وقال العلامة الشوكاني ﵀ في [نيل الأوطار] (٣/ ١٨٦)
«وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْمُؤَذِّنَ فِي يَوْمِ الْمَطَرِ وَنَحْوِهِ مِنْ الْأَعْذَارِ لَا يَقُولُ حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ، بَلْ يَجْعَلُ مَكَانَهَا: صَلُّوا فِي بُيُوتِكُمْ. وَبَوَّبَ عَلَى حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ هُنَا ابْنُ خُزَيْمَةَ، وَتَبِعَهُ ابْنُ حِبَّانَ ثُمَّ الْمُحِبُّ الطَّبَرِيُّ بَابُ حَذْفِ حَيَّ عَادَ إلَى الصَّلَاةِ» اهـ.
قلت: ومنهم من فهم أنَّه يقولها بدلًا من الحيعلتين.
قال الحافظ ابن رجب ﵀ في [فتح الباري] (٥/ ٣٠٣ - ٣٠٤):
«في هذه الرواية: ان ابن عباس نهى المؤذن أن يقول: "حي على الصلاة"، وأمره أن يبدلها في قوله: "صلوا في بيوتكم".
وقد خرجهما مسلم - أيضًا - كذلك.
وعلى هذه الرواية، فلا يدخل هذا الحديث في هذا الباب، بل هو دليل على أن المؤذن يوم المطر مخير بين أن يقول: "حي على الصلاة حي على الفلاح"، وبين أن يبدل ذلك بقوله: "صلوا في رحالكم أو بيوتكم"، ويكون ذلك من جملة كلمات الأذان الأصلية في وقت المطر.
[ ٢ / ٤٣٨ ]
وهذا غريب جدًا، اللهم إلَّا أن يحمل على أنَّه أمره بتقديم هذه الكلمات على الحيعلتين، وهو بعيد مخالف لقوله: لا تقل: "حي على الصلاة"، بل "صلوا في بيوتكم".
والذي فهمه البخاري: أنَّ هذه الكلمة قالها بعد الحيعلتين أو قبلهما، فتكون زيادة كلام في الأذان لمصلحة، وذلك غير مكروه كما سبق ذكره؛ فإن من كره الكلام في أثناء الأذان إنَّما كره ما هو أجنبي منه، ولا مصلحة للأذان فيه.
وكذا فهمه الشافعي؛ فإنَّه قال في كتابه: إذا كانت ليلة مطيرة، أو ذات ريح وظلمة يستحب أن يقول المؤذن إذا فرغ من أذانه: "ألا صلوا في رحالكم" فإن قاله في أثناء الأذان بعد الحيعلة فلا بأس.
وكذا قال عامة أصحابه، سوى أبي المعالي؛ فإنَّه استبعد ذلك أثناء الأذان.
وأمَّا إبدال الحيعلتين بقوله: "ألا صلوا في الرحال"، فانَّه أغرب وأغرب» اهـ.
