أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُسلم بن قُتَيْبَة الْكُوفِي، وتسميه دَائِرَة المعارف الإسلامية: أَبَا عبد الله مُحَمَّد بن مُسلم بن قُتَيْبَة الْمروزِي مُخَالفَة بذلك مُعظم المراجع.
أما أَبوهُ "مُسلم" فقد كَانَ من أهل الْعلم والْحَدِيث إِلَّا أَنه لم يبلغ مستوى ابْنه عبد الله، وَيَقُول الْبَغْدَادِيّ: إِن أَبَاهُ كَانَ مروزيًّا أَي من أهل مرو.
وَأما جده "قُتَيْبَة" فقد اخْتلف فِي اشتقاق اسْمه؛ فَقيل: هُوَ تَصْغِير "قتبة" وَاحِدَة الأقتاب أَي الأمعاء، وَقيل: قُتَيْبَة مَأْخُوذ من القتب وَهُوَ الرحل الصَّغِير على قدر سَنَام الْبَعِير.
مولده ووفاته:
ولد سنة ٢١٣هـ دون خلاف بَين من ترْجم لَهُ، وَإِن كَانَ بَعضهم سكت عَن ذَلِك كالبغدادي، وَلم يذكرُوا مَعهَا شهرا كَمَا فعلوا حِين التأريخ لوفاته، وَذَلِكَ لأَنهم عرفوه حِين ذاع صيته وَعلا شَأْنه، وَلم يكن قبل ذَلِك مَعْرُوفا.
وَقد اخْتلفُوا فِي ذكر الْبَلَد الَّتِي ولد فِيهَا؛ فَقَالَ بَعضهم: ولد فِي الْكُوفَة كَابْن النديم وَابْن الْأَثِير وَابْن الْأَنْبَارِي، وَهُنَاكَ غَيرهم من المؤرخين قبل الْبَغْدَادِيّ والسمعاني، وَمن بعدهمَا القفطي يذكرُونَ: أَن مولده كَانَ بِبَغْدَاد، وَلَا يناقشون رِوَايَة غَيرهم، وَقد يكون مرد ذَلِك إِلَى أَنه أَقَامَ فِي بَغْدَاد فظنوا أَنه ولد فِيهَا، مَعَ أَن وَالِده لَيْسَ بغداديًّا وأسرته كَانَت غَرِيبَة عَن بَغْدَاد، وَذَلِكَ قد يرجح أَن يكون من مواليد الْكُوفَة وَالله أعلم.
[ ٢٢ ]
وكما اخْتلف على مَكَان وِلَادَته اخْتلف على سنة وَفَاته، فقد ذكر ابْن الْأَنْبَارِي أَنه أكل هريسة، فاحتر جِسْمه، ثمَّ أُغمي عَلَيْهِ ثمَّ أَفَاق فَمَا زَالَ يذكر الله ويتشهد حَتَّى مَاتَ فِي أول لَيْلَة من رَجَب سنة ٢٧٦هـ، وَيَقُول بذلك نفر من المؤرخين.
أما ابْن خلكان فَيَقُول: توفّي فِي ذِي الْقعدَة سنة ٢٧٠هـ، وَقيل سنة ٢٧١هـ، وَالرِّوَايَة الأولى أصح كَمَا رجح بعض المؤرخين، وَالله أعلم.
نسبته إِلَى الدينور:
ولي قَضَاء دينور وَهِي مَدِينَة قرب قرميسين، تبعد عشْرين فرسخًا عَن همذان، وَقد أَقَامَ بهَا مُدَّة فنسب إِلَيْهَا.
وَكَانَ شَدِيد الصِّلَة بالخاقاني أبي الْحسن عبيد الله بن يحيى الَّذِي كَانَ وزيرًا للمتوكل إِلَى سنة "٢٤٧هـ"، فولاه الْقَضَاء فِي دينور، وَبَقِي فِيهَا من "٢٣٢هـ" إِلَى "٢٤٧هـ" زمن خلَافَة المتَوَكل، ثمَّ عَاد ابْن قُتَيْبَة بعْدهَا إِلَى بَغْدَاد فنسب ابْن قُتَيْبَة إِلَى دينور، ودعي: بالدينوري.
نشأته وشيوخه:
نَشأ ابْن قُتَيْبَة فِي بَغْدَاد وَبهَا تلقى علومه وَأخذ عَن شيوخها، وَلم يذكر لَهُ شُيُوخ أَخذ الحَدِيث عَنْهُم بِغَيْر بَغْدَاد، وأهم شُيُوخه:
١- وَالِده: مُسلم بن قُتَيْبَة، وَقد حدث عَنهُ فِي كِتَابيه: عُيُون الْأَخْبَار والمعارف.
٢- أَحْمد بن سعيد اللحياني، وَقَرَأَ عَلَيْهِ: كتاب الْأَمْوَال، وَكتاب غَرِيب الحَدِيث لأبي عبيد.
٣- أَبُو عبد الله مُحَمَّد بن سَلام الجُمَحِي صَاحب طَبَقَات الشُّعَرَاء "ت٢٣١هـ".
٤- يحيى بن أَكْثَم القَاضِي؛ أَخذ عَنهُ بِمَكَّة وَرُبمَا كَانَ ذَلِك أثْنَاء حجَّة لَهُ "ت٢٤٢هـ".
[ ٢٣ ]
٥- ابْن رَاهْوَيْةِ أَبُو يَعْقُوب، إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم، وَهُوَ من عُلَمَاء الْفِقْه والْحَدِيث، وروى عَنهُ أَئِمَّة الحَدِيث مثل: البُخَارِيّ وَمُسلم وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ. "ت٢٣٨هـ".
٦- حَرْمَلَة بن يحيى التجِيبِي "ت٢٤٣هـ".
٧- الزيَادي أَبُو إِسْحَاق إِبْرَاهِيم بن سُفْيَان تلميذ سِيبَوَيْهٍ والأصمعي "ت٢٤٩هـ".
٨- دعبل بن عَليّ الْخُزَاعِيّ الشَّاعِر "ت٢٤٦هـ".
