١٤٣ - عَنْ عَائِشَةَ ﵂: «أَنَّ الشَّمْسَ خَسَفَتْ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَبَعَثَ مُنَادِيًا يُنَادِي: الصَّلاةُ جَامِعَةٌ. فَاجْتَمَعُوا. وَتَقَدَّمَ، فَكَبَّرَ وَصَلَّى أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ فِي رَكْعَتَيْنِ، وَأَرْبَعَ سَجَدَاتٍ».
أقرب لفظ لما ذكره المصنف هو ما رواه مسلم (٩٠١) عَنْ عَائِشَةَ، «أَنَّ الشَّمْسَ خَسَفَتْ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ، فَبَعَثَ مُنَادِيًا: الصَّلَاةُ جَامِعَةٌ، فَاجْتَمَعُوا، وَتَقَدَّمَ فَكَبَّرَ، وَصَلَّى أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ فِي رَكْعَتَيْنِ، وَأَرْبَعَ سَجَدَاتٍ».
ورواه البخاري معلقًا (١٠٦٦) فقال: وَقَالَ الأَوْزَاعِيُّ، وَغَيْرُهُ، سَمِعْتُ الزُّهْرِيَّ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂، «أَنَّ الشَّمْسَ خَسَفَتْ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَبَعَثَ مُنَادِيًا: بالصَّلَاةُ جَامِعَةٌ، فَتَقَدَّمَ فَصَلَّى أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ فِي رَكْعَتَيْنِ، وَأَرْبَعَ سَجَدَاتٍ».
وفي الحديث مسائل منها:
١ - استحباب صلاة الكسوف، واختلف في وجوبها وسيأتي الكلام في ذلك بمشيئة الله.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ في [الْمُغْنِي] (٤/ ٣٠٩):
[ ٥ / ١٠٠ ]
«ولا نعلم بين أهل العلم في مشروعيتها لكسوف الشمس خلافًا، وأكثر أهل العلم على أنَّها مشروعة لخسوف القمر، فعله ابن عباس. وبه قال عطاء، والحسن، والنخعي، والشافعي، وإسحاق.
وَقَالَ مالك: ليس لكسوف القمر سنة.
وحكى ابن عبد البر عنه، وعن أبي حنيفة أنَّهما قالا: يصلي الناس لخسوف القمر وحدانًا ركعتين ركعتين، ولا يصلون جماعة؛ لأنَّ في خروجهم إليها مشقة» اهـ.
٢ - صحة إطلاق الخسوف على الشمس.
قَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٢/ ٥٣٥):
«والمشهور في استعمال الفقهاء أنَّ الكسوف للشمس والخسوف للقمر واختاره ثعلب، وذكر الجوهري أنَّه أفصح، وقيل: يتعين ذلك وحكى عياض عن بعضهم عكسه وغلطه لثبوته بالخاء في القمر في القرآن وكأنَّ هذا هو السر في استشهاد المؤلف به في الترجمة، وقيل يقال بهما في كل منهما وبه جاءت الأحاديث ولا شك أنَّ مدلول الكسوف لغة غير مدلول الخسوف لأنَّ الكسوف التغير إلى سواد والخسوف النقصان أو الذل فإذا قيل في الشمس كسفت أو خسفت لأنَّها تتغير ويلحقها النقص ساغ وكذلك القمر ولا يلزم من ذلك أنَّ الكسوف والخسوف مترادفان وقيل بالكاف في الابتداء وبالخاء في الانتهاء وقيل بالكاف لذهاب جميع الضوء وبالخاء لبعضه وقيل بالخاء لذهاب كل اللون وبالكاف لتغيره» اهـ.
٣ - أنَّه ينادى لها بالصلاة جامعة. فلا يؤذن لها ولا يقيم.
[ ٥ / ١٠١ ]
٤ - أنَّه يستحب فيها أن تصلى جماعة.
قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِ ﵀ في [الْاسْتِذْكَارِ] (٢/ ٣٣٥ - ٣٣٦):
«واختلفوا أيضًا في صلاة كسوف القمر فقال مالك وأبو حنيفة وأصحابهما لا يجمع في صلاة كسوف القمر ولكن يصلي الناس أفرادًا ركعتين ركعتين كسائر الصلوات.
والحجة لهم قوله: "صلاة المرء في بيته أفضل إلَّا المكتوبة" وخص صلاة كسوف الشمس بالجمع لها ولم يفعل ذلك في صلاة القمر فخرجت صلاة كسوف الشمس بدليلها وما ورد من التوقيت فيها وبقيت صلاة القمر على أصل ما عليه النوافل.
وَقَالَ الليث بن سعد: لا يجمع في صلاة القمر ولكن الصلاة فيها كهيئة الصلاة في كسوف الشمس.
وهو قول عبد العزيز بن أبي سلمة ذكره بن وهب عنه وَقَالَ ذلك لقول رسول الله: "فإذا رأيتم ذلك فادعوا إلى الصلاة"
وَقَالَ الشافعي أصحابه وأحمد وإسحاق وأبو ثور وداود والطبري وسائر أهل الحديث في كسوف القمر كهي في كسوف الشمس سواء، وهو قول الحسن وإبراهيم وعطاء.
وحجتهم في ذلك قول رسول الله: "إنَّ الشمس والقمر آيتان من آيات الله لا يخسفان لموت أحد ولا لحياته فإذا رأيتم ذلك فاذكروا الله ﷿"
قال الشافعي ﵀: فكان الذكر الذي فزع إليه رسول الله عند كسوف الشمس هي الصلاة المذكورة فكذلك خسوف القمر تجمع الصلاة لخسوفه كهي
[ ٥ / ١٠٢ ]
عند كسوف الشمس لأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ قد جمع بينهما في الذكر وقال: "إنَّ الشمس والقمر آيتان من آيات الله لا يخسفان لموت أحد ولا لحياته فإذا رأيتم ذلك فصلوا وادعوا" وفي حديث آخر: "فصلوا حتى يكشف ما بكم" وفي حديث آخر: "فافزعوا إلى الصلاة"
وقد عرفنا كيف الصلاة عند إحداهما فكان دليلًا على الصلاة عند الأخرى.
قال أبو عمر: روي عن عثمان بن عفان وابن عباس أنَّهما صليا في خسوف القمر جماعة ركعتين في كل ركعة ركوعان مثل قول الشافعي» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٤/ ٣٠٩ - ٣١٠):
«ويسن فعلها جماعة وفرادى. وبهذا قال مالك، والشافعي. وحكي عن الثوري أنَّه قال: إن صلاها الْإِمَام صلوها معه، وإلَّا فلا تصلوا.
ولنا، قوله ﵊: "فإذا رأيتموها فصلوا". ولأنَّها نافلة، فجازت في الانفراد، كسائر النوافل.
وإذا ثبت هذا فإن فعلها في الجماعة أفضل؛ لأّنَّ الْنَّبِيَّ ﷺ صلاها في جماعة» اهـ.
٥ - أنَّها تصلى ركعتين في كل ركعة ركوعان وسجودان.
قُلْتُ: وقد جاء ما يخالف ذلك فجاء أنَّه ﵊ صلاها بست ركوعات وأربع سجدات في ركعتين.
فروى مسلم في [صَحِيْحِهِ] (٩٠١) فقال: وحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ، أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، قَالَ: سَمِعْتُ عَطَاءً، يَقُولُ: سَمِعْتُ عُبَيْدَ بْنَ
[ ٥ / ١٠٣ ]
عُمَيْرٍ، يَقُولُ: حَدَّثَنِي مَنْ أُصَدِّقُ، حَسِبْتُهُ يُرِيدُ عَائِشَةَ، أَنَّ الشَّمْسَ انْكَسَفَتْ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ، فَقَامَ قِيَامًا شَدِيدًا، يَقُومُ قَائِمًا، ثُمَّ يَرْكَعُ، ثُمَّ يَقُومُ، ثُمَّ يَرْكَعُ، ثُمَّ يَقُومُ، ثُمَّ يَرْكَعُ رَكْعَتَيْنِ فِي ثَلَاثِ رَكَعَاتٍ، وَأَرْبَعِ سَجَدَاتٍ، فَانْصَرَفَ وَقَدْ تَجَلَّتِ الشَّمْسُ، وَكَانَ إِذَا رَكَعَ، قَالَ: «اللهُ أَكْبَرُ»، ثُمَّ يَرْكَعُ، وَإِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ، قَالَ: «سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ»، فَقَامَ، فَحَمِدَ اللهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: «إِنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَا يَكْسِفَانِ لِمَوْتِ أَحَدٍ، وَلَا لِحَيَاتِهِ، وَلَكِنَّهُمَا مِنْ آيَاتِ اللهِ، يُخَوِّفُ اللهُ بِهِمَا عِبَادَهُ، فَإِذَا رَأَيْتُمْ كُسُوفًا، فَاذْكُرُوا اللهَ حَتَّى يَنْجَلِيَا».
وحَدَّثَنِي أَبُو غَسَّانَ الْمِسْمَعِيُّ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، قَالَا: حَدَّثَنَا مُعَاذٌ وَهُوَ ابْنُ هِشَامٍ، حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ، عَنْ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ، عَنْ عَائِشَةَ، «أَنَّ نَبِيَّ اللهِ ﷺ صَلَّى سِتَّ رَكَعَاتٍ وَأَرْبَعَ سَجَدَاتٍ».
قُلْتُ: وهذه رواية معلولة لا تصح.
قَالَ الْحَافِظُ الْبَيْهَقِيُّ ﵀ في [مَعْرِفَةِ الْسُّنَنِ وَالْآثَارِ] (٥/ ١٤٧):
«وفي رواية ابن جريح دليل على أنَّ عطاء إنَّما أسنده عن عائشة بالظن والحسبان لا باليقين وكيف يكون عدد الركوع فيه محفوظًا عن عائشة وقد روينا عن عروة، وعمرة، عن عائشة بخلافه وإن كان عن عائشة كما توهمه، فعروة، وعمرة أخص بعائشة وألزم لها من عبيد بن عمير، وهما اثنان، فروايتهما أولى أن تكون هي المحفوظة. ورواه أيضًا يحيى بن أبي كثير، عن أبي حفصة، مولى عائشة أن عائشة، أخبرته عَنِ النَّبِيِّ ﷺ في صلاته في كسوف الشمس نحو رواية عروة وعمرة» اهـ.