وقال العلامة ابن القاسم العبادي الشافعي ﵀ في [حاشيته على تحفة المحتاج] (١/ ٤٨١ - ٤٨٢):
«قَالَ الشَّارِحِ فِي شَرْحِ الْعُبَابِ وَمَعْنَى لَا تَقُلْ حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ أَيْ مُقْتَصِرًا عَلَيْهِ لَا أَنَّهُ يَقُولُهُ عِوَضَهُ فَلَا يُنَافِي مَا ذَكَرُوهُ أَنَّهُ يَقُولُهُ بَعْدَهُ الصَّرِيحُ فِي أَنَّهُ إذَا أَتَى بِهِ عِوَضًا عَنْ الْحَيْعَلَتَيْنِ أَوْ إحْدَاهُمَا لَا يَصِحُّ وَمَالَ جَمْعٌ إلَى الْأَخْذِ بِظَاهِرِ الْحَدِيثِ أَنَّهُ يَأْتِي بِهِ عِوَضًا عَنْهُمَا؛ لِأَنَّهُمَا دُعَاءٌ إلَى الصَّلَاةِ فَكَيْفَ يَحْسِبُ أَنْ يَدْعُوَهُمْ، ثُمَّ يَقُولَ أَلَا صَلُّوا فِي رِحَالِكُمْ وَيُرَدُّ بِأَنَّهُمَا هُنَا لَيْسَا لِلدُّعَاءِ إلَى مَحَلِّ الْأَذَانِ بَلْ لِلدُّعَاءِ
[ ٢ / ٤٣٩ ]
إلَى الصَّلَاةِ فِي مَحَلِّ السَّامِعِينَ إلَى أَنْ قَالَ وَيُؤَيِّدُ ذَلِكَ حَدِيثُ الصَّحِيحَيْنِ "كَأَنْ يَأْمُرَ الْمُنَادِيَ فَيُنَادِي بِالصَّلَاةِ، ثُمَّ يُنَادِي أَلَا صَلُّوا فِي رِحَالِكُمْ".
وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْحَيْعَلَتَيْنِ ثَبَتَ اشْتِرَاطُهُمَا بِالنَّصِّ وَالدَّلِيلُ عَلَى إسْقَاطِهِمَا فِي هَذَا الْفَرْدِ الْخَاصِّ مُحْتَمَلٌ فَلَمْ يَقْوَ عَلَى دَفْعِ الثَّابِتِ مِنْ غَيْرِ احْتِمَالٍ وَبِهِ يَنْدَفِعُ مَا فِي الْخَادِمِ تَبَعًا لِلْمُحِبِّ الطَّبَرِيِّ اهـ وَلَك أَنْ تَقُولَ حَدِيثُ الصَّحِيحَيْنِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ السَّابِقُ ظَاهِرٌ فِي سُقُوطِهِمَا فِي هَذَا الْفَرْدِ الْخَاصِّ وَهَذَا كَافٍ فِي تَخْصِيصِ نَصِّ اشْتِرَاطِهِمَا؛ لِأَنَّ تَنَاوُلَهُ لِهَذَا الْفَرْدِ ظَاهِرٌ فَقَطْ، وَأَمَّا حَدِيثُ الصَّحِيحَيْنِ الثَّانِي فَلَا يُنَافِي ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ عَلَى تَسْلِيمِ ظُهُورِهِ فِي الْمَطْلُوبِ فَهُوَ فِي بَعْضِ الْمَرَّاتِ وَغَايَةُ مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ جَوَازُ الْجَمْعِ لَا تَعَيُّنُهُ فِي أَدَاءِ هَذِهِ السُّنَّةِ فَلْيُتَأَمَّلْ» اهـ.
الصورة الثانية: أن تقال بعد الأذان.
ويدل عليه ما رواه البخاري (٦٣٢)، ومسلم (٦٩٧) عَنْ نَافِعٍ قَالَ: «أَذَّنَ ابْنُ عُمَرَ فِي لَيْلَةٍ بَارِدَةٍ بِضَجْنَانَ ثُمَّ قَالَ: صَلُّوا فِي رِحَالِكُمْ فَأَخْبَرَنَا أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ يَأْمُرُ مُؤَذِّنًا يُؤَذِّنُ ثُمَّ يَقُولُ عَلَى إِثْرِهِ أَلَا صَلُّوا فِي الرِّحَالِ فِي اللَّيْلَةِ الْبَارِدَةِ، أَوِ الْمَطِيرَةِ فِي السَّفَر».
الصورة الثالثة: أن تقال بعد الحيعلتين.
