين مختلفين. ينظر: «الكامل» للمبرد (٣/ ٢٥)، و«شرح شواهد المغني» (١/ ٣٤٤).
(٣) البيت من البسيط وهو لابن شرف القيرواني ينظر: «تحرير التحبير» (ص ٤٢٧)، و«نهاية الأرب في فنون الأدب» (٧/ ١٣٠).
[ ١٣٥ ]
وأتَى «بالأَفْواهِ» ثانيًا في الثَّانِي مُقابِلًا «للنطقِ» ثانيًا في الأوَّلِ.
وأتى «بالمُقَلِ» ثالثًا في الثَّانِي مُقابِلًا «للنظرِ» ثالثًا في الأوَّلِ، ومثلُهُ:
قَلْبِي وَطَرْفي مِنْكَ هَذَا فِي حِمى قَيْظٍ، وَهَذا فِي رياضِ رَبيعِ (^١)
فإنَّه حملَ: «حِمى القيظِ» الذي جاء به أوَّلًا في العَجُزِ / على «القلبِ» الذي جاء به أوَّلًا في الصَّدرِ.
(وحَمَلَ: «رياضَ الرَّبيعِ» الذي أَتى به في العَجُزِ آخِرًا على «الطَّرْفِ» (^٢) الَّذي أتى به (^٣) في الصَّدرِ) (^٤) آخِرًا، فتناسبَ النَّظمُ على نسقِهِ، وتطاردَ التَّرتيبُ على جادَّةِ طلقِهِ.
وكذلك جاءَ في بعضِ رواياتِ حديثِ أمِّ زرعٍ تقديمُ: «لا سَمِينٌ» لعَوْدِهِ على اللَّحمِ المُقدَّمِ، وتأخيرُ: «لا سَهْلٌ» لِعطفِهِ على الجبلِ المؤخَّرِ.
وقد ترامى بِنا القولُ هُنا إلى لمْحَةٍ وإلماعَةِ مِمَّا في كلامِها مِنْ أبوابِ البلاغةِ، / وهو فصلٌ لَمْ نَرَ التَّطويلَ بَهَ هاهُنا، وسنذكرُهُ بعدُ مع أشباهِهِ مِمَّا في كلامِ صواحِبِها، إنْ شاءَ اللهُ تعالى.
* * *
_________________
(١) البيت من البسيط وهو للشّريف الرّضيّ ينظر: «ديوانه» (١/ ٦٥٤) ط. دار صادر، و«الحماسة المغربية» (٢/ ١٠٣٣).
(٢) في (ك): «القلب».
(٣) زاد في (ك): «أولًا».
(٤) ما بين القوسين مكرر في (ك).
[ ١٣٦ ]