٩- أَبُو عبد الله الْحسن بن الْحُسَيْن بن حَرْب السّلمِيّ "ت٢٤٦هـ".
١٠- أَبُو عبد الله مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن مَرْزُوق بن بكير بن البهلول الْبَاهِلِيّ الْمصْرِيّ "ت٢٤٨هـ".
١١- شَبابَة بن سوار "ت٢٥٤هـ".
١٢- زِيَاد بن يحيى بن زِيَاد المساني الْبَصْرِيّ "ت٢٥٤هـ".
١٣- مُحَمَّد بن يحيى بن أبي حزم الْقطعِي الْبَصْرِيّ "ت٢٥٣هـ".
١٤- إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم بن مُحَمَّد الصَّواف "ت٢٥٣هـ".
١٥- مُحَمَّد بن زِيَاد بن عبيد الله بن زِيَاد بن الرّبيع الزيَادي الْبَصْرِيّ "ت٢٥٢هـ".
١٦- الجاحظ أَبُو عُثْمَان "ت٢٥٤هـ".
١٧- عبد الرَّحْمَن بن بشر بن الحكم بن حبيب "ت٢٦٠هـ".
١٨- عَبده بن عبد الله الْخُزَاعِيّ "ت٢٥٨هـ".
١٩- الْعَبَّاس بن الْفرج الرياشي "ت٢٥٧هـ".
٢٠- زيد بن أخزم الطَّائِي "ت٢٥٧هـ".
٢١- إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ حَبِيبِ بن الشَّهِيد الْبَصْرِيّ "ت٢٥٧هـ".
٢٢- مُحَمَّد بن خَالِد بن خرَاش بن عجلَان المهلبي.
٢٣- أَحْمد بن خَالِد الضَّرِير.
٢٤- عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بن قريب.
٢٥- مُحَمَّد بن عبيد بن عبد الْملك الْأَسدي.
[ ٢٤ ]
تلاميذه:
١- ابْنه أَحْمد بن عبد الله بن مُسلم الدينَوَرِي كَانَ يحفظ كتب أَبِيه حفظا كَامِلا. "ت٣٢٢هـ" ولي الْقَضَاء سنة ٣٢١هـ.
٢- أَحْمد بن مَرْوَان الْمَالِكِي "ت٢٩٨هـ" وَقد روى عَن ابْن قُتَيْبَة هَذَا الْكتاب "تَأْوِيل مُخْتَلف الحَدِيث". وَقد انْتهى إِلَيْنَا بروايته.
٣- مُحَمَّد بن خلف بن الْمَرْزُبَان "ت٣٠٩هـ".
٤- إِبْرَاهِيم بن مُحَمَّد بن أَيُّوب بن بشير الصَّائِغ "ت٣١٣هـ" روى مصنفات ابْن قُتَيْبَة كلهَا.
٥- عبيد الله بن عبد الرَّحْمَن بن مُحَمَّد بن عِيسَى السكرِي "ت٣٢٣هـ".
٦- عبيد الله بن أَحْمد بن عبد الله بن بكير التَّمِيمِي "ت٣٣٤هـ".
٧- الْهَيْثَم بن كُلَيْب الشَّاشِي "ت٣٣٥هـ" وَقد أَخذ عَنهُ الْأَدَب خَاصَّة.
٨- قَاسم بن أصبغ الأندلسي "ت٣٤٠"هـ قَرَأَ عَلَيْهِ "المعارف" و"شرح غَرِيب الحَدِيث".
٩- إِبْرَاهِيم بن أَحْمد الشَّيْبَانِيّ الْبَغْدَادِيّ "ت٢٩٨هـ".
١٠- أَحْمد بن الْحُسَيْن بن إِبْرَاهِيم الدينَوَرِي، وَقَرَأَ عَلَيْهِ "تَأْوِيل مُخْتَلف الحَدِيث".
١١- عبد الله بن جَعْفَر بن درسْتوَيْه الْفَسَوِي "ت٣٣٥هـ".
١٢- أَبُو عبد الله بن أبي الْأسود "٣٤٣هـ".
مؤلفاته:
١- مُشكل الْقُرْآن: وَقد جمع بَين هَذَا الْكتاب وغريب الْقُرْآن أَحْمد بن مطرف الْكِنَانِي "ت٣٥٤" فِي كتاب أسماه: "القرطين" ينقص مِنْهُمَا وَيزِيد "مطبوع، نشر بِالْقَاهِرَةِ ١٩٣٥".
٢- مَعَاني الْقُرْآن: ذكره السُّيُوطِيّ والداودي وعياض.
٣- الْقرَاءَات: ذكره ابْن النديم فِي "الفهرست".
٤- إِعْرَاب الْقرَاءَات: هَكَذَا سَمَّاهُ ابْن خلكان والقفطي.
[ ٢٥ ]
٥- الرَّد على الْقَائِل بِخلق الْقُرْآن: ذكره السُّيُوطِيّ فِي "البغية". والداودي فِي: "طَبَقَات الْمُفَسّرين".
٦- آدَاب الْقِرَاءَة: ذكره صَاحب كشف الظنون.
٧- غَرِيب الحَدِيث: ذكره ابْن النديم وَابْن خلكان والخطيب والداودي وَغَيرهم، وَقد أحسن فِيهِ "مطبوع نشره عبد الله الجبوري فِي ٣ أَجزَاء بِبَغْدَاد -وزارة الْأَوْقَاف ١٩٧٧-١٩٧٨م".
٨- إصْلَاح غلط أبي عبيد: وَقد استدرك فِيهِ ابْن قُتَيْبَة على أبي عُبَيْدَة فِي نَيف وَخمسين موضعا فِي غَرِيب الحَدِيث "مخطوط أيا صوفيا ٤٥٧".
٩- الْمسَائِل والأجوبة: ذكره الدَّاودِيّ والسيوطي بِهَذَا الِاسْم، وَذكره غَيرهم باسم: الْمسَائِل والجوابات "مخطوط، عَاشر أَفَنْدِي ١٩٧٩" وَقد طبع بِمصْر.
١٠- دَلَائِل النُّبُوَّة: ذكره ابْن النديم والداودي والسيوطي وحاجي خَليفَة بِهَذَا الِاسْم، وَذكره ابْن الْأَنْبَارِي باسم: دَلَائِل النُّبُوَّة من الْكتب الْمنزلَة على الْأَنْبِيَاء ﵈.
١١- جَامع الْفِقْه: ذكره ابْن النديم فِي "الفهرست" وَذكره القفطي باسم: كتاب الْفِقْه.
١٢- كتاب الْأَشْرِبَة: ذكره ابْن النديم وَابْن خلكان والقفطي "وطبع الْكتاب بتحقيق مُحَمَّد كرد عَليّ بِدِمَشْق ١٣٦٦هـ-١٩٤٧م".
١٣- الرَّد على المشبهة: ذكره ابْن النديم والداودي والسيوطي والقفطي "مطبوع، نشر بِالْقَاهِرَةِ ١٣٤٩هـ-١٩٣٠م".
١٤- أدب الْكَاتِب: ذكره ابْن النديم وَابْن خلكان والسمعاني وَالطّيب فِي: "قلادة النَّحْر" وَابْن كثير والقفطي وَابْن الْعِمَاد، وَقد طبع الْكتاب مَرَّات "نشره جرونرت grunert ليدن ١٩٠٠ وَنشر فِي الْقَاهِرَة ١٣٠٠، ١٣١٠، ١٣٢٨، ١٣٥٥هـ -١٩٣٦م".
١٥- عُيُون الشّعْر: ذكره ابْن النديم ثمَّ ذكر كتابا آخر لِابْنِ قُتَيْبَة
[ ٢٦ ]
أسماه: الْمَرَاتِب والمناقب من عُيُون الشّعْر ويحتوي على عشرَة كتب هِيَ: "الْجَوَاهِر، الشواهد، القلائد، المحاسن، المدائح، الْمَرَاتِب، المراكب، الْمشَاهد، الْمعَانِي، المناقب".
١٦- كتاب الْمعَانِي الْكَبِير: ذكره ابْن النديم باسم: مَعَاني الشّعْر الْكَبِير، وَقد أَشَارَ إِلَيْهِ ابْن قُتَيْبَة فِي كِتَابه "عُيُون الْأَخْبَار" حَيْثُ يَقُول: وَقد فسرت هَذَا الشّعْر فِي كتابي الْمُؤلف فِي أَبْيَات الْمعَانِي فِي خلق الْفرس "مخطوط، يُوجد الْقسم الأول مِنْهُ وَهُوَ أَبْيَات الْمعَانِي فِي الْخَيل، ومخطوط فِي أيا صوفيا ٤٠٥٠، وتوجد تتمته "الْقسم الثَّانِي" فِي الْمكتب الْهِنْدِيّ أول ١١٣٧".
ويحتوي هَذَا الْكتاب على اثْنَي عشر كتابا هِيَ: "الْإِبِل: ١٦ بَابا، الْإِيمَان والدواهي: ٧ أَبْوَاب، تَصْحِيف الْعلمَاء: بَاب وَاحِد، الْحر: ١٠ أَبْوَاب، الديار: ١٠ أَبْوَاب، الرِّيَاح: ٣١ بَابا، السبَاع والوحوش: ١٧ بَابا، الشيب وَالْكبر ٨ أَبْوَاب، الضَّرُورَة: ٢٠ بَابا، الْفرس: ٤٦ بَابا، النِّسَاء والغزل: بَاب وَاحِد، الْهَوَام: ٢٤ بَابا".
١٧- ديوَان الكتّاب: ذكره ابْن النديم، والسيوطي، وحاجي خَليفَة.
١٨- تَقْوِيم اللِّسَان: ذكره حاجي خَليفَة.
١٩- خلق الْإِنْسَان: ذكره ابْن النديم والداودي، والسيوطي، وحاجي خَليفَة.
٢٠- كتاب الْخَيل: ذكره ابْن النديم وَابْن خلكان، والداودي، والسيوطي والقفطي.
٢١- كتاب الْأَنْوَار: ذكره ابْن النديم وَابْن خلكان، والداودي، والسيوطي والقفطي والسمعاني، "وَهُوَ مطبوع نشره بِلَال وَمُحَمّد حميد الله. حيدر آباد، مطبوعات دَائِرَة المعارف العثمانية ١٩٥٦م".
٢٢- جَامع النَّحْو الْكَبِير: ذكره ابْن النديم والداودي والسيوطي والقفطي وحاجي حليفة.
[ ٢٧ ]
٢٣- جَامع النَّحْو الصَّغِير: ذكره ابْن النديم والداودي والسيوطي والقفطي وحاجي خَليفَة.
٢٤- الميسر والقداح: ذكره ابْن النديم وَابْن خلكان والقفطي وَصَاحب طَبَقَات فُقَهَاء السَّادة الْحَنَفِيَّة "مطبوع نشره محب الدَّين الْخَطِيب، الْقَاهِرَة ١٣٤٣هـ - ١٩٢٤م".
٢٥- فضل الْعَرَب على الْعَجم: ذكره ابْن قُتَيْبَة فِي كِتَابه: "عُيُون الْأَخْبَار" وَلَا يبعد أَن يكون كتاب: "التَّسْوِيَة بَين الْعَرَب والعجم" الَّذِي ذكره ابْن النديم والقفطي على أَنه كتاب آخر، هُوَ هَذَا الْكتاب باسم جَدِيد.
٢٦- عُيُون الْأَخْبَار: ذكره ابْن النديم، وَابْن خلكان، والخطيب الْبَغْدَادِيّ، والسمعاني، وَابْن كثير، وَابْن الْأَنْبَارِي والقفطي "مطبوع، دَار الْكتاب، الْقَاهِرَة ٤ أَجزَاء ١٩٢٥-١٩٣٠م".
٢٧- طَبَقَات الشُّعَرَاء: ذكره ابْن خلكان، والداودي، والسيوطي، والقفطي، وَابْن الْعِمَاد. "مطبوع، نشره ritter shausen "ليدن ١٨٧٥م، ونشره أَيْضا دي خويه degeje ونشره جود فرواري موبيس باريس ١٩٤٧ وطبع ببيروت، دَار الثقافة ١٩٦٤م".
