١٤٧ - عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدِ بْنِ عَاصِمٍ الْمَازِنِيِّ قَالَ: «خَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ يَسْتَسْقِي، فَتَوَجَّهَ إِلَى القِبْلَةِ يَدْعُو وَحَوَّلَ رِدَاءَهُ، ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ جَهَرَ فِيهِمَا بِالقِرَاءَةِ».
الاستسقاء استفعال بمعنى طلب السقيا، والمراد بهذا الباب الصلاة لأجل طلب السقيا من الله تعالى.
وفي الحديث مسائل منها:
١ - استحباب صلاة الاستسقاء.
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ في [شَرْحِ مُسْلِمٍ] (٣/ ٢٩٤):
«أجمع العلماء على أنَّ الاستسقاء سنة، واختلفوا هل تسن له صلاة أم لا؟ فقال أبو حنيفة: لا تسن له صلاة، بل يستسقى بالْدُعَاء بلا صلاة، وَقَالَ سائر العلماء من السلف والخلف الصحابة والتابعون فمن بعدهم: تسن الصلاة، ولم يخالف فيه إلَّا أبو حنيفة، وتعلق بأحاديث الاستسقاء التي ليس فيها صلاة واحتج الجمهور بالأحاديث الثابتة في الصحيحين وغيرهما أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ صلى للاستسقاء ركعتين. وأمَّا الأحاديث التي ليس فيها ذكر الصلاة فبعضها محمول على نسيان الراوي، وبعضها كان في الخطبة للجمعة، ويتعقبه الصلاة للجمعة فاكتفى بها، ولو لم يصل أصلًا كان بيانًا لجواز الاستسقاء بالْدُعَاء
[ ٥ / ١٣٧ ]
بلا صلاة. ولا خلاف في جوازه، وتكون الأحاديث المثبتة للصلاة مقدمة لأنَّها زيادة علم ولا معارضة بينهما» اهـ.
وَقَالَ الْحَافِظُ ابْنُ رَجَبٍ ﵀ في [فَتْحِ الْبَارِي] (٦/ ٢٩٠):
«وجمهور العلماء على أنَّه تشرع صلاة الاستسقاء. وخالف فيه طائفة من علماء أهل الكوفة، منهم: النخعي، وهو قول أبي حنيفة، وقالوا: إنَّما يستحب في الاستسقاء الْدُعَاء والاستغفار خاصة. وهؤلاء لم تبلغهم سنة الصلاة، كما بلغ جمهور العلماء» اهـ.
٢ - استحباب الْدُعَاء في الاستسقاء مستقبلًا القبلة.
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ في [شَرْحِ مُسْلِمٍ] (٣/ ٢٩٨):
«فيه استحباب استقبالها للدعاء، ويلحق به الوضوء والغسل والتيمم والقراءة والأذكار والأذان وسائر الطاعات إلَّا ما خرج بدليل كالخطبة ونحوها» اهـ.
قُلْتُ: وذلك أنَّ جهة القبلة هي خير الجهات وقد جاءت الأدلة المتكاثرة في استقبالها في كثير من العبادات، لكن القول باستحباب القبلة في جميع العبادات إلَّا ما استثناه الدليل فيه نظر.
وجاء في بعض ألفاظ الحديث ما يدل على أنَّه ابتدأ الْدُعَاء مستقبلًا للناس ثم توجه إلى القبلة.
فروى البخاري (١٠٢٣) حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، قَالَ: حَدَّثَنِي عَبَّادُ بْنُ تَمِيمٍ، أَنَّ عَمَّهُ - وَكَانَ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ أَخْبَرَهُ: «أّنَّ الْنَّبِيَّ ﷺ خَرَجَ بِالنَّاسِ يَسْتَسْقِي لَهُمْ، فَقَامَ فَدَعَا اللَّهَ قَائِمًا، ثُمَّ تَوَجَّهَ قِبَلَ القِبْلَةِ وَحَوَّلَ رِدَاءَهُ فَأُسْقُوا».
[ ٥ / ١٣٨ ]
قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ رَجَبٍ ﵀ في [فَتْحِ الْبَارِي] (٦/ ٢٨٨):
«وهذا صريح في أنَّه ابتدأ الْدُعَاء مستقبل الناس، ثم أتمه مستقبل القبلة» اهـ.
قُلْتُ: ويكون الْدُعَاء للإمام جهرًا عند استقبال الناس، وسرًا عند استقبال القبلة لقوله تعالى: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ [الأعراف/ ٥٥].
وذهبت الشافعية إلى أنَّه يدعو في الخطبة الأولى جهرًا، وفي الثانية سرًا يجمع بين الجهر والإسرار.
وأمَّا الحنابلة فاستحبوا أن تكون خطبة واحدة ويدعو سرًا عند استقبال القبلة، ويجهر ببعضه حتى يؤمن الناس، وأمَّا عند استقبال الناس بالخطبة فيدعو جهرًا ويؤمِّن الناس على دعائه.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ في [الْمُغْنِي] (٢/ ٣٢٢):
«وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَدْعُوَ سِرًّا حَالَ اسْتِقْبَالِ الْقِبْلَةِ، فَيَقُولُ: اللَّهُمَّ إنَّك أَمَرْتَنَا بِدُعَائِك، وَوَعَدْتَنَا إجَابَتَك، فَقَدْ دَعَوْنَاك كَمَا أَمَرْتنَا، فَاسْتَجِبْ لَنَا كَمَا وَعَدْتنَا، اللَّهُمَّ فَامْنُنْ عَلَيْنَا بِمَغْفِرَةِ ذُنُوبِنَا، وَإِجَابَتِنَا فِي سُقْيَانَا، وَسَعَةِ أَرْزَاقِنَا. ثُمَّ يَدْعُو بِمَا شَاءَ مِنْ أَمْرِ دِينٍ وَدُنْيَا. وَإِنَّمَا يُسْتَحَبُّ الْإِسْرَارُ؛ لِيَكُونَ أَقْرَبَ مِنْ الْإِخْلَاصِ، وَأَبْلَغَ فِي الْخُشُوعِ وَالْخُضُوعِ وَالتَّضَرُّعِ، وَأَسْرَعَ فِي الْإِجَابَةِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً﴾ [الأعراف: ٥٥].
وَاسْتُحِبَّ الْجَهْرُ بِبَعْضِهِ؛ لِيَسْمَعَ النَّاسُ، فَيُؤَمِّنُونَ عَلَى دُعَائِهِ» اهـ.
وَقَالَ الْحَجَّاوِيُّ ﵀ فِي [الإِقْنَاعِ] (١/ ٢٠٧)
[ ٥ / ١٣٩ ]
«ويسن رفع يديه وقت الدعاء وتكون ظهورهما نحو السماء فيدعو قائمًا ويكثر منه ويؤمن مأموم ويرفع يديه جالسًا» اهـ.
وأمَّا المالكية فاختلفوا، وقد جاء في [شَرْحِ مُخْتَصَرِ خَلِيْلٍ لِلْخَرَشِيّ] (٢/ ١١١): «وَيَكُونُ الدُّعَاءُ جَهْرًا كَمَا فِي الطِّرَازِ، وَذَكَرَ الزَّرْقَانِيُّ أَنَّهُ يَدْعُو سِرًّا وَلَا يَرْفَعُ يَدَيْهِ لِسَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ لَا يُعْجِبُنِي رَفْعُ يَدَيْهِ فِي الدُّعَاءِ (قَوْلُهُ فِي آخِرِ الْخُطْبَةِ الثَّانِيَةِ) ظَاهِرُ الْعِبَارَةِ أَنَّ الدُّعَاءَ مِنْ جُمْلَةِ الْخُطْبَةِ الثَّانِيَةِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ، بَلْ لَمَّا كَانَ مُتَّصِلًا بِهَا كَأَنَّهُ مِنْ آخِرِهَا» اهـ.
قُلْتُ: الذي يظهر لي هو الجمع بين الجهر والإسرار كما سبق، وذلك أنَّه ثبت في الحديث أنَّه ابتدأ النبي ﷺ الدعاء وهو مستقبل الناس والظاهر أنَّه جهر بالدعاء عند استقباله للناس، والله أعلم.
٣ - استحباب تحويل الرداء في الْدُعَاء للاستسقاء.
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ في [شَرْحِ مُسْلِمٍ] (٣/ ٢٩٤):
«وفيه استحباب تحويل الرداء في أثنائها للاستسقاء. قال أصحابنا: يحوله في نحو ثلث الخطبة الثانية، وذلك حين يستقبل القبلة قالوا: والتحويل شرع تفاؤلًا بتغير الحال من القحط إلى نزول الغيث والخصب، ومن ضيق الحال إلى سعته، وفيه دليل للشافعي ومالك وأحمد وجماهير العلماء في استحباب تحويل الرداء، ولم يستحبه أبو حنيفة، ويستحب عندنا أيضًا للمأمومين كما يستحب للإمام، وبه قال مالك وغيره، وخالف فيه جماعة من العلماء» اهـ.
قُلْتُ: ولم يُبيَّن في هذا الحديث كيفية تحويل الرداء، وقد جاء بيان ذلك في أحاديث أخرى منها:
[ ٥ / ١٤٠ ]
حديث أبي هريرة ﵁.
روى حديثه أحمد (٨٣١٠)، وابن ماجه (١٢٦٨) مِنْ طَرِيْقِ وَهْبِ بْنِ جَرِيرٍ، قَالَ حَدَّثَنَا أَبِي، قَالَ: سَمِعْتُ النُّعْمَانَ، يُحَدِّثُ عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّهُ قَالَ: «خَرَجَ نَبِيُّ اللَّهِ ﷺ يَوْمًا يَسْتَسْقِي، فَصَلَّى بِنَا رَكْعَتَيْنِ بِلَا أَذَانٍ وَلَا إِقَامَةٍ، ثُمَّ خَطَبَنَا وَدَعَا اللَّهَ ﷿، وَحَوَّلَ وَجْهَهُ نَحْوَ الْقِبْلَةِ رَافِعًا يَدَهُ، ثُمَّ قَلَبَ رِدَاءَهُ، فَجَعَلَ الْأَيْمَنَ عَلَى الْأَيْسَرِ، وَالْأَيْسَرَ عَلَى الْأَيْمَنِ».
قُلْتُ: وفي إسناده النعمان وهو ابن راشد الجزري وهو ضعيف الحديث.
ومنها حديث عبد الله بن عباس ﵁.
روى حديثه الْدَارَقُطْنِي (١٨٠٠)، والحاكم في [الْمُسْتَدْرَكِ] (١٢١٧)، ومن طريقه البيهقي في [الْكُبْرَى] (٦١٩٨) مِنْ طَرِيْقِ سَهْلِ بْنِ بَكَّارٍ، ثنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ طَلْحَةَ بْنِ يَحْيَى، قَالَ: أَرْسَلَنِي مَرْوَانُ إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ أَسْأَلُهُ عَنْ سُنَّةِ الِاسْتِسْقَاءِ فَقَالَ: «سُنَّةُ الِاسْتِسْقَاءِ سُنَّةُ الصَّلَاةِ فِي الْعِيدَيْنِ، إِلَّا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَلَبَ رِدَاءَهُ فَجَعَلَ يَمِينَهُ عَلَى يَسَارِهِ، وَيَسَارَهُ عَلَى يَمِينِهِ، فَصَلَّى الرَّكْعَتَيْنِ يُكَبِّرُ فِي الْأُولَى سَبْعَ تَكْبِيرَاتٍ، وَقَرَأَ سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى، وَقَرَأَ فِي الثَّانِيَةِ: ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ﴾، وَكَبَّرَ فِيهَا خَمْسَ تَكْبِيرَاتٍ».
قُلْتُ: ولا يصح هذا الحديث. قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ رَجَبٍ ﵀ في [فَتْحِ الْبَارِي] (٦/ ٢٩١):
[ ٥ / ١٤١ ]
«ومحمد بن عبد العزيز الزهري هذا، متروك الحديث، لا يحتج بما يرويه» اهـ.
وَقَالَ الْحَافِظُ ابْنُ عَبْدِ الْهَادِي ﵀ في [تَنْقِيْحِ الْتَحْقِيْقِ] (٢/ ٦١٠):
«وهو حديث منكر. ومحمد بن عبد العزيز هو: ابن عمر بن عبد الرحمن بن عوف الزهري القرشي المدني، وهو ضعيف، قال البخاري: منكر الحديث. وَقَالَ النسائي: متروك الحديث. وَقَالَ أبو حاتم: ضعيف الحديث، ليس له حديث مستقيم. وقد تكلم فيه أيضًا ابن حبان وغيره» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْمُلَقِّنِ ﵀ فِي [الْبَدْرِ الْمُنِيْرِ] (٥/ ١٤٦):
«قُلْتُ: وأمَّا الحاكم فإنَّه أخرج هذه الرواية في "مستدركه" ثم قال: هَذَا حَدِيْثٌ صَحِيْحٌ الإسناد. لكنه قال: في إسناده محمد بن عبد العزيز بن عبد الملك عن أبيه. وكأنَّه وهم، والمعروف عبد العزيز بن عبد الرحمن، ولم ينبه الذهبي في "اختصاره للمستدرك" على هذا، بل قال: فيه عبد العزيز بن عبد الملك وقد ضعف. وليس بجيد منه، وكان ينبغي أن يعترض عليه من الوجه الذي ذكرته، فتنبه لذلك» اهـ.
ومنها حديث عبد الله بن زيد بن عاصم المازني.
روى حديثه أبو داود (١١٦٥)، ومن طريقه البيهقي في [الْكُبْرَى] (٦٢٠٨)، ورواه أيضًا أبو عوانة في [مُسْتَخْرَجِهِ] (٢٠٢٩) قالا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَوْفٍ الْحِمْصِيُّ، قَالَ: وَجَدْتُ فِي كِتَابِ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَالِمٍ، عَنِ الزُّبَيْدِيِّ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: أَخْبَرَنِي عَبَّادُ بْنُ تَمِيمٍ، عَنْ عَمِّهِ: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ خَرَجَ يَوْمًا فَاسْتَسْقَى، فَحَوَّلَ إِزَارَهُ، فَجَعَلَ عِطَافَهُ الْأَيْمَنَ عَلَى عَاتِقِهِ الْأَيْسَرِ، وَجَعَلَ عِطَافَهُ الْأَيْسَرَ عَلَى عَاتِقِهِ الْأَيْمَنِ، ثُمَّ دَعَا اللَّهَ».
قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ ضَعِيْفٌ عمرو بن الحارث لا يعرف حاله.
[ ٥ / ١٤٢ ]
وأصل الحديث رواه البخاري (١٠١٢)، ومسلم (٨٩٤): عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ، «أّنَّ الْنَّبِيَّ ﷺ خَرَجَ إِلَى المُصَلَّى فَاسْتَسْقَى فَاسْتَقْبَلَ القِبْلَةَ، وَقَلَبَ رِدَاءَهُ، وَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ».
وروى أحمد (١٦٥٠٩، ١٦٥٢٠)، وأبو داود (١١٦٦) مِنْ طَرِيْقِ عَبْدِ الْعَزِيزِ الدَّرَاوَرْدِيُّ، عَنْ عُمَارَةَ بنِ غَزِيَّةَ، عَنْ عَبَّادِ بْنِ تَمِيمٍ، عَنْ عَمِّهِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ، «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ اسْتَسْقَى وَعَلَيْهِ خَمِيصَةٌ لَهُ سَوْدَاءُ، فَأَرَادَ أَنْ يَأْخُذَ بِأَسْفَلِهَا فَيَجْعَلَهُ أَعْلَاهَا، فَثَقُلَتْ عَلَيْهِ فَقَلَبَهَا عَلَيْهِ الْأَيْمَنُ عَلَى الْأَيْسَرِ، وَالْأَيْسَرُ عَلَى الْأَيْمَنِ».
قُلْتُ: عمارة بن غزية وثقه غير واحد غير أنَّه خالف في ذكره لإرادة النبي ﷺ جعل أسفل الخميصة إلى الأعلى، والأعلى إلى الأسفل كل من روى الحديث عن عباد كالزهري، وعبد الله بن أبي بكر، وعمرو بن يحيى، فالمحفوظ ما رواه الجماعة عن عباد والله أعلم.
قَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٢/ ٤٩٨ - ٤٩٩):
«وقد استحب الشافعي في الجديد فعل ما هم به ﷺ من تنكيس الرداء مع التحويل الموصوف وزعم الْقُرْطُبِي كغيره أنَّ الشافعي اختار في الجديد تنكيس الرداء لا تحويله والذي في "الْأُم" ما ذكرته والجمهور على استحباب التحويل فقط ولا ريب أنَّ الذي استحبه الشافعي أحوط وعن أبي حنيفة وبعض المالكية لا يستحب شيء من ذلك واستحب الجمهور أيضًا أن يحول الناس بتحويل الْإِمَام، ويشهد له ما رواه أحمد مِنْ طَرِيْقِ أخرى عن عباد في
[ ٥ / ١٤٣ ]
هذا الحديث بلفظ: "وحول الناس معه". وَقَالَ الليث وأبو يوسف يحول الْإِمَام وحده واستثنى بن الماجشون النساء فقال: لا يستحب في حقهن.
