المحرمات بالنكاح ينقسمن إلى قسمين: محرمات على التأبيد، ومحرمات على التأقيت، والمحرمات على التأبيد تنقسم إلى ثلاثة أقسام رئيسية وهي:
محرمات من جهة النسب، والصهر، والرضاع، ويلتحق بذلك ما سيأتي ذكره، ويمكن أن تقسم المحرمات مطلقًا إلى قسمين وهما:
[ ١٠ / ٢٥٣ ]
محرمات بالأنساب، ومحرمات بالأسباب، ويدخل في الأسباب الصهر، والرضاع، وغير ذلك.
وأمَّا المحرمات على التأبيد من جهة النسب فهنَّ: الأم، والجدة وإن علت من جهة الأب أو الأم، والبنت، وبنات الابن أو البنت وإن نزلن، والأخوات الشقيقات أو لأب أو لأم، وبنات الإخوة والأخوات الشقيقات مهما نزلن، والعمات مطلقًا مهما ارتفعن سواء كنَّ من جهة الأب وآبائه وأمهاته، أو من جهة الأم وأمهاتها وآبائها، ومثلهن في ذلك الخالات.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ مُفْلِحٍ ﵀ فِي [الْفُرُوْعِ] (٨/ ٢٣٦): «وتلخيصه يحرم كل نسيبة سوى بنت عمة وعم وبنت خالة وخال» اهـ.
ودليل ذلك قول الله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالَاتُكُمْ وَبَنَاتُ الْأَخِ وَبَنَاتُ الْأُخْتِ﴾ [النساء: ٢٣].
قُلْتُ: فيدخل في الأمهات: كل من انتسبت إليها بولادة، وتدخل في ذلك الجدة من جهة الأم، أو الأب.
قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كَمَا فِي [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (٣٢/ ٦٥):
«فدخل في "الأمهات" أم أبيه وأم أمه وإن علت بلا نزاع أعلمه بين العلماء» اهـ.
[ ١٠ / ٢٥٤ ]
قُلْتُ: ويدخل في ذلك أمهات الأب من الزنا.
ويدخل في البنات: كل أنثى انتسبت إليك بولادتك كابنة الصلب، وبنات البنين والبنات، وإن نزلت درجتهن.
قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كَمَا فِي [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (٣٢/ ٦٥): «وكذلك دخل في "البنات" بنت ابنه وبنت ابن ابنته وإن سفلت بلا نزاع أعلمه» اهـ.
قُلْتُ: ويدخل في ذلك ابنته من وطء الشبهة أيضًا، وهكذا ابنته من الزنا على الصحيح.
قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كَمَا فِي [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (٣٢/ ١٣٤ - ١٣٧):
«الحمد لله، مذهب الجمهور من العلماء أنَّه لا يجوز التزويج بها وهو الصواب المقطوع به؛ حتى تنازع الجمهور: هل يقتل من فعل ذلك؟ على قولين. والمنقول عن أحمد: أنَّه يقتل من فعل ذلك. فقد يقال: هذا إذا لم يكن متأولًا. وأمَّا المتأول فلا يقتل؛ وإن كان مخطئًا. وقد يقال: هذا مطلقًا كما قاله الجمهور: إنَّه يجلد من شرب النبيذ المختلف فيه متأولًا؛ وإن كان مع ذلك لا يفسق عند الشافعي وأحمد
[ ١٠ / ٢٥٥ ]
في إحدى الروايتين وفسقه مالك وأحمد في الرواية الأخرى. والصحيح: أنَّ المتأول المعذور لا يفسق؛ بل ولا يأثم. وأحمد لم يبلغه أنَّ في هذه المسألة خلافًا؛ فإنَّ الخلاف فيها إنَّما ظهر في زمنه لم يظهر في زمن السلف؛ فلهذا لم يعرفه. والذين سوغوا نكاح البنت من الزنا حجتهم في ذلك أن قالوا: ليست هذه بنتًا في الشرع؛ بدليل أنَّهما لا يتوارثان؛ ولا يجب نفقتها؛ ولا يلي نكاحها ولا تعتق عليه بالملك ونحو ذلك من أحكام النسب، وإذا لم تكن بنتًا في الشرع لم تدخل في آية التحريم فتبقى داخلة في قَوْلِهِ: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾. وأمَّا حجة الجمهور فهو أن يقال: قول الله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ﴾ الآية هو متناول لكل من شمله هذا اللفظ سواء كان حقيقة أو مجازًا وسواء ثبت في حقه التوارث وغيره من الأحكام: أم لم يثبت إلَّا التحريم خاصة، ليس العموم في آية التحريم كالعموم في آية الفرائض ونحوها؛ كقوله تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾، وبيان ذلك من ثلاثة أوجه:
أحدها: أنَّ آية التحريم تتناول البنت وبنت الابن وبنت البنت؛ كما يتناول لفظ العمة عمة الأب؛ والأم والجد. وكذلك بنت الأخت وبنت ابن الأخت. وبنت
[ ١٠ / ٢٥٦ ]
بنت الأخت. ومثل هذا العموم لا يثبت لا في آية الفرائض ولا نحوها من الآيات، والنصوص التي علق فيها الأحكام بالأنساب.
الثاني: أنَّ تحريم النكاح يثبت بمجرد الرضاعة كما قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: "يحرم من الرضاعة ما يحرم من الولادة"، وفي لفظ: "ما يحرم من النسب"، وهذا حديث متفق على صحته وعلى الأئمة به: فقد حرم الله على المرأة أن تتزوج بطفل غذته من لبنها أو أن تنكح أولاده وحرم على أمهاتها وعماتها وخالتها؛ بل حرم على الطفلة المرتضعة من امرأة أن تتزوج بالفحل صاحب اللبن وهو الذي وطئ المرأة حتى در اللبن بوطئه. فإذا كان يحرم على الرجل أن ينكح بنته من الرضاع ولا يثبت في حقها شيء من أحكام النسب - سوى التحريم وما يتبعها من الحرمة - فكيف يباح له نكاح بنت خلقت من مائه وأين المخلوقة من مائه من المتغذية بلبن در بوطئه فهذا يبين التحريم من جهة عموم الخطاب ومن جهة التنبيه والفحوى وقياس الأولى.
الثالث: أنَّ الله تعالى قال: ﴿وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ﴾.
قال العلماء: احتراز عن ابنه الذي تبناه كما قال: ﴿لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا﴾، ومعلوم أنَّهم في الجاهلية كانوا
[ ١٠ / ٢٥٧ ]
يستلحقون ولد الزنا أعظم مما يستلحقون ولد المتبني، فإذا كان الله تعالى قيد ذلك بِقَوْلِهِ: ﴿مِنْ أَصْلَابِكُمْ﴾ علم أنَّ لفظ البنات ونحوها يشمل كل من كان في لغتهم داخلًا في الاسم.
وأمَّا قول القائل: إنَّه لا يثبت في حقها الميراث ونحوه. فجوابه أنَّ النسب تتبعض أحكامه فقد ثبت بعض أحكام النسب دون بعض كما وافق أكثر المنازعين في ولد الملاعنة على أنَّه يحرم على الملاعن ولا يرثه. واختلف العلماء في استلحاق ولد الزنا إذا لم يكن فراشًا؟ على قولين. كما ثبت عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّه ألحق ابن وليدة زمعة بن الأسود بزمعة بن الأسود وكان قد أحبلها عتبة بن أبي وقاص فاختصم فيه سعد وعبد ابن زمعة فقال سعد: ابن أخي. عهد إليَّ أنَّ ابن وليدة زمعة هذا ابني. فقال عبد: أخي وابن وليدة أبي؛ ولد على فراش أبي. فقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: "هو لك يا عبد بن زمعة. الولد للفراش وللعاهر الحجر؛ احتجبي منه يا سودة". لما رأى من شبهه البين بعتبة فجعله أخاها في الميراث دون الحرمة. وقد تنازع العلماء في ولد الزنا: هل يعتق بالملك؟ على قولين في مذهب أبي حنيفة وأحمد. وهذه المسألة لها بسط لا تسعه هذه الورقة. ومثل هذه المسألة الضعيفة ليس لأحد أن يحكيها عن إمام من أئمة المسلمين؛ لا على
[ ١٠ / ٢٥٨ ]
وجه القدح فيه ولا على وجه المتابعة له فيها فإنَّ في ذلك ضربًا من الطعن في الأئمة واتباع الأقوال الضعيفة وبمثل ذلك صار وزير التتر يلقي الفتنة بين مذاهب أهل السنة حتى يدعوهم إلى الخروج عن السنة والجماعة ويوقعهم في مذاهب الرافضة وأهل الإلحاد. والله أعلم» اهـ.
وَقَالَ ﵀ كَمَا فِي [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (٣٢/ ١٤٢) وقد سئل: عن رجل تزوج ابنته من الزنا؟
فأجاب: «لا يجوز أن يتزوج بها عند جمهور أئمة المسلمين. حتى إنَّ الإمام أحمد أنكر أن يكون في ذلك نزاع بين السلف؛ وقال: من فعل ذلك فإنَّه يقتل. وقيل له عن مالك: إنَّه أباحه فكذب النقل عن مالك. وتحريم هذا هو قول أبي حنيفة وأصحابه وأحمد وأصحابه؛ ومالك وجمهور أصحابه وهو قول كثير من أصحاب الشافعي. وأنكر أن يكون الشافعي نص على خلاف ذلك؛ وقالوا: إنَّما نص على بنته من الرضاع؛ دون الزانية التي زنى بها. والله أعلم» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [زَادِ الْمَعَادِ] (٥/ ٥٦٩ - ٥٧٠):
«وقد دل التحريم بلبن الفحل على تحريم المخلوقة من ماء الزاني دلالة الأولى والأحرى، لأنَّه إذا حرم عليه أن ينكح من قد تغذت بلبن ثار بوطئه، فكيف يحل
[ ١٠ / ٢٥٩ ]
له أن ينكح من قد خلق من نفس مائة بوطئه؟ وكيف يحرم الشارع بنته من الرضاع لما فيها من لبن كان وطء الرجل سببًا فيه، ثم يبيح له نكاح من خلقت بنفس وطئه ومائة؟ هذا من المستحيل، فإنَّ البعضية التي بينه وبين المخلوقة من مائة أكمل وأتم من البعضية التي بينه وبين من تغذت بلبنه، فإنَّ بنت الرضاع فيها جزء ما من البعضية، والمخلوقة من مائة كاسمها مخلوقة من مائة، فنصفها أو أكثرها بعضه قطعًا، والشطر الآخر للأم، وهذا قول جمهور المسلمين، ولا يعرف في الصحابة من أباحها، ونص الإمام أحمد ﵀، على أنَّ من تزوجها، قتل بالسيف محصنًا كان أو غيره. وإذا كانت بنته من الرضاعة بنتًا في حكمين فقط: الحرمة، والمحرمية، وتخلف سائر أحكام البنت عنها لم تخرجها عن التحريم، وتوجب حلها، فكذا بنته من الزنى تكون بنتًا في التحريم. وتخلف أحكام البنت عنها لا يوجب حلها، والله سبحانه خاطب العرب بما تعقله في لغاتها، ولفظ البنت لفظ لغوي لم ينقله الشارع عن موضعه الأصلي، كلفظ الصلاة والإيمان ونحوهما، فيجمل على موضوعه اللغوي حتى يثبت نقل الشارع له عنه إلى غيره، فلفظ البنت كلفظ الأخ والعم والخال ألفاظ باقية على موضوعاتها اللغوية. وقد ثبت في "الصحيح" أنَّ الله تعالى أنطق ابن الراعي الزاني بِقَوْلِهِ: "أبي فلان
[ ١٠ / ٢٦٠ ]
الراعي"، وهذا الإنطاق لا يحتمل الكذب، وأجمعت الأمة على تحريم أمه عليه. وخلقه من مائها، وماء الزاني خلق واحد، وإثمهما فيه سواء، وكونه بعضًا له مثل كونه بعضًا لها، وانقطاع الإرث بين الزاني والبنت لا يوجب جواز نكاحها، ثم من العجب كيف يحرم صاحب هذا القول أن يستمني الإنسان بيده، ويقول: هو نكاح ليده، ويجوز للإنسان أن ينكح بعضه، ثم يجوز له أن يستفرش بعضه الذى خلقه الله من مائه، وأخرجه من صلبه، كما يستفرش الأجنبية» اهـ.
ويدخل في الحرمة ابنة ابنته من الزنا، وهكذا إذا زنت ابنته أو ابنه من الصلب فإنَّ بناتهم يحرمنَّ عليه مهما نزلن.
قُلْتُ: وابنة من لاعنها محرمة على الملاعن درءًا للشبهة وإن لم تدخل في لفظ البنات.
وَقَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كَمَا فِي [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (٣٢/ ١٣٩):
«وبنت الملاعنة لا تباح للملاعن عند عامة العلماء؛ وليس فيه إلَّا نزاع شاذ؛ مع أنَّ نسبها ينقطع من أبيها ولكن لو استلحقها للحقته وهما لا يتوارثان باتفاق الأئمة» اهـ.
ويدخل في الأخوات: الشقيقات، أو لأب، أو لأم.
[ ١٠ / ٢٦١ ]
وهل يدخل في ذلك الأخت من الزنا؟
في ذلك نزاع والذي يظهر لي دخولها وهو مذهب أكثر العلماء؛ وذلك أنَّ الزنا ينشر الحرمة في النسب دون الصهر. والله أعلم.
ويدخل في العمات: أخوات الأب من الجهات الثلاث، وأخوات الأجداد من قبل الأب ومن قبل الأم، قريبًا كان الجد أو بعيدًا.
ويدخل في الخالات: أخوات الأم وأخوات الجدات من جهة الأب أو الأم وإن علون. فإنَّ الخالة هي أخت الأم، والجدة أم ولهذا يقال: أبونا آدم، وأمنا حواء، وهي من الجدات.
ويدخل في الخالات والعمالات اللاتي من زنا، وهكذا عمات وخالات الأب من الزنا.
ويدخل في بنات الأخ: كل امرأة انتسبت إلى أخ بولادة من أي جهة كان الأخ.
وهكذا يدخل في ذلك بنات الأخ إذا كان الأخ من زنا، وهكذا البنات التي خلقن من ماء الأخ عن طريق الزنا.
ويدخل في بنات الأخت: كل امرأة انتسبت إلى أخت بولادة من أي جهة كانت الأخت.
[ ١٠ / ٢٦٢ ]
وهكذا يدخل في ذلك بنات الأخت إذا كانت الأخ من زنا، وهكذا البنات اللاتي نسبن للأخت عن طريق الزنا.
قُلْتُ: والزنا في جميع ما سبق ينشر الحرمة.
وهؤلاء هنَّ المحرمات على التأبيد من جهة النسب، ويحرم نظيرهن من جهة الرضاع.
قال الله تعالى: ﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ﴾ [النساء: ٢٣].
قُلْتُ: ويدخل في الأمهات المرضعات: الأمهات اللاتي أرضعنك وأمهاتهن وجداتهن وإن علت درجتهن.
ويدخل في الأخوات من الرضاعة: كل امرأة أرضعتك أمها، أو أرضعتها أمك، أو أرضعتك وإياها امرأة واحدة، أو ارتضعت أنت وهي من لبن رجل واحد، كرجل له امرأتان، لهما لبن أرضعتك إحداهما، وأرضعتها الأخرى، فهي أختك محرمة عليك.