ويدل عليه ما رواه أحمد (٢٣١٦٧)، والنسائي في [الصغرى] (٦٥٣)، و[الكبرى] (١٦٢٩) مِنْ طَرِيقِ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ أَوْسٍ يَقُولُ: أَنْبَأَنَا رَجُلٌ مِنْ ثَقِيفٍ، أَنَّهُ سَمِعَ مُنَادِيَ النَّبِيِّ ﷺ يَعْنِي فِي لَيْلَةٍ مَطِيرَةٍ فِي السَّفَرِ - يَقُولُ: «حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ. حَيَّ عَلَى الْفَلَاحِ. صَلُّوا فِي رِحَالِكُمْ».
قلت: هذا حديث صحيح.
[ ٢ / ٤٤٠ ]
فائدة: قال الحافظ ابن رجب ﵀ في [فتح الباري] (٦/ ٩١):
«وظاهر هَذَا: يدل عَلَى أنَّ ابن عَبَّاس يرى أنَّ الإمام إذا دعا النَّاس إلى الجمعة فِي الطين والمطر لزمتهم الإجابة، وإنِّما يباح لأحدهم التخلف إذا نادى: "الصلاة فِي الرحال". والله أعلم.
وقد نَصَّ عَلَى ذَلِكَ الإمام أحمد، فيما رواه البيهقي فِي "مناقب أحمد" بإسناده، عَنْ مُحَمَّد بْن رافع، قَالَ: سَمِعْت أحمد بْن حنبل يَقُول: إن قَالَ المؤذن فِي أذانه: "الصلاة فِي الرحال"، فلك أن تتخلف، وإن لَمْ يقل: فَقَدْ وجب عَلَيْك، إذا قَالَ: "حي عَلَى الصلاة، حي عَلَى الفلاح"» اهـ.
وقال (٨/ ١٥٥): «ولم يفرق بين جمعةٍ وغيرها» اهـ.
٣ - احتج بالحديث من قال بترديد المؤذن لأذانه فإنَّه سامع لأذان نفسه، واحتج به أيضًا من قال بعدم الترديد فإنَّ الخطاب موجه لمن يسمع الأذان لا للمؤذن نفسه.
قال الحافظ ابن رجب ﵀ في [فتح الباري] (٤/ ٢٠٩ - ٢١٠):
«وهل يشرع للمؤذن نفسه أن يجيب نفسه بين كلمات الأذان؟
ذكر أصحابنا أنَّه يشرع له ذلك. وروي عن الإمام أحمد أنَّه كان إذا أذن يفعل ذلك.
واستدلوا بعموم قوله: "إذا سمعتم المؤذن فقولوا كما يقول". والمؤذن يسمع نفسه، فيكون مأمور بالإجابة. وقاسوه على تأمين الإمام على قراءة الفاتحة مع المأمومين.
[ ٢ / ٤٤١ ]
وفي هذا نظر؛ فإنَّ تامين الإمام وردت به نصوص.
وقوله ﷺ: "إذا سمعتم المؤذن"، ظاهره: يدل على التفريق بين السامع والمؤذن، فلا يدخل المؤذن، كما قال أصحابنا في النهي عن الكلام لمن يسمع الإمام وهو يخطب، أنَّه لا يشمل الإمام، بل له الكلام.
وكذا قال في الإيمان ونحوها، لو قال: من دخل داري. أو خاطب غيره، فقال: من دخل دارك، وعلق على ذلك طلاقًا أو غيره: لم يدخل هو في عموم اليمين في الصورة الأولى، ولا المخاطب في الصورة الثانية.
وللمسألة نظائر كثيرة، في بعضها اختلاف، قد ذكرناها في كتاب "القواعد في الفقه"» اهـ.
قلت: الذي يظهر لي أنَّ هذا هو الصحيح، ولم ينقل هذا الفعل عن مؤذني النبي ﷺ بل غاية ما نقل عن أبي محذورة هو الترجيع في الشهادتين وليس هذا من قبيل الترديد للأذان كما هو ظاهر فلو كان الترديد من السنن المستحبة في الأذان لنقل ذلك عن مؤذني النبي ﷺ ذلك. والله أعلم.
ولأنَّ المقصود مشاركة السَّامع للمؤذِّن في أصل الثواب.
٤ - واحتج به من ذهب إلى الترديد خلف المقيم لأنَّ النبي ﷺ قال في الحديث:
«إِذَا سَمِعْتُمْ الْمُؤَذِّنَ فَقُولُوا مِثْلَ مَا يَقُولُ». ولم يقيد ذلك بسماع الأذان دون الإقامة وكلاهما صادران من المؤذن فيدخلان في هذا الحديث.
[ ٢ / ٤٤٢ ]
ولأنَّ الإقامة داخلة في مسمى الأذان كما رواه البخاري (٦٢٤)، ومسلم (٨٣٨) عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مُغَفَّلٍ الْمُزَنِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ:
«بَيْنَ كُلِّ أَذَانَيْنِ صَلَاةٌ - ثَلَاثًا - لِمَنْ شَاءَ».
قلت: وأمَّا ما رواه أبو داود (٥٢٨) حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ الْعَتَكِىُّ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ ثَابِتٍ حَدَّثَنِى رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الشَّامِ عَنْ شَهْرِ بْنِ حَوْشَبٍ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ أَوْ عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِ النَّبِىِّ ﷺ أَنَّ بِلَالًا أَخَذَ فِى الإِقَامَةِ فَلَمَّا أَنْ قَالَ قَدْ قَامَتِ الصَّلَاةُ قَالَ النَّبِىُّ ﷺ «أَقَامَهَا اللَّهُ وَأَدَامَهَا». وَقَالَ فِى سَائِرِ الإِقَامَةِ كَنَحْوِ حَدِيثِ عُمَرَ ﵁ فِى الأَذَانِ.
قلت: هذا حديث ضعيف لا يصح لضعف محمد بن ثابت وهو العبدي، وللرجل المبهم الذي في السند، ولضعف شهر بن حوشب.
قال الحافظ ابن رجب ﵀ في [فتح الباري] (٥/ ٢٥٨ - ٢٥٩):
«وقد اختلف العلماء: هل يشرع الإجابة في الاقامة؟ على قولين:
أحدهما: أنَّه يشرع ذلك، وهو قول القاضي أبي يعلى وأكثر أصحابنا، وهو ظاهر مذهب الشافعي.
وفي "سنن أبي داود" من رواية محمد بن ثابت العبدي: ثنا رجل من أهل الشام، عن شهر بن حوشب، عن أبي أمامة - أو عن بعض أصحاب النبي ﷺ، إنَّ بلالًا أخذ في الإقامة، فلما أن قال: "قد قامت الصلاة" قال النبي ﷺ: "أقامها الله وأدامها"، وقال في سائر الإقامة كنحو حديث عمر في الأذان.
وفي هذا الإسناد ضعف.
[ ٢ / ٤٤٣ ]
والقول الثاني: أنَّه لايشرع الإجابة فيها، إلَّا في كلمة الإقامة خاصة، وهو وجه للشافعية.
وقد نقل المروذي عن الإمام أحمد، أنَّه كان إذا أخذ المؤذن في الإقامة رفع يديه ودعا.
وروي عنه، أنَّه كان يدعو، فإذا قال المؤذن: "لا إله إلَّا الله" قال: لا إله إلَّا الله الحق المبين.
وظاهر هذا: أنَّ الدعاء حينئذ أفضل من الإجابة.
وتأوله القاضي على أنَّه إنَّما كان يدعو إذا فرغ من الإقامة.
وهذا مخالف لقوله: إذا أخذ المؤذن في الإقامة» اهـ.
وجاء في [الدر المختار وحاشية ابن عابدين] (١/ ٤٠٠):
«"وَيُجِيبُ الْإِقَامَةَ" نَدْبًا إجْمَاعًا "كَالْأَذَانِ" وَيَقُولُ عِنْدَ: قَدْ قَامَتْ الصَّلَاةُ: أَقَامَهَا اللَّهُ وَأَدَامَهَا "وَقِيلَ لَا" يُجِيبُهَا، وَبِهِ جَزَمَ الشُّمُنِّيُّ» اهـ.
قلت: الأظهر عدم الإجابة لعدم الدليل، وتسمية الإقامة أذانًا من باب التغليب كالعمرين لأبي بكر وعمر، والقمرين للشمس والقمر، والأسودين للتمر والماء، ولا تدخل الإقامة في الأذان عند الإفراد.
٥ - واحتج به من قال بإجابة المؤذن لمن كان في صلاة، وذلك أنَّ النبي ﷺ لم يستثني في إجابة المؤذن وقتًا دون وقت.
قال الحافظ ابن رجب ﵀ في [فتح الباري] (٤/ ٢١٠ - ٢١١):
«وقد اختلف العلماء في إجابة المؤذن في الصلاة على ثلاثة أقوال:
[ ٢ / ٤٤٤ ]
أحدها: أنَّه لا يستحب إجابته في الصلاة بحال؛ لقول النبي ﷺ: "إنَّ في الصلاة لشغلًا".
وهذا ظاهر مذهب الشافعي. وهو قول أصحابنا، قالوا: وقد نص أحمد على أنَّ من دخل المسجد فأذن المؤذن، فإنَّه لا يصلي تحية المسجد حتى يجيب المؤذن. وهذا يدل على أنَّه لا يجيبه في الصلاة.
وهو- أيضًا- قول الحنفية وسحنون من المالكية.
الثاني: أنَّه يستحب أن يجيبه في الفريضة والنافلة، وهو قول ابن وهب من أصحاب مالك.
والثالث: يستحب أن يجيبه في النفل دون الفرض، وهو المنصوص عن مالك.
نقله عنه ابن القاسم، وقال: يقع في نفسي أنَّه أريد بالحديث: وقال: "يقول مثل ما يقول": التكبير والتشهد.
وكذا قال الليث، إلَّا أنَّه قال: ويقول: "لا حول ولا قوة إلَّا بالله" إذا قال "حي على الصلاة، حي على الفلاح".
وفي "تهذيب المدونة" للبرداعي المالكي: ومن سمع المؤذن فليقل كقوله، وإن كان في نافلة، إلى قوله: "أشهد أن لا اله إلَّا الله، وأشهد أنَّ محمدًا رسول الله"، وإن أتم الأذان معه فلا بأس.
ولعل إتمامه مختص بغير المصلي، أو بما إذا أجابه في الحيعلة بالحوقلة، كما قال الليث. أنَّه إذا أجابه بذلك لم تبطل صلاته. فريضة كانت أو نافلة عند جمهور العلماء. وهو قول مالك والشافعي وأصحابنا» اهـ.
[ ٢ / ٤٤٥ ]
وقال الحافظ ابن رجب ﵀ (٤/ ٢١٢):
«وإذا قلنا: لا يجيب المؤذن في الصلاة: فهل يتابع إذا فرغ منها؟
قال طائفة من الشافعية: يجيبه إذا سلم، فإن طال الفصل، فهو كترك سجود السهو.
وكذلك قال طائفة منهم في المتخلي والمجامع إذا سمع الأذان: أنَّه إذا فرغ تابعه.
وقال بعضهم: وإذا لم يتابعه حتى فرغ عمدًا، فالظاهر أنَّه يتدارك على القرب، ولا يتدارك بعد طول الفصل.
والأفضل أن يتابعه على كل جملة عقب فراغ المؤذن منها من غير تأخير، كما دل عليه حديث معاوية.
ومن زعم من المتأخرين: أنَّه يجوز الإجابة حتى يفرغ ثم يجيبه، وزعم أنَّه لا يسمى مؤذنًا حتى يفرغ من أذانه-: فقد أبطل، وقال ما خالف به الأولين والآخرين. وفي تسميته مؤذنًا بعد فراغ أذانه- حقيقة اختلاف - أيضًا- فأنَّه ينقضي الفعل الذي اشتق منه الاسم» اهـ.
٦ - يدل الحديث أنَّ المردد خلف المؤذن يقول مثل ما يقول المؤذن وقد جاء ما يدل على خلاف ذلك.
فروى مسلم (٣٨٦) من طريق لَيْثٌ، عَنِ الْحُكَيْمِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، عَنْ عَامِرِ بْنِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ، عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «مَنْ قَالَ حِينَ يَسْمَعُ الْمُؤَذِّنَ أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ
[ ٢ / ٤٤٦ ]
وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ رَضِيتُ بِاللَّهِ رَبًّا وَبِمُحَمَّدٍ رَسُولًا وَبِالْإِسْلَامِ دِينًا غُفِرَ لَهُ ذَنْبُهُ».
ورواه ابن خزيمة في [صحيحه] (٤٢٢) من طريق عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُغِيرَةِ، عَنِ الْحَكِيمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ قَيْسٍ، عَنْ عَامِرِ بْنِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «مَنْ سَمِعَ الْمُؤَذِّنَ يَتَشَهَّدُ فَالْتَفَتَ فِي وَجْهِهِ، فَقَالَ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، رَضِيتُ بِاللَّهِ رَبًّا، وَبِالإِسْلَامِ دِينًا، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ».
قلت: هذه الرواية صريحة في أنَّ هذا الذكر يقال عند تشهد المؤذن لكن لا يظهر لي ثبوتها، والمحفوظ حديث الليث بن سعد، وعبيد الله بن المغيرة صدوق.
والذي يظهر لي والله أعلم أنَّ هذا الذكر من الأذكار التي تقال بعد الانتهاء من الأذان لا أنَّه يقال عند سماع الشهادتين في أول الأذان. ومثله في ذلك حديث جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «مَنْ قَالَ حِينَ يَسْمَعُ النِّدَاءَ اللَّهُمَّ رَبَّ هَذِهِ الدَّعْوَةِ التَّامَّةِ وَالصَّلَاةِ الْقَائِمَةِ آتِ مُحَمَّدًا الْوَسِيلَةَ وَالْفَضِيلَةَ وَابْعَثْهُ مَقَامًا مَحْمُودًا الَّذِي وَعَدْتَهُ حَلَّتْ لَهُ شَفَاعَتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ».
رواه البخاري (٦١٤).
ومما يدل على أنَّ هذا يقال بعد الانتهاء من ترديد الأذان أنَّ سؤال الوسيلة إنَّما يكون بعد الأذان كما روى مسلم (٣٨٤) عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ أَنَّهُ
سَمِعَ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: «إِذَا سَمِعْتُمْ الْمُؤَذِّنَ فَقُولُوا مِثْلَ مَا يَقُولُ ثُمَّ صَلُّوا عَلَيَّ فَإِنَّهُ مَنْ صَلَّى عَلَيَّ صَلَاةً صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ بِهَا عَشْرًا ثُمَّ سَلُوا اللَّهَ لِي
[ ٢ / ٤٤٧ ]
الْوَسِيلَةَ فَإِنَّهَا مَنْزِلَةٌ فِي الْجَنَّةِ لَا تَنْبَغِي إِلَّا لِعَبْدٍ مِنْ عِبَادِ اللَّهِ وَأَرْجُو أَنْ أَكُونَ أَنَا هُوَ فَمَنْ سَأَلَ لِي الْوَسِيلَةَ حَلَّتْ لَهُ الشَّفَاعَةُ».
قلت: وبوَّب الحافظ البيهقي ﵀ على حديث سعد بن أبي وقاص وحديث جابر بن عبد الله في [السنن الكبرى] (١/ ٦٠٣) فقال: «بَابُ مَا يَقُولُ إِذَا فَرَغَ مِنْ ذَلِكَ».
قال العلامة ملا علي القاري ﵀ في [مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح] (٣/ ١١٥):
«وعن سعد بن أبي وقاص قال، قال رسول الله: "من قال حين يسمع المؤذن" أي صوته أو أذانه أو قوله وهو الأظهر وهو يحتمل أن يكون المراد به حين يسمع تشهده الأول أو الأخير وهو قوله آخر الأذان لا إله إلا الله وهو أنسب ويمكن أن يكون معنى يسمع يجيب فيكون صريحًا في المقصود وأنَّ الظاهر أنَّ الثواب المذكور مترتب على الإجابة بكمالها مع هذه الزيادة ولأنَّ قوله بهذه الشهادة في أثناء الأذان ربما يفوته الإجابة في بعض الكلمات الآتية» اهـ.
وقال العلامة السندي ﵀ في [حاشيته على ابن ماجه] (٢/ ١٢٩):
«قوله: "من قال حين يسمع المؤذن"
الظاهر حين يفرغ من سماع أذانه وإلَّا فالجمع بينه وبين مثل ما يقول المؤذن حالة الأذان مشكل ومثله حديث: "من قال حين يسمع النداء اللهم رب هذه الدعوة" الخ» اهـ.
[ ٢ / ٤٤٨ ]
ومن ذلك أيضًا ما رواه أبو داود (٥٢٦) حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مَهْدِىٍّ حَدَّثَنَا عَلِىُّ بْنُ مُسْهِرٍ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ إِذَا سَمِعَ الْمُؤَذِّنَ يَتَشَهَّدُ قَالَ: «وَأَنَا وَأَنَا».
قلت: وقد تابع عليَ بنَ مسهر حفصُ بنُ غياث كما عند ابن حبان (١٦٨٣)، والطبراني في [الأوسط] (٤٧٣٥)، وفي [الدعاء] (٤٣٨).
وخالفهما أبو معاوية الضرير محمد بن خازم، ووكيع فرويا عن هشام بن عروة عن أبيه: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ إذَا سَمِعَ الْمُؤَذِّنَ، قَالَ: " وَأَنَا وَأَنَا "». هكذا مرسلًا رواه ابن أبي شيبة في [مصنفه] (٢٣٦٢)
قلت: وتابعهما أيضًا سفيان الثوري.
قال الحافظ الطبراني ﵀ في [الدعاء] (٤٣٩): «حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، أَنْبَأَنَا سُفْيَانُ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ مِثْلَهُ وَلَمْ يَذْكُرْ عَائِشَةَ».
وتابعهم عبد الله بن داود الخريبي.
وسئل الحافظ الدارقطني ﵀ كما في [العلل] (١٣/ ٢٨٦): «عن حديث عروة، عن عائشة، كان النبي ﷺ إذا سمع المؤذن، قال: "وأنا، وأنا".
فقال: يرويه هشام بن عروة، واختلف عنه؛ فرواه علي بن مسهر، عن هشام، عن أبيه، عن عائشة.
[ ٢ / ٤٤٩ ]
ورواه عبد الله بن داود الخريبي، عن هشام، عن أبيه، مرسلًا، وهو الصحيح» اهـ.
قلت: الصحيح في هذا الحديث الإرسال كما رواه الثقات عن هشام بن عروة.
لكن يغني عنه ما رواه البخاري (٩١٤) من طريق أَبِي أُمَامَةَ بْنِ سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ قَالَ: سَمِعْتُ مُعَاوِيَةَ بْنَ أَبِي سُفْيَانَ وَهُوَ جَالِسٌ عَلَى الْمِنْبَرِ أَذَّنَ الْمُؤَذِّنُ قَالَ: «اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ قَالَ مُعَاوِيَةُ اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ قَالَ أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ فَقَالَ مُعَاوِيَةُ وَأَنَا فَقَالَ أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ فَقَالَ مُعَاوِيَةُ وَأَنَا فَلَمَّا أَنْ قَضَى التَّأْذِينَ قَالَ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ عَلَى هَذَا الْمَجْلِسِ حِينَ أَذَّنَ الْمُؤَذِّنُ يَقُولُ مَا سَمِعْتُمْ مِنِّي مِنْ مَقَالَتِي».
ورواه الطبراني في [الكبير] (١٦٠٨٥) حَدَّثَنَا مُعَاذُ بن الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ مُحَمَّدِ بن عَمْرٍو، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، قَالَ: «أَذَّنَ الْمُؤَذِّنُ عِنْدَ مُعَاوِيَةَ، فَقَالَ: "اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ، فَقَالَ مُعَاوِيَةُ: اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ، فَقَالَ: أَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، قَالَ: أَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ، فَقَالَ: أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، قَالَ: أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، فَقَالَ: حَيَّ عَلَى الصَّلاةِ، قَالَ: لا حَوْلَ وَلا قُوَّةَ إِلا بِاللَّهِ، قَالَ: حَيَّ عَلَى الْفَلاحِ، قَالَ: لا حَوْلَ وَلا قُوَّةَ إِلا بِاللَّهِ، قَالَ: اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ، قَالَ مُعَاوِيَةُ: اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ، فَقَالَ: لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، فَقَالَ: لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ، ثُمَّ قَالَ: هَكَذَا سَمِعْتُ نَبِيَّكُمْ يَقُولُ».
قلت: وفي هذه الرواية أنَّ معاوية لم يقتصر على قوله: «وَأَنَا». لكن في إسنادها عمرو بن علقمة بن وقاص الليثي مستور.
[ ٢ / ٤٥٠ ]
والذي يظهر لي هو العمل بظاهر حديث أبي سعيد فيردد السامع للأذان كما هو بلفظه، ويشرع الاقتصار على قوله: «وَأَنَا». عند نداء المؤذن بالشهادتين. والله أعلم.
فائدة: قال الحافظ ابن عبد البر ﵀ في [الاستذكار] (١/ ٣٧٣):
«وَقَالَ آخَرُونَ: إِنَّمَا يَقُولُ مِثْلَ مَا يَقُولُ الْمُؤَذِّنُ فِي التَّكْبِيرِ وَالتَّشَهُّدِ وَرَوَوْا بِذَلِكَ أَثَرًا تَأَوَّلُوهُ
وَقَالَ آخَرُونَ إِنَّمَا يَقُولُ مِثْلَ مَا يَقُولُ الْمُؤَذِّنُ فِي التَّشَهُّدِ خَاصَّةً وَإِنْ شَاءَ قَالَ وَأَنَا أَشْهَدُ بِمَا تَشْهَدُ بِهِ وَنَحْوَ هَذَا.
وَاحْتَجُّوا بِحَدِيثِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ "مَنْ قَالَ حِينَ يَسْمَعُ الْمُؤَذِّنَ وَأَنَا أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ رَضِيتُ بِاللَّهِ رَبًّا وَبِمُحَمَّدٍ رَسُولًا وَبِالْإِسْلَامِ دِينًا - غُفِرَ لَهُ".
وَبِحَدِيثِ عَائِشَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﵇ كَانَ إِذَا سَمِعَ الْأَذَانَ قَالَ: "وَأَنَا أَشْهَدُ وَأَنَا أَشْهَدُ".
وَهَذَانِ الْحَدِيثَانِ فِيهِمَا الْإِتْيَانُ بِمَعْنَى الْأَذَانِ وَبِمَعْنَى الذِّكْرِ وَالْإِخْلَاصِ وَالتَّشَهُّدِ دُونَ لَفْظِهِ» اهـ.
* * *
[ ٢ / ٤٥١ ]
قال المؤلف رحمه الله تعالى: