٢٣ - عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ﵁ قَالَ: «كُنْتُ رَجُلًا مَذَّاءً، فَاسْتَحْيَيْتُ أَنْ أَسْأَلَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لِمَكَانِ ابْنَتِهِ مِنِّي، فَأَمَرْتُ الْمِقْدَادَ بْنَ الأَسْوَدِ فَسَأَلَهُ، فَقَالَ: "يَغْسِلُ ذَكَرَهُ، وَيَتَوَضَّأُ"
وللبخاري: "اغْسِلْ ذَكَرَكَ وَتَوَضَّأْ" ولمسلم: "تَوَضَّأْ وَانْضَحْ فَرْجَكَ"».
قوله: «كُنْتُ رَجُلًا مَذَّاءً» أي كثير المذي. وَالْمَذْيُ: ماء رقيق أبيض لزج يخرج عند ملاعبة النساء، من غير دفق، ولا يعقبه فتور، وربما لا يحس بخروجه ويكون ذلك للرجل والمرأة وهو في النساء أكثر منه في الرجال، وفي حكمه الودي بالمهملة: وهو ماء أبيض ثخين يخرج عقب البول.
قلت: والمذي بفتح الميم وسكون الذال المعجمة في الأشهر ويقال بكسر الذال مع تشديد الياء وتخفيفها.
قال القاضي عياض ﵀ في [مشارق الأنوار] (٢/ ٢٨٣):
«الودي بالدال المهملة الساكنة وهو الماء الأبيض الذي يخرج بأثر البول ويقال فيه الوذي بالذال المعجمة أيضًا والدال أشهر عند أهل اللغة ويقال فيه الودي بكسر الدال المهملة وتشديد الياء ويقال منه ودي وأودي حكاهما المبرد وغيره وودي أكثر» اهـ.
[ ١ / ٤٠٤ ]
قوله: «فَاسْتَحْيَيْتُ»، هذه هي اللغة الفصيحة، ويصح أن تنطق بياء واحدة، فتقول: استحيت. وهي قراءة في قول الله ﷿: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا (٢٦)﴾ [البقرة: ٢٦]، قرأت: لا يستحي بياء واحدة.
وهذا الحياء محمود لأنَّه لم يمنع من تعلم ما جهله.
قوله: «لِمَكَانِ ابْنَتِهِ مِنِّي» هي فاطمة ﵂.
قوله: «تَوَضَّأْ وَانْضَحْ فَرْجَكَ» أي: اغسله فإنَّ النضح يأتي والمراد به الغسل، ويأتي والمراد به الرش، وقد جاء في الرواية الأخرى يغسل ذكره فيتعين حمل النضح عليه.
وفي الحديث مسائل منها:
١ - نجاسة المذي، وهو مأخوذ من الأمر بغسل الذكر.
قال الحافظ ابن رجب ﵀ في [فتح الباري] (٢/ ٣٤): «وعن أحمد رواية: أنَّ المذي طاهر كالمني. وهي اختيار أبي حفص البرمكي من أصحابنا، أوجب مع ذَلِكَ نضحه تعبدًا.
ومن الأصحاب من قالَ: إذا قلنا بطهارته، لم يجب غسل ما أصاب الثوب منه.
وهل يجب الاستنجاء منه؟ على وجهين، كالمني. وهذا بعيد، وهو مخالف للأمر بغسله» اهـ.
٢ - أنَّ خروج المذي لا يوجب الغسل، وإنَّما يوجب غسل الذكر والوضوء.
[ ١ / ٤٠٥ ]
٣ - احتج بقوله: «يَغْسِلُ ذَكَرَهُ، وَيَتَوَضَّأُ»، على وجوب غسل جميع الذكر، لا الاقتصار على غسل محل الخارج منه. وهو مذهب الإمام مالك وأحمد رحمهما الله في إحدى الروايتين، وخالف في ذلك الجمهور.
قال الحافظ ابن حجر ﵀ في [فتح الباري] (١/ ٤٥٠): «واستدل به بعض المالكية والحنابلة على إيجاب استيعابه بالغسل عملًا بالحقيقة لكن الجمهور نظروا إلى المعنى فإنَّ الموجب لغسله إنَّما هو خروج الخارج فلا تجب المجاوزة إلى غير محله ويؤيده ما عند الإسماعيلي في رواية فقال: "توضأ واغسله" فأعاد الضمير على المذي ونظير هذا قوله: "من مس ذكره فليتوضأ" فإن النقض لا يتوقف على مس جميعه» اهـ.
وقال الحافظ ابن رجب ﵀ في [فتح الباري] (٢/ ٣٤):
«وقد اختلف العلماء في معنى الأمر بغسل الذكر من المذي: هل المراد غسل ما أصاب الذكر منه كالبول، أو غسل جميع الذكر؟
وفيه: قولان، وهما روايتان عن مالك والإمام أحمد.
وحكي عنه رواية ثالثة، بوجوب غسل الذكر كله مع الأنثيين.
وقد روي في حديث علي، أنَّ النبي ﷺ قال: "يغسل ذكره وأنثييه ويتوضأ "، من وجوه قد تكلم فيها.
واختار هذه الرواية أبو بكر عبد العزيز بن جعفر من أصحابنا، وذكر أنَّ الحديث صح بذلك.
ولو استجمر منه بحجر أجزأه كالبول -: ذكره أصحابنا.
وهذا -على قولنا: يجب غسل ما أصحاب الذكر منه-ظاهر.
[ ١ / ٤٠٦ ]
فأمَّا إن قلنا يجب غسل الذكر جميعه، أو الذكر مع الأنثيين، فلا ينبغي أن يجزئ منه الاستجمار.
وعنده الشافعية: أنَّ المذي: هل يجزئ فيهِ الاستجمار؟ فيهِ قولان:
بناء على أنَّ الخارج النادر: هل يجزئ الاستجمار كالمعتاد؟، على قولين للشافعي، أصحهما: الجواز.
لكنهم لا يوجبون زيادة على غسل ما أصاب الذكر منه، وهو قول أبي حنيفة وغيره.
وقال سعيد بن جبير -في المذي -: يغسل الحشفة منه ثلاثًا.
فأمَّا إن أصاب المذي غير الفرج من البدن أو الثوب، فالجمهور على أنَّه نجس يجب غسله كالبول.
وعن أحمد رواية: أنَّه يعفى عن يسيره كالدم.
وعنه رواية ثالثة: أنَّ نجاسته مخففة، يجزئ نضحه بالماء، كبول الغلام الذي لم يأكل الطعام؛ لعموم البلوى به، ومشقة الاحتراز منه.
وفيه حديث، من رواية سهل بن حنيف، عن النبي ﷺ، أنه سئل عما أصاب الثوب من المذي؟ قالَ: "تأخذ كفًا من ماء فتنضح به حيث ترى أنَّه أصابك".
خرجه الإمام أحمد وأبو داود وابن ماجه والترمذي.
وقال: حسن صحيح، ولا نعرفه إلَّا من حديث ابن إسحاق.
وقال الإمام أحمد - في رواية الأثرم -: لا أعلم شيئًا يخالفه.
[ ١ / ٤٠٧ ]
ونقل عنه غيره، أنه قالَ: لم يروه إلَّا ابن إسحاق، وأنا أتهيبه.
وقال -مرة -: إن كانَ ثابتًا أجزأه النضح» اهـ.
قلت: حديث غسل الأنثيين رواه ابن الأعرابي في [معجمه] (٢/ ٤٨٠) برقم (٩٧٩):
نا إبراهيم العبسي، نا وكيع، عن الأعمش، عن منذر الثوري، عن ابن الحنفية عن علي قال: «كنت رجلًا مذاء، وكنت أستحي أن أسأل رسول الله ﷺ لمكان ابنته، فأمرت المقداد، فسأله، فقال: " يَغْسِلْ ذَكَرَهُ وَأُنْثَيَيْهِ"».
قلت: ورواه مسلم (٦٩٣) بغير هذا اللفظ فقال: حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ حَدَّثَنَا وَكِيعٌ وَأَبُو مُعَاوِيَةَ وَهُشَيْمٌ عَنْ الْأَعْمَشِ عَنْ مُنْذِرِ بْنِ يَعْلَى وَيُكْنَى أَبَا يَعْلَى عَنْ ابْنِ الْحَنَفِيَّةِ عَنْ عَلِيٍّ قَالَ: «كُنْتُ رَجُلًا مَذَّاءً وَكُنْتُ أَسْتَحْيِي أَنْ أَسْأَلَ النَّبِيَّ ﷺ لِمَكَانِ ابْنَتِهِ فَأَمَرْتُ الْمِقْدَادَ بْنَ الْأَسْوَدِ فَسَأَلَهُ فَقَالَ: "يَغْسِلُ ذَكَرَهُ وَيَتَوَضَّأُ"».
قلت: حديث ابن أبي شيبة هذا أصح والله أعلم.
ورواه أحمد (١٠٠٩): ثنا وكيع ثنا هشام بن عروة عن أبيه قال: قال علي:
«كنت رجلًا مذاء وكنت أستحي أن أسأل النبي ﷺ لمكان ابنته فأمرت المقداد فسأله فقال: "يَغْسِلُ ذَكَرَهُ وَأُنْثَيَيْهِ وَيَتَوَضَّأُ"».
ورواه أحمد أيضًا (١٠٣٥) من طريق يحيى بن سعيد عن هشام به.
ورواه عبد الرزاق (٦٠٢) عن معمر وابن جريج قال: حدثنا هشام بن عروة به.
ورواه أبو داود (٢٠٨) حدثنا أحمد بن يونس حدثنا زهير عن هشام به.
[ ١ / ٤٠٨ ]
ورواه ابن الأعرابي في [معجمه] (١٣٩٦) من طريق أبي معشر نجيح بن عبد الرحمن عن هشام به.
قلت: أبو معشر ضعيف الحديث. وعروة عن علي مرسل.
ورواه أحمد (١٢٣٧) ثنا يزيد أنبأنا شريك عن الركين بن الربيع عن حصين بن قبيصة عن علي قال:
«كُنْتُ رَجُلًا مَذَّاءً، فَاسْتَحْيَيْتُ أَنْ أَسْأَلَ رَسُولَ اللهِ ﷺ مِنْ أَجْلِ ابْنَتِهِ، فَأَمَرْتُ الْمِقْدَادَ فَسَأَلَ رَسُولَ اللهِ ﷺ عَنِ الرَّجُلِ يَجِدُ الْمَذْيَ، فَقَالَ: " ذَلِكَ مَاءُ الْفَحْلِ، وَلِكُلِّ فَحْلٍ مَاءٌ، فَلْيَغْسِلْ ذَكَرَهُ، وَأُنْثَيَيْهِ، وَلْيَتَوَضَّأْ وُضُوءَهُ لِلصَّلاةِ"».
قلت: يزيد هو ابن هارون، وشريك هو ابن عبد الله بن أبي نمر، وحصين لم يوثقه غير ابن حبان والعجلي.
ورواه أحمد (٨٦٨)، وأبو داود (٢٠٦)، والنسائي في [المجتبى] (١٩٣)، و[الكبرى] (١٩٩)، والبيهقي في [السنن الكبرى] (١/ ١٦٩)، وابن خزيمة في [صحيحه] (٢٠)، وابن حبان في [صحيحه] (١١٠٧):
من طريق عبيدة بن حميد الحذاء عن الركين بن الربيع عن حصين بن قبيصة عن علي قال: «كُنْتُ رَجُلًا مَذَّاءً فَجَعَلْتُ أَغْتَسِلُ حَتَّى تَشَقَّقَ ظَهْرِي، فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ ﷺ أَوْ ذُكِرَ لَهُ - فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: "لَا تَفْعَلْ إِذَا رَأَيْتَ الْمَذْيَ فَاغْسِلْ ذَكَرَكَ، وَتَوَضَّأْ وُضُوءَكَ لِلصَّلَاةِ، فَإِذَا فَضَخْتَ الْمَاءَ فَاغْتَسِلْ"».
[ ١ / ٤٠٩ ]
قلت: وليس في حديث عبيدة ذكر غسل (الأنثيين)، وعبيدة حاله قريبة من حال شريك.
لكن تابعه زائدة ابن قدامة عند أحمد (١٠٢٨)، والنسائي في [المجتبى] (١٩٤)، و[الكبرى] (٢٠٠)، والطحاوي في [مشكل الآثار] (٢٢٧٦)، والبزار في [مسنده] (٨٠٣)، وابن حبان في [صحيحه] (١١٠٢).
فهذا هو المحفوظ في حديث ركين. والله أعلم.
وروى أبو عوانة في [مستخرجه] (٥٩٦): حدثنا موسى بن سهل، قال: حدثنا محمد بن عبد العزيز، ويزيد بن خالد بن مرشل، قالا: حدثنا سليمان بن حيان، عن هشام بن حسان، عن محمد بن سيرين، عن عبيدة السلماني، عن علي بن أبي طالب، قال: «كُنْتُ رَجُلا مَذَّاءً فَاسْتَحْيَيْتُ أَنْ أَسْأَلَ النَّبِيَّ ﷺ، فَأَرْسَلْتُ الْمِقْدَادَ فَسَأَلَ النَّبِيَّ ﷺ عَنْ ذَلِكَ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: "يَغْسِلُ أُنْثَيَيْهِ وَذَكَرَهُ وَيَتَوَضَّأُ وُضُوءَهُ لِلصَّلاةِ"».
قلت: هذا حديث حسن لغيره، ومحمد بن عبد العزيز هو الرملي فيه كلام لكنه متابع.
وروى أبو داود (٢١١)، وابن الجارود في [المنتقى] (٧)، والبيهقي في [سننه الكبرى] (٢/ ٤١١)
من طريق معاوية بن صالح عن العلاء بن الحارث عن حرام بن حكيم عن عمه عبد الله بن سعد ﵁ قال: سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَمَّا يُوجِبُ الْغُسْلَ وَعَنِ الْمَاءِ يَكُونُ بَعْدَ الْمَاءِ فَقَالَ: «ذَاكَ الْمَذْىُ وَكُلُّ فَحْلٍ يُمْذِى فَتَغْسِلُ مِنْ ذَلِكَ فَرْجَكَ وَأُنْثَيَيْكَ وَتَوَضَّأْ وُضُوءَكَ لِلصَّلَاةِ».
[ ١ / ٤١٠ ]
ورواه أحمد (١٩٠٢٩) ثنا عبد الرحمن بن مهدي عن معاوية يعنى بن صالح عن العلاء يعنى بن الحرث عن حرام بن حكيم عن عمه عبد الله بن سعد به، بلفظ مغاير لهذا اللفظ، وليس فيه غسل الأنثيين.
قلت: العلاء بن الحارث قد كان اختلط.
قلت: وأمَّا حديث سهل بن حنيف رواه أحمد (١٦٠١٦)، وأبو داود (٢١٠)، والترمذي (١١٥)، وابن ماجه (٥٠٦) وغيرهم من طريق محمد بن إسحاق حدثني سعيد بن عبيد بن السباق عن أبيه عن سهل بن حنيف قال: «كُنْتُ أَلْقَى مِنَ الْمَذْىِ شِدَّةً وَكُنْتُ أُكْثِرُ مِنْهُ الاِغْتِسَالَ فَسَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ: "إِنَّمَا يُجْزِيكَ مِنْ ذَلِكَ الْوُضُوءُ". قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَكَيْفَ بِمَا يُصِيبُ ثَوْبِى مِنْهُ قَالَ: "يَكْفِيكَ بِأَنْ تَأْخُذَ كَفًّا مِنْ مَاءٍ فَتَنْضَحَ بِهَا مِنْ ثَوْبِكَ حَيْثُ تُرَى أَنَّهُ أَصَابَهُ"».
قلت: هذا حديث حسن.
٤ - احتج بهذا الحديث من قال بوجوب الوضوء من المذي إثر خروجه، ولو لم يرد الصلاة، وذهب أكثر العلماء إلى أنَّه لا يجب بمجرد خروجه بل حكمه حكم البول. وهذا هو الصواب.
قال الحافظ ابن حجر ﵀ في [فتح الباري] (١/ ٤٥٠):
«وحكى الطحاوي عن قوم أنَّهم قالوا بوجوب الوضوء بمجرد خروجه ثم رد عليهم بما رواه من طريق عبد الرحمن بن أبي ليلى عن على قال سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن المذي فقال: "فيه الوضوء وفي المني الغسل" فعرف بهذا أن
[ ١ / ٤١١ ]
حكم المذي حكم البول وغيره من نواقض الوضوء لا أنه يوجب الوضوء بمجرده».
٥ - قوله: «وللبخاري: "اغسل ذكرك وتوضأ"»، قلت: الذي في البخاري (٢٦٩): «تَوَضَّأْ وَاغْسِلْ ذَكَرَكَ» بتقديم الوضوء على غسل الذكر، وقد احتج بهذه الرواية من ذهب إلى جواز تقديم الوضوء على الاستنجاء كما هو مذهب الشافعي وأحمد.
قلت: الواو لمطلق الجمع، فيجوز تقديم الوضوء على غسل الذكر من المذي، ويجوز تقديم غسل الذكر على الوضوء.
لكنه يراعي في الصورة الأولى عدم مس الذكر عند من يرى النقض بمسه.
وروى النسائي في [المجتبى] (٤٣٨) أخبرنا سويد بن نصر قال أنبأنا عبد الله عن ليث بن سعد عن بكير بن الأشج عن سليمان بن يسار قال: أَرْسَلَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ ﵁ الْمِقْدَادَ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ يَسْأَلُهُ عَنِ الرَّجُلِ يَجِدُ الْمَذْيَ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «يَغْسِلُ ذَكَرَهُ ثُمَّ لِيَتَوَضَّأْ».
قلت: هذه الرواية صريحة في الترتيب، ورجال إسنادها كلهم ثقات، لكن سليمان بن يسار أرسله كما ترى.
٦ - واحتج بالحديث من قال: إنَّ نجاسة المذي لا تزال بغير الماء لقوله:
«اغسل ذكرك»، والغسل إنَّما يكون بالماء.
قلت: ويؤيده الأمر بغسل الأنثيين، وقد سبقت هذه المسألة في كلام الحافظ ابن رجب في الفقرة الثالثة.
[ ١ / ٤١٢ ]
٧ - قال الحافظ ابن رجب ﵀ في [فتح الباري] (٢/ ٣٥): «وقد روي عن النبي ﷺ، أنَّه قالَ -في المذي-: "توضأ، وانضح فرجك". خرجه مسلم وغيره.
فمن العلماء من حمل نضح الفرج على غسله، بما في اللفظ الآخر: " توضأ واغسل ذكرك ".
ومنهم من حمله على نضح الفرج بعد الضوء منه؛ لتفتير الشهوة، ودفع الوسواس. وقد ورد في رواية التصريح بهذا المعنى، لكن في إسناده ضعف» اهـ.
قلت: الأظهر حمل النضح على الغسل لتتفق الروايات، وقد سبق الكلام على ذلك في أول شرح الحديث. والله أعلم.
٨ - الحديث فيه: الحياء من الأصهار في ذكر أمور الجماع وشبهه.
٩ - وفيه جواز الاستنابة في الاستفتاء.
١٠ - وفيه قبول خبر الواحد.
١١ - وقوله: «فَأَمَرْتُ الْمِقْدَادَ بْنَ الأَسْوَدِ». فيه جواز الإخبار عن الشخص بما اشتهر به لا على معنى النسبة إلى غير الأب، وذلك أنَّ الأسود هو ابن عبد ياغوث الزهري ليس بأب للمقداد فإن أبا المقداد هو عمرو بن ثعلبة، والأسود هو الذي تبناه فاشتهر بالنسبة إليه، وكان زوج أمه.
ومن هؤلاء الحسن بن دينار هو ابن واصل ودينار زوج أمه.
* * *
[ ١ / ٤١٣ ]
قال المؤلف رحمه الله تعالى:
٢٤ - عَنْ عَبَّادِ بْنِ تَمِيمٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ بْنِ عَاصِمٍ الْمَازِنِيِّ ﵁ قَالَ: «شُكِيَ إلَى النَّبِيِّ ﷺ الرَّجُلُ يُخَيَّلُ إلَيْهِ أَنَّهُ يَجِدُ الشَّيْءَ فِي الصَّلاةِ، فَقَالَ: "لا يَنْصَرِفُ حَتَّى يَسْمَعَ صَوْتًا، أَوْ يَجِدَ رِيحًا"».
قوله: «يُخَيَّل» أصله من الخيال والمعنى يظن والظن هنا خلاف اليقين فهو أعم من تساوي الاحتمالين أو ترجيح أحدهما.
قوله: «حَتَّى يَسْمَعَ صَوْتًا، أَوْ يَجِدَ رِيحًا» معناه: حتى يعلم وجود أحدهما ولا يشترط السماع والشم بإجماع المسلمين. لأنَّه قد يكون أصم أو أخشم فذكر ذلك إنَّما هو جري على الغالب.
ويؤخذ من هذا الحديث مسائل:
١ - أنَّ من تيقن الطهارة وشك في الحدث حكم ببقائه على الطهارة ولا فرق بين حصول هذا الشك في نفس الصلاة وحصوله خارج الصلاة هذا مذهب جماهير العلماء من السلف والخلف، وخالف في ذلك الإمام مالك ﵀ فذهب في إحدى الروايتين إلى التفريق بين حصول الشك في الصلاة فلا يلزمه الخروج منها وإعادة الوضوء، وبين حصول الشك خارج الصلاة فيلزمه إعادة الوضوء. والرواية الثانية يلزمه بكل حال. وقد قيل أنَّ رواية التفصيل لم تثبت عنه وإنَّما هي لأصحابه.
قال العلامة ابن القيم ﵀ في [إغاثة اللهفان] (١/ ١٧٥ - ١٧٦):
[ ١ / ٤١٥ ]
«فصل: وأمَّا ما أفتى به الحسن وإبراهيم النخعى ومالك، في إحدى الروايتين عنه: أنَّ من شك هل انتقض وضوءه أم لا؟ وجب عليه أن يتوضأ احتياطًا، ولا يدخل في الصلاة بطهارة مشكوك فيها فهذه مسألة نزاع بين الفقهاء.
وقد قال الجمهور، منهم الشافعى، وأحمد، وأبو حنيفة، وأصحابهم، ومالك في الرواية الأخرى عنه: إنَّه لا يجب عليه الوضوء، وله أن يصلى بذلك الوضوء الذي تيقنه وشك في انتقاضه.
واحتجوا بما رواه مسلم فى صحيحه عن أبى هريرة ﵁ قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم:
"إِذَا وَجَدَ أَحَدُكُمْ في بَطْنِهِ شَيْئًا فَأَشْكَلَ عَلَيْهِ: أَخَرَجَ مِنْهُ شَىْ أمْ لَا؟ فَلَا يَخْرُجُ مِنَ المَسْجِدِ حَتَّى يَسْمَعَ صَوْتًا أَوْ يَجِدَ رِيحًا".
وهذا يعم المصلى وغيره.