[ ١٠ / ٢٦٣ ]
قُلْتُ: وجاءت السنة بأكثر من ذلك فروى البخاري (٢٦٤٥)، ومسلم (١٤٤٧) عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ فِي بِنْتِ حَمْزَةَ: «لَا تَحِلُّ لِي، يَحْرُمُ مِنَ الرَّضَاعِ مَا يَحْرُمُ مِنَ النَّسَبِ، هِيَ بِنْتُ أَخِي مِنَ الرَّضَاعَةِ».
هذا لفظ البخاري، ولفظ مسلم: «إِنَّهَا لَا تَحِلُّ لِي، إِنَّهَا ابْنَةُ أَخِي مِنَ الرَّضَاعَةِ، وَيَحْرُمُ مِنَ الرَّضَاعَةِ مَا يَحْرُمُ مِنَ الرَّحِمِ».
قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كَمَا فِي [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (٣٤/ ٣٨ - ٣٩): «وأمَّا إخوة المرتضع من النسب؛ وأبوه من النسب وأمه من النسب: فهم أجانب أبيه وأمه وإخوته من الرضاع؛ ليس بين هؤلاء وهؤلاء صلة ولا نسب ولا رضاع؛ لأنَّ الرجل يمكن أن يكون له أخ من أبيه وأخ من أمه ولا نسب بينهما؛ بل يجوز لأخيه من أبيه أن يتزوج أخته من أمه؛ فكيف إذا كان أخ من النسب وأخت من الرضاع؛ فإنَّه يجوز لهذا أن يتزوج هذا ولهذا أن يتزوج هذا. وبهذا تزول الشبهة التي تعرض لبعض الناس فإنَّه يجوز للمرتضع أن يتزوج أخوه من الرضاعة بأمه من النسب، كما يتزوج بأخته من النسب. ويجوز لأخيه من النسب أن يتزوج أخته من الرضاعة وهذا لا نظير له في النسب؛ فإنَّ أخ الرجل من النسب لا يتزوج بأمه من النسب. وأخته من الرضاع ليست بنت أبيه من
[ ١٠ / ٢٦٤ ]
النسب ولا ربيبته فلهذا جاز أن تتزوج به. فيقول من لا يحقق: يحرم في النسب على أخي أن يتزوج أمي ولا يحرم مثل هذا في الرضاع. وهذا غلط منه؛ فإنَّ نظير المحرم من النسب أن تتزوج أخته أو أخوه من الرضاعة بابن هذا الأخ أو بأمه من الرضاعة كما لو ارتضع هو وآخر من امرأة واللبن لفحل؛ فإنَّه يحرم على أخته من الرضاعة أن تتزوج أخاه وأخته من الرضاعة؛ لكونهما أخوين للمرتضع ويحرم عليهما أن يتزوجا أباه وأمه من الرضاعة؛ لكونهما ولديهما من الرضاعة؛ لا لكونهما أخوي ولديهما. فمن تدبر هذا ونحوه زالت عنه الشبهة» اهـ.
وَقَالَ ﵀ كَمَا فِي [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (٣٤/ ٤٠ - ٤١):
«وتحرم عليه أم أخيه من النسب؛ لأنَّها أمه أو امرأة أبيه؛ وكلاهما حرام عليه. وأمَّا أم أخيه من الرضاعة فليست أمه ولا امرأة أبيه؛ لأنَّ زوجها صاحب اللبن ليس أبًا لهذا؛ لا من النسب ولا من الرضاعة. فإذا قال القائل: إنَّ النبي ﷺ قال: "يحرم من الرضاعة ما يحرم من النسب" وأم أخيه من النسب حرام فكذلك من الرضاع. قلنا: هذا تلبيس وتدليس؛ فإنَّ الله لم يقل: حرمت عليكم أمهات أخواتكم؛ وإنَّما قال: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾، وقال تعالى: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾، فحرم على الرجل أمه ومنكوحة أبيه وإن لم
[ ١٠ / ٢٦٥ ]
تكن أمه. وهذه تحرم من الرضاعة فلا يتزوج أمه من الرضاعة. وأمَّا منكوحة أبيه من الرضاع فالمشهور عند الأئمة أنَّها تحرم؛ لكن فيها نزاع لكونها من المحرمات بالصهر؛ لا بالنسب والولادة. وليس الكلام هنا في تحريمها فإنَّه إذا قيل: تحرم منكوحة أبيه من الرضاعة وفينا بعموم الحديث. وأمَّا أم أخيه التي ليست أمَّا ولا منكوحة أب: فهذه لا توجد في النسب؛ فلا يجوز أن يقال: تحرم من النسب فلا يحرم نظيرها من الرضاعة فتبقى أم الأم من النسب لأخيه من الرضاعة أو الأم من الرضاعة لأخيه من النسب: لا نظير لها من الولادة فلا تحرم. وهذا متفق عليه بين المسلمين. والله أعلم» اهـ.
قُلْتُ: ويستوي في حرمة الرضاع من رضع مع الطفل من أولاد المرضعة ومن رضع قبل ذلك أو بعد ذلك ومن لم يرضع منها وإنَّما من غيرها باتفاق العلماء.
قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كَمَا فِي [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (٣٤/ ٣٢):
«ولا فرق باتفاق المسلمين بين أولاد المرأة الذين رضعوا مع الطفل وبين من ولد لها قبل الرضاعة وبعد الرضاعة: باتفاق المسلمين. وما يظنه كثير من الجهال أنَّه إنَّما يحرم من رضع معه: هو ضلال على صاحبه إن لم يرجع عنه فإن أصر على
[ ١٠ / ٢٦٦ ]
استحلال ذلك استتيب كما يستتاب سائر من أباح الإخوة من الرضاعة فإن تاب وإلَّا قتل» اهـ.
قُلْتُ: وما يثبت به الحرمة في النسب من الوطء الحرام أو لشبة فيحرم نظيره في الرضاع.
وهل يحرم من الرضاع ما يحرم من الصهر، في ذلك نزاع بين العلماء، فالأكثر على الإلحاق، ورجح شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ عدم الإلحاق.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ مُفْلِحٍ ﵀ فِي [الْفُرُوْعِ] (٨/ ٢٣٦ - ٢٣٧): «وقال شيخنا: ولم يقل الشارع: ما يحرم بالمصاهرة، فأم امرأته برضاع أو امرأة أبيه أو ابنه من الرضاعة التي لم ترضعه وبنت امرأته بلبن غيره حرمن بالمصاهرة لا بالنسب، ولا نسب ولا مصاهرة بينه وبينهنَّ فلا تحريم» اهـ.
وَقَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كَمَا فِي [الْاخْتِيَارِاتِ الْفِقْهِيَةِ] ص (٣٠٨): «وتحريم المصاهرة لا يثبت بالرضاع، فلا يحرم على الرجل نكاح أم زوجته وابنتها من الرضاع، ولا يحرم على المرأة نكاح أبي زوجها وأمه من الرضاع» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [زَادِ الْمَعَادِ] (٥/ ١٢٤ - ١٢٥):
[ ١٠ / ٢٦٧ ]
«وأمَّا حليلة ابنه من الرضاع، فإنَّ الأئمة الأربعة ومن قال بقولهم يدخلونها في قَوْلِهِ: ﴿وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ﴾، ولا يخرجونها بِقَوْلِهِ: ﴿الّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ﴾ ويحتجون بقول النبي ﷺ: "حرموا من الرضاع ما تحرمون من النسب".
قالوا: وهذه الحليلة تحرم إذا كانت لابن النسب، فتحرم إذا كانت لابن الرضاع. قالوا: والتقييد لإخراج ابن التبني لا غير، وحرموا من الرضاع بالصهر نظير ما يحرم بالنسب. ونازعهم في ذلك آخرون، وقالوا: لا تحرم حليلة ابنه من الرضاعة، لأنَّه ليس من صلبه، والتقييد كما يخرج حليلة ابن التبني يخرج حليلة ابن الرضاع سواء، ولا فرق بينهما.
قالوا: وأمَّا قوله ﷺ: "يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب" فهو من أكبر أدلتنا وعمدتنا في المسألة، فإنَّ تحريم حلائل الآباء والأبناء إنَّما هو بالصهر لا بالنسب، والنبي ﷺ قد قصر تحريم الرضاع على نظيره من النسب لا على شقيقه من الصهر، فيجب الاقتصار بالتحريم على مورد النص.
[ ١٠ / ٢٦٨ ]
قالوا: والتحريم بالرضاع فرع على تحريم النسب، لا على تحريم المصاهرة، فتحريم المصاهرة أصل قائم بذاته، والله سبحانه لم ينص في كتابه على تحريم الرضاع إلَّا من جهة النسب، ولم ينبه على التحريم به من جهة الصهر ألبتة، لا بنص ولا إيماء ولا إشارة، والنبي ﷺ أمر أن يحرم به ما يحرم من النسب، وفي ذلك إرشاد وإشارة إلى أنَّه لا يحرم به ما يحرم بالصهر، ولولا أنَّه أراد الاقتصار على ذلك لقال: "حرموا من الرضاع ما يحرم من النسب والصهر".
قالوا: وأيضًا فالرضاع مشبه بالنسب، ولهذا أخذ منه بعض أحكامه وهو الحرمة والمحرمية فقط دون التوارث، والإنفاق وسائر أحكام النسب، فهو نسب ضعيف، فأخذ بحسب ضعفه بعض أحكام النسب، ولم يقوى على سائر أحكام النسب، وهو ألصق به من المصاهرة، فكيف يقوى على أخذ أحكام المصاهرة مع قصوره عن أحكام مشبهه وشقيقه؟
وأمَّا المصاهرة والرضاع، فإنَّه لا نسب بينهما ولا شبهة نسب، ولا بعضية، ولا اتصال.
قالوا: ولو كان تحريم الصهرية ثابتًا لبينه الله ورسوله بيانًا شافيًا يقيم الحجة ويقطع العذر، فمن الله البيان، وعلى رسوله البلاغ، وعلينا التسليم والانقياد،
[ ١٠ / ٢٦٩ ]
فهذا منتهى النظر في هذه المسألة، فمن ظفر فيها بحجة، فليرشد إليها وليدل عليها، فإنَّا لها منقادون، وبها معتصمون، والله الموفق للصواب» اهـ.
وَقَالَ ﵀ فِي [زَادِ الْمَعَادِ] (٥/ ٥٥٧ - ٥٦٤):
«وهل يحرم نظير المصاهرة بالرضاع، فيحرم عليه أم امرأته من الرضاع، وبنتها من الرضاعة، وامرأة ابنه من الرضاعة، أو يحرم الجمع بين الأختين من الرضاعة، أو بين المرأة وعمتها، وبينها وبين خالتها من الرضاعة؟ فحرمه الأئمة الأربعة وأتباعهم، وتوقف فيه شيخنا وقال: إن كان قد قال أحد بعدم التحريم، فهو أقوى.
قال المحرمون: تحريم هذا يدخل في قوله ﷺ: "يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب" فأجرى الرضاعة مجرى النسب، وشبهها به، فثبت تنزيل ولد الرضاعة وأبي الرضاعة منزلة ولد النسب وأبيه، فما ثبت للنسب من التحريم، ثبت للرضاعة، فإذا حرمت امرأة الأب والابن، وأم المرأة، وابنتها من النسب، حرمن بالرضاعة. وإذا حرم الجمع بين أختي النسب، حرم بين أختي الرضاعة، هذا تقدير احتجاجهم على التحريم.
[ ١٠ / ٢٧٠ ]
قال شيخ الإسلام: الله سبحانه حرم سبعًا بالنسب، وسبعًا بالصهر، كذا قال ابن عباس. قال: ومعلوم أنَّ تحريم الرضاعة لا يسمى صهرًا، إنَّما يحرم منه ما يحرم من النسب، والنبي ﷺ قال: "يحرم من الرضاعة ما يحرم من الولادة". وفى رواية: "ما يحرم من النسب". ولم يقل: وما يحرم بالمصاهرة، ولا ذكره الله سبحانه في كتابه، كما ذكر تحريم الصهر، ولا ذكر تحريم الجمع في الرضاع كما ذكره في النسب، والصهر قسيم النسب، وشقيقه، قال الله تعالى: ﴿وَهُوَ الّذِي خَلَقَ مِنَ الْمَاءِ بَشَرًا فَجَعَلَهُ نَسَبًا وَصِهْرًا﴾ فالعلاقة بين الناس بالنسب والصهر، وهما سببا التحريم، والرضاع فرع على النسب، ولا تعقل المصاهرة إلَّا بين الأنساب، والله تعالى إنَّما حرم الجمع بين الأختين، وبين المرأة وعمتها، وبينها وبين خالتها، لئلا يفضي إلى قطيعة الرحم المحرمة. ومعلوم أنَّ الأختين من الرضاع ليس بينهما رحم محرمة في غير النكاح، ولا ترتب على ما بينهما من أخوة الرضاع حكم قط غير تحريم أحدهما على الآخر، فلا يعتق عليه بالملك، ولا يرثه، ولا يستحق النفقة عليه، ولا يثبت له عليه ولاية النكاح ولا الموت، ولا يعقل عنه، ولا يدخل في الوصية والوقف على أقاربه وذوي رحمه، ولا يحرم التفريق بين الأم وولدها الصغير من الرضاعة، ويحرم من النسب،
[ ١٠ / ٢٧١ ]
والتفريق بينهما في الملك كالجمع بينهما في النكاح سواء، ولو ملك شيئًا من المحرمات بالرضاع، لم يعتق عليه بالملك، وإذا حرمت على الرجل أمه وبنته وأخته وعمته وخالته من الرضاعة، لم يلزم أن يحرم عليه أم امرأته التي أرضعت امرأته، فإنَّه لا نسب بينه وبينها، ولا مصاهرة، ولا رضاع، والرضاعة إذا جعلت كالنسب في حكم لا يلزم أن تكون مثله في كل حكم، بل ما افترقا فيه من الأحكام أضعاف ما اجتمعا فيه منها، وقد ثبت جواز الجمع بين اللتين بينهما مصاهرة محرمة، كما جمع عبد الله بن جعفر بين امرأة علي وابنته من غيرها. وإن كان بينهما تحريم يمنع جواز نكاح أحدها للآخر لو كان ذكرًا، فهذا نظير الأختين من الرضاعة سواء، لأنَّ سبب تحريم النكاح بينهما في أنفسهما، ليس بينهما وبين الأجنبي منهما الذي لا رضاع بينه وبينهما ولا صهر، وهذا مذهب الأئمة الأربعة وغيرهم. واحتج أحمد بأنَّ عبد الله بن جعفر جمع بين امرأة عليِّ وابنته، ولم ينكر ذلك أحد، قال البخاري: وجمع الحسن بن الحسن بن علي، بين بنتي عم في ليلة، وجمع عبد الله بن جعفر بين امرأة على وابنته، وقال ابن شبرمة: لا بأس به، وكرهه الحسن مرة ثم قال: لا بأس به. وكرهه جابر بن زيد للقطيعة، وليس فيه تحريم، لقوله ﷿: ﴿وَأُحِلّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ هذا كلام البخاري.
