٢٨٥ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «لَا يَمْنَعَنَّ جَارٌ جَارَهُ أَنْ يَغْرِزَ خَشَبَهُ فِي جِدَارِهِ».
ثُمَّ يَقُولُ أَبُو هُرَيْرَةَ: «مَا لِي أَرَاكُمْ عَنْهَا مُعْرِضِينَ، وَاللَّهِ لَأَرْمِيَنَّ بِهَا بَيْنَ أَكْتَافِكُمْ».
قَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٥/ ١١٠):
«كذا لأبي ذر بالتنوين على إفراد الخشبة ولغيره بصيغة الجمع» اهـ.
وقول أبي هريرة: «وَاللَّهِ لَأَرْمِيَنَّ بِهَا بَيْنَ أَكْتَافِكُمْ».
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ فِي [شَرْحِ مُسْلِمٍ] (١١/ ٤٧):
«وقوله: "بين أكتافكم" هو بالتاء المثناة فوق أي بينكم. قال القاضي: قد رواه بعض رواة الموطأ "أكنافكم" بالنون ومعناه أيضًا بينكم والكنف الجانب، ومعنى الأول أنِّي أصرح بها بينكم وأوجعكم بالتقريع بها كما يضرب الإنسان بالشيء بين كتفيه» اهـ.
وَقَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٥/ ١١١):
«قوله: "لأرمينها" في رواية أبي داود: "لألقينها" أي: لأشيعنَّ هذه المقالة فيكم، ولأقرعنكم بها كما يضرب الإنسان بالشيء بين كتفيه ليستيقظ من غفلته.
[ ٩ / ٢٨٣ ]
قوله: "بين أكتافكم". قال ابن عبد البر: رويناه في الموطأ بالمثناة وبالنون والأكناف بالنون جمع كنف بفتحها وهو الجانب.
قال الخطابي: معناه إن لم تقبلوا هذا الحكم وتعملوا به راضين لأجعلنَّها أي الخشبة على رقابكم كارهين.
قال: وأراد بذلك المبالغة وبهذا التأويل جزم إمام الحرمين تبعًا لغيره. وقال: إنَّ ذلك وقع من أبي هريرة حين كان يلي إمرة المدينة، وقد وقع عند ابن عبد البر من وجه آخر: "لأرمين بها بين أعينكم وإن كرهتم" وهذا يرجح التأويل المتقدم» اهـ.
قُلْتُ: هذه الرواية ذكرها الْحَافِظُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِ ﵀ فِي [التَّمْهِيْدِ] (١٠/ ٢٢٩) فَقَالَ: «قَالَ أَسَدٌ وَحَدَّثَنَا قَيْسُ بْنُ الرَّبِيعِ عَنْ مَنْصُورِ بْنِ دِينَارٍ عن أبي عكرمة المخرومي عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "لَا يَحِلُّ لِامْرِئٍ مُسْلِمٍ أَنْ يَمْنَعَ جَارَهُ خَشَبَاتٍ يَضَعُهَا عَلَى جِدَارِهِ" ثُمَّ يَقُولُ أَبُو هُرَيْرَةَ لَأَضْرِبَنَّ بِهَا بَيْنَ أَعْيُنِكُمْ وَإِنْ كَرِهْتُمْ» اهـ.
قُلْتُ: أسندها الطحاوي في [شَرْحِ مُشْكِلِ الْآثَارِ] (٢٤٢٢) حَدَّثَنَا الرَّبِيعُ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَسَدٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا قَيْسُ بْنُ الرَّبِيعِ، عَنْ مَنْصُورِ بْنِ دِينَارٍ، عَنْ أَبِي عِكْرِمَةَ الْمَخْزُومِيِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «لَا يَحِلُّ لِامْرِئٍ مُسْلِمٍ أَنْ يَمْنَعَ جَارَهُ خَشَبَاتِهِ يَضَعُهَا عَلَى جِدَارِهِ».
ثُمَّ يَقُولُ أَبُو هُرَيْرَةَ: «لَأَضْرِبَنَّ بِهَا بَيْنَ أَعْيُنِكُمْ وَإِنْ كَرِهْتُمْ».
[ ٩ / ٢٨٤ ]
قُلْتُ: الربيع هو ابن سليمان المرادي، وأسد هو ابن موسى، وقيس بن الربيع الأسدي ضعيف، ومنصور بن دينار هو التميمي ضعيف أيضًا، وأبو عكرمة مجهول فلا تصح هذه الرواية.
وَفِي الْحَدِيْثِ مَسَائِلُ مِنْهَا:
١ - تحريم منع الجار لجاره من أن يغرز خشبة في جداره إذا احتاج إلى ذلك ولم يكن في ذلك ضرر عليه.
قَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٥/ ١١٠ - ١١١):
«استدل به على أنَّ الجدار إذا كان لواحد وله جار فأراد أن يضع جذعه عليه جاز سواء أذن المالك أم لا فإن امتنع أجبر، وبه قال أحمد، وإسحاق، وغيرهما من أهل الحديث، وابن حبيب من المالكية، والشافعي في "القديم"، وعنه في "الجديد" قولان: أشهرهما اشتراط إذن المالك، فإن أمتنع لم يجبر، وهو قول الحنفية، وحملوا الأمر في الحديث على الندب والنهي على التنزيه جمعًا بينه وبين الأحاديث الدالة على تحريم مال المسلم إلَّا برضاه، وفيه نظر كما سيأتي، وجزم الترمذي وابن عبد البر عن الشافعي بالقول "القديم" وهو نصه في "البويطي".
قال البيهقي: لم نجد في السنن الصحيحة ما يعارض هذا الحكم إلَّا عمومات لا يستنكر أن نخصها وقد حمله الراوي على ظاهره وهو أعلم بالمراد بما حدث به. يشير إلى قول أبي هريرة ما لي أراكم عنها معرضين» اهـ.
[ ٩ / ٢٨٥ ]
قُلْتُ: ومذهب الإمام مالك اشتراط الإذن.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ بَطَّالٍ ﵀ فِي [شَرْحِ الْبُخَارِي] (٦/ ٥٨٦):
«وذهب مالك والكوفيون إلى أنَّه لا يغرز خشبة في حائط أحد إلَّا بإذن صاحب الحائط» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ دَقِيْقِ الْعِيْدِ ﵀ فِي [إِحْكَامِ الْأَحْكَامِ] (ص: ٣٨١):
«وفي قوله: "ما لي أراكم عنها معرضين"؟ إلى آخره ما يشعر بالوجوب لقوله: "والله لأرمين بها بين أكتافكم". وهذا يقتضي التشديد والخوف والكراهة لهم» اهـ.
قُلْتُ: مذهب أحمد، وإسحاق، وغيرهما هو الصحيح لظاهر الحديث، وأمَّا ما احتج به المانعون من الأدلة فإنَّها أدلة عامة، ودليل المانعين من قبيل الخاص، وهو مقدم على العام، ومخصص له.
وقد تأول بعضهم هذا الحديث تأويلًا بعيدًا فقَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٥/ ١١١): «ومنهم من حمل الضمير في جداره على صاحب الجذع أي: لا يمنعه أن يضع جذعه على جدار نفسه ولو تضرر به من جهة منع الضوء مثلًا، ولا يخفى بعده» اهـ.
قُلْتُ: وحجته في ذلك رجوع الضمير إلى أقرب مذكور.
٢ - ويلحق بذلك كل ما فيه منفعة للجار، ولا يتضرر من ذلك المالك.
[ ٩ / ٢٨٦ ]
وقد روى مالك في [الْمُوَطَّأِ] (١٤٣١) عَنْ عَمْرِو بْنِ يَحْيَى الْمَازِنِيِّ، عَنْ أَبِيهِ أَنَّ «الضَّحَّاكَ بْنَ خَلِيفَةَ سَاقَ خَلِيجًا لَهُ مِنَ الْعُرَيْضِ، فَأَرَادَ أَنْ يَمُرَّ بِهِ فِي أَرْضِ مُحَمَّدِ بْنِ مَسْلَمَةَ، فَأَبَى مُحَمَّدٌ، فَقَالَ لَهُ الضَّحَّاكُ: لِمَ تَمْنَعُنِي، وَهُوَ لَكَ مَنْفَعَةٌ تَشْرَبُ بِهِ أَوَّلًا وَآخِرًا، وَلَا يَضُرُّكَ، فَأَبَى مُحَمَّدٌ، فَكَلَّمَ فِيهِ الضَّحَّاكُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ فَدَعَا عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ مُحَمَّدَ بْنَ مَسْلَمَةَ فَأَمَرَهُ أَنْ يُخَلِّيَ سَبِيلَهُ، فَقَالَ مُحَمَّدٌ: لَا، فَقَالَ عُمَرُ: "لِمَ تَمْنَعُ أَخَاكَ مَا يَنْفَعُهُ، وَهُوَ لَكَ نَافِعٌ، تَسْقِي بِهِ أَوَّلًا وَآخِرًا، وَهُوَ لَا يَضُرُّكَ"، فَقَالَ مُحَمَّدٌ: لَا وَاللَّهِ. فَقَالَ عُمَرُ: "وَاللَّهِ لَيَمُرَّنَّ بِهِ، وَلَوْ عَلَى بَطْنِكَ"، فَأَمَرَهُ عُمَرُ أَنْ يَمُرَّ بِهِ، فَفَعَلَ الضَّحَّاكُ».
قُلْتُ: هَذَا إِسْنَادٌ مُنْقَطِعٌ بين يحيى المازني وعمر.
قَالَ الْحِافِظُ الْبَيْهَقِيُّ ﵀ فِي [الْكُبْرَى] (٦/ ١٥٧): «هذا مرسل» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٩/ ٤٦٤):
«فصل: وإذا أراد أن يجري ماء في أرض غيره لغير ضرورة، لم يجز إلَّا بإذنه، وإن كان لضرورة، مثل أن يكون له أرض للزراعة، لها ماء لا طريق له إلَّا أرض جاره، فهل له ذلك؟ على روايتين، إحداهما، لا يجوز؛ لأنَّه تصرف في أرض غيره بغير إذنه، فلم يجز، كما لو لم تدع إليه ضرورة، ولأنَّ مثل هذه الحاجة لا تبيح مال غيره، بدليل أنَّه لا يباح له الزرع في أرض غيره، ولا البناء فيها، ولا الانتفاع بشيء من منافعها المحرمة عليه قبل هذه الحاجة. والأخرى يجوز» اهـ.
[ ٩ / ٢٨٧ ]
قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كَمَا فِي [الْفَتَاوَى الْكُبْرَى] (٥/ ٣٩٧):
«وَإِذَا كَانَ الْجِدَارُ مُخْتَصًّا بِشَخْصٍ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَمْنَعَ جَارَهُ مِنْ الِانْتِفَاعِ بِمَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ الْجَارُ، وَلَا يَضُرُّ بِصَاحِبِ الْجِدَارِ، وَيَجِبُ عَلَى الْجَارِ تَمْكِينُ جَارِهِ مِنْ إجْرَاءِ مَائِهِ فِي أَرْضِهِ إذَا احْتَاجَ إلَى ذَلِكَ، وَلَمْ يَكُنْ عَلَى صَاحِبِ الْأَرْضِ ضَرَرٌ فِي أَصَحِّ الْقَوْلَيْنِ فِي مَذْهَبِ أَحْمَدَ، وَحَكَمَ بِهِ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁،» اهـ.
قُلْتُ: والصحيح الجواز إذا لم يكن هنالك ضرر على صاحب الأرض، ومثل ذلك في هذه الأيام ما إذا احتاج الجار أن يمر قصبة ماءه في أرض جاره، فإنَّه لا يجوز له منعه من ذلك من غير ضرر عليه.
قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ رَجَبٍ ﵀ فِي [جَامِعِ الْعُلُوْمِ] (ص: ٣٠٨):
«وفي الإجبار على ذلك روايتان عن الإمام أحمد، ومذهب أبي ثور الإجبار على إجراء الماء في أرض جاره إذا أجراه في قناة في باطن أرضه» اهـ.
٣ - وألحق بعض العلماء في ذلك المسجد، ونحوه من الأوقاف.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ الْمَرْدَاوِي ﵀ فِي [تَصْحِيْحِ الْفُرُوْعِ] (٦/ ٤٤٤):
«مَسْأَلَةٌ قَوْلُهُ: وَهَلْ جِدَارُ الْمَسْجِدِ كَجَارٍ أَوْ يُمْنَعُ؟ فِيهِ رِوَايَتَانِ، وَقِيلَ: وَجْهَانِ، وَاخْتَارَ أَبُو مُحَمَّدٍ الْجَوْزِيُّ أَنَّهُ لَا يَضَعُ، انْتَهَى. وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْكَافِي وَالتَّلْخِيصِ وَالْمُحَرَّرِ وَالشَّرْحُ وَالْفَائِقِ وَغَيْرِهِمْ.
[ ٩ / ٢٨٨ ]
إحْدَاهُمَا: الْمَنْعُ مِنْهُ، وَإِنْ جَوَّزْنَاهُ فِي حَائِطِ الْجَارِ، اخْتَارَهُ أَبُو بَكْرٍ وَأَبُو مُحَمَّدٍ الْجَوْزِيُّ، كَمَا قَالَ الْمُصَنِّفُ، وَصَحَّحَهُ فِي الرِّعَايَتَيْنِ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْخُلَاصَةِ وَغَيْرِهِ، وَقَدَّمَهُ فِي الْمُذْهَبِ وَغَيْرِهِ.
وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ: حُكْمُهُ حُكْمُ جِدَارِ الْجَارِ، وَهُوَ ظَاهِرُ مَا قَدَّمَهُ الشَّيْخُ فِي كِتَابِ المقنع والحاويين، وهو المذهب عند ابن منجا، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْمُنَوِّرِ، وَاخْتَارَهُ فِي الْفُصُولِ وَقَالَ: بَلْ هُوَ أَوْلَى مِنْ جِدَارِ الْجَارِ بالوضع عليه» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ عُثَيْمِيْنَ ﵀ فِي [الشَّرْحُ الْمُمْتِعِ] (٩/ ٢٦٢):
«قوله: "وكذلك المسجد" أي: أنَّ المسجد كالجار، فإذا احتاج جار المسجد إلى أن يضع خشبه على جدار المسجد، أو أن يغرزها فيه غرزًا، فلا بأس بالشرطين المذكورين وهما الضرورة، وعدم الضرر على الجدار.
ولا يُقال: إنَّ المسجد وقف عام للمسلمين، بل يُقال: إنَّ العلة هي مصلحة الطرفين، وهذا لا يضر المسجد وهو مصلحة للجار.
قوله: "وغيره" أي: كالمدارس والرُّبُط وبيوت الأيتام وما أشبه ذلك من الأوقاف العامة، فإنَّه يضع خشبه عليها كما يضع على جدار الجار بالشرطين المذكورين، وهما الضرورة إلى وضع الخشب، وعدم الضرر على الجدار» اهـ.
٤ - قَالَ الْعَلَّامَةُ الْقُرْطُبِي ﵀ فِي [الْمُفْهِم] (١٤/ ١٤٥):
[ ٩ / ٢٨٩ ]
«ففيه من الفقه: تبليغ العلم لمن لم يرده، ولا استدعاه؛ إذا كان من الأمور المهمة» اهـ.
قُلْتُ: وهذا يستقيم على أحد المعنيين الذين فسر بهما الحديث، وهو: لأحدثنكم بتلك المقالة التي استثقلتم سماعها من غير مبالاة بكم، ولأوجعنكم بالتقريع بها، كما يضرب الإنسان بالشيء بين كتفيه.
والمعنى الآخر: أنَّكم إذا منعتم جيرانكم من وضع أخشابهم على جدرانكم، لأجعلنَّ تلك الأخشاب على أعتافكم بدلًا من جدرانكم.
* * *
[ ٩ / ٢٩٠ ]