وأصحاب القول الأول يقولون: الصلاة ثابته فى ذمته بيقين، وهو يشك فى براءة الذمة منها بهذا الوضوء، فإنَّه على تقدير بقائه هى صحيحة، وعلى تقدير انتقاضه باطلة، فلم يتيقن براءة ذمته، ولأنَّه شك في شرط الصلاة: هل هو ثابت أم لا؟ فلا يدخل فيها بالشك.
والآخرون يجيبون عن هذا بأنَّها صلاة مستندة إلى طهارة معلومة قد شك في بطلانها فلا يلتفت إلى الشك، ولا يزيل اليقين به، كما لو شك: هل أصاب ثوبه أو بدنه نجاسة؟ فإنَّه لا يجب عليه غسله، وقد دخل في الصلاة بالشك.
ففرقوا بينهما بفرقين.
[ ١ / ٤١٦ ]
أحدهما: أنَّ اجتناب النجاسة ليس بشرط. ولهذا لا يجب نيته، وإنَّما هو مانع، والأصل عدمه، بخلاف الوضوء، فإنَّه شرط، وقد شك فى ثبوته، فأين هذا من هذا؟.
الثاني: أنه قد كان قبل الوضوء محدثًا، وهو الأصل فيه. فإذا شك فى بقائه كان ذلك رجوعًا إلى الأصل. وليس الأصل فيه النجاسة، حتى نقول: إذا شك في حصولها رجعنا إلى أصل النجاسة، فهنا يرجع إلى أصل الطهارة، وهناك يرجع إلى أصل الحدث.
قال الآخرون: أصل الحدث قد زال بيقين الطهارة، فصارت هي الأصل، فإذا شككنا فى الحدث رجعنا إليه» اهـ.
قلت: الأظهر عدم وجوب الوضوء مع الشك كما ذهب إليه الجمهور، ومع هذا فالأحسن إعادة الوضوء خروجًا من الخلاف وطردًا للشيطان.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في [شرح عمدة الفقه] (١/ ٣٤٤ - ٣٤٦):
«فَصْلٌ: "وَمَنْ تَيَقَّنَ الطَّهَارَةَ وَشَكَّ فِي الْحَدَثِ أَوْ تَيَقَّنَ الْحَدَثَ وَشَكَّ فِي الطَّهَارَةِ فَهُوَ عَلَى مَا يَتَيَقَّنُ مِنْهُمَا" سَوَاءٌ كَانَ فِي الصَّلَاةِ أَوْ خَارِجَ الصَّلَاةِ؛ لِمَا رَوَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ زَيْدٍ قَالَ: "شُكِيَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الرَّجُلُ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ أَنَّهُ يَجِدُ الشَّيْءَ فِي الصَّلَاةِ، قَالَ: "لَا يَنْصَرِفُ حَتَّى يَسْمَعَ صَوْتًا أَوْ يَجِدَ رِيحًا" أَخْرَجَهُ الْجَمَاعَةُ إِلَّا التِّرْمِذِيَّ. وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "إِنَّ الشَّيْطَانَ يَأْتِي أَحَدَكُمْ فِي الصَّلَاةِ، فَيَأْخُذُ شَعْرَةً مِنْ
[ ١ / ٤١٧ ]
دُبُرِهِ، فَيَمُدُّهَا، فَيَرَى أَنَّهُ قَدْ أَحْدَثَ، فَلَا يَنْصَرِفْ حَتَّى يَسْمَعَ صَوْتًا أَوْ يَجِدَ رِيحًا" رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ وَلَفْظُهُ: "إِذَا أَتَى الشَّيْطَانُ أَحَدَكُمْ فَقَالَ لَهُ: قَدْ أَحْدَثْتَ، فَلْيَقُلْ لَهُ: كَذَبْتَ، إِلَّا مَا وَجَدَ رِيحًا بِأَنْفِهِ أَوْ سَمِعَ صَوْتًا بِأُذُنِهِ" وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "إِذَا وَجَدَ أَحَدُكُمْ فِي بَطْنِهِ شَيْئًا عَلَيْهِ أَخَرَجَ مِنْهُ شَيْءٌ أَمْ لَا، فَلَا يَخْرُجْ مِنَ الْمَسْجِدِ حَتَّى يَسْمَعَ صَوْتًا أَوْ يَجِدَ رِيحًا" رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ، وَرَوَاهُ أَحْمَدُ وَلَفْظُهُ: "حَتَّى يَسْمَعَ صَوْتًا أَوْ يَجِدَ رِيحًا لَا يَشُكُّ فِيهِ". فَلَمَّا نَهَاهُ عَنْ قَطْعِ الصَّلَاةِ وَعَنِ الْخُرُوجِ مِنَ الْمَسْجِدِ مَعَ الشَّكِّ دَلَّ عَلَى جَوَازِ بِنَاءِ الصَّلَاةِ عَلَى طَهَارَةٍ مُسْتَصْحَبَةٍ مَبْنِيَّةٍ عَلَى الْيَقِينِ، وَلَوْ كَانَ يَجِبُ عَلَيْهِ الْوُضُوءُ خَارِجَ الصَّلَاةِ لَجَازَ لَهُ، أَوْ لَوَجَبَ عَلَيْهِ فِي الصَّلَاةِ كَسَائِرِ النَّوَاقِضِ، وَلَا فَرْقَ فِي ذَلِكَ بَيْنَ أَنْ يَتَسَاوَىَ الْأَمْرَانِ عِنْدَهُ أَوْ يَغْلِبَ عَلَى ظَنِّهِ أَحَدُهُمَا لِمَا ذَكَرْنَا مِنَ الْأَحَادِيثِ، وَلِأَنَّ الظَّنَّ إِذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ ضَابِطٌ فِي الشَّرْعِ، وَلَيْسَ عَلَيْهِ إِمَارَةٌ شَرْعِيَّةٌ أَوْ عَرَضِيَّةٌ لَمْ يُلْتَفَتْ إِلَيْهِ، كَظَنِّ صِدْقِ أَحَدِ الْمُتَدَاعِيَيْنِ، بِخِلَافِ الْقِبْلَةِ وَالْوَقْتِ، وَلِأَنَّهُ شَكَّ فِي بَقَاءِ زَاوَلَ طَهَارَتِهِ، فَيَبْنِي عَلَى الْيَقِينِ، كَمَا لَوْ شَكَّ فِي نَجَاسَةِ الثَّوْبِ وَالْبَدَنِ وَالْبُقْعَةِ بَعْدَ تَيَقُّنِ الطَّهَارَةِ، قَالَ ابْنُ أَبِي مُوسَى بَعْدَ أَنْ ذَكَرَ ذَلِكَ: "إِنْ خُيِّلَ إِلَيْهِ أَنَّهُ قَدْ أَحْدَثَ وَهُوَ فِي الصَّلَاةِ لَمْ يَلْتَفِتْ إِلَيْهِ وَلَمْ يَخْرُجْ مِنَ الصَّلَاةِ، وَإِنْ خُيِّلَ إِلَيْهِ ذَلِكَ وَهُوَ فِي غَيْرِ الصَّلَاةِ فَالْأَحْوَطُ لَهُ أَنْ يَتَوَضَّأَ وَيُصَلِّيَ". وَهُوَ كَمَا قَالَ، فَإِنَّا وَإِنْ جَوَّزْنَا لَهُ الْبِنَاءَ عَلَى يَقِينِ الطَّهَارَةِ، فَإِنَّ الْأَفْضَلَ لَهُ أَنْ يَتَطَهَّرَ لِمَا تَرَدَّدَ؛ لِأَنَّ فِي ذَلِكَ خُرُوجًا مِنِ اخْتِلَافِ الْعُلَمَاءِ، فَإِنَّ مِنْهُمْ مَنْ لَا يُجَوِّزُ لَهُ الدُّخُولَ فِي الصَّلَاةِ بِطَهَارَةٍ مَشْكُوكَةٍ، وَلِأَنَّ التَّجْدِيدَ مَعَ الْيَقِينِ مُسْتَحَبٌّ فَمَعَ الشَّكِّ أَوْلَى؛ وَلِأَنَّ عَدَمَ الطَّهَارَةِ فِيهَا رَيْبٌ وَشُبْهَةٌ، وَلَيْسَ فِي الِاحْتِيَاطِ فِيهَا مَشَقَّةٌ
[ ١ / ٤١٨ ]
وَلَا فَتْحٌ لِبَابِ الْوَسْوَسَةِ، فَكَانَ الِاحْتِيَاطُ لَهَا أَفْضَلَ؛ لِقَوْلِهِ ﷺ: "دَعْ مَا يَرِيبُكَ إِلَى مَا لَا يَرِيبُكَ" وَقَوْلِهِ: "فَمَنْ تَرَكَ الشُّبُهَاتِ فَقَدِ اسْتَبْرَأَ لِعِرْضِهِ وَدِينِهِ" بِخِلَافِ الشَّكِّ الْعَارِضِ فِي الصَّلَاةِ، فَإِنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَدْ نَهَى عَنِ الْخُرُوجِ مِنْ أَجْلِهِ؛ وَلِأَنَّ فِيهِ إِبْطَالًا لِلصَّلَاةِ بِالرَّيْبِ وَالشُّبْهَةِ وَمُطَاوَعَةِ الشَّيْطَانِ فِي ذَلِكَ، فَلِذَلِكَ نُهِيَ عَنْهُ، وَقِيَاسُ الْمَذْهَبِ أَنَّ قَطْعَ الصَّلَاةِ الْمَفْرُوضَةِ لِذَلِكَ مُحَرَّمٌ؛ لِأَجْلِ نَهْيِ النَّبِيِّ ﷺ، وَلِأَنَّ إِبْطَالَ الْفَرْضِ بَعْدَ الشُّرُوعِ فِيهِ غَيْرُ جَائِزٍ» اهـ.
قلت: فأمَّا إذا تيقن الطهارة والحدث ففيه تفصيل.
قال العلامة ابن قدامة ﵀ في [المغني] (١/ ١٤٥):
«فَصْلٌ: إذَا تَيَقَّنَ الطَّهَارَةَ وَالْحَدَثَ مَعًا، وَلَمْ يَعْلَمْ الْآخِرَ مِنْهُمَا، مِثْلُ مَنْ تَيَقَّنَ أَنَّهُ كَانَ فِي وَقْتِ الظُّهْرِ مُتَطَهِّرًا مَرَّةً وَمُحْدِثًا أُخْرَى، وَلَا يَعْلَمُ أَيَّهُمَا كَانَ بَعْدَ صَاحِبِهِ، فَإِنَّهُ يَرْجِعُ إلَى حَالِهِ قَبْلَ الزَّوَالِ؛ فَإِنْ كَانَ مُحْدِثًا فَهُوَ الْآنَ مُتَطَهِّرٌ؛ لِأَنَّهُ مُتَيَقِّنٌ أَنَّهُ قَدْ انْتَقَلَ عَنْ هَذَا الْحَدَثِ إلَى الطَّهَارَةِ، وَلَمْ يَتَيَقَّنْ زَوَالَهَا، وَالْحَدَثُ الْمُتَيَقَّنُ بَعْدَ الزَّوَالِ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ قَبْلَ الطَّهَارَةِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ بَعْدَهَا، فَوُجُودُهُ بَعْدَهَا مَشْكُوكٌ فِيهِ، فَلَا يَزُولُ عَنْ طَهَارَةٍ مُتَيَقَّنَةٍ بِشَكٍّ، كَمَا لَوْ شَهِدَتْ بَيِّنَةٌ لِرَجُلٍ أَنَّهُ وَفَّى زَيْدًا حَقَّهُ وَهُوَ مِائَةٌ، فَأَقَامَ الْمَشْهُودُ عَلَيْهِ بَيِّنَةً بِإِقْرَارِ خَصْمِهِ لَهُ بِمِائَةٍ، لَمْ يَثْبُتْ لَهُ بِهَا حَقٌّ؛ لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ إقْرَارُهُ قَبْلَ الِاسْتِيفَاءِ مِنْهُ.
وَإِنْ كَانَ قَبْلَ الزَّوَالِ مُتَطَهِّرًا فَهُوَ الْآنَ مُحْدِثٌ؛ لِمَا ذَكَرْنَا فِي الطَّرَفِ الْآخَرِ.
[ ١ / ٤١٩ ]
فَصْلٌ: وَإِنْ تَيَقَّنَ أَنَّهُ فِي وَقْتِ الظُّهْرِ نَقَضَ طَهَارَتَهُ وَتَوَضَّأَ عَنْ حَدَثٍ، وَشَكَّ فِي السَّابِقِ مِنْهُمَا، نَظَرَ؛ فَإِنْ كَانَ قَبْلَ الزَّوَالِ مُتَطَهِّرًا، فَهُوَ عَلَى طَهَارَةٍ؛ لِأَنَّهُ تَيَقَّنَ أَنَّهُ نَقَضَ تِلْكَ الطَّهَارَةَ، ثُمَّ تَوَضَّأَ إذْ لَا يُمْكِنُ أَنْ يَتَوَضَّأَ عَنْ حَدَثٍ مَعَ بَقَاءِ تِلْكَ الطَّهَارَةِ، وَنَقْضُ هَذِهِ الطَّهَارَةِ الثَّانِيَةِ مَشْكُوكٌ فِيهِ، فَلَا يَزُولُ عَنْ الْيَقِينِ بِالشَّكِّ، وَإِنْ كَانَ قَبْلَ الزَّوَالِ مُحْدِثًا، فَهُوَ الْآنَ مُحْدِثٌ؛ لِأَنَّهُ تَيَقَّنَ أَنَّهُ انْتَقَلَ عَنْهُ إلَى الطَّهَارَةِ ثُمَّ نَقَضَهَا، وَالطَّهَارَةُ بَعْدَ نَقْضِهَا مَشْكُوكٌ فِيهَا. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ» اهـ.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في [شرح عمدة الفقه] (١/ ٣٤٦ - ٣٤٧):
«فَصْلٌ: فَإِنْ تَيَقَّنَ الطَّهَارَةَ وَالْحَدَثَ وَشَكَّ فِي السَّابِقِ مِنْهُمَا فَهُوَ عَلَى قِسْمَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: إِنْ تَيَقَّنَ أَنَّهُ كَانَ مُتَطَهِّرًا، أَوْ أَنَّهُ كَانَ مُحْدِثًا، فَيَبْنِي عَلَى خِلَافِ حَالِهِ قَبْلَهُمَا، إِنْ كَانَ مُتَطَهِّرًا فَهُوَ مُحْدِثٌ، وَإِنْ كَانَ مُحْدِثًا فَهُوَ مُتَطَهِّرٌ؛ لِأَنَّ الْحَالَ قَبْلَهُمَا إِنْ كَانَ طَهَارَةً مَثَلًا فَقَدْ تَيَقَّنَ أَنَّهُ وُجِدَ بَعْدَهَا حَدَثٌ وَطَهَارَةٌ، فَزَالَتْ تِلْكَ الطَّهَارَةُ بِيَقِينٍ، وَالطَّهَارَةُ الثَّانِيَةِ يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ هِيَ الْأُولَى دَامَتْ وَاسْتَمَرَّتْ، وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ حَدَثَتْ بَعْدَ الْحَدَثِ، وَالْحَدَثُ مُتَيَقَّنٌ فَلَا يَزُولُ بِالشَّكِّ.
الثَّانِي: يَتَيَقَّنُ أَنَّهُ تَطَهَّرَ عَنْ حَدَثٍ وَأَنَّهُ أَحْدَثَ بَعْدَ طَهَارَةٍ، فَإِنْ كَانَ قَبْلَ هَاتَيْنِ الْحَالَتَيْنِ مُتَطَهِّرًا فَهُوَ الْآنَ مُتَطَهِّرٌ، وَإِنْ كَانَ مُحْدِثًا فَهُوَ الْآنَ مُحْدِثٌ؛ لِأَنَّ الطَّهَارَةَ السَّابِقَةَ قَدْ وُجِدَ بَعْدَهَا حَدَثٌ نَاقِضٌ، وَذَلِكَ الْحَدَثُ وُجِدَ بَعْدَ طَهَارَةٍ رَافِعَةٍ، وَالْأَفْضَلُ بَقَاؤُهَا، فَأَمَّا إِنْ تَيَقَّنَ أَنَّهُ تَطَهَّرَ وَأَنَّهُ أَحْدَثَ لَكِنْ لَا يَدْرِي هَلْ كَانَتِ الطَّهَارَةُ بَعْدَ طَهَارَةٍ أَوْ بَعْدَ حَدَثٍ، وَذَلِكَ الْحَدَثُ هَلْ كَانَ (بَعْدَ) طَهَارَةٍ أَوْ بَعْدَ
[ ١ / ٤٢٠ ]
حَدَثٍ، فَهَذَا كَالْقِسْمِ الْأَوَّلِ يَكُونُ عَلَى خِلَافِ حَالِهِ قَبْلَهُمَا، وَلَوْ تَيَقَّنَ أَنَّهُ ابْتَدَأَ الطَّهَارَةَ عَنْ حَدَثٍ، وَأَنَّهُ كَانَ أَحْدَثَ وَلَا يَدْرِي أَفَعَلَ ذَلِكَ وَهُوَ مُحْدِثٌ أَوْ هُوَ طَاهِرٌ، فَهُنَا هُوَ طَاهِرٌ بِكُلِّ حَالٍ، وَكَذَلِكَ لَوْ تَيَقَّنَ أَنَّهُ أَحْدَثَ عَنْ طَهَارَةٍ، وَأَنَّهُ تَوَضَّأَ لَا يَدْرِي أَتَجْدِيدًا أَمْ رَفْعًا، فَهُوَ مُحْدِثٌ بِكُلِّ حَالٍ» اهـ.
٢ - في الحديث قاعدة عظيمة وهي: أنَّ اليقين لا يرفع بالشك. والمراد بالشك مطلق التردد الشامل للظن والوهم.
٣ - فيه ترك الاستحياء في العلم.
٤ - استدل بهذا الحديث من قال: إنَّ الريح الخارجة من القبل يوجب الوضوء. وهو مذهب الشافعي، وأحمد. وذهب مالك، وأبو حنيفة إلى عدم النقض.
قال أصحاب أبي حنيفة: خروج الريح من القبل لا يوجب الوضوء لأنَّه نادر فلا يشمله النص، ولأنَّ الريح الخارج من القبل عبارة عن اختلاج لا ريح فلا ينتقض كالريح الخارجة من جراحة البطن.
قلت: والصحيح عدم النقض لعدم ورود الدليل في ذلك، ولما سيأتي بيانه في كلام اللجنة الدائمة.
وسُئل الشيخ ابن عثيمين ﵀ كما في [مجموع الفتاوى] (١١/ ١٤١):
«هل خروج الهواء من فرج المرأة ينقض الوضوء؟
فأجاب بقوله: هذا لا ينقض الوضوء لأنَّه لا يخرج من محل نجس كالريح التي تخرج من الدبر» اهـ.
[ ١ / ٤٢١ ]
وسئلت اللجنة الدائمة كما في [فتاوى اللجنة الدائمة] (٤/ ١٠٧ - ١١٠) الفتوى رقم (٢٠٩٨٨):
«س: أنا امرأة يخرج مني منذ مدة طويلة ريح من القبل بكثرة، وهذا يؤدي إلى إعادة الوضوء عدة مرات وكذلك الصلاة، وأجد مشقة كبيرة في إعادة الوضوء، فماذا يجب علي، وهل هذا الريح ناقض للوضوء، فإذا كان ناقضًا للوضوء، ماذا أفعل وهو يخرج مني بكثرة، وذلك يؤدي إلى إعادة الوضوء خمس مرات، وأحيانًا ثماني مرات، وهذا يؤدي إلى عدم الاطمئنان في الصلاة خوفًا من إخراج الريح، وماذا يجب علي في الصلاة الماضية التي قد صليتها وهو يخرج مني، وذلك بعد إعادة الوضوء عدة مرات؟ أفتوني جزآكم الله خيرًا.
ج: بناء على التقرير الطبي الوارد إلى اللجنة في هذا الموضوع، والذي ينص على الآتي:
١ - إن خروج الهواء من الفرج من الأمراض البسيطة والشائعة عند النساء، وهذه الشكوى تحدث نتيجة لتوسع الفرج بعد الولادات المتكررة للمرأة، فعند جلوس المرأة أو استلقائها يدخل الهواء العادي من جو الغرفة أو مكان جلوسها إلى الفرج، وكذلك أثناء الجماع، وعند ارتفاع الضغط بداخل البطن كمحاولة القيام من وضع الجلوس أو الكحة، أو رفع جسم ثقيل، يخرج الهواء من الفرج محدثًا صوتًا وكأنَّه الفساء الذي يحدث من المصران والشرج.
وهذا الذي يخرج من الفرج عبارة عن هواء عادي، وليس له أي صلة بالفساء أو بفضلات الأكل أو الأمعاء، وبالإمكان معالجة هذا الأمر بإجراء عملية جراحية لتضييق الفرج.
[ ١ / ٤٢٢ ]
٢ - يجب إجراء الكشف النسوي على المذكورة (المرأة السائلة) لاستبعاد وجود ناسور مهبلي (وهو عبارة عن وجود شق بين جدار المهبل الخلفي والمصران الغليظ)، حيث تتسرب الغازات من المصران الغليظ إلى الفرج، في هذه الحالة المرضية تحتاج إلى عملية جراحية لإغلاق هذا الشق، حيث إن خروج
(الغازات) بين الشرج والفرج من خلال هذه الشق يعتبر فساء.
ومن الممكن لهذه السائلة أن تعرض نفسها على استشارية نساء وولادة أو استشاري، حيث يمكن معرفة ما إذا كان هناك ناسور من عدمه، وفي حال وجود الناسور فيمكن علاجه بعملية جراحية قد تشفي المريضة من هذه الشكوى. والله أعلم.
فبناء على التقرير السابق أجابت اللجنة بأنَّ للريح الخارجة من القبل حالين:
الحال الأولى: أن تكون ناشئة عن توسع الفرج لتكرار الولادة عند المرأة، فيدخل الهواء العادي لأسباب معينة من قعود أو استلقاء ونحو ذلك، ثم يخرج من الفرج عند تغير حال الجسم محدثًا صوتًا لا صلة له بفضلات الأكل أو الأمعاء، وفي هذه الحال لا تعتبر هذه الريح ناقضة للوضوء.
الحال الثانية: أن تكون الريح ناشئة عن تسرب الغازات من المصران الغليظ إلى الفرج؛ لوجود شق بين جدار المهبل الخلفي والمصران الغليظ، وفي هذه الحال تعتبر هذه الريح ناقضة للوضوء؛ لأنَّ حقيقتها فساء، لكنه خرج من غير مخرجه.
ويعرف التفريق بين الحالين بمراجعة أهل الاختصاص من الطبيبات.
وبالله التوفيق، وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.
[ ١ / ٤٢٣ ]
اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء
عضو … عضو … الرئيس
بكر أبو زيد … صالح الفوزان … عبد العزيز بن عبد الله آل الشيخ».
٥ - وفي الحديث العدول عن ذكر الشيء المستقذر بخاص اسمه، إلى الكناية عنه. وهو مأخوذ من قوله: «يَجِدُ الشَّيْءَ فِي الصَّلاةِ» اهـ.