[ ١٠ / ٢٧٢ ]
وبالجملة: فثبوت أحكام النسب من وجه لا يستلزم ثبوتها من كل وجه، أو من وجه آخر، فهؤلاء نساء النبي ﷺ هنَّ أمهات المؤمنين في التحريم والحرمة فقط، لا في المحرمية، فليس لأحد أن يخلو بهنَّ ولا ينظر إليهنَّ، بل قد أمرهن الله بالاحتجاب عمن حرم عليه نكاحهنَّ من غير أقاربهن، ومن بينهن وبينه رضاع، فقال تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾ ثم هذا الحكم لا يتعدى إلى أقاربهن البتة، فليس بناتهن أخوات المؤمنين يحرمن على رجالهم، ولا بنوهن إخوة لهم يحرم عليهن بناتهن، ولا أخواتهن وإخوتهن خالات وأخوالًا، بل هن حلال للمسلمين باتفاق المسلمين، وقد كانت أم الفضل أخت ميمونة زوج رسول الله ﷺ تحت العباس، وكانت أسماء بنت أبي بكر أخت عائشة ﵂ تحت الزبير، وكانت أم عائشة ﵂ تحت أبي بكر، وأم حفصة تحت عمر ﵁، وليس لرجل يتزوج أمة، وقد تزوج عبد الله بن عمر وإخوته، وأولاد أبي بكر، وأولاد أبي سفيان من المؤمنات، ولو كانوا أخوالًا لهن، لم يجز أن ينكحوهن، فلم تنتشر الحرمة من أمهات المؤمنين إلى أقاربهن، وإلَّا لزم من ثبوت حكم من أحكام النسب بين الأمة وبينهن ثبوت غيره من الأحكام.
[ ١٠ / ٢٧٣ ]
ومما يدل على ذلك أيضًا قوله تعالى في المحرمات: ﴿وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ الّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ﴾ ومعلوم أنَّ لفظ الابن إذا أطلق لم يدخل فيه ابن الرضاع، فكيف إذا قيد بكونه ابن صلب، وقصد إخراج ابن التبني بهذا لا يمنع إخراج ابن الرضاع، ويوجب دخلوه، وقد ثبت في "الصحيح": أنَّ النبي ﷺ أمر سهلة بنت سهيل أن ترضع سالمًا مولى أبي حذيفة ليصير محرمًا لها، فأرضعته بلبن أبي حذيفة زوجها، وصار ابنها ومحرمها بنص رسول الله ﷺ، سواء كان هذا الحكم مختصًا بسالم أو عامًا كما قالته أم المؤمنين عائشة ﵂، فبقى سالم محرمًا لها، لكونها أرضعته وصارت أمه، ولم يصر محرمًا لها، لكونها امرأة أبيه من الرضاعة، فإنَّ هذا لا تأثير فيه لرضاعة سهلة له، بل لو أرضعته جارية له، أو امرأة أخرى، صارت سهلة امرأة أبيه، وإنَّما التأثير لكونه ولدها نفسها وقد علل بهذا في الحديث نفسه ولفظه: فقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: "أرضعيه"، فأرضعته خمس رضعات، وكان بمنزلة ولدها من الرضاعة، ولا يمكن دعوى الإجماع في هذه المسألة، ومن ادعاه فهو كاذب، فإنَّ سعيد بن المسيب، وأبا سلمة بن عبد الرحمن، وسليمان بن يسار، وعطاء بن يسار، وأبا قلابة، لم يكونوا يثبتون التحريم بلبن الفحل، وهو مروى عن الزبير، وجماعة من
[ ١٠ / ٢٧٤ ]
الصحابة، كما سيأتي إن شاء الله تعالى، وكانوا يرون أنَّ التحريم إنَّما هو من قبل الأمهات فقط، فهؤلاء إذا لم يجعلوا المرتضع من لبن الفحل ولدًا له، فأن لا يحرموا عليه امرأته، ولا على الرضيع امرأة الفحل بطريق الأولى، فعلى قول هؤلاء فلا يحرم على المرأة أبو زوجها من الرضاعة، ولا ابنه من الرضاعة.
فإن قيل: هؤلاء لم يثبتوا البنوة بين المرتضع وبين الفحل، فلم تثبت المصاهرة، لأنَّها فرع ثبوت بنوة الرضاع، فإذا لم تثبت له، لم يثبت فرعها، وأمَّا من أثبت بنوة الرضاع من جهة الفحل كما دلت عليه السنة الصحيحة الصريحة، وقال به جمهور أهل الإسلام، فإنَّه تثبت المصاهرة بهذه البنوة، فهل قال أحد ممن ذهب إلى التحريم بلبن الفحل: إنَّ زوجة أبيه وابنه من الرضاعة لا تحرم؟
قيل: المقصود أنَّ في تحريم هذه نزاعًا، وأنَّه ليس مجمعًا عليه، وبقى النظر في مأخذه، هل هو إلغاء لبن الفحل، وأنَّه لا تأثير له، أو إلغاء المصاهرة من جهة الرضاع، وأنَّه لا تأثير لها، وإنَّما التأثير لمصاهرة النسب؟
ولا شك أنَّ المأخذ الأول باطل، لثبوت السنة الصريحة بالتحريم بلبن الفحل، وقد بينا أنَّه لا يلزم من القول بالتحريم به إثبات المصاهرة به إلَّا بالقياس، وقد
[ ١٠ / ٢٧٥ ]
تقدم أنَّ الفارق بين الأصل والفرع أضعاف أضعاف الجامع، وأنَّه لا يلزم من ثبوت حكم من أحكام النسب، ثبوت حكم آخر.
ويدل على هذا أيضًا أنَّه سبحانه لم يجعل أم الرضاع، وأخت الرضاعة داخلة تحت أمهاتنا وأخواتنا، فإنَّه سبحانه قال: ﴿حُرّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ﴾، ثم قال: ﴿وَأُمّهَاتُكُمُ اللّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرّضَاعَةِ﴾ فدل على أنَّ لفظ أمهاتنا عند الإطلاق: إنَّما يراد بها الأم من النسب، وإذا ثبت هذا، فقوله تعالى: ﴿وَأُمّهَاتُ نِسَائِكُمْ﴾ مثل قَوْلُهُ: ﴿وَأُمّهَاتُكُمْ﴾، إنَّما هنَّ أمهات نسائنا من النسب، فلا يتناول أمهاتهن من الرضاعة، ولو أريد تحريمهن لقال: وأمهاتهن اللاتي أرضعنهن، كما ذكر ذلك في أمهاتنا وقد بينا أنَّ قَوْلَهُ: "يحرم من الرضاعة ما يحرم من النسب"، إنَّما يدل على أنَّ من حرم على الرجل من النسب حرم عليه نظيره من الرضاعة، ولا يدل على أنَّ من حرم عليه بالصهر أو بالجمع، حرم عليه نظيره من الرضاعة، بل يدل مفهومه علي خلاف ذلك، مع عموم قَوْلِهِ: ﴿وَأُحِلّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾.
ومما يدل على أنَّ تحريم امرأة أبيه وابنه من الرضاعة ليس مسألة إجماع، أنَّه قد ثبت عن جماعة من السلف جواز نكاح بنت امرأته إذا لم تكن في حجره، كما صح عن
[ ١٠ / ٢٧٦ ]
مالك بن أوس بن الحدثان النصري، قال: كانت عندي امرأة، وقد ولدت لي، فتوفيت، فوجدت عليها، فلقيت علي بن أبي طالب ﵁، قال لي: مالك؟ قُلْتُ: توفيت المرأة، قال: لها ابنة؟ قُلْتُ: نعم، قال: كانت في حجرك؟ قُلْتُ: لا، هي في الطائف. قال: فانكحها، قُلْتُ: فأين قوله تعالى: ﴿وَرَبَائِبُكُمُ اللّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ﴾، قال: إنَّها لم تكن في حجرك، وإنَّما ذلك إذا كانت في حجرك.
وصح عن إبراهيم بن ميسرة، أنَّ رجلًا من بنى سواءة يقال له: عبيد الله بن معبد، أثنى عليه خيرًا، أخبره أنَّ أباه أو جده كان قد نكح امرأة ذات ولد من غيره، ثم اصطحبا ما شاء الله، ثم نكح امرأة شابة، فقال: أحد بني الأولى قد نكحت على أمنا وكبرت واستغنيت عنها بامرأة شابة، فطلقها، قال: لا والله إلَّا أن تنكحني ابنتك، قال: فطلقها وأنكحه ابنته، ولم تكن في حجره هي ولا أبوها. قال: فجئت سفيان ابن عبد الله، فقُلْتُ: استفت لي عمر بن الخطاب ﵁. قال: لتحجن معي، فأدخلني على عمر ﵁ بمنى، فقصصت عليه الخبر، فقال عمر: لا بأس بذلك، فاذهب فسل فلانًا، ثم تعال فأخبرني. قال: ولا أراه إلَّا عليًا قال: فسألته، فقال: لا بأس بذلك، وهذا مذهب أهل الظاهر. فإذا كان عمر وعلي
[ ١٠ / ٢٧٧ ]
﵄ ومن يقول بقولهما قد أباحا الربيبة إذا لم تكن في حجر الزوج، مع أنَّها ابنة امرأته من النسب، فكيف يحرمان عليه ابنتها من الرضاع، وهذه ثلاثة قيود ذكرها الله ﷾ في تحريمها. أن تكون في حجره، وأن تكون من امرأته، وأن يكون قد دخل بأمها. فكيف يحرم عليه مجرد ابنتها من الرضاعة، وليست في حجره، ولا هي ربيبته لغة، فإنَّ الربيبة بنت الزوجة، والربيب ابنها باتفاق الناس، وسميا ربيبًا وربيبة لأنَّ زوج أمهما يربهما في العادة، وأمَّا من أرضعتهما امرأته بغير لبنه، ولم يربها قط، ولا كانت في حجره، فدخولها في هذا النص في غاية البعد لفظًا ومعنىً، وقد أشار النبي ﷺ بتحريم الربيبة بكونها في الحجر. ففي "صحيح البخاري" من حديث الزهري، عن عروة، أن زينب بنت أم سلمة أخبرته أن أم حبيبة بنت أبي سفيان قالت: يا رسول الله، أخبرت أنَّك تخطب بنت أبي سلمة، فقال: بنت أم سلمة؟ قالت: نعم، فقال: "إنَّها لو تكن ربيبتي في حجري لما حلت لي". وهذا يدل على اعتباره ﷺ القيد الذى قيده الله في التحريم، وهو أن تكون في حجر الزوج. ونظير هذا سواء، أن يقال في زوجة ابن الصلب إذا كانت محرمة برضاع: لو لم تكن حليلة ابني الذي لصلبي، لما حلت لي سواء، ولا فرق بينهما، وبالله التوفيق» اهـ.
[ ١٠ / ٢٧٨ ]
مسألة: في التحريم بلبن الفحل.
قُلْتُ: ويدل على أنَّ التحريم يحصل بلبن الفحل ما رواه البخاري (٥٢٣٩)، ومسلم (١٤٤٥) عَنْ عَائِشَةَ ﵂، أَنَّهَا قَالَتْ: جَاءَ عَمِّي مِنَ الرَّضَاعَةِ، فَاسْتَأْذَنَ عَلَيَّ فَأَبَيْتُ أَنْ آذَنَ لَهُ، حَتَّى أَسْأَلَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، فَجَاءَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَسَأَلْتُهُ عَنْ ذَلِكَ، فَقَالَ: «إِنَّهُ عَمُّكِ، فَأْذَنِي لَهُ» قَالَتْ: فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّمَا أَرْضَعَتْنِي المَرْأَةُ، وَلَمْ يُرْضِعْنِي الرَّجُلُ، قَالَتْ: فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إِنَّهُ عَمُّكِ، فَلْيَلِجْ عَلَيْكِ» قَالَتْ عَائِشَةُ: وَذَلِكَ بَعْدَ أَنْ ضُرِبَ عَلَيْنَا الحِجَابُ، قَالَتْ عَائِشَةُ: «يَحْرُمُ مِنَ الرَّضَاعَةِ مَا يَحْرُمُ مِنَ الوِلَادَةِ».
قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كَمَا فِي [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (٣٤/ ٤٩):
«وهذا كله متفق عليه بين المسلمين: أنَّ انتشار الحرمة إلى الرجل؛ فإنَّ هذه تسمى "مسألة الفحل" والذي ذكرناه هو مذهب الأئمة الأربعة وجمهور الصحابة والتابعين. وكان بعض السلف يقول: لبن الفحل لا يحرم. والنصوص الصحيحة: هي تقرر مذهب الجماعة» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [زَادِ الْمَعَادِ] (٥/ ٥٦٤):
[ ١٠ / ٢٧٩ ]
«الحكم الثاني: المستفاد من هذه السنة، أنَّ لبن الفحل يحرم، وأنَّ التحريم ينتشر منه كما ينتشر من المرأة، وهذا هو الحق الذى لا يجوز أن يقال بغيره، وإن خالف فيه من خالف من الصحابة ومن بعدهم، فسنة رسول الله ﷺ أحق أن تتبع، ويترك ما خالفها لأجلها، ولا تترك هي لأجل قول أحد كائنًا من كان. ولو تركت السنن لخلاف من خالفها لعدم بلوغها له، أو لتأويلها، أو غير ذلك، لترك سنن كثيرة جدًا، وتركت الحجة إلى غيرها، وقول من يجب اتباعه إلى قول من لا يجب اتباعه، وقول المعصوم إلى قول غير المعصوم، وهذه بلية، نسأل الله العافية» اهـ.
قُلْتُ: وأمَّا المرتضعة بلبن الزنا، فَقَالَ الْعَلَّامَةُ الْمَرْدَاوِي ﵀ فِي [الْإِنْصَافِ] (٨/ ٨٦): «والمنصوص عن الإمام أحمد ﵀ في رواية ابنه عبد الله أنَّها محرمة كالبنت من الزنا» اهـ.
قُلْتُ: وقد أباحها جمع من أهل العلم وسيأتي بمشيئة الله تعالى تفصيل القول فيها في أول أحاديث الرضاع.
وأمَّا المحرمات على التأبيد من جهة الصهر فهنَّ: زوجة الأب، وزوجة الجد من جهة الأب أو الأم مهما ارتفعن، وزوجة الابن، وزوجة ابن الابن مهما نزلن،
[ ١٠ / ٢٨٠ ]
وزوجة ابن البنت مهما نزلن، وأم الزوجة، وجدتها من جهة الأب أو الأم مهما ارتفعن، وبنت الزوجة إذا دخل بأمها، وبنت ابنها مهما، وبنت بنتها مهما نزلن.
وهؤلاء عشر عن طريق البسط ويرجعنَّ إلى أربع عن طريق الاختصار وهن: أمهات النساء من زوجات أو إماء مدخول بهنَّ وإن علون، وبناتهن وإن نزلن إذا كان قد دخل بهن، ونساء الآباء من زوجات أو إماء مدخول بهنَّ وإن علون، وحلائل الأبناء من زوجات أو إماء مدخول بهنَّ وإن نزلن من نسب وفي الرضاع نزاع كما سيأتي.
ودليل ذلك قول الله تعالى: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتًا وَسَاءَ سَبِيلًا﴾ [النساء: ٢٢].
وقال الله تعالى: ﴿وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ﴾ [النساء: ٢٣].
قُلْتُ: ويدخل في أمهات النساء: الأم القريبة، والجدات من جميع الجهات مهما ارتفعن، ويحرم أمهات النساء بمجرد العقد على بناتهن وإن لم يحصل وطء إلَّا إذا كانت نساء الرجل من الإماء فلا تحرم أمها إلَّا بعد وطء بنتها وذلك أنَّ الأمة لا
[ ١٠ / ٢٨١ ]
تصير من نساء الرجل إلَّا بالوطء. وسيأتي ذلك في كلام العلامة ابن القيم ﵀ عند الكلام على الربيبة في ملك اليمين.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (١٥/ ٩٩): «نص عليه أحمد وهو قول أكثر أهل العلم منهم ابن مسعود، وابن عمر، وجابر، وعمران بن حصين، وكثير من التابعين، وبه يقول مالك، والشافعي، وأصحاب الرأي.
وحكي عن علي ﵁ أنَّها لا تحرم إلَّا بالدخول بابنتها، كما لا تحرم ابنتها إلَّا بالدخول، ولنا قول الله تعالى: ﴿وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ﴾، والمعقود عليها من نسائه، فتدخل أمها في عموم الآية.
قال ابن عباس: أبهموا ما أبهم القرآن يعني: عمموا حكمها في كل حال، ولا تفصلوا بين المدخول بها وبين غيرها» اهـ.
وهل يدخل في ذلك أم المزني بها.
في ذلك نزاع والصحيح عدم الدخول لأنَّها ليست من أمهات نسائه، وذلك أنَّ المزني بها ليست من نسائه.
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْقُرْطُبِيُّ ﵀ فِي [تَفْسِيْرِهِ] (٥/ ١١٤ - ١١٥):
[ ١٠ / ٢٨٢ ]
«الرابعة عشرة: واختلفوا في الوطء بالزنى هل يحرم أم لا؛ فقال أكثر أهل العلم: لو أصاب رجل امرأة بزنى لم يحرم عليه نكاحها بذلك؛ وكذلك لا تحرم عليه امرأته إذا زنى بأمها أو بابنتها، وحسبه أن يقام عليه الحد، ثم يدخل بامرأته. ومن زنى بامرأة ثم أراد نكاح أمها أو ابنتها لم تحرما عليه بذلك. وقالت طائفة: تحرم عليه. روي هذا القول عن عمران بن حصين؛ وبه قال الشعبي وعطاء والحسن وسفيان الثوري وأحمد وإسحاق وأصحاب الرأي، وروي عن مالك؛ وأنَّ الزنى يحرم الأم والابنة وأنَّه بمنزلة الحلال، وهو قول أهل العراق. والصحيح من قول مالك وأهل الحجاز: أنَّ الزنى لا حكم له؛ لأنَّ الله ﷾ قال: ﴿وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ﴾ وليست التي زنى بها من أمهات نسائه، ولا ابنتها من ربائبه. وهو قول الشافعي وأبي ثور» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ عُثَيْمِيْنَ ﵀ فِي [الشَّرْحُ الْمُمْتِعِ] (١٢/ ١١٩):
«مسألة: لو أنَّ رجلًا زنى بامرأة، فهل يحرم عليه أصلها وفرعها؟ وهل يحرم عليها أصله وفرعه؟ لا يحرم؛ لأنَّه لا يدخل في قول: ﴿وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ وَرَبَائِبُكُمُ اللاَّتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ﴾، وَقَوْلُهُ: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ﴾، وَقَوْلُهُ: ﴿وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ﴾، والزانية لا تدخل في هذا، فالمزني بها من ليست من
[ ١٠ / ٢٨٣ ]
حلائل الأبناء، وكذلك أمُّ المزني بها ليست من أمهات نسائك، إذًا فتكون حلالًا لدخولها في قوله تعالى: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ وفي قراءة و"أَحلَّ لكم ما وراء ذلك"» اهـ.
قُلْتُ: وهل يدخل في ذلك أم الملوط به؟
الصواب عدم الدخول لأنَّ الوطء الحرام لا ينشر التحريم في المصاهرة، وذهب الإمام أحمد إلى تحريم ذلك، كما سيأتي في كلام شيخ الإسلام في الربيبة.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ بَطَّالٍ ﵀ فِي [شَرْحِ الْبُخَارِي] (٧/ ٢١٠ - ٢١١):
«وأمَّا تحريم النكاح باللواط، فإنَّ أصحاب مالك، وأبي حنيفة، والشافعي، وغيرهم لا يحرمون النكاح باللواط، وقال الثوري: إذا لعب بالصبى حرمت عليه أمه، وهو قول أحمد بن حنبل، قال: إذا تلوط بابن امرأته، أو أبيها، أو أخيها، حرمت عليه امرأته. وقال الأوزاعي: إذا لاط غلام بغلام وولد للمفجور به بنت لم يجز للفاجر أن يتزوجها؛ لأنَّها بنت من قد دخل هو به، وهو قول أحمد بن حنبل» اهـ.
[ ١٠ / ٢٨٤ ]
ويدخل في الربيبة: بنت الزوجة المدخول بها، وبنت الزوجة من زوج متقدم عليه، أو من زوج متأخر عنها، كأن يطلقها ثم تتزوج بغيره وتنجب منه بناتًا. ويدخل في البنات القريبات والبعيدات من جهة الأبناء، أو البنات كما سبق بيان ذلك.
وَجَاءَ فِي [الْاخْتِيَارِاتِ الْفِقْهِيَةِ] (ص: ٣٠٤) للبعلي:
«وتحرم بنت الربيبة لأنَّها ربيبة وابن الربيب أيضًا نص عليهما الإمام أحمد في رواية صالح.
قال أبو العباس: ولا أعلم في ذلك نزاعًا» اهـ.
وهل يدخل في الربيبة بنت الملوط به؟
في ذلك نزاع سبق ذكره والصواب عدم دخوله لعدم الدليل على ذلك، ولأنَّ الوطء الحرام لا يثير تحريم المصاهرة.
قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كَمَا فِي [الْاخْتِيَارِاتِ الْفِقْهِيَةِ] (ص: ٣٠٤): «والمنصوص عن الإمام أحمد في مسألة التلوط إنَّما هو أنَّ الفاعل لا يتزوج بنت المفعول وكذلك أمه، وهذا قياس جيد، فأمَّا تزوج المفعول بأم الفاعل وابنته ففيه نظر ولم ينص عليه، وذلك لأنَّ واحدًا منهما لم يتمتع بأصل الآخر وفرعه،
[ ١٠ / ٢٨٥ ]
والمنصوص والأصل: أنَّه يتمتع بالرجل أصل وفرع، أو يتمتع بالمرأة أصل وفرع، وهذا المفعول به يتمتع به في أحد الطرفين، وهو يتمتع في الطرف الآخر.
والوطء الحرام لا يثير تحريم المصاهرة» اهـ.
وذكر "الدخول" في الآية يقتضي أنَّه إذا ماتت قبل الدخول بها حلت له ابنتها.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (١٥/ ١٠١):
«والموت لا يجري مجرى الدخول في الإحصان والإحلال وعدة الأقراء، وقيامه مقامه من وجه ليس بأولى من مفارقته إياه من وجه آخر، ولو قام مقامه من كل وجه، فلا يترك صريح نص الله تعالى ونص رسوله لقياس ولا غيره» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [زَادِ الْمَعَادِ] (٥/ ١٢١):
«فإذا لم يوجد الدخول لم يثبت التحريم، وسواء حصلت الفرقة بموت أو طلاق، هذا مقتضى النص.
وذهب زيد بن ثابت، ومن وافقه، وأحمد في رواية عنه: إلى أن موت الأم في تحريم الربيبة كالدخول بها، لأنَّه يكمل الصداق، ويوجب العدة والتوارث، فصار كالدخول، والجمهور أبوا ذلك، وقالوا: الميتة غير مدخول بها، فلا تحرم ابنتها، والله تعالى قيد التحريم بالدخول، وصرح بنفيه عند عدم الدخول» اهـ.
[ ١٠ / ٢٨٦ ]
وذكر الحجر في الآية لم يخرج مخرج الشرط في قول أكثر العلماء.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (١٥/ ١٠٠): «وأمَّا الآية فلم تخرج مخرج الشرط، وإنَّما وصفها بذلك تعريفًا لها بغالب حالها، وما خرج مخرج الغالب لا يصح التمسك بمفهومه» اهـ.
وَقَالَ الْحَافِظُ ابْنُ كَثِيْرٍ ﵀ فِي [تَفْسِيْرِهِ] (٢/ ٢٥١ - ٢٥٢):
«وأمَّا قَوْلُهُ: ﴿وَرَبَائِبُكُمُ اللاتِي فِي حُجُورِكُمْ﴾ فجمهور الأئمة على أنَّ الربيبة حرام سواء كانت في حجر الرجل أو لم تكن في حجره، قالوا: وهذا الخطاب خرج مخرج الغالب، فلا مفهوم له كقوله تعالى: ﴿وَلا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا﴾.
وفي الصحيحين أنَّ أم حَبيبة قالت: يا رسول الله، انكح أختي بنت أبي سفيان - وفي لفظ لمسلم: عزة بنت أبي سفيان-قال: "أو تحبين ذلك؟ " قالت: نعم، لَسْتُ لك بمُخْليَة، وأحب من شاركني في خير أختي. قال: "فإنَّ ذلك لا يَحل لي". قالت: فإنا نُحَدثُ أنَّك تريد أن تنكح بنت أبي سلمة. قال: "بنْتَ أم سلمة؟ " قالت: نعم. قال: "إنَّها لو لم تكن ربيبتي في حجري ما حَلَّتْ لي، إنَّها لبنت أخي من الرضاعة، أرضعتني وأبا سلمة ثُوَيْبَة فلا تَعْرضْن عليَّ بناتكن ولا أخواتكن".
[ ١٠ / ٢٨٧ ]
وفي رواية للبخاري: "إني لو لم أتزوج أم سلمة ما حلت لي".
فجعل المناط في التحريم مجرد تزويجه أم سلمة وحكم بالتحريم لذلك، وهذا هو مذهب الأئمة الأربعة والفقهاء السبعة وجمهور الخلف والسلف. وقد قيل بأنَّه لا تحرم الربيبة إلَّا إذا كانت في حجر الرجل، فإذا لم يكن كذلك فلا تحرم.
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو زُرْعة، حدثنا إبراهيم بن موسى، أنبأنا هشام -يعني ابن يوسف- عن ابن جريج، حدثني إبراهيم بن عبيد بن رفاعة، أخبرني مالك بن أوس بن الحدثان قال: كانت عندي امرأة فتوفيت، وقد ولدت لي، فوجِدْت عليها، فلقيني علي بن أبي طالب فقال: مالك؟ فقُلْتُ: توفيت المرأة. فقال علي: لها ابنة؟ قُلْتُ: نعم، وهي بالطائف. قال: كانت في حجرك؟ قُلْتُ: لا هي بالطائف قال: فانكحها. قُلْتُ: فأين قول الله ﷿: ﴿وَرَبَائِبُكُمُ اللاتِي فِي حُجُورِكُمْ﴾، قال: إنَّها لم تكن في حجْرك، إنَّما ذلك إذا كانت في حجرك.
هذا إسناد قوي ثابت إلى علي بن أبي طالب، على شرط مسلم، وهو قول غريب جدًّا، وإلى هذا ذهب داود بن علي الظاهري وأصحابه. وحكاه أبو القاسم الرافعي عن مالك، ﵀، واختاره ابن حزم، وحكى لي شيخنا الحافظ أبو
[ ١٠ / ٢٨٨ ]
عبد الله الذهبي أنَّه عَرَض هذا على الشيخ الإمام تقي الدين ابن تيمية، ﵀، فاستشكله، وتوقف في ذلك، والله أعلم» اهـ.
قُلْتُ: إسناد الأثر عن علي ﵁ صَحِيْحٌ كما ذكر الحافظ ﵀.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [زَادِ الْمَعَادِ] (٥/ ١٢١):
«وأمَّا كونها في حجره، فلما كان الغالب ذلك ذكره لا تقييدًا للتحريم به، بل هو بمنزلة قَوْلِهِ: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ﴾، ولما كان من شأن بنت المرأة أن تكون عند أمها، فهي في حجر الزوج وقوعًا وجوازًا، فكأنَّه قال: اللاتي من شأنهن أن يكن في حجوركم، ففي ذكر هذا فائدة شريفة، وهي جواز جعلها في حجره، وأنَّه لا يجب عليه إبعادها عنه، وتجنب مؤاكلتها، والسفر، والخلوة بها، فأفاد هذا الوصف عدم الامتناع من ذلك.
ولما خفى هذا على بعض أهل الظاهر، شرط في تحريم الربيبة أن تكون في حجر الزوج، وقيد تحريمها بالدخول بأمها» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ عُثَيْمِيْنَ ﵀ فِي [الشَّرْحُ الْمُمْتِعِ] (١٢/ ١٢٢ - ١٢٣):
«فربيبة الزوج اشترط الله تعالى فيها شرطين:
الأول: أن تكون في حجر الزوج.
[ ١٠ / ٢٨٩ ]
الثاني: أن يكون قد دخل بأمها.
هذان الشرطان ذكر الله تعالى مفهوم أحدهما، ولم يذكر مفهوم الآخر، فقال: ﴿فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ﴾، ولم يقل: وإن لم يكُنَّ في حجوركم فلا جناح عليكم، فصرح بمفهوم القيد الثاني، وهو قَوْلُهُ: ﴿اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ﴾، وسكت عن مفهوم الأول، فيستدل بهذا على أنَّ القيد الأول غير معتبر؛ وأكثر العلماء على ذلك، وإن كان هناك قول للسلف والخلف أنَّه شرط، ولكننا نقول: ليس بشرط؛ لأنَّ الله تعالى صرح بمفهوم القيد الثاني، فدل ذلك على أنَّ مفهوم القيد الأول غير معتبر.
فإن قال قائل: إذا كان غير معتبر فعلى أي شيء تخرجون الآية؟
فالجواب: أننا نخرجها بناءً على الغالب، وإشارةً للعلة، أمَّا كونه بناءً على الغالب فلأنَّ الغالب - لا سيما في صدر الإسلام - أنَّ بنت الزوجة إذا تزوجت أمها تكون معها.
وأمَّا الثاني وهو الإشارة إلى العلة فكأنَّه قال: إنَّها تحرم على الزوج؛ لأنَّها كبناته، إذ إنَّها في حجره، وهو ينظر إليها نظر مربٍّ لها، ولذلك تجدها مثلًا بنتًا لها سبع سنين، أو عشر سنين، أو اثنتا عشرة سنة تأتي إلى زوج أمها وتقدم له الطعام،
[ ١٠ / ٢٩٠ ]
وتكشف وجهها له وكأنَّها ابنته تمامًا، فليس من المناسب أن يدخل عليها وينكحها.
وهذا القول الذي عليه الجمهور هو الراجح أنَّه لا يشترط في تحريم الربيبة على زوج أمها إلَّا شرط واحد، وهو الدخول بأمها.
فلو عقد على امرأة وطلقها قبل الدخول، أو ماتت قبل الدخول فإنَّه يحل له بناتها، ولو كن في حجره على قول الجمهور وهو الأرجح» اهـ.
قُلْتُ: هذا تحرير نفيس.
والربيبة في ملك اليمين مما تنازع فيها العلماء.
قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ كَثِيْرٍ ﵀ فِي [تَفْسِيْرِهِ] (٢/ ٢٥٢):
«وأمَّا الربيبة في ملك اليمين فقد قال الإمام مالك بن أنس، عن ابن شهاب: أنَّ عمر بن الخطاب سُئلَ عن المرأة وبنتها من ملك اليمين توطأ إحداهما بعد الأخرى؟ فقال عمر: ما أحب أن أخبرهما جميعًا. يريد أن أطَأهُمَا جميعًا بملك يميني. وهذا منقطع.
[ ١٠ / ٢٩١ ]
وقال سُنَيد بن داود في تفسيره: حدثنا أبو الأحوص، عن طارق بن عبد الرحمن عن قيس قال: قلت لابن عباس: أيقع الرجل على امرأة وابنتها مملوكين له؟ فقال: أحلتهما آية وحرمتهما آية، ولم أكن لأفعله.
قال الشيخ أبو عُمَر بن عبد البر، ﵀: لا خلاف بين العلماء أنَّه لا يحل لأحد أن يطأ امرأة وابنتها من ملك اليمين، لأنَّ الله حرم ذلك في النكاح، قال: ﴿وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ وَرَبَائِبُكُمُ اللاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ﴾، وملك اليمين هم تبع للنكاح، إلَّا ما روي عن عُمَر وابن عباس، وليس على ذلك أحد من أئمة الفتوى ولا من تبعهم. وروى هشام عن قتادة: بنت الربيبة وبنت ابنتها لا تصلح وإن كانت أسفل ببطون كثيرة. وكذا قال قتادة عن أبي العالية» اهـ.
قُلْتُ: أَثَرُ ابْنِ عَبَّاسٍ صَحِيْحٌ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [زَادِ الْمَعَادِ] (٥/ ١٢٢ - ١٢٣):
«فإن قيل: فمن أين أدخلتم ربيبته التي هي بنت جاريته التي دخل بها، وليست من نسائه؟.
[ ١٠ / ٢٩٢ ]
قلنا: السرية قد تدخل في جملة نسائه، كما دخلت في قَوْلِهِ: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنّى شِئْتُمْ﴾، ودخلت في قَوْلِهِ: ﴿أُحِلّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصّيَامِ الرّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ﴾، ودخلت في قَوْلِهِ: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النّسَاءِ﴾.
فإن قيل: فليزمكم على هذا إدخالها في قَوْلِهِ: ﴿وَأُمّهَاتُ نِسَائِكُمْ﴾ فتحرم عليه أم جاريته؟
قلنا: نعم وكذلك نقول: إذا وطيء أمته، حرمت عليه أمها وابنتها.
فإن قيل: فأنتم قد قررتم أنَّه لا يشترط الدخول بالبنت في تحريم أمها فكيف تشترطونه هاهنا؟
قلنا: لتصير من نسائه، فإنَّ الزوجة صارت من نسائه بمجرد العقد، وأمَّا المملوكة، فلا تصير من نسائه حتى يطأها، فإذا وطئها، صارت من نسائه، فحرمت عليه أمها وابنتها.
فإن قيل: فكيف أدخلتم السرية في نسائه في آية التحريم، ولم تدخلوها في نسائه في آية الظهار والإيلاء؟
قيل: السياق والواقع يأبى ذلك، فإنَّ الظهار كان عندهم طلاقًا، وإنَّما محله الأزواج لا الإماء، فنقله الله سبحانه من الطلاق إلى التحريم الذى تزيله الكفارة،
[ ١٠ / ٢٩٣ ]
ونقل حكمه وأبقى محله، وأمَّا الإيلاء، فصريح في أنَّ محله الزوجات، لقوله تعالى: ﴿لِلّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَاءُوا فَإِنّ اللّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ وَإِنْ عَزَمُوا الطّلَاقَ فَإِنّ اللّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾» اهـ.
قُلْتُ: وهل تقوم الخلوة والمباشرة مقام الوطء في هذا نزاع.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (١٥/ ١٠١):
«إذا ثبت هذا، فإنَّ الدخول بها هو وطؤها، كني عنه بالدخول، فإن خلا بها ولم يطأها، لم تحرم ابنتها؛ لأنَّها غير مدخول بها.
وظاهر قول الخرقي تحريمها؛ لِقَوْلِهِ: فإن خلا بها وقال: لم أطأها وصدقته لم يلتفت إلى قولهما وكان حكمها حكم المدخول في جميع أمورها، إلَّا في الرجوع إلى زوج طلقها ثلاثًا، وفي الزنا، فإنَّهما يجلدان ولا يرجمان وسنذكره فيما بعد إن شاء الله» اهـ.
وَقَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كَمَا فِي [الْاخْتِيَارِاتِ الْفِقْهِيَةِ] (ص: ٣٠٤):
[ ١٠ / ٢٩٤ ]
«قال القاضي: والخلوة إن تجردت عن نظر أو مباشرة دون الفرج فروايتان قال: وفيما أطلق القول في رواية أبي الحارث إذا خلا بها وجب الصداق والعدة ولا يحل أن يتزوج أمها وبنتها ولا تحل المرأة لأبيه وابنه.
قال: وهذا محمول على أنَّه حصل مع الخلوة نظر أو مباشرة فيخرج كلامه على إحدى الروايتين.
قال أبو العباس: وهذا ضعيف وإنَّما الخلوة هنا إن اتصلت بعقد النكاح قامت مقام الوطء فأمَّا الخلوة بالأمة والأجنبية فلا أثر لها» اهـ.
وهل يدخل في ذلك بنت الموطوءة من زنا إذا كانت من غيره؟
في ذلك نزاع والأظهر عدم الدخول؛ لأنَّ الزنا لا ينشر الحرمة من جهة الصهر.
قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كَمَا فِي [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (٣٢/ ١٣٨):
- حين سئل - رحمه الله تعالى -: عن رجل زنى بامرأة في حال شبوبيته وقد رأى معها في هذه الأيام بنتًا وهو يطلب التزويج بها ولم يعلم هل هي منه أو من غيره وهو متوقف في تزويجها؟
فأجاب -:
[ ١٠ / ٢٩٥ ]
«الحمد لله، لا يحل له التزويج بها عند أكثر العلماء؛ فإنَّ بنت التي زنى بها من غيره لا يحل التزوج بها عند أبي حنيفة ومالك وأحمد في إحدى الروايتين. وأمَّا بنته من الزنا فأغلظ من ذلك وإذا اشتبهت عليه بغيرها حرمتا عليه» اهـ.
وأمَّا ابنة الموطوءة بشبهة من غيره فتحرم عليه بالاتفاق.
وهل يدخل في الربيبة بنت الزوجة التي وطئت قبل أن تكون مطيقة للوطء.
وذلك كأن يطأها ثم يفارقها فتتزوج غيره عند إطاقتها وبلوغها فتلد له بنتًا فهل يحل له أن يتزوج بابنتها.
في ذلك نزاع.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (١٥/ ١١٩):
«وفي وطء الصغيرة أيضًا وجهان؛ أحدهما، ينشرها.
وهو قول أبي يوسف؛ لأنَّه وطء لآدمية حية في القبل، أشبه وطء الكبيرة.
والثاني، لا ينشرها.
وهو قول أبي حنيفة؛ لأنَّه ليس بسبب للبعضية أشبه وطء الميتة» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ الْمَرْدَاوِي ﵀ فِي [الْإِنْصَافِ] (٨/ ٨٨ - ٨٩):
«قوله: "فإن كانت الموطوأة ميتة أو صغيرة فعلى وجهين".
[ ١٠ / ٢٩٦ ]
وأطلقهما في الهداية والمذهب ومسبوك الذهب والمستوعب والخلاصة والكافي والمغني والشَّرْحُ والمحرر والرعايتين والحاوي الصغير والفروع وتجريد العناية.
أحدهما: لا يثبت التحريم بذلك وهو المذهب.
اختاره بن عبدوس في تذكرته وصححه في التصحيح.
وجزم به في الوجيز وغيره.
وقدمه بن رزين في شرحه.
وقاله القاضي في خلافه في وطء الصغيرة وقال هو ظاهر كلام الإمام أحمد ﵀ وصححه الزركشي في الصغيرة.
والوجه الثاني: يثبت به التحريم وقاله القاضي في الجامع في الصغيرة.
وهو ظاهر ما جزم به في المنور فيها.
تنبيه: مراده بالصغيرة الصغيرة التي لا يوطأ مثلها قاله الأصحاب» اهـ.
قُلْتُ: من أمكن وطؤها فوطئت فإنَّ حرمة المصاهرة تحصل بذلك وتحديد ذلك في الأنثى بتسع سنين وبالذكر بعشر سنين لا أعلم له مستندًا صحيحًا.
وهل يدخل في ذلك بنت الميتة الموطوءة.
[ ١٠ / ٢٩٧ ]
وذلك كأن يعقد على امرأة لها بنت فتموت قبل أن يطأها ثم وطأها بعد موتها فهل تحرم عليه ابنتها. في ذلك نزاع.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (١٥/ ١١٩):
«فصل: ووطء الميتة يحتمل وجهين؛ أحدهما، ينشر الحرمة؛ لأنَّه معنى ينشر الحرمة المؤبدة، فلم يختص بالحياة كالرضاع.
والثاني، لا ينشرها.
وهو قول أبي حنيفة، والشافعي؛ لأنَّه ليس بسبب للبعضية، ولأنَّ التحريم يتعلق باستيفاء منفعة الوطء، والموت يبطل المنافع» اهـ.
قُلْتُ: لا يظهر لي حصول حرمة المصاهرة بمثل هذا الوطء، وذلك أنَّ الميتة لا تشتهى طبعًا.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ مَنْصُورُ الْبُهُوتِيُّ الْحَنْبَلِيُّ ﵀ فِي [شَرْحِ مُنْتَهَى الْإِرَادَاتِ] (٨/ ٣٩٠): «(أو) كان الوطء (بشبهة أو بزنا بشرط حياتهما) أي الواطئ والموطوءة فلو أولج ذكره في فرج ميتة أو أدخلت امرأة حشفة ميت في فرجها لم يؤثر في تحريم المصاهرة» اهـ.
ويدخل في حلائل الأبناء: أزواج أبنائه، وأبناء أبنائهم، وأبناء بناتهم وإن نزلوا.
[ ١٠ / ٢٩٨ ]
والحليلة هي زوجة الابن سميت بذلك لأنَّها تحل محل إزاره، أو لأنَّها تحل له، أو لأنَّها تحل معه في فراش واحد.
ويحصل التحريم بمجرد العقد، قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (١٥/ ١٠٢): «ولا نعلم في هذا خلافًا» اهـ.
ويدخل في ذلك موطوءة الابن بملك يمين أو شبهة.
ويدخل في منكوحة الأب: زوج الأب القريب، أو الجد مهما علا من جهة الأب، أو الأم، ويدخل في ذلك موطوءة الأب والجد بملك يمين أو شبهة.
قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كَمَا فِي [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (٣٢/ ٦٦):
«ومن وطئ امرأة بما يعتقده نكاحًا فإنَّه يلحق به النسب ويثبت فيه حرمة المصاهرة باتفاق العلماء فيما أعلم» اهـ.
وَقَالَ ﵀ (٣٢/ ٦٧): «فالنسب والحرية يتبع اعتقاد الواطئ وإن كان مخطئًا؛ فكذلك تحريم المصاهرة؛ وإنَّما تنازع العلماء في الزنا المحض هل ينشر حرمة المصاهرة فيه نزاع مشهور بين السلف والخلف. التحريم قول أبي حنيفة وأحمد والجواز مذهب الشافعي؛ وعن مالك روايتان» اهـ.
[ ١٠ / ٢٩٩ ]
وَجَاء فِي [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (٣٢/ ٧٧): «وسئل شيخ الإسلام ﵀: عن رجل اشترى جارية ووطئها ثم ملكها لولده. فهل يجوز لولده وطؤها؟
فأجاب: الحمد الله، لا يجوز للابن أن يطأها بعد وطء أبيه والحال هذه باتفاق المسلمين. ومن استحل ذلك فإنَّه يستتاب فإن تاب وإلاَّ قتل» اهـ.
وَقَالَ ﵀ (٣٢/ ٦٨): «لا يجوز له تزويج سرية جده التي كان يطؤها باتفاق المسلمين، وإذا تزوجها فرق بينهما؛ ولا يحل إبقاؤه معها؛ وإن استحل ذلك استتيب ثلاثًا فإن تاب وإلَّا قتل» اهـ.
وَقَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كَمَا فِي [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (٣٢/ ٦٦):
«وهؤلاء الأصناف الأربعة يحرمن بالعقد؛ إلَّا الربيبة فإنَّها لا تحرم حتى يدخل بأمها فإنَّ الله لم يجعل هذا الشرط إلاَّ في الربيبة والبواقي أطلق فيهن التحريم. فلهذا قال الصحابة: أبهموا ما أبهم الله. وعلى هذا الأئمة الأربعة وجماهير العلماء» اهـ.
وهل يدخل في ذلك موطوءة الأب بالزنا؟
فيه نزاع بين العلماء، والأظهر عدم دخولها؛ وذلك أنَّ تحريمها من جهة الصهر، والزنا لا ينشر الحرمة من جهة الصهر كما سيأتي.
[ ١٠ / ٣٠٠ ]
وَسُئِلَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كَمَا فِي [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (٣٢/ ١٤٢) عن رجل زنى بامرأة ومات الزاني: فهل يجوز لولد المذكور أن يتزوج بها أم لا؟
فأجاب: «هذه حرام في مذهب أبي حنيفة وأحمد وأحد القولين في مذهب مالك، وفي القول الآخر يجوز وهو مذهب الشافعي» اهـ.
وهل تثبت حرمة المصاهرة بالوطء الحرام في ذلك نزاع، والصحيح أنَّها لا تثبت بذلك.
قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كَمَا فِي [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (٣٢/ ١٤٠):
«ولكن النزاع المشهور بين الصحابة والتابعين ومن بعدهم في الزنا هل ينشر حرمة المصاهرة؛ فإذا أراد أن يتزوج بأمها وبنتها من غيره؟ فهذه فيها نزاع قديم بين السلف؛ وقد ذهب إلى كل قول كثير من أهل العلم: كالشافعي ومالك في إحدى الروايتين عنه: يبيحون ذلك؛ وأبو حنيفة وأحمد ومالك في الرواية الأخرى: يحرمون ذلك. فهذه إذا قلد الإنسان فيها أحد القولين جاز ذلك. والله أعلم» اهـ.
وَقَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كَمَا فِي [الْاخْتِيَارِاتِ الْفِقْهِيَةِ] ص (٣٠٥): «والوطء الحرام لا ينشر تحريم المصاهرة» اهـ.
[ ١٠ / ٣٠١ ]
وذكره أيضًا الْعَلَّامَةُ الْمَرْدَاوِي ﵀ فِي [الْإِنْصَافِ] (٨/ ٨٨).
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [إِغَاثَةِ اللَّهْفَانِ] (١/ ٣٦٦):
«ولهذا كان الراجح في الدليل: أنَّ الزنى لا يثبت حرمة المصاهرة كما لا يثبت التوارث والنفقة وحقوق الزوجية ولا يثبت به النسب ولا العدة على الصحيح وإنَّما تستبرأ بحيضة ليعلم براءة رحمها ولا يقع فيه طلاق ولا ظهار ولا إيلاء ولا يثبت المحرمية بينه وبين أمها وابنتها فلا يثبت حرمة المصاهرة ولا تحريمها فإنَّ الشارع جعل وصلة الصهر فيه مع وصلة النسب وجمع بينهما في قوله: ﴿فَجَعَلَهُ نَسَبًا وَصِهْرًا﴾ [الفرقان: ٥٤] فإذا انتفت وصلة النسب فيه انتفت وصلة الصهر
وكنا ننصر القول بالتحريم ثم رأينا الرجوع إلى عدم التحريم أولى لاقتضاء الدليل له» اهـ.
وَقَالَ ﵀ فيِ [إِعْلَامِ الْمُوَقِعِيْنَ] (٣/ ٢٤٣ - ٢٤٦):
«والقول الراجح أنَّ ذلك لا يحرم كما هو قول الشافعي وإحدى الروايتين عن مالك فإنَّ التحريم بذلك موقوف على الدليل ولا دليل من كتاب ولا سنة ولا إجماع ولا قياس صحيح وقياس السفاح على النكاح في ذلك لا يصح لما بينهما من الفروق والله تعالى جعل الصهر قسيم النسب وجعل ذلك من نعمة التي امتن بها
[ ١٠ / ٣٠٢ ]
على عباده فكلاهما من نعمه وإحسانه فلا يكون الصهر من آثار الحرام وموجباته كما لا يكون النسب من آثاره بل إذا كان النسب الذي هو أصل لا يحصل بوطء الحرام فالصهر الذي هو فرع عليه ومشبه به أولى ألَّا يحصل بوطء الحرام، وأيضًا فإنَّه لو ثبت تحريم المصاهرة لا تثبت المحرمية التي هي من أحكامه فإذا لم تثبت المحرمية لم تثبت الحرمة، وأيضًا فإنَّ الله تعالى إنَّما قال: ﴿وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ﴾ [النساء: ٢٣]. ومن زنا بها الابن لا تسمى حليلة لغة ولا شرعًا ولا عرفًا وكذلك قَوْلُهُ: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [النساء: ٢٢]. إنَّما المراد به النكاح الذي هو ضد السفاح ولم يأت في القرآن النكاح المراد به الزنا قط ولا الوطء المجرد عن عقد.
وقد تناظر الشافعي هو وبعض العراقيين في هذه المسألة ونحن نذكر مناظرته بلفظها.
قال الشافعي: الزنا لا يحرم الحلال، وقال به ابن عباس.
قال الشافعي: لأنَّ الحرام ضد الحلال، ولا يقاس شيء على ضده، فقال لي قائل: ما تقول لو قبلت امرأة الرجل ابنه بشهوة حرمت على زوجها أبدًا؟ فقُلْتُ: لم قلت ذا والله تعالى إنَّما حرم أمهات نسائكم ونحو هذا بالنكاح فلم يجز أن يقاس
[ ١٠ / ٣٠٣ ]
الحرام بالحلال؟ فقال: أجد جماعًا وجماعًا، قُلْتُ: جماعًا حمدت به وأحصنت وجماعًا رجمت به، أحدهما نقمة والآخر نعمة، وجعله الله نسبًا وصهرًا وأوجب به حقوقًا، وجعلك محرمًا لأم امرأتك وابنتها تسافر بهما، وجعل على الزنا نقمة في الدنيا بالحد وفي الآخرة بالنار، إلَّا أن يعفو الله، فتقيس الحرام الذي هو نقمة على الحلال الذي هو نعمة؟
وقلت له: فلو قال لك وجدت المطلقة ثلاثًا تحل بجماع زوج وإصابة فأحلها بالزنا لأنَّه جماع كجماع، قال: إذا أخطئ؛ لأنَّ الله تعالى أحلها بنكاح زوج، قُلْتُ: وكذلك ما حرم الله في كتابه بنكاح زوج وإصابة زوج، قال: أفيكون شيء يحرمه الحلال ولا يحرمه الحرام أقول به؟ قُلْتُ: نعم ينكح أربعًا فيحرم عليه أن ينكح من النساء خامسة، أفيحرم عليه إذا زنى بأربع شيء من النساء؟ قال: لا يمنعه الحرام مما يمنعه الحلال، قال: فقد ترتد فتحرم على زوجها، قُلْتُ: نعم، وعلى جميع الخلق، وأقتلها وأجعل مالها فيئًا، قال: فقد نجد الحرام يحرم الحلال، قُلْتُ: أمَّا في مثل ما اختلفنا فيه من أمر النساء فلا، انتهى.
ومما يدل على صحة هذا القول أنَّ أحكام النكاح التي رتبها الله تعالى عليه من العدة والإحداد والميراث والحل والحرمة ولحوق النسب، ووجوب النفقة والمهر
[ ١٠ / ٣٠٤ ]
وصحة الخلع والطلاق والظهار والإيلاء والقصر على أربع ووجوب القسم والعدل بين الزوجات وملك الرجعة وثبوت الإحصان والإحلال للزوج الأول وغير ذلك من الأحكام لا يتعلق شيء منها بالزنا، وإن اختلف في العدة والمهر.
والصواب أنَّه لا مهر لبغي كما دلت عليه سنة رسول الله ﷺ، وكما فطر الله عقول الناس على استقباحه، فكيف يثبت تحريم المصاهرة من بين هذه الأحكام؟» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ عُثَيْمِيْنَ ﵀ فِي [الشَّرْحُ الْمُمْتِعِ] (١٢/ ١٢٠):
«والمذهب أنَّ الزنا كالنكاح، فإذا زنا بامرأةٍ حرم عليه أصولها وفروعها، وحرم عليها أصوله وفروعه تحريمًا مؤبدًا، وهذا من غرائب العلم، أن يُجْعل السفاح كالنكاح، وهو من أضعف الأقوال، وأضعف منه - أيضًا - من قال: إنَّ الرجل إذا لاط بشخص - والعياذ بالله - فهو كالمرأة المعقود عليها عقدًا شرعيًا!! فيحرم على هذا اللائط فروع الملوط به وأصوله، ويحرم على الملوط به فروع اللائط وأصوله، هذا أبعد وأبعد من القول الأول!! وذلك لأن اللواط لا يحل الفرج بأي حال من الأحوال، لا بعقد ولا بغير عقد، أما فرج المرأة فيمكن أن تعقد على امرأة ويحل لك.
[ ١٠ / ٣٠٥ ]
فالصواب أنه لا أثر في تحريم المصاهرة بغير عقد صحيح؛ وذلك لأن العقود إذا أطلقت في الشرع حملت على الصحيح، ومن الغرائب أنهم يقولون في الظهار: لو ظاهر الإنسان من امرأة أجنبية لا يثبت الظهار، مع أن قَوْلُهُ: ﴿الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْكُمْ مِنْ نِسَائِهِمْ﴾ [المجادلة: ٢] مثل: "أمهات نسائكم" في هذا، وكذلك في الإيلاء: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ﴾ [البقرة: ٢٢٦] قالوا: ما يثبت إلَّا مع زوجة، فكيف نقول بالتحريم في هذه المسألة؟! فالصواب أن كل ما كان طريقه محرمًا فإنَّه لا أثر له في التحريم والمصاهرة» اهـ.
قُلْتُ: ومن أمثلة الوطء المحرم الزنا، واللواط. ويدخل في ذلك أيضًا وطء الميتة، وفي انتشار التحريم بذلك نزاع بين العلماء.
وقد سبق القول في وطء الميتة.
وأمَّا الوطء في الدبر في زوجة أو أمة وهو وإن كان محرمًا لكن تثبت به المصاهرة باتفاق الأئمة الأربعة.
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْمَاوُرْدِي ﵀ فِي [الْحَاوِي] (٩/ ٨١٨ - ٨١٩):
«وجملة أحكام التي تتعلق بالوطء ثلاثة أضرب: أحدها: ما يختص بالوطء في القبل، لا يثبت بالوطء في الدبر.
[ ١٠ / ٣٠٦ ]
والثاني: إحلالها دون الدبر، وهي ثلاثة أحكام: أحدها: الإحصان لا يثبت إلَّا بالوطء في القبل، ولا يثبت بالوطء في الدبر.
والثاني: إحلالها للزوج المطلق ثلاثًا لا يكون إلَّا بالوطء في القبل دون الدبر: لقوله ﷺ: "لا حتى تذوق عسيلته ويذوق عسيلتها". والعسيلة في القبل.
والثالث: سقوط حكم العنة، لا يكون إلَّا بالوطء في القبل دون الدبر: لأنَّه من حقوق الموطوءة فاختص بالفرج المباح.
والضرب الثاني: يستوي فيه الوطء في القبل والوطء في الدبر، وهي سبعة أحكام: أحدها: وجوب الغسل بالإيلاج عليهما.
والثاني: وجوب الحد بالزنا في القبل والدبر جميعًا.
والثالث: كمال المهر ووجوبه بالشبهة كوجوبه بالوطء في القبل.
والرابع: وجوب العدة منه كوجوبها بالوطء في القبل.
والخامس: تحريم المصاهرة ويثبت به كثبوته بالوطء في القبل.
والسادس: فساد العبادات من الحج والصيام والاعتكاف يتعلق به كتعلقها بالوطء في القبل.
[ ١٠ / ٣٠٧ ]
والسابع: وجوب الكفارة بإفساد الحج والصيام يتعلق به كتعلقها بالوطء في القبل» اهـ.
قُلْتُ: ومثله في ذلك الوطء في زمن الحيض ووطء الأمة قبل استبرائها.
ويضاف إلى جميع ما سبق الملاعنة، والمنفية باللعان، وأزواج النبي ﷺ وسيأتي الكلام فيهنَّ.
أمَّا تحريم نكاح الملاعنة لمن لاعنها، فلما رواه أبو داود (٢٢٥٠) عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ ﵁ قَالَ: «فَمَضَتِ السُّنَّةُ بَعْدُ فِي الْمُتَلَاعِنَيْنِ أَنْ يُفَرَّقَ بَيْنَهُمَا ثُمَّ لَا يَجْتَمِعَانِ أَبَدًا».
قُلْتُ: وَهُوَ حَدِيْثٌ حَسَنٌ بِشَوَاهِدِهِ.
وروى البخاري (٥٣١٢)، ومسلم (١٤٩٣) عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، قَالَ: سَأَلْتُ ابْنَ عُمَرَ، عَنْ حَدِيثِ المُتَلَاعِنَيْنِ، فَقَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ لِلْمُتَلَاعِنَيْنِ: «حِسَابُكُمَا عَلَى اللَّهِ، أَحَدُكُمَا كَاذِبٌ، لَا سَبِيلَ لَكَ عَلَيْهَا».
وعموم الحديث يدل على أنَّه لو أكذب نفسه بعد ذلك فلا تحل له، وهو الصحيح، وعليه جمهور العلماء.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (١٧/ ٣٣٠):
[ ١٠ / ٣٠٨ ]
«المسألة الثانية، أنَّها تحرم عليه باللعان تحريمًا مؤبدًا، فلا تحل له، وإن أكذب نفسه، في ظاهر المذهب.
ولا خلاف بين أهل العلم، في أنَّه إذا لم يكذب نفسه لا تحل له، إلَّا أن يكون قولًا شاذًا، وأمَّا إذا أكذب نفسه، فالذي رواه الجماعة عن أحمد، أنَّها لا تحل له أيضًا.
وجاءت الأخبار عن عمر بن الخطاب، وعلي بن أبي طالب، وابن مسعود ﵃، أنَّ المتلاعنين لا يجتمعان أبدًا.
وبه قال الحسن، وعطاء، وجابر بن زيد، والنخعي، والزهري، والحكم، ومالك، والثوري، والأوزاعي، والشافعي، وأبو عبيد، وأبو ثور، وأبو يوسف.
وعن أحمد رواية أخرى: إن أكذب نفسه، حلت له، وعاد فراشه بحاله. وهي رواية شاذة شذ بها حنبل عن أصحابه.
قال أبو بكر: لا نعلم أحدًا رواها غيره.
وينبغي أن تحمل هذه الرواية على ما إذا لم يفرق بينهما الحاكم، فأمَّا مع تفريق الحاكم بينهما، فلا وجه لبقاء النكاح بحاله، وقد ذكرنا أن مذهب البتي، أنَّ اللعان لا يتعلق به فرقة.
[ ١٠ / ٣٠٩ ]
وعن سعيد بن المسيب: إن أكذب نفسه، فهو خاطب من الخطاب، وبه قال أبو حنيفة، ومحمد بن الحسن؛ لأنَّ فرقة اللعان عندهما طلاق.
وقال سعيد بن جبير: إن أكذب نفسه، ردت إليه ما دامت في العدة.
ولنا ما روى سهل بن سعد، قال: مضت السنة في المتلاعنين أن يفرق بينهما، ثم لا يجتمعان أبدًا.
رواه الجوزجاني، في كتابه بإسناده.
وروي مثل هذا عن الزهري ومالك، ولأنَّه تحريم لا يرتفع قبل الحد والتكذيب، فلم يرتفع بهما، كتحريم الرضاع» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ بَطَّالٍ ﵀ فِي [شَرْحِ الْبُخَارِي] (٧/ ٤٧٧):
«وذكر جمهور العلماء أنَّ المتلاعنين لا يتناكحان أبدًا، وإن أكذب نفسه جلد الحد ولحق به الولد ولم ترجع إليه أبدًا. قال مالك: وعلى هذا السنة التي لا شك فيها ولا اختلاف، ذكر ابن المنذر، عن عطاء، أنَّ الملاعن إذا أكذب نفسه بعد اللعان لم يحد. وقال: قد تفرقا بلعنة من الله. وقال أبو حنيفة ومحمد: إذا أكذب نفسه
[ ١٠ / ٣١٠ ]
جلد الحد ولحق به الولد، وكان خاطبًا من الخطاب إن شاء، وهو قول سعيد بن المسيب، والحسن، وسعيد بن جبير، وحجة هؤلاء الإجماع على أنَّه إن أكذب نفسه جلد الحد ولحق به الولد، قالوا: فيعود النكاح حلالًا كما عاد الولد؛ لأنَّه لا فرق بين شيء من ذلك. وحجة الجماعة في أنَّهما لا يجتمعان أبدًا أن النبي ﷺ فرق بين المتلاعنين، وقال: "لا سبيل لك عليها"، ولم يقل له: إلَّا أن تكذب نفسك، فكان كالتحريم المؤبد في الأمهات ومن ذكر معهن، وهذا شأن كل تحريم مطلق التأبيد، ألا ترى أنَّ المطلق ثلاثًا لما لم يكن تحريمه تأبيدًا أوقع فيه الشرط بنكاح زوج غيره، ولو قال: فإن طلقها فلا تحل له، لكان تحريمًا مطلقًا لا تحل له أبدًا، وقد أطلق النبي ﷺ التحريم في الملاعنة، ولم يضمنه بوقت، فهو مؤبد، فإن أكذب نفسه لحق به الولد؛ لأنَّه حق جحده ثم عاد إلى الإقرار به، وليس كذلك النكاح؛ لأنَّه حق ثبت عليه بِقَوْلِهِ: "لا سبيل لك عليها"، فلا يتهيأ له إبطاله» اهـ.
ورجح الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ مذهب الجمهور فَقَالَ فِي [زَادِ الْمَعَادِ] (٥/ ٣٩٢): «والصحيح: القول الأول الذى دلت عليه السنة الصحيحة الصريحة» اهـ.
وأمَّا تحريم البنت على من نفاها باللعان؛ فلأنَّ نفيها غير متقين، فلعلها أن تكون ابنته من حيث الواقع، والأصل في الفروج الحرمة.
[ ١٠ / ٣١١ ]
وأمَّا من يرى من أهل العلم أنَّ الزنا ينشر الحرمة في الصهر، فتكون هذه البنت بين احتمالين، الأول: أنَّها ابنته، والآخر: أنَّها ربيبته إن كان قد دخل بأمها، وكلاهما محرمان على التأبيد. والله أعلم.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْكَافِي] (٣/ ٢٦): «وتحرم المنفية باللعان لأنَّها ربيبته ولاحتمال أنَّها ابنته» اهـ.
قُلْتُ: وقد اختلف في هذه المسألة علماء الشافعية، قَالَ الْعَلَّامَةُ أَبُو إِسْحَاقَ الشِّيرَازِيُّ ﵀ فِي [الْمُهَذَّبِ] (٢/ ٤٣):
«واختلف أصحابنا في المنفية باللعان فمنهم من قال: يجوز للملاعن نكاحها لأنَّها منفية عنه فهي كالبنت من الزنا، ومنهم من قال: لا يجوز للملاعن نكاحها لأنَّها غير منفية عنه قطعًا ولهذا لو أقر بها ثبت النسب» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ فِي [رَوْضَةِ الطَّالِبِيْنَ] (٧/ ١٠٩):
«والبنت التي نفاها باللعان تحرم عليه إن كان دخل بأمها وكذا إن لم يدخل بها على الأصح» اهـ.
وَقَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كَمَا فِي [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (٣٢/ ١٣٩):
[ ١٠ / ٣١٢ ]
«وبنت الملاعنة لا تباح للملاعن عند عامة العلماء؛ وليس فيه إلَّا نزاع شاذ؛ مع أنَّ نسبها ينقطع من أبيها ولكن لو استلحقها للحقته وهما لا يتوارثان باتفاق الأئمة» اهـ.
وأمَّا تحريم أزواج النبي ﷺ، فلقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَلَا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَدًا إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: ٥٣].
وقال الله تعالى: ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ﴾ [الأحزاب: ٦].
وأمَّا المحرمات على التوقيت فهنَّ: أخت الزوجة وعمتها وخالتها، وزواج الخامسة، والمشركة، والزانية، والمتزوجة ما عدا المسبية، والمعتدة من غيره، أو المستبرأة من غيره قبل استبرائها، والمحرمة، والأمة في حق القادر على نكاح الحرة، أو من لم يخش على نفسه العنت.
قُلْتُ: أمَّا تحريم الجمع بين المرأة وأختها فلقول الله تعالى: ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [النساء: ٢٣].
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (١٥/ ١٠٣):
[ ١٠ / ٣١٣ ]
«والمذكور في الكتاب الجمع بين الأختين سواء كانتا من نسب أو رضاع، حرتين كانتا أو أمتين أو حرة وأمة، من أبوين كانتا أو من أب أو أم، وسواء في هذا ما قبل الدخول أو بعده، لعموم الآية» اهـ.
وأمَّا الجمع بين المرأة وعمتها، أو خالتها، فلما رواه البخاري (٥١٠٩)، ومسلم (١٤٠٨) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «لَا يُجْمَعُ بَيْنَ المَرْأَةِ وَعَمَّتِهَا، وَلَا بَيْنَ المَرْأَةِ وَخَالَتِهَا».
وليس في هذه المسألة نزاع بين أهل العلم، ونازع في ذلك من لا يلتفت لقوله كالروافض وغيرهم.
ويدخل في العمات والخالات القريبات منهن والبعيدات كعمة الأب والجد وخالتهما مهما ارتفعتا، وهكذا خالة الأم وعمتها، وخالة الجدة وعمتها مهما ارتفعت.
وَقَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كَمَا فِي [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (٣٢/ ٦٩):
«و"الضابط" في هذا: أنَّ كل امرأتين بينهما رحم محرم فإنَّه يحرم الجمع بينهما بحيث لو كانت إحداهما ذكرًا لم يجز له التزوج بالأخرى؛ لأجل النسب» اهـ.
[ ١٠ / ٣١٤ ]
قُلْتُ: وَقَوْلُهُ: «لأجل النسب». لإخراج ما كان من جهة الصهر كالجمع بين المرأة وبنت زوجها السابق.
قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كَمَا فِي [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (٣٢/ ٧٢): «فإنَّ هاتين المرأتين وإن كانت إحداهما تحرم على الأخرى فذاك تحريم بالمصاهرة لا بالرحم؛ والمعنى إنَّما كان بتحريم قطيعة الرحم؛ فلم يدخل في آية التحريم لا لفظًا ولا معنى» اهـ.
ويدخل في ذلك الجمع إذا كان عن طريق التسري.
قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كَمَا فِي [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (٣٢/ ٧١ - ٧٢):
«بخلاف الجمع بين الأختين؛ فإنَّه إنَّما كان دفعًا لقطيعة الرحم بينهما وهذا المعنى موجود بين المملوكتين كما يوجد في الزوجتين، فإذا جمع بينهما بالتسري حصل بينهما من التغاير ما يحصل إذا جمع بينهما في النكاح فيفضي إلى قطيعة الرحم. ولما كان هذا المعنى هو المؤثر في الشرع جاز له أن يجمع بين المرأتين إذا كان بينهما حرمة بلا نسب أو نسب بلا حرمة. فالأول مثل أن يجمع بين المرأة وابنة زوجها. كما جمع عبد الله بن جعفر لما مات علي بن أبي طالب بين امرأة علي وابنته. وهذا
[ ١٠ / ٣١٥ ]
يباح عند أكثر العلماء الأئمة الأربعة وغيرهم. فإنَّ هاتين المرأتين وإن كانت إحداهما تحرم على الأخرى فذاك تحريم بالمصاهرة لا بالرحم؛ والمعنى إنَّما كان بتحريم قطيعة الرحم؛ فلم يدخل في آية التحريم لا لفظًا ولا معنى. وأمَّا إذا كان بينهما رحم غير محرم: مثل بنت العم والخال: فيجوز الجمع بينهما؛ لكن هل يكره؟ فيه قولان: هما روايتان عن أحمد؛ لأنَّ بينهما رحمًا غير محرم» اهـ.
وَقَالَ ﵀ قَبْلَ ذَلِكَ (٣٢/ ٦٩): «فمن حرم جمعهما في النكاح حرم جمعهما في التسري فليس له أن يتسرى الأختين ولا الأمة وعمتها؛ والأمة وخالتها. وهذا هو الذي استقر عليه قول أكثر الصحابة؛ وهو قول أكثر العلماء» اهـ.
قُلْتُ: وخالفت الظاهرية فأجازت الجمع بين الأختين بملك اليمين.
قَالَ الْإِمَامُ الشَّافِعِيُّ ﵀ فِي [الْأُمِّ] (٥/ ٣ - ٤):
«وَلَوْ كَانَ لِرَجُلٍ جَارِيَةٌ يَطَؤُهَا فَأَرَادَ وَطْءَ أُخْتِهَا لَمْ يَجُزْ لَهُ وَطْءُ الَّتِي أَرَادَ أَنْ يَطَأَ حَتَّى يَحْرُمَ عَلَيْهِ فَرْجُ الَّتِي كَانَ يَطَأُ بِنِكَاحٍ أَوْ كِتَابَةٍ أَوْ خُرُوجٍ مِنْ مِلْكِهِ، فَإِذَا فَعَلَ بَعْضَ هَذَا ثُمَّ وَطِئَ الْأُخْتَ ثُمَّ عَجَزَتْ الْمُكَاتَبَةُ أَوْ رُدَّتْ الْمَنْكُوحَةُ كَانَتْ الَّتِي أُبِيحَ لَهُ فَرْجُهَا أَوَّلًا ثُمَّ حَرُمَتْ عَلَيْهِ غَيْرَ حَلَالٍ لَهُ حَتَّى يَحْرُمَ فَرْجُ الَّتِي وَطِئَ
[ ١٠ / ٣١٦ ]
بَعْدَهَا كَمَا حَرُمَ فَرْجُهَا قَبْلَ أَنْ يَطَأَ أُخْتَهَا ثُمَّ هَكَذَا أَبَدًا، وَسَوَاءٌ وَلَدَتْ لَهُ الَّتِي وَطِئَ أَوَّلًا وَآخِرًا أَوْ لَمْ تَلِدْ لِأَنَّهُ فِي كِلْتَا الْحَالَتَيْنِ إنَّمَا يَطَؤُهَا بِمِلْكِ الْيَمِينِ» اهـ.
قُلْتُ: أمَّا الجمع بينهما من غير وطء فيجوز.
قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كَمَا فِي [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (٣٢/ ٦٩): «ويجوز له أن يملكهما؛ لكن ليس له أن يتسراهما» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ الْقُرْطُبِيُّ ﵀ فِي [تَفْسِيْرِهِ] (٥/ ١١٧):
«وَلَا خِلَافَ فِي جَوَازِ جَمْعِهِمَا فِي الْمِلْكِ، وَكَذَلِكَ الْأُمُّ وَابْنَتُهَا» اهـ.
وأجاز الشافعي لمن وطئ جارية بملك اليمين أن يتزوج أختها لكن لا يستمر بعد ذلك في وطء الجارية.
قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِ ﵀ فِي [الْاسْتِذْكَارِ] (٥/ ٤٨٩):
«وقال الأوزاعي إذا وطئ جَارِيَةً لَهُ بِمِلْكِ الْيَمِينِ لَمْ يَجُزْ لَهُ أَنْ يَتَزَوَّجَ أُخْتَهَا
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ مِلْكُ الْيَمِينِ لَا يَمْنَعُ نِكَاحَ الْأُخْتِ» اهـ.
قَالَ الْإِمَامُ الشَّافِعِيُّ ﵀ فِي [الْأُمِّ] (٥/ ٤):
«فَلَوْ كَانَتْ لِرَجُلٍ جَارِيَةٌ يَطَؤُهَا فَوَلَدَتْ لَهُ أَوْ لَمْ تَلِدْ حَتَّى يَنْكِحَ أُخْتَهَا كَانَ النِّكَاحُ ثَابِتًا وَحَرُمَ عَلَيْهِ فَرْجُ الْأُخْتِ بِالْوَطْءِ مَا كَانَتْ أُخْتُهَا زَوْجَةً لَهُ، وَأَحَبُّ إلَيَّ لَوْ حَرَّمَ
[ ١٠ / ٣١٧ ]
فَرْجَ أُخْتَهَا الْمَمْلُوكَةِ حِينَ يَعْقِدُ نِكَاحَ أُخْتِهَا بِالنِّكَاحِ أَوْ قَبْلَهُ بِكِتَابَةٍ أَوْ عِتْقٍ أَوْ أَنْ يُزَوِّجَهَا وَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ لَمْ أُجْبِرْهُ عَلَى ذَلِكَ وَلَا عَلَى بَيْعِهَا وَنَهَيْته عَنْ وَطْئِهَا كَمَا لَا أُجْبِرُهُ عَلَى بَيْعِ جَارِيَةٍ لَهُ وَطِئَ ابْنَتَهَا وَأَنْهَاهُ عَنْ وَطْئِهَا.
وَلَوْ كَانَتْ عِنْدَهُ أَمَةٌ زَوْجَةٌ فَتَزَوَّجَ أُخْتَهَا حُرَّةً كَانَ نِكَاحُ الْآخِرَةِ مَفْسُوخًا.
فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: مَا الْفَرْقُ بَيْنَ الْوَطْءِ بِالْمِلْكِ وَالنِّكَاحِ؟ قِيلَ لَهُ النِّكَاحُ يُثْبِتُ لِلرَّجُلِ حَقًّا عَلَى الْمَرْأَةِ وَلِلْمَرْأَةِ حَقًّا عَلَى الرَّجُلِ وَمِلْكُ عُقْدَةِ النِّكَاحِ يَقُومُ فِي تَحْرِيمِ الْجَمْعِ بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ مَقَامَ الْوَطْءِ فِي الْأَمَتَيْنِ» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ الْجُوَيْنِيُّ ﵀ فِي [نِهَايَةِ الْمَطْلَبِ فِي دِرَايَةِ الْمَذْهَبِ] (١٢/ ٢٣٥):
«إذا وطئ جارية بملك اليمين، ثم نكح أختها الحرة، انعقد النكاح عليها، وحلّت المنكوحة، وحرمت الموطوءة بملك اليمين؛ وذلك لقوة النكاح وسلطانه فيما يتعلق بإحلال البضع، وإذا انعقد النكاح، فمن ضرورة انعقاده إفادته للحل، وهذا معنى قول الأصحاب: النكاح أقوى من الوطء بملك اليمين؛ فإن الحكم للنكاح، سابقًا كان أو مسبوقًا» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٧/ ١٢٧):
[ ١٠ / ٣١٨ ]
«فَصْلٌ: وَإِنْ وَطِئَ أَمَتَهُ، ثُمَّ أَرَادَ نِكَاحَ أُخْتِهَا، فَقَدْ سُئِلَ أَحْمَدُ عَنْ هَذَا، فَقَالَ: لَا يَجْمَعُ بَيْن الْأُخْتَيْنِ الْأَمَتَيْنِ. فَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ أَرَادَ أَنَّ النِّكَاحَ لَا يَصِحُّ. وَهِيَ إحْدَى الرِّوَايَاتِ عَنْ مَالِكٍ. قَالَ الْقَاضِي: هُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ؛ لِأَنَّ النِّكَاحَ تَصِيرُ بِهِ الْمَرْأَةُ فِرَاشًا، فَلَمْ يَجُزْ أَنْ تَرِدَ عَلَى فِرَاشِ الْأُخْتِ، كَالْوَطْءِ، وَلِأَنَّهُ فَعَلَ فِي الْأُخْتِ مَا يُنَافِي إبَاحَةَ أُخْتِهَا الْمُفْتَرَشَةِ، فَلَمْ يَجُزْ، كَالْوَطْءِ. وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَصِحَّ النِّكَاحُ، وَلَا تُبَاحُ الْمَنْكُوحَةُ حَتَّى تُحَرَّمَ أُخْتُهَا. وَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ.
قَالَ أَبُو الْخَطَّابِ: وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ؛ لِأَنَّهُ سَبَبٌ يُسْتَبَاحُ بِهِ الْوَطْءُ، فَجَازَ أَنْ يَرِدَ عَلَى وَطْءِ الْأُخْتِ، وَلَا يُبِيحُ كَالشِّرَاءِ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: يَصِحُّ النِّكَاحُ، وَتَحِلُّ لَهُ الْمَنْكُوحَةُ، وَتُحَرَّمُ أُخْتُهَا؛ لِأَنَّ النِّكَاحَ أَقْوَى مِنْ الْوَطْءِ بِمِلْكِ الْيَمِينِ فَإِذَا اجْتَمَعَا وَجَبَ تَقْدِيمُ الْأَقْوَى. وَوَجْهُ الْأَوَّلِ مَا ذَكَرْنَا، وَلِأَنَّ وَطْءَ مَمْلُوكَتِهِ مَعْنًى يُحَرِّمُ أُخْتَهَا لِعِلَّةِ الْجَمْعِ، فَمَنَعَ صِحَّةَ نِكَاحِهَا كَالزَّوْجِيَّةِ، وَيُفَارِقُ الشِّرَاءَ، فَإِنَّهُ لَا يُقْصَدُ بِهِ الْوَطْءُ، وَلِهَذَا صَحَّ شِرَاءُ الْأُخْتَيْنِ، وَمَنْ لَا يَحِلُّ لَهُ.
وَقَوْلُهُمْ: النِّكَاحُ أَقْوَى مِنْ الْوَطْءِ بِمِلْكِ الْيَمِينِ. مَمْنُوعٌ. وَإِنْ سُلِّمَ، فَالْوَطْءُ أَسْبَقُ، فَيُقَدَّمُ وَيَمْنَعُ صِحَّةَ مَا يَطْرَأُ عَلَيْهِ مِمَّا يُنَافِيه، كَالْعِدَّةِ تَمْنَعُ ابْتِدَاءَ نِكَاحِ الْأُخْتِ،
[ ١٠ / ٣١٩ ]
وَكَذَلِكَ وَطْءُ الْأَمَةِ يُحَرِّمُ نِكَاحَ ابْنَتِهَا وَأُمِّهَا، وَلِأَنَّ هَذَا بِمَنْزِلَةِ نِكَاحِ الْأُخْتِ فِي عِدَّةِ أُخْتِهَا، لِكَوْنِهِ لَمْ يَسْتَبْرِئْ الْمَوْطُوءَةَ» اهـ.
قُلْتُ: الأظهر أنَّه لا يحل له أن ينكح أختها حتى يحرمها على نفسه بالفعل كأن يعتقها أو يزوجها أو يهبها.
وإذا طلق المرأة طلاقًا بائنًا فهل له أن يتزوج بأختها في أثناء عدة من طلقها؟
في ذلك نزاع بين العلماء في الصحابة ومن بعدهم، وذهب أحمد إلى المنع في الطلاق البائن والفسخ، وخالفه جمهور الفقهاء فأجازوا ذلك وهو الصحيح لأنَّ النكاح زال بالكلية فلا معنى للمنع.
وهل يدخل في ذلك الجمع إذا كان عن طريق الرضاع في ذلك نزاع بين أهل العلم، والأكثر على دخوله ومنهم من حكى الإجماع على تحريمه.
وقد خالف في ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه العلامة ابن القيم رحمهما الله تعالى.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [زَادِ الْمَعَادِ] (٥/ ٥٥٨ - ٥٥٩):
«والله تعالى إنَّما حرم الجمع بين الأختين، وبين المرأة وعمتها، وبينها وبين خالتها، لئلا يفضى إلى قطيعة الرحم المحرمة. ومعلوم أنَّ الأختين من الرضاع ليس بينهما
[ ١٠ / ٣٢٠ ]
رحم محرمة في غير النكاح، ولا ترتب على ما بينهما من أخوة الرضاع حكم قط غير تحريم أحدهما على الآخر، فلا يعتق عليه بالملك، ولا يرثه، ولا يستحق النفقة عليه، ولا يثبت له عليه ولاية النكاح ولا الموت، ولا يعقل عنه، ولا يدخل في الوصية والوقف على أقاربه وذوى رحمه، ولا يحرم التفريق بين الأم وولدها الصغير من الرضاعة، ويحرم من النسب، والتفريق بينهما في الملك كالجمع بينهما في النكاح سواء، ولو ملك شيئًا من المحرمات بالرضاع، لم يعتق عليه بالملك، وإذا حرمت على الرجل أمه وبنته وأخته وعمته وخالته من الرضاعة، لم يلزم أن يحرم عليه أم امرأته التي أرضعت امرأته، فإنَّه لا نسب بينه وبينها، ولا مصاهرة، ولا رضاع، والرضاعة إذا جعلت كالنسب في حكم لا يلزم أن تكون مثله في كل حكم، بل ما افترقا فيه من الأحكام أضعاف ما اجتمعا فيه منها، وقد ثبت جواز الجمع بين اللتين بينهما مصاهرة محرمة، كما جمع عبد الله بن جعفر بين امرأة على وابنته من غيرها. وإن كان بينهما تحريم يمنع جواز نكاح أحدها للآخر لو كان ذكرًا، فهذا نظير الأختين من الرضاعة سواء، لأنَّ سبب تحريم النكاح بينهما في أنفسهما، ليس بينهما وبين الأجنبي منهما الذى لا رضاع بينه وبينهما ولا صهر، وهذا مذهب الأئمة الأربعة وغيرهم. واحتج أحمد بأنَّ عبد الله بن جعفر جمع بين
[ ١٠ / ٣٢١ ]
امرأة على وابنته، ولم ينكر ذلك أحد، قال البخاري: وجمع الحسن بن الحسن بن على، بين بنتي عم في ليلة، وجمع عبد الله بن جعفر بين امرأة على وابنته، وقال ابن شبرمة: لا بأس به، وكرهه الحسن مرة ثم قال: لا بأس به. وكرهه جابر بن زيد للقطيعة، وليس فيه تحريم، لقوله ﷿: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذلِكُم﴾ هذا كلام البخاري.
وبالجملة: فثبوت أحكام النسب من وجه لا يستلزم ثبوتها من كل وجه، أو من وجه آخر، فهؤلاء نساء النبي ﷺ هن أمهات المؤمنين في التحريم والحرمة فقط، لا في المحرمية، فليس لأحد أن يخلو بهن ولا ينظر إليهن، بل قد أمرهن الله بالاحتجاب عمن حرم عليه نكاحهن من غير أقاربهن، ومن بينهن وبينه رضاع، فقال تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْألُوهُنَّ مِنْ وراءِ حِجَابٍ﴾ ثم هذا الحكم لا يتعدى إلى أقاربهن البتة، فليس بناتهن أخوات المؤمنين يحرمن على رجالهم، ولا بنوهن إخوة لهم يحرم عليهن بناتهن، ولا أخواتهن وإخوتهن خالات وأخوالا، بل هن حلال للمسلمين باتفاق المسلمين» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ الْمَرْدَاوِي ﵀ فِي [الْإِنْصَافِ] (٨/ ١٢٢):
[ ١٠ / ٣٢٢ ]
«الثَّانِيَةُ: قَوْلُهُ (فَيَحْرُمُ الْجَمْعُ بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ وَبَيْنَ الْمَرْأَةِ وَعَمَّتِهَا، أَوْ خَالَتِهَا). بِلَا نِزَاعٍ. وَسَوَاءٌ كَانَتْ الْعَمَّةُ وَالْخَالَةُ حَقِيقَةً أَوْ مَجَازًا. كَعَمَّاتِ آبَائِهَا. وَخَالَاتِهِمْ، وَعَمَّاتِ أُمَّهَاتِهَا وَخَالَاتِهِنَّ. وَإِنْ عَلَتْ دَرَجَتُهُنَّ، وَلَوْ رَضِيَتَا، مِنْ نَسَبٍ أَوْ رَضَاعٍ. وَخَالَفَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ ﵀ فِي الرَّضَاعِ. فَلَمْ يُحَرِّمْ الْجَمْعَ مَعَ الرَّضَاعِ» اهـ.
قُلْتُ: هنالك من ادعى الإجماع على حرمة الجمع بين الأختين من الرضاع.
قَالَ فِي [طَرْحِ الْتَثْرِيْبِ] (٧/ ٣٢):
«(الْخَامِسَةُ) فِي مَعْنَى عَمَّةِ النَّسَبِ وَخَالَتِهِ عَمَّةِ الرَّضَاعِ وَخَالَتُهُ لِقَوْلِهِ ﵊ "يَحْرُمُ مِنْ الرَّضَاعَةِ مَا يَحْرُمُ مِنْ النَّسَبِ" وَهَذَا مُجْمَعٌ عَلَيْهِ أَيْضًا، وَقَدْ ضَبَطَ الْفُقَهَاءُ مِنْ أَصْحَابِنَا وَغَيْرِهِمْ ذَلِكَ بِقَوْلِهِمْ: يَحْرُمُ الْجَمْعُ بَيْنَ كُلِّ امْرَأَتَيْنِ بَيْنَهُمَا قَرَابَةٌ أَوْ رَضَاعٌ لَوْ كَانَتْ إحْدَاهُمَا ذَكَرًا لَحَرُمَتْ الْمُنَاكَحَةُ بَيْنَهُمَا وَقَصَدُوا بِقَيْدِ الْقَرَابَةِ وَالرَّضَاعِ الِاحْتِرَازَ عَنْ الْجَمْعِ بَيْنَ الْمَرْأَةِ وَأُمِّ زَوْجِهَا وَبِنْتِ زَوْجِهَا فَإِنَّ هَذَا الْجَمْعَ غَيْرُ مُحَرَّمٍ، وَإِنْ كَانَ يَحْرُمُ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا لَوْ كَانَ أَحَدُهُمَا ذَكَرًا لَكِنَّهُ لَيْسَ بِقَرَابَةٍ وَلَا رَضَاعٍ بَلْ بِمُصَاهَرَةٍ وَلَيْسَ فِيهَا رَحِمٌ يُحْذَرُ قَطْعُهَا بِخِلَافِ الرَّضَاعِ وَالْقَرَابَةِ، وَهَذَا الَّذِي ذَكَرْته مِنْ الْإِبَاحَةِ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ هُوَ قَوْلُ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ وَجُمْهُورِ
[ ١٠ / ٣٢٣ ]
السَّلَفِ، وَقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ رَوَيْنَا عَنْ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ وَعِكْرِمَةَ أَنَّهُمَا كَرِهَا ذَلِكَ فَأَمَّا الْحَسَنُ فَقَدْ ثَبَتَ عَنْهُ رُجُوعُهُ عَنْ هَذَا، وَأَمَّا إسْنَادُ حَدِيثِ عِكْرِمَةَ فَفِيهِ مَقَالٌ وَحَكَاهُ النَّوَوِيُّ وَالْقُرْطُبِيُّ عَنْ الْحَسَنِ وَعِكْرِمَةَ وَابْنِ أَبِي لَيْلَى وَذَكَرَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ عَنْ الشَّعْبِيِّ أَنَّهُ قَالَ: كُلُّ امْرَأَتَيْنِ إذَا جَعَلْت مَوْضِعَ إحْدَاهُمَا ذَكَرًا لَمْ يَجُزْ أَنْ تَتَزَوَّجَ بِالْأُخْرَى فَالْجَمْعُ بَيْنَهُمَا بَاطِلٌ فَقِيلَ لَهُ: عَمَّنْ هَذَا؟ فَقَالَ: عَنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ تَفْسِيرُهُ عِنْدَنَا أَنْ يَكُونَ مِنْ النَّسَبِ وَلَا يَكُونُ بِمَنْزِلَةِ امْرَأَةٍ وَابْنَةِ زَوْجِهَا يَجْمَعُ بَيْنَهُمَا إنْ شَاءَ» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٧/ ١١٣):
«الضَّرْبُ الثَّانِي: تَحْرِيمُ الْجَمْعِ. وَالْمَذْكُورُ فِي الْكِتَابِ الْجَمْعُ بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ سَوَاءٌ كَانَتَا مِنْ نَسَبٍ أَوْ رَضَاعٍ، حُرَّتَيْنِ كَانَتَا أَوْ أَمَتَيْنِ أَوْ حُرَّةً وَأَمَةً، مِنْ أَبَوَيْنِ كَانَتَا أَوْ مِنْ أَبٍ أَوْ أُمٍّ، وَسَوَاءٌ فِي هَذَا مَا قَبْلَ الدُّخُولِ أَوْ بَعْدَهُ، لِعُمُومِ الْآيَةِ. فَإِنْ تَزَوَّجَهُمَا فِي عَقْدٍ وَاحِدٍ فَسَدَ؛ لِأَنَّهُ لَا مَزِيَّةَ لِإِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى، وَسَوَاءٌ عَلِمَ بِذَلِكَ حَالَ الْعَقْدِ أَوْ بَعْدَهُ، فَإِنْ تَزَوَّجَ إحْدَاهُمَا بَعْدَ الْأُخْرَى فَنِكَاحُ الْأُولَى صَحِيحٌ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَحْصُلْ فِيهِ جَمْعٌ، وَنِكَاحُ الثَّانِيَةِ بَاطِلٌ؛ لِأَنَّ بِهِ يَحْصُلُ الْجَمْعُ، وَلَيْسَ فِي هَذَا - بِحَمْدِ اللَّهِ - اخْتِلَافٌ وَلَيْسَ عَلَيْهِ تَفْرِيعٌ» اهـ.
[ ١٠ / ٣٢٤ ]
قُلْتُ: وهؤلاء احتجوا بعموم الآية في النهي عن الجمع بين الأختين، وبقوله ﷺ: «يَحْرُمُ مِنَ الرَّضَاعِ مَا يَحْرُمُ مِنَ النَّسَبِ». والجمع بين الأختين من النسب محرم فهكذا الرضاع.
وهذا القول هو الصحيح باعتبار الحجة، والله أعلم.
قُلْتُ: وخلاصة القول: أنَّ تحريم الجمع يكون بين امرأتين بينهنَّ حرمة ورحم كالجمع بين المرأة وبين أختها، وبينها وبين عمتها أو خالتها، وأمَّا إذا وجدت الحرمة من غير رحم فلا يحرم الجمع، كالجمع بين المرأة وبنت زوجها من غيرها، وهكذا إذا وجد الرحم من غير حرمة فيجوز الجمع، كالجمع بين بنتي العم، أو العمة، وبنتي الخال، أو الخالة، والجمع بين بنت العم أو العمة، وبين بنت الخال أو الخالة. والرضاع ملحق بذلك.
وأمَّا تحريم الخامسة فلقول الله تعالى: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ﴾ [النساء: ٣].
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ الْقُرْطُبِي ﵀ فِي [تَفْسِيْرِهِ] (٥/ ١٧ - ١٨):
«اعْلَمْ أَنَّ هَذَا الْعَدَدَ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ لَا يَدُلُّ عَلَى إِبَاحَةِ تِسْعٍ، كَمَا قال مَنْ بَعُدَ فَهْمُهُ لِلْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، وَأَعْرَضَ عَمَّا كَانَ عَلَيْهِ سَلَفُ هَذِهِ الْأُمَّةِ، وَزَعَمَ أَنَّ الْوَاوَ
[ ١٠ / ٣٢٥ ]
جَامِعَةٌ، وَعَضَّدَ ذَلِكَ بِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَكَحَ تِسْعًا، وَجَمَعَ بَيْنَهُنَّ فِي عِصْمَتِهِ. وَالَّذِي صَارَ إِلَى هَذِهِ الْجَهَالَةِ، وَقَالَ هَذِهِ الْمَقَالَةَ الرَّافِضَةُ وَبَعْضُ أَهْلِ الظَّاهِرِ، فَجَعَلُوا مَثْنَى مِثْلَ اثْنَيْنِ، وَكَذَلِكَ ثُلَاثَ وَرُبَاعَ. وَذَهَبَ بَعْضُ أَهْلِ الظَّاهِرِ أَيْضًا إِلَى أَقْبَحَ مِنْهَا، فَقَالُوا بِإِبَاحَةِ الْجَمْعِ بَيْنَ ثَمَانِ عَشْرَةَ، تَمَسُّكًا مِنْهُ بِأَنَّ الْعَدْلَ فِي تِلْكَ الصِّيَغِ يُفِيدُ التَّكْرَارَ وَالْوَاوُ لِلْجَمْعِ، فَجَعَلَ مَثْنَى بِمَعْنَى اثْنَيْنِ اثْنَيْنِ وَكَذَلِكَ ثُلَاثَ وَرُبَاعَ. وَهَذَا كُلُّهُ جَهْلٌ بِاللِّسَانِ وَالسُّنَّةِ، وَمُخَالَفَةٌ لِإِجْمَاعِ الْأُمَّةِ، إِذْ لَمْ يُسْمَعْ عَنْ أَحَدٍ مِنَ الصَّحَابَةِ وَلَا التَّابِعِينَ أَنَّهُ جَمَعَ فِي عِصْمَتِهِ أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعٍ».
إِلَى أَنْ قَالَ ﵀: «وَأَمَّا قَوْلُهُمْ: إِنَّ الْوَاوَ جَامِعَةٌ، فَقَدْ قِيلَ ذَلِكَ، لَكِنَّ اللَّهَ تَعَالَى خَاطَبَ الْعَرَبَ بِأَفْصَحِ اللُّغَاتِ. وَالْعَرَبُ لَا تَدَعُ أَنْ تَقُولَ تِسْعَةً وَتَقُولُ اثْنَيْنِ وَثَلَاثَةً وَأَرْبَعَةً. وَكَذَلِكَ تَسْتَقْبِحُ مِمَّنْ يَقُولُ: أَعْطِ فُلَانًا أَرْبَعَةً سِتَّةً ثَمَانِيَةً، وَلَا يَقُولُ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ. وَإِنَّمَا الْوَاوُ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ بَدَلٌ، أَيِ انْكِحُوا ثَلَاثًا بَدَلًا مِنْ مَثْنَى، وَرُبَاعَ بَدَلًا مِنْ ثَلَاثٍ، وَلِذَلِكَ عَطَفَ بِالْوَاوِ وَلَمْ يَعْطