من الصحاح:
١٧١ - ٤٠٥ - قال أبو برزة الأسلمي ﵁: كان رسول الله ﷺ يصلي الهجير التي تدعونها الأولى حين تدحض الشمس، ويصلي العصر ثم يجيء أحدنا إلى رحله في أقصى المدينة والشمس حية، ونسيت ما قال في المغرب، وكان يستحب أن يؤخر العشاء، ولا يحب النوم قبلها والحديث بعدها، وكان ينفتل من صلاة الغداة حين يعرف الرجل جليسه، ويقرأ بالستين إلى المئة، وفي رواية: ولا يبالي بتأخير العشاء إلى ثلث الليل.
(باب تعجيل الصلاة)
(من الصحاح):
" قال أبو برزة الأسلمي: كان رسول الله ﷺ يصلي الهجيرة " الحديث.
(الهجيرة والهاجرة): نصف النهار، والمراد بها: صلاتها، أعني: صلاة الظهر، وتسمى الأولى لأنها أول صلاة النهار، و(دحوض الشمس): زوالها، من: دحضت رجله تدحض دحضا: إذا زلقت، كأنها حين تزول تدحض من كبد السماء، و(حياة الشمس): استعارة من
[ ١ / ٢٣٥ ]
بقاء لونها وقوة ضوئها وشدة حرها.
و" ينفتل " أي: ينقلب.
وقوله:" يقرأ بالستين إلى المئة " معناه: أنه يقرأ هذا القدر من الآيات في الصلاة.
١٧٢ - ٤٠٧ - قال أنس ﵁: كنا إذا صلينا خلف رسول الله ﷺ بالظهائر سجدنا على ثيابنا اتقاء الحر.
" وقال أنس: كنا إذا صلينا خلف رسول الله ﷺ بالظهائر سجدنا على ثيابنا اتقاء الحر ".
حمل أكثر الفقهاء "ثيابنا " على الملبوس، وأوله الشافعي بالمصلى ونحوه، ولم يجوز السجود على ثوب هو لابسه، لما روي عن خباب أنه قال: شكونا إلى رسول الله ﷺ حر الرمضاء، فلم يشكنا، أي: لم يزل شكوانا، وقول جابر: كنت أصلي الظهر مع رسول الله ﷺ فأخذت قبضة من الحصباء لتبرد في كفي، أضعها لجبهتي أسجد عليها لشدة الحر، فلو جاز السجود بكور عمامته، أو على طرف ثوبه لم يحتج إلى تبريد الحصباء.
[ ١ / ٢٣٦ ]
١٧٣ - ٤٠٨ - وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: " إذا اشتد الحر فأبردوا بالصلاة " وفي رواية:" بالظهر، فإن شدة الحر من فيح جهنم ".
" وعن أبي هريرة: أنه قال ﵇: إذا اشتد الحر فأبردوا بالصلاة، وفي رواية: بالظهر " الحديث.
(الإبراد): كسر الحر، والمراد به: تأخير الظهر إلى أن يقع الظل في الطريق، فيأتي فيه طالب الجماعة.
وقوله:" فإن شدة الحر من فيح جهنم " أي: من ثوران حرها، وسطوعها: علة للأمر.
١٧٤ - ٤٠٨ - م - " واشتكت النار إلى ربها، فقالت: يا رب! أكل بعضي بعضا، فأذن لها بنفسين: نفس في الشتاء ونفس في الصيف، أشد ما تجدون من الحر، وأشد ما تجدون من الومهرير ".
(واشتكاء النار من أكل بعضها بعضا): مجاز عن كثرتها وغليانها وازدحام أجزائها، بحيث يضيق عنها مكانها، فيسعى كل جزء في إفناء الجزء الآخر، والاستيلاء على مكانها، و(نفسها): لهبها وخروج ما يبرز منها، مأخوذ من نفس الحيوان، وهو الهواء الدخاني الذي تخرجه القوة الحيوانية ويبقى منه حوالي القلب.
[ ١ / ٢٣٧ ]
وقوله: "أشد ما تجدون من الحر": خبر مبتدأ محذوف، أي: ذلك أشد وتحقيقه: أن أحوال هذا العالم عكس أمور ذاك العالم وآثارها، فكما جعل مستطابات الأشياء وما يستلذ به الإنسان في الدنيا أشباه نعائم الجنان ومن جنس ما أعد لهم فيها، ليكونوا أميل إليها وأرغب فيها، ويشهد لذلك قوله تعالى: ﴿كلما رزقوا منها من ثمرة رزقا قالوا هذا الذي رزقنا من قبل﴾ [البقرة:٢٥] = جعل الشدائد المؤلمة والأشياء المؤذية نموذجا لأحوال الجحيم وما يعذب به الكفرة والعصاة، ليزيد خوفهم، وانزجارهم عما يوصلهم إليه، فما يوجد من السموم المهلكة فمن حرها، وما يوجد من الصراصر المجمدة فمن زمهريرها، وهو طبقة من طبقات الجحيم، ويحتمل هذا الكلام وجوه أخر، والله ﷾ أعلم بالحقائق.
١٧٥ - ٤١٥ - وقالت عائشة ﵂: كان رسول الله ﷺ ليصلي الصبح،فتنصرف النساء متلفعات بمروطهن ما يعرفن من الغلس.
" وقالت عائشة ﵂: كان رسول الله ﷺ ليصلي الصبح، فينصرف النساء " الحديث.
(التلفع): شد اللفاع، وهو ما يغطي الوجه، و(المروط) جمع: مرط بالكسر، وهو كساء من صوف أو خز يؤتزر به، والمعنى: أنهن
[ ١ / ٢٣٨ ]
يتلحَّفْن بالمروط، " ما يعرفن من الغلس ": وهو ظلمة آخر الليل.
١٧٦ - ٤١٧ - عن أبي ذر ﵁ قال: قال لي النبي ﷺ:" يا أبا ذر كيف بك إذا كانت عليك أمراء يميتون الصلاة - أو قال: يؤخرون الصلاة "، قلت: يا رسول الله فما تأمرني؟ قال: " صل الصلاة لوقتها، فإن أدركتها معهم فصلها، فإنها لك نافلة ".
" وعن أبي ذر ﵁: أنه - ﵇ - قال: يا أبا ذر! كيف بك إذا كانت عليك أمراء يميتون الصلاة " الحديث.
(إماتة الصلاة): مجاز عن إضاعتها وتأخيرها لعدم المبالاة بها، والضمير في " فصلها " للصلاة، وفي بعض النسخ:" فصله " بهاء ساكنة للوقف.
والحديث دليل على أن من صلى منفردا، ثم صادف جماعة سن له أن يعيد معهم، وتكون الأولى فرضا، والثانية نفلا.
من الحسان:
١٧٧ - ٤٢٨ - وقال:" أعتموا بهذه الصلاة، فإنكم قد فضلتم بها على سائر الأمم ولم تصلها أمة قبلكم " رواه معاذ بن جبل.
[ ١ / ٢٣٩ ]
(من الحسان):
" عن معاذ بن جبل ﵁: أنه - ﵇ - قال: أعتموا بهذه الصلاة، فإنكم قد فضلتم بها " الحديث.
(أعتم الرجل): إذا دخل العتمة، كما يقال: أصبح: إذا دخل في الصباح، والعتمة: ظلمة الليل، وقال الخليل: العتمة من الليل ما بعد غيبوبة الشفق، [أي: صلوها بعدما] دخلتم الظلمة، وتحقق لكم سقوط الشفق، ولا تستعجلوا فيها، فتوقعوها قبل وقتها، وعلى هذا لم يدل على أن التأخير فيه أفضل، ويحتمل أن يقال: إنه من العتم الذي هو الإبطاء، يقال: أعتم الرجل قراه: إذا أخره.
والتوفيق بين قوله:" لم تصلها أمة قبلكم " وقوله في حديث جبريل:" هذا وقت الأنبياء من قبلكم ": أن يقال - والله أعلم -: إن صلاة العشاء كانت تصليها الرسل نافلة لهم، ولم تكتب على أممهم كالتهجد، فإنه وجب على الرسول - صلوات الله عليه - ولم يجب علينا، أو يجعل هذا إشارة إلى وقت الإسفار، فإنه قد أشرك فيه جميع الأنبياء الماضية والأمم الدارجة، بخلاف سائر الأوقات.
***
[ ١ / ٢٤٠ ]
١٧٨ - ٤٣٠ - وقال رسول الله ﷺ:" أسفروا بالفجر فإنه أعظم للأجر " رواه رافع بن خديج.
" وعن رافع بن خديج ﵁: أنه - ﵇ - قال: أسفروا بالفجر، فإنه أعظم للأجر ".
أي: طولوا صلاة الفجر وأمدوها إلى الإسفار، فإنه أوفق للأحاديث الصحيحة الواردة بالتغليس والتعجيل فيه.