٦ - وفيه مشروعية الشكوى للعالم من أجل معرفة العلاج الشرعي، ونحو هذا أن يذكر ما به من الأوجاع البدنية للطبيب طلبًا للعلاج.
ومثل هذا لا ينافي الصبر.
وهكذا الشكوى لرب العالمين عبودية عظيمة ولا تنافي الصبر كما قال الله تعالى عن نبيه يعقوب ﵊: ﴿قَالَ إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٨٦)﴾ [يوسف: ٨٦].
وهكذا إذا ذكر الشخص لغيره ما حصل به ليس من باب الشكوى ولكن من باب الاسترواح وتخفيف ما به من الألم فلا ينافي ذلك الصبر لكن ينقصه وترك ذلك أكمل.
والشكوى المنافية للصبر هي شكوى الخالق للمخلوق.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ كما في [مجموع الفتاوى] (١٤/ ٢٠٨ - ٢١٠):
«وَأَمَّا الْكِتْمَانُ فَيُرَادُ بِهِ شَيْئَانِ:
[ ١ / ٤٢٤ ]
أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكْتُمَ بَثَّهُ وَأَلَمَهُ وَلَا يَشْكُوَ إلَى غَيْرِ اللَّهِ فَمَتَى شَكَا إلَى غَيْرِ اللَّهِ نَقَصَ صَبْرُهُ وَهَذَا أَعْلَى الكتمانين؛ لَكِنَّ هَذَا لَا يَصْبِرُ عَلَيْهِ كُلُّ أَحَدٍ؛ بَلْ كَثِيرٌ مِنْ النَّاسِ يَشْكُو مَا بِهِ وَهَذَا عَلَى وَجْهَيْنِ. فَإِنْ شَكَا ذَلِكَ إلَى طَبِيبٍ يَعْرِفُ طِبَّ النُّفُوسِ لِيُعَالِجَ نَفْسَهُ بِعِلَاجِ الْإِيمَانِ فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ الْمُسْتَفْتِي وَهَذَا حَسَنٌ وَإِنْ شَكَا إلَى مَنْ يُعِينُهُ عَلَى الْمُحَرَّمِ فَهَذَا حَرَامٌ وَإِنْ شَكَا إلَى غَيْرِهِ لِمَا فِي الشَّكْوَى مِنْ الرَّاحَةِ كَمَا أَنَّ الْمُصَابَ يَشْتَكِي مُصِيبَتَهُ إلَى النَّاسِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَقْصِدَ تَعَلُّمَ مَا يَنْفَعُهُ وَلَا الِاسْتِعَانَةَ عَلَى مَعْصِيَةٍ فَهَذَا يَنْقُصُ صَبْرُهُ؛ لَكِنْ لَا يَأْثَمُ مُطْلَقًا إلَّا إذَا اقْتَرَنَ بِهِ مَا يُحَرَّمُ كَالْمُصَابِ الَّذِي يَتَسَخَّطُ.
والثَّانِي: أَنْ يَكْتُمَ ذَلِكَ فَلَا يَتَحَدَّثُ بِهِ مَعَ النَّاسِ؛ لِمَا فِي ذَلِكَ مِنْ إظْهَارِ السُّوءِ وَالْفَاحِشَةِ فَإِنَّ النُّفُوسَ إذَا سَمِعَتْ مِثْلَ هَذَا تَحَرَّكْت وَتَشَهَّتْ وَتَمَنَّتْ وتتيمت وَالْإِنْسَانُ مَتَى رَأَى أَوْ سَمِعَ أَوْ تَخَيَّلَ مَنْ يَفْعَلُ مَا يَشْتَهِيهِ كَانَ ذَلِكَ دَاعِيًا لَهُ إلَى الْفِعْلِ وَالنِّسَاءُ مَتَى رَأَيْنَ الْبَهَائِمَ تَنْزَوِ الذُّكُورَ مِنْهَا عَلَى الْإِنَاثِ مِلْنَ إلَى الْبَاءَةِ؛ وَالْمُجَامَعَةِ وَالرَّجُلُ إذَا سَمِعَ مَنْ يَفْعَلُ مَعَ المردان وَالنِّسَاءِ أَوْ رَأَى ذَلِكَ أَوْ تَخَيَّلَهُ فِي نَفْسِهِ دَعَاهُ ذَلِكَ إلَى الْفِعْلِ وَإِذَا ذَكَرَ الْإِنْسَانُ طَعَامًا اشْتَهَاهُ وَمَالَ إلَيْهِ وَإِنْ وَصَفَ لَهُ مَا يَشْتَهِيهِ مِنْ لِبَاسٍ أَوْ امْرَأَةٍ أَوْ مَسْكَنٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ مَالَتْ نَفْسُهُ إلَيْهِ. وَالْغَرِيبُ عَنْ وَطَنِهِ مَتَى ذُكِّرَ بِالْوَطَنِ حَنَّ إلَيْهِ. فَكُلَّمَا كَانَ فِي نَفْسِ الْإِنْسَانِ مَحَبَّتُهُ إذَا تَصَوَّرَهُ تَحَرَّكَتْ الْمَحَبَّةُ وَالطَّلَبُ إلَى ذَلِكَ الْمَحْبُوبِ الْمَطْلُوبِ إمَّا إلَى وَصْفِهِ وَإِمَّا إلَى مُشَاهَدَتِهِ وَكِلَاهُمَا يَحْصُلُ بِهِ تَخَيُّلٌ فِي النَّفْسِ وَقَدْ يَحْصُلُ التَّخَيُّلُ بِالسَّمَاعِ وَالرُّؤْيَةِ أَوْ التَّفَكُّرِ فِي بَعْضِ الْأُمُورِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِهِ؛ فَإِذَا تَخَيَّلَتْ النَّفْسُ تِلْكَ الْأُمُورَ الْمُتَعَلِّقَةَ بِهِ
[ ١ / ٤٢٥ ]
انْقَلَبَتْ إلَى تَخَيُّلَةٍ أُخْرَى فَتَحَرَّكَتْ دَاعِيَةُ الْمَحَبَّةِ سَوَاءٌ كَانَتْ الْمَحَبَّةُ مَحْمُودَةً أَوْ مَذْمُومَةً. وَلِهَذَا تَتَحَرَّكُ النُّفُوسُ إلَى الْحَجِّ إذَا ذُكِرَ الْحِجَازُ وَتَتَحَرَّكُ بِذِكْرِ الْأَبْرَقِ وَالْأَجْرَعِ وَالْعَلِيِّ وَنَحْوِ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ رَأَى تِلْكَ الْمَنَازِلَ لَمَّا كَانَ ذَاهِبًا إلَى الْمَحْبُوبِ فَصَارَ ذِكْرُهَا يَذْكُرُ الْمَحْبُوبَ. وَكَذَلِكَ إذَا ذُكِرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ تَذَكَّرَ بِهِ وَتَحَرَّكَتْ مَحَبَّتُهُ.
فَالْمُبْتَلَى بِالْفَاحِشَةِ وَالْعِشْقِ. إذَا ذَكَرَ مَا بِهِ لِغَيْرِهِ تَحَرَّكَتْ النُّفُوسُ إلَى جِنْسِ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ النُّفُوسَ مَجْبُولَةٌ عَلَى حُبِّ الصُّوَرِ الْجَمِيلَةِ؛ فَإِذَا تَصَوَّرَتْ جِنْسَ ذَلِكَ تَحَرَّكَتْ إلَى الْمَحْبُوبِ؛ وَلِهَذَا نَهَى اللَّهُ عَنْ إشَاعَةِ الْفَاحِشَةِ» اهـ.
[ ١ / ٤٢٦ ]
* * *
[ ١ / ٤٢٧ ]
قال المؤلف رحمه الله تعالى:
٢٥ - عَنْ أُمِّ قَيْسِ بِنْتِ مِحْصَنٍ الأَسَدِيَّةِ: «أَنَّهَا أَتَتْ بِابْنٍ لَهَا صَغِيرٍ، لَمْ يَأْكُلِ الطَّعَامَ إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَأَجْلَسَهُ فِي حِجْرِهِ، فَبَالَ عَلَى ثَوْبِهِ، فَدَعَا بِمَاءٍ فَنَضَحَهُ عَلَى ثَوْبِهِ، وَلَمْ يَغْسِلْهُ».
قوله: «فَنَضَحَهُ» أي: رشه، ويأتي النضح والمراد به الغسل كما في حديث أسماء قالت: جَاءَتِ امْرَأَةٌ النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَتْ: أَرَأَيْتَ إِحْدَانَا تَحِيضُ فِي الثَّوْبِ، كَيْفَ تَصْنَعُ؟ قَالَ: «تَحُتُّهُ، ثُمَّ تَقْرُصُهُ بِالْمَاءِ، وَتَنْضَحُهُ، وَتُصَلِّي فِيهِ». رواه البخاري (٢٢٧)، ومسلم (٦٧٣). ومثله الحديث السابق:
«تَوَضَّأْ، وَانْضَحْ فَرْجَكَ».
قلت: والمراد بالنضح في هذا الحديث المكاثرة بالماء كما سيأتي بيانه.
قال العلامة النووي ﵀ في [شرح مسلم] (٣/ ١٨٦):
«وأمَّا حقيقة النضح هنا فقد اختلف أصحابنا فيها فذهب الشيخ أبو محمد الجويني والقاضي حسين والبغوي إلى أنَّ معناه أنَّ الشيء الذي أصابه البول يغمر بالماء كسائر النجاسات بحيث لو عصر لا يعصر قالوا وإنَّما يخالف هذا غيره في أنَّ غيره يشترط عصره على أحد الوجهين وهذا لا يشترط بالاتفاق. وذهب إمام الحرمين والمحققون إلى أنَّ النضح أن يغمر ويكاثر بالماء مكاثرة لا يبلغ جريان الماء وتردده وتقاطره بخلاف المكاثرة في غيره فإنَّه يشترط فيها أن يكون بحيث
[ ١ / ٤٢٨ ]
يجرى بعض الماء ويتقاطر من المحل وإن لم يشترط عصره وهذا هو الصحيح المختار ويدل عليه قولها فنضحه ولم يغسله» اهـ.
وفي الحديث مسائل منها:
١ - أنَّه يدل على الاكتفاء بنضح الثوب الذي وقع فيه بول الصبي الذي لم يأكل دون غسله.
قال العلامة ابن بطال ﵀ في [شرح البخاري] (١/ ٣٥٦):
«واختلف العلماء في بول الصبي، فقالت طائفة: بوله طاهر قبل أن يأكل الطعام، روى هذا عن علي بن أبي طالب، وأم سلمة، وعطاء، والحسن، والزهري.
وهو قول الأوزاعي، وابن وهب صاحب مالك، والشافعي، وأحمد، وإسحاق.
والحجة لهم قوله في حديث أم قيس: " فنضحه، ولم يغسله ".
وفرق هؤلاء الفقهاء بين بول الصبي والصبية، فقالوا: بول الصبية نجس، وإن لم تأكل الطعام بخلاف بول الصبي.
واحتجوا في ذلك بما رواه هشام، عن قتادة، عن أبى حرب بن أبى الأسود، عن أبيه، عن على بن أبى طالب، عن الرسول ﷺ أنه قال في الرضيع: " يغسل بول الجارية، وينضح بول الغلام ".
وقالت طائفة أخرى: بول الصبي والصبية نجس، سواء أكلا الطعام أم لا، هذا قول النخعي، وإليه ذهب مالك، والكوفيون، وأبو ثور» اهـ.
[ ١ / ٤٢٩ ]
وقال العلامة النووي ﵀ في [شرح مسلم] (٣/ ١٨٥):
«وقد اختلف العلماء في كيفية طهارة بول الصبي والجارية على ثلاثة مذاهب وهى ثلاثة أوجه لأصحابنا:
الصحيح المشهور المختار أنَّه يكفي النضح في بول الصبي ولا يكفي في بول الجارية بل لابد من غسله كسائر النجاسات.
والثاني: أنَّه يكفي النضح فيهما.
والثالث: لا يكفى النضح فيهما وهذان الوجهان حكاهما صاحب التتمة من أصحابنا وغيره وهما شاذان ضعيفان وممن قال بالفرق علي بن أبي طالب وعطاء بن أبي رباح والحسن البصري وأحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه وجماعة من السلف وأصحاب الحديث وابن وهب من أصحاب مالك ﵃ وروي عن أبي حنيفة.
وممن قال بوجوب غسلهما أبو حنيفة ومالك في المشهور عنهما وأهل الكوفة.
واعلم أنَّ هذا الخلاف إنما هو في كيفية تطهير الشيء الذي بال عليه الصبي ولا خلاف في نجاسته وقد نقل بعض أصحابنا إجماع العلماء على نجاسة بول الصبي وأنَّه لم يخالف فيه إلَّا داود الظاهري.
قال الخطابي وغيره: وليس تجويز من جوز النضح في الصبي من أجل أنَّ بوله ليس بنجس ولكنه من أجل التخفيف في إزالته فهذا هو الصواب، وأمَّا ما حكاه أبو الحسن بن بطال ثم القاضي عياض عن الشافعي وغيره أنَّهم قالوا بول الصبي طاهر فينضح فحكاية باطلة قطعًا» اهـ.
وقال الحافظ ابن حجر ﵀ في [فتح الباري] (١/ ٣٩٠):
[ ١ / ٤٣٠ ]
«تنبيه قال الخطابي: ليس تجويز من جوز النضح من أجل أن بول الصبي غير نجس ولكنه لتخفيف نجاسته انتهى. وأثبت الطحاوي الخلاف فقال: قال قوم بطهارة بول الصبي قبل الطعام. وكذا جزم به ابن عبد البر وابن بطال ومن تبعهما عن الشافعي وأحمد وغيرهما ولم يعرف ذلك الشافعية ولا الحنابلة وقال النووي: هذه حكاية باطلة انتهى. وكأنَّهم أخذوا ذلك من طريق اللازم وأصحاب صاحب المذهب أعلم بمراده من غيرهم والله أعلم» اهـ.
قلت: وقد فسَّر الطحاوي، والمهلب، وابن القصار النضح في الحديث بالغسل، وهذا التفسير غير صحيح فقد وردت رواية لهذا الحديث عند مسلم (٦٦٤) بلفظ: «فَدَعَا بِمَاءٍ فَرَشَّهُ». وفي رواية أخرى عنده (٦٦٥): «فَدَعَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِمَاءٍ فَنَضَحَهُ عَلَى ثَوْبِهِ وَلَمْ يَغْسِلْهُ غَسْلًا».
وفي رواية للبخاري (٢٢٣): «فَدَعَا بِمَاءٍ فَنَضَحَهُ وَلَمْ يَغْسِلْهُ»، ونحوه حديث عائشة الآتي بعد هذا الحديث.
قال العلامة ابن القيم ﵀ في [تحفة المودود بأحكام المولود] ص (٢١٦):
«قال الأصحاب وغيرهم النضح أن يغرقه بالماء وإن لم يزل عنه وليس هذا بشرط بل النضح الرش كما صرح به في اللفظ الآخر بحيث يكاثر البول بالماء» اهـ.
قلت: ولا يشترط زوال أصافه بالرش على الصحيح، وذلك أنَّ الرش لا يكفي في إزالة الأوصاف غالبًا.
[ ١ / ٤٣١ ]
وفي ذلك نزاع بين العلماء.
قال الخطيب الشربيني الشافعي ﵀ في [الإقناع] (١/ ٩٠):
«وَلَا بُد فِي النَّضْح من إِزَالَة أَوْصَافه كَبَقِيَّة النَّجَاسَات وَإِنَّمَا سكتوا عَنْ ذَلِك لِأَن الْغَالِب سهولة زَوَالهَا خلافًا للزركشي من أَنَّ بَقَاء اللَّوْن وَالرِّيح لَا يضر» اهـ.
وذكر ذلك أيضًا ﵀ في [مغني المحتاج] (١/ ٢٤١).
٢ - أنَّ هذا الحكم مختص بالصبي الذي لم يأكل الطعام، فأمَّا إذا أكل الطعام على سبيل التغذية فيغسل بوله اتفاقًا.
قال العلامة النووي ﵀ في [شرح مسلم] (٣/ ١٨٦):
«ثم إنَّ النضح إنَّما يجزى ما دام الصبي يقتصر به على الرضاع أمَّا إذا أكل الطعام على جهة التغذية فإنَّه يجب الغسل بلا خلاف والله أعلم» اهـ.
وقال الحافظ ابن حجر ﵀ في [فتح الباري] (١/ ٣٨٩):
«قوله: "لم يأكل الطعام" المراد بالطعام ما عدا اللبن الذي يرتضعه والتمر الذي يحنك به والعسل الذي يلعقه للمداواة وغيرها فكأنَّ المراد أنَّه لم يحصل له الاغتذاء بغير اللبن على الاستقلال هذا مقتضى كلام النووي في "شرح مسلم" و"شرح المهذب"، وأطلق في "الروضة" تبعًا لأصلها أنَّه لم يطعم ولم يشرب غير اللبن وقال في "نكت التنبيه": المراد أنَّه لم يأكل غير اللبن وغير ما يحنك به وما أشبهه.
وحمل الموفق الحموي في "شرح التنبيه" قوله: لم يأكل على ظاهره فقال معناه: لم يستقل بجعل الطعام في فيه. والأول أظهر وبه جزم الموفق بن قدامة وغيره» اهـ.
قال العلامة ابن قدامة ﵀ في [المغني] (٢/ ٢٨٧):
[ ١ / ٤٣٢ ]
«فصل: قال أحمد: الصبي إذا طعم الطعام وأراده واشتهاه غسل بوله وليس إذا طعم لأنَّه قد يلعق العسل ساعة يولد والنبي ﷺ حنك بالتمر ولكن إذا كان يأكل ويريد الأكل.
فعلى هذا ما يسقاه الصبي أو يلعقه للتداوي لا يعد طعامًا يوجب الغسل وما يطعمه لغذائه وهو يريده ويشتهيه هو الموجب لغسل بوله والله أعلم» اهـ.
وقال العلامة ابن القيم ﵀ في [تحفة المودود بأحكام المولود] ص (٢١٧):
«ولا يبطل حكم النضح بتعليق العسل والشراب والتحنيك ونحوه لئلا تتعطل الرخصة فإنَّه لا يخلو من ذلك مولود غالبًا، ولأنَّ النبي كان من عادته تحنيك الأطفال بالتمر عند ولادتهم وإنَّما يزول حكم النضح إذا أكل الطعام وأراده واشتهاه تغذيًا به والله أعلم» اهـ.
قلت: وخالف في هذه المسألة ابن حزم فلم يشترط عدم الأكل في الغلام الذي يرش من بوله فقال ﵀ في [المحلى] (١/ ١٠٠):
«مسألة: وتطهير بول الذكر أي ذكر كان في أي شيء كان فبأن يرش الماء عليه رشًا يزيل أثره، وبول الآنثى يغسل، فإن كان البول في الأرض أي بول كان فبأن يصب الماء عليه صبا يزيل أثره فقط» أهـ.
واحتج بحديث أبي السمح قال: «كُنْتُ أَخْدُمُ رَسُولَ اللهِ ﷺ فَإِذَا أَرَادَ أَنْ يَغْتَسِلَ قَالَ وَلِّنِي قَفَاكَ فَأُولِيهِ قَفَايَ وَأَنْشُرُ الثَّوْبَ يَعْنِي أَسْتُرُهُ
[ ١ / ٤٣٣ ]
فَأُتِيَ بِحَسَنٍ أَوْ حُسَيْنٍ ﵄ فَبَالَ عَلَى صَدْرِهِ فَدَعَا بِمَاءٍ فَرَشَّهُ عَلَيْهِ وَقَالَ: "هَكَذَا يُصْنَعُ يُرَشُّ مِنَ الذَّكَرِ وَيُغْسَلُ مِنَ الأُنْثَى"».
قلت: وحديث أبي السمح حديث صحيح أخرجه الدارقطني (٤) بهذا اللفظ، وأخرجه أبو داود (٣٧٦)، والنسائي في [المجتبى] (٣٠٣)، [والكبرى] (٢٩٣)، وابن ماجه (٥٢٦) بلفظ: «يُغْسَلُ مِنْ بَوْلِ الْجَارِيَةِ وَيُرَشُّ مِنْ بَوْلِ الْغُلَامِ».
وهل يدخل في ذلك الغلام الذي يرضع من الحليب الصناعي فيرش من بوله أو لا؟.
فالذي يظهر دخوله في هذا الحكم، وذلك لأنَّ اللبن الصناعي قائم مقام اللبن الطبيعي، ومتناوله يسمى رضيعًا لغة وعرفًا.
وقد ذكر بعض العلماء أنَّ الطفل إذا شرب من لبن البهيمة فيرش بوله كما يرش من بول الصبي الرضيع إذا رضع من لبن آدمية، وهذا اللبن الصناعي مستخلص من لبن البهائم.
قال العلامة ابن حجر الهيتمي الشافعي ﵀ في [تحفة المحتاج في شرح المنهاج] (١/ ٣١٦): «أَمَّا إذَا أَكَلَ غَيْرَ لَبَنٍ لِلتَّغَذِّي كَسَمْنٍ أَوْ جَاوَزَ سَنَتَيْنِ فَيَتَعَيَّنُ الْغَسْلُ وَلَا يَضُرُّ تَنَاوُلُ شَيْءٍ لِلتَّحْنِيكِ أَوْ لِلْإِصْلَاحِ وَلَا لَبَنُ آدَمِيٍّ أَوْ غَيْرِهِ وَلَوْ نَجِسًا عَلَى الْأَوْجَهِ؛ لِأَنَّ لِلْمُسْتَحِيلِ فِي الْبَاطِنِ حُكْمَ الْمُسْتَحَالِ إلَيْهِ» اهـ.
وقال الخطيب الشربيني الشافعي ﵀ في [مغني المحتاج] (١/ ٢٤١):
«ثُمَّ شَرَعَ فِي الْقِسْمِ الثَّانِي مِنْ النَّجَاسَةِ وَهِيَ الْمُخَفَّفَةُ فَقَالَ: (وَمَا تَنَجَّسَ) مِنْ جَامِدٍ (بِبَوْلِ صَبِيٍّ لَمْ يَطْعَمْ) بِفَتْحِ الْيَاءِ: أَيْ يَتَنَاوَلُ قَبْلَ مُضِيِّ حَوْلَيْنِ (غَيْرَ لَبَنٍ)
[ ١ / ٤٣٤ ]
لِلتَّغَذِّي (نُضِحَ) بِضَادٍ مُعْجَمَةٍ وَحَاءٍ مُهْمَلَةٍ، وَقِيلَ مُعْجَمَةٌ أَيْضًا وَلَوْ كَانَ اللَّبَنُ مِنْ غَيْرِ آدَمِيٍّ أَوْ مِنْ غَيْرِ طَاهِرٍ خِلَافًا لِلْأَذْرَعِيِّ فِي الْأُولَى مِنْ التَّخْصِيصِ بِلَبَنِ الْمُرْضِعِ، وَلِلزَّرْكَشِيِّ فِي الثَّانِيَةِ مِنْ أَنَّهُ يُغْسَلُ مِنْ النَّجِسِ وَالْمُتَنَجِّسِ قِيَاسًا مِنْهُ عَلَى لَبَنِ الْإِنْفَحَةِ» اهـ.