٢٨- الْحِكَايَة والمحكي: ذكره ابْن النديم.
٢٩- فرائد الدُّرَر: ذكره ابْن النديم.
٣٠- حكم الْأَمْثَال: ذكره ابْن النديم.
٣١- آدَاب الْعشْرَة: ذكره ابْن النديم.
٣٢- كتاب الْعلم: ذكره ابْن النديم والقفطي بِهَذَا الِاسْم، ثمَّ ذكره الدَّاودِيّ والسيوطي باسم كتاب الْقَلَم.
٣٣- تَعْبِير الرُّؤْيَا: ذكره ابْن النديم وَأَبُو الطّيب اللّغَوِيّ بِهَذَا الِاسْم، وَذكر ابْن قُتَيْبَة باسم "تَأْوِيل الرُّؤْيَا".
٣٤- الجراثيم: يشك فِي نسبته لِابْنِ قُتَيْبَة.
[ ٢٨ ]
٣٥- الجوابات الْحَاضِرَة: ذكره الدَّاودِيّ والسيوطي، وحاجي خَليفَة.
٢٦- مُشكل الحَدِيث: ذكره ابْن خلكان، والخطيب، والسمعاني، وَابْن الْأَنْبَارِي، والقفطي، وَصَاحب طَبَقَات فُقَهَاء السَّادة الْحَنَفِيَّة وَابْن الْعِمَاد.
٣٧- كتاب المعارف: "مطبوع، نشره فستنفلد فِي جوتنجن: ١٨٥ وَنشر أَيْضا بِالْقَاهِرَةِ ١٣٠٠هـ، ١٣٥٢هـ -١٩٣٩م".
٣٨- اخْتِلَاف تَأْوِيل الحَدِيث: "مطبوع بِمصْر عَام ١٣٢٦هـ - ١٩٠٨م" وَهُوَ الْكتاب الَّذِي نَحن بصدده.
كتاب "مُخْتَلف تَأْوِيل الحَدِيث":
ذكره ابْن خلكان، والخطيب والسمعاني وَابْن الْأَنْبَارِي والقفطي وَصَاحب طَبَقَات فُقَهَاء السَّادة الْحَنَفِيَّة وَابْن الْعِمَاد.
وَيذكر ابْن النديم كتابا لِابْنِ قُتَيْبَة باسم "الْمُشكل" وَلَا نَدْرِي أهوَ: مُشكل الحَدِيث هَذَا، أم هُوَ مُشكل الْقُرْآن؟ وأغلب الظَّن أَن ابْن قُتَيْبَة إِذا ذكر "الْمُشكل" وَلم يضف إِلَيْهِ أَرَادَ: مُشكل الْقُرْآن.
ثمَّ يستطرد ابْن النديم، وَيذكر كتابين آخَرين فِي هَذَا الْغَرَض وهما:
١- مُخْتَلف الحَدِيث.
٢- اخْتِلَاف تَأْوِيل الحَدِيث.
ويذكره الدَّاودِيّ والسيوطي باسم: مُخْتَلف الحَدِيث، ويورده حاجي خَليفَة باسم: اخْتِلَاف الحَدِيث، وباسم: كتاب المناقضة، وبدار الْكتب المصرية نُسْخَة مِنْهُ باسم: الرَّد على من قَالَ بتناقض الحَدِيث، ويسميها مفهرس دَار الْكتب باسم: "المشتبه من الحَدِيث وَالْقُرْآن وَذكر الْأَحَادِيث الَّتِي قيل بتناقضها". ويذكره جورجي زَيْدَانَ فِي تَارِيخ الْآدَاب الْعَرَبيَّة باسم: المشتبه من الحَدِيث وَالْقُرْآن، وَقد ظهر هَذَا الْكتاب مطبوعًا بِالْقَاهِرَةِ "١٣٢٦هـ" باسم: تَأْوِيل مُخْتَلف الحَدِيث.
[ ٢٩ ]
مردُّ الالتباس فِي أَسمَاء كتبه:
يَقُول الدكتور ثروت عكاشة فِي الْكتاب الَّذِي حَقَّقَهُ لِابْنِ قُتَيْبَة: "المعارف" فِي تَوْضِيحه للِاخْتِلَاف فِي عدد الْكتب وأسمائها مِمَّا نسب لِابْنِ قُتَيْبَة مَا يَلِي:
وَإِنَّهُم ليعدون لِابْنِ قُتَيْبَة أَسمَاء لكتب أُخْرَى، وَأكْثر الظَّن أَنَّهَا لَيست كتبا مُسْتَقلَّة بل إِنَّهَا أَبْوَاب من نَحْو هَذَا الَّذِي يذكرُونَ لَهُ من أَنه لَهُ كتاب اسْمه: "اسْتِمَاع الْغناء بالألحان" معتمدين على مَا ذكره حاجي خَليفَة فِي حرف السِّين حَيْثُ يَقُول: "وَالْعُلَمَاء اخْتلفُوا فِي اسْتِمَاع الْغناء بالألحان، وَهِي مَسْأَلَة طَوِيلَة الذيل، خصها كثير من الْمُتَقَدِّمين بالتصنيف كَالْقَاضِي أبي الطّيب، والعلامة أبي مُحَمَّد ابْن قُتَيْبَة".
فَمَا نشك فِي أَن ابْن قُتَيْبَة كتب فِي هَذَا الْمَوْضُوع، وَلَكِن الَّذِي نشك فِيهِ أَن يكون لَهُ كتاب بِهَذَا الِاسْم. وَلَعَلَّ الدَّافِع الَّذِي دفع هَؤُلَاءِ إِلَى التَّوَسُّع فِي الْجمع شَيْء من الْجَهْل بمحتويات كتب ابْن قُتَيْبَة، وَذَلِكَ لأَنهم عرفُوا أَكْثَرهَا بِالسَّمَاعِ.
وَشَيْء آخر هُوَ مَا قرءوه وسمعوه من بعض المؤرخين، مثل صَاحب "التحديث بمناقب أهل الحَدِيث" حَيْثُ يذكر أَن كتب ابْن قُتَيْبَة زهاء ثَلَاثمِائَة كتاب، فيدفعهم هَذَا إِلَى التصيد والتحايل. وَمَا أَشك فِي أَن الَّذِي قصد إِلَيْهِ صَاحب "التحديث" هُوَ هَذِه الْأَبْوَاب الَّتِي احتوت عَلَيْهَا كتب ابْن قُتَيْبَة، بِعَدِّ كل بَاب كتابا، وَإِلَّا اتهمناه بِمَا نبرئ مِنْهُ كل مُتَّصِل بِالْعلمِ والتأليف. وَمَا أملينا إِلَى أَن نَأْخُذ بِمَا سبق فِيهَا "المدارك" حَيْثُ تحدث عَن أبي جَعْفَر أَحْمد، وَأَنه كَانَ يحفظ مصنفات أَبِيه، وعدتها وَاحِد وَعِشْرُونَ مصنفًا، وَمَا هَذَا الْعدَد بِقَلِيل على عَالم من الْعلمَاء، عمر مثل مَا عمر ابْن قُتَيْبَة، لَا سِيمَا والمؤلفات من المؤلفات ذَات الْأَجْزَاء.
غير أَن الَّذِي يعنينا هُوَ أَن ندلل على أَن البيئة الَّتِي عَاشَ فِيهَا ابْن قُتَيْبَة شغلت ابْن قُتَيْبَة بهَا وَلم يكد يفلته ركن لم يُشَارك فِيهِ.
[ ٣٠ ]
آراء الْعلمَاء فِي ابْن قُتَيْبَة:
تباينت آراء الْعلمَاء فِي ابْن قُتَيْبَة فوثقه بَعضهم وجرحه آخَرُونَ، وَقد جعله ابْن تَيْمِية لأهل السّنة مثل الجاحظ للمعتزلة، وَكَذَلِكَ وَثَّقَهُ عُلَمَاء آخَرُونَ مِنْهُم:
- الْحَافِظ السلَفِي "ت٥٧٦هـ" حَيْثُ قَالَ: "كَانَ ابْن قُتَيْبَة من الثِّقَات وَأهل السّنة".
- والخطيب الْبَغْدَادِيّ "ت٤٦٣هـ" الْقَائِل: "كَانَ ثِقَة دينا فَاضلا".
- وَابْن حزم، وَأَبُو مُحَمَّد عَليّ بن أَحْمد بن سعيد "ت٤٥٦": "كَانَ ابْن قُتَيْبَة ثِقَة فِي دينه وَعلمه".
- والحافظ الذَّهَبِيّ حَيْثُ يَقُول فِي -ميزَان الِاعْتِدَال: "أَبُو مُحَمَّد صَاحب التصانيف، صَدُوق قَلِيل الرِّوَايَة".
وَيَقُول فِي -تذكرة الْحفاظ: "ابْن قُتَيْبَة من أوعية الْعلم، قَلِيل الْعَمَل فِي الحَدِيث".
- وَابْن الْجَوْزِيّ "ت٥٩٧هـ" يَقُول: "كَانَ عَالما فَاضلا".
- وَابْن خلكان "ت٦٨١هـ": "كاك فَاضلا ثِقَة".
- وَمُسلم بن قَاسم: "كَانَ ابْن قُتَيْبَة صَدُوقًا من أهل السّنة".
وَغير هَؤُلَاءِ من الْعلمَاء يَتَّهِمُونَهُ وَيَقُولُونَ فِيهِ غير ذَلِك:
- فالدارقطني أَبُو الْحسن عَليّ بن عمر بن أَحْمد بن مهْدي "ت٣٨٥هـ" يَقُول: "كَانَ ابْن قُتَيْبَة يمِيل إِلَى التَّشْبِيه، منحرفًا عَن العترة، وَكَلَامه يدل عَلَيْهِ".
- وَالْبَيْهَقِيّ أَبُو بكر أَحْمد بن الْحُسَيْن "ت٤٥٨هـ" يَقُول: "كَانَ ابْن قُتَيْبَة يرى رَأْي الكرامية وَلَيْسَ بَين المشبهة والكرامية كَبِير فرق، فالكرامية هم أَتبَاع مُحَمَّد بن كرام، وَكَانَ يذهب إِلَى التجسيم والتشبيه، وينعى على "عَليّ" صبره على مَا جرى لعُثْمَان ﵁.
وَيَقُول الدكتور ثروت عكاشة فِي تَحْقِيقه لكتاب "المعارف" لِابْنِ قُتَيْبَة فِي بَيَان سَبَب هَذِه الاتهامات: "وَلَقَد نسي هَؤُلَاءِ أَن هَذَا الْمُتَّهم بالتشبيه لَهُ
[ ٣١ ]
كتاب فِي الرَّد على المشبهة، وَأَن لَهُ فِي هَذَا الْكتاب عِبَارَات تدل على ميله إِلَى "عَليّ"، ونسوا أَيْضا أَن لَهُ كتابا فِي تَفْضِيل الْعَرَب، وَلَكِن كَيفَ لهَؤُلَاء المتهمين أَن يتهموا دون دَلِيل؟
فِي الْحق إِن لِابْنِ قُتَيْبَة من الْكَلَام فِي كتبه مَا يثير شَيْئا من الرِّيبَة، اقْرَأ لَهُ قَوْله فِي كِتَابه: "مُشكل الْقُرْآن" "وَكَانَ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَرَضي عَنْهُم، وهم مصابيح الأَرْض وقادة الْأَنَام ومنتهى الْعلم، إِنَّمَا يقْرَأ الرجل فيهم السورتين وَالثَّلَاث والأربع، وَالْبَعْض والشطر من الْقُرْآن، إِلَّا نَفرا مِنْهُم وفقهم الله لجمعه، وَسَهل عَلَيْهِم حفظه، وَقَالَ الشّعبِيّ: توفّي أَبُو بكر وَعمر وَعلي ﵃ وَلم يجمعوا الْقُرْآن، وَقَالَ: لم يختمه أحد من الْخُلَفَاء غير عُثْمَان. وَرُوِيَ عَن شريك عَن إِسْمَاعِيل بن أبي خَالِد أَنه قَالَ: سَمِعت الشّعبِيّ يحلف بِاللَّه ﷿: لقد دخل عَليّ حفرته وَمَا حفظ الْقُرْآن"١.
تظن أَن هَذَا من كَلَام ابْن قُتَيْبَة هُوَ الَّذِي أثار تِلْكَ الثائرة حوله، فانبرى لَهُ من انبرى يَتَّهِمُونَهُ. اسْمَع لأبي الْحُسَيْن أَحْمد بن فَارس "ت٣٩٥هـ" يَقُول فِي كِتَابه -الصَّحَابِيّ- تعقيبًا على هَذَا الَّذِي ذكره ابْن قُتَيْبَة:
"وَابْن قُتَيْبَة يُطلق إطلاقات مُنكرَة، ويروي أَشْيَاء مشنعة، كَالَّذي رَوَاهُ عَن الشّعبِيّ أَن أَبَا بكر وَعمر وعليًّا توفوا وَلم يجمعوا الْقُرْآن، وَأَن عليًّا دخل حفرته وَمَا حفظ الْقُرْآن، وَهَذَا كَلَام شنيع جدًّا"٢.
وَابْن قُتَيْبَة الَّذِي ينْقل هَذَا رَاوِيا، يذكر غَيره مدافعًا عَن أهل الْبَيْت، مِمَّا يعبر عَن رَأْيه ومعتقده، وَفرق بَين أَن يزل الْعَالم وَهُوَ يروي لينصف التَّارِيخ، وَبَين أَن يزل وَهُوَ يفصح عَمَّا يعْتَقد، فَابْن قُتَيْبَة إِن زل فَلم يزل مُعْتَقدًا.
اسْمَع إِلَيْهِ وَهُوَ يَقُول فِي كِتَابه: "الرَّد على الْجَهْمِية": "وَجعلُوا ابْنه الْحُسَيْن ﵇ خارجيًا شاقًا لعصا الْمُسلمين حَلَال الدَّم. وسووا بَينه فِي الْفضل وَبَين أهل الشورى فَإِن قَالَ قَائِل: أَخُو رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَليّ،
_________________
(١) ١، ٢ من كِتَابه الرَّد على الْجَهْمِية والمشبهة "ص٤٧".
[ ٣٢ ]
وَأَبُو سبطيه الْحسن وَالْحُسَيْن وَأَصْحَاب الكساء: عَليّ وَفَاطِمَة وَالْحسن وَالْحُسَيْن تمعرت الْوُجُوه وتنكرت الْعُيُون".
فَهَذَا القَوْل مِمَّا ينصف ابْن قُتَيْبَة لَا شكّ، وَلَيْسَ فِي الأولى عَلَيْهِ حرج.
علمه:
وَأما عَن علمه، فَلم يعْدم "ابْن قُتَيْبَة" الْمنصف والطاعن: أما عَن الَّذين أنصفوه هُنَا، فيكادون يكونُونَ هم الَّذين أنصفوه هُنَاكَ -عِنْد الحَدِيث عَن آرائه- وتكاد تكون كلماتهم هُنَاكَ هِيَ كلماتهم هُنَا.
وَأما عَن الَّذِي اتَّهَمُوهُ فِي علمه، فَإنَّا نجدهم نَفرا آخَرين، وَلَعَلَّ أقدم من أنكر على ابْن قُتَيْبَة علمه، هُوَ ابْن الْأَنْبَارِي "ت٢٣٨هـ"، نجد ذَلِك على لِسَان ابْن تَيْمِية حِين يَقُول: "وَابْن الْأَنْبَارِي من أَكثر النَّاس كلَاما فِي مَعَاني الْآي المتشابهات، يذكر فِيهَا من الْأَقْوَال مَا لم ينْقل عَن أحد من السّلف ويحتج لما يَقُول فِي الْقُرْآن بالشاذ من اللُّغَة. وَقصد ابْن تَيْمِية بذلك رد إِنْكَار ابْن الْأَنْبَارِي على ابْن قُتَيْبَة.
وَمن بعد الْأَنْبَارِي: أَبُو الطّيب "ت٣٥١هـ" إِذْ يَقُول فِي كِتَابه مَرَاتِب النَّحْوِيين: "وَكَانَ أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُسلم بن قُتَيْبَة الدينَوَرِي أَخذ عَن أبي حَاتِم والرياشي وَعبد الرَّحْمَن بن أخي الْأَصْمَعِي. وَقد أَخذ ابْن دُرَيْد عَن هَؤُلَاءِ كلهم وَعَن الأشنانداني إِلَّا أَن ابْن قُتَيْبَة خلط عَلَيْهِ بحكايات عَن الْكُوفِيّين لم يكن أَخذهَا عَن ثِقَات. وَكَانَ يشرع فِي أَشْيَاء لَا يقوم بهَا، نَحْو تعرضه لتأليف كِتَابه فِي النَّحْو، وَكتابه فِي تَعْبِير الرُّؤْيَا، وَكتابه فِي معجزات النَّبِيَّ ﷺ، وعيون الْأَخْبَار والمعارف وَالشعرَاء وَنَحْو ذَلِك مِمَّا أزرى بِهِ عِنْد الْعلمَاء وَإِن كَانَ نفق بهَا عِنْد الْعَامَّة وَمن لَا بَصِيرَة لَهُ".
وَغير ابْن الْأَنْبَارِي وَأبي الطّيب نجد: الْحَاكِم أَبَا عبد الله مُحَمَّد النيسابوي "ت٤٠٥هـ" الَّذِي يَقُول: "أَجمعت الْأمة على أَن القتيبي كَذَّاب".
كَمَا نجد "ابْن تغريبردي" يروي "ت٨٧٤هـ" "وَكَانَ ابْن قُتَيْبَة خَبِيث اللِّسَان يَقع فِي حق كبار الْعلمَاء".
[ ٣٣ ]
وَكَلَام الَّذين ينتقصون ابْن قُتَيْبَة كُله لَا يخرج عَن هذَيْن الشقين، شقّ فِيهِ المآخذ العلمية وشق مَعَه السب والتشهير.
وَلَعَلَّ الرَّغْبَة الطامحة من ابْن قُتَيْبَة، هِيَ الَّتِي دَفعته إِلَى أَن ينزل فِي ميادين مُخْتَلفَة حَملته تبعات لم يسْتَطع أَن ينْهض بهَا كلهَا على سَوَاء، وَرُبمَا اضطرته إِلَى شَيْء من الْجمع الَّذِي يفتقد الْإِنْسَان مَعَه التَّحَرِّي والتثبت، وَهَذَا مِمَّا مكن خصومه أَن يتهموه بِالْكَذِبِ وَنَحْوه.
عصر ابْن قُتَيْبَة والحياة العلمية:
كَانَ الْمَنْصُور هُوَ أول من أسس لحياة علمية أدبية فِي بَغْدَاد وَكَانَ أَو من أنشأ بهَا مدارس للطب والعلوم الدِّينِيَّة أنْفق فِي سَبِيلهَا أَمْوَالًا طائلة.
وعَلى هَذِه الْحَال الَّتِي بَدَأَ بهَا أَبُو جَعْفَر الْمَنْصُور سَارَتْ الْحَيَاة فِي "بَغْدَاد" لم يتَخَلَّف عَنْهَا ابْنه "الْمهْدي" فقد كَانَ هُوَ الآخر نقادة للشعر.
ثمَّ تعاقب الْخُلَفَاء العباسيون فِي فَتْرَة ازدهر فِيهَا الْعلم وَالْأَدب والفن والفلسفة، فالرشيد "١٧١هـ -١٩٣هـ" كَانَ محبًا للْعُلَمَاء ولوعًا بالأدب فأفسح للْعُلَمَاء والحكماء والأدباء، وبذل الْكثير من المَال لنشر الْعُلُوم والفنون، وَبَلغت "بَغْدَاد" فِي أَيَّامه مكانة لم تظفر بهَا مَدِينَة فِي تِلْكَ الفترة من التَّارِيخ. وأصبحت مهد الحضارة، ومركزًا للفنون والآداب، وزخرت بالأدباء وَالشعرَاء وَالْعُلَمَاء، وأنشئت فِيهَا المراصد والمكتبات والبيمارستانات والمدارس، وَإِلَيْهِ يعزى تأسيس بَيت الْحِكْمَة، الَّذِي جمع لَهُ من الْكتب شَيْئا كثيرا، وَكَانَ مُجْتَمع الباحثين والمفكرين وَالْعُلَمَاء والدارسين. وَفِي عهد الْمَأْمُون تتجه الْعِنَايَة إِلَى بَيت الْحِكْمَة فيفرد لكل عَالم ركن وتزدحم جنباتها بالعلماء والفلاسفة والمترجمين والمؤلفين وأئمة الْأَدَب واللغة وَالْعلم.
وينتقل المعتصم إِلَى مدينته الجديدة "سر من رأى" فتخبوا الْحَيَاة العلمية والأدبية فِي بَغْدَاد إِلَى أَوَاخِر أَيَّام الْخَلِيفَة "الْمُعْتَمد على الله" حَتَّى إِذا مَا عَاد إِلَيْهَا سنة "٢٧٩هـ" دبت الْحَيَاة فِيهَا مرّة ثَانِيَة وَعَاد إِلَيْهَا نشاطها العلمي من جَدِيد.
[ ٣٤ ]
وعَلى وَجه الْإِجْمَال فَإِن من ولي خلَافَة بَغْدَاد فِي تِلْكَ الفترة كَانُوا من الْخُلَفَاء الْعلمَاء، فرغبوا فِي الْعلم، وأحسنوا إِلَى الْعلمَاء وأكرموهم؛ فازدهرت بَغْدَاد بالعلماء وبالقادمين مِنْهُم إِلَيْهَا وأصبحت ميدانًا للحركة العلمية لَا نَظِير لَهُ فِي الْعَالم.
ويبدو أَن الْمَأْمُون كَانَ درة تِلْكَ الفترة من التَّارِيخ بِعِلْمِهِ وشغفه بِالْعلمِ وَأَهله، يحاور الْعلمَاء وَيجْلس إِلَيْهِم. فيسود عصره لون من التسامح الفكري يشجع الْعلمَاء والمفكرين على الإبداع وحرية الرَّأْي، فَكَانَ لذَلِك أَثَره الْكَبِير فِي ظُهُور الْفرق الكلامية واحتدام الجدل بَينهَا، وَظهر فِي هَذَا الْعَصْر نفر من جلة الْعلمَاء ورءوس الْمُتَكَلِّمين أوغلوا فِي الْبَحْث معتمدين على الْعقل مخالفين بِمَا يَقُولُونَ مَا عَلَيْهِ أَكثر عُلَمَاء الْمُسلمين.
وَنَشَأ هَذَا الْخلاف أول مَا نَشأ فِي الْبَصْرَة ثمَّ تعداها إِلَى بَغْدَاد، حمل لِوَاءُهُ وَاصل بن عَطاء ثمَّ عَمْرو بن عبيد -الَّذِي قربه الْمَنْصُور إِلَيْهِ- ثمَّ أَبُو الْهُذيْل العلاف، والنظام وَغَيرهم من شُيُوخ الاعتزال.
وَمضى الْخلاف بَين الْمُعْتَزلَة وَأهل السّنة يَتَّسِع، حَتَّى توج أخيرًا بِتِلْكَ المشكلة الَّتِي مَال فِيهَا الْمَأْمُون إِلَى رَأْي الْمُعْتَزلَة -وَهِي مشكلة خلق الْقُرْآن- تِلْكَ المشكلة الَّتِي شغلت الْمَأْمُون أَكثر من غَيره، وَأخذ يناصب العداء كل من خَالفه مناقضًا بذلك منهجه الأساسي فِي احترامه لحرية الرَّأْي وَتَقْدِيره لاجتهادات الْعلمَاء، لكنه التعصب الَّذِي قد ينَال بعض الْعلمَاء فيتحمسون لما يرونه إِلَى دَرَجَة لَا يَسْتَطِيعُونَ سَماع رَأْي مُخَالف.
وَمن بعد الْمَأْمُون يَجِيء "المعتصم" فيتورط فِيهَا كَمَا تورط أَخُوهُ الْمَأْمُون، وتستمر هَذِه المحنة حَتَّى عهد "الواثق" فيحاول أَن يجد لهَذِهِ المشكلة مخرجا، وتنتهي فِي عهد "المتَوَكل" ٢٤٧هـ حَيْثُ خلى بَين النَّاس وَبَين مَا يرَوْنَ.
وَإِلَى جَانب الْمدَارِس الكلامية تقوم مدارس نحوية وألوان من الْفِكر والثقافة نتيجة لهَذِهِ الْحَرَكَة العلمية الَّتِي ساهم فِيهَا خليط من الشعوب مثل
[ ٣٥ ]
الْفرس والرومان وَالتّرْك والصينيون والهنود والبرابرة والزنج والنبط، وَأهل النَّحْل والأديان والمذاهب من الْمُسلمين وَالنَّصَارَى وَالْيَهُود والصابئة والسامرة وَالْمَجُوس وَغَيرهم
هَذَا هُوَ الْعَصْر الَّذِي أقبل عَلَيْهِ ابْن قُتَيْبَة وَالَّذِي شَارك فِيهِ: عصر نزاع ديني وعصر نزاع نحوي، وعصر عُلُوم مُخْتَلفَة وثقافات مُتعَدِّدَة، وَكَانَ من الطبيعي أَن يَخُوض ابْن قُتَيْبَة فِي غمار هَذِه النزاعات وَأَن يُسهم فِي الإدلاء بدلوه بَين أَرْبَاب الْفِكر والمذاهب، وَأَن يكْتب منتصرًا لما يعْتَقد أَنه حق مذهبا ومعتقدًا، فَلم يكد يفلته ركن لم يُشَارك فِيهِ.
وَإِن إِلْقَاء نظرة على عناوين كتبه توضح لنا أَن هَذِه الْكتب كَانَت ثَمَرَة للحركة العلمية فِي عصره، حَيْثُ ساهم فِي الاهتمامات العلمية الثقافية السائدة فِي عصره وشارك فِيهَا جَمِيعهَا:
- شَارك فِي محنة خلق الْقُرْآن وَكَانَ لَهُ فِيهَا رَأْي، وصنف فِي هَذِه الْقَضِيَّة كِتَابه: "الرَّد على الْقَائِل بِخلق الْقُرْآن".
- وشارك فِي فتن المشبهة والمجسمة، ورد عَلَيْهِم بكتابه: "الرَّد على الْجَهْمِية والمشبهة".
- وشارك فِي الْخلاف النَّحْوِيّ بَين مدرسة الْبَصْرَة ومدرسة الْكُوفَة، وَجعل بَينهمَا مدرسة ثَالِثَة فِي بَغْدَاد، وصنف كتابين فِي النَّحْو هما: "جَامع النَّحْو الْكَبِير" و"جَامع النَّحْو الصَّغِير" وَكَانَ هُوَ فِي بَغْدَاد زعيمًا لتِلْك الْمدرسَة النحوية.
- وشارك فِي قَضِيَّة الشعوبية الَّتِي كَانَ خطرها يزْدَاد وينتشر، وانتصر للْعَرَب على الْعَجم لَا تعصبًا وانحيازًا بل اتبَاعا وانقيادًا للنصوص وحبًّا بِالْإِسْلَامِ الَّذِي نزل كِتَابه باللغة الْعَرَبيَّة على نَبِي عَرَبِيّ، فَوضع فِي ذَلِك كِتَابه: "فضل الْعَرَب على الْعَجم".
- وشارك فِي الِانْتِصَار لمَذْهَب أهل السّنة واقتفاء أثر السّلف الصَّالح بالاعتصام بِكِتَاب الله تَعَالَى وَسنة رَسُولِهِ ﷺ، فَوضع عدَّة كتب مدافعًا عَن
[ ٣٦ ]
هذَيْن المصدرين ومبينًا وشارحًا لَهما، خدمَة للدّين وجلاء للطريق الْمُسْتَقيم الَّذِي رَآهُ. فَوضع فِي ذَلِك عدَّة كتب: "مُشكل الْقُرْآن" و"الْقرَاءَات" و"إِعْرَاب الْقُرْآن" و"آدَاب الْقِرَاءَة" و"غَرِيب الحَدِيث" و"مُشكل الحَدِيث" و"اخْتِلَاف تَأْوِيل الحَدِيث".
- كَمَا شَارك فِي الْحَرَكَة الأدبية، وتقويم اللِّسَان وفْق أصُول اللُّغَة الْعَرَبيَّة، لما فِي ذَلِك من خدمَة لكتاب الله تَعَالَى وَسنة رَسُولِهِ ﷺ، ولربط الْأمة بأصولها، ومحافظة على اللُّغَة الَّتِي تنزلت بهَا النُّصُوص. فَوضع فِي ذَلِك عدَّة كتب: تَقْوِيم اللِّسَان" و"فرائد الدُّرَر" و"أدب الْكَاتِب" و"عُيُون الشّعْر" و"طَبَقَات الشُّعَرَاء" و"كتاب الْمعَانِي الْكَبِير". وَهَكَذَا كَانَ ابْن قُتَيْبَة إِمَامًا من هَؤُلَاءِ الْأَئِمَّة المشاركين فِي قضايا عصرهم، المهتمين بِخِدْمَة دينهم، العاملين فِي خدمَة الْحق الَّذِي يرَوْنَ بجد وثبات.
كلمة شكر
وَلَا يفوتني قبل أَن أنهِي مقدمتي من أَن أسجل شكري للْأَخ الْفَاضِل الدكتور منورنينار الَّذِي أحضر لي صُورَة عَن مخطوطة هَذَا الْكتاب من دَار الْكتب القطرية.
وَكَذَلِكَ للْأَخ الْأُسْتَاذ عمر عبيد حسنه، الَّذِي أفدت من ملاحظاته الْقيمَة فِي هَذِه الْمُقدمَة، فأجزل الله مثوبتهما وشكر لَهما. وَالله من وَرَاء الْقَصْد وَهُوَ يهدي السَّبِيل.
[ ٣٧ ]