[ ٥ / ١٠٤ ]
وروى مسلم (٩٠٤) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ نُمَيْرٍ، ح وحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ نُمَيْرٍ، وَتَقَارَبَا فِي اللَّفْظِ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنْ جَابِرٍ، قَالَ: «انْكَسَفَتِ الشَّمْسُ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ، يَوْمَ مَاتَ إِبْرَاهِيمُ ابْنُ رَسُولِ اللهِ ﷺ، فَقَالَ النَّاسُ: إِنَّمَا انْكَسَفَتْ لِمَوْتِ إِبْرَاهِيمَ، فَقَامَ النَّبِيُّ ﷺ، فَصَلَّى بِالنَّاسِ سِتَّ رَكَعَاتٍ بِأَرْبَعِ سَجَدَاتٍ …».
قُلْتُ: الحديث رواه مسلم (٩٠٤) مِنْ طَرِيْقِ هِشَامٍ الدَّسْتَوَائِيِّ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، قَالَ: «كَسَفَتِ الشَّمْسُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ فِي يَوْمٍ شَدِيدِ الْحَرِّ، فَصَلَّى رَسُولُ اللهِ ﷺ بِأَصْحَابِهِ، فَأَطَالَ الْقِيَامَ، حَتَّى جَعَلُوا يَخِرُّونَ، ثُمَّ رَكَعَ فَأَطَالَ، ثُمَّ رَفَعَ فَأَطَالَ، ثُمَّ رَكَعَ فَأَطَالَ، ثُمَّ رَفَعَ فَأَطَالَ، ثُمَّ سَجَدَ سَجْدَتَيْنِ، ثُمَّ قَامَ فَصَنَعَ نَحْوًا مِنْ ذَاكَ، فَكَانَتْ أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ، وَأَرْبَعَ سَجَدَاتٍ».
قُلْتُ: وهذا أصح.
وجاء ما يدل أنَّه صلاها بثمان ركوعات وأربع سجدات في ركعتين.
فروى مسلم (٩٠٨) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ ابْنُ عُلَيَّةَ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ حَبِيبٍ، عَنْ طَاوُسٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: «صَلَّى رَسُولُ اللهِ ﷺ حِينَ كَسَفَتِ الشَّمْسُ، ثَمَانَ رَكَعَاتٍ فِي أَرْبَعِ سَجَدَاتٍ». وَعَنْ عَلِيٍّ مِثْلُ ذَلِكَ.
[ ٥ / ١٠٥ ]
وروى مسلم (٩٠٩) فقال: وحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ خَلَّادٍ، كِلَاهُمَا عَنْ يَحْيَى الْقَطَّانِ، قَالَ ابْنُ الْمُثَنَّى: حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ سُفْيَانَ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَبِيبٌ، عَنْ طَاوُسٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ «صَلَّى فِي كُسُوفٍ، قَرَأَ، ثُمَّ رَكَعَ، ثُمَّ قَرَأَ، ثُمَّ رَكَعَ، ثُمَّ قَرَأَ، ثُمَّ رَكَعَ، ثُمَّ قَرَأَ، ثُمَّ رَكَعَ، ثُمَّ سَجَدَ»، قَالَ: «وَالْأُخْرَى مِثْلُهَا».
قَالَ الْحَافِظُ الْبَيْهَقِيُّ ﵀ في [الْكُبْرَى] (٣/ ٣٢٧):
«وقد روينا عن عطاء بن يسار وكثير بن عباس عن ابن عباس عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: أنَّه صلاها ركعتين في كل ركعة ركوعين. وحبيب بن أبي ثابت وإن كان من الثقات فقد كان يدلس ولم أجده ذكر سماعه في هذا الحديث عن طاووس ويحتمل أن يكون حمله عن غير موثوق به عن طاووس. وقد روى سليمان الأحول عن طاووس عن ابن عباس من فعله: أنَّه صلاها ست ركعات في أربع سجدات فخالفه في الرفع والعدد جميعًا» اهـ.
قُلْتُ: وجاء ما يدل أنَّه صلاها بعشر ركوعات وأربع سجدات في ركعتين.
فروى عبد الله ابن الإمام أحمد في [زَوَائِدِهِ عَلَى الْمُسْنَدِ] (٢١٢٦٣)، وأبو داود (١١٨٤) مِنْ طَرِيْقِ أَبِي جَعْفَرٍ الرَّازِيُّ، عَنْ الرَّبِيعِ بْنِ أَنَسٍ، عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، قَالَ: «انْكَسَفَتِ الشَّمْسُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ صَلَّى بِهِمْ، فَقَرَأَ بِسُورَةٍ مِنَ الطُّوَلِ، ثُمَّ رَكَعَ خَمْسَ رَكَعَاتٍ وَسَجْدَتَيْنِ، ثُمَّ قَامَ الثَّانِيَةَ فَقَرَأَ بِسُورَةٍ مِنَ الطُّوَلِ، ثُمَّ رَكَعَ خَمْسَ رَكَعَاتٍ وَسَجَدَ سَجْدَتَيْنِ، ثُمَّ جَلَسَ كَمَا هُوَ مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ يَدْعُو حَتَّى انْجَلَى كُسُوفُهَا».
[ ٥ / ١٠٦ ]
قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ ضَعِيْفٌ من أجل أبي جعفر الرازي فإنَّه ممن لا يعتمد عليه عند التفرد.
وجاء أنَّها تصلى كأحدث صلاة صليت من المكتوبة.
فروى أحمد (٢٠٦٢٦)، وأبو داود (١١٨٧)، والنسائي (١٤٨٥) عَنْ أَبِي قِلَابَةَ، عَنْ قَبِيصَةَ الْهِلَالِيِّ، قَالَ: كُسِفَتِ الشَّمْسُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَخَرَجَ فَزِعًا يَجُرُّ ثَوْبَهُ وَأَنَا مَعَهُ يَوْمَئِذٍ بِالْمَدِينَةِ، فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ، فَأَطَالَ فِيهِمَا الْقِيَامَ، ثُمَّ انْصَرَفَ وَانْجَلَتْ، فَقَالَ: «إِنَّمَا هَذِهِ الْآيَاتُ يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهَا فَإِذَا رَأَيْتُمُوهَا فَصَلُّوا كَأَحْدَثِ صَلَاةٍ صَلَّيْتُمُوهَا مِنَ الْمَكْتُوبَةِ».
قُلْتُ: وَلَا يَصِحُ هَذَا الْحَدِيْثُ.
قَالَ الْحَافِظُ الْبَيْهَقِيُّ ﵀ في [الْكُبْرَى] (٣/ ٣٣٤ - ٣٣٥):
«وهذا أيضًا لم يسمعه أبو قلابة عن قبيصة إنَّما رواه عن رجل عن قبيصة.
أخبرنا أبو على الروذباري أخبرنا محمد بن بكر حدثنا أبو داود حدثنا أحمد بن إبراهيم حدثنا ريحان بن سعيد حدثنا عباد بن منصور عن أيوب عن أبى قلابة عن هلال بن عامر أن قبيصة الهلالي حدثه: "أنَّ الشمس كسفت" بمعنى حديث موسى بن إسماعيل قال: حتى بدت النجوم. وألفاظ هذه الأحاديث تدل على أنَّها راجعة إلى الأخبار عن صلاته يوم توفى ابنه ﵉ وقد أثبت جماعة من أصحابه الحفاظ عدد ركوعه في كل ركعة فهو أولى بالقبول من رواية من لم يثبته وبالله التوفيق» اهـ.
[ ٥ / ١٠٧ ]
قُلْتُ: وهلال هذا مجهول. ووقع في الحديث اضطراب لا مجال لذكره هاهنا وسيأتي بمشيئة الله في شرح حديث أبي مسعود بعد هذا.
قُلْتُ: صلاة النبي ﷺ كانت مرة واحدة عند موت ولده إبراهيم فلم تصل إلَّا على صفة واحدة وأكثر الحديث جاء بأنَّه صلاها ركعتين في كل ركعة ركوعان وسجودان فهذا هو الصحيح في كيفية صلاة النبي ﷺ لها وما سوى ذلك فخطأ من بعض الرواة وهذا هو الذي يرجحه الْإِمَام الشافعي، وأحمد، والبخاري، والبيهقي، وشَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ، وتلميذه الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵏ وغيرهم وهو الصحيح. والله أعلم.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ في [زَادِ الْمَعَادِ] (١/ ٤٥٢ - ٤٥٣):
«فهذا الذي صح عنه ﷺ: من صفة صلاة الكسوف وخطبتها. وقد روي عنه أنَّه صلاها على صفات أخر.
منها: كل ركعة بثلاث ركوعات.
ومنها: كل ركعة بأربع ركوعات.
ومنها: إنَّها كأحدث صلاة صليت كل ركعة بركوع واحد، ولكن كبار الأئمة، لا يصححون ذلك، كالْإِمَام أحمد، والبخاري، والشافعي، ويرونه غلطًا. قال الشافعي وقد سأله سائل، فقال: روى بعضهم أن النبي ﷺ صلى بثلاث ركعات في كل ركعة، قال الشافعي: فقلت له: أتقول به أنت؟ قال: لا، ولكن لم لم تقل به أنت وهو زيادة على حديثكم؟ يعني حديث الركوعين في الركعة، فقُلْتُ: هو من وجه منقطع، ونحن لا نثبت المنقطع على الانفراد» اهـ.
إلى أن قال ﵀ (١/ ٤٥٦):
[ ٥ / ١٠٨ ]
«قُلْتُ: والمنصوص عن أحمد أيضًا أخذه بحديث عائشة وحده في كل ركعة ركوعان وسجودان. قال في رواية المروزي: وأذهب إلى أنَّ صلاة الكسوف أربع ركعات، وأربع سجدات، في كل ركعة ركعتان وسجدتان، وأذهب إلى حديث عائشة، أكثر الأحاديث على هذا. وهذا اختيار أبي بكر وقدماء الأصحاب، وهو اختيار شيخنا أبي العباس ابن تيمية؟ كان يضعف كل ما خالفه من الأحاديث، ويقول: هي غلط، وإنَّما صلى النبي ﷺ الكسوف مرة واحدة يوم مات ابنه إبراهيم. والله أعلم» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ في [الْمَجْمُوْع] (٥/ ٦٢):
«"فرع" في مذاهب العلماء في عدد ركوع الكسوف.
قد ذكرنا أنَّ مذهبنا أنَّها ركعتان في كل ركعة قيامان وركوعان وسجدتان وبه قال مالك وأحمد وإسحق وأبو ثور وداود وغيرهم، وحكاه الشيخ أبو حامد عن عثمان بن عفان وابن عباس، وَقَالَ النخعي والثوري وأبو حنيفة هي ركعتان كالجمعة والصبح، وحكى ابن المنذر عن حذيفة وابن عباس أنَّها ركعتان في كل ركعة ثلاثة ركوعات، وعن علي ﵁ خمس ركوعات في كل ركعة، وعن إسحاق أنَّها تجوز ركوعان في كل ركعة وثلاثة وأربعة لأنَّه ثبت هذا ولم يثبت عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أكثر منه، وَقَالَ العلاء بن زياد: لا يزال يركع ويقوم ويراقب الشمس حتى تنجلي فإذا انجلت سجدتم صلى ركعة أخرى» اهـ.
٦ - أنَّه يستحب صلاتها في المسجد.
قَالَ العلامة ابن قدامة ﵀ في [الْمُغْنِي] (٤/ ٣١٠):
[ ٥ / ١٠٩ ]
«والسنة أن يصليها في المسجد؛ لأّنَّ الْنَّبِيَّ ﷺ فعلها فيه.
قالت عائشة: خسفت الشمس في حياة رسول الله ﷺ فخرج إلى المسجد، فصف الناس وراءه. رواه البخاري.
ولأنَّ وقت الكسوف يضيق، فلو خرج إلى المصلى احتمل التجلي قبل فعلها» اهـ.
[ ٥ / ١١٠ ]
١٤٤ - عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ - عُقْبَةَ بْنِ عَمْرٍو الأَنْصَارِيِّ الْبَدْرِيِّ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُوْلُ اللهِ ﷺ: «إنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ آيَتَانِ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ، يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِمَا عِبَادَهُ، وَإِنَّهُمَا لا يَنْخَسِفَانِ لِمَوْتِ أَحَدٍ مِنْ النَّاسِ. فَإِذَا رَأَيْتُمْ مِنْهَا شَيْئًا فَصَلُّوا، وَادْعُوا حَتَّى يَنْكَشِفَ مَا بِكُمْ».
وفي الحديث مسائل منها:
١ - أنَّ الشَّمس والقمر من آيات الله الدالة على عظمته.
٢ - أنَّ الحكمة من كسوفهما تخويف العباد حتى يتوبوا من ذنوبهم ويرجعوا إلى ربهم.
٣ - أنَّهما لا يكسفان لموت أحد ولا لحياته وفي هذا رد على المنجمين وعباد الكواكب الذين يعتقدون تأثيرها في الحوادث الأرضية. وفيه إبطال لعقيدة المشركين حيث كانوا يعتقدون أنَّ كسوف الشمس والقمر يكون لموت عظيم.
٤ - استحباب الصلاة والْدُعَاء عند رؤية ذلك.
٥ - استمرار الصلاة والْدُعَاء إلى وقت انكشاف الكسوف.
قُلْتُ: وليس المراد أنَّ الصلاة تكرر إذا لم يحصل الانكشاف فالغاية في الحديث للمجموع لا لكل فرد من أفراد الْمَجْمُوْع فإذا قضيت الصلاة ولم يحصل الانكشاف استمروا بالْدُعَاء وغيره إلى حصول الانكشاف.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ دَقِيْقِ الْعِيْدِ ﵀ فِي [إِحْكَامِ الْأَحْكَامِ] (٢٣٦):
[ ٥ / ١١١ ]
«وقد ذكروا: أنَّها إذا صليت صلاة الكسوف على الوجه المذكور ولم تنجل الشمس: إنَّها لا تعاد على تلك الصفة وليس في قوله: "فصلوا وادعوا حتى ينكشف ما بكم" ما يدل على خلاف هذا لوجهين.
أحدهما: أنَّه أمر بمطلق الصلاة لا بالصلاة على هذا الوجه المخصوص ومطلق الصلاة سائغ إلى حين الانجلاء.
الثاني: لو سلما أنَّ المراد الصلاة الموصوفة بالوصف المذكور: لكان لنا أن نجعل هذه الغاية لمجموع الْأمرين - أعني الصلاة والْدُعَاء - ولا يلزم من كونهما غاية لمجموع الْأمرين: أن تكون غاية لكل واحد منهما على انفراده فجاز أن يكون الْدُعَاء ممتدًا إلى غاية الانجلاء بعد الصلاة على الوجه المخصوص مرة واحدة ويكون غاية للمجموع» اهـ.
قُلْتُ: قد جاء ما يدل على أنَّ صلاة الكسوف تكرر إلى وقت الانجلاء، وهو ما رواه أبو داود (١١٩٥) حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ أَبِي شُعَيْبٍ الْحَرَّانِيُّ، حَدَّثَنِي الْحَارِثُ بْنُ عُمَيْرٍ الْبَصْرِيُّ، عَنْ أَيُّوبَ السَّخْتِيَانِيِّ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ، عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ، قَالَ: «كُسِفَتِ الشَّمْسُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَجَعَلَ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ، رَكْعَتَيْنِ وَيَسْأَلُ عَنْهَا، حَتَّى انْجَلَتْ».
قُلْتُ: هكذا رواه الحارث بن عمير، وتابعه عبد الوهاب بن عبد المجيد الثقفي عند أحمد (١٨٣٩١)، وهيب بن خالد عند الطبراني في [الْدُعَاء] (٢٢٣٨).
ورواه خالد الحذاء عن أيوب بخلاف ذلك.
فروى النسائي (١٤٨٥)، وابن ماجه (١٢٦٢) مِنْ طَرِيْقِ خَالِدٍ الْحَذَّاءِ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ، عَنْ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ، قَالَ: «انْكَسَفَتِ الشَّمْسُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ
[ ٥ / ١١٢ ]
ﷺ، فَخَرَجَ يَجُرُّ ثَوْبَهُ فَزِعًا، حَتَّى أَتَى الْمَسْجِدَ، فَلَمْ يَزَلْ يُصَلِّي بِنَا حَتَّى انْجَلَتْ …».
ورواه عبد الوارث بن سعيد وزاد رجلًا مبهما بين أبي قلابة والنعمان.
قال الْإِمَام أحمد ﵀ (١٨٣٧٧) حَدَّثَنَا عَفَّانُ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ، حَدَّثَنَا أَيُّوبُ، فَذَكَرَ حَدِيثًا قَالَ: وَحَدَّثَ عَنْ أَبِي قِلَابَةَ، عَنْ رَجُلٍ، عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ، قَالَ: «كَسَفَتِ الشَّمْسُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، قَالَ: وَكَانَ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ يَسْأَلُ، ثُمَّ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ يَسْأَلُ، حَتَّى انْجَلَتِ الشَّمْسُ …».
قُلْتُ: ورجح الحافظ البيهقي الانقطاع بين أبي قلابة وبين النعمان فقال مشيرًا لهذه الطريق في [سُنَنِه الْكُبْرَى] (٣/ ٣٣٢): «هذا مرسل أبو قلابة لم يسمعه من النعمان بن بشير إنَّما رواه عن رجل عن النعمان وليس فيه هذه اللفظة الأخيرة» اهـ.
وَقَالَ الحافظ ابن معين ﵀ كما في [تَارِيْخِ ابْنِ مَعِيْن رِوَايَّةِ الْدَّوْرِي] (٤٠٢٥): «أبو قلابة عن النعمان بن بشير مرسل» اهـ.
وَقَالَ ابن أبي حاتم ﵀ في [الْمَرَاسِيْلِ] (٢٢):
«قال أبي قد أدرك أبو قلابة النعمان بن بشير ولا أعلم سمع منه» اهـ.
قُلْتُ: وثم اختلاف آخر فروى الطحاوي في [شَرْحِ مَعَانِي الْآثَارِ] (١٩٤٣) حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي دَاوُدَ، وَفَهْدٌ، قَالَا: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مَعْبَدٍ، قَالَ: ثنا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عَمْرٍو، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ، عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ، أَوْ غَيْرِهِ، قَالَ: «كَسَفَتِ الشَّمْسُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ فَجَعَلَ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ وَيُسَلِّمُ وَيَسْأَلُ حَتَّى انْجَلَتْ …».
[ ٥ / ١١٣ ]
قُلْتُ: وثم اختلاف آخر فهناك من رواه عن أيوب عن أبي قلابة عن قبيصة. منهم:
وهيب بن خالد وحديثه عند أحمد (٢٠٦٢٧)، وأبي داود (١١٨٧).
وعبيد الله بن الوازع وحديثه عند النسائي (١٤٨٦).
وعبد الوهاب الثقفي في رواية أخرى وحديثه عند أحمد (٢٠٦٢٦).
وعبد الوارث بن سعيد في رواية أخرى عند البيهقي في [الْكُبْرَى] (٦١٣١).
ورواه النسائي (١٤٩٠) أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ هِشَامٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ الْحَسَنِ، عَنْ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ، «عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، أَنَّهُ خَرَجَ يَوْمًا مُسْتَعْجِلًا إِلَى الْمَسْجِدِ وَقَدْ انْكَسَفَتِ الشَّمْسُ، فَصَلَّى حَتَّى انْجَلَتْ، ثُمَّ قَالَ: "إِنَّ أَهْلَ الْجَاهِلِيَّةِ كَانُوا يَقُولُونَ: إِنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَا يَنْخَسِفَانِ إِلَّا لِمَوْتِ عَظِيمٍ مِنْ عُظَمَاءِ أَهْلِ الْأَرْضِ، وَإِنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَا يَنْخَسِفَانِ لِمَوْتِ أَحَدٍ وَلَا لِحَيَاتِهِ، وَلَكِنَّهُمَا خَلِيقَتَانِ مِنْ خَلْقِهِ، يُحْدِثُ اللَّهُ فِي خَلْقِهِ مَا يَشَاءُ، فَأَيُّهُمَا انْخَسَفَ فَصَلُّوا حَتَّى يَنْجَلِيَ أَوْ يُحْدِثَ اللَّهُ أَمْرًا"».
ورواه النسائي (١٤٨٧) أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، قَالَ: حَدَّثَنَا مُعَاذٌ وَهُوَ ابْنُ هِشَامٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ، عَنْ قَبِيصَةَ الْهِلَالِيِّ.
قَالَ الْحَافِظُ الْبَيْهَقِيُّ ﵀ في [سُنَنِه الْكُبْرَى] (٣/ ٣٣٣) - بعد ذكره لهذه الطريق -:
«هذا أشبه أن يكون محفوظًا» اهـ.
قُلْتُ: وفي السند انقطاع بين الحسن والنعمان. فالحسن لا يصح له سماع من النعمان بن بشير كما ذكر ذلك الْإِمَام علي بن المديني.
[ ٥ / ١١٤ ]
وهذا اختلاف شديد في الحديث وعلى كلٍ أبو قلابة لم يسمع الحديث من النعمان، ولا من قبيصة فهو منقطع على كل حال وقد سبق أن ذكرنا حديث قبيصة في شرحنا للحديث الماضي.
وذهب إلى مشروعية التكرار ابن حزم فقال في [الْمُحَلَّى] (٣/ ٣١٢):
«وَإِنْ شَاءَ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ وَيُسَلِّمُ، ثُمَّ رَكْعَتَيْنِ وَيُسَلِّمُ، هَكَذَا حَتَّى يَنْجَلِيَ الْكُسُوفُ فِي الشَّمْسِ وَالْقَمَرِ، وَالْآيَاتُ» اهـ.
٦ - أنَّها تصلى في جميع الأوقات حتى في أوقات الكراهة لعموم قوله: «فَإِذَا رَأَيْتُمْ مِنْهُمَا شَيْئًا، فَصَلُّوا».
قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كما في [مَجْمُوعِ الْفَتَاوَى] (٢٣/ ١٩١):
«وأمَّا سائر ذوات الأسباب: مثل تحية المسجد وسجود التلاوة وصلاة الكسوف ومثل ركعتي الطواف في الأوقات الثلاثة ومثل الصلاة على الجنازة في الأوقات الثلاثة. فاختلف كلامه فيها. والمشهور عنه النهي وهو اختيار كثير من أصحابه: كالخرقي والقاضي وغيرهما وهو مذهب مالك وأبي حنيفة. لكن أبو حنيفة يجوز السجود بعد الفجر والعصر لا واجب عنده. والرواية الثانية: جواز جميع ذوات الأسباب وهي اختيار أبي الخطاب وهذا مذهب الشافعي وهو الراجح في هذا» اهـ.
٧ - واحتج بقوله: «فَإِذَا رَأَيْتُمْ مِنْهُمَا شَيْئًا، فَصَلُّوا». على الصلاة في جميع الآيات.
[ ٥ / ١١٥ ]
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْمُنْذِرِ ﵀ في [الْأَوْسَطِ] (٩/ ١٩):
«وممن رأى الصلاة عند الزلزلة أحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه، وَقَالَ أحمد: يصلى عند الزلزلة جماعة ثماني ركعات في أربع سجدات كالصلاة في الكسوف، وَقَالَ أبو ثور: كسوف الشمس والقمر من الآيات فكل آية تخاف عندها صلوا حتى يكشفها الله، وفيه قول ثان وهو أن لا يصلى في زلزلة، ولا ظلمة، ولا صواعق، ولا ريح، ولا غير ذلك، إلَّا أن يصلوا منفردين، وهذا قول الشافعي، وأنكر مالك الصلاة عند الزلزلة وقال: ما أسرع الناس إلى البدع. وَقَالَ أصحاب الرأي في الصلاة في غير كسوف الشمس في الظلمة تكون، أو في الريح الشديدة: الصلاة في ذلك حسنة» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ بَطَّالٍ ﵀ في [شَرْحِ صَحِيْحِ الْبُخَارِي] (٣/ ٢٦ - ٢٧): «وهو قول أحمد، وإسحاق، وأبي ثور. وكان مالك، والشافعي، لا يريان ذلك. وَقَالَ الكوفيون: الصلاة في ذلك حسنة، يعنى في الظلمة والريح الشديدة. قال المؤلف: وقوله في هذا الحديث: "فإذا رأيتم شيئًا من ذلك"، تضم الزلازل وجميع الآيات، فهو حجة لمن رأى الصلاة عند جميعها، وحجة مالك والشافعي، قوله ﷺ: "فإذا رأيتموهما فصلوا"، يعنى الشمس والقمر المذكورين في أول الكلام وهما اللذان صلى فيهما ﷺ، ونقل ذلك من فعله» اهـ.
قُلْتُ: قوله ﷺ: «فَإِذَا رَأَيْتُمُوهُمَا، فَصَلُّوا» جاء من حديث أبي بكرة في البخاري (١٠٤٠). وجاء من حديث أبي مسعود أيضًا في البخاري (١٠٥٧).
[ ٥ / ١١٦ ]
وجاء من حديث عبد الله بن عمر في البخاري (٣٢٠١)، ومسلم (٩١٤).
قُلْتُ: وصلاة الآيات جاء بها آثار عن بعض الصحابة منهم:
عبد الله بن عباس ﵄.
فروى عبد الرزاق في [مُصَنَفِه] (٤٩٢٩) ومن طريقه ابن المنذر في [الْأَوْسَطِ] (٢٨٤٨)، والبيهقي في [الْكُبْرَى] (٦١٧٥) عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ قَتَادَةَ، وَعَاصِمٍ الْأَحْوَلِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ «أَنَّهُ صَلَّى فِي الزَّلْزَلَةِ بِالْبَصْرَةِ فَأَطَالَ الْقُنُوتَ ثُمَّ رَكَعَ، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ فَأَطَالَ الْقُنُوتَ، ثُمَّ رَكَعَ، ثُمَّ رَكَعَ، ثُمَّ سَجَدَ، ثُمَّ صَلَّى الثَّانِيَةَ كَذَلِكَ، فَصَارَتْ صَلَاتُهُ ثَلَاثَ رَكَعَاتٍ وَأَرْبَعَ سَجَدَاتٍ، وَقَالَ: هَكَذَا صَلَاةُ الْآيَاتِ».
ولفظ ابن المنذر: «أَنَّهُ صَلَّى فِي الزَّلْزَلَةِ بِالْبَصْرَةِ، فَأَطَالَ الْقُنُوتَ ثُمَّ رَكَعَ، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ، فَأَطَالَ الْقُنُوتَ، ثُمَّ رَكَعَ، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ فَأَطَالَ الْقُنُوتَ، ثُمَّ رَكَعَ، ثُمَّ سَجَدَ، ثُمَّ صَلَّى الثَّانِيَةَ كَذَلِكَ، فَصَارَتْ صَلَاتُهُ ثَلَاثَ رَكَعَاتٍ وَأَرْبَعَ سَجَدَاتٍ، وَقَالَ: هَكَذَا صَلَاةُ الْآيَاتِ».
قُلْتُ: هَذَا إِسْنَادٌ صَحِيْحٌ.
وروى عبد الرزاق في [مُصَنَفِه] (٤٩٣١)، ومن طريقه ابن المنذر في [الْأَوْسَطِ] (٢٨٥٣) عَنِ الثَّوْرِيِّ، عَنْ خَالِدٍ الْحَذَّاءِ، أَوْ عَاصِمٍ الْأَحْوَلِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ «أَنَّهُ صَلَّى فِي الزَّلْزَلَةِ بِالْبَصْرَةِ - فَاتَّفَقَا عَلَى أَنَّهُ رَكَعَ فِي رَكْعَتَيْنِ سِتَّ رَكَعَاتٍ، ثَلَاثٌ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ "، وَاخْتَلَفَا - فَقَالَ عَاصِمٌ: قَرَأَ مَا بَيْنِ كُلِّ رَكْعَتَيْنِ، وَقَالَ خَالِدٌ: قَرَأَ فِي الْأُولَى مِنْ كُلِّ رَكْعَةٍ مِنْهَا ثُمَّ عَادَ بَعْدُ».
[ ٥ / ١١٧ ]
ورواه ابن المنذر في [الْأَوْسَطِ] (٢٨٤٩) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، قَالَ: ثنا مَرْوَانُ، قَالَ: ثنا عَاصِمٌ الْأَحْوَلُ به.
وجاء عن علي بن أبي طالب ﵁.
فروى الشافعي في [الْأُم] (٧/ ١٦٨)، والبيهقي في [سُنَنِه الْكُبْرَى] (٦١٧٤)، وفي [الْمَعْرِفَة] (٢٠٥٢) أَخْبَرَنَا عَبَّادٌ عَنْ عَاصِمٍ الْأَحْوَلِ عَنْ قَزْعَةَ عَنْ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - «أَنَّهُ صَلَّى فِي زَلْزَلَةٍ سِتَّ رَكَعَاتٍ فِي أَرْبَعِ سَجَدَاتٍ خَمْسَ رَكَعَاتٍ وَسَجْدَتَيْنِ فِي رَكْعَةٍ وَرَكْعَةٍ وَسَجْدَتَيْنِ فِي رَكْعَةٍ».
قال الشافعي: ولو ثبت هذا الحديث عندنا عن علي ﵁ لقلنا به. قال البيهقي ﵀ هو عن ابن عباس ثابت اهـ.
قُلْتُ: رواية البيهقي فيها: «قال الشافعي فيما بلغه عن عباد». وليس فيه سماع الشافعي من عباد وهو عباد بن عباد بن حبيب بن المهلب، وهذا خلاف ما في "الْأُم".
وهذا الذي يظهر لي فلم يذكر في ترجمة الشافعي أنَّه سمع من عباد، ولا في ترجمة عباد أنَّه ممن سمع منه الْإِمَام الشافعي. وقزعة هو ابن يحيى. فالذي يظهر لي عدم ثبوت هذا الأثر. والله أعلم.
وجاء عن عبد الله بن مسعود ﵁.
فروى ابن المنذر في [الْأَوْسَطِ] (٢٨٥١)، والبيهقي في [الْكُبْرَى] (٦١٧٣) مِنْ طَرِيْقِ سُفْيَانَ، عَنْ حَبِيبِ بْنِ حَسَّانَ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنْ عَلْقَمَةَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ، قَالَ: «إِذَا سَمِعْتُمْ هَذَا مِنَ السَّمَاءِ فَافْزَعُوا إِلَى الصَّلَاةِ».
قُلْتُ: ولا يثبت هذا فحبيب بن حسان متروك الحديث.
[ ٥ / ١١٨ ]
وجاء عن حذيفة بن اليمان بإسناد منقطع.
فروى عبد الرزاق في [مُصَنَفِه] (٤٩٣٠) عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ قَتَادَةَ قَالَ: «صَلَّى حُذَيْفَةُ بِالْمَدَائِنِ بِأَصْحَابِهِ مِثْلَ صَلَاةِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي الْآيَاتِ».
قُلْتُ: هَذَا إِسْنَادٌ مُنْقَطِعٌ بين قتادة وحذيفة.
وقد ذهب إلى الصلاة في الزلزلة ونحوها شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ فقد قال ﵀ كما في [الْاخْتِيَارَاتِ الْفِقْهِيَّةِ] ص (٤٤٢):
«وتصلى صلاة الكسوف لكل آية كالزلزلة وغيرها وهو قول أبي حنيفة ورواية عن أحمد وقول محققي أصحابنا وغيرهم» اهـ.
قُلْتُ: الذي يظهر لي أنَّه لا يصلى لغير الكسوف لعدم ثبوت ذلك عن رسول الله ﷺ ولأنَّ الزلزلة قد حصلت في عهد عمر بن الخطاب ﵁ ولم يصل لها.
فروى ابن أبي شيبة في [الْمُصَنَّفِ] (٨٤٢١)، والبيهقي في [الْكُبْرَى] (٦١٧٠) مِنْ طَرِيْقِ نَافِعٍ، عَنْ صَفِيَّةَ بِنْتِ أَبِي عُبَيْدٍ قَالَتْ: «زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ عَلَى عَهْدِ عُمَرَ حَتَّى اصْطَفَقَتِ السُّرُرُ، وَابْنُ عُمَرَ يُصَلِّي فَلَمْ يَدْرِ بِهَا، وَلَمْ يُوَافِقْ أَحَدًا يُصَلِّي، فَدَرَى بِهَا، فَخَطَبَ عُمَرُ النَّاسَ، فَقَالَ: " أَحْدَثْتُمْ، لَقَدْ عَجِلْتُمْ، قَالَتْ: وَلَا أَعْلَمُهُ إِلَّا قَالَ: " لَئِنْ عَادَتْ لَأَخْرُجَنَّ مِنْ بَيْنِ ظَهْرَانَيْكُمْ"».
قُلْتُ: وهَذَا أَثَرٌ صَحِيْحٌ. وصفية هذه هي زوج عبد الله بن عمر اختلف في إدراكها للنبي ﷺ، والصحيح أنَّه لم يثبت إدراكها، وهي وإن لم يوثقها معتبر فقد احتج بها مسلم في "صَحِيْحِهِ". والله أعلم.
[ ٥ / ١١٩ ]
٨ - واحتج بالْأمر في هذا الحديث وغيره من أوجب صلاة الكسوف وممن ذهب إلى وجوبها أبو عوانة فقد قال في [مُسْتَخْرَجِهِ] (٣/ ٤٦) مبوبًا على هذا الحديث: «بيان وجوب صلاة الكسوف» اهـ.
وَقَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٢/ ٥٢٧):
«قوله: "باب الصلاة في كسوف الشمس" أي مشروعيتها وهو أمر متفق عليه لكن اختلف في الحكم وفي الصفة فالجمهور على أنَّها سنة مؤكدة وصرح أبو عوانة في صَحِيْحِهِ بوجوبها ولم أره لغيره إلَّا ما حكي عن مالك أنَّه أجراها مجرى الجمعة ونقل الزين بن المنير عن أبي حنيفة أنَّه أوجبها وكذا نقل بعض مصنفي الحنفية أنَّها واجبة» اهـ.
وَقَالَ العلامة الشوكاني ﵀ في [الْسَّيْلِ الْجَرَّارِ] (١/ ١٩٧):
«والظاهر الوجوب فإن صح ما قيل من الإجماع على عدم الوجوب كان صارفًا وإلَّا فلا» اهـ.
قُلْتُ: وأكثر العلماء على استحبابها. وقد جاء الْأمر بالصلاة مقرونًا بالْأمر بالتكبير، والْدُعَاء، والصدقة كما في حديث عائشة الآتي ولا قائل بوجوب ذلك.
٩ - ويدل أنَّ صلاة الكسوف لا تشرع بعد الانكشاف، فإذا حصل الانكشاف وهم في الصلاة أتموها على وجه التخفيف مع مراعاة صفتها التي جاءت بها السنة.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ في [الْمُغْنِي] (٤/ ٣١٨):
«وإن انجلت وهو في الصلاة أتمها، وخففها.
[ ٥ / ١٢٠ ]
وإن استترت الشمس والقمر بالسحاب، وهما منكسفان، صلى؛ لأنَّ الأصل بقاء الكسوف.
وإن غابت الشمس كاسفة، أو طلعت على القمر وهو خاسف، لم يصل؛ لأنَّه قد ذهب وقت الانتفاع بنورهما.
وإن غاب القمر ليلًا، فقال القاضي: يصلي؛ لأنَّه لم يذهب وقت الانتفاع بنوره وضوئه.
ويحتمل أن لا يصلي؛ لأنَّ ما يصلي له قد غاب، أشبه ما لو غابت الشمس.
وإن فرغ من الصلاة والكسوف قائم لم يزد، واشتغل بالذكر والْدُعَاء؛ لأَنَّ الْنَّبِيَّ ﷺ لم يزد على ركعتين» اهـ.
١٠ - وقوله: «فَإِذَا رَأَيْتُمْ مِنْهُمَا شَيْئًا، فَصَلُّوا». دليل على عدم الاعتماد على أخبار الفلكين في الكسوف بل لا بد من رؤية.
١١ - وقوله: «فَإِذَا رَأَيْتُمْ مِنْهُمَا شَيْئًا، فَصَلُّوا». يدل على أنَّه إذا لم ير ذلك في بلد فلا يستحب لهم أن يصلوا الكسوف وإن رؤي ذلك في بلد آخر.
فإن قيل: لما لا تجعل الرؤية في ذلك كرؤية الهلال بحيث أنَّه إذا رؤي في بلد لزم سائر البلدان الصوم بهذه الرؤية؟
أقول: الفرق بينَّهما أنَّ رؤية الهلال المراد بها اثبات دخول الشهر فيستوي فيه جميع الناس، وأمَّا الكسوف ففيه تخويف الناس كما روى البخاري (١٠٥٩)، ومسلم (٩١٢) عَنْ أَبِي مُوسَى، قَالَ: خَسَفَتِ الشَّمْسُ، فَقَامَ النَّبِيُّ ﷺ فَزِعًا، يَخْشَى أَنْ تَكُونَ السَّاعَةُ، فَأَتَى المَسْجِدَ، فَصَلَّى بِأَطْوَلِ قِيَامٍ وَرُكُوعٍ
[ ٥ / ١٢١ ]
وَسُجُودٍ رَأَيْتُهُ قَطُّ يَفْعَلُهُ، وَقَالَ: «هَذِهِ الآيَاتُ الَّتِي يُرْسِلُ اللَّهُ، لَا تَكُونُ لِمَوْتِ أَحَدٍ وَلَا لِحَيَاتِهِ، وَلَكِنْ يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِ عِبَادَهُ، فَإِذَا رَأَيْتُمْ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ، فَافْزَعُوا إِلَى ذِكْرِهِ وَدُعَائِهِ وَاسْتِغْفَارِهِ».
وجاء عن أبي بكرة في البخاري (١٠٤٨).
وروى مسلم بنحوه أيضًا عن عائشة (٩٠١)، وعن أبي مسعود الأنصاري (٩١١).
قُلْتُ: والتخويف لا يحصل إلَّا لمن شاهد ذلك.
وهكذا فإنَّ الْنَّبِيَّ ﷺ مد الصلاة حتى ينجلي الكسوف فروى البخاري (١٠٦٠)، ومسلم (٩١٥) عَنِ المُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ، قَالَ: انْكَسَفَتِ الشَّمْسُ يَوْمَ مَاتَ إِبْرَاهِيمُ، فَقَالَ النَّاسُ: انْكَسَفَتْ لِمَوْتِ إِبْرَاهِيمَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إِنَّ الشَّمْسَ وَالقَمَرَ آيَتَانِ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ، لَا يَنْكَسِفَانِ لِمَوْتِ أَحَدٍ وَلَا لِحَيَاتِهِ، فَإِذَا رَأَيْتُمُوهُمَا، فَادْعُوا اللَّهَ وَصَلُّوا حَتَّى يَنْجَلِيَ».
قُلْتُ: وهذا يدل على أنَّ صلاة الكسوف شرعت في حق من حصل له كسوف فإنَّ هذا هو الذي يصلي حتى ينكشف الكسوف.
وهذه المسألة لا أعلم فيها كلامًا للمتقدمين، وذلك أنَّها غير واردة في أزمانهم فإنَّ الخبر من الْأماكن البعيدة لا يصل حتى يزول الكسوف، وإنَّما خاضوا في هلال رمضان وذلك لامتداد الشهر فقد يأتي الخبر برؤيته من في البلاد البعيدة قبل انقضاء الشهر.
وقد خاض في هذه المسألة أهل العلم المعاصرين فقد قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ بَازٍ ﵀ كَمَا فِي [مَجْمُوعِ الْفَتَاوَى] (١٣/ ٣١): «ويعلم أيضًا أنَّه لا يشرع لأهل بلد
[ ٥ / ١٢٢ ]
لم يقع عندهم الكسوف أن يصلوا؛ لأنَّ الرسول ﷺ علق الْأمر بالصلاة، وما ذكر معها برؤية الكسوف لا بالخبر من أهل الحساب بأنَّه سيقع، ولا بوقوعه في بلد آخر» اهـ.
١٢ - وقوله: «فَإِذَا رَأَيْتُمْ مِنْهُمَا شَيْئًا، فَصَلُّوا». فيه أنَّه إذا لم ير الكسوف لحائل كالغمام فإنَّه لا يصلى للكسوف.
قَالَ الْرَّافِعِي ﵀ فِي [الشَّرْحُ الْكَبِيْرِ] (٥/ ٧٩)
«لو كانت تحت الغمام فظن الكسوف لم يصل حتى يستيقن» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ فِي [الْمَجْمُوْعِ] (٥/ ٥٤):
«ولو كانت الشمس تحت غمام وشك هل كسفت لم يصل بلا خلاف لأنَّ الأصل عدم الكسوف» اهـ.
وَقَالَ ﵀ في [رَوْضَةِ الْطَالِبِيْنَ] (٢/ ٨٦):
«ولو كانت الشمس تحت غمام فظن الكسوف لم يصل حتى يستيقن» اهـ.
وجاء في [مَجْمُوْعِ فَتَاوِى وَرَسَائِل ابْنِ عُثَيْمِيْن] (١٦/ ١٨٦):
«سئل فضيلة الشيخ - رَحِمَهُ اللهُ تعالى -: ما الحكم لو كانت الشمس عليها غمام ونشر في الصحف قبل ذلك بأنَّه سوف يحصل كسوف بإذن الله تعالى في ساعة كذا وكذا فهل تصلى صلاة الكسوف ولو لم ير؟
فأجاب فضيلته بقوله: لا يجوز أن يصلي اعتمادًا على ما ينشر في الجرائد، أو يذكر بعض الفلكيين، إذا كانت السماء غيمًا ولم ير الكسوف؛ لأنَّ الْنَّبِيَّ ﷺ علق الحكم بالرؤية، فقال ﵊: «فإذا رأيتموهما فافزعوا
[ ٥ / ١٢٣ ]
إلى الصلاة»، ومن الجائز أنَّ الله تعالى يخفي هذا الكسوف عن قوم دون آخرين لحكمة يريدها» اهـ.
* * *
[ ٥ / ١٢٤ ]
١٤٥ - عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: «خَسَفَتِ الشَّمْسُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ. فَصَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالنَّاسِ. فَأَطَالَ الْقِيَامَ، ثُمَّ رَكَعَ، فَأَطَالَ الرُّكُوعَ، ثُمَّ قَامَ، فَأَطَالَ الْقِيَامَ - وَهُوَ دُونَ الْقِيَامِ الأَوَّلِ - ثُمَّ رَكَعَ، فَأَطَالَ الرُّكُوعَ - وَهُوَ دُونَ الرُّكُوعِ الأَوَّلِ - ثُمَّ سَجَدَ، فَأَطَالَ السُّجُودَ، ثُمَّ فَعَلَ فِي الرَّكْعَةِ الأُخْرَى مِثْلَ مَا فَعَلَ فِي الرَّكْعَةِ الأُولَى، ثُمَّ انْصَرَفَ، وَقَدْ تَجَلَّتْ الشَّمْسُ، فَخَطَبَ النَّاسَ، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: "إنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ آيَتَانِ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ، لا يَخْسِفَانِ لِمَوْتِ أَحَدٍ وَلا لِحَيَاتِهِ، فَإِذَا رَأَيْتُمْ ذَلِكَ فَادْعُوا اللَّهَ وَكَبِّرُوا، وَصَلُّوا وَتَصَدَّقُوا"، ثُمَّ قَالَ: "يَا أُمَّةَ مُحَمَّدٍ، وَاَللَّهِ مَا مِنْ أَحَدٍ أَغْيَرُ مِنْ اللَّهِ أَنْ يَزْنِيَ عَبْدُهُ، أَوْ تَزْنِيَ أَمَتُهُ، يَا أُمَّةَ مُحَمَّدٍ، وَاَللَّهِ لَوْ تَعْلَمُونَ مَا أَعْلَمُ لَضَحِكْتُمْ قَلِيلًا وَلَبَكَيْتُمْ كَثِيرًا"».
وَفِي لَفْظٍ: «فَاسْتَكْمَلَ أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ وَأَرْبَعَ سَجَدَاتٍ».
وفي الحديث مسائل منها:
١ - أنَّ في كل ركعة من ركعتي صلاة الكسوف قيامين، وركوعين، وسجودين.
قُلْتُ: ويقرأ في كل قيام الفاتحة وسورة كالشأن في سائر الصلوات، وهكذا إذا رفع رأسه من الركوع يأتي الْإِمَام بالتسميع والتحميد إن كان إمامًا أو منفردًا، ويكتفي المؤتم بالتحميد كسائر الصلوات، وهذا الذي ذكره علماء المذاهب في مصنفاتهم. والله أعلم.
[ ٥ / ١٢٥ ]
وذهب بعض المالكية إلى عدم قراءة الفاتحة في القيام الثاني.
والصحيح مذهب الجمهور وذلك أنَّ السنة دلت على القراءة في القيام الثاني، وأولى ما تقرأ هي الفاتحة فإنَّ الفاتحة أوكد ما يقرأ في الصلاة.
وقد جاء في بعض ألفاظ حديث عَائِشَةَ ﵂ في البخاري (١٠٦٥) أنَّها قالت:
«جَهَرَ النَّبِيُّ ﷺ فِي صَلَاةِ الخُسُوفِ بِقِرَاءَتِهِ، فَإِذَا فَرَغَ مِنْ قِرَاءَتِهِ كَبَّرَ، فَرَكَعَ وَإِذَا رَفَعَ مِنَ الرَّكْعَةِ قَالَ: سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، رَبَّنَا وَلَكَ الحَمْدُ، ثُمَّ يُعَاوِدُ القِرَاءَةَ فِي صَلَاةِ الكُسُوفِ أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ فِي رَكْعَتَيْنِ وَأَرْبَعَ سَجَدَاتٍ».
وروى مسلم (٩٠١) حَدَّثَنِي حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنِي ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ، ح وحَدَّثَنِي أَبُو الطَّاهِرِ، وَمُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ الْمُرَادِيُّ، قَالَا: حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، عَنْ يُونُسَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ، عَنْ عَائِشَةَ، زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ، قَالَتْ: خَسَفَتِ الشَّمْسُ فِي حَيَاةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ، فَخَرَجَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِلَى الْمَسْجِدِ، فَقَامَ وَكَبَّرَ، وَصَفَّ النَّاسُ وَرَاءَهُ، فَاقْتَرَأَ رَسُولُ اللهِ ﷺ قِرَاءَةً طَوِيلَةً، ثُمَّ كَبَّرَ فَرَكَعَ رُكُوعًا طَوِيلًا، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ، فَقَالَ: «سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ»، ثُمَّ قَامَ، فَاقْتَرَأَ قِرَاءَةً طَوِيلَةً هِيَ أَدْنَى مِنَ الْقِرَاءَةِ الْأُولَى، ثُمَّ كَبَّرَ، فَرَكَعَ رُكُوعًا طَوِيلًا هُوَ أَدْنَى مِنَ الرُّكُوعِ الْأَوَّلِ، ثُمَّ قَالَ: «سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ»، ثُمَّ سَجَدَ - وَلَمْ يَذْكُرْ أَبُو الطَّاهِرِ: ثُمَّ سَجَدَ - ثُمَّ فَعَلَ فِي الرَّكْعَةِ الْأُخْرَى مِثْلَ ذَلِكَ، حَتَّى اسْتَكْمَلَ أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ، وَأَرْبَعَ سَجَدَاتٍ، وَانْجَلَتِ الشَّمْسُ قَبْلَ أَنْ يَنْصَرِفَ، ثُمَّ قَامَ فَخَطَبَ النَّاسَ، فَأَثْنَى عَلَى اللهِ بِمَا هُوَ أَهْلُهُ، ثُمَّ قَالَ: «إِنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ
[ ٥ / ١٢٦ ]
آيَتَانِ مِنْ آيَاتِ اللهِ، لَا يَخْسِفَانِ لِمَوْتِ أَحَدٍ، وَلَا لِحَيَاتِهِ، فَإِذَا رَأَيْتُمُوهَا فَافْزَعُوا لِلصَّلَاةِ»، وَقَالَ أَيْضًا: «فَصَلُّوا حَتَّى يُفَرِّجَ اللهُ عَنْكُمْ»، وَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «رَأَيْتُ فِي مَقَامِي هَذَا كُلَّ شَيْءٍ وُعِدْتُمْ، حَتَّى لَقَدْ رَأَيْتُنِي أُرِيدُ أَنْ آخُذَ قِطْفًا مِنَ الْجَنَّةِ حِينَ رَأَيْتُمُونِي جَعَلْتُ أُقَدِّمُ - وقَالَ الْمُرَادِيُّ: أَتَقَدَّمُ - وَلَقَدْ رَأَيْتُ جَهَنَّمَ يَحْطِمُ بَعْضُهَا بَعْضًا، حِينَ رَأَيْتُمُونِي تَأَخَّرْتُ، وَرَأَيْتُ فِيهَا ابْنَ لُحَيٍّ، وَهُوَ الَّذِي سَيَّبَ السَّوَائِبَ». وَانْتَهَى حَدِيثُ أَبِي الطَّاهِرِ عِنْدَ قَوْلِهِ: «فَافْزَعُوا لِلصَّلَاةِ»، وَلَمْ يَذْكُرْ مَا بَعْدَهُ.
٢ - وفيه استحباب تطويل القيام والركوع والسجود في صلاة الكسوف، وأن يكون القيام الأول أطول من القيام الثاني، والركوع الأول أطول من الركوع الثاني، والسجود الأول أطول من السجود الثاني.
قُلْتُ: وقد روى البخاري (٥١٩٧) عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّهُ قَالَ: «خَسَفَتِ الشَّمْسُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَصَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَالنَّاسُ مَعَهُ، فَقَامَ قِيَامًا طَوِيلًا نَحْوًا مِنْ سُورَةِ البَقَرَةِ …».
٣ - وليس في الحديث ذكر الرفع من الركوع الثاني، وقد جاء ذلك في بعض ألفاظ الحديث فروى البخاري (١٠٥٠، ١٠٥٦)، ومسلم (٩٠٣) عنها أنَّها قالت: «ثُمَّ رَكَعَ رُكُوعًا طَوِيلًا، ثُمَّ رَفَعَ، فَقَامَ قِيَامًا طَوِيلًا وَهُوَ دُونَ القِيَامِ الأَوَّلِ».
وجاء أيضًا في حديث ابن عباس في البخاري (١٠٥٢)، ومسلم (٩٠٧).
٤ - وفيه استحباب خطبة الكسوف.
[ ٥ / ١٢٧ ]
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ في [الْمَجْمُوْع] (٥/ ٥٣):
«قد ذكرنا أنَّ مذهبنا استحباب خطبتين بعد صلاة الكسوف وبه قال جمهور السلف ونقله ابن المنذر عن الجمهور. وَقَالَ مالك وأبو حنيفة وأبو يوسف وأحمد في رواية لا تشرع لها الخطبة» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٢/ ٣١٥)
«فَصْلٌ: وَلَمْ يَبْلُغْنَا عَنْ أَحْمَدَ، ﵀ أَنَّ لَهَا خُطْبَةً، وَأَصْحَابُنَا عَلَى أَنَّهَا لَا خُطْبَةَ لَهَا. وَهَذَا مَذْهَبُ مَالِكٍ، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: يُخْطَبُ كَخُطْبَتَيْ الْجُمُعَةِ» اهـ.
قُلْتُ: واستحباب ذلك هو الصحيح من أقوال أهل العلم، وأمَّا من قال: إنَّ الْنَّبِيَّ ﷺ لم يكن قاصدًا للخطبة وإنَّما أراد إنكار ما بلغه من قول من قال: إنَّ الشمس انكسفت لموت إبراهيم فليس هذا بظاهر فإنَّ الْنَّبِيَّ ﷺ ذكر أشياء متعددة في خطبته ولم يقتصر على ذكر هذه القضية. والله أعلم.
٥ - وفيه استحباب التكبير والْدُعَاء والصدقة عند الكسوف.
٦ - وفيه أنَّ التكبير والْدُعَاء والصدقة عند الكسوف مما تكشف به النقم، ويرفع بها العذاب.
٧ - إثبات صفة الغيرة لله ﷿ على ما يليق به ﷾.
قُلْتُ: وقد أبى إثبات ذلك المعطلة وقالوا: الغيرة مشتقة من تغير حال الغيران لما رآه من قبيح فعل، والله تعالى يتقدس عن تغير ذاته وصفاته، وغيرته ما غيره من حال العاصي كان بانتقامه منه وأخذه له، ومعاقبته في الدنيا والآخرة.
[ ٥ / ١٢٨ ]
ومنهم من قال: إنَّه مؤول على أن يريد شدة المنع والحماية من الشيء لأنَّ الغائر على الشيء مانع له وحام منه فالمنع والحماية من لوازم الغيرة فأطلق لفظ الغيرة عليهما من مجاز الملازمة.
قُلْتُ: وهذا من تحريف الكلم عن مواضعه.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ في [الصَّوَاعِقِ الْمُرْسَلَةِ] (٤/ ١٤٩٧ - ١٤٩٨):
«فإنَّ الغيرة تتضمن البغض والكراهة فأخبر أنَّه لا أحد أغير منه وأنَّ من غيرته حرم الفواحش ولا أحد أحب إليه المدحة منه. والغيرة عند المعطلة النفاة من الكيفيات النفسية كالحياء والفرح والغضب والسخط والمقت والكراهية فيستحيل وصفه عندهم بذلك ومعلوم أنَّ هذه الصفات من صفات الكمال المحمودة عقلًا وشرعًا وعرفًا وفطرة وأضدادها مذمومة عقلًا وشرعًا وعرفًا وفطرة فإنَّ الذي لا يغار بل تستوي عنده الفاحشة وتركها مذموم غاية الذم مستحق للذم القبيح وهؤلاء المعطلة النفاة لحقيقة محبته ورضاه وغضبه عندهم الْأمران سواء بالنسبة إليه وأنَّ ما وجد من ذلك فهو يحبه ويرضاه وما لم يوجد من طاعاته وامتثال أوامره فهو يبغضه ويسخطه بناء على أصلهم الفاسد أنَّ المحبة هي عين الإرادة والمشيئة فكل ما شاءه فقد أحبه ورضيه وإذا جاء هؤلاء إلى النصوص الدالة على أنَّه لا يرضى بها ولا يحبها ولا يريدها أولوها بمعنى أنَّه لا يشرعها ولا يأمر بها ولا يحبها ولا يرضاها دينًا» اهـ.
[ ٥ / ١٢٩ ]
٨ - وفيه عظيم ذنب الزنا ولذا خصه النبي ﷺ بالذكر. وهو يدل على أنَّه من أسباب حصول الكسوف.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ في [الْجَوَابِ الْكَافِي] (١٦٣):
«وفي ذكر هذه الْكَبِيْرة بخصوصها عقب صلاة الكسوف سر بديع لمن تأمله، وظهور الزنا من أمارات خراب العالم، وهو من أشراط الساعة، كما في الصحيحين عن أنس بن مالك أنَّه قال: لأحدثنكم حديثًا لا يحدثكموه أحد بعدي، سمعته من النبي ﷺ يقول: "من أشراط الساعة أن يرفع العلم ويظهر الجهل ويشرب الخمر ويظهر الزنا ويقل الرجال وتكثر النساء، حتى يكون لخمسين امرأة القيم الواحد".
وقد جرت سنة الله سبحانه في خلقه أنَّه عند ظهور الزنا يغضب الله ﷾ ويشتد غضبه، فلا بد أن يؤثر غضبه في الأرض عقوبة» اهـ.
٩ - وفيه جواز الحلف في توكيد الخبر الصادق.
١٠ - وفيه بيان لسعة علم النبي ﷺ الذي مَنَّ الله به عليه.
١١ - وفيه بيان لعظيم ما في اليوم الآخر من الأهوال.
١٢ - وفيه تغليب جانب الخوف عند تحذير الناس من الشر.
١٣ - وفيه رد على الحنفية في قولهم إنَّ صلاة الكسوف كسائر الصلوات.
١٤ - وفيه رد على ما ذهب إليه الْإِمَام الشافعي ﵀ من عدم استحبابه لتطويل السجود في صلاة الكسوف.
فائدة: في المسبوق إذا أدرك الركوع الثاني من الركعة الأولى أو الثانية هل يحصل بذلك إدراك الركعة.
[ ٥ / ١٣٠ ]
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ في [الْمَجْمُوْع] (٥/ ٦١):
«"الرَّابِعَةُ" الْمَسْبُوقُ إذَا أَدْرَكَ الْإِمَامَ فِي الرُّكُوعِ الْأَوَّلِ مِنْ الركعة الأولي فقد أدرك كُلَّهَا وَيُسَلِّمُ مَعَ الْإِمَامِ كَسَائِرِ الصَّلَوَاتِ وَإِنْ أَدْرَكَهُ فِي الرُّكُوعِ الْأَوَّلِ مِنْ الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ فَقَدْ أَدْرَكَ الرَّكْعَةَ فَإِذَا سَلَّمَ الْإِمَامُ قَامَ فَصَلَّى رَكْعَةً أُخْرَى بِرُكُوعَيْنِ وَقِيَامَيْنِ كَمَا يَأْتِي بِهَا الْإِمَامُ وَهَذَا لَا خِلَافَ فِيهِ.
وَلَوْ أَدْرَكَهُ فِي الرُّكُوعِ الثَّانِي مِنْ إحْدَى الرَّكْعَتَيْنِ فَالْمَذْهَبُ الصَّحِيحُ الَّذِي نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ فِي الْبُوَيْطِيِّ وَاتَّفَقَ الْأَصْحَابُ عَلَى تَصْحِيحِهِ وَقَطَعَ بِهِ كَثِيرُونَ مِنْهُمْ أَوْ أَكْثَرُهُمْ أَنَّهُ لَا يَكُونُ مدركًا لشيء مِنْ الرَّكْعَةِ كَمَا لَوْ أَدْرَكَ الِاعْتِدَالَ فِي سَائِرِ الصَّلَوَاتِ، وَحَكَى صَاحِبُ التَّقْرِيبِ وَجَمَاعَةٌ مِنْ الْخُرَاسَانِيِّينَ عَنْهُ قَوْلًا آخَرَ أَنَّهُ يَكُونُ مُدْرِكًا لِلْقَوْمَةِ الَّتِي قَبْلَهُ فَعَلَى هَذَا إذَا أَدْرَكَ الرُّكُوعَ الثَّانِي مِنْ الْأُولَى قَامَ بَعْدَ سَلَامِ الْإِمَامِ وَرَكَعَ وَاعْتَدَلَ وَجَلَسَ وَتَشَهَّدَ وَسَلَّمَ وَلَا يَسْجُدُ لِأَنَّ إدْرَاكَ الرُّكُوعِ إذَا حَصَلَ بِهِ الْقِيَامُ الَّذِي قَبْلَهُ كَانَ حُصُولُ السُّجُودِ الَّذِي بَعْدَهُ أَوْلَى وَعَلَى الْمَذْهَبِ لَوْ أَدْرَكَهُ فِي القيام الثاني لا يكون مدركًا لشيء مِنْ الرَّكْعَةِ أَيْضًا» اهـ.
وَقالَ الْحَافِظُ ابْنُ عَبْدِ البَّرِ ﵀ فِي [الْكَافِي] (١/ ٢٦٧ - ٢٦٨):
«ومن أدرك الركوع الثاني من الركعة الأولى فقد أدرك الصلاة كلها ولا يقضي شيئًا منها: وإن فاتته الركعة الأولى، والركوع الأول من الثانية قضى ركعة واحدة لا غير فيها ركوعان وقراءتان لأنَّه قد أدرك الركعة الثانية بإدراك الركوع الثاني ومن لم يدرك الركوع الثاني من كل ركعة من صلاة الكسوف فقد فاتته الركعة» اهـ.
[ ٥ / ١٣١ ]
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ في [الْمُغْنِي] (٢/ ٣١٧)
«فَصْلٌ: إذَا أَدْرَكَ الْمَأْمُومُ الْإِمَامَ فِي الرُّكُوعِ الثَّانِي، احْتَمَلَ أَنْ تَفُوتَهُ الرَّكْعَةُ. قَالَ الْقَاضِي: لِأَنَّهُ قَدْ فَاتَهُ مِنْ الرَّكْعَةِ رُكُوعٌ، أَشْبَهَ مَا لَوْ فَاتَهُ الرُّكُوعُ مِنْ غَيْرِ هَذِهِ الصَّلَاةِ. وَيَحْتَمِلُ أَنَّ صَلَاتَهُ تَصِحُّ؛ لِأَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يُصَلِّيَ هَذِهِ الصَّلَاةَ بِرُكُوعٍ وَاحِدٍ، فَاجْتُزِئَ بِهِ فِي حَقِّ الْمَسْبُوقِ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ» اهـ.
قُلْتُ: الأظهر أنَّ الإدراك يكون بإدراك الركوع الأول من كل ركعة كالشأن في سائر الصلوات. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
* * *
[ ٥ / ١٣٢ ]
١٤٦ - عَنْ أَبِي مُوسَى الأَشْعَرِيِّ ﵁ قَالَ: «خَسَفَتِ الشَّمْسُ عَلَى زَمَأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقَامَ فَزِعًا، وَيَخْشَى أَنْ تَكُونَ السَّاعَةُ، حَتَّى أَتَى الْمَسْجِدَ. فَقَامَ، فَصَلَّى بِأَطْوَلِ قِيَامٍ وَسُجُودٍ، مَا رَأَيْتُهُ يَفْعَلُهُ فِي صَلاتِهِ قَطُّ، ثُمَّ قَالَ: "إنَّ هَذِهِ الآيَاتِ الَّتِي يُرْسِلُهَا اللَّهُ ﷿: لا تَكُونُ لِمَوْتِ أَحَدٍ وَلا لِحَيَاتِهِ. وَلَكِنَّ اللَّهَ يُرْسِلُهَا يُخَوِّفُ بِهَا عِبَادَهُ، فَإِذَا رَأَيْتُمْ مِنْهَا شَيْئًا فَافْزَعُوا إلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَدُعَائِهِ وَاسْتِغْفَارِهِ"».
وفي الحديث مسائل منها:
١ - أنَّ الخسوف من علامات الساعة.
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ في [شَرْحِ مُسْلِمٍ] (٣/ ٣٢٢):
«هذا قد يستشكل من حيث أنَّ الساعة لها مقدمات كثيرة لا بد من وقوعها ولم تكن وقعت كطلوع الشمس من مغربها، وخروج الدابة والنار والدجال، وقتال الترك وأشياء أخر لا بد من وقوعها قبل الساعة كفتوح الشام والعراق ومصر وغيرهما وإنفاق كنوز كسرى في سبيل الله تعالى، وقتال الخوارج، وغير ذلك من الْأُمور المشهورة في الأحاديث الصحيحة ويجاب عنه بأجوبة أحدها: لعل هذا الكسوف كان قبل إعلام النبي ﷺ بهذه الْأُمور.
الثاني: لعله خشي أن تكون بعض مقدماتها.
الثالث: أنَّ الراوي ظن أّنَّ الْنَّبِيَّ ﷺ يخشى أن تكون الساعة وليس يلزم من ظنه أن يكون النبي ﷺ خشي ذلك حقيقة بل
[ ٥ / ١٣٣ ]
خرج النبي ﷺ مستعجلًا مهتمًا بالصلاة وغيرها من أمر الكسوف، مبادرًا إلى ذلك، وربما خاف أن يكون نوع عقوبة كما كان ﷺ عند هبوب الريح تعرف الكراهة في وجهه، ويخاف أن يكون عذابًا كما سبق في آخر كتاب الاستسقاء، فظن الراوي خلاف ذلك ولا اعتبار بظنه» اهـ.
٢ - وفيه أنَّ صلاة الكسوف تصلى جماعة في المسجد.
٣ - وفيه استحباب إطالة صلاة الكسوف.
٤ - وفيه شدة مراقبة النبي ﷺ لربه.
٥ - استحباب الذكر والاستغفار عند الكسوف.
قُلْتُ: وأكثر هذه المسائل قد مرت فيما مضى.
فائدة/ ويستحب الجهر في كسوف الشمس والقمر لما رواه البخاري (١٠٦٥)، ومسلم (٩٠١) عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: «جَهَرَ النَّبِيُّ ﷺ فِي صَلَاةِ الخُسُوفِ بِقِرَاءَتِهِ …».
قُلْتُ: ورواه البيهقي في [الْكُبْرَى] (٢٠١٧) مِنْ طَرِيْقِ الإسماعيلي وفيه بيان أن ذلك كان في صلاة كسوف الشمس.
قَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٢/ ٥٥٠):
«وَقَالَ به صاحبا أبي حنيفة وأحمد وإسحاق وابن خزيمة وبن المنذر وغيرهما من محدثي الشافعية وابن العربي من المالكية وَقَالَ الطبري يخير بين الجهر والإسرار وَقَالَ الأئمة الثلاثة يسر في الشمس ويجهر في القمر واحتج الشافعي بقول ابن عباس قرأ نحوًا من سورة البقرة لأنَّه لو جهر لم يحتج إلى تقدير وتعقب باحتمال أن يكون بعيدًا منه لكن ذكر الشافعي تعليقًا عن ابن عباس أنَّه صلى
[ ٥ / ١٣٤ ]
بجنب النبي ﷺ في الكسوف فلم يسمع منه حرفًا ووصله البيهقي من ثلاثة طرق أسانيدها واهية وعلى تقدير صحتها فمثبت الجهر معه قدر زائد فالأخذ به أولى» اهـ.
قُلْتُ: حديث ابن عباس هو ما رواه البخاري (٥١٩٧) عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّهُ قَالَ: «خَسَفَتِ الشَّمْسُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَصَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَالنَّاسُ مَعَهُ، فَقَامَ قِيَامًا طَوِيلًا نَحْوًا مِنْ سُورَةِ البَقَرَةِ …».
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ في [إِعْلَامِ الْمُوَقِعِيْنَ] (٢/ ٢٦٧):
«وَهَذَا يَحْتَمِلُ وُجُوهًا؛ أَحَدُهَا: أَنَّهُ لَمْ يَجْهَرْ، الثَّانِي: أَنَّهُ جَهَرَ وَلَمْ يَسْمَعْهُ ابْنُ عَبَّاسٍ، الثَّالِثُ: أَنَّهُ سَمِعَ وَلَمْ يَحْفَظْ مَا قَرَأَ بِهِ فَقَدَّرَهُ بِسُورَةِ الْبَقَرَةِ؛ فَإِنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ لَمْ يَجْمَعْ الْقُرْآنَ فِي حَيَاةِ النَّبِيِّ ﷺ وَإِنَّمَا جَمَعَهُ بَعْدَهُ، الرَّابِعُ: أَنْ يَكُونَ نَسِيَ مَا قَرَأَ بِهِ وَحَفِظَ قَدْرَ قِرَاءَتِهِ، فَقَدَّرَهَا بِالْبَقَرَةِ، وَنَحْنُ نَرَى الرَّجُلَ يَنْسَى مَا قَرَأَ بِهِ الْإِمَامُ فِي صَلَاةِ يَوْمِهِ، فَكَيْفَ يُقَدَّمُ هَذَا اللَّفْظُ الْمُجْمَلُ عَلَى الصَّرِيحِ الْمُحْكَمِ الَّذِي لَا يَحْتَمِلُ إلَّا وَجْهًا وَاحِدًا» اهـ.
قُلْتُ: وأمَّا ما رواه أحمد (٢٠١٦٠)، وأبو داود (١١٨٤)، والنسائي (١٤٨٤، ١٤٩٥)، والترمذي (٥٦٢)، وابن ماجه (١٢٦٤) مِنْ طَرِيْقِ الْأَسْوَدِ بْنِ قَيْسٍ الْعَبْديِّ، عَنْ ثَعْلَبَةَ بْنِ عَبَّادٍ، عَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ، قَالَ: «صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي كُسُوفٍ، فَلَمْ نَسْمَعْ لَهُ صَوْتًا».
فلا يثبت فثعلبة لم يوثقه معتبر.
[ ٥ / ١٣٥ ]
وهو محمول على فرض صحته أنَّه كان في أخريات القوم لأنَّه جاء إلى المسجد وهو ممتلئ فقد جاء عند أبي داود (١١٨٤) قَالَ سَمُرَةُ: بَيْنَمَا أَنَا وَغُلَامٌ مِنَ الْأَنْصَارِ نَرْمِي غَرَضَيْنِ لَنَا، حَتَّى إِذَا كَانَتِ الشَّمْسُ قِيدَ رُمْحَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةٍ فِي عَيْنِ النَّاظِرِ مِنَ الأُفُقِ اسْوَدَّتْ، حَتَّى آضَتْ كَأَنَّهَا تَنُّومَةٌ، فَقَالَ أَحَدُنَا لِصَاحِبِهِ: انْطَلِقْ بِنَا إِلَى الْمَسْجِدِ، فَوَاللَّهِ لَيُحْدِثَنَّ شَأْنُ هَذِهِ الشَّمْسِ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي أُمَّتِهِ حَدَثًا، قَالَ: «فَدَفَعْنَا فَإِذَا هُوَ بَارِزٌ، فَاسْتَقْدَمَ، فَصَلَّى، فَقَامَ بِنَا كَأَطْوَلِ مَا قَامَ بِنَا فِي صَلَاةٍ قَطُّ، لَا نَسْمَعُ لَهُ صَوْتًا».
قَالَ الْخَطَّابِي ﵀ فِي [مَعَالِمِ الْسُّنَنِ] (١/ ٢٥٨)
«وقوله فإذا هو بارز تصحيف من الراوي وإنَّما هو بأزز أي بجمع كثير، تقول العرب الفضاء منهم أزز والبيت منهم أزز إذا غص بهم لكثرتهم» اهـ.
قُلْتُ: وهو عند أحمد (٢٠١٧٨) على الصواب.
* * *
[ ٥ / ١٣٦ ]