وقال العلامة محمد بن إبراهيم آل الشيخ ﵀ كما في [فتاوى ورسائل محمد بن إبراهيم آل الشيخ] (٢/ ٧٢):
«قوله: "ويطهر بول غلام لم يأكل الطعام بنضحه"
أَي غذاؤه باللبن سواء لبن آدمية أَوْ بهيمة، وليس امتصاصه ما يوضع في فمه وابتلاعه أَكلًا. وكذلك إِذا كان يبغي الطعام لكن منعه فلا يؤثر فليس بنجس. وكذلك إِذا أَكل من دون شهوة. فالذي يطلق عليه أَنَّه يأْكل الطعام هو الذي يريد الطعام ويتناوله أَوْ يشرئب أَوْ يصيح أَوْ يشير إِليه.
والشوربة التي يجعلونها غذاء هي طعام كسائر الأَطعمة - والله أَعلم.
ولو أَكل ثم حرم فلا يؤثر فيكون نجسًا ولا ينتقل الحكم. ثم الذي لا يأْكل الطعام بوله نجس على الصحيح ولكن نجاسته خفيفة يكتفى في تطهيرها بالرش والنضح، يسر في تطهيرها لأَنه يحمل ويباشر ويلابس. وكأَن أَولى التعليلات في بول الغلام والجارية هو الانتشار» اهـ.
وقال العلامة ابن باز ﵀ في صوتية له في برنامج نور على الدرب بعد أن سئل: عمَّا إذا غُذِّي الرضيع باللبن الصناعي في الحولين هل يعتبر مفطومًا، وهل يغير ذلك من حكم نجاسته؟.
[ ١ / ٤٣٥ ]
فقال ﵀: «أمَّا بعد الحولين فإنه يعتبر مفطومًا فلو أرضعه أحدٌ بعد الحولين فإنَّه لا يعتبر رضاع، أما في حال الحولين فإذا ارتضع من امرأةٍ خمس رضعات أو أكثر في حال الحولين فإنَّه يعتبر ولدًا لها وأخًا لأولادها، وابنًا لزوجها، وأمَّا حكم ارتضاعه من لبن غير غير لبن أمه فهذا محل نظر، والأقرب والله أعلم أنَّه كالذي يرتضع من أمه، ولا يقال: إنَّه يتغذى بالطعام حينئذ وإنَّما يتغذى بلبن قام مقام لبن أمه، فالأقرب والله أعلم أنَّ بوله يكفي فيه الرش والنضح كبول الصبي الذي لا يأكل الطعام إذا كان يتغذى بلبن أمه، هذا هو الأقرب والأظهر والله أعلم» اهـ.
وجاء في صوتية "فتاوى الدروس العلمية شرح العمدة" سئل العلامة الفوزان حفظه الله: «هل الحليب الصناعي اليوم يعتبر من الطعام فتكون النجاسة غير مخففة؟
فأجاب الشيخ وفقه الله: لا، ما يعتبر، الحليب سواء كان من ثدي المرأة أو كان مجففًا، أو كان من الحيوانات كله سواء لا يعتبر من الطعام، وإنَّما يعتبر من الرضاع» اهـ.
قلت: وذهب الشيخ عبد العزيز الراجحي إلى أنَّ الطفل الذي يرضع من اللبن الصناعي يغسل بوله ولا يرش فقد قال في [شرح عمدة الفقه] (١/ ١٧):
«وكذلك إذا أكل الغلام الطعام، أو كان يشرب من الحليب الصناعي ويتغذى به فلا بد من غسله، وإن كان لم يأكل الطعام ويرضع من حليب أمه فيكفيه النضح، وكذلك بول الأنثى لا بد من غسله على كل حال» اهـ.
[ ١ / ٤٣٦ ]
٣ - هذا الحكم مختص بالصبي دون الجارية، فأمَّا بول الجارية فيغسل ولا ينضح.
وقد ذكر العلماء حكمًا في اختصاص الصبي بذلك دون الجارية
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في [شرح العمدة] (١/ ٢٩ - ٣٠):
«وقد قيل إنَّ الغلام يبول رزقًا مستلقيًا على ظهره فينشر نجاسته فتعظم المشقة بغسلها فإذا أكل الطعام قوي واشتد ظهره فقعد فيقل انتشار نجاسته، والجارية لا يجاوز بولها محلها. وقيل أشياء أخر منها أنَّ الغلام يحمل على الأيدي عادة بخلاف الجارية، ومنها أنَّ مزاجه حار فبوله رقيق بخلاف الأنثى فإنَّها شديدة الرطوبة» اهـ.
وقال العلامة ابن القيم ﵀ في [إعلام الموقعين] (٢/ ٧٨ - ٧٩):
«والفرق بين الصبي والصبية من ثلاثة أوجه:
أحدها: كثرة حمل الرجال والنساء للذكر فتعم البلوى ببوله فيشق عليه غسله.
والثاني: أن بوله لا ينزل في مكان واحد بل ينزل متفرقًا هاهنا، وهاهنا فيشق غسل ما أصابه كله بخلاف بول الأنثى.
الثالث: أنَّ بول الأنثى أخبث وأنتن من بول الذكر وسببه حرارة الذكر ورطوبة الأنثى فالحرارة تخفف من نتن البول وتذيب منها ما لا يحصل مع الرطوبة وهذه معان مؤثرة يحسن اعتبارها في الفرق» اهـ.
٤ - احتج بالحديث القائلون بأنَّ قليل الماء لا ينجسه قليل النجاسة إذا غلب عليها.
[ ١ / ٤٣٧ ]
٥ - الحديث يدل على اللين والتواضع والرفق بالصغار.
* * *
[ ١ / ٤٣٨ ]
قال المؤلف رحمه الله تعالى:
٢٦ - وَعَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ ﵂: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أُتِيَ بِصَبِيٍّ، فَبَالَ عَلَى ثَوْبِهِ، فَدَعَا بِمَاءٍ، فَأَتْبَعَهُ إيَّاهُ».
ولمسلم: «فَأَتْبَعَهُ بَوْلَهُ، وَلَمْ يَغْسِلْهُ».
قولها: «أتي بصبي» الصبي: هو الذي لم يحتلم ولم ينبت. والمراد به هنا ما كان في زمن الرضاع.
وهذا الحكم مختص ببول الغلام، ولا يدخل في ذلك غائطه، وأدخل بعض العلماء قيئه في ذلك.
قال العلامة منصور البهوتي الحنبلي ﵀ في [شرح منتهى الإرادات] (١/ ١٠٤):
«"وَيُجْزِي فِي بَوْلِ غُلَامٍ" وَمِثْلُهُ قَيْئُهُ "لَمْ يَأْكُلْ طَعَامًا لِشَهْوَةٍ نَضْحُهُ، وَهُوَ غَمْرُهُ بِمَاءٍ" وَإِنْ لَمْ يَقْطُرْ مِنْهُ شَيْءٌ» اهـ.
قلت: القيء إذا كان متغيرًا فهو نجس في قول عامة العلماء، وإن لم يتغير فهو نجس في قول أكثرهم، وخالف في ذلك الإمام مالك فلم ير نجاسته.
والقول بأنَّ ابن حزم يقول بطهارة القيء ليس بصحيح فإنَّه قال في [المحلى] (١/ ١٨٨): «مَسْأَلَةٌ: وَالْقَيْءُ مِنْ كُلِّ مُسْلِمٍ أَوْ كَافِرٍ حَرَامٌ يَجِبُ اجْتِنَابُهُ، لِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: «الْعَائِدُ فِي هِبَتِهِ كَالْعَائِدِ فِي قَيْئِهِ» وَإِنَّمَا قَالَ ﵇ ذَلِكَ عَلَى مَنْعِ الْعَوْدَةِ فِي الْهِبَةِ» اهـ.
[ ١ / ٤٣٩ ]
ولم يصرح بالطهارة.
لكن القول بأنَّ قيء الطفل الرضيع يطهر بالرش فيه نظر لوجود الفارق بين بول الرضيع وقيئه، وذلك أنَّ بول الرضيع يكثر وينتشر في الثوب فيشق والمشقة تجلب التيسير بخلاف القيء فإنَّه لا يكثر ولا ينتشر.
ومن أجل هذه المعاني وغيرها فُرق بين بول الجارية والغلام.
وقوله: «وَعَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ».
اختلف العلماء في أزواج النبي ﷺ هل هنَّ أمهات لنساء المؤمنين أم ذلك خاص برجالهم دون نسائهم.
فروى ابن سعد في [الطبقات] (٨/ ٥١، ٥٣، ١٤٤، ١٦١)، والبيهقي في [الكبرى]، وأبو نعيم في [مسانيد فراس] (٢٥) من طريق فِرَاسٍ عَنْ عَامِرٍ الشَّعْبِيِّ عَنْ مَسْرُوقٍ أَنَّ امْرَأَةً قَالَتْ لِعَائِشَةَ: يَا أُمَّهْ. فَقَالَتْ: «لَسْتُ بِأُمِّكِ. أَنَا أُمُّ رِجَالِكُمْ».
قلت: هذا أثر صحيح.
وحجة عائشة قول الله تعالى: ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ (٦)﴾ [الأحزاب: ٦].
لكن يضعف هذا القول أول الآية، أنَّ المؤمنين الذين أخبر الله ﷿ أنَّ النبي أولى بهم من أنفسهم يشمل الرجال والنساء، والضمير في ﴿أُمَّهَاتُهُمْ﴾. راجع إليهم، فلهذا كان الصحيح أنَّ أزواج النبي ﷺ أمهات للرجال والنساء من أهل الإيمان.
[ ١ / ٤٤٠ ]
قال العلامة ابن العربي ﵀ في [أحكام القرآن] (٣/ ٥٤٢):
«اخْتَلَفَ النَّاسُ، هَلْ هُنَّ أُمَّهَاتُ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ، أَمْ هُنَّ أُمَّهَاتُ الرِّجَالِ خَاصَّةً، عَلَى قَوْلَيْنِ: فَقِيلَ: ذَلِكَ عَامٌّ فِي الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ.
وَقِيلَ: هُوَ خَاصٌّ لِلرِّجَالِ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ بِذَلِكَ إنْزَالُهُنَّ مَنْزِلَةَ أُمَّهَاتِهِمْ فِي الْحُرْمَةِ، حَيْثُ يُتَوَقَّعُ الْحِلُّ، وَالْحِلُّ غَيْرُ مُتَوَقَّعٍ بَيْنَ النِّسَاءِ، فَلَا يُحْجَبُ بَيْنَهُنَّ بِحُرْمَةٍ.
وَقَدْ رُوِيَ أَنَّ امْرَأَةً قَالَتْ لِعَائِشَةَ: يَا أُمَّاهُ. فَقَالَتْ: لَسْت لَك بِأُمٍّ، إنَّمَا أَنَا أُمُّ رِجَالِكُمْ، وَهُوَ الصَّحِيحُ» اهـ.
وقال العلامة القرطبي ﵀ في [تفسيره] (١٤/ ١٢٣):
«الثَّالِثَةُ- قوله تعالى: ﴿وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ (٦)﴾ شَرَّفَ اللَّهُ تَعَالَى أَزْوَاجَ نَبِيِّهِ ﷺ بِأَنْ جَعَلَهُنَّ أُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ، أَيْ فِي وُجُوبِ التَّعْظِيمِ وَالْمَبَرَّةِ وَالْإِجْلَالِ وَحُرْمَةِ النِّكَاحِ عَلَى الرِّجَالِ، وَحَجْبِهِنَّ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُنَّ بِخِلَافِ الْأُمَّهَاتِ.
وَقِيلَ: لَمَّا كَانَتْ شَفَقَتُهُنَّ عَلَيْهِمْ كَشَفَقَةِ الْأُمَّهَاتِ أُنْزِلْنَ مَنْزِلَةَ الْأُمَّهَاتِ، ثُمَّ هَذِهِ الْأُمُومَةُ لَا تُوجِبُ مِيرَاثًا كَأُمُومَةِ التَّبَنِّي. وَجَازَ تَزْوِيجُ بَنَاتِهِنَّ، وَلَا يُجْعَلْنَ أَخَوَاتٍ لِلنَّاسِ. وَسَيَأْتِي عَدَدُ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ ﷺ فِي آيَةِ التَّخْيِيرِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
[ ١ / ٤٤١ ]
وَاخْتَلَفَ النَّاسُ هَلْ هُنَّ أُمَّهَاتُ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ أَمْ أُمَّهَاتُ الرِّجَالِ خَاصَّةً، عَلَى قو لين: فَرَوَى الشَّعْبِيُّ عَنْ مَسْرُوقٍ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّ امْرَأَةً قَالَتْ لَهَا: يَا أُمَّهْ، فَقَالَتْ لَهَا: لَسْتُ لَكِ بِأُمٍّ، إِنَّمَا أَنَا أُمُّ رِجَالِكُمْ.
قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ: وَهُوَ الصَّحِيحُ.
قُلْتُ: لَا فَائِدَةَ فِي اخْتِصَاصِ الْحَصْرِ فِي الْإِبَاحَةِ لِلرِّجَالِ دُونَ النِّسَاءِ، وَالَّذِي يَظْهَرُ لِي أَنَّهُنَّ أُمَّهَاتُ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ، تَعْظِيمًا لِحَقِّهِنَّ عَلَى الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ. يَدُلُّ عَلَيْهِ صَدْرُ الْآيَةِ: ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ (٦)﴾، وَهَذَا يَشْمَلُ الرِّجَالَ وَالنِّسَاءَ ضَرُورَةً.
وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ وَجَابِرٍ، فَيَكُونُ قَوْلُهُ: ﴿وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ (٦)﴾ عَائِدًا إِلَى الْجَمِيعِ. ثُمَّ إِنَّ فِي مُصْحَفِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ "وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ وَهُوَ أَبٌ لَهُمْ". وَقَرَأَ ابْنُ عَبَّاسٍ: "مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَهُوَ أَبٌ لَهُمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهاتُهُمْ". وَهَذَا كُلُّهُ يُوهِنُ مَا رَوَاهُ مَسْرُوقٌ إِنْ صَحَّ مِنْ جِهَةِ التَّرْجِيحِ، وَإِنْ لَمْ يَصِحَّ فَيَسْقُطُ الِاسْتِدْلَالُ بِهِ فِي التَّخْصِيصِ، وَبَقِينَا عَلَى الْأَصْلِ الَّذِي هُوَ الْعُمُومُ الَّذِي يَسْبِقُ إِلَى الْفُهُومِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ» اهـ.
وقال العلامة بدر الدين العيني ﵀ في [عمدة القاري] (١/ ٣٨):
«وَهل يُقَال لأخوتهن أخوال الْمُسلمين ولأخواتهن خالات الْمُؤمنِينَ ولبناتهن أَخَوَات الْمُؤمنِينَ فِيهِ خلاف عِنْد الْعلمَاء وَالأَصَح الْمَنْع لعدم التَّوْقِيف وَوجه مُقَابِله أَنه مُقْتَضى ثُبُوت الأمومة وَهُوَ ظَاهر النَّص لكنه مؤول قَالُوا وَلَا يُقَال آباؤهن وأمهاتهن أجداد الْمُؤمنِينَ وجداتهم وَهل يُقَال فِيهِنَّ أُمَّهَات الْمُؤْمِنَات فِيهِ
[ ١ / ٤٤٢ ]
خلاف وَالأَصَح أَنه لَا يُقَال بِنَاء على الْأَصَح أَنَّهُنَّ لَا يدخلن فِي خطاب الرِّجَال» اهـ.
وقال الحافظ ابن كثير ﵀ في [تفسيره] (٦/ ٣٨٠ - ٣٨١):
«وَقَوْلُهُ: ﴿وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ (٦)﴾ أَيْ: فِي الْحُرْمَةِ وَالِاحْتِرَامِ، وَالْإِكْرَامِ وَالتَّوْقِيرِ وَالْإِعْظَامِ، وَلَكِنْ لَا تَجُوزُ الْخَلْوَةُ بِهِنَّ، وَلَا يَنْتَشِرُ التَّحْرِيمُ إِلَى بَنَاتِهِنَّ وَأَخَوَاتِهِنَّ بِالْإِجْمَاعِ، وَإِنْ سَمَّى بَعْضُ الْعُلَمَاءِ بَنَاتِهُنَّ أَخَوَاتِ الْمُؤْمِنِينَ، كَمَا هُوَ مَنْصُوصُ الشَّافِعِيِّ فِي "الْمُخْتَصَرِ"، وَهُوَ مِنْ بَابِ إِطْلَاقِ الْعِبَارَةِ لَا إِثْبَاتِ الْحُكْمِ. وَهَلْ يُقَالُ لِمُعَاوِيَةَ وَأَمْثَالِهِ: خَالُ الْمُؤْمِنِينَ؟ فِيهِ قَوْلَانِ لِلْعُلَمَاءِ. وَنَصَّ الشَّافِعِيُّ عَلَى أَنَّهُ يُقَالُ ذَلِكَ. وَهَلْ يُقَالُ لَهُنَّ: أُمَّهَاتُ الْمُؤْمِنَاتِ، فَيُدْخِلُ النِّسَاءَ فِي جَمْعِ الْمُذَكَّرِ السَّالِمِ تَغْلِيبًا؟ فِيهِ قَوْلَانِ: صَحَّ عَنْ عَائِشَةَ، ﵂، أَنَّهَا قَالَتْ: لَا يُقَالُ ذَلِكَ. وَهَذَا أَصَحُّ الْوَجْهَيْنِ فِي مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ، ﵀» اهـ.
وقال الحافظ ابن حجر ﵀ في [فتح الباري] (١/ ١٨):
«وَإِنَّمَا قِيلَ لِلْوَاحِدَةِ مِنْهُنَّ أُمُّ الْمُؤْمِنِينَ لِلتَّغْلِيبِ وَإِلَّا فَلَا مَانِعَ مِنْ أَنْ يُقَالَ لَهَا أُمُّ الْمُؤْمِنَاتِ عَلَى الرَّاجِحِ» اهـ.
قلت: مسائل هذا الحديث تقدمت في الحديث السابق
* * *
[ ١ / ٤٤٣ ]
قال المؤلف رحمه الله تعالى:
٢٧ - عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ قَالَ: «جَاءَ أَعْرَابِيٌّ، فَبَالَ فِي طَائِفَةِ الْمَسْجِدِ، فَزَجَرَهُ النَّاسُ، فَنَهَاهُمُ النَّبِيُّ ﷺ فَلَمَّا قَضَى بَوْلَهُ أَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ بِذَنُوبٍ مِنْ مَاءٍ، فَأُهْرِيقَ عَلَيْهِ».
قوله: «جَاءَ أَعْرَابِيٌّ» الأعرابي واحد الأعراب وهم: من سكن البادية عربًا كانوا أو عجمًا.
قال العلامة ابن دقيق العيد ﵀ في [إحكام الأحكام] (١/ ١٢١):
«"الْأَعْرَابِيُّ" مَنْسُوبٌ إلَى الْأَعْرَابِ، وَهُمْ سُكَّانُ الْبَوَادِي، وَوَقَعَتْ النِّسْبَةُ إلَى الْجَمْعِ دُونَ الْوَاحِدِ فَقِيلَ؛ لِأَنَّهُ جَرَى مَجْرَى الْقَبِيلَةِ، كَأَنْمَارٍ؛ أَوْ لِأَنَّهُ لَوْ نُسِبَ إلَى الْوَاحِدِ، وَهُوَ " عَرَبٌ " لَقِيلَ: عَرَبِيٌّ، فَيُشْتَبَهُ الْمَعْنَى، فَإِنَّ " الْعَرَبِيَّ " كُلُّ مَنْ هُوَ مِنْ وَلَدِ إسْمَاعِيلَ ﵇، سَوَاءٌ كَانَ سَاكِنًا بِالْبَادِيَةِ أَوْ بِالْقُرَى وَهَذَا غَيْرُ الْمَعْنَى الْأَوَّلِ» اهـ.
قال في [طرح التثريب] (٢/ ١٣٦) متعقبًا على ابن دقيق العيد:
«وَقَوْلُهُ: إنَّ الْأَعْرَابَ جَمْعُ عَرَبٍ لَيْسَ بِجَيِّدٍ، وَإِنَّمَا هُوَ جَمْعُ أَعْرَابِيٍّ كَمَا ذَكَرَهُ أَهْلُ اللُّغَةِ» اهـ.
قوله: «فِي طَائِفَةِ الْمَسْجِدِ» أي: ناحيته.
[ ١ / ٤٤٥ ]
قوله: «بِذَنُوبٍ مِنْ مَاءٍ» الذنوب: هي الدلو الكبيرة، وقيل لا تسمى ذنوبًا إلَّا إذا كان فيها ماء، ويطلق الذنوب أيضًا على النصيب كما قال الله تعالى: ﴿فَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذَنُوبًا مِثْلَ ذَنُوبِ أَصْحَابِهِمْ فَلَا يَسْتَعْجِلُونِ (٥٩)﴾ [الذاريات: ٥٩].
وقوله: «مِنْ مَاءٍ» مع أنَّ الذنوب هو الدلو الذي فيه ماء، وذلك لأنَّ الذنوب لفظة مشتركة تطلق على الحظ والنصيب، وتطلق على الفرس الطويل، ويقال: يوم ذنوب: لا ينقضي شره لطوله. والذنوبان في الصلب: هما المتنان يكتنفان ناحيتي الصلب، الواحد ذنوب. الذنوب لحم المتن، فميز بينه وين هذه المعاني بقوله:
«مِنْ مَاءٍ».
قوله: «فَأُهْرِيقَ» أصله: أريق من الإراقة، وهي صب الماء.
وفي الحديث مسائل منها:
١ - أنَّ الأرض تطهر من البول بصب الماء عليها.
وهل يدخل في ذلك فراش المسجد أو البيت إذا بال عليها بائل أو لا؟.
جاء في [فتاوى اللجنة الدائمة] (٥/ ٣٩٧ - ٣٩٨):
«السؤال الثاني من الفتوى رقم (٢٩٨٩)
س ٢: استعمل كثير من الناس الكماليات في فرش حجر المنزل فهل إذا بال الطفل مثلا على الفرشة على مختلف سنه يكفي صب الماء وتطهر من النجاسة، نظرا إلى أن الفرشة قد تكون كبيرة وقد تكون لاصقة بالأرض، أو تكون مثبتًا عليها دواليب كبيرة وسرر أو لا؟
جـ ٢: الحمد لله وحده والصلاة والسلام على رسوله وآله وصحبه .. وبعد:
[ ١ / ٤٤٦ ]
إذا كان من بال على هذه الفرشة ونحوها غلامًا لم يأكل الطعام كفى في تطهيرها رش الماء عليها حتى يعم موضع النجاسة منها، ولا يجب عصرها ولا غسلها، وإن كان قد أكل الطعام أو كان جارية سواء أكلت الطعام أم لا، فلا بد لتطهيرها من الغسل، ويكفي صب الماء على موضع النجاسة، ولا يجب نزع الفرشة ولا عصرها كالنجاسة على الأرض، لما ثبت في الصحيحين عن أنس ﵁: "أنَّ أعرابيًا بال في المسجد فأمر النبي ﷺ أن يصب على بوله دلو من الماء".
وبالله التوفيق، وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.
اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء
عضو … عضو … نائب الرئيس … الرئيس
عبد الله بن قعود … عبد الله بن غديان … عبد الرزاق عفيفي … عبد العزيز بن عبد الله بن باز» اهـ.
٢ - أنَّه لا يشترط في طهارتها حفر الأرض وإزالة التراب الذي وقعت عليه النجاسة خلافًا للحنفية الذين أوجبوا ذلك في التربة الصلبة دون اللينة.
قال العلامة النووي ﵀ في [المجموع] (٢/ ٥٩٢):
«وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ﵀ إنْ كَانَتْ الْأَرْضُ رِخْوَةً يَنْزِلُ الْمَاءُ فِيهَا أَجْزَأَهُ صَبُّهُ عَلَيْهَا وَإِنْ كَانَتْ صُلْبَةً لَمْ يُجْزِئْهُ إلَّا حَفْرُهَا وَنَقْلُ تُرَابِهَا» اهـ.
وقال العلامة السمرقندي الحنفي ﵀ في [تحفة الفقهاء] (١/ ٧٦ - ٧٧):
[ ١ / ٤٤٧ ]
«وَأما الأَرْض إِذا أصابتها نَجَاسَة رطبَة فَإِنْ كَانَتْ الأَرْض رخوة فَإِنَّهُ يصب عَلَيْهَا المَاء حَتَّى يتسفل فِيهَا فَإِذا تسفل وَلم يبْق على وَجههَا شَيْء من المَاء يحكم بطهارتها وَلَا يعْتَبر فِيهِ الْعدَد وَإِنَّمَا هُوَ على مَا يَقع فِي غَالب ظَنّه أَنَّهَا طهرت
والتسفل فِي الأَرْض بِمَنْزِلَة الْعَصْر فِيمَا يحْتَملهُ
وعَلى قِيَاس ظَاهر الرِّوَايَة يَنْبَغِي أَنْ يصب المَاء عَلَيْهَا ثَلَاث مَرَّات ويتسفل فِي كل مرّة.
وَإِنْ كَانَتْ الأَرْض صلبة فَإِنْ كَانَتْ صعُودًا فَإِنَّهُ يحْفر فِي أَسْفَلهَا حفيرة وَيصب المَاء عَلَيْهَا ويزال عَنْهَا إِلَى الحفيرة ويكنس الحفيرة.
وَإِنْ كَانَتْ الأَرْض مستوية لم يزل المَاء عَنْهَا فَإِنَّهَا لَا تغسل لِأَنَّهُ لَا فَائِدَة فِي غسلهَا.
وَقَالَ الشَّافِعِي: إِذا كوثرت بِالْمَاءِ طهرت.
وَهُوَ فَاسد لِأَن المَاء النَّجس بَاقٍ حَقِيقَة وَلَكِن يَنْبَغِي أَنْ تحفر فَيجْعَل أَعْلَاهَا أَسْفَلهَا وأسفلها أَعْلَاهَا فَيصير التُّرَاب الطَّاهِر وَجه الأَرْض» اهـ.
قلت: وعندهم أنَّ الحفيرة تردم بعد وصول النجاسة إليها، وقوله: «ويكنس الحفيرة» لعلها وتكبس.
واحتجت الحنفية بما رواه عبد الرزاق (١٦٥٩، ١٦٧٠) عَنْ طَاوُسٍ قَالَ: بَالَ أَعْرَابِيٌّ فِي الْمَسْجِدِ فَأَرَادُوا أَنْ يَضْرِبُوهُ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «احْفُرُوا مَكَانَهُ، وَاطْرَحُوا عَلَيْهِ دَلْوًا مِنْ مَاءٍ، عَلِّمُوا وَيَسِّرُوا وَلَا تُعَسِّرُوا».
قلت: هذا حديث مرسل.
ورواه الطحاوي في [شرح معاني الآثار] (١١)
[ ١ / ٤٤٨ ]
حَدَّثَنَا فَهْدُ بْنُ سُلَيْمَانَ، قَالَ: ثنا يَحْيَى بْنُ عَبْدِ الْحَمِيدِ الْحِمَّانِيُّ، قَالَ: ثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ عَيَّاشٍ، عَنْ سَمْعَانَ بْنِ مَالِكٍ الْأَسَدِيِّ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ، قَالَ: «بَالَ أَعْرَابِيٌّ فِي الْمَسْجِدِ، فَأَمَرَ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ فَصُبَّ عَلَيْهِ دَلْوٌ مِنْ مَاءٍ، ثُمَّ أَمَرَ بِهِ فَحُفِرَ مَكَانُهُ».
قال الحافظ ابن أبي حاتم ﵀ في [الجرح والتعديل] (٤/ ٣١٦):
«سمعت أبا زرعة يقول: الحديث الذي رواه سمعان بن مالك عن أبى وائل عن عبد الله عن النبي ﷺ في بول الأعرابي في المسجد وما أمر بحفر موضع البول إنَّه حديث منكر وسمعان ليس بالقوي» اهـ.
قلت: ويحيى الحماني متهم بسرقة الحديث. لكنه متابع تابعه محمد بن يزيد وهو الحزامي الكوفي البزاز عند الدارقطني (٤٧١).
وقال الحافظ البيهقي ﵀ في [السنن الكبرى] (٢/ ٤٢٨):
«وقد روى ذلك في حديث ابن مسعود ﵁ وليس بصحيح وقد تكلمنا عليه في الخلافيات» اهـ.
ورواه أبو داود (٣٨١) حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ حَدَّثَنَا جَرِيرٌ - يَعْنِى ابْنَ حَازِمٍ - قَالَ سَمِعْتُ عَبْدَ الْمَلِكِ - يَعْنِى ابْنَ عُمَيْرٍ - يُحَدِّثُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَعْقِلِ بْنِ مُقَرِّنٍ قَالَ صَلَّى أَعْرَابِىٌّ مَعَ النَّبِىِّ ﷺ بِهَذِهِ الْقِصَّةِ قَالَ فِيهِ وَقَالَ يَعْنِى النَّبِىَّ ﷺ: «خُذُوا مَا بَالَ عَلَيْهِ مِنَ التُّرَابِ فَأَلْقُوهُ وَأَهْرِيقُوا عَلَى مَكَانِهِ مَاءً».
قَالَ أَبُو دَاوُدَ وَهُوَ مُرْسَلٌ ابْنُ مَعْقِلٍ لَمْ يُدْرِكِ النَّبِىَّ ﷺ اهـ.
[ ١ / ٤٤٩ ]
وقال الحافظ ابن عبد الهادي ﵀ في [تنقيح التحقيق] (١/ ٣١): «وقال أحمد بن حنبل: هذا حديث منكر».
وقال الحافظ ابن حجر ﵀ في [التلخيص الحبير] (١/ ٦٢):
«لكن قد ورد أنَّه أمر بنقله من حديث أنس بإسناد رجاله ثقات.
قال الدارقطني: ثنا ابن صاعد، ثنا عبد الجبار بن العلاء، ثنا ابن عيينة، عن يحيى بن سعيد، عن أنس: "أن أعرابيًا بال في المسجد، فقال النبي ﷺ: "احفروا مكانه ثم صبوا عليه ذنوبًا من ماء". وأعله الدارقطني بأنَّ عبد الجبار تفرد به دون أصحاب ابن عيينة الحفاظ، وأنه دخل عليه حديث في حديث، وأنه عند ابن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن طاووس مرسلًا، وفيه: "احفروا مكانه"» اهـ.
قلت: الأحاديث في هذه المسألة لا تثبت كما ترى.
٣ - ويستفاد من الحديث قاعدة مشهورة عند العلماء وهي: دفع أعظم المفسدتين باحتمال أيسرهما وتحصيل أعظم المصلحتين بترك أيسرهما فإنَّ البول فيه مفسدة وقطعه على البائل مفسدة أعظم منها فإنَّه لو زجره في أثناء بوله لدار بين أمرين إما أن يقطعه فيتضرر وإمَّا أن لا يقطعه فلا يأمن من تنجيس بدنه أو ثوبه أو مواضع أخرى من المسجد.
فدفع أعظمها بأيسر المفسدتين، وتنزيه المسجد عنه مصلحة وترك البائل إلى الفراغ مصلحة أعظم منها فحصل أعظم المصلحتين بترك أيسرهما.
[ ١ / ٤٥٠ ]
٤ - الحديث يدل على أنَّ غسالة النجاسة الواقعة على الأرض طاهرة، وذلك لأنَّ النبي ﷺ لم يأمر الصحابة باجتناب ذلك المكان من المسجد حتى يذهب أثر الماء في الأرض.
قال العلامة النووي ﵀ في [شرح مسلم] (٣/ ١٩١):
«وَفِيهِ أَنَّ غُسَالَةَ النَّجَاسَةِ طَاهِرَةٌ وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ فِيهَا خِلَافٌ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ وَلِأَصْحَابِنَا فِيهَا ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ أَحَدُهَا: أَنَّهَا طَاهِرَةٌ، وَالثَّانِي: نَجِسَةٌ، وَالثَّالِثُ: إِنِ انْفَصَلَتْ وَقَدْ طَهُرَ الْمَحَلُّ فَهِيَ طَاهِرَةٌ وَإِنِ انْفَصَلَتْ وَلَمْ يَطْهُرِ الْمَحَلُّ فَهِيَ نَجِسَةٌ وَهَذَا الثَّالِثُ هُوَ الصَّحِيحُ وَهَذَا الْخِلَافُ إِذَا انْفَصَلَتْ غَيْرَ مُتَغَيِّرَةٍ أَمَّا إِذَا انْفَصَلَتْ مُتَغَيِّرَةً فَهِيَ نَجِسَةٌ بِإِجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ سَوَاءٌ تَغَيَّرَ طَعْمُهَا أَوْ لَوْنُهَا أَوْ رِيحُهَا وَسَوَاءٌ كَانَ التَّغَيُّرُ قَلِيلًا أَوْ كَثِيرًا وَاللَّهُ أَعْلَمُ» اهـ.
وقال ﵀ في [المجموع] (٢/ ٥٩٣):
«وَالْأَصَحُّ طَهَارَتُهَا إذَا انْفَصَلَتْ غَيْرَ مُتَغَيِّرَةٍ وَقَدْ طَهُرَ الْمَحَلُّ» اهـ.
وقال العلامة السمرقندي الحنفي ﵀ في [تحفة الفقهاء] (١/ ٨٠):
«وَأمَّا حكم غسلة النَّجَاسَة الْحَقِيقِيَّة فَنَقُول إِذا وَقعت فِي المَاء أَوْ أَصَابَت الثَّوْب أَوْ الْبدن فَفِي حق منع جَوَاز الصَّلَاة وَالْوُضُوء الْمِيَاه الثَّلَاث على السوَاء لِأَن الْكل نجس.
فَأَمَّا فِي حق تَطْهِير الْمحل الَّذِي أَصَابَته النَّجَاسَة فالمياه يخْتَلف حكمهَا حَتَّى قَالَ بعض مَشَايِخنَا: إِنْ المَاء الأول وَإِذا أصَاب شَيْئًا يطهر بِالْغسْلِ مرَّتَيْنِ، وَالثَّانِي بِالْغسْلِ مرّة، وَالثَّالِث يطهر بالعصر لَا غير.
[ ١ / ٤٥١ ]
وَالصَّحِيح أَنَّ الأول يطهر بِالْغسْلِ ثَلَاثًا وَالثَّانِي بِالْغسْلِ مرَّتَيْنِ وَالثَّالِث بِالْغسْلِ مرّة وَيكون حكم كل مَا فِي الثَّوْب الثَّانِي مثل حكمه فِي الثَّوْب الأول
وَهل يجوز الِانْتِفَاع بالغسالة فِي غير الشّرْب والتطهير ينظر إِنْ تغير طعمها أَوْ لَوْنهَا أَوْ رِيحهَا فَإِنَّهُ يحرم الِانْتِفَاع بهَا أصلا وَيصير نَظِير الْبَوْل لكَون النَّجس غَالِبًا وَإِنْ لم يتَغَيَّر وصف المَاء يجوز الِانْتِفَاع بِهِ فِي غير الشّرْب والتطهير نَحْو أَنْ يبل بِهِ الطين أَوْ يسقى الدَّوَابّ وَنَحْو ذَلِك» اهـ.
وقال العلامة ابن قدامة ﵀ في [المغني] (٢/ ٧٣):
«فَصْلٌ: وَالْمُنْفَصِلُ مِنْ غُسَالَةِ النَّجَاسَةِ، يَنْقَسِمُ إلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ: أَحَدُهَا: أَنْ يَنْفَصِلَ مُتَغَيِّرًا بِهَا، فَهُوَ نَجِسٌ إجْمَاعًا؛ لِأَنَّهُ مُتَغَيِّرٌ بِالنَّجَاسَةِ، فَكَانَ نَجِسًا، كَمَا لَوْ وَرَدَتْ عَلَيْهِ.
الثَّانِي: أَنْ يَنْفَصِلَ غَيْرَ مُتَغَيِّرٍ قَبْلَ طَهَارَةِ الْمَحَلِّ، فَهُوَ نَجِسٌ أَيْضًا؛ لِأَنَّهُ مَاءٌ يَسِيرٌ لَاقَى نَجَاسَةً لَمْ يُطَهِّرْهَا، فَكَانَ نَجِسًا، كَالْمُتَغَيِّرِ، وَكَالْبَاقِي فِي الْمَحَلِّ، فَإِنَّ الْبَاقِيَ فِي الْمَحَلِّ نَجِسٌ، وَهُوَ جُزْءٌ مِنْ الْمَاءِ الَّذِي غُسِلَتْ بِهِ النَّجَاسَةُ، وَلِأَنَّهُ كَانَ فِي الْمَحَلِّ نَجِسًا، وَعَصْرُهُ لَا يَجْعَلُهُ طَاهِرًا.
الثَّالِثُ: أَنْ يَنْفَصِلَ غَيْرَ مُتَغَيِّرٍ مِنْ الْغَسْلَةِ الَّتِي طَهَّرَتْ الْمَحَلَّ، فَفِيهِ وَجْهَانِ، أَصَحُّهُمَا أَنَّهُ طَاهِرٌ. وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ لِأَنَّهُ جُزْءٌ مِنْ الْمُتَّصِلِ، وَالْمُتَّصِلُ طَاهِرٌ، فَكَذَلِكَ الْمُنْفَصِلُ، وَلِأَنَّهُ مَاءٌ أَزَالَ حُكْمَ النَّجَاسَةِ، وَلَمْ يَتَغَيَّرْ بِهَا، فَكَانَ طَاهِرًا، كَالْمُنْفَصِلِ مِنْ الْأَرْضِ.
وَالثَّانِي، هُوَ نَجِسٌ. وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ؛ لِأَنَّهُ مَاءٌ يَسِيرٌ لَاقَى نَجَاسَةً، فَنَجُسَ بِهَا، كَمَا لَوْ وَرَدَتْ عَلَيْهِ، وَإِذَا حَكَمْنَا بِطَهَارَتِهِ، فَهَلْ يَكُونُ طَهُورًا؟ عَلَى وَجْهَيْنِ:
[ ١ / ٤٥٢ ]
أَحَدُهُمَا، يَكُونُ طَهُورًا؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ طَهُورِيَّتُهُ، وَلِأَنَّ الْحَادِثَ فِيهِ لَمْ يُنَجِّسْهُ، وَلَمْ يُغَيِّرْهُ، فَلَمْ تَزُلْ طَهُورِيَّتُهُ، كَمَا لَوْ غَسَلَ بِهِ ثَوْبًا طَاهِرًا.
وَالثَّانِي، أَنَّهُ غَيْرُ مُطَهِّرٍ، لِأَنَّهُ أَزَالَ مَانِعًا مِنْ الصَّلَاةِ، أَشْبَهَ مَا رُفِعَ بِهِ الْحَدَثُ» اهـ.
قلت: الصحيح في غسالة النجاسة النظر فيها إلى التغير وعدمه مطلقًا فإن كانت متغيرة فهي نجسة وإلَّا فطاهرة.
٥ - استدل به بعض الشافعية على أنَّ العصر في الثوب المغسول من النجاسة لا يجب.
قلت: وهذا استدلال غير صحيح وقياس مع الفارق وذلك أنَّ الثوب ينعصر بالعصر بخلاف الأرض.
٦ - استدل به من ذهب إلى أنَّ الأرض إذا أصابتها نجاسة فجفت بالشمس أو بالهواء لا تطهر. وهذا القول غير صحيح لأنَّ ذكر الماء في الحديث لوجوب المبادرة إلى تطهير المسجد وتركه إلى الجفاف تأخير لهذا الواجب.
ومما يدل على أنَّ نجاسة البول تطهر بغير الماء ما رواه البخاري (١٧٤) عن ابن عمر ﵄ قال: «كَانَتِ الْكِلَابُ تَبُولُ وَتُقْبِلُ وَتُدْبِرُ فِي الْمَسْجِدِ فِي زَمَانِ رَسُولِ اللهِ ﷺ فَلَمْ يَكُونُوا يَرُشُّونَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ».
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ كما في [مجموع الفتاوى] (٢١/ ٢٠٩): «وكذلك أمره بصب ذنوب من ماء على بول الأعرابي - مع ما فيه من اختلاط الماء بالبول وسريان ذلك لكن قصد به تعجيل التطهير - لا لأنَّ النجاسة
[ ١ / ٤٥٣ ]
لا تزول بغير ذلك؛ بل الشمس والريح والاستحالة تزيل النجاسة أعظم من هذا؛ ولهذا كانت الكلاب تقبل وتدبر وتبول في مسجد رسول الله ولم يكونوا يرشون شيئا من ذلك» اهـ.
وقال ﵀ (٢١/ ٥١٠):
«فإنَّ العلماء اختلفوا في النجاسة إذا أصابت الأرض وذهبت بالشمس أو الريح أو الاستحالة هل تطهر الأرض على قولين: أحدهما: تطهر وهو مذهب أبي حنيفة وأحد القولين في مذهب الشافعي وأحمد وهو الصحيح في الدليل. فإنَّه ثبت عن ابن عمر ﵄ أنه قال: "كانت الكلاب تقبل وتدبر وتبول في مسجد رسول الله ﷺ ولم يكونوا يرشون شيئا من ذلك"» اهـ.
٧ - فيه المبادرة إلى إزالة المفاسد عند زوال المانع لأنَّ الأعرابي حين فرغ أمر بصب الماء.
٨ - فيه دليل على وجوب صيانة المساجد وتنزيهها عن الأقذار والنجاسات.
٩ - وفيه الرفق بالجاهل وتعليمه ما يلزمه من غير تعنيف.
تنبيه: جاء في بعض أحاديث بول الأعرابي قوله: «اللَّهُمَّ ارْحَمْنِي وَمُحَمَّدًا وَلَا تَرْحَمْ مَعَنَا أَحَدًا». وقد وهم كثير من الوعاظ حيث يجعلون قول الأعرابي بعد رفق النبي ﷺ به وأنَّه لتأثره برفق رسول الله ﷺ ونفوره عن شدة غيره قال ذلك، وهذا خطأ بيِّن في رواية الحديث، وذلك أنَّ الحديث رواه أحمد (٧٢٥٤)، وأبو داود (٣٨٠) من طريق سُفْيَانَ عَنِ الزُّهْرِىِّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ أَعْرَابِيًّا دَخَلَ الْمَسْجِدَ وَرَسُولُ اللَّهِ -صلى
[ ١ / ٤٥٤ ]
الله عليه وسلم- جَالِسٌ فَصَلَّى - قَالَ ابْنُ عَبْدَةَ - رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ قَالَ اللَّهُمَّ ارْحَمْنِى وَمُحَمَّدًا وَلَا تَرْحَمْ مَعَنَا أَحَدًا.
فَقَالَ النَّبِىُّ ﷺ: «لَقَدْ تَحَجَّرْتَ وَاسِعًا». ثُمَّ لَمْ يَلْبَثْ أَنْ بَالَ فِى نَاحِيةِ الْمَسْجِدِ فَأَسْرَعَ النَّاسُ إِلَيْهِ فَنَهَاهُمُ النَّبِىُّ ﷺ وَقَالَ:
«إِنَّمَا بُعِثْتُمْ مُيَسِّرِينَ وَلَمْ تُبْعَثُوا مُعَسِّرِينَ صُبُّوا عَلَيْهِ سَجْلًا مِنْ مَاءٍ». أَوْ قَالَ:
«ذَنُوبًا مِنْ مَاءٍ».
قلت: هذا حديث صحيح.
ورواه ابن ماجه (٥٢٩) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ. به.
وأصله في البخاري (٦٠١٠) حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ: «قَامَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي صَلَاةٍ وَقُمْنَا مَعَهُ فَقَالَ أَعْرَابِيٌّ وَهْوَ فِي الصَّلَاةِ: اللَّهُمَّ ارْحَمْنِي وَمُحَمَّدًا، وَلَا تَرْحَمْ مَعَنَا أَحَدًا فَلَمَّا سَلَّمَ النَّبِيُّ ﷺ قَالَ لِلأَعْرَابِيِّ: "لَقَدْ حَجَّرْتَ وَاسِعًا" يُرِيدُ رَحْمَةَ اللهِ». وليس عنده ذكر بول الأعرابي.
وروى قصة البول في موضع آخر (٢٢٠، ٦١٢٨) ففرَّق ألفاظ الحديث.
[ ١ / ٤٥٥ ]
قال المؤلف رحمه الله تعالى:
٢٨ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «الْفِطْرَةُ خَمْسٌ: الْخِتَانُ، وَالاسْتِحْدَادُ، وَقَصُّ الشَّارِبِ، وَتَقْلِيمُ الأَظْفَارِ، وَنَتْفُ الإِبِطِ».
قوله: «الْفِطْرَةُ»، فسرها الأكثر بالسنة، وقال العلامة ابن القيم ﵀ في [تحفة المودود بأحكام المولود] ص (١٦٠ - ١٦١) -عند كلامه على الفطرة-: «هي الحنيفية ملة إبراهيم وهذه الخصال أمر بها إبراهيم وهي من الكلمات التي ابتلاه ربه بهن كما ذكر عبد الرزاق عن معمر عن طاووس عن أبيه عن ابن عباس في هذه الآية قال: ابتلاه بالطهارة خمس في الرأس وخمس في الجسد.
خمس في الرأس: قص الشارب والمضمضة والاستنشاق والسواك وفرق الرأس.
وفي الجسد: تقليم الأظافر وحلق العانة والختان ونتف الإبط وغسل أثر الغائط والبول بالماء.
والفطرة فطرتان: فطرة تتعلق بالقلب وهي معرفة الله ومحبته وإيثاره على ما سواه، وفطرة عملية وهي هذه الخصال.
فالأولى تزكي الروح وتطهر القلب والثانية تطهر البدن» اهـ.
