بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى والصلاة التامة
الدائمة على رسوله المجتبى محمد سيد الورى وعلى آله نجوم
الهدى.
قال الشيخ الإمام الأجل السيد، محيي السنة، ناصر الحديث
ركن الإسلام، قدوة الأمة، إمام الأئمة، أبو محمد الحسين بن
مسعود الفراء، البغوي، نور الله قبره:
أما بعد، فهذه ألفاظ صدرت عن صدر النبوة، وسنن سارت
عن معدن الرسالة، وأحاديث جاءت عن سيد المرسلين وخاتم
النبيين، هن مصابيح الدجى، خرجت عن مشكاة التقوى التقي، مما
أوردها الأئمة في كتبهم، جمعتها للمنقطعين إلى العبادة، لتكون لهم
بعد كتاب الله حظا من السنن، عونا على ما هم فيه من الطاعة.
تركت ذكر أسانيدها حذرا من الإطالة عليهم، واعتمادا على نقل
الأئمة، وربما سميت في بعضها الصحابي الذي يرويه عن رسول الله - ﷺ -
لمعنى دعا إليه وتجد أحاديث كل باب منها تنقسم إلى صحاح وحسان.
[ ١ / ١٥ ]
أعني بـ (الصحاح): ما أخرجه الشيخان، أبو عبد الله محمد بن
إسماعيل الجعفي البخاري، وأبو الحسين مسلم بن الحجاج القشيري
النيسابوري رحمهما الله، في جامعيهما، أو أحدهما.
وأعني بـ (الحسان) ما أورده أبوداود سليمان بن الأشعث
السجستاني وأبو عيسى محمد بن عيسى الترمذي، وغيرهما من
الأئمة في تصانيفهم – ﵏ – مما لم يخرجه الشيخان، وأكثرها
صحاح بنقل العدل عن العدل غير أنها لم تبلغ غاية شرط الشيخين
في علو الدرجة من صحة الإسناد، إذ أكثر الأحكام ثبوتها بطريق
حسن.
وما كان فيها من ضعيف أو غريب أشرت إليه، وأعرضت عن
ذكر ما كان منكرا أو موضوعا، والله المستعان وعليه التكلان.
روى عن عمر بن الخطاب - ﵁ - أنه قال: قال رسول الله - ﷺ -:
" إنما الأعمال بالنيات وإنما لامريء ما نوى، فمن كانت هجرته إلى
الله ورسوله، فهجرته إلى الله ورسوله ومن كانت هجرته إلى دنيا
يصيبها أو إلى امرأة يتزوجها فهجرته إلى ما هاجر إليه "
(عنوان الكتاب)
(قوله: وربما سميت في بعضها الصحابي الذي يرويه عن
رسول الله - ﷺ - لمعنى دعا إليه)
[ ١ / ١٦ ]
لذكر الصحابي فوائد:
الأولى: معرفة الناسخ والمنسوخ، لأنه إذا تعارض خبران،
وعلم أن أحدهما يرويه من كان له صحبة مع الرسول - ﷺ - زمانا
محدودا، وراوي الآخر أسلم بعد انقطاع صحبته، علم أن الأول
منسوخ بالثاني.
والثانية: التنبيه على رجحان الخبر بحال الراوي من علمه وزيادة
ورعه وعلو منصبه، إلى غير ذلك، كما بيناه في كتابي "المنهاج"
و"المرصاد"
والثالثة: أن الحديث الواحد قد يروى عن جماعة بطرق مختلفة
طعن في فروع بعضهم، فينسب الحديث إلى الآخر توقيا عن ذلك.
والرابعة: أن المعاني المتقاربة قد تروى عن أشخاص من
الصحابة بألفاظ متفاوتة، فيذكر الصحابي الذي يرويه بهذه العبارة
تمييزا لها عن أخواتها.
(قوله: وما كان فيها من ضعيف أو غريب أشرت إليه)
مر تعريف أقسام الأحاديث، ولقائل أن يقول: الضعيف – كما
ذكرت – ساقط عن درجة الاعتبار والاحتجاج، فلم أثبته في تضاعيف
ما أورده؟
وجوابه: أن حاصل الضعيف، راجع إلى طعن رمي به الراوي،
[ ١ / ١٧ ]
وليس كذلك ما هو قادح عند أحد قادحا عند كل أحد، فإن مجال
الخلاف في أسباب الجرح فسيح، فلعل الحديث الضعيف عنده لم
يكن ضعيفا عند غيره، بل كان أصلا تبنى عليه المسائل، وكم من
خلاف منشؤه ذلك، فأثبته الشيخ في الكتاب تعميما لنفعه، وأشار إلى
ضعفه تنبيها على ما هو عنده، وأيضا كثير من الأحاديث الضعاف
استشهد به من لم يتحقق كنه حالها ولا ركاكة رجالها، وأشهرها بين
الناس حتى صارت من الزائغات المقبوله، فأوردها وذكر ضعفها
إزاحة لذلك، والله أعلم.
"عن عمر - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: إنما الأعمال بالنيات،
وإنما لامرئ ما نوى، فمن كانت هجرته إلى الله وإلى رسوله فهجرته
إلى الله وإلى رسوله، ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو امرأة
يتزوجها فهجرته إلى ما هاجر إليه"
الموجب لتقديم هذا الحديث أمران:
أحدهما: أن أول ما يجب على العبد هو القصد إلى النظر المفيد
للمعرفة، كما بين في الكتب الأصولية، ومن قال بأن أول الواجبات
هو المعرفة أراد به: أول الواجبات المقصودة بالذات، لا أول ما يجب
كيف كان، فكان جديرا بأن يقدم ما ورد فيه.
ثانيهما: أن يكون أول ما يقرع السمع ويتمكن في النفس: إنما
الأعمال بالإخلاص، فيزكي المتعلم أولا سره عن الأغراض والمطامع
[ ١ / ١٨ ]
الدنيوية، ويتوجه بقلبه إلى الحضرة الإلهية. ولا يقصد بسعيه – سيما
في هذا الفن – سوى الفوز بالمعرفة والزلفى من الله تعالى.
ولفظة (إنما) تفيد الحصر، لأنها مؤلفة من (أن) التي للإثبات
و(ما) التي للنفي، والأصل يقتضي بقاء مفهومها بعد التركيب،
ولا ريب في أن (إن) لا تقتضي إثبات غير المذكور، و(ما) نفي
المذكور، فتعين عكسه.
ويشهد له قول الأعشى:
[و] إنما العزة للكاثر
وقول الفرزدق:
وإنما يدافع عن أحسابهم أنا أو مثلي
فالمعنى: لا عمل إلا بالنية، والنفي المضاف إلى الأفعال مثل:
لا صلاة، ولا صيام، ولا نكاح، متروك الظاهر، لأن الذوات غير
منتفية، والمراد به نفي الأحكام المتعلقة بوجودها كالصحة والفضيلة،
والحمل على نفي الصحة أولى، لأنه أشبه بنفي الشيء في نفسه، لأن
اللفظ يدل بالتصريح على نفي الذات، وبالتبع على نفي جميع
الصفات، فلما منع الدليل على نفي الذات بقي دلالته على نفي
جميع الصفات.
والنية: عبارة عن انبعاث القلب نحو ما يراه موافقا لغرض من
[ ١ / ١٩ ]
جلب نفع أو دفع ضر، حالا أو مآلا.
وتحقيق ذلك: أن الأفعال الاختيارية لا تتم إلا بثلاثة أمور:
علم، وإرادة، وقدرة، فإن الفعل لايوجد إلا بتأثير القدرة، والقدرة
لا تعمل ما لم تستعملها الإرادة ولم تعين لها أحد الطرفين
الممكنين، أعني: الفعل والترك، والإرادة لا تبعث ولا تتوجه نحوه
ما لم يتصور فيه مصلحة تدعوه إليه، فتلك الإرادة إذا أبرمت وصارت
عزما جزما، عبر عنها بالنية لغة.
والشرع خصصها بالإرادة المتوجهة نحو الفعل ابتغاء لوجه الله
تعالى وامتثالا لحكمه، فمن فعل نائما أو غافلا ففعله معطل مهمل،
يماثل أفعال الجماد، ومن أتى طاعة رياء وسمعة، أو طمعا في عطاء
دنيوي، أو توقعا لثناء عاجل، أو تخلصا عن تعنيف الناس فهو مزور
أو مستعيض، لا مطمع ولا مطمح له سوى الدنيا، وما له في الآخرة
من خلاق، كما قال ﵇:" إن أول الناس يقضى إليه يوم
القيامة: رجل استشهد، فأتى به فعرفه نعمه فعرفها، قال: فما
عملت فيها؟ قال: قاتلت فيك حتى استشهدت، قال: كذبت ولكنك
قاتلت لأن يقال: رجل جريء وقد قيل فأمر به فسحبت على وجهه
حتى ألقي في النار " الحديث.
[ ١ / ٢٠ ]
ومن عمل صالحا فهو مخلص في عمله، مستقبل بوجهه نحو
معبوده، صعد من الحضيض الإنسي إلى الأوج القدسي، واستحق
ما أعد له من الثواب في دار المآب.
وتحقيق ذلك: أن المقصود الأعظم من شرع الأعمال وإدآب
الجوارح: تمثل الملكات الفاضلة في النفس، وتمكن العقائد الحقة
فيها فإن العبادة تذكر المعبود، ويمكن ذكره تكررها والمواظبة
عليها، وتوجب للنفس صدقا في محبته وشوقا إلى قربه، وشغفا إلى
ما عند من نعائم العقبى وطرائقها، وزهدا في حطام الدنيا وزخارفها
ويشهد له قوله تعالى (لن ينال الله لحومها ولا دماؤها ولكن يناله التقوى
منكم) وقوله ﵇: " إن الله لا ينظر إلى صوركم
ولا إلى أموالكم، بل إلى قلوبكم ونياتكم " وقوله: " نية المؤمن خير
من عمله ونية الفاجر شر من عمله ".
والنية في الحديث محمولة على المعنى اللغوي، ليحسن تطبيقه
بما بعده وتقسيمه بقوله: (فمن كانت هجرته) إلى آخره، فإنه تفصيل
لما أجمله، واستنباط للمقصود عما أصله إذ روي: أن رجالا هاجروا
شغفا بمهاجرات وطمعا في منح الأنصار فورد فيهم الحديث.
[ ١ / ٢١ ]
(١)
كتاب الإيمان
[ ١ / ٢٣ ]
(١)