ثم إنَّ ظاهر قوله: "فقلب رداءه" أنَّ التحويل وقع بعد فراغ الاستسقاء وليس كذلك بل المعنى فقلب رداءه في أثناء الاستسقاء وقد بينه مالك في روايته المذكورة ولفظه: "حول رداءه حين استقبل القبلة" ولمسلم من رواية يحيى بن سعيد عن أبي بكر بن محمد وإنه لما أراد أن يدعو استقبل القبلة وحول رداءه وأصله للمصنف كما سيأتي بعد أبواب وله من رواية الزهري عن عباد: "فقام فدعا الله قائمًا ثم توجه قبل القبلة وحول رداءه" فعرف بذلك أن التحويل وقع في أثناء الخطبة عند إرادة الْدُعَاء واختلف في حكمة هذا التحويل فجزم المهلب بأنَّه للتفاؤل بتحويل الحال عمَّا هي عليه وتعقبه ابن العربي بأنَّ من شرط الفأل أن لا يقصد إليه قال: وإنَّما التحويل أمارة بينه وبين ربه قيل له حول رداءك ليتحول حالك.
وتعقب بأنَّ الذي جزم به يحتاج إلى نقل والذي رده ورد فيه حديث رجاله ثقات أخرجه الْدَارَقُطْنِي والحاكم مِنْ طَرِيْقِ جعفر بن محمد بن على عن أبيه عن جابر ورجح الْدَارَقُطْنِي إرساله وعلى كل حال فهو أولى من القول بالظن. وَقَالَ بعضهم: إنَّما حول رداءه ليكون أثبت على عاتقه عند رفع يديه في الْدُعَاء فلا يكون سنة في كل حال. وأجيب بأنَّ التحويل من جهة إلى جهة لا يقتضى الثبوت على العاتق فالحمل على المعنى الأول أولى فإنَّ الأتباع أولى من تركه لمجرد احتمال الخصوص والله أعلم» اهـ.
[ ٥ / ١٤٤ ]
قُلْتُ: ما اختاره الشافعي من استحباب تنكيس الرداء مبني على الرواية السابقة وقد تبين عدم ثبوتها.
والذي يظهر لي أنَّ مذهب الجمهور أرجح.
وأمَّا ما احتج به الحافظ ابن حجر ﵀ على تحويل الناس أرديتهم. فأخرجه أحمد (١٦٥١٢) حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبِي، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ، عَنْ عَبَّادِ بْنِ تَمِيمٍ الْأَنْصَارِيِّ ثُمَّ الْمَازِنِيِّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدِ بْنِ عَاصِمٍ - وَكَانَ أَحَدَ رَهْطِهِ - وَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ زَيْدٍ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَدْ شَهِدَ مَعَهُ أُحُدًا قَالَ: «قَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ حِينَ اسْتَسْقَى لَنَا أَطَالَ الدُّعَاءَ وَأَكْثَرَ الْمَسْأَلَةَ»، قَالَ: «ثُمَّ تَحَوَّلَ إِلَى الْقِبْلَةِ وَحَوَّلَ رِدَاءَهُ فَقَلَبَهُ ظَهْرًا لِبَطْنٍ، وَتَحَوَّلَ النَّاسُ مَعَهُ».
قُلْتُ: ذكر تحويل الناس لأرديتهم مع النبي ﷺ لفظة شاذة شذ بها محمد بن إسحاق وخالف كل من روى الحديث عن عبد الله بن أبي بكر كأمثال سفيان بن عيينة، ومالك بن أنس، ويحيى بن سعيد الأنصاري وغيرهم.
ويكفي في إثبات ذلك الأدلة العامة الدالة على استحباب التأسي بالنبي ﷺ.
وقد جاء ما يدل على أنَّ تحويل الرداء يكون عند إرادة الْدُعَاء بعد الخطبة كما روى ذلك الروياني في [مُسْنَدِه] (١٠٢١)، والْدَارَقُطْنِي (١٨٠٤)، وأبو نعيم في [أَخْبَارِ أَصْبَهَانَ] (٢٠١) مِنْ طَرِيْقِ جَرِيرٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ أَبِي بَكْرٍ، عَنْ عَبَّادِ بْنِ تَمِيمٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ الْأَنْصَارِيِّ، قَالَ: «خَرَجَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ
[ ٥ / ١٤٥ ]
وَسَلَّمَ يَسْتَسْقِي فَخَطَبَ النَّاسَ، فَلَمَّا أَرَادَ أَنْ يَدْعُوَ أَقْبَلَ بِوَجْهِهِ إِلَى الْقِبْلَةِ وَحَوَّلَ رِدَاءَهُ».
قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ صَحِيْحٌ.
لكن جاء ما يدل على غير ذلك فروى البخاري (١٠٢٣) حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، قَالَ: حَدَّثَنِي عَبَّادُ بْنُ تَمِيمٍ، أَنَّ عَمَّهُ - وَكَانَ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ أَخْبَرَهُ: «أّنَّ الْنَّبِيَّ ﷺ خَرَجَ بِالنَّاسِ يَسْتَسْقِي لَهُمْ، فَقَامَ فَدَعَا اللَّهَ قَائِمًا، ثُمَّ تَوَجَّهَ قِبَلَ القِبْلَةِ وَحَوَّلَ رِدَاءَهُ فَأُسْقُوا».
فهذا يدل على أنَّ تحويل الرداء عند استقبال القبلة لا قبل ذلك عند إرادة الْدُعَاء.
ولم يأت ما يدل على الوقت الذي ينتهي فيه التحويل للرداء.
لَكِنْ قَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ في [الْمَجْمُوْع] (٥/ ٧٩):
«قال الشافعي: وإذا حولوا أرديتهم تركوها؟ محولة لينزعوها مع الثياب لأنَّه لم ينقل أّنَّ الْنَّبِيَّ ﷺ غيرها بعد التحويل» اهـ.
٤ - أنَّ صلاة الاستسقاء ركعتان.
قُلْتُ: والصحيح أنَّها لا تصلى بتكبيرات زوائد كصلاة العيد لعدم ثبوت ذلك عَنِ النَّبِيِّ ﷺ.
قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ رَجَبٍ ﵀ في [فَتْحِ الْبَارِي] (٦/ ٢٩٠ - ٢٩١):
«وفيه: دليل على أنَّ صلاة الاستسقاء ركعتان، وهذا لا اختلاف فيه بين من يقول: إنَّه يشرع للاستسقاء صلاة. ولكن اختلفوا: هل تصلى بتكبير كتكبير صلاة
[ ٥ / ١٤٦ ]
العيد، أم بغير تكبير كسائر الصلوات، فتستفتح بتكبيرة الإحرام، ثم يقرأ بعدها؟ على قولين:
أحدهما: أنَّها تصلى كما تصلى العيد بتكبير قبل القراءة وقد روي عن ابن عباس، وعن ابن المسيب وعمر بن عبد العزيز وأبي بكر بن حزم، وهو قول الشافعي وأحمد - في ظاهر مذهبه - وأبي يوسف ومحمد.
والثاني: تصلى بغير تكبير زائد، وهو قول مالك والثوري والأوزاعي وأحمد - في رواية - وإسحاق وأبي ثور وأبي خيثمة وسليمان بن داود الهاشمي.
قال أبو إسحاق البرمكي من أصحابنا: يحتمل أنَّ هذه الرواية عن أحمد قول قديم رجع عنه.
وحكي عن داود: إن شاء صلي بتكبير زائد، وإن شاء صلى بتكبيرة الإحرام فقط.
واستدل من قال: يصلي بتكبير بظاهر حديث ابن عباس: "وصلى ركعتين كما يصلي في العيد"، وقد سبق ذكره» اهـ.
قُلْتُ: حديث ابن عباس رواه أحمد (٢٠٣٩، ٣٣٣١)، وأبو داود (١١٦٧)، والترمذي (٥٥٨)، وابن ماجه (١٥٣)، والنسائي في [الْمُجْتَبَى] (١٥٠٨، ١٥٢١)، مِنْ طَرِيْقِ هِشَامِ بْنِ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كِنَانَةَ، قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبِي، قَالَ: أَرْسَلَنِي الْوَلِيدُ بْنُ عُتْبَةَ - قَالَ عُثْمَانُ ابْنُ عُقْبَةَ: وَكَانَ أَمِيرَ الْمَدِينَةِ - إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ، أَسْأَلُهُ عَنْ صَلَاةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي الِاسْتِسْقَاءِ، فَقَالَ: «خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مُتَبَذِّلًا مُتَوَاضِعًا، مُتَضَرِّعًا، حَتَّى أَتَى
[ ٥ / ١٤٧ ]
الْمُصَلَّى - زَادَ عُثْمَانُ، فَرَقَى عَلَى الْمِنْبَرِ، ثُمَّ اتَّفَقَا، - وَلَمْ يَخْطُبْ خُطَبَكُمْ هَذِهِ، وَلَكِنْ لَمْ يَزَلْ فِي الدُّعَاءِ، وَالتَّضَرُّعِ، وَالتَّكْبِيرِ، ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ، كَمَا يُصَلِّي فِي الْعِيدِ».
قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ ضَعِيْفٌ هشام بن إسحاق قال فيه أبو حاتم: "شيخ".
وذهب أبو حاتم إلى أنَّ رواية إسحاق بن عبد الله عن ابن عباس مرسلة. قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ ﵀ في [الْجَرْحِ وَالْتَعْدِيْلِ] (٢/ ٢٢٦ - ٢٢٧):
«إسحاق بن عبد الله بن كنانة مدني والد هشام بن إسحاق روى عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، مرسل، وابن عباس، مرسل، روى عنه هاشم … سمعت أبي يقول ذلك» اهـ.
وله طريق أخرى رواها ابن المنذر في [الْأَوْسَطِ] (٢١٨٢) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ، ثنا سَعِيدٌ، ثنا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُحَمَّدٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ الْقَاضِي الزُّهْرِيُّ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: «أَرْسَلَ مَرْوَانُ إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ يَسْأَلُهُ عَنْ صَلَاةِ الِاسْتِسْقَاءِ، فَقَالَ: سُنَّةٌ كَسُنَّةِ الْعِيدَيْنِ».
قُلْتُ: وهذه الطريق واهية من أجل محمد بن عبد العزيز وهو ابن عمر بن عبد الرحمن بن عوف فإنَّه من المتروكين. وأبوه مجهول الحال.
وقد سبق حديث ابن عباس بذكر التكبير في الفقرة الثالثة.
وروى الشافعي في [الْأُم] (١/ ٢٣٦)، وفي [الْمُسْنَد] (٤٥٧)، ومن طريقه البيهقي في [الْمَعْرِفَة] (١٩٢٦) أَخْبَرَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ: «أّنَّ الْنَّبِيَّ ﷺ وَأَبَا بَكْرٍ، وَعُمَرَ كَبَّرُوا فِي الْعِيدَيْنِ وَالاسْتِسْقَاءِ سَبْعًا وَخَمْسًا، وَصَلَّوْا قَبْلَ الْخُطْبَةِ، وَجَهَرُوا بِالْقِرَاءَةِ».
[ ٥ / ١٤٨ ]
قُلْتُ: إِسْنَادُهُ فِي غَايَةٍ مِنَ الْضَّعْفِ فإنَّ إبراهيم هذا هو ابن محمد ابن أبي يحيى كذبه غير واحد من علماء الحديث. وهو مع ذلك معضل.
ورواه عبد الرزاق في [الْمُصَنَّفِ] (٤٨٩٥) عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: «كَانَ عَلِيٌّ يُكَبِّرُ فِي الْفِطْرِ وَالْأَضْحَى وَالِاسْتِسْقَاءِ سَبْعًا فِي الْأُولَى، وَخَمْسًا فِي الْأُخْرَى، وَيُصَلِّي قَبْلَ الْخُطْبَةِ، وَيَجْهَرُ بِالْقِرَاءَةِ قَالَ: وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ يَفْعَلُونَ ذَلِكَ».
وهذه طريق واهية.
وروى عبد الرزاق في [الْمُصَنَّفِ] (٤٨٩٦) عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنِ ابْنِ الْمُسَيِّبِ قَالَ: «سُنَّةُ الِاسْتِسْقَاءِ كَسُنَّةِ الْفِطْرِ وَالْأَضْحَى فِي التَّكْبِيرِ».
قُلْتُ: أبو بكر هو ابن عبد الله بن محمد بن أبي سبرة بن أبي رهم القرشي. متروك الحديث.
وحديث ابن عباس الذي ذكرناه أولًا يمكن أن يتأول على رض صحته.
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ في [شَرْحِ مُسْلِمٍ] (٦/ ١٨٩):
«وَتَأَوَّلَهُ الْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ كَصَلَاةِ الْعِيدِ فِي الْعَدَدِ وَالْجَهْرِ وَالْقِرَاءَةِ وَفِي كَوْنِهَا قَبْلَ الْخُطْبَةِ» اهـ.
٥ - استحباب الجهر بالقراءة في صلاة الاستسقاء.
قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِ ﵀ في [الْتَمْهِيْدِ] (١٧/ ١٧٦)، وفي [الْاسْتِذْكَارِ] (٢/ ٣٤٦): «ولم يختلفوا في الجهر في صلاة الاستسقاء» اهـ.
[ ٥ / ١٤٩ ]
وَقَالَ الْحَافِظُ ابْنُ رَجَبٍ ﵀ في [فَتْحِ الْبَارِي] (٦/ ٢٨٦):
«ولا اختلاف بين العلماء الذين يرون صلاة الاستسقاء، أنَّه يجهر فيها بالقراءة» اهـ.
٦ - أنَّ السنة في صلاة الاستسقاء أن تصلى في المصلى.
قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ رَجَبٍ ﵀ في [فَتْحِ الْبَارِي] (٦/ ٢٩٤):
«الخروج لصلاة الاستسقاء إلى المصلى مجمع عليه بين العلماء» اهـ.
قُلْتُ: ويستثنى أهل مكة فإنَّهم يصلون في المسجد الحرام كالعيد.
٧ - أنَّ خطبة الاستسقاء متقدمة على الصلاة.
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ في [شَرْحِ مُسْلِمٍ] (٣/ ٢٩٨):
«فيه دليل لمن يقول بتقديم الخطبة على صلاة الاستسقاء وأصحابنا يحملونه على الجواز» اهـ.
قُلْتُ: وذهب أحمد في رواية إلى أنَّه يخير بين أن يخطب قبل الصلاة وبعدها.
واختار الخطبة قبل الصلاة العلامة ابن المنذر ﵀ في [الْأَوْسَطِ] (٧/ ٥٣) حيث قال: «وروينا أنَّ عمر بن عبد العزيز استسقى على المنبر ثم نزل فصلى، وروينا عن عبد الله بن يزيد أنَّه صلى ثم استسقى، قال أبو إسحاق الراوي لهذا الحديث: فمشيت يومئذ إلى جنب زيد بن أرقم، وَقَالَ مالك والشافعي، ومحمد بن الحسن: يبدأ بالصلاة قبل الخطبة، وقد روينا عن عمر بن الخطاب أنَّه خطب قبل الصلاة. قال أبو بكر: يخطب قبل الصلاة» اهـ.
ونقل ذلك عن ابن الزبير وسيأتي ذكر ذلك عنه. وهي رواية عن أحمد.
وَقَالَ الْحَافِظُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِ ﵀ في [الْاسْتِذْكَارِ] (٢/ ٣٤٤):
[ ٥ / ١٥٠ ]
«وَقَالَ الليث بن سعد الخطبة في الاستسقاء قبل الصلاة».
قُلْتُ: وذهب جمهور الفقهاء إلى أنَّ خطبة الاستسقاء بعد الصلاة.
وقد جاء ما يدل على أّنَّ الْنَّبِيَّ ﷺ خطب بعد الصلاة فيما رواه أحمد (١٦٥١٣) قَرَأْتُ عَلَى عَبْدِ الرَّحْمَنِ: مَالِكٌ، وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ، قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ، أَنَّهُ سَمِعَ عَبَّادِ بْنِ تَمِيمٍ يَقُولُ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ زَيْدٍ الْمَازِنِيَّ يَقُولُ: «خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى الْمُصَلَّى وَاسْتَسْقَى، وَحَوَّلَ رِدَاءَهُ حِينَ اسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ».
قُلْتُ: إسحاق هو ابن عيسى الطباع كما ذكر ذلك ابن عبد البر في [الْتَمْهِيْدِ] (١٧/ ١٦٧) حيث قال: «هكذا روى مالك هذا الحديث بهذا الإسناد وهذا اللفظ لم يذكر فيه الصلاة لم يختلف رواة الْمُوَطَّأِ في ذلك عنه فيما علمت إلاَّ أن إسحاق بن عيسى الطباع روى هذا الحديث عن مالك فزاد فيه أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بدأ في الاستسقاء بالصلاة قبل الخطبة …» اهـ.
قُلْتُ: وإسحاق هذا حسن الحديث لكنه لم يتابع على ذلك بل خالف كل من روى الحديث عن مالك كعبد الرحمن بن مهدي، ويحيى بن يحيى الليثي، وقتيبة بن سعيد.
وسبق ما رواه أحمد (٨٣١٠)، وابن ماجه (١٢٦٨)
مِنْ طَرِيْقِ وَهْبِ بْنِ جَرِيرٍ، قَالَ حَدَّثَنَا أَبِي، قَالَ: سَمِعْتُ النُّعْمَانَ، يُحَدِّثُ عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّهُ قَالَ: «خَرَجَ نَبِيُّ اللَّهِ ﷺ يَوْمًا يَسْتَسْقِي، فَصَلَّى بِنَا رَكْعَتَيْنِ بِلَا أَذَانٍ وَلَا إِقَامَةٍ، ثُمَّ خَطَبَنَا
[ ٥ / ١٥١ ]
وَدَعَا اللَّهَ ﷿، وَحَوَّلَ وَجْهَهُ نَحْوَ الْقِبْلَةِ رَافِعًا يَدَهُ، ثُمَّ قَلَبَ رِدَاءَهُ، فَجَعَلَ الْأَيْمَنَ عَلَى الْأَيْسَرِ، وَالْأَيْسَرَ عَلَى الْأَيْمَنِ».
قُلْتُ: ولا يصح هذا الحديث كما سبق.
وروى الشافعي في [الْأُم] (١/ ٢٣٦)، وفي [الْمُسْنَد] (٤٥٧)، ومن طريقه البيهقي في [الْمَعْرِفَة] (١٩٢٦)
أَخْبَرَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ، «أّنَّ الْنَّبِيَّ ﷺ وَأَبَا بَكْرٍ، وَعُمَرَ: كَبَّرُوا فِي الْعِيدَيْنِ وَالِاسْتِسْقَاءِ سَبْعًا وَخَمْسًا، وَصَلُّوا قَبْلَ الْخُطْبَةِ وَجَهَرُوا بِالْقِرَاءَةِ».
وهَذَا الْحَدِيْثُ شَدِيْدُ الْضَّعْفِ كما سبق بيان ذلك.
وفي حديث الباب ما يدل على أنَّ الخطبة متقدمة على الصلاة وهو ما رواه البخاري (١٠٢٤)، ومسلم (٨٩٤) مِنْ طَرِيْقِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عَبَّادِ بْنِ تَمِيمٍ، عَنْ عَمِّهِ، قَالَ: «خَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ يَسْتَسْقِي، فَتَوَجَّهَ إِلَى القِبْلَةِ يَدْعُو وَحَوَّلَ رِدَاءَهُ، ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ جَهَرَ فِيهِمَا بِالقِرَاءَةِ».
وهذه الرواية صريحة في أنَّ الصلاة متأخرة عن الخطبة، وهي وإن لم يكن فيها ذكر للخطبة إلَّا أنَّ الْدُعَاء وتحويل الرداء يكون بعدها كما تدل عليه الأحاديث.
ومثله ما رواه أحمد (٢٠٣٩، ٣٣٣١)، وأبو داود (١١٦٧)، والترمذي (٥٥٨)، وابن ماجه (١٥٣)، والنسائي في [الْمُجْتَبَى] (١٥٠٨، ١٥٢١)، مِنْ طَرِيْقِ هِشَامُ بْنُ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كِنَانَةَ، قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبِي، قَالَ: أَرْسَلَنِي الْوَلِيدُ بْنُ عُتْبَةَ - قَالَ عُثْمَانُ ابْنُ عُقْبَةَ: وَكَانَ أَمِيرَ الْمَدِينَةِ - إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ، أَسْأَلُهُ عَنْ صَلَاةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي الِاسْتِسْقَاءِ، فَقَالَ: «خَرَجَ رَسُولُ
[ ٥ / ١٥٢ ]
اللَّهِ ﷺ مُتَبَذِّلًا مُتَوَاضِعًا، مُتَضَرِّعًا، حَتَّى أَتَى الْمُصَلَّى - زَادَ عُثْمَانُ، فَرَقَى عَلَى الْمِنْبَرِ، ثُمَّ اتَّفَقَا، - وَلَمْ يَخْطُبْ خُطَبَكُمْ هَذِهِ، وَلَكِنْ لَمْ يَزَلْ فِي الدُّعَاءِ، وَالتَّضَرُّعِ، وَالتَّكْبِيرِ، ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ، كَمَا يُصَلِّي فِي الْعِيدِ».
قُلْتُ: وقد سبق بيان عدم صحته.
ومن ذلك ما رواه الطبراني في [الْأَوْسَطِ] (٩١٠٨)، وابن المنذر في [الْأَوْسَطِ] (٢١٧٩) مِنْ طَرِيْقِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ الْمُنْذِرِ، نَا مُحَمَّدُ بْنُ فُلَيْحٍ، حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ حُسَيْنِ بْنِ عَطَاءٍ، عَنْ دَاوُدَ بْنِ بَكْرِ بْنِ الْفُرَاتِ، عَنْ شَرِيكِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي نَمِرٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ اسْتَسْقَى، فَخَطَبَ قَبْلَ الصَّلَاةِ، وَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ، وَحَوَّلَ رِدَاءَهُ، ثُمَّ نَزَلَ فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ لَمْ يُكَبِّرْ فِيهِمَا إِلَّا تَكْبِيرَةً تَكْبِيرَةً».
قُلْتُ: وفي إسناده عبد الله بن حسين بن عطاء وهو ضعيف الحديث.
ومن ذلك أيضًا ما رواه أبو داود (١١٧٥) حَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ الْأَيْلِيُّ، حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ نِزَارٍ، حَدَّثَنِي الْقَاسِمُ بْنُ مَبْرُورٍ، عَنْ يُونُسَ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ، ﵂ قَالَتْ: شَكَا النَّاسُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قُحُوطَ الْمَطَرِ، فَأَمَرَ بِمِنْبَرٍ، فَوُضِعَ لَهُ فِي الْمُصَلَّى، وَوَعَدَ النَّاسَ يَوْمًا يَخْرُجُونَ فِيهِ، قَالَتْ عَائِشَةُ: فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، حِينَ بَدَا حَاجِبُ الشَّمْسِ، فَقَعَدَ عَلَى الْمِنْبَرِ، فَكَبَّرَ ﷺ، وَحَمِدَ اللَّهَ ﷿، ثُمَّ قَالَ: «إِنَّكُمْ شَكَوْتُمْ جَدْبَ دِيَارِكُمْ، وَاسْتِئْخَارَ الْمَطَرِ عَنْ إِبَّانِ زَمَانِهِ عَنْكُمْ، وَقَدْ أَمَرَكُمُ اللَّهُ ﷿ أَنْ تَدْعُوهُ، وَوَعَدَكُمْ أَنْ يَسْتَجِيبَ لَكُمْ»، ثُمَّ قَالَ:
[ ٥ / ١٥٣ ]
«الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ مَلِكِ يَوْمِ الدِّينِ، لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ، اللَّهُمَّ أَنْتَ اللَّهُ، لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ الْغَنِيُّ وَنَحْنُ الْفُقَرَاءُ، أَنْزِلْ عَلَيْنَا الْغَيْثَ، وَاجْعَلْ مَا أَنْزَلْتَ لَنَا قُوَّةً وَبَلَاغًا إِلَى حِينٍ»، ثُمَّ رَفَعَ يَدَيْهِ، فَلَمْ يَزَلْ فِي الرَّفْعِ حَتَّى بَدَا بَيَاضُ إِبِطَيْهِ، ثُمَّ حَوَّلَ إِلَى النَّاسِ ظَهْرَهُ، وَقَلَبَ، أَوْ حَوَّلَ رِدَاءَهُ، وَهُوَ رَافِعٌ يَدَيْهِ، ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَى النَّاسِ وَنَزَلَ، فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ، فَأَنْشَأَ اللَّهُ سَحَابَةً فَرَعَدَتْ وَبَرَقَتْ، ثُمَّ أَمْطَرَتْ بِإِذْنِ اللَّهِ، فَلَمْ يَأْتِ مَسْجِدَهُ حَتَّى سَالَتِ السُّيُولُ، فَلَمَّا رَأَى سُرْعَتَهُمْ إِلَى الْكِنِّ ضَحِكَ ﷺ، حَتَّى بَدَتْ نَوَاجِذُهُ، فَقَالَ: «أَشْهَدُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، وَأَنِّي عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ»، قَالَ أَبُو دَاوُدَ: «وَهَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ، إِسْنَادُهُ جَيِّدٌ» اهـ.
قُلْتُ: القاسم بن مبرور لم يوثقه معتبر لكن تجويد أبي داود لإسناده يرفع من شأنه.
وروى عبد الرزاق في [الْمُصَنَّفِ] (٤٨٩٩)، ومن طريقه ابن النذر في [الْأَوْسَطِ] (٢١٧٩) عَنِ الثَّوْرِيِّ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ الْخَطْمِيِّ، أَنَّ ابْنَ الزُّبَيْرِ: «خَرَجَ يَسْتَسْقِي بِالنَّاسِ، فَخَطَبَ، ثُمَّ صَلَّى بِغَيْرِ أَذَانٍ وَلَا إِقَامَةٍ قَالَ: وَفي النَّاسِ يَوْمَئِذٍ الْبَرَاءُ بْنُ عَازِبٍ وَزَيْدُ بْنُ أَرْقَمَ».
قُلْتُ: هَذَا أَثَرٌ صَحِيْحٌ.
وبهذا يتبين أنَّ من ذهب إلى أنَّ الخطبة في الاستسقاء إنَّما تكون قبل الصلاة أنَّه هو القول الصحيح الذي تؤيده الأدلة. والله أعلم.
قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ رَجَبٍ ﵀ في [فَتْحِ الْبَارِي] (٦/ ٢٨٤ - ٢٨٥):
[ ٥ / ١٥٤ ]
«واختلف القائلون بأنَّه يخطب - وهم الجمهور -: هل يخطب خطبة واحدة، أو خطبتين؟ على قولين:
أحدهما: يخطب خطبة واحدة، وهو قول ابن مهدي وأحمد وأبي يوسف ومحمد.
والثاني: أنَّه يخطب خطبتين، بينهما جلسة كالعيد، وهو قول الليث ومالك والشافعي، وروي عن الفقهاء السبعة، وهو وجه ضعيف لأصحابنا.
وقالت طائفة: يخير بين الْأمرين، وهو قول ابن جرير الطبري، وحكي مثله عن أبي يوسف ومحمد - أيضًا.
واختلفوا: بماذا تستفتح الخطبة؟
فقالت طائفة: بالحمد لله، وحكي عن مالك وأبي يوسف ومحمد، وهو قول طائفة من أصحابنا، وهو الأظهر. وقد سبق في "الجمعة" توجيه ذلك.
ومذهب مالك: ليس في خطبة الاستسقاء تكبير ذكره في "تهذيب المدونة".
وقالت طائفة: يفتتحها بالتكبير كخطبة الْعِيْدَيْنِ، وهو قول أكثر أصحابنا، وطائفة من الشافعية، ونقل أنَّه نص الشافعي. وقد تقدم من حديث عائشة ما يشهد له.
وقالت طائفة: يستفتحها بالاستغفار، وهو قول أبي بكر بن جعفر من أصحابنا، وأكثر أصحاب الشافعي.
قال أبو بكر - من أصحابنا -: يستفتحها بالاستغفار، ويختمها به، ويكثر من الاستغفار بين ذلك.
[ ٥ / ١٥٥ ]
وهو منصوص الشافعي، ونص على أنه يختمها بقوله: استغفر الله لي ولكم» اهـ.
قُلْتُ: الذي يظهر لي أنَّ خطبة الاستسقاء واحدة، وأنَّها تستفتح بالحمد والتكبير كما دل عليه حديث عائشة. والله أعلم.
وهل يخطب للاستسقاء على المنبر أم على الأرض؟
جاء في حديث عائشة الماضي عند أبي داود: «… فَأَمَرَ بِمِنْبَرٍ، فَوُضِعَ لَهُ فِي الْمُصَلَّى، وَوَعَدَ النَّاسَ يَوْمًا يَخْرُجُونَ فِيهِ، قَالَتْ عَائِشَةُ: فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، حِينَ بَدَا حَاجِبُ الشَّمْسِ، فَقَعَدَ عَلَى الْمِنْبَرِ، فَكَبَّرَ …».
وجاء في حديث ابن عباس المضي: «خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مُتَبَذِّلًا مُتَوَاضِعًا، مُتَضَرِّعًا، حَتَّى أَتَى الْمُصَلَّى، فَرَقَى عَلَى الْمِنْبَرِ».
قُلْتُ: ذكر المنبر في حديث ابن عباس غير محفوظ كما رواه سفيان الثوري، وغيره عن هشام بن إسحاق، وجاء ذكر المنبر في حديث حاتم بن إسماعيل وقد اختلف عليه. فالعمدة في ذلك حديث عائشة.
وفعل ذلك أيضًا معاوية كما سيأتي في الاستسقاء بأهل الخير والصلاح.
ولم يفعل ذلك ابن الزبير كما سيأتي في مسألة: لا أذان ولا إقامة في الاستسقاء.
٨ - استحباب الجماعة في صلاة الاستسقاء.
قُلْتُ: وتصح مع الانفراد قَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ في [الْمَجْمُوْع] (٥/ ٦٤): «ويستحب ذلك للمنفرد إلَّا الخطبة» اهـ.
[ ٥ / ١٥٦ ]
فصل: في ذكر بعض المسائل المتعلقة بالاستسقاء.
المسألة الأولى: وقت صلاة الاستسقاء.
تصلى صلاة الاستسقاء في غير أوقات الكراهة. وتصلى نهارًا لا ليلًا لما في ذلك من المشقة على الناس.
وقد جاء في وقت خروج النبي ﷺ للاستسقاء ما رواه أبو داود (١١٧٥) حَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ الْأَيْلِيُّ، حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ نِزَارٍ، حَدَّثَنِي الْقَاسِمُ بْنُ مَبْرُورٍ، عَنْ يُونُسَ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ، ﵂ قَالَتْ: شَكَا النَّاسُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قُحُوطَ الْمَطَرِ، فَأَمَرَ بِمِنْبَرٍ، فَوُضِعَ لَهُ فِي الْمُصَلَّى، وَوَعَدَ النَّاسَ يَوْمًا يَخْرُجُونَ فِيهِ، قَالَتْ عَائِشَةُ: فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، حِينَ بَدَا حَاجِبُ الشَّمْسِ، فَقَعَدَ عَلَى الْمِنْبَرِ، فَكَبَّرَ ﷺ، وَحَمِدَ اللَّهَ ﷿، ثُمَّ قَالَ: «إِنَّكُمْ شَكَوْتُمْ جَدْبَ دِيَارِكُمْ، وَاسْتِئْخَارَ الْمَطَرِ عَنْ إِبَّانِ زَمَانِهِ عَنْكُمْ، وَقَدْ أَمَرَكُمُ اللَّهُ ﷿ أَنْ تَدْعُوهُ، وَوَعَدَكُمْ أَنْ يَسْتَجِيبَ لَكُمْ»، ثُمَّ قَالَ: «الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ مَلِكِ يَوْمِ الدِّينِ، لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ، اللَّهُمَّ أَنْتَ اللَّهُ، لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ الْغَنِيُّ وَنَحْنُ الْفُقَرَاءُ، أَنْزِلْ عَلَيْنَا الْغَيْثَ، وَاجْعَلْ مَا أَنْزَلْتَ لَنَا قُوَّةً وَبَلَاغًا إِلَى حِينٍ»، ثُمَّ رَفَعَ يَدَيْهِ، فَلَمْ يَزَلْ فِي الرَّفْعِ حَتَّى بَدَا بَيَاضُ إِبِطَيْهِ، ثُمَّ حَوَّلَ إِلَى النَّاسِ ظَهْرَهُ، وَقَلَبَ، أَوْ حَوَّلَ رِدَاءَهُ، وَهُوَ رَافِعٌ يَدَيْهِ، ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَى النَّاسِ وَنَزَلَ، فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ، فَأَنْشَأَ اللَّهُ سَحَابَةً فَرَعَدَتْ وَبَرَقَتْ، ثُمَّ أَمْطَرَتْ بِإِذْنِ اللَّهِ، فَلَمْ يَأْتِ مَسْجِدَهُ حَتَّى سَالَتِ السُّيُولُ، فَلَمَّا رَأَى سُرْعَتَهُمْ إِلَى الْكِنِّ ضَحِكَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ
[ ٥ / ١٥٧ ]
وَسَلَّمَ، حَتَّى بَدَتْ نَوَاجِذُهُ، فَقَالَ: «أَشْهَدُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، وَأَنِّي عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ»، قَالَ أَبُو دَاوُدَ: «وَهَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ، إِسْنَادُهُ جَيِّدٌ» اهـ.
قُلْتُ: وقد مضى قريبًا.
قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ رَجَبٍ ﵀ في [فَتْحِ الْبَارِي] (٦/ ٢٩٢ - ٢٩٣):
«ووقت صلاة الاستسقاء وقت صلاة العيد، وقد تقدم حديث عائشة في خروج النبي ﷺ لها حين بدا حاجب الشمس، وأنَّه قعد على المنبر ودعا، ثم صلى بعد ذلك.
وذكر ابن عبد البر أنَّ الخروج لها في أول النهار عند جماعة العلماء، إلَّا أبا بكر بن حزم؛ فإنَّه قال: الخروج إليها عند زوال الشمس. وكأنَّه ألحقها بالجمعة.
ولا يفوت وقتها بفوات وقت العيد، بل تصلى في جميع النهار.
قال بعض أصحابنا: إلَّا أنَّه لا تصلى في أوقات النهي بغير خلاف، إذ لا حاجة إلى ذلك، ووقتها متسع.
ومن أصحابنا من حكى وجهًا آخر بجواز صلاتها في وقت النهي، إذا جوزنا فعل ذوات الأسباب فيه، وهو ضعيف. كذا قال الشافعي في "الْأُم"، قال: إذا لم يصل للاستسقاء قبل الزوال يصلها بعد الظهر وقبل العصر.
ومراده: أنَّه لا يصلى بعد العصر في وقت النهي. ولأصحابه في ذلك وجهان. ومن أصحابه من قال: وقتها وقت صلاة العيد.
ومنهم من قال: أول وقتها وقت العيد، ويمتد إلى أن يصلى العصر.
وهذا موافق لنص الشافعي كما تقدم.
[ ٥ / ١٥٨ ]
ومنهم من قال: الصحيح أنَّها لا تختص بوقت، بل يجوز وتصح في كل وقت من ليل ونهار، إلَّا أوقات الكراهة - على أصح الوجهين -؛ لأنَّها لا تختص بيوم ولا تختص بوقت كصلاة الإحرام والاستخارة.
وهذا مخالف لنص الشافعي، لما علم من سنة النبي ﷺ وأصحابه في صلاة الاستسقاء؛ فإنَّهم كانوا يخرجون نهارًا لا ليلًا، وجمع الناس لصلاة الاستسقاء ليلًا مما يشق عليهم، وهو سبب لامتناع حضور أكثرهم، فلا يكون ذلك مشروعًا بالكلية.
وهذا بخلاف صلاة الإحرام والاستخارة، فإنَّه لا يشرع لهم الاجتماع، فلا يفوت بفعلهما ليلًا شيء من مصالحهما» اهـ.
المسألة الثانية: لا أذان ولا إقامة في الاستسقاء.
قال الْإِمَام البخاري ﵀ (١٠٢٢) وَقَالَ لَنَا أَبُو نُعَيْمٍ: عَنْ زُهَيْرٍ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، «خَرَجَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَزِيدَ الأَنْصَارِيُّ وَخَرَجَ مَعَهُ البَرَاءُ بْنُ عَازِبٍ، وَزَيْدُ بْنُ أَرْقَمَ ﵃ فَاسْتَسْقَى، فَقَامَ بِهِمْ عَلَى رِجْلَيْهِ عَلَى غَيْرِ مِنْبَرٍ، فَاسْتَغْفَرَ، ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ يَجْهَرُ بِالقِرَاءَةِ، وَلَمْ يُؤَذِّنْ وَلَمْ يُقِمْ».
قُلْتُ: وقد سبق ما رواه عبد الرزاق في [الْمُصَنَّفِ] (٤٨٩٩)، ومن طريقه ابن النذر في [الْأَوْسَطِ] (٢١٧٩) عَنِ الثَّوْرِيِّ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ الْخَطْمِيِّ، أَنَّ ابْنَ الزُّبَيْرِ: «خَرَجَ يَسْتَسْقِي بِالنَّاسِ، فَخَطَبَ، ثُمَّ صَلَّى بِغَيْرِ أَذَانٍ وَلَا إِقَامَةٍ قَالَ: وَفي النَّاسِ يَوْمَئِذٍ الْبَرَاءُ بْنُ عَازِبٍ وَزَيْدُ بْنُ أَرْقَمَ».
قُلْتُ: هَذَا أَثَرٌ صَحِيْحٌ كما مضى بيان ذلك.
[ ٥ / ١٥٩ ]
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ بَطَّالٍ ﵀ في [شَرْحِ صَحِيْحِ الْبُخَارِي] (٣/ ١٦):
«وكذلك لا خلاف بين العلماء أنَّه لا أذان، ولا إقامة لصلاة الاستسقاء» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ في [الْمُغْنِي] (٤/ ٣٢٧):
«فصل: ولا يسن لها أذان ولا إقامة. ولا نعلم فيه خلافًا».
إلى أن قال ﵀: «قال أصحابنا: وينادى لها: الصلاة جامعة.
كقولهم في صلاة العيد والكسوف» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ في [شَرْحِ مُسْلِمٍ] (٣/ ٢٩٤):
«وأجمعوا أنَّه لا يؤذن لها ولا يقام لكن يستحب أن يقال: الصلاة جامعة» اهـ.
قُلْتُ: الصحيح أنَّه لا يستحب أن ينادى لها بالصلاة جامعة لعدم ورود ذلك في السنة ولا حاجة تستدعي لذلك.
وقد جاء في حديث أبي هريرة عند أحمد وابن ماجه: «… فَصَلَّى بِنَا رَكْعَتَيْنِ بِلَا أَذَانٍ وَلَا إِقَامَةٍ …». ولم يثبت هذا الحديث كما سبق بيان ذلك.
المسألة الثالثة: يستحب الاستسقاء بأهل الخير والصلاح من أقرباء الرسول ﵊ وغيرهم.
فروى البخاري (١٠١٠) عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، أَنَّ عُمَرَ بْنَ الخَطَّابِ ﵁، كَانَ إِذَا قَحَطُوا اسْتَسْقَى بِالعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ المُطَّلِبِ، فَقَالَ: «اللَّهُمَّ إِنَّا كُنَّا نَتَوَسَّلُ إِلَيْكَ بِنَبِيِّنَا فَتَسْقِينَا، وَإِنَّا نَتَوَسَّلُ إِلَيْكَ بِعَمِّ نَبِيِّنَا فَاسْقِنَا»، قَالَ: فَيُسْقَوْنَ.
وروى الفسوي في [الْمَعْرِفَة] (٢/ ٤٢٠ - ٤٢١)، وأبو زرعة في [تَارِيْخِهِ] (٨٦)، ومن طريقه ابن عساكر في [تَارِيْخِ دِمَشْق] (٦٥/ ١١١)، وأبو نعيم في [الْحِلْيَّةِ] (١٥١)
[ ٥ / ١٦٠ ]
مِنْ طَرِيْقِ صَفْوَانَ بْنِ عَمْرٍو، عَنْ سُلَيْمِ بْنِ عَامِرٍ الْخَبَائِرِيِّ: «أَنَّ السَّمَاءَ قَحَطَتْ، فَخَرَجَ مُعَاوِيَةُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ وَأَهْلُ دِمَشْقَ يَسْتَسْقُونَ فَلَمَّا قَعَدَ مُعَاوِيَةُ عَلَى الْمِنْبَرِ، قَالَ: أَيْنَ يَزِيدُ بْنُ الْأَسْوَدِ الْجُرَشِيُّ؟ فَنَادَاهُ النَّاسُ فَأَقْبَلَ يَتَخَطَّى النَّاسَ، فَأَمَرَهُ مُعَاوِيَةُ فَصَعِدَ الْمِنْبَرَ فَقَعَدَ عِنْدَ رِجْلَيْهِ، فَقَالَ مُعَاوِيَةُ: اللَّهُمَّ إِنَّا نَسْتَشْفِعُ إِلَيْكَ بِخَيْرِنَا، وَأَفْضَلِنَا اللَّهُمَّ إِنَّا نَسْتَشْفِعُ إِلَيْكَ بِيَزِيدَ بْنِ الْأَسْوَدِ الْجُرَشِيِّ، يَا يَزِيدُ، ارْفَعْ يَدَيْكَ إِلَى اللَّهِ ﷿ فَرَفَعَ يَدَيْهِ، وَرَفَعَ النَّاسُ أَيْدِيَهُمْ فَمَا كَانَ أَوْشَكَ أَنْ ثَارَتْ سَحَابَةٌ فِي الْغَرْبِ كَأَنَّهَا تُرْسٌ، وَهْبَّ لَهَا رِيحٌ فَسَقَتْنَا حَتَّى كَادَ النَّاسُ أَنْ لَا يَبْلُغُوا مَنَازِلَهُمْ».
قُلْتُ: إِسْنَادُهَا صَحِيْحٌ.
المسألة الرابعة: إخراج البهائم في الاستسقاء.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ في [الْمُغْنِي] (٤/ ٣٢٣ - ٣٢٤):
«ولا يستحب إخراج البهائم؛ لأّنَّ الْنَّبِيَّ ﷺ لم يفعله» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ في [الْمَجْمُوْع] (٥/ ٧١):
«قال الشافعي في "الْأُم" ولا آمر بإخراج البهائم. هذا نصه وللأصحاب ثلاثة أوجه:
أحدها: لا يستحب ولا يكره وهو ظاهر هذا النص وبه جزم سليم الرازي والمحاملي وآخرون.
والثاني: يكره إخراجها حكاه صاحب الحاوي عن جمهور أصحابنا.
[ ٥ / ١٦١ ]
والثالث: يستحب إخراجها وتوقف معزولة عن الناس لما ذكره الْمُصَنَّفِ وهذا الوجه قوله أبي إسحاق حكاه أيضا صاحب الحاوي عن ابن أبي هريرة وبه قطع البغوي وصححه الرافعي» اهـ.
قُلْتُ: الصحيح عدم استحباب ذلك لعدم ثبوته عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ولا أصحابه.
وأمَّا قصة سليمان فمن الإسرائيليات التي لا يعلم ثبوتها، وقد رواها عبد الرزاق في [الْمُصَنَّفِ] (٤٩٢١)، ومن طريقه الطبراني في [الْدُعَاء] (٩٦٧)، وابن عساكر في [تَارِيْخِ دِمَشْق] (٢٢/ ٢٨٨)
عَنْ مَعْمَرٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، أَنَّ سُلَيْمَانَ بْنَ دَاوُدَ خَرَجَ هُوَ وَأَصْحَابُهُ يَسْتَسْقُونَ، فَرَأَى نَمْلَةً قَائِمَةً رَافِعَةً إِحْدَى قَوَائِمَهَا تَسْتَسْقِي، فَقَالَ لِأَصْحَابِهِ: «ارْجِعُوا فَقَدْ سُقِيتُمْ، إِنَّ هَذِهِ النَّمْلَةَ اسْتَسْقَتْ فَاسْتُجِيبَ لَهَا».
وروى ابن أبي شيبة في [مُصَنَفِه] (٣٠١٠١، ٣٥٤١٤)، وأحمد في [الْزُهْدِ] (٤٤٦)، والطبراني في [الْدُعَاءِ] (٩٦٨)، وأبو نعيم في [الْحِلْيَةِ] (٣/ ١٠١)، وأبو بكر الشافعي في [الْغَيْلَانِيَّاتِ] (٦٤٧) مِنْ طَرِيْقِ مِسْعَرٍ، عَنْ زَيْدٍ الْعَمِّيِّ، عَنْ أَبِي الصِّدِّيقِ النَّاجِي: «أَنَّ سُلَيْمَانَ بْنَ دَاوُدَ، خَرَجَ بِالنَّاسِ يَسْتَسْقِي، فَمَرَّ عَلَى نَمْلَةٍ مُسْتَلْقِيَةٍ عَلَى قَفَاهَا، رَافِعَةٍ قَوَائِمَهَا إِلَى السَّمَاءِ، وَهِيَ تَقُولُ: اللَّهُمَّ إِنَّا خَلْقٌ مِنْ خَلْقِكَ لَيْسَ لَنَا غِنًى عَنْ رِزْقِكَ، فَإِمَّا أَنْ تَسْقِيَنَا وَإِمَّا أَنْ تُهْلِكَنَا، فَقَالَ سُلَيْمَانُ لِلنَّاسِ: ارْجِعُوا فَقَدْ سُقِيتُمْ بِدَعْوَةِ غَيْرِكُمْ».
قُلْتُ: العمي ضعيف.
[ ٥ / ١٦٢ ]
وروى الْدَارَقُطْنِي (١٧٩٧)، والحاكم في [الْمُسْتَدْرَكِ] (١٢١٥) مِنْ طَرِيْقِ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ أَبِي سَلَمَةَ الْعُمَرِيُّ، ثنا مُحَمَّدُ بْنُ عَوْنٍ مَوْلَى أُمِّ يَحْيَى بِنْتِ الْحَكَمِ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ مُسْلِمِ بْنِ شِهَابٍ: أَخْبَرَنِي أَبُو سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «خَرَجَ نَبِيٌّ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ بِالنَّاسِ يَسْتَسْقِي فَإِذَا هُوَ بِنَمْلَةٍ رَافِعَةٍ بَعْضَ قَوَائِمِهَا إِلَى السَّمَاءِ، فَقَالَ: ارْجِعُوا فَقَدِ اسْتُجِيبَ لَكُمْ مِنْ أَجْلِ شَأْنِ هَذِهِ النَّمْلَةِ».
قُلْتُ: محمد بن عون وأبوه ذكرهما ابن حبان في "الثقات" ووثقهما الْدَارَقُطْنِي في سؤالات البرقاني له وقد علما تساهلما في توثيق المجاهيل، ورواية عون عن الزهري مرسلة قال الْإِمَام البخاري ﵀ في [الْتَّارِيْخِ الْكَبِيْر] (٧/ ١٦): «عون مولى أم حكيم بنت يحيى بن الحكم عن الزهري، مرسل» اهـ.
المسألة الخامسة: تكرار الاستسقاء.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْمُنْذِرِ ﵀ في [الْأَوْسَطِ] (٧/ ٧٠):
«الاستسقاء مرة بعد مرة كان مالك يقول: لا بأس أن يستسقي الناس في العام مرة أو مرتين أو ثلاثًا إذا احتاجوا إلى ذلك، وكان الشافعي يقول: إن لم يسقوا يومهم ذلك، أحببت له أن يتابع الاستسقاء ثلاثًا يصنع في كل يوم منها صنيعه في اليوم الأول. وحكي عنه أنَّه قال: ما لهذا حد ينتهي إليه وما بذلك بأس فاستسقوا ما بدا لكم» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ في [الْمُغْنِي] (٢/ ٣٢٦):
[ ٥ / ١٦٣ ]
«مَسْأَلَةٌ؛ قَالَ: (فَإِنْ سُقُوا، وَإِلَّا عَادُوا فِي الْيَوْمِ الثَّانِي وَالثَّالِثِ) وَبِهَذَا قَالَ مَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ. وَقَالَ إِسْحَاقُ: لَا يَخْرُجُونَ إلَّا مَرَّةً وَاحِدَةً؛ لِأّنَّ الْنَّبِيَّ ﷺ لَمْ يَخْرُجْ إلَّا مَرَّةً وَاحِدَةً، وَلَكِنْ يَجْتَمِعُونَ فِي مَسَاجِدِهِمْ، فَإِذَا فَرَغُوا مِنْ الصَّلَاةِ ذَكَرُوا اللَّهَ تَعَالَى، وَدَعَوْا، وَيَدْعُو الْإِمَامُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ عَلَى الْمِنْبَرِ، وَيُؤَمِّنُ النَّاسُ. وَلَنَا، أَنَّ هَذَا أَبْلَغُ فِي الدُّعَاءِ وَالتَّضَرُّعِ، وَقَدْ جَاءَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: "إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُلِحِّينَ فِي الدُّعَاءِ".
وَأَمَّا النَّبِيُّ فَلَمْ يَخْرُجْ ثَانِيًا؛ لِاسْتِغْنَائِهِ عَنْ الْخُرُوجِ بِإِجَابَتِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ، وَالْخُرُوجُ فِي الْمَرَّةِ الْأُولَى آكَدُ مِمَّا بَعْدَهَا؛ لِوُرُودِ السُّنَّةِ بِهِ» اهـ.
قُلْتُ: الذي يظهر لي هو مشروعية تكرار الاستسقاء إلى أن يمطروا والله أعلم.
* * *
[ ٥ / ١٦٤ ]
١٤٨ - عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ: «أَنَّ رَجُلًا دَخَلَ الْمَسْجِدَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ مِنْ بَابٍ كَانَ نَحْوَ دَارِ الْقَضَاءِ، وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَائِمٌ يَخْطُبُ، فَاسْتَقْبَلَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَائِمًا، ثُمَّ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَلَكَتْ الأَمْوَالُ، وَانْقَطَعَتْ السُّبُلُ فَادْعُ اللَّهَ تَعَالَى يُغِيثُنَا، قَالَ: فَرَفَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَدَيْهِ ثُمَّ قَالَ: "اللَّهُمَّ أَغِثْنَا، اللَّهُمَّ أَغِثْنَا، اللَّهُمَّ أَغِثْنَا". قَالَ أَنَسٌ: فَلا وَاَللَّهِ مَا نَرَى فِي السَّمَاءِ مِنْ سَحَابٍ وَلا قَزَعَةٍ، وَمَا بَيْنَنَا وَبَيْنَ سَلْعٍ مِنْ بَيْتٍ وَلا دَارٍ قَالَ: فَطَلَعَتْ مِنْ وَرَائِهِ سَحَابَةٌ مِثْلُ التُّرْسِ. فَلَمَّا تَوَسَّطَتْ السَّمَاءَ انْتَشَرَتْ ثُمَّ أَمْطَرَتْ، قَالَ: فَلا وَاَللَّهِ مَا رَأَيْنَا الشَّمْسَ سَبْتًا، قَالَ: ثُمَّ دَخَلَ رَجُلٌ مِنْ ذَلِكَ الْبَابِ فِي الْجُمُعَةِ الْمُقْبِلَةِ، وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَائِمٌ يَخْطُبُ النَّاسَ، فَاسْتَقْبَلَهُ قَائِمًا، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَلَكَتْ الأَمْوَالُ، وَانْقَطَعَتْ السُّبُلُ، فَادْعُ اللَّهَ أَنْ يُمْسِكَهَا عَنَّا، قَالَ: فَرَفَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَدَيْهِ ثُمَّ قَالَ: "اللَّهُمَّ حَوَالَيْنَا وَلا عَلَيْنَا، اللَّهُمَّ عَلَى الآكَامِ وَالظِّرَابِ وَبُطُونِ الأَوْدِيَةِ وَمَنَابِتِ الشَّجَرِ"، قَالَ: فَأَقْلَعَتْ، وَخَرَجْنَا نَمْشِي فِي الشَّمْسِ».
قَالَ شَرِيكٌ: فَسَأَلْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ: أَهُوَ الرَّجُلُ الأَوَّلُ قَالَ: لا أَدْرِي.
الظراب: الجبال الصغار. و"والآكام" جمع " أكمة" وهي أعلى من الرابية ودون الهضبة و"دار القضاء": دار عمر بن الخطاب ﵁ سميت بذلك، لأنَّها بيعت في قضاء دينه.
قوله: «فَادْعُ اللَّهَ تَعَالَى يُغِيثُنَا». أي يمطرنا والغيث المطر.
[ ٥ / ١٦٥ ]
وقوله: «وَلا قَزَعَةٍ». هي السحاب الرقيق، وقيل السحاب المتفرق.
وقوله: «وَمَا بَيْنَنَا وَبَيْنَ سَلْعٍ». سَلْع جبل في المدينة بينه وبين المسجد النبوي قدر ميل.
وقوله: «مِثْلُ التُّرْسِ» أي مستديرة.
قوله: «هَلَكَتْ الأَمْوَالُ». أي المواشي، كما جاء في بعض الروايات عند البخاري.
وقوله: «وَانْقَطَعَتْ السُّبُلُ». قَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٢/ ٥٠٢ - ٥٠٣):
«والمراد بذلك أنَّ الإبل ضعفت لقلة القوت عن السفر أو لكونها لا تجد في طريقها من الكلأ ما يقيم أودها وقيل المراد نفاد ما عند الناس من الطعام أو قلته فلا يجدون ما يحملونه يجلبونه إلى الأسواق» اهـ.
وقَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٢/ ٥٠٥):
«قوله: "اللهم حوالينا" بفتح اللام وفيه حذف تقديره اجعل أو أمطر والمراد به صرف المطر عن الأبنية والدور. قوله: "ولا علينا" فيه بيان للمراد بقوله حوالينا لأنَّها تشمل الطرق التي حولهم فأراد إخراجها بقوله: "ولا علينا"» اهـ.
وَقَالَ ﵀ في [فَتْحِ الْبَارِي] (٢/ ٥٠٥):
«قوله: "اللهم على الآكام" فيه بيان للمراد بقوله: "حوالينا" والآكام بكسر الهمزة وقد تفتح وتمد جمع أكمة بفتحات قال ابن البرقي: هو التراب المجتمع وَقَالَ الداودي: هي أكبر من الكدية. وَقَالَ القزاز: هي التي من حجر واحد وهو قول الخليل. وَقَالَ الخطابي: هي الهضبة الضخمة. وقيل: الجبل الصغير. وقيل: ما
[ ٥ / ١٦٦ ]
ارتفع من الأرض. وَقَالَ الثعالبي: الأكمة أعلى من الرابية وقيل دونها. قوله: والظراب بكسر المعجمة وآخره موحدة جمع ظرب بكسر الراء وقد تسكن وَقَالَ القزاز هو الجبل المنبسط ليس بالعالي وَقَالَ الجوهري الرابية الصغيرة» اهـ.
وفي الحديث مسائل منها:
١ - أنَّ الاستسقاء يشرع في خطبة الجمعة.
قُلْتُ: وقد جاء في الاستسقاء صورة أخرى وهي الاستسقاء بمجرد الْدُعَاء من غير صلاة ولا خطبة.
ويدل على ذلك ما رواه أبو داود (١١٦٩) حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي خَلَفٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدٍ، حَدَّثَنَا مِسْعَرٌ، عَنْ يَزِيدَ الْفَقِيرِ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: أَتَتِ النَّبِيَّ ﷺ، بَوَاكِي، فَقَالَ: «اللَّهُمَّ اسْقِنَا غَيْثًا مُغِيثًا، مَرِيئًا مَرِيعًا، نَافِعًا غَيْرَ ضَارٍّ، عَاجِلًا غَيْرَ آجِلٍ»، قَالَ: فَأَطْبَقَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ.
قُلْتُ: هَذَا إِسْنَادٌ صَحِيْحٌ. لكن قال ابن أبي حاتم ﵀ في [الْعِلَلِ] (٣/ ٣٤٦ - ٣٤٧):
«فحدثت بهذا الحديث أبي فقال أبي أعطانا محمد بن عبيد كتابه عن مسعر فنسخناه ولم يكن هذا الحديث فيه ليس هذا بشيء كأنَّه أنكره من حديث محمد بن عبيد.
قال أبي: وحدثناه يعلى أخو محمد قال حدثنا مسعر عن يزيد الفقير مرسلًا ولم يقل بواكي خالفه» اهـ.
[ ٥ / ١٦٧ ]
قُلْتُ: وحديث يعلى أصح وقد قال ابن أبي حاتم ﵀ في [الْجَرْحِ وَالْتَعْدِيْلِ] (٩/ ٣٠٥):
«سألت أبي عن يعلى بن عبيد فقال: صدوق كان أثبت أولاد أبيه في الحديث» اهـ.
وَقَالَ الْحَافِظُ الْدَارَقُطْنِي ﵀ في [الْعِلَلِ] (١٣/ ٣٩١):
«يرويه مسعر، واختلف عنه؛ فرواه جعفر بن عون، ومحمد بن عبيد، عن مسعر، عن يزيد الفقير، عن جابر، أتت هوازن النبي ﷺ، وغيرهما يرويه عن مسعر، عن يزيد الفقير، مرسلًا، وهو أشبه بالصواب» اهـ.
وَقَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [الْتَلْخِيْصِ] (٢/ ٢٣١):
«وقد أعله الْدَارَقُطْنِي في الْعِلَلِ بالإرسال وَقَالَ رواية من قال عن يزيد الفقير من غير ذكر جابر أشبه بالصواب وكذا قال أحمد بن حنبل وجرى النووي في الأذكار على ظاهره فقال صحيح على شرط مسلم» اهـ.
قُلْتُ: وبهذا يتبين أنَّ الصحيح في الحديث الإرسال.
وروى أحمد (٢١٩٩٤)، وأبو داود (١١٧٠) مِنْ طَرِيْقِ ابْنِ وَهْبٍ، عَنْ حَيْوَةَ، وَعُمَرَ بْنِ مَالِكٍ، عَنِ ابْنِ الْهَادِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عُمَيْرٍ، مَوْلَى بَنِي آبِي اللَّحْمِ، «أَنَّهُ رَأَى النَّبِيَّ ﷺ يَسْتَسْقِي عِنْدَ أَحْجَارِ الزَّيْتِ، قَرِيبًا مِنَ الزَّوْرَاءِ قَائِمًا، يَدْعُو يَسْتَسْقِي رَافِعًا يَدَيْهِ قِبَلَ وَجْهِهِ، لَا يُجَاوِزُ بِهِمَا رَأْسَهُ».
هذا لفظ أبي داود ولفظ أحمد عَنْ عُمَيْرٍ، مَوْلَى آبِي اللَّحْمِ: أَنَّهُ «رَأَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَسْتَسْقِي عِنْدَ أَحْجَارِ الزَّيْتِ قَرِيبًا مِنَ الزَّوْرَاءِ قَائِمًا، يَدْعُو يَسْتَسْقِي رَافِعًا كَفَّيْهِ، لَا يُجَاوِزُ بِهِمَا رَأْسَهُ مُقْبِلٌ بِبَاطِنِ كَفَّيْهِ إِلَى وَجْهِهِ».
[ ٥ / ١٦٨ ]
قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ صَحِيْحٌ. والزيادة في آخره صحيحة زادها هارون بن معروف في روايته عن ابن وهب.
ورواه أحمد (١٦٤٦٠، ٢٣٦٧٠)، وأبو داود (١١٧٤) مِنْ طَرِيْقِ شُعْبَةَ، عَنْ عَبْدِ رَبِّهِ بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنِي مَنْ رَأَى النَّبِيَّ ﷺ، «يَدْعُو عِنْدَ أَحْجَارِ الزَّيْتِ بَاسِطًا كَفَّيْهِ».
قُلْتُ: هَذَا إِسْنَادٌ صَحِيْحٌ. ولم يسم عبد ربه صحابي الحديث وقد سماه يزيد بن الهاد بأنَّه عمير مولى بني آبي اللحم كما سبق.
ورواه أحمد (٢١٩٩٣)، والترمذي (٥٥٧)، والنسائي (١٥١٤) مِنْ طَرِيْقِ قُتَيْبَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ خَالِدِ بْنِ يَزِيدَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي هِلَالٍ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ عُمَيْرٍ، مَوْلَى آبِي اللَّحْمِ، عَنْ آبِي اللَّحْمِ، أَنَّهُ «رَأَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عِنْدَ أَحْجَارِ الزَّيْتِ يَسْتَسْقِي وَهُوَ مُقْنِعٌ بِكَفَّيْهِ يَدْعُو».
قُلْتُ: ولم يذكر ابن أبي هلال محمد بن إبراهيم بن يزيد بن الهاد ولم يجعله من مسند عمير وإنَّما من مسند آبي اللحم، وزاد في متن الحديث: «وَهُوَ مُقْنِعٌ بِكَفَّيْهِ». وخالفه في ذلك حيوة بن شريح، وعمرو بن مالك وحديثهما هو المحفوظ.
٢ - وفيه أنَّ خطبة الجمعة تكون عن قيام.
٣ - جواز مخاطبة الخطيب فيما يحتاج إليه.
٤ - استحباب رفع اليدين في دعاء الاستسقاء.
قُلْتُ: وقد جاءت في الرفع صفتان:
الأولى: أن يرفع يديه ويجعل بطونهما مما يلي الأرض.
[ ٥ / ١٦٩ ]
ويدل على ذلك ما رواه مسلم (٨٩٦) وحَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ مُوسَى، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، «أّنَّ الْنَّبِيَّ ﷺ اسْتَسْقَى، فَأَشَارَ بِظَهْرِ كَفَّيْهِ إِلَى السَّمَاءِ».
ورواه أبو داود (١١٧٣) حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدٍ الزَّعْفَرَانِيُّ، حَدَّثَنَا عَفَّانُ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، أَخْبَرَنَا ثَابِتٌ، عَنْ أَنَسٍ، «أّنَّ الْنَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَسْتَسْقِي هَكَذَا - يَعْنِي - وَمَدَّ يَدَيْهِ وَجَعَلَ بُطُونَهُمَا مِمَّا يَلِي الْأَرْضَ، حَتَّى رَأَيْتُ بَيَاضَ إِبِطَيْهِ».
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ في [شَرْحِ مُسْلِمٍ] (٣/ ٣٠٠):
«قال جماعة من أصحابنا وغيرهم: السنة في كل دعاء لرفع بلاء كالقحط ونحوه أن يرفع يديه ويجعل ظهر كفيه إلى السماء، وإذا دعا لسؤال شيء وتحصيله جعل بطن كفيه إلى السماء احتجوا بهذا الحديث» اهـ.
وَقَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٢/ ٥١٨):
«وَقَالَ غيره الحكمة في الإشارة بظهور الكفين في الاستسقاء دون غيره للتفاؤل بتقلب الحال ظهرًا لبطن كما قيل في تحويل الرداء أو هو إشارة إلى صفة المسئول وهو نزول السحاب إلى الأرض» اهـ.
وَقَالَ الْحَافِظُ ابْنُ رَجَبٍ ﵀ في [فَتْحِ الْبَارِي] (٦/ ٣٠٨):
«وقد تأول بعض المتأخرين حديث أنس على أّنَّ الْنَّبِيَّ ﷺ لم يقصد قلب كفيه، إنَّما حصل له من شدة رفع يديه انحاء بطونهما إلى الأرض.
وليس الْأمر كما ظنه، بل هو صفة مقصود لنفسه في رفع اليدين في الْدُعَاء» اهـ.
[ ٥ / ١٧٠ ]
قُلْتُ: لعله أراد بذلك شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ حيث قال كما في [مُخْتَصِرِ الْفَتَاوَى الْمَصْرِيَة] (١/ ١٥٤): «وحديث أنس الذي تقدم يدل على أنَّه لشدة الرفع انحنت يداه فصار كفه مما يلي السماء لشدة الرفع لا قصدًا لذلك» اهـ.
قُلْتُ: وأمَّا حديث: «لَا تَسْتُرُوا الْجُدُرَ مَنْ نَظَرَ فِي كِتَابِ أَخِيهِ بِغَيْرِ إِذْنِهِ، فَإِنَّمَا يَنْظُرُ فِي النَّارِ، سَلُوا اللَّهَ بِبُطُونِ أَكُفِّكُمْ، وَلَا تَسْأَلُوهُ بِظُهُورِهَا، فَإِذَا فَرَغْتُمْ، فَامْسَحُوا بِهَا وُجُوهَكُمْ».
فرواه أبو داود (١٤٨٧) حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَيْمَنَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَعْقُوبَ بْنِ إِسْحَاقَ، عَمَّنْ حَدَّثَهُ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ الْقُرَظِيِّ، حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ. فذكره. فَهُوَ حَدِيْثٌ ضَعِيْفٌ من هذا الوجه وجملة النهي عند الدعاء بظهور الأكف حسنة بشواهدها.
قال أبو داود ﵀ بعد روايته للحديث: «رُوِيَ هَذَا الْحَدِيثُ مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ كُلُّهَا وَاهِيَةٌ، وَهَذَا الطَّرِيقُ أَمْثَلُهَا وَهُوَ ضَعِيفٌ أَيْضًا» اهـ.
قُلْتُ: وهو حديث مسلسل بالمجاهيل فعبد الملك لا يعرف حاله وقد نقل الذهبي تضعيف أبي داود له وإنَّما ضعف أبو داود الحديث ولم يصرح بتضعيف عبد الملك، وشيخه عبد الله بن يعقوب لا يعرف حاله، وأبهم من حدثه عن محمد بن كعب.
[ ٥ / ١٧١ ]
ورواه ابن ماجه (٣٨٦٦) وغيره حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الصَّبَّاحِ قَالَ: حَدَّثَنَا عَائِذُ بْنُ حَبِيبٍ، عَنْ صَالِحِ بْنِ حَسَّانَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ الْقُرَظِيِّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إِذَا دَعَوْتَ اللَّهَ فَادْعُ بِبُطُونِ كَفَّيْكَ، وَلَا تَدْعُ بِظُهُورِهِمَا، فَإِذَا فَرَغْتَ فَامْسَحْ بِهِمَا وَجْهَكَ».
قُلْتُ: صالح بن حسان متروك الحديث. لكن تابعه صالح بن حيان وهو ضعيف الحديث ومنهم من بالغ في جرحه كالنسائي، والبخاري، وحديثه في [الْمُسْتَدْرَكِ] (١٩٦٨) للحاكم.
قال الْحَافِظُ الْذَهَبِيُّ ﵀ في [تَذْكِرَةِ الْحُفَّاظِ] (٢/ ١٤٣)
«أخرجه الحاكم في مستدركه وصالح واهٍ. قال البخاري: فيه نظر» اهـ.
قُلْتُ: هذا إذا لم يكن قد تصحف الرجل من صالح بن حسان إلى صالح بن حيان فإنَّ كل من روى هذا الحديث من أصحاب الكتب الْمُصَنَّفَةِ ذكره مِنْ طَرِيْقِ صالح بن حسان ومما يؤيد التصحيف أنَّه قد جاء كذلك في بعض نسخ الْمُسْتَدْرَكِ. والله أعلم.
وتابعه أيضًا عيسى بن ميمون المدني وهو متروك الحديث روى حديثه المروزي في [صَلَاةِ الْوِتْرِ] (٧٥).
وله شاهد من حديث مالك بن يسار السكوني ﵁.
رواه أبو داود (١٤٨٨)، وابن أبي عاصم في [الْآحَادِ وَالْمَثَانِي] (٢٤٥٩)، وابن قانع في [مُعْجَمِ الْصَحَابَةِ] (٩٩١)، وأبو نعيم في [مَعْرِفَةِ الْصَحَابَةِ] (٥٤٤١) مِنْ طَرِيْقِ إِسْمَاعِيلَ ابْنِ عَيَّاشٍ، حَدَّثَنِي ضَمْضَمٌ، عَنْ شُرَيْحٍ، حَدَّثَنَا أَبُو ظَبْيَةَ، أَنَّ أَبَا بَحْرِيَّةَ السَّكُونِيَّ، حَدَّثَهُ عَنْ مَالِكِ بْنِ يَسَارٍ السَّكُونِيِّ ثُمَّ الْعَوْفِيِّ، أَنَّ
[ ٥ / ١٧٢ ]
رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «إِذَا سَأَلْتُمُ اللَّهَ فَاسْأَلُوهُ بِبُطُونِ أَكُفِّكُمْ، وَلَا تَسْأَلُوهُ بِظُهُورِهَا».
قُلْتُ: حديث أبي داود مِنْ طَرِيْقِ سليمان بن عبد الحميد البهراني قال فيه النسائي: كذاب، ليس بثقة ولا مأمون. وَقَالَ فيه أبو حاتم: صدوق.
قُلْتُ: والجرح المفسر مقدم على التعديل.
وحديث ابن أبي عاصم مِنْ طَرِيْقِ محمد بن عوف، حدثنا محمد بن إسماعيل بن عياش، حدثنا أبي به.
قُلْتُ: ومحمد بن إسماعيل فيه لين ولم يسمع من أبيه. لكن قَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي "تهذيب التهذيب" في ترجمته: «وقد أخرج أبو داود عن محمد بن عوف عنه عن أبيه عدة أحاديث لكن يروونها بأن محمد بن عوف رآها في أصل إسماعيل» اهـ.
قُلْتُ: قد صرَّح ابن عوف في عدة أحاديث أنَّه رآها في أصل إسماعيل وأمَّا هذا الحديث فلم يصرح بذلك فليس لنا أن نخبر برؤيته له وهو لم يصرح بذلك. والله أعلم.
وحديث ابن قانع، وأبي نعيم مِنْ طَرِيْقِ عبد الوهاب بن الضحاك، ثنا إسماعيل بن عياش به.
قُلْتُ: وعبد الوهاب هذا أحد الكذابين الوضاعين.
ورواه البغوي في [مُعْجَمِ الْصَحَابَةِ] (٢٠٨٢) حدثني أحمد بن سعد الزهري قال: حدثنا محمد بن إسماعيل بن عياش قال: حدثنا أبي قال: حدثنا ضمضم بن
[ ٥ / ١٧٣ ]
زرعة عن شريح بن عبيد قال: حدثنا ظبيان أن أبا بحرية حدثه عن مالك بن يسار السكوني أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قال: «إذا سألتم الله المسألة فسلوه ببطون أكفكم ولا تسألوه بظهورها».
قُلْتُ: أحمد بن سعد هو أبو إبراهيم أحمد بن سعد بن إبراهيم بن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف القرشي الزهري. وثقه العقيلي كما ذكر ذلك الحافظ ابن حجر ﵀ في ترجمة أبيه سعد.
وَقَالَ الخطيب ﵀ في [تَارِيْخِ بِغْدَاد] (٤/ ١٨١):
«وكان مذكورًا بالعلم والفضل موصوفًا بالصلاح والزهد ومن أهل بيت كلهم علماء ومحدثون.
وَقَالَ يحيى بن محمد بن صاعد حدثنا احمد بن سعد الزهري وكان ثقة» اهـ.
قُلْتُ: ووقع في إسناد البغوي ظبيان والصواب أبو ظبية.
وأحسن طريق هي طريق أبي عاصم، والبغوي مع ما فيها من الضعف.
وله شاهد مرسل أخرجه ابن أبي شيبة في [مُصَنَفِه] (٣٠٠١٨) حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ غِيَاثٍ، عَنْ خَالِدٍ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ، عَنْ أَبِي مُحَيْرِيزٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إِذَا سَأَلْتُمُ اللَّهَ فَاسْأَلُوهُ بِبُطُونِ أَكُفِّكُمْ، وَلَا تَسْأَلُوهُ بِظُهُورِهَا».
قُلْتُ: هَذَا إِسْنَادٌ مُرْسَلٌ صَحِيْحِ الْإِسْنَادِ. وخالد هو الحذاء، وأبو قلابة هو عبد الله بن زيد الجرمي، وابن محيريز هو عبد الله. ومنهم من سماه عبد الرحمن والأول أصح.
قال عبد الله بن الْإِمَام أحمد ﵀ في [الْعِلَلِ] (٢٢٢٧):
[ ٥ / ١٧٤ ]
حَدَّثَنِي أَبِي قَالَ حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ قَالَ خَالِدٌ الْحَذَّاءُ أَخْبَرَنَا عَنْ أَبِي قِلابَةَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مُحَيْرِيزٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إِذَا سَأَلْتُمُ اللَّهَ فَسَلُوهُ بِبُطُونِ أَكُفِّكُمْ وَلا تَسْأَلُوهُ بِظُهُورِهَا». سَمِعْتُ أَبِي يَقُول عبد الرَّحْمَن بن عبد اللَّهِ بْنِ مُحَيْرِيزٍ رَوَى عَنْهُ الصِّغَارُ إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَيَّاشٍ وَإِنَّمَا يَرْوِي أَبُو قِلابَةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَيْرِيزٍ وَلَكِنْ كَذَا قَالَ خَالِدٌ اهـ.
وَقَالَ ابن أبي حاتم ﵀ في [الْعِلَلِ] (٢/ ٢٠٦/ ٢١١٠):
«وسمعت أبي يقول، وذكر حديثًا رواه بشر بن المفضل، عن خالد الحذاء، عن أبي قلابة، عن عبد الرحمن بن محيريز، قال: قَالَ رَسُوْلُ اللهِ ﷺ: "إذا سألتم الله فسلوه ببطون أكفكم" وذكر الحديث.
قال أبي: يقال: هو عبد الله بن محيريز الصحيح، وكذلك قال خالد، عن أبي قلابة» اهـ.
وله شاهد آخر من حديث أبي بكرة.
رواه علي بن عمر الحربي في [الْفَوَائِدِ الْمُنْتَقَاةِ عَنِ الْشُيُوخِ الْعَوَالِي] (١٤١)
ثنا أَحْمَدُ بْنُ كَعْبٍ، ثنا عَمَّارُ بْنُ خَالِدٍ، ثنا الْقَاسِمُ بْنُ مَالِكٍ، عَنْ خَالِدٍ الْحَذَّاءِ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «إِذَا سَأَلْتُمُ اللَّهَ فَسَلُوهُ بِبُطُونِ أَكُفِّكُمْ وَلَا تَسَلُوهُ بِظُهُورِهَا».
قُلْتُ: أحمد بن كعب هو الزهري ضعيف الحديث وانظر لذلك "لِسَانِ الْمِيزَان" لابن حجر ﵀.
[ ٥ / ١٧٥ ]
قُلْتُ: لكنه متابع فقد رواه أبو نعيم في [أَخْبَارِ أَصْبَهَان] (١٧٩٠) حَدَّثَنَا الْقَاضِي مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، ثنا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَبَّاسِ بْنِ أَيُّوبَ بْنِ سَعِيدٍ أَبُو جَعْفَرٍ الأَخْرَمُ، ثنا عَمَّارُ بْنُ خَالِدٍ، ثنا الْقَاسِمُ بْنُ مَالِكٍ الْمُزَنِيُّ، عَنْ خَالِدٍ الْحَذَّاءِ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكَرَةَ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إِذَا سَأَلْتُمُ اللَّهَ فَسَلُوهُ بِبُطُونِ أَكُفِّكُمْ، وَلا تَسْأَلُوْهُ بِظُهُورِهَا».
قُلْتُ: ومحمد بن العباس هذا من حفاظ الحديث لكن قَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [لِسَانِ الْمِيزَان] (٧/ ٢٢٦): «قال أبو نعيم اختلط قبل موته بسنة» اهـ.
قُلْتُ: لكن رواه حفص بن غياث، وهشيم، وبشر بن المفضل عن خالد الحذاء، عن أبي قلابة، عن ابن محيريز مرسلًا كما سبق وحديث حفص، وهشيم، وبشر أصح.
قَالَ الْحَافِظُ الْدَارَقُطْنِي ﵀ في [أَطْرَافِ الْغَرَائِبِ والْأَفْرَادِ] (٤٥٥٠):
«تفرد به القاسم بن مالك عن خالد الحذاء عنه وغيره يرويه عن خالد عن أبي قلابة عن ابن محيريز مرسلًا» اهـ.
وَقَالَ ﵀ في [الْعِلَلِ] (٧/ ١٥٧):
«يرويه القاسم بن مالك المزني، عن خالد الحذاء، عن عبد الرحمن بن أبي بكرة، عن أبيه.
وهم فيه على خالد، والمحفوظ عن خالد، عن أبي قلابة، عن ابن محيريز مرسلًا، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ.
وكذلك رواه أيوب، عن أبي قلابة، عن ابن سيرين مرسلًا» اهـ.
[ ٥ / ١٧٦ ]
قُلْتُ: وخلاصة القول أنَّ حديث ابن عباس مع حديث مالك بن يسار السكوني مع مرسل ابن محيريز يتقوى ويرتقي إلى مرتبة الحسن.
وهذا الحديث محمول على غير الْدُعَاء في الاستسقاء لصحة السنة في ذلك.
وقد جاءت تلك الكيفية في غير الاستسقاء ولا يصح.
فروى أحمد (١١١٠٨) حَدَّثَنَا رَوْحٌ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، عَنْ بِشْرِ بْنِ حَرْبٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَاقِفًا بِعَرَفَةَ يَدْعُو هَكَذَا، وَرَفَعَ يَدَيْهِ حِيَالَ ثَنْدُوَتَيْهِ، وَجَعَلَ بُطُونَ كَفَّيْهِ مِمَّا يَلِي الْأَرْضَ».
قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ ضَعِيْفٌ لضعف بشر بن حرب.
وروى أحمد (١٦٦١٣ حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ إِسْحَاقَ، حَدَّثَنَا ابْنُ لَهِيعَةَ، عَنْ حَبَّانَ بْنِ وَاسِعٍ، عَنْ خَلَّادِ بْنِ السَّائِبِ الْأَنْصَارِيِّ، «أّنَّ الْنَّبِيَّ ﷺ كَانَ إِذَا سَأَلَ جَعَلَ بَاطِنَ كَفَّيْهِ إِلَيْهِ، وَإِذَا اسْتَعَاذَ جَعَلَ ظَاهِرَهُمَا إِلَيْهِ».
قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ ضَعِيْفٌ من أجل عبد الله بن لهيعة.
والصفة الأخرى أن يدعو الله ببطن كفيه كسائر الْدُعَاء.
وقد مضى ما رواه أحمد (٢١٩٩٤)، وأبو داود (١١٧٠) مِنْ طَرِيْقِ ابْنِ وَهْبٍ، عَنْ حَيْوَةَ، وَعُمَرَ بْنِ مَالِكٍ، عَنِ ابْنِ الْهَادِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عُمَيْرٍ، مَوْلَى بَنِي آبِي اللَّحْمِ، «أَنَّهُ رَأَى النَّبِيَّ ﷺ يَسْتَسْقِي عِنْدَ أَحْجَارِ الزَّيْتِ، قَرِيبًا مِنَ الزَّوْرَاءِ قَائِمًا، يَدْعُو يَسْتَسْقِي رَافِعًا يَدَيْهِ قِبَلَ وَجْهِهِ، لَا يُجَاوِزُ بِهِمَا رَأْسَهُ».
[ ٥ / ١٧٧ ]
هذا لفظ أبي داود ولفظ أحمد عَنْ عُمَيْرٍ، مَوْلَى آبِي اللَّحْمِ: أَنَّهُ «رَأَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَسْتَسْقِي عِنْدَ أَحْجَارِ الزَّيْتِ قَرِيبًا مِنَ الزَّوْرَاءِ قَائِمًا، يَدْعُو يَسْتَسْقِي رَافِعًا كَفَّيْهِ، لَا يُجَاوِزُ بِهِمَا رَأْسَهُ مُقْبِلٌ بِبَاطِنِ كَفَّيْهِ إِلَى وَجْهِهِ».
قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ صَحِيْحٌ. كما سبق.
ورواه أحمد (١٦٤٦٠، ٢٣٦٧٠)، وأبو داود (١١٧٤) مِنْ طَرِيْقِ شُعْبَةَ، عَنْ عَبْدِ رَبِّهِ بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنِي مَنْ رَأَى النَّبِيَّ ﷺ، «يَدْعُو عِنْدَ أَحْجَارِ الزَّيْتِ بَاسِطًا كَفَّيْهِ».
قُلْتُ: هَذَا إِسْنَادٌ صَحِيْحٌ. كما سبق.
وجاءت صفة ثالثة وهي الْدُعَاء مشيرًا بالسبابة غير أنَّها لا تصح وجاء في ذلك حديث.
وهو ما رواه الطبراني في [الْأَوْسَطِ] (٥٩٨١)، وفي [الْدُعَاء] (٢١٩٤)، والعقيلي في [الْضُعَفَاءِ] (٣/ ٣٠٨) مِنْ طَرِيْقِ حَفْصِ بْنش النَّضْرِ السَّلَمِيُّ قَالَ: نا عَامِرُ بْنُ خَارِجَةَ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ سَعْدٌ، أَنَّ قَوْمًا شَكَوْا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَحْطَ الْمَطَرِ، فَقَالَ: «اجْثُوا عَلَى الرُّكَبِ، وَقُولُوا: يَا رَبِّ، يَا رَبِّ» وَرَفَعَ السَّبَّابَةَ إِلَى السَّمَاءِ، فَفَعَلُوا، فَسُقُوا حَتَّى أَحَبُّوا أَنْ يُكْشَفَ عَنْهُمْ.
قُلْتُ: وزاد الطبراني في "الْأَوْسَطِ" آخره هو: «وَرَفَعَ السَّبَّابَةَ إِلَى السَّمَاءِ، فَفَعَلُوا، فَسُقُوا حَتَّى أَحَبُّوا أَنْ يُكْشَفَ عَنْهُمْ».
قُلْتُ: قال البخاري ﵀ في ترجمة عامر بن خارجة من [الْتَّارِيْخِ الْكَبِيْر] (٦/ ٤٥٧): «في إسناده نظر» اهـ.
وَقَالَ ابن أبي حاتم ﵀ في [الْجَرْحِ وَالْتَعْدِيْلِ] (٣/ ١٨٨):
[ ٥ / ١٧٨ ]
«سمعت أبي يقول وسألته عن حفص بن النضر السلمي روى عن عامر بن خارجة بن سعد فقال: هذا إسناد منكر» اهـ.
وَقَالَ (٦/ ٣٢٠): «عامر بن خارجة بن سعد روى عن جده سعد بن أبي وقاص روى عنه حفص بن النضر السلمي سمعت أبى يقول ذلك، وسمعته يقول هذا إسناد منكر» اهـ.
وَقَالَ ابن حبان ﵀ في [الْثِّقَاتِ] (٤٥١٤):
«عامر بن خارجة بن سعد يروى عن جده عَنِ النَّبِيِّ ﷺ حديثًا منكرًا في المطر روى عنه حفص بن النضر السلمي لا يعجبني ذكره» اهـ.
قُلْتُ: وقد ثبتت الإشارة بالسبابة في دعاء الخطيب يوم الجمعة على المنبر كما مضى في الجمعة.
وجاء في دعاء السفر وهو ما رواه الترمذي (٣٤٣٨)، والنسائي (٥٥٠١) مِنْ طَرِيْقِ مُحَمَّدِ بْنِ عُمَرَ بْنِ عَلِيٍّ المُقَدَّمِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بِشْرٍ الخَثْعَمِيِّ، عَنْ أَبِي زُرْعَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا سَافَرَ فَرَكِبَ رَاحِلَتَهُ، قَالَ بِإِصْبَعِهِ - وَمَدَّ شُعْبَةُ إِصْبَعَهُ - قَالَ: «اللَّهُمَّ أَنْتَ الصَّاحِبُ فِي السَّفَرِ، وَالخَلِيفَةُ فِي الأَهْلِ، اللَّهُمَّ اصْحَبْنَا بِنُصْحِكَ، وَاقْلِبْنَا بِذِمَّةٍ، اللَّهُمَّ ازْوِ لَنَا الأَرْضَ، وَهَوِّنْ عَلَيْنَا السَّفَرَ، اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ وَعْثَاءِ السَّفَرِ، وَكَآبَةِ المُنْقَلَبِ».
[ ٥ / ١٧٩ ]
قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ مُحْتَمِلٌ لِلْتَحْسِيْنِ، ورجاله كلهم ثقات غير عبد الله بن بشر الخثعمي قال فيه أبو حاتم: "شيخ"، وذكره ابن حبان في "الثقات" ويقوي من شأنه رواية شعبة له.
قَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [الْفَتْحِ] (١/ ٣٦٠) تحت حديث برقم (١٩٣): «وقد أعله قوم بسماك ابن حرب راويه عن عكرمة لأنَّه كان يقبل التلقين، لكن قد رواه عنه شعبة، وهو لا يحمل عن مشايخه إلَّا صحيح حديثهم» اهـ.
وجاء أثر عن ابن عباس بين فيه أحوال رفع اليدين.
فروى أبو داود (١٤٩١) حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ يَعْنِي ابْنَ خَالِدٍ، حَدَّثَنِي الْعَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَعْبَدِ بْنِ الْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: «الْمَسْأَلَةُ أَنْ تَرْفَعَ يَدَيْكَ حَذْوَ مَنْكِبَيْكَ، أَوْ نَحْوَهُمَا، وَالِاسْتِغْفَارُ أَنْ تُشِيرَ بِأُصْبُعٍ وَاحِدَةٍ، وَالِابْتِهَالُ أَنْ تَمُدَّ يَدَيْكَ جَمِيعًا».
ورواه أيضًا (١٤٩٢) حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عُثْمَانَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، حَدَّثَنِي عَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَعْبَدِ بْنِ عَبَّاسٍ، بِهَذَا الْحَدِيثِ قَالَ فِيهِ: «وَالِابْتِهَالُ هَكَذَا وَرَفَعَ يَدَيْهِ وَجَعَلَ ظُهُورَهُمَا مِمَّا يَلِي وَجْهَهُ».
قُلْتُ: هَذَا أَثَرٌ صَحِيْحٌ.
وقد جاء مرفوعًا فيما رواه أبو داود أيضًا (١٤٩٣) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ فَارِسٍ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ حَمْزَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُحَمَّدٍ، عَنِ الْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَعْبَدِ بْنِ عَبَّاسٍ، عَنْ أَخِيهِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، قَالَ: فَذَكَرَ نَحْوَهُ.
[ ٥ / ١٨٠ ]
قُلْتُ: الرفع يعد شاذًا شذ به عبد العزيز بن محمد وهو الدراوردي وخالف سفيان بن عيينة، ووهيب بن خالد.
٥ - وفيه استحباب تكرر الْدُعَاء ثلاثًا.
٦ - قَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ في [شَرْحِ مُسْلِمٍ] (٣/ ٣٠١):
«واغترت به الحنفية وقالوا: هذا هو الاستسقاء المشروع لا غير، وجعلوا الاستسقاء بالبروز إلى الصحراء والصلاة بدعة، وليس كما قالوا، بل هو سنة للأحاديث الصحيحة السابقة، وقد قدمنا في أول الباب أنَّ الاستسقاء أنواع فلا يلزم من ذكر نوع إبطال نوع ثابت، والله أعلم» اهـ.
٧ - وفيه جواز الحلف لتوكيد الخبر.
٨ - وفي الحديث آية من آيات الله لرسوله ﷺ حيث استجاب الله له دعاءه مع عدم وجود أسباب المطر من سحاب ولا قزعة.
٩ - وفيه إطلاق السبت على الأسبوع.
قَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٢/ ٥٠٤):
«وأمَّا قوله: "سبتًا" فوقع للأكثر بلفظ السبت يعني أحد الأيام والمراد به الأسبوع وهو من تسمية الشيء باسم بعضه كما يقال جمعة قاله صاحب النهاية قال: ويقال أراد قطعة من الزمان وَقَالَ الزين بن المنير قوله: "سبتًا" أي من السبت إلى السبت أي جمعة وَقَالَ المحب الطبري مثله وزاد أنَّ فيه تجوزًا لأنَّ السبت لم يكن مبدأ ولا الثاني منتهى وإنَّما عبر أنس بذلك لأنَّه كان من الأنصار
[ ٥ / ١٨١ ]
وكانوا قد جاوروا اليهود فأخذوا بكثير من اصطلاحهم وإنَّما سموا الأسبوع سبتًا لأنَّه أعظم الأيام عند اليهود كما أنَّ الجمعة عند المسلمين» اهـ.
١٠ - قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِ ﵀ في [الْاسْتِذْكَارِ] (٢/ ٣٥٠):
«وينبغي لمن استصحا أن لا يدعو في رفع الغيث جملة ولكن اقتداء بالنبي ﵇ وما أدب به أمته في ذلك بقوله اللهم حوالينا ولا علينا ثم بين ذلك بقوله منابت الشجر وبطون الأودية يعني حيث لا يخشى هدم بيت ولا هلاك حيوان ولا نبات» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ في [شَرْحِ مُسْلِمٍ] (٣/ ٣٠١):
«وفيه أدبه ﷺ في الْدُعَاء فإنَّه لم يسأل رفع المطر من أصله، بل سأل رفع ضرره وكشفه عن البيوت والمرافق والطرق بحيث لا يتضرر به ساكن ولا ابن سبيل، وسأل بقاءه في مواضع الحاجة بحيث يبقى نفعه وخصبه وهي بطون الأودية وغيرها من المذكور» اهـ.
وَقَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٢/ ٥٠٧):
«وفيه الأدب في الْدُعَاء حيث لم يدع برفع المطر مطلقًا لاحتمال الاحتياج إلى استمراره فاحترز فيه بما يقتضي رفع الضرر وإبقاء النفع» اهـ.
١١ - قَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٢/ ٥٠٧):
«ويستنبط منه أنَّ من أنعم الله عليه بنعمة لا ينبغي له أن يتسخطها لعارض يعرض فيها بل يسأل الله رفع ذلك العارض وإبقاء النعمة» اهـ.
١٢ - وفيه أنَّه يدعى للاستصحاء كما يدعى للاستسقاء.
١٣ - قَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ في [شَرْحِ مُسْلِمٍ] (٣/ ٣٠١):
[ ٥ / ١٨٢ ]
«قوله: "ثم أمطرت" هكذا هو في النسخ، وكذا جاء في البخاري: أمطرت بالألف، وهو صحيح. وهو دليل للمذهب المختار الذي عليه الأكثرون والمحققون من أهل اللغة أنَّه يقال: مطرت وأمطرت لغتان في المطر، وَقَالَ بعض أهل اللغة لا يقال أمطرت بالألف إلَّا في العذاب كقوله تعالى: ﴿وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ حِجَارَة﴾ والمشهور الأول، ولفظة "أمطرت" تطلق في الخير والشر، وتعرف بالقرينة. قال الله تعالى: ﴿قَالُوا هَذَا عَارِض مُمْطِرنَا﴾ وهذا من أمطر والمراد به المطر في الخير لأنَّهم ظنوه خيرًا، فقال الله تعالى: ﴿بَلْ هُوَ مَا اِسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ﴾» اهـ.
قُلْتُ: ويدل على ذلك أيضًا ما رواه البخاري (٣٢٠٦) عَنْ عَائِشَةَ ﵂، قَالَتْ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ، إِذَا رَأَى مَخِيلَةً فِي السَّمَاءِ، أَقْبَلَ وَأَدْبَرَ، وَدَخَلَ وَخَرَجَ، وَتَغَيَّرَ وَجْهُهُ، فَإِذَا أَمْطَرَتِ السَّمَاءُ سُرِّيَ عَنْهُ، فَعَرَّفَتْهُ عَائِشَةُ ذَلِكَ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «مَا أَدْرِي لَعَلَّهُ كَمَا قَالَ قَوْمٌ: ﴿فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضًا مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ﴾ [الأحقاف: ٢٤]» الآيَةَ.
قُلْتُ: ورواه مسلم (٨٩٩) بلفظ: «مطرت».
١٤ - وفيه إقامة الجمعة مع نزول الْأمطار.
١٥ - وفيه أنَّ الجمع بين الصلاتين في المطر ليس من السنن فإنَّه لم يثبت عَنِ النَّبِيِّ ﷺ الجمع بين الصلاتين في الأسبوع الذي استمر فيه المطر، وغاية الْأمر أنَّ الجمع من الرخص إن احتيج لذلك. والله أعلم.
١٦ - وفيه الاكتفاء بدعاء الخطبة في الاستسقاء وعدم الدعاء دبر صلاة الجمعة.
[ ٥ / ١٨٣ ]
ولا أعلم حجة صحيحة في الاستسقاء دبر صلاة الجمعة.
وهناك من أهل العلم من استحب الاستسقاء أدبار الصلوات ومنها الجمعة.
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ في [الْمَجْمُوْع] (٥/ ٦٤):
«قَالَ فِي الْأُمِّ وأصحابنا والاستسقاء أنواع:
أدناها: الدعاء بِلَا صَلَاةٍ وَلَا خَلْفَ صَلَاةٍ فُرَادَى وَمُجْتَمِعِينَ لِذَلِكَ فِي مَسْجِدٍ أَوْ غَيْرِهِ وَأَحْسَنُهُ مَا كَانَ مِنْ أَهْلِ الْخَيْرِ.
النَّوْعُ الثَّانِي: وَهُوَ أَوْسَطُهَا الدُّعَاءُ خَلْفَ صَلَاةِ الْجُمُعَةِ أَوْ غَيْرِهَا مِنْ الصَّلَوَاتِ وَفِي خُطْبَةِ الْجُمُعَةِ وَنَحْوِ ذَلِكَ قَالَ الشَّافِعِيُّ فِي "الْأُمِّ" وَقَدْ رَأَيْت مَنْ يُقِيمُ مُؤَذِّنًا فَيَأْمُرُهُ بَعْدَ صَلَاةِ الصُّبْحِ وَالْمَغْرِبِ أَنْ يَسْتَسْقِيَ وَيَحُضَّ النَّاسَ عَلَى الدُّعَاءِ فَمَا كَرِهْت مَا صَنَعَ مِنْ ذَلِكَ.
النَّوْعُ الثَّالِثُ: أَفْضَلُهَا وَهُوَ الِاسْتِسْقَاءُ بِصَلَاةِ رَكْعَتَيْنِ وَخُطْبَتَيْنِ وَتَأَهُّبٍ لَهَا قَبْلَ ذَلِكَ» اهـ.
قُلْتُ: وذهب إلى ذلك القاضي أبو يعلى كما في [الْمُغْنِي] (٢/ ٣٢٨) حيث قال:
«وَالثَّالِثُ أَنْ يَدْعُوَ اللَّهَ تَعَالَى عَقِيبَ صَلَوَاتِهِمْ، وَفِي خَلَوَاتِهِمْ» اهـ.
قُلْتُ: الأظهر أنَّه يكتفى يوم الجمعة بالدعاء في الخطبة ولا يدعى بعد الصلاة ولا يقنت فيها لأنَّ هذا لا أصل له فيما أعلم.
وهل يشرع القنوت عند القحط في الصلوات المكتوبات أولا؟
أَقُوْلُ: ذهب إلى ذلك بعض العلماء.
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ في [شَرْحِ مُسْلِمٍ] (٥/ ١٧٦)
[ ٥ / ١٨٤ ]
«الصَّحِيحُ الْمَشْهُورُ أَنَّهُ إِنْ نَزَلَتْ نَازِلَةٌ كَعَدُوٍّ وَقَحْطٍ وَوَبَاءٍ وَعَطَشٍ وَضَرَرٍ ظَاهِرٍ فِي الْمُسْلِمِينَ وَنَحْوِ ذَلِكَ قَنَتُوا فِي جَمِيعِ الصَّلَوَاتِ الْمَكْتُوبَةِ» اهـ.
وأمَّا الْعَلَّامَةُ ابْنُ عُثَيْمِيْن ﵀ فاستنكر ذلك حيث قال في [الْقَوْلِ الْمُفِيْدِ] (١/ ٣٠٠): «وظاهر السنة أنَّ القنوت إنَّما يشرع في النوازل التي تكون من غير الله، مثل: إيذاء المسلمين والتضييق عليهم، أما ما كان من فعل الله؛ فإنه يشرع له ما جاءت به السنة، مثل الكسوف؛ فيشرع له صلاة الكسوف، والزلازل شرع لها صلاة الكسوف كما فعل ابن عباس ﵄، وقال: هذه صلاة الآيات، والجدب يشرع له الاستسقاء، وهكذا. وما علمت لساعتي هذه أن القنوت شرع لأمر نزل من الله، بل يدعى له بالأدعية الواردة الخاصة، لكن إذا ضيق على المسلمين وأوذوا وما أشبه ذلك؛ فإنه يقنت اتباعا للسنة في هذا الأمر» اهـ.
قُلْتُ: ما قاله العلامة ابن عثيمين ﵀ هو الأظهر.
فائدة: وهكذا إذا نزلت نازلة بالمسلمين فإنَّ القنوت يكون في خطبة الجمعة ولا يكون في صلاتها على الصحيح لعدم ورود ذلك في السنة ولأنَّه خلاف الآثار عن السلف.
وقد روى ابن أبي شيبة في [مُصَنَّفِهِ] (٥٤١٨) حَدَّثَنَا حُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ، عَنْ زَائِدَةَ، عَنْ أَشْعَثَ بْنِ أَبِي الشَّعْثَاءِ، عَنْ نَافِعٍ، قَالَ: «لَمْ يَكُنْ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ، يَقْنُتُ فِي الْفَجْرِ وَالْجُمُعَةِ».
قُلْتُ: إِسْنَادُهُ صَحِيْحٌ
[ ٥ / ١٨٥ ]
وروى ابن أبي شيبة في [مُصَنَّفِهِ] (٥٤١٦) حَدَّثَنَا الْفَضْلُ بْنُ دُكَيْنٍ، عَنْ شَرِيكٍ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، قَالَ: «صَلَّيْتُ خَلْفَ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ، وَالنُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ، الْجُمُعَةَ فَلَمْ يَقْنُتَا» وَخَلْفَ عَلِيٍّ فَقُلْتُ: أَقَنَتَ بِكُمْ؟ قَالَ: «لَا».
ورواه ابن المنذر في [الْأَوْسَطِ] (١٨٧٤) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، قَالَ: ثنا يَحْيَى بْنُ عَبْدِ الْحَمِيدِ، قَالَ: ثنا شَرِيكٌ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، قَالَ: «صَلَّيْتُ خَلْفَ عَلِيٍّ، وَالْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ، وَالنُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ، فَلَمْ يَكُونُوا يَقْنُتُونَ فِي الْجُمُعَةِ».
قُلْتُ: إِسْنَادُهُ ضَعِيْفٌ فيه شريك وهو القاضي النخعي سيء الحفظ.
وروى مالك في [الْمُوَطَّأِ] رواية أبي مصعب الزهري (٤٥٧)
حَدَّثَنَا أَبُو مُصْعَبٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا مَالِكٌ، أَنَّهُ سَأَلَ ابْنَ شِهَابٍ عَنِ الْقُنُوتِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، فَقَالَ: «مُحْدَثٌ لَا أَعْرِفُهُ».
قُلْتُ: إِسْنَادُهُ صَحِيْحٌ.
وروى عبد الرزاق في [مُصَنَّفِهِ] (٥٢٨٧) عَنْ مَعْمَرٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، وَقَتَادَةَ، قَالَا: «لَيْسَ فِي الْجُمُعَةِ قُنُوتٌ»، قَالَ مَعْمَرٌ: وَأَخْبَرَنِي مَنْ سَمِعَ الْحَسَنَ يَقُولُ مِثْلَ ذَلِكَ.
قُلْتُ: إِسْنَادُهُ صَحِيْحٌ إلى الزهري.
وروى عبد الرزاق في [مُصَنَّفِهِ] (٥٢٨٨) عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ عَطَاءٍ قَالَ: قُلْتُ لَهُ: الْقُنُوتُ فِي رَكْعَتَيِ الْجُمُعَةِ؟ قَالَ: «لَمْ أَسْمَعْ بِالْقُنُوتِ فِي الْمَكْتُوبَةِ إِلَّا فِي الصُّبْحِ، وَأَنْكَرَ أَنْ يَكُونَ فِي الْجُمُعَةِ قُنُوتٌ».
قُلْتُ: إِسْنَادُهُ صَحِيْحٌ.
[ ٥ / ١٨٦ ]
وروى ابن أبي شيبة في [مُصَنَّفِهِ] (٥٤١٤) حَدَّثَنَا عَبْدُ الْأَعْلَى، عَنْ بُرْدٍ، عَنْ مَكْحُولٍ، أَنَّهُ «كَانَ يَكْرَهُ الْقُنُوتَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ».
قُلْتُ: إِسْنَادُهُ صَحِيْحٌ.
وروى عبد الله بن أحمد ﵀ في [الْعِلَلِ] (٢٥٤)
حَدَّثَنِي أَبِي قَالَ حَدَّثَنَا وَكِيعٌ عَنِ الْعُمَرِيِّ عَنْ نَافِعٍ عَنِ بن عُمَرَ: «أَنَّ عُمَرَ كَانَ لَا يَقْنُتُ فِي الْجُمُعَةِ». سَمِعْتُ أَبِي يَقُولُ هَذَا مُنْكَرٌ يَعْنِي حَدِيثَ الْعُمَرِيِّ اهـ.
وروى ابن أبي شيبة في [مُصَنَّفِهِ] (٥٤١٣) حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ غِيَاثٍ، عَنْ لَيْثٍ، عَنْ طَاوُوسٍ، قَالَ: «الْقُنُوتُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ بِدْعَةٌ».
قُلْتُ: إِسْنَادُهُ ضَعِيْفٌ فيه ليث وهو ابن أبي سليم مختلط.
وروى ابن أبي شيبة في [مُصَنَّفِهِ] (٥٤١٥) حَدَّثَنَا شَرِيكٌ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: «الْقُنُوتُ فِي الْجُمُعَةِ بِدْعَةٌ».
قُلْتُ: إِسْنَادُهُ ضَعِيْفٌ فيه شريك وهو القاضي النخعي سيء الحفظ.
وروى عبد الرزاق في [مُصَنَّفِهِ] (٥٢٨٩) عَنِ الثَّوْرِيِّ، عَنْ رَجُلٍ، سَمَّاهُ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ قَالَ: «رَفْعُ الْيَدَيْنِ، وَالْقُنُوتُ فِي الْجُمُعَةِ بِدْعَةٌ».
قُلْتُ: إِسْنَادُهُ ضَعِيْفٌ فيه رجل مبهم.
وروى ابن أبي شيبة في [مُصَنَّفِهِ] (٥٤١٧) حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَبِي بُكَيْرٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو بُكَيْرٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، قَالَ: «أَدْرَكْتُ النَّاسَ قَبْلَ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، يَقْنُتُونَ فِي الْجُمُعَةِ فَلَمَّا كَانَ زَمَنُ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، تَرَكَ الْقُنُوتَ فِي الْجُمُعَةِ».
[ ٥ / ١٨٧ ]
قُلْتُ: قال الحافظ ابن مندة ﵀ في [فَتْحِ الْبَابِ فِي الْكُنَى وَالْأَلْقَابِ] (ص: ١٥٤)
«أَبُو بكير: بشير بن أسيد.
أدْرك عمر بن عبد الْعَزِيز، وَشهر بن حَوْشَب.
روى عَنهُ: ابْنه يحيى بن أبي بكير» اهـ.
قُلْتُ: لم أقف لأبي بكير ولا لأبيه على جرح أو تعديل.
وَقَالَ الْإِمَامُ الْشَّافِعِي ﵀ فِي [الْأُمِ] (١/ ٢٣٦):
«حَكَى عَدَدٌ صَلَاةَ النَّبِيِّ ﷺ الْجُمُعَةَ فَمَا عَلِمْت أَحَدًا مِنْهُمْ حَكَى أَنَّهُ قَنَتَ فِيهَا إلَّا أَنْ تَكُونَ دَخَلَتْ فِي جُمْلَةِ قُنُوتِهِ فِي الصَّلَوَاتِ كُلِّهِنَّ حِينَ قَنَتَ عَلَى قَتَلَةِ أَهْلِ بِئْرِ مَعُونَةَ، وَلَا قُنُوتَ فِي شَيْءٍ مِنْ الصَّلَوَاتِ إلَّا الصُّبْحَ إلَّا أَنْ تَنْزِلَ نَازِلَةٌ فَيُقْنَتَ فِي الصَّلَوَاتِ كُلِّهِنَّ إنْ شَاءَ الْإِمَامُ» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْمُنْذِرِ ﵀ في [الْأَوْسَطِ] (٤/ ١٢٢):
«اخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِي الْقُنُوتِ فِي الْجُمُعَةِ، فَكَرِهَتْ طَائِفَةٌ الْقُنُوتَ فِي الْجُمُعَةِ، وَمِمَّنْ كَانَ لَا يَقْنُتُ فِي صَلَاةِ الْجُمُعَةِ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ، وَالْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ، وَالنُّعْمَانُ بْنُ بَشِيرٍ، وَبِهِ قَالَ عَطَاءٌ، وَالزُّهْرِيُّ، وَقَتَادَةُ، وَمَالِكٌ، وَسُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ، وَالشَّافِعِيُّ، وَإِسْحَاقُ، وَقَالَ أَحْمَدُ: بَنُو أُمَيَّةَ كَانَتْ تَقْنُتُ» اهـ.
وقَالَ الْعَلَّامَةُ الْمَرْدَاوِي ﵀ فِي [الْإِنْصَافِ] (٢/ ١٧٥):
«وَعَنْهُ يَقْنُتُ فِي جَمِيعِ الصَّلَوَاتِ الْمَكْتُوبَاتِ خَلَا الْجُمُعَةِ، وَهُوَ الصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ نَصَّ عَلَيْهِ اخْتَارَهُ الْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ، وَابْنُ عَبْدُوسٍ فِي تَذْكِرَتِهِ، وَالشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَالْمُحَرَّرِ، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِي
[ ٥ / ١٨٨ ]
الصَّغِيرِ، وَالْفَائِقِ، وَقِيلَ: يَقْنُتُ فِي الْجُمُعَةِ أَيْضًا اخْتَارَهُ الْقَاضِي، لَكِنَّ الْمَنْصُوصَ خِلَافُهُ» اهـ.
وجاء في [فَتَاوَى الْلَّجْنَةِ الْدَّائِمَةِ]- ٢ (٧/ ٩٧):
«وأمَّا صلاة الجمعة فلم ينقل عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فيما نعلم أنَّه قنت فيها، ولعل سبب ذلك الاكتفاء بما يكون في الخطبة من الدعاء للمسلمين والدعاء على الكافرين، فيقتصر على ما ورد في الأحاديث عنه ﷺ.
وبالله التوفيق، وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.
اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء
عضو … عضو … نائب الرئيس … الرئيس
بكر أبو زيد … صالح الفوزان … عبد العزيز آل الشيخ … عبد العزيز بن عبد الله بن باز» اهـ.
قُلْتُ: وهنالك من أهل العلم من ذهب إلى مشروعية القنوت في صلاة الجمعة، ومنهم القاضي أبو يعلى كما سبق في كلام المرداوي.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ عُثَيْمِيْن ﵀ في [الشَّرْحُ الْمُمْتِعِ] (٤/ ٤٦)
«واستثنى بعضُ العلماءِ الجُمعةَ وقال: إنَّه لا يقنتُ فيها؛ لأن الأحاديثَ الواردةَ عن رسولِ الله ﷺ أنَّه قَنَتَ في الصَّلوات الخمسِ الفجرِ والظُّهرِ والعصرِ والمغربِ والعشاءِ. ولم تذكر الجُمُعَةَ. والجُمُعَةُ صلاةٌ مستقلَّة لا تدخل في مُسَمَّى الظُّهر عند الإطلاق، ولهذا لا تُجمع العصرُ إليها فيما لو كان الإنسان
[ ٥ / ١٨٩ ]
مسافرًا وصَلَّى الجُمُعَة، وهو يريد أن يمشي وأراد أنْ يجمعَ العصرَ إلى الجُمُعَةِ فلا يجوز، لأنها صلاةٌ من جنس آخر مستقلَّة.
وعلَّلَ بعضُهم أيضًا ذلك: بأن الإمام يدعو في خُطبة الجُمُعَةِ دُعاءً عامًّا يؤمِّنُ النَّاسُ عليه، فيدعو لرفع النَّازلة في خُطبة الجُمُعة، ويُكتفى بهذا الدُّعاء عن القنوت في صلاة الجُمُعة.
ويرى بعضُ أهلِ العِلم: أنَّه لا وجه للاستثناء، وإنَّما لم ينصَّ عليها في الأحاديث الواردة عن رسولِ الله ﷺ؛ لأنها يومٌ واحد في الأسبوع فلهذا تُركت، ويدلُّ لهذا: أنَّ الرَّسول ﷺ إذا ذكر الصَّلاة المفروضة لا يذكر إلا الصَّلوات الخمس؛ لأنها هي الرَّاتبة التي تَرِدُ على الإنسان في كُلِّ يوم، بخلاف الجُمُعة.
فالظَّاهر: أنه يَقْنُتُ حتى في صلاة الجُمُعة» اهـ.
قُلْتُ: ومع هذا فيرى ﵀ أنَّ الأولى الترك والاكتفاء بالدعاء في الخطبة.
فقد جاء في [مَجْمُوْعِ فَتَاوِى وَرَسَائِل ابْنِ عُثَيْمِيْن] (١٦/ ١١٥) عنه أنَّه قال: «يقول العلماء إنَّه لا يُقنت في صلاة الجمعة؛ لأنَّ الخطبة فيها دعاء للمؤمنين، ويُدعى لمن يُقنت لهم في أثناء الخطبة. هكذا قال أهل العلم، والله أعلم. فالأحسن أن يدعو لمن أراد القنوت لهم في أثناء الخطبة» اهـ.
فائدة أخرى: لم يأت في السنة الصحيحة ما قرأ به النبي ﷺ في صلاة الاستسقاء.
وأمَّا ما رواه الطبراني في [الْأَوْسَطِ] (٧٦١٩)، و[الْدُعَاءِ] (٢١٧٩)، و[الْأَحَادِيْثِ الْطِوَالِ] (٢٧) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ شَاذَانَ، ثَنَا
[ ٥ / ١٩٠ ]
أَبِي، ثَنَا مُجَاشِعُ بْنُ عَمْرٍو، نَا ابْنُ لَهِيعَةَ، نَا عُقَيْلُ بْنُ خَالِدٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: مَحَلَ النَّاسُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَأَتَاهُ الْمُسْلِمُونَ، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَحَطَ الْمَطَرُ، وَيَبَسَ الشَّجَرُ، وَهَلَكَتِ الْمَوَاشِي، وأَسْنَتَ النَّاسُ، فَاسْتَسْقِ لَنَا رَبَّكَ. فَقَالَ: «إِذَا كَانَ يَوْمُ كَذَا وَكَذَا فَاخْرُجُوا وَاخْرُجُوا مَعَكُمْ بِصَدَقَاتٍ» فَلَمَّا كَانَ ذَلِكَ الْيَوْمُ خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَالنَّاسُ، يَمْشِي وَيَمْشُونَ، عَلَيْهِمُ السَّكِينَةُ وَالْوَقَارُ حَتَّى أَتَوَا الْمُصَلَّى، فَتَقَدَّمَ النَّبِيُّ ﷺ فَصَلَّى بِهِمْ رَكْعَتَيْنِ يَجْهَرُ فِيهِمَا بِالْقِرَاءَةِ. وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقْرَأُ فِي الْعِيدَيْنِ وَالِاسْتِسْقَاءِ فِي الرَّكْعَةِ الْأُولَى بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ، وَسَبَّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى، وَفِي الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ، وَهَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ. فَلَمَّا قَضَى صَلَاتَهُ اسْتَقْبَلَ الْقَوْمَ بِوَجْهِهِ، وَقَلَبَ رِدَاءَهُ، ثُمَّ جَثَا عَلَى رُكْبَتَيْهِ، وَرَفَعَ يَدَيْهِ، وَكَبَّرَ تَكْبِيرَةً قَبْلَ أَنْ يَسْتَسْقِيَ، ثُمَّ قَالَ: «اللَّهُمَّ اسْقِنَا، وأَغِثْنَا، اللَّهُمَّ اسْقِنَا غَيْثًا مُغِيثًا، رَحْبًا، رَبيعًا، وَجدًا، غَدَقًا، طَبقًا، مُغْدِقًا، هَنِيئًا، مَرِيئًا، مَرِيعًا، مُرْتِعًا وابِلًا، شامِلًا، مُسْبِلًا، مُجَلَّلًا، دَائِمًا دَرَرًا، نَافِعًا غَيْرَ ضَارٍّ، عَاجِلًا غَيْرَ رَائِثٍ، غَيْثًا، اللَّهُمَّ تُحْيِي بِهِ الْبِلَادَ، وتُغِيثُ بِهِ الْعِبَادَ، وَتَجْعَلُهُ بَلَاغًا لِلْحَاضِرِ مِنَّا وَالْبَادِ، اللَّهُمَّ أُنْزِلْ عَلَيْنَا فِي أَرْضِنَا زِينَتَهَا، وَأَنْزِلْ فِي أَرْضِنَا سَكَنَهَا، اللَّهُمَّ أُنْزِلْ عَلَيْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا، فَأَحْيِ بِهِ بَلْدَةً مَيْتَةً، وأَسْقِهِ مِمَّا خَلَقْتَ لَنَا أَنْعَامًا وأَنَاسِيَّ كَثِيرًا». قَالَ: فَمَا بَرِحُوا حَتَّى أَقْبَلَ قَزَعٌ مِنَ السَّحَابِ، فَالْتَأَمَ بَعْضُهُ إِلَى بَعْضٍ، ثُمَّ مَطَرَتْ عَلَيْهِمْ سَبْعَةَ أَيَّامٍ وَلَيَالِيَهُنَّ، لَا يُقْلَعُ عَنِ الْمَدِينَةِ، فَأَتَاهُ الْمُسْلِمُونَ فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَدْ غَرَقَتِ الْأَرْضُ، وتَهَدَّمَتِ الْبُيُوتُ، وَانْقَطَعَتِ السُّبُلُ، فَادْعُ اللَّهَ لَنَا
[ ٥ / ١٩١ ]
أَنْ يَصْرِفَهَا عَنَّا قَالَ: فَضَحِكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، وَهُوَ عَلَى الْمِنْبَرِ حَتَّى بَدَتْ نَوَاجِذُهُ تَعَجُّبًا لِسُرْعَةِ مَلَالَةِ بَنِي آدَمَ، ثُمَّ قَالَ، «اللَّهُمَّ حَوَالَيْنَا وَلَا عَلَيْنَا، اللَّهُمَّ عَلَى رُءُوسِ الظِّرَابِ، وَمَنَابِتِ الشَّجَرِ، وَبُطُونِ الْأَوْدِيَةِ، وَظُهُورِ الْآكَامِ» قَالَ: فَتَصَدَّعَتْ عَنِ الْمَدِينَةِ، وَكَانَتْ فِي مِثْلِ التُّرْسِ تُمْطِرُ مَرَاعِيَها وَلَا تَقْطُرُ فِيهَا قَطْرَةً».
فَهُوَ حَدِيْثٌ وَاهٍ فمجاشع بن عمرو كذبه ابن معين ورماه ابن حبان بوضع الحديث، وابن لهيعة ضعيف.
* * *
[ ٥ / ١٩٢ ]