وقال الحافظ العراقي ﵀ في [طرح التثريب] (٢/ ٢٨): «في مناسبة تسمية هذه الخصال فطرة قال صاحب "المفهم" في هذه الخصال مما فطره على
[ ١ / ٤٥٦ ]
حسن الهيئة، والنظافة وكلاهما يحصل به البقاء على أصل كمال الخلقة التي خلق الإنسان عليها، وبقاء هذه الأمور وترك إزالتها يشوه الإنسان ويقبحه بحيث يستقذر ويجتنب فيخرج عمَّا تقتضيه الفطرة الأولى فسميت هذه الخصال فطرة لهذا المعنى والله أعلم» اهـ.
وقوله: «الْفِطْرَةُ خَمْسٌ» المراد بالحصر المبالغة لتأكيد أمر الخمس. وإلَّا فإنَّ أمور الفطرة أكثر من ذلك، وقد جاء في مسلم (٦٠٣) عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «عَشْرٌ مِنْ الْفِطْرَةِ قَصُّ الشَّارِبِ وَإِعْفَاءُ اللِّحْيَةِ وَالسِّوَاكُ وَاسْتِنْشَاقُ الْمَاءِ وَقَصُّ الْأَظْفَارِ وَغَسْلُ الْبَرَاجِمِ وَنَتْفُ الْإِبِطِ وَحَلْقُ الْعَانَةِ وَانْتِقَاصُ الْمَاءِ». قَالَ زَكَرِيَّاءُ قَالَ مُصْعَبٌ: وَنَسِيتُ الْعَاشِرَةَ إِلَّا أَنْ تَكُونَ الْمَضْمَضَةَ.
زَادَ قُتَيْبَةُ قَالَ وَكِيعٌ: انْتِقَاصُ الْمَاءِ يَعْنِي الِاسْتِنْجَاءَ.
قوله: «الْخِتَانُ» مصدر ختن أي قطع وهي قطع الجلدة التي تغطي الحشفة في الذكر لكي لا يجتمع فيها النجاسة. وفي المرأة قطع أدنى جزء من الجلدة التي في أعلى الفرج كعرف الديك من أجل تعديل الشهوة، وهذه الجلدة شبيهة بقلفة القضيب التي تقطع في حق الذكر، وتكون بين البظر ومخرج البول، والبظر للمرأة كالقضيب للذكر ولكل منهما قلفتان في أعلى مخرج البول لكن قلفة الرجل تزال بالكلية، وقلفة المرأة يقطع أدنى شيء منها.
قال العلامة ابن نجيم المصري الحنفي ﵀ في [البحر الرائق] (١/ ٦١):
[ ١ / ٤٥٧ ]
«وَخِتَانُ الْمَرْأَةِ مَوْضِعُ قَطْعِ جِلْدَةٍ مِنْهَا كَعُرْفِ الدِّيكِ فَوْقَ الْفَرْجِ وَذَلِكَ؛ لِأَنَّ مَدْخَلَ الذَّكَرِ هُوَ مَخْرَجُ الْمَنِيِّ وَالْوَلَدِ وَالْحَيْضِ وَفَوْقَ مَدْخَلِ الذَّكَرِ مَخْرَجُ الْبَوْلِ كَإِحْلِيلِ الرَّجُلِ وَبَيْنَهُمَا جِلْدَةٌ رَقِيقَةٌ يُقْطَعُ مِنْهَا فِي الْخِتَانِ فَحَصَلَ أَنَّ خِتَانَ الْمَرْأَةِ مُتَسَفِّلٌ تَحْتَ مَخْرَجِ الْبَوْلِ وَتَحْتَ مَخْرَجِ الْبَوْلِ مَدْخَلُ الذَّكَرِ» اهـ.
قلت: والختان اسم للمحل وهي الجلدة التي تبقى بعد القطع واسم للفعل وهو فعل الخاتن.
قوله: «وَالاسْتِحْدَادُ» قال العلامة النووي ﵀ في [شرح مسلم] (٣/ ١٤): «وأمَّا الاستحداد فهو حلق العانة سمى استحدادًا لاستعمال الحديدة وهي الموسى وهو سنة، والمراد به نظافة ذلك الموضع، والأفضل فيه الحلق ويجوز بالقص والنتف والنورة. والمراد بالعانة الشعر الذي فوق ذكر الرجل وحواليه، وكذاك الشعر الذي حوالي فرج المرأة. ونقل عن أبي العباس بن سريج أنَّه الشعر النابت حول حلقة الدبر فيحصل من مجموع هذا استحباب حلق جميع ما على القبل والدبر وحولهما» اهـ.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في [شرح عمدة الفقه] (١/ ٢٣٨):
«وَأَمَّا الِاسْتِحْدَادُ فَهُوَ اسْتِعْمَالُ الْحَدِيدِ فِي إِزَالَةِ شَعْرِ الْعَانَةِ وَلَوْ قَصَّهُ أَوْ نَتَفَهُ أَوْ تَنَوَّرَ جَازَ، وَالْحَلْقُ أَفْضَلُ، وَالْأَفْضَلُ فِي الْإِبِطِ أَنْ يَنْتِفَهُ وَلَوْ حَلَقَهُ أَوْ قَصَّهُ أَوْ نَوَّرَهُ جَازَ أَيْضًا، وَلَوْ نَوَّرَ غَيْرَ ذَلِكَ مِنْ شِعْرِ السَّاقَيْنِ وَالْفَخِذَيْنِ جَازَ أَيْضًا، نَصَّ عَلَيْهِ» اهـ.
قوله: «وَقَصُّ الشَّارِبِ» أي قطع الشعر النابت على الشفة العليا من غير استئصال.
[ ١ / ٤٥٨ ]
قال الحافظ ابن حجر ﵀ في [فتح الباري] (١٠/ ٣٩١): «وأمَّا الشارب فهو الشعر النابت على الشفة العليا واختلف في جانبيه وهما السبالان فقيل هما من الشارب ويشرع قصهما معه وقيل هما من جملة شعر اللحية» اهـ.
قلت: وسيأتي بيان ذلك.
قوله: «وَتَقْلِيمُ الأَظْفَارِ» التقليم تفعيل من القلم وهو القطع. ومنه تقليم الأشجار، وهو قطع أطرافها، والأظفار جَمْعُ ظُفُرٍ بِضَمِّ الظَّاءِ وَالْفَاءِ وَبِسُكُونِهَا.
وفي الحديث مسائل منها:
١ - الترغيب في الختان. قال الحافظ ابن حجر ﵀ في [فتح الباري] (١٠/ ٣٨٤): «وأقل ما يجزئ أن لا يبقى منها ما يتغشى به شيء من الحشفة. وقال إمام الحرمين: المستحق في الرجال قطع القلفة وهي الجلدة التي تغطي الحشفة حتى لا يبقى من الجلدة شيء متدل.
وقال ابن الصباغ حتى تنكشف جميع الحشفة. وقال ابن كج- فيما نقله الرافعي- يتأدى الواجب بقطع شيء مما فوق الحشفة وإن قل بشرط أن يستوعب القطع تدوير رأسها. قال النووي: وهو شاذ والأول هو المعتمد» اهـ.
قال العلامة ابن القيم ﵀ في [تحفة المودود] ص (١٩٠ - ١٩٣):
«الفصل الثامن في بيان القدر الذي يؤخذ من الختان.
قال أبو البركات في كتابه "الغاية": ويؤخذ في ختان الرجل جلدة الحشفة وإن اقتصر على أخذ أكثرها جاز ويستحب لخافضة الجارية أن لا تحيف نص عليه.
[ ١ / ٤٥٩ ]
وحكي عن عمر أنَّه قال للخاتنة: أبقي منه إذا خفضت. وقال الخلال في "جامعه": ذكر ما يقطع في الختان أخبرني محمد بن الحسين أنَّ الفضل بن زياد حدثهم قال سئل أحمد كم يقطع في الختانة؟ قال: حتى تبدو الحشفة.
وأخبرني عبد الملك الميموني قال: قلت: يا أبا عبد الله مسألة سئلت عنها ختَّان ختن صبيًا فلم يستقص؟ فقال: إذا كان الختان قد جاز نصف الحشفة إلى فوق فلا يعتد به لأنَّ الحشفة تغلظ وكلما غلظت هي ارتفعت الختانة. ثم قال لي: إذا كانت دون النصف أخاف. قلت له: فإنَّ الإعادة عليه شديدة جدًا ولعله قد يخاف عليه الإعادة. قال لي: إيش يخاف عليه ورأيت سهولة الإعادة إذا كانت الختانة في أقل من نصف الحشفة إلى أسفل. وسمعته يقول: هذا شيء لا بد أن تتيسر فيه الختانة.
وقال ابن الصباغ في "الشامل": الواجب على الرجل أن يقطع الجلدة التي على الحشفة حتى تنكشف جميعها، وأمَّا المرأة فلها عذرتان إحداهما بكارتها والأخرى هي التي يجب قطعها وهي كعرف الديك في أعلى الفرج بين الشفرين وإذا قطعت يبقى أصلها كالنواة.
وقال الجويني في "نهايته": المستحق في الرجال قطع القلفة وهي الجلدة التي تغشى الحشفة والغرض أن تبرز ولو فرض مقدار منه على الكَمَرَة لا ينبسط على سطح الحشفة فيجب قطعه حتى لا تبقى الجلدة متدلية.
وقال ابن كج: عندي يكفي قطع شيء من القلفة وإن قل بشرط أن يستوعب القطع تدوير رأسها. وقال الجويني: القدر المستحق من النساء ما ينطلق عليه
[ ١ / ٤٦٠ ]
الاسم قال في الحديث ما يدل على الأمر بالإقلال قال: "أشمي ولا تنكهي" أي اتركي الموضع أشم والأشم المرتفع.
وقال الماوردي: والسنة أن يستوعب القلفة التي تغشى الحشفة بالقطع من أصلها وأقل ما يجزئ فيه أن لا يتغشى بها شيء من الحشفة، وأمَّا خفض المرأة فهو قطع جلدة في الفرج فوق مدخل الذكر ومخرج البول على أصل كالنواة ويؤخذ منه الجلدة المستعلية دون أصلها وقد بان بهذا أن القطع في الختان ثلاثة أقسام سنة وواجب وغير مجزئ على ما تقدم والله أعلم» اهـ.
قلت: ويستحب الختان أيضًا للنساء، وقد جاءت في ذلك أحاديث.
روى أبو داود (٥٢٧٣) حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الدِّمَشْقِىُّ وَعَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ عَبْدِ الرَّحِيمِ الأَشْجَعِىُّ قَالَا حَدَّثَنَا مَرْوَانُ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حَسَّانَ - قَالَ عَبْدُ الْوَهَّابِ الْكُوفِىُّ - عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ الأَنْصَارِيَّةِ أَنَّ امْرَأَةً كَانَتْ تَخْتِنُ بِالْمَدِينَةِ فَقَالَ لَهَا النَّبِىُّ ﷺ: «لَا تُنْهِكِى فَإِنَّ ذَلِكَ أَحْظَى لِلْمَرْأَةِ وَأَحَبُّ إِلَى الْبَعْلِ».
قَالَ أَبُو دَاوُدَ: رُوِىَ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بِمَعْنَاهُ وَإِسْنَادِهِ.
قَالَ أَبُو دَاوُدَ: لَيْسَ هُوَ بِالْقَوِىِّ وَقَدْ رُوِىَ مُرْسَلًا.
قَالَ أَبُو دَاوُدَ وَمُحَمَّدُ بْنُ حَسَّانَ مَجْهُولٌ وَهَذَا الْحَدِيثُ ضَعِيفٌ اهـ.
ورواه الحاكم (٦٢٣٦) من طريق هِلَالُ بْنُ الْعَلَاءِ الرَّقِّيُّ، ثَنَا أَبِي، ثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَبِي أُنَيْسَةَ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ، عَنِ الضَّحَّاكِ بْنِ قَيْسٍ،
[ ١ / ٤٦١ ]
قَالَ: كَانَتْ بِالْمَدِينَةِ امْرَأَةٌ تَخْفِضُ النِّسَاءَ يُقَالُ لَهَا أُمُّ عَطِيَّةَ، فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «اخْفِضِي وَلَا تَنْهَكِي، فَإِنَّهُ أَنْضَرُ لِلْوَجْهِ وَأَحْظَى عِنْدَ الزَّوْجِ».
وفي [الجرح والتعديل] لابن أبي حاتم (٦/ ٣٦١): «العلاء بن هلال الرقى روى عن عبيد الله بن عمرو الرقى روى عنه عمرو بن محمد الناقد "أحاديث موضوعة"، قال أبو محمد: روى عنه ابنه هلال بن العلاء وروى هو عن أبيه هلال بن عمرو. سألته عنه فقال: منكر الحديث» اهـ.
قال الحافظ الذهبي في [ميزان الاعتدال] (٤/ ٣١٦) -في ترجمة هلال-:
«وقد روى أحاديث منكرة عن أبيه، فلا أدرى الريب منه أو من أبيه» اهـ.
وروى البيهقي في [السنن الكبرى] (٨/ ٣٢٤)، والطبراني في [الأوسط] (٢٢٥٣)، و[الصغير] (١٢٢)، والدولابي في [الكنى] (١٨٢١) من طريق زائدة بن أبى الرقاد ثنا ثابت عن أنس عن النبي ﷺ: «إِذَا خَفَضْتِ فَأَشِمِّي وَلَا تَنْهَكِي، فَإِنَّهُ أَسْرَى لِلْوَجْهِ، وَأَحْظَى عِنْدَ الزَّوْجِ». قال أبو أحمد-أي ابن عدي-: هذا يرويه عن ثابت زائدة بن أبى الرقاد لا أعلم يرويه عنه غيره اهـ.
قلت: وزائدة هذا قال فيه الإمام البخاري والنسائي: «منكر الحديث».
وروى ابن عدي في [الكامل] (٣/ ٣٠): حَدَّثَنَا يَحْيى بْنُ عَلِيٍّ هَاشِمٌ الْخَفَّافُ بحلب، حَدَّثَنا عُبَيد بن هشام، حَدَّثَنا خَالِدُ بْنُ عَمْرو الْقُرَشِيُّ عَنِ اللَّيْثِ عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ عَنْ سَالِمٍ، عَنِ أَبِيهِ أَنّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ﷺ قَال: «يَا مَعْشَرَ نِسَاءَ الْأَنْصَارِيِّ اخْتَضِبْنَ غمشا وَاخْتَفِضْنَ، ولَا تُنْهِكْنَ فَإِنَّهُ أَسْرَى لِلْوَجْهِ وَأَحْظَى عِنْدَ الزَّوْجِ».
[ ١ / ٤٦٢ ]
قال الحافظ ابن عدي ﵀ (٣٣): «وخالد بن عمرو هذا له غير ما ذكرت من الحديث عن من يحدث عنهم وكلها أو عامتها موضوعة» اهـ.
قلت: خالد بن عمرو القرشي كذبه ابن معين.
وقال الحافظ ابن حجر ﵀ في [التلخيص الحبير] (٤/ ٢٢٥): «ورواه البزار من حديث نافع، كلاهما عن عبد الله بن عمر رفعه: "يا نساء الأنصار اختضبن غمسًا، واخفضن، ولا تنهكن؛ فإنَّه أخطى عند أزواجكن، وإياكن وكفران النعم"، لفظ البزار، وفي إسناده مندل بن علي، وهو ضعيف» اهـ.
وروى الإمام أحمد في [مسنده] (٢٠٧٣٨) حَدَّثَنَا سُرَيْجٌ، حَدَّثَنَا عَبَّادٌ يَعْنِي ابْنَ الْعَوَّامِ، عَنِ الْحَجَّاجِ، عَنْ أَبِي الْمَلِيحِ بْنِ أُسَامَةَ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «الْخِتَانُ سُنَّةٌ لِلرِّجَالِ، مَكْرُمَةٌ لِلنِّسَاءِ».
قلت: وفي إسناده حجاج بن أرطأة وهو ضعيف.
ورواه ابن أبي شيبة في [مصنفه] (٢٦٤٦٨) حَدَّثَنَا عَبَّادُ بْنُ الْعَوَّامِ، عَنْ حَجَّاجٍ، عَنْ رَجُلٍ، عَنْ أَبِي الْمَلِيحِ، عَنْ شَدَّادِ بْنِ أَوْسٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «الْخِتَانُ سُنَّةٌ لِلرِّجَالِ مَكْرُمَةٌ لِلنِّسَاءِ».
قلت: وفيه الحجاج بن أرطأة، ورجل مبهم.
وروى الطبراني في [المعجم الكبير] (١١٥٩٠) حَدَّثَنَا عَبْدَانُ بْنُ أَحْمَدَ، ثنا أَيُّوبُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْوَزَّانُ، ثنا الْوَلِيدُ بْنُ الْوَلِيدِ، ثنا ابْنُ ثَوْبَانَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَجْلَانَ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «الْخِتَانُ سُنَّةٌ لِلرِّجَالِ وَمَكْرَمَةٌ لِلنِّسَاءِ».
[ ١ / ٤٦٣ ]
قلت: رواه الحافظ البيهقي في [السنن الكبرى] (٨/ ٣٢٥): من طريق عبدان، وقال بعد روايته لها:
«هَذَا إِسْنَادٌ ضَعِيفٌ، وَالْمَحْفُوظُ مَوْقُوفٌ - (أَخْبَرَنَاهُ) هِلَالُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ الْحَفَّارُ، أنبأ الْحُسَيْنُ بْنُ يَحْيَى بْنِ عَيَّاشٍ الْقَطَّانُ، ثنا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُجَشِّرٍ، ثنا وَكِيعُ بْنُ الْجَرَّاحِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ بَشِيرٍ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: " الْخِتَانُ سُنَّةٌ لِلرِّجَالِ، وَمَكْرُمَةٌ لِلنِّسَاءِ "» اهـ.
قلت: الموقوف رواه أيضًا الطبراني في [المعجم الكبير] (١٢٨٢٨)، وفي [مسند الشاميين] من طريق وكيع به.
قلت: ومما يحتج به على ختان النساء ما رواه مسلم (٧٨٣) من حديث عائشة ﵂ عن رسول الله ﷺ قال: «إِذَا جَلَسَ بَيْنَ شُعَبِهَا الْأَرْبَعِ وَمَسَّ الْخِتَانُ الْخِتَانَ فَقَدْ وَجَبَ الْغُسْلُ».
وهو في البخاري (٢٩١) بلفظ: «إِذَا جَلَسَ بَيْنَ شُعَبِهَا الأَرْبَعِ ثُمَّ جَهَدَهَا فَقَدْ وَجَبَ الْغَسْلُ».
وهذا أصح حديث في الباب.
قلت: وقد اختلف العلماء في وجوب الختان واستحبابه.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في [شرح عمدة الفقه] (١/ ٢٤٣ - ٢٤٤):
«وَأَمَّا الْخِتَانُ فَوَاجِبٌ عَلَى الرِّجَالِ فِي الْمَنْصُوصِ الْمَعْرُوفِ مِنَ الذَّهَبِ؛ لِأَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ أَمَرَنَا بِاتِّبَاعِ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ ﵇، وَالْخِتَانُ مِنْ مِلَّتِهِ لِمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "اخْتَتَنَ إِبْرَاهِيمُ خَلِيلُ الرَّحْمَنِ بَعْدَ مَا أَتَتْ عَلَيْهِ
[ ١ / ٤٦٤ ]
ثَمَانُونَ سَنَةً وَاخْتَتَنَ بِالْقَدُومِ" مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، فَإِنْ قِيلَ: ضَمَّنَ مِلَّتَهُ سَائِرَ خِصَالِ الْفِطْرَةِ وَهِيَ غَيْرُ وَاجِبَةٍ لَا سِيَّمَا وَقَدْ قَرَنَ النَّبِيُّ ﷺ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا فِي نَسَقٍ وَاحِدٍ، قُلْنَا: إِزَالَةُ الشُّعُورِ وَالْأَظْفَارِ الْقَصْدُ بِهَا إِزَالَةُ مَا يَجْتَمِعُ بِسَبَبِهَا مِنَ الْعَرَقِ وَالْوَسَخِ وَالدَّرَنِ، وَإِزَالَةُ الْأَوْسَاخِ لَيْسَتْ وَاجِبَةً وَكَذَلِكَ مَا قُصِدَتْ بِهِ.
وَأَمَّا قُلْفَةُ الذَّكَرِ فَالْمَقْصُودُ بِقَطْعِهَا التَّطْهِيرُ مِنَ النَّجَاسَةِ الَّتِي تَحْتَقِنُ فِيهَا، وَنَجَاسَةُ الْبَوْلِ تَجِبُ إِزَالَتُهَا وَعَامَّةُ عَذَابِ الْقَبْرِ مِنْهَا، فَلِذَلِكَ وَجَبَ إِزَالَةُ مَا يُوجِبُ احْتِقَانَهَا وَاجْتِمَاعَهَا، يُؤَيِّدُ ذَلِكَ أَنَّ الْمَقْطُوعَ هُنَا مِنْ أَصْلِ الْخِلْقَةِ، وَكَذَلِكَ يُحْشَرُ الْخَلْقُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ غُرْلًا، فَلَوْلَا أَنَّ إِزَالَتَهَا مِنَ الْوَاجِبَاتِ لَمَا تَكَلَّفَ قَطْعَهُ بِخِلَافِ الشَّعْرِ وَالظُّفُرِ؛ وَلِأَنَّ الْبَوْلَ الْمُحْتَقِنَ فِي الْقُلْفَةِ نَجَاسَةٌ شُرِعَ زَوَالُهَا، فَكَانَ وَاجِبًا كَسَائِرِ النَّجَاسَاتِ» اهـ.
وقال العلامة ابن القيم ﵀ في [تحفة المودود] ص (١٦٢): «اختلف الفقهاء فقال الشعبي وربيعة والأوزاعي ويحيى بن سعيد الأنصاري ومالك والشافعي وأحمد هو واجب. وشدد فيه مالك حتى قال من لم يختتن لم تجز إمامته ولم تقبل شهادته. ونقل كثير من الفقهاء عن مالك أنَّه سنة حتى قال القاضي عياض: الاختتان عند مالك وعامة العلماء سنة ولكن السنة عندهم يأثم بتركها فهم يطلقونها على مرتبة بين الفرض وبين الندب وإلاَّ فقد صرح مالك بأنَّه لا تقبل شهادة الأقلف ولا تجوز إمامته. وقال الحسن البصري وأبو حنيفة لا يجب بل هو سنة وكذلك قال ابن أبي موسى من أصحاب أحمد هو سنة مؤكدة
ونص أحمد في رواية أنَّه لا يجب على النساء» اهـ.
[ ١ / ٤٦٥ ]
قلت: والصحيح في ذلك وجوب الختان على الرجال دون النساء، وذلك لعدة أوجه منها:
الأول: أنَّ الختان من أظهر الشعائر التي يفرق بها بين المسلم والنصراني والمجوسي.
الثاني: أنَّ فيه كشف العورات في شأن من اختتن كبيرًا، والعورة لا تكشف إلَّا لضرورة أو تداوي، فلو لم يجب الختان لما جاز كشف العورة من أجل تحصيل مستحب.
الثالث: أنَّ في الختان إيلام للصبي وتعريضه للتلف فلو لم يكن واجبًا لما جاز ذلك.
الرابع: أنَّ الأقلف معرض لفساد طهارته وصلاته فإنَّ القلفة تستر الذكر كله فيصيبها البول ولا يمكن الاستجمار لها، فتبين من هذا أنَّ فصحة الطهارة والصلاة موقوفة على الختان.
قلت: فكل هذه الأوجه تقضي بوجوب الختان، وهذه الوجوه لا وجود لها في ختان المرأة فيبقى على الاستحباب. والله أعلم.
فإن قيل: ختان المرأة فيه كشف للعورة كختان الرجل، وفيه أيضًا إيلام فلما لم يجب كما وجب ختان الرجل.
فالجواب: أنَّه لم ينقل أنَّ النساء كنَّ يختن إذا أدركنَّ كما جاء هذا في الرجال، فلعل ختانهنَّ كان في الصغر قبل التمييز.
وأمَّا ما يتعلق بالإيلام فهو شيء يسير أشبه ما يكون بإيلام الجارية عند ثقب أذنها، وأمَّا ختان الغلمان فإيلامه شديد. والله أعلم.
[ ١ / ٤٦٦ ]
ووقت وجوبه عند البلوغ لأنَّه وقت وجوب العبادات عليه ولا يجب قبل ذلك.
وقد روي البخاري (٦٢٩٩) عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قَالَ سُئِلَ ابْنُ عَبَّاسٍ مِثْلُ مَنْ أَنْتَ حِينَ قُبِضَ النَّبِيُّ ﷺ؟ قَالَ: «أَنَا يَوْمَئِذٍ مَخْتُونٌ قَالَ وَكَانُوا لَا يَخْتِنُونَ الرَّجُلَ حَتَّى يُدْرِكَ».
قلت: ومعنى يدرك أي يبلغ الحلم. والمراد به هنا مقاربة البلوغ. وقد كان عمر ابن عباس ﵁ عند وفاة النبي ﷺ ثلاثة عشرة سنة.
قال العلامة ابن القيم ﵀ في [تحفة المودود] ص (١٨٢): «وعندي أنَّه يجب على الولي أن يختن الصبي قبل البلوغ بحيث يبلغ مختونًا فإنَّ ذلك لا يتم الواجب إلاَّ به وأمَّا قول ابن عباس: كانوا لا يختنون الرجل حتى يدرك. أي حتى يقارب البلوغ كقوله تعالى: ﴿فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ (٢) [الطلاق: ٢]، وبعد بلوغ الأجل لا يتأتى الإمساك. وقد صرح ابن عباس أنَّه كان يوم موت النبي مختونًا وأخبر في حجة الوداع التي عاش بعدها رسول الله بضعة وثمانين يومًا أنَّه كان قد ناهز الاحتلام. وقد أمر النبي الآباء أن يأمروا أولادهم بالصلاة لسبع وأن يضربوهم على تركها لعشر فكيف يسوغ لهم ترك ختانهم حتى يجاوزوا البلوغ والله أعلم» اهـ.
قلت: ويشرع قبل ذلك.
قال العلامة ابن القيم ﵀ في [زاد المعاد] (٢/ ٣٠٤): «فأمَّا الختان فقال ابن عباس: كانوا لا يختنون الغلام حتى يدرك. قال الميموني: سمعت أحمد يقول: كان الحسن يكره أن يختن الصبي يوم سابعه. وقال حنبل: إنَّ أبا عبد الله
[ ١ / ٤٦٧ ]
قال: وإن ختن يوم السابع فلا بأس وإنَّما كره الحسن ذلك لئلا يتشبه باليهود وليس في هذا شيء. قال مكحول: ختن إبراهيم ابنه إسحاق لسبعة أيام وختن إسماعيل لثلاث عشرة سنة ذكره الخلال. قال شيخ الإسلام ابن تيمية: فصار ختان إسحاق سنة في ولده وختان إسماعيل سنة في ولده» اهـ.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في [شرح عمدة الفقه] (١/ ٢٤٥ - ٢٤٦):
«وَإِنَّمَا يَجِبُ الْخِتَانُ إِذَا وَجَبَتِ الطَّهَارَةُ وَالصَّلَاةُ؛ لِأَنَّهُ إِنَّمَا شُرِّعَ لِذَلِكَ، وَالْخِتَانُ قَبْلَ ذَلِكَ أَفْضَلُ، وَهُوَ قَبْلَ التَّمْيِيزِ أَفْضَلُ مِنْ بَعْدِهِ فِي الْمَشْهُورِ؛ لِأَنَّهُ قُرْبَةٌ وَطُهْرَةٌ فَتَقْدِيمُهَا أَحْرَزُ؛ لِأَنَّ فِيهِ تَخْلِيصًا مِنْ مَسِّ الْعَوْرَةِ وَنَظَرِهَا، فَإِنَّ عَوْرَةَ الصَّغِيرِ لَا حُكْمَ لَهَا؛ وَلِذَلِكَ يَجُوزُ مَسُّهَا وَتَقْبِيلُهَا كَمَا كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُقَبِّلُ زَبِيبَةَ الْحَسَنِ.
وَقِيلَ: التَّأْخِيرُ إِلَى سِنِّ التَّمْيِيزِ أَوْلَى؛ لِمَا رَوَى سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، قَالَ: سُئِلَ ابْنُ عَبَّاسٍ مِثْلُ مَنْ أَنْتَ حِينَ قُبِضَ النَّبِيُّ ﷺ؟ قَالَ: "أَنَا يَوْمَئِذٍ مَخْتُونٌ، قَالَ: وَكَانُوا لَا يَخْتِنُونَ الرَّجُلَ حَتَّى يُدْرِكَ". يَعْنِي وَاللَّهُ أَعْلَمُ حَتَّى يُقَارِبَ الْإِدْرَاكَ مِثْلَ تَرَاهَقَ، وَفِي رِوَايَةٍ لِأَحْمَدَ " تُوُفِّيَ النَّبِيُّ ﷺ وَأَنَا ابْنُ عَشْرِ سِنِينَ مَخْتُونٌ ".
وَعَنْ عَلِيٍّ أَنَّهُ كَرِهَ أَنْ تَخْتَتِنَ الْجَارِيَةُ قَبْلَ سَبْعِ سِنِينَ، وَلَا يُكْرَهُ بَعْدَ سَبْعَةِ أَيَّامٍ، وَقَبْلَهَا فِيهِ رِوَايَتَانِ: إِحْدَاهُمَا: يُكْرَهُ لِأَنَّهُ فِعْلُ الْيَهُودِ، فَكُرِهَ التَّشَبُّهُ بِهِمْ، وَالْأُخْرَى: لَا يُكْرَهُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ فِيهِ نَهْيٌ، وَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ أَنَّ فَاطِمَةَ كَانْتَ " تَخْتِنُ
[ ١ / ٤٦٨ ]
وَلَدَهَا يَوْمَ السَّابِعِ ". وَرُوِيَ عَنْ مَكْحُولٍ وَغَيْرِهِ " أَنَّ إِبْرَاهِيمَ خَتَنَ ابْنَهُ إِسْمَاعِيلَ لِثَلَاثَ عَشْرَةَ سَنَةً وَخَتَنَ ابْنَهُ إِسْحَاقَ لِسَبْعَةِ أَيَّامٍ "» اهـ.
٢ - استحباب حلق العانة.
قال الحافظ ابن حجر ﵀ في [فتح الباري] (١٠/ ٣٤٣ - ٣٤٤):
«قَالَ النَّوَوِيُّ: الْمُرَادُ بِالْعَانَةِ الشَّعْرُ الَّذِي فَوْقَ ذَكَرِ الرَّجُلِ وَحَوَالَيْهِ وَكَذَا الشَّعْرُ الَّذِي حَوَالَيْ فَرْجِ الْمَرْأَةِ وَنُقِلَ عَنْ أَبِي الْعَبَّاسِ بْنِ سُرَيْجٍ أَنَّهُ الشَّعْرُ النَّابِتُ حَوْلَ حَلْقَةِ الدُّبُرِ فَتَحَصَّلَ مِنْ مَجْمُوعِ هَذَا اسْتِحْبَابُ حَلْقِ جَمِيعِ مَا عَلَى الْقُبُلِ وَالدُّبُرِ وَحَوْلَهُمَا قَالَ: وَذَكَرَ الْحَلْقَ لِكَوْنِهِ هُوَ الْأَغْلَبُ وَإِلَّا فَيَجُوزُ الْإِزَالَةُ بِالنَّوْرَةِ وَالنَّتْفِ وَغَيْرِهِمَا.
وَقَالَ أَبُو شَامَةَ: الْعَانَةُ الشَّعْرُ النَّابِتُ عَلَى الرَّكَبِ بِفَتْحِ الرَّاءِ وَالْكَافِ وَهُوَ مَا انْحَدَرَ مِنَ الْبَطْنِ فَكَانَ تَحْتَ الثَّنْيَةِ وَفَوْقَ الْفَرْجِ وَقِيلَ لِكُلِّ فَخِذٍ رَكَبٌ وَقِيلَ ظَاهِرُ الْفَرْجِ وَقِيلَ الْفَرْجُ بِنَفْسِهِ سَوَاءٌ كَانَ مِنْ رَجُلٍ أَوِ امْرَأَةٍ قَالَ: وَيُسْتَحَبُّ إِمَاطَةُ الشَّعْرِ عَنِ الْقُبُلِ وَالدُّبُرِ بَلْ هُوَ مِنَ الدُّبُرِ أَوْلَى خَوْفًا مِنْ أنْ يَعْلَقَ شَيْءٌ مِنَ الْغَائِطِ فَلَا يُزِيلُهُ الْمُسْتَنْجِي إِلَّا بِالْمَاءِ وَلَا يَتَمَكَّنُ مِنْ إِزَالَتِهِ بِالِاسْتِجْمَارِ قَالَ وَيَقُومُ التَّنَوُّرُ مَكَانَ الْحَلْقِ وَكَذَلِكَ النَّتْفُ وَالْقَصُّ.
وَقَدْ سُئِلَ أَحْمَدُ عَنْ أَخْذِ الْعَانَةِ بِالْمِقْرَاضِ فَقَالَ: أَرْجُو أَنْ يُجْزِئَ قِيلَ فَالنَّتْفُ قَالَ وَهَلْ يَقْوَى عَلَى هَذَا أَحَدٌ.
وَقَالَ ابن دَقِيقِ الْعِيدِ قَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ الْعَانَةُ الشَّعْرُ النَّابِتُ عَلَى الْفَرْجِ وَقِيلَ هُوَ مَنْبَتُ الشَّعْرِ قَالَ وَهُوَ الْمُرَادُ فِي الْخَبَرِ وَقَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ الْعَرَبِيِّ شَعْرُ الْعَانَةِ أَوْلَى
[ ١ / ٤٦٩ ]
الشُّعُورِ بالازالة لِأَنَّهُ يكْشف وَيَتَلَبَّدُ فِيهِ الْوَسَخُ بِخِلَافِ شَعْرِ الْإِبْطِ. قَالَ: وَأَمَّا حَلْقُ مَا حَوْلَ الدُّبُرِ فَلَا يُشْرَعُ وَكَذَا قَالَ الْفَاكِهِيُّ فِي "شَرْحِ الْعُمْدَةِ" أَنَّهُ لَا يَجُوزُ كَذَا قَالَ وَلَمْ يَذْكُرْ لِلْمَنْعِ مُسْتَنَدًا وَالَّذِي اسْتَنَدَ إِلَيْهِ أَبُو شَامَةَ قَوِيٌّ بَلْ رُبَّمَا تُصُوِّرَ الْوُجُوبُ فِي حَقِّ مَنْ تَعَيَّنَ ذَلِكَ فِي حَقِّهِ كَمَنْ لَمْ يَجِدْ مِنَ الْمَاءِ إِلَّا الْقَلِيلَ وَأَمْكَنَهُ أَنْ لَوْ حَلَقَ الشَّعْرَ أَنْ لَا يَعْلَقَ بِهِ شَيْءٌ من الْغَائِط يَحْتَاجُ مَعَهُ إِلَى غَسْلِهِ وَلَيْسَ مَعَهُ مَاءٌ زَائِد على قدر الِاسْتِنْجَاء.
وَقَالَ ابن دَقِيقِ الْعِيدِ: كَأَنَّ الَّذِي ذَهَبَ إِلَى اسْتِحْبَابِ حَلْقِ مَا حَوْلَ الدُّبُرِ ذَكَرَهُ بِطَرِيقِ الْقِيَاسِ قَالَ: وَالْأَوْلَى فِي إِزَالَةِ الشَّعْرِ هُنَا الْحَلْقُ اتِّبَاعًا وَيَجُوزُ النَّتْفُ بِخِلَافِ الْإِبْطِ فَإِنَّهُ بِالْعَكْسِ لِأَنَّهُ تُحْتَبَسُ تَحْتَهُ الْأَبْخِرَةُ بِخِلَافِ الْعَانَةِ وَالشَّعْرُ مِنَ الْإِبْطِ بِالنَّتْفِ يَضْعُفُ وَبِالْحَلْقِ يَقْوَى فَجَاءَ الْحُكْمُ فِي كُلٍّ مِنَ الْمَوْضِعَيْنِ بِالْمُنَاسِبِ.
وَقَالَ النَّوَوِيُّ وَغَيْرُهُ: السُّنَّةُ فِي إِزَالَةِ شَعْرِ الْعَانَةِ الْحَلْقُ بِالْمُوسَى فِي حَقِّ الرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ مَعًا وَقَدْ ثَبَتَ الْحَدِيثُ الصَّحِيحُ عَنْ جَابِرٍ فِي النَّهْيِ عَنْ طُرُوقِ النِّسَاءِ لَيْلًا حَتَّى تَمْتَشِطَ الشَّعِثَةُ وَتَسْتَحِدَّ الْمُغِيبَةُ وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُهُ فِي النِّكَاحِ لَكِنْ يَتَأَدَّى أَصْلُ السُّنَّةِ بِالْإِزَالَةِ بِكُلِّ مُزِيلٍ وَقَالَ النَّوَوِيُّ أَيْضًا: وَالْأَوْلَى فِي حَقِّ الرَّجُلِ الْحَلْقُ وَفِي حَقِّ الْمَرْأَةِ النَّتْفُ وَاسْتَشْكَلَ بِأَنَّ فِيهِ ضَرَرًا عَلَى الْمَرْأَةِ بِالْأَلَمِ وَعَلَى الزَّوْجِ بِاسْتِرْخَاءِ الْمَحَلِّ فَإِنَّ النَّتْفَ يُرْخِي الْمَحَلَّ بِاتِّفَاق الْأَطِبَّاء وَمن ثمَّ قَالَ ابن دَقِيقِ الْعِيدِ: إِنَّ بَعْضَهُمْ مَالَ إِلَى تَرْجِيحِ الْحَلْقِ فِي حَقِّ الْمَرْأَةِ لِأَنَّ النَّتْفَ يُرْخِي الْمحل لَكِن قَالَ ابن الْعَرَبِيِّ إِنْ كَانَتْ شَابَّةً فَالنَّتْفُ فِي حَقِّهَا أَوْلَى لِأَنَّهُ يَرْبُو مَكَانَ النَّتْفِ وَإِنْ كَانَتْ كَهْلَةً فَالْأَوْلَى فِي حَقِّهَا الْحَلْقُ لِأَنَّ النَّتْفَ يُرْخِي الْمَحَلَّ وَلَوْ قِيلَ الْأَوْلَى فِي حَقِّهَا التَّنَوُّرُ مُطْلَقًا لِمَا كَانَ بَعِيدًا وَحَكَى النَّوَوِيُّ فِي وُجُوبِ الْإِزَالَةِ عَلَيْهَا إِذَا طُلِبَ ذَلِكَ مِنْهَا
[ ١ / ٤٧٠ ]
وَجْهَيْنِ أَصَحُّهُمَا الْوُجُوبُ وَيَفْتَرِقُ الْحُكْمُ فِي نَتْفِ الْإِبْطِ وَحَلْقِ الْعَانَةِ أَيْضًا بِأَنَّ نَتْفَ الْإِبْطِ وَحَلْقَهُ يَجُوزُ أَنْ يَتَعَاطَاهُ الْأَجْنَبِيُّ بِخِلَافِ حَلْقِ الْعَانَةِ فَيَحْرُمُ إِلَّا فِي حَقِّ مَنْ يُبَاحُ لَهُ الْمَسُّ وَالنَّظَرُ كَالزَّوْجِ وَالزَّوْجَةِ وَأَمَّا التَّنَوُّرُ فَسُئِلَ عَنْهُ أَحْمَدُ فَأَجَازَهُ وَذَكَرَ أَنَّهُ يَفْعَلَهُ وَفِيهِ حَدِيثٌ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ أَخْرَجَهُ بن مَاجَهْ وَالْبَيْهَقِيُّ وَرِجَالُهُ ثِقَاتٌ وَلَكِنَّهُ أَعَلَّهُ بِالْإِرْسَالِ وَأَنْكَرَ أَحْمَدُ صِحَّتَهُ وَلَفْظُهُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ إِذَا طلى وَلِيَ عَانَتَهُ بِيَدِهِ وَمُقَابِلُهُ حَدِيثِ أَنَسٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ لَا يَتَنَوَّرُ وَكَانَ إِذَا كَثُرَ شَعْرُهُ حَلَقَهُ وَلَكِنْ سَنَدُهُ ضَعِيفٌ جِدًّا» اهـ.
وقال العلامة النووي ﵀ في [المجموع] (١/ ٢٨٩): «وأمَّا حقيقة العانة التي يستحب حلقها فالمشهور أنَّها الشعر النابت حوالي ذكر الرجل وقبل المرأة وفوقهما: ورأيت في كتاب "الودائع" المنسوب إلى أبي العباس ابن سريج وما أظنه يصح عنه قال: العانة الشعر المستدير حول حلقة الدبر: وهذا الذي قاله غريب ولكن لا منع من حلق شعر الدبر وأمَّا استحبابه فلم أر فيه شيئًا لمن يعتمد غير هذا فإن قصد به التنظف وسهولة الاستنجاء فهو حسن محبوب والله أعلم» اهـ.
قلت: وأمَّا حكم حلق العانة فقد قال الحافظ العراقي ﵀ في [طرح التثريب] (٢/ ٣٤): «وهو مستحب إجماعًا».
وقال العلامة النووي ﵀ في [المجموع] (١/ ٢٨٩): «وأمَّا حلق العانة فمتفق علي أنَّه سنة أيضًا وهل يجب على الزوجة إذا أمرها زوجها: فيه قولان
[ ١ / ٤٧١ ]
مشهوران أصحهما الوجوب: وهذا إذا لم يفحش بحيث ينفر التواق فإن فحش بحيث نفره وجب قطعًا» اهـ.
قلت: الاستحداد مستحب في حق الرجال والنساء، ومن استحب للنساء النتف دون الحلق كما ذهب إليه العلامة النووي ﵀ فليس معه في ذلك حجة معتبرة. وقد جاء في صحيح البخاري (٥٠٧٩)، ومسلم (٣٦٢٥) عن جابر بن عبد الله عن النبي ﷺ أنه قال: «أَمْهِلُوا حَتَّى تَدْخُلُوا لَيْلًا - أَيْ عِشَاءً - لِكَيْ تَمْتَشِطَ الشَّعِثَةُ وَتَسْتَحِدَّ الْمُغِيبَةُ».
قلت: ويشرع أخذ شائر الجسد مما لم يأت الدليل بتحريم أخذه كشعر اليدين والساقين وغير ذلك.
فروى البيهقي في [الكبرى] (٧٠٩) أَخْبَرَنَاهُ يَحْيَى بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى، ثنا أَبُو الْعَبَّاسِ مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ، ثنا بَحْرُ بْنُ نَصْرٍ، ثنا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ اللَّيْثِيُّ، عَنْ نَافِعٍ، أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ «كَانَ يَطَّلِي فَيَأْمُرُنِي أَطَّلِيَهُ حَتَّى إِذَا بَلَغَ سِفْلَتَهُ وَلِيَهَا هُوَ».
قلت: إسناده حسن. وهو يدل على أنَّه كان يزيل سائر شعر بدنه بالنورة ولم يقتصر على العانة.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في [شرح عمدة الفقه] (١/ ٢٣٨ - ٢٣٩):
«وَأَمَّا الِاسْتِحْدَادُ فَهُوَ اسْتِعْمَالُ الْحَدِيدِ فِي إِزَالَةِ شَعْرِ الْعَانَةِ وَلَوْ قَصَّهُ أَوْ نَتَفَهُ أَوْ تَنَوَّرَ جَازَ، وَالْحَلْقُ أَفْضَلُ، وَالْأَفْضَلُ فِي الْإِبِطِ أَنْ يَنْتِفَهُ وَلَوْ حَلَقَهُ أَوْ قَصَّهُ أَوْ نَوَّرَهُ جَازَ أَيْضًا، وَلَوْ نَوَّرَ غَيْرَ ذَلِكَ مِنْ شِعْرِ السَّاقَيْنِ وَالْفَخِذَيْنِ جَازَ أَيْضًا، نَصَّ عَلَيْهِ،
[ ١ / ٤٧٢ ]
لِمَا رَوَتْ أُمُّ سَلَمَةَ "أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ إِذَا اطَّلَى بَدَأَ بِعَوْرَتِهِ فَطَلَاهَا بِالنُّورَةِ وَسَائِرَ جَسَدِهِ أَهْلُهُ"، رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ وَفِيهِ مَقَالٌ لَكِنْ لَا يُنَوِّرُ عَوْرَتَهُ إِلَّا هُوَ أَوْ مَنْ يَحِلُّ لَهُ مَسُّهَا مِنْ زَوْجَةٍ أَوْ أَمَةٍ.
قَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ النَّسَائِيُّ: "ضَرَبْتُ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ نُورَةً وَنَوَّرْتُهُ بِهَا فَلَمَّا بَلَغَ إِلَى عَانَتِهِ نَوَّرَهَا هُوَ" وَقَالَ نَافِعٌ: "كُنْتُ أَطْلِي ابْنَ عُمَرَ فَإِذَا بَلَغَ عَوْرَتَهُ نَوَّرَهَا هُوَ بِيَدِهِ" رَوَاهُ الْخَلَّالُ، وَتَرْكُ التَّنُّورِ أَفْضَلُ، قَالَ ابْنُ عُمَرَ: "هُوَ مِمَّا أَحْدَثُوا مِنَ النَّعِيمِ"» اهـ.
قلت: أثر ابن عمر وارد في دخول الحمام وليس في الإطلاء في النورة فقد رواه ابن أبي شيبة في [مصنفه] (١١٧١) حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مَنْصُورٌ، عَنِ ابْنِ سِيرِينَ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: «لَا تَدْخُلَ الْحَمَّامَ، فَإِنَّهُ مِمَّا أَحْدَثُوا مِنَ النَّعِيمِ».
قلت: إسناده صحيح.
٣ - استحباب قص الشارب. قال الإمام مالك ﵀: يؤخذ منه حتى يبدو طرف الشفة.
واختلف العلماء في أيهما أفضل في الشارب الحلق أم التقصير. فذهب الإمام مالك ﵀ إلى القص، وكان يبالغ في الحلق ويراه من البدع، ويرى تأديب من فعل ذلك.
وذهب الإمام أحمد إلى التخيير بين الحف والتقصير.
وذهب أبو حنيفة إلى استحباب الحلق. وليس للشافعي في ذلك نص. وكان أصحاب الشافعي كالمزني والربيع يحفون شواربهم.
[ ١ / ٤٧٣ ]
قال الحافظ ابن عبد البر ﵀ في [الاستذكار] (٨/ ٤٢٧): «واحتج بعض أصحابنا المتأخرين بأنَّ الشارب لا يقع إلَّا على ما يباشر به شرب الماء من الشفة وهو الإطار فذلك الذي يحفى» اهـ.
وقال الحافظ العراقي ﵀ في [طرح التثريب] (٢/ ٣٥): «وهو مجمع على استحبابه وذهب بعض الظاهرية إلى وجوبه لقوله: "قصوا الشوارب" رواه أحمد من حديث أبي هريرة، وهو عند مسلم بلفظ: "جزوا"، وأخرجه الشيخان من حديث ابن عمر بلفظ: "أحفوا" وفي رواية للبخاري: "أنهكوا الشوارب".
والمختار في صفة قصه أن يقص منه حتى يبدو طرف الشفة، وهو حمرتها ولا يحفيه من أصله، وهو قول مالك والشافعي، وكان مالك يرى حلقه مثلة ويأمر بأدب فاعله وكان يكره أن يأخذ من أعلاه وذهب ابن عمر وبعض التابعين إلى استحباب إحفائه واستئصاله، وهو قول الكوفيين واستدلوا بما تقدم من قوله "أحفوا" و"جزوا" وفي بعضها "أنهكوا" وبرواية النسائي في حديث الباب "وحلق الشارب" وحمل الأولون الجز، والإحفاء على القص، وحمله بعضهم على إحفاء ما طال على الشفتين. ويدل على أنَّ المراد التقصير لا استئصاله رواية النسائي من رواية سعيد المقبري عن أبي هريرة "وتقصير الشارب".
ويدل على ذلك أيضًا: قصه ﷺ شارب المغيرة بن المغيرة على سواك كما رواه أبو داود، والنسائي، والترمذي في "الشمائل" فلو كان المراد استئصاله لما وضع السواك حتى يقطع ما زاد عليه وذهب بعض العلماء إلى أنَّه مخير بين الأمرين حكاه القاضي عياض» اهـ.
[ ١ / ٤٧٤ ]
قلت: حديث المغيرة رواه أحمد (١٧٥٠٢، ١٧٥٢٦)، وأبو داود (١٦٠)، والترمذي في [الشمائل] (١٦٥) من طريق وكيع عن مسعر عن أبي صخرة جامع بن شداد عن مغيرة بن عبد الله عن المغيرة بن شعبة قال: «ضِفْتُ النَّبِىَّ ﷺ ذَاتَ لَيْلَةٍ فَأَمَرَ بِجَنْبٍ فَشُوِىَ وَأَخَذَ الشَّفْرَةَ فَجَعَلَ يَحُزُّ لِى بِهَا مِنْهُ - قَالَ - فَجَاءَ بِلَالٌ فَآذَنَهُ بِالصَّلَاةِ - قَالَ - فَأَلْقَى الشَّفْرَةَ وَقَالَ: " مَا لَهُ تَرِبَتْ يَدَاهُ " وَقَامَ يُصَلِّى».
زَادَ الأَنْبَارِىُّ: «وَكَانَ شَارِبِى وَفَى فَقَصَّهُ لِى عَلَى سِوَاكٍ. أَوْ قَالَ: "أَقُصُّهُ لَكَ عَلَى سِوَاكٍ"».
ورواه النسائي في [الكبرى] (٦٦٥٥) أخبرنا يوسف بن عيسى قال أنا الفضل بن موسى قال أنا مسعر به، وليس في حديثه ذكر السواك.
قلت: هذا حديث صحيح، رجاله كلهم ثقات والمغيرة بن عبد الله أخرج له مسلم في الأصول.
قلت: رواية النسائي بلفظ "الحلق" لا تصح.
قال الحافظ ابن حجر ﵀ في [الفتح] (١٠/ ٣٩١): «وورد الخبر بلفظ الحلق وهي رواية النسائي عن محمد بن عبد الله بن يزيد عن سفيان بن عيينة بسند هذا الباب ورواه جمهور أصحاب بن عيينة بلفظ القص وكذا سائر الروايات عن شيخه الزهري» اهـ.
قلت: الأحاديث الواردة في الشوارب واردة بلفظ القص، والجز، والحف، والنهك. وأكثر الروايات جاءت بلفظ "القص".
[ ١ / ٤٧٥ ]
قال الحافظ ابن حجر ﵀ في [الفتح] (١٠/ ٣٩١): «وأمَّا القص فهو الذي في أكثر الأحاديث كما هنا وفي حديث عائشة وحديث أنس كذلك كلاهما عند مسلم وكذا حديث حنظلة عن ابن عمر في أول الباب» اهـ.
قلت: ورواية القص صريحة في المقصود، وأمَّا سائر الألفاظ فقد تنازع العلماء في المراد بها، فذهب بعض العلماء إلى أنَّ المراد بذلك الحلق، وذهب آخرون إلى أنَّ المراد بذلك المبالغة في القص، وذهب آخرون إلى أنَّ المراد بذلك حف، وجز، ونهك طرف الشارب حتى يبدو طرف الشفة.
قال العلامة الباجي ﵀ في [المنتقى] (٧/ ٢٦٦):
«وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا نَقُولُهُ قَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ: "أَحْفُوا الشَّوَارِبَ" قَالَ: صَاحِبُ الْأَفْعَالِ مَعْنَاهُ قُصُّوهَا قَالَ: مَالِكٌ ﵀ وَرُوِيَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁ أَنَّهُ كَانَ إذَا أَحْزَنَهُ أَمْرٌ فَتَلَ شَارِبَهُ وَلَوْ كَانَ مَحْلُوقًا مَا كَانَ فِيهِ مَا يُفْتَلُ.
وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ أَيْضًا مَا رَوَى سَعِيدٌ الْمَقْبُرِيُّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "خَمْسٌ مِنْ الْفِطْرَةِ تَقْلِيمُ الْأَظْفَارِ وَقَصُّ الشَّارِبِ". وَاحْتَجُّوا بِمَا رَوَى نَافِعٌ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "انْهَكُوا الشَّوَارِبَ" وَلَا حُجَّةَ فِيهِ؛ لِأَنَّ إنْهَاكَ الشَّيْءِ لَا يَقْتَضِي إزَالَةَ جَمِيعِهِ وَإِنَّمَا يَقْتَضِي إزَالَةَ بَعْضِهِ قَالَ: صَاحِبُ الْأَفْعَالِ نَهَكَتْهُ الْحُمَّى نَهْكًا أَثَّرَتْ فِيهِ وَكَذَلِكَ الْعِبَادَةُ» اهـ.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في [شرح عمدة الفقه] (١/ ٢٣٥ - ٢٣٦):
[ ١ / ٤٧٦ ]
«وَتَحْصُلُ السُّنَّةُ بِقَبْضَةٍ حَتَّى يَبْدُوَ الْإِطَارُ وَهُوَ طَرَفُ الشَّفَةِ، وَكُلَّمَا أُخِذَ فَوْقَ ذَلِكَ فَهُوَ أَفْضَلُ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَلَا يُسْتَحَبُّ حَلْقُهُ؛ لِأَنَّ فِي لَفْظِ الْبُخَارِيِّ عَنِ ابْنِ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "انْهَكُوا الشَّوَارِبَ وَأَعْفُوا اللِّحَى".
قَالَ الْبُخَارِيُّ: "وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يُحْفِي شَارِبَهُ حَتَّى يُنْظَرَ إِلَى مَوْضِعِ الْحَلْقِ" وَرَوَى حَرْبٌ فِي مَسَائِلِهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَافِعٍ قَالَ: رَأَيْتُ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ وَسَلَمَةَ بْنَ الْأَكْوَعِ، وَجَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ، وَابْنَ عُمَرَ، وَأَبَا أُسَيْدٍ يَجُزُّونَ شَوَارِبَهُمْ أَخَا الْحَلْقِ» اهـ.
قلت: لم يكن ابن عمر ﵁ يحلق شاربه ولكن كان يبالغ في قصه حتى يبدوا بياض الجلد فقد روى الطحاوي في [شرح معاني الآثار] (٦٥٦٨)
حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي دَاوُدَ، قَالَ: ثنا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ يُونُسَ، قَالَ: ثنا عَاصِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ: «أَنَّهُ كَانَ يُحْفِي شَارِبَهُ، حَتَّى يُرَى بَيَاضُ الْجِلْدِ».
قلت: هذا أثر صحيح، وابن أبي داود اسمه إبراهيم.
وقد رواه البخاري معلقًا.
قلت: ومما يدل على أنَّ المراد بالحف إزالة ما تدلى على الشفه من الشارب ما رواه ابن أبي عاصم في [الآحاد] (١٢٣٦، ٢٤١٣)، والطبراني في [الكبير] (٣٢١٨) من طريق أَحْمَدَ بْنِ عَبْدِ الْوَهَّابِ بْنِ نَجْدَةَ الْحَوْطِيُّ، ثنا أَبِي، ثنا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَيَّاشٍ، عَنْ شُرَحْبِيلَ بْنِ مُسْلِمٍ، قَالَ: «رَأَيْتُ خَمْسَةً مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ يُقْمُونَ شَوَارِبَهُمْ وَيُعْفُونَ لِحَاهُمْ وَيُصَفِّرُونَها. أَبُو أُمَامَةَ الْبَاهِلِيُّ
[ ١ / ٤٧٧ ]
وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ بُسْرٍ الْمَازِنِيُّ، وَعُتْبَةُ بْنُ عَبْدٍ السَّلَمِيُّ، وَالْحَجَّاجُ بْنُ عَامِرٍ الثُّمَالِيُّ، وَالْمِقْدَامُ بْنُ مَعْدِي كَرِبَ ﵃ كَانُوا يُقْمُونَ مَعَ طَرَفِ الشَّفَةِ».
قلت: إسناده حسن.
قال العلامة ابن الأثير ﵀ في [النهاية] (٤/ ١٧٨) - في معنى: «يُقْمُونَ»: «أي يَسْتَأصِلُونها قَصًّا تَشْبيهًا بِقَمّ البيت وكَنْسه» اهـ.
قلت: واختلف العلماء في السبالين هل يتركان، أم يقصان مع الشارب، والسبالان هما طرفا الشارب، وقد ذهب إلى تركهما الغزالي في "الإحياء".
قال الحافظ العراقي ﵀ في [طرح التثريب] (٢/ ٣٧): «وكره بعضهم بقاء السبال لما فيه من التشبه بالأعاجم بل بالمجوس وأهل الكتاب وهذا أولى بالصواب لما رواه ابن حبان في صحيحه من حديث ابن عمر قال: "ذكر لرسول الله ﷺ المجوس فقال: إنَّهم يوفرون سبالهم ويحلقون لحاهم فخالفوهم " فكان ابن عمر يجز سباله كما تجز الشاة أو البعير.
وروى أحمد في "مسنده" في أثناء حديث لأبي أمامة "فقلنا: يا رسول الله فإن أهل الكتاب يقصون عثانينهم ويوفرون سبالهم. فقال النبي ﷺ: قصوا سبالكم ووفروا عثانينكم وخالفوا أهل الكتاب"، والعثانين بالعين المهملة، والثاء المثلثة وتكرار النون جمع عثنون: اللحية» اهـ.
قلت: حديث ابن عمر رواه الطبراني في [المعجم الأوسط] (١٠٥١، ١٦٢٢)، وابن حبان (٥٤٧٦)، والبيهقي في [الكبرى] (٦٧٩)، وابن حبان في [صحيحه] (٥٤٧٦)، وأبو نعيم في [الحلية] (٤/ ٩٤): من طريق معقل بن عبيد الله عن ميمون بن مهران عن ابن عمر به.
[ ١ / ٤٧٨ ]
قلت: هذا إسناد حسن من أجل معقل فإنه حسن الحديث.
وأمَّا حديث أبي أمامة فرواه أحمد (٢٢٣٣٧)، والطبراني في [المعجم الكبير] (٧٩٢٤)، والبيهقي في [الشعب] (٥٩٨٧) من طريق عبد الله بن العلاء بن زبر حدثني القاسم قال سمعت أبا أمامة يقول: «خَرَجَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَلَى مَشْيَخَةٍ مِنَ الأَنْصَارٍ بِيضٌ لِحَاهُمْ فَقَالَ: "يَا مَعْشَرَ الأَنْصَارِ حَمِّرُوا وَصَفِّرُوا، وَخَالِفُوا أَهْلَ الْكِتَابِ". قَالَ: فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ يَتَسَرْوَلَونَ وَلْا يَأْتَزِرُونَ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: "تَسَرْوَلُوا وَائْتَزِرُوا وَخَالِفُوا أَهْلَ الْكِتَابِ". قَالَ: فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ يَتَخَفَّفُونَ وَلَا يَنْتَعِلُونَ. قَالَ: فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: "فَتَخَفَّفُوا وَانْتَعِلُوا وَخَالِفُوا أَهْلَ الْكِتَابِ". قَالَ: فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللهِ إِنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ يَقُصُّونَ عَثَانِينَهُمْ وَيُوَفِّرُونَ سِبَالَهُمْ. قَالَ: فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: "قُصُّوا سِبَالَكُمْ وَوَفِّرُوا عَثَانِينَكُمْ وَخَالِفُوا أَهْلَ الْكِتَابِ "».
قلت: هذا إسناد حسن من أجل القاسم وهو ابن عبد الرحمن فإنه حسن الحديث.
قلت: وقد تنازع العلماء في حكم الأخذ من الشارب فذهب أكثر العلماء إلى استحبابه، وذهب ابن حزم إلى وجوبه.
ومما يحتج به على الوجوب ما رواه البخاري (٥٨٩٢)، ومسلم (٦٠١) عن ابن عمر ﵁: عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «خَالِفُوا الْمُشْرِكِينَ وَفِّرُوا اللِّحَى وَأَحْفُوا الشَّوَارِبَ».
وفي لفظ عند البخاري (٥٨٩٣) «انْهَكُوا الشَّوَارِبَ وَأَعْفُوا اللِّحَى».
[ ١ / ٤٧٩ ]
وروى مسلم (٦٠٢) عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ «جُزُّوا الشَّوَارِبَ وَأَرْخُوا اللِّحَى خَالِفُوا الْمَجُوسَ».
ووجه الدلالة في هذه الأحاديث على الوجوب من وجهين:
الوجه الأول: الأمر بالحف، والنهك، والجز، والأصل فيه الوجوب.
الوجه الآخر: أنَّ ذلك من مخالفة المشركين.
قلت: وللمستحب أن يقول: هذه الأوامر مصروفة بأحاديث القص.
ومخالفة الكفار منها ما هي مستحبة كصبغ اللحية، ولبس النعال، ومنها ما هي واجبة كمخالفتهم في شعائرهم التي يختصون بها دون غيرهم.
ومما يحتج به أيضًا على الوجوب، ما رواه أحمد (١٩٢٨٣، ١٩٢٩٢)، الترمذي (٢٧٦١)، والنسائي في [الكبرى] (٩٢٩٣، ١٤) من طريق يوسف بن صهيب عن حبيب بن يسار عن زيد بن أرقم: أنَّ رسول الله ﷺ قال:
«مَنْ لَمْ يَأْخُذْ مِنْ شَارِبِهِ فَلَيْسَ مِنَّا».
قلت: هذا حديث صحيح.
قلت: وللمُسْتَحِبِ أن يقول: إنَّ هذه العبارة تستعمل أيضًا، في ترك المستحبات، كما روى البخاري (٧٥٢٧) عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: «لَيْسَ مِنَّا مَنْ لَمْ يَتَغَنَّ بِالْقُرْآنِ».
والمراد بالتغني بالقرآن تحسين الصوت بالقراءة.
قال العلامة ابن القيم ﵀ في [مدارج السالكين] (١/ ٤٨٩):
«والصحيح: أنَّه من التغني بمعنى تحسين الصوت وبذلك فسره الإمام أحمد ﵀ فقال: يحسنه بصوته ما استطاع» اهـ.
[ ١ / ٤٨٠ ]
وروى أحمد (٢٣٠٦٩)، وأبو داود (١٤٢١) من طريق الفضل بن موسى عن عبيد الله العتكي عن عبد الله بن بريدة عن أبيه قال: قال رسول الله ﷺ: «الْوِتْرُ حَقٌّ فَمَنْ لَمْ يُوتِرْ فَلَيْسَ مِنَّا الْوِتْرُ حَقٌّ فَمَنْ لَمْ يُوتِرْ فَلَيْسَ مِنَّا الْوِتْرُ حَقٌّ فَمَنْ لَمْ يُوتِرْ فَلَيْسَ مِنَّا».
قلت: هذا حديث حسن. رجاله ثقات غير عبيد الله العتكي فهو حسن الحديث.
ورواه أحمد (٩٧١٥) ثنا وكيع قال ثنا خليل بن مرة عن معاوية بن قرة عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: «مَنْ لَمْ يُوتِرْ فَلَيْسَ مِنَّا».
قال الحافظ ابن حجر ﵀ في [التلخيص الحبير] (٢/ ١١٥): «وفيه الخليل بن مرة وهو منكر الحديث، وفي الإسناد انقطاع بين معاوية بن قرة، وأبي هريرة كما قال أحمد» اهـ.
ورواه عبد الرزاق في [مصنفه] (٤٥٧٩) عن معمر عن الحسن قال: قال رسول الله ﷺ «إِنَّ اللَّهَ وِتْرٌ يُحِبُّ الْوِتْرَ، فَمَنْ لَمْ يُوتِرْ فَلَيْسَ مِنَّا».
قلت: هذا إسناد مرسل.
٤ - استحباب تقليم الأظفار. قال الحافظ ابن حجر ﵀ في [فتح الباري] (١٠/ ٣٨٩) «والمراد إزالة ما يزيد على ما يلابس رأس الأصبع من الظفر لأنَّ الوسخ يجتمع فيه فيستقذر وقد ينتهي إلى حد يمنع من وصول الماء إلى ما يجب غسله في الطهارة» اهـ.
قلت: وهناك مفسدة أخرى في إطالة الأظفار ذكرها الحافظ ابن حجر ﵀ في المصدر السابق حيث قال:
[ ١ / ٤٨١ ]
«لكن قد يعلق بالظفر إذا طال النجو لمن استنجى بالماء ولم يمعن غسله فيكون إذا صلى حاملًا للنجاسة» اهـ.
وأمَّا حكم تقليم الأظفار فهو مستحب قال العلامة الشوكاني ﵀ في [نيل الأوطار] (١/ ١٣٣):
«وهو سنة بالاتفاق» اهـ.
٥ - السنة في الإبط النتف دون الحلق لأنَّ الشعر يغلظ بالحلق ويكثر ويكون أجلب للرائحة الكريهة.
وقال العلامة النووي ﵀ في [المجموع] (١/ ٢٨٨): «وأمَّا نتف الإبط فمتفق أيضًا على أنَّه سنة» اهـ.
قال الحافظ العراقي ﵀ في [طرح التثريب] (٢/ ٤٣): «وهو مجمع على استحبابه وسنيته وتحصل أصل السنة بإزالته بأي وجه كان من الحلق، والقص، والنورة. وحكي عن يونس بن عبد الأعلى قال: دخلت على الشافعي رحمه الله تعالى وعنده المزين يحلق إبطه فقال الشافعي: علمت أنَّ السنة النتف ولكن لا أقوى على الوجع. ويستحب الابتداء بالإبط الأيمن» اهـ.
قلت: والإبط بسكون الموحدة على الأصح.
قال العلامة الفيومي ﵀ في [المصباح المنير] (١/ ١):
«الْإِبْطُ مَا تَحْتَ الْجَنَاحِ وَيُذَكَّرُ وَيُؤَنَّثُ فَيُقَالُ هُوَ الْإِبْطُ وَهِيَ الْإِبْطُ وَمِنْ كَلَامِهِمْ رَفَعَ السَّوْطَ حَتَّى بَرَقَتْ إبْطُهُ وَالْجَمْعُ آبَاطٌ مِثْلُ حِمْلٍ وَأَحْمَالٍ وَيَزْعُمُ
بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ أَنَّ كَسْرَ الْبَاءِ لُغَةٌ وَهُوَ غَيْرُ ثَابِتٍ لِمَا يَأْتِي فِي إبِلٍ» اهـ.
[ ١ / ٤٨٢ ]
قلت: والأحسن ألَّا يتجاوز المرء أربعين يومًا في قص الأظفار والشارب، وحلق العانة، ونتف الإبط لما رواه مسلم (٢٥٨) عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ:
قَالَ أَنَسٌ: «وُقِّتَ لَنَا فِي قَصِّ الشَّارِبِ وَتَقْلِيمِ الْأَظْفَارِ وَنَتْفِ الْإِبِطِ وَحَلْقِ الْعَانَةِ أَنْ لَا نَتْرُكَ أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً».
وإذا أخذ ذلك في كل جمعة فهو حسن لما رواه ابن وهب في [جامعه] (٢٢٠)، ومن طريقه البيهقي في [الكبرى] (٥٩٦٤) عن حَيَوَةَ بْنِ شُرَيْحٍ، عَنْ بَكْرِ بْنِ عَمْرّو، عَنْ بُكَيْرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ نَافِعٍ، أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ: «كَانَ يُقَلِّمُ أَظَافِرَهُ، وَيَقُصُّ شَارِبَهُ فِي كُلِّ جُمُعَةٍ».
قلت: هذا أثر صحيح.
وقد جاء مرفوعًا ولا يثبت.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في [شرح عمدة الفقه] (١/ ٢٤١):
«وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَأْخُذَ الظُّفْرَ فِي كُلِّ أُسْبُوعٍ» اهـ.
فائدة: قال العلامة ابن القيم ﵀ في [التبيان] (ص: ٣١٧ - ٢١٨):
«فصل: وأمَّا شعر العانة والأبط والأنف فمنفعته تنقية البدن من الفضلة ولهذا إذا أزيل من هذا الموضع وجد البدن خفة ونشاطًا وإذا وفر وجد ثقلًا وكسلًا وغمًا ولهذا جاءت الشريعة بحلق العانة ونتف الإبط وكان حلق العانة أولى من نتفها لصلابة الشعر وتأذي صاحبها بنتفه وكان نتف الإبط أولى من حلقه لضعف الشعر هناك وشدته وتعجل نباته بالحلق فجاءت الشريعة بالأنفع في هذا وهذا» اهـ.
* * *
[ ١ / ٤٨٣ ]
قال المؤلف رحمه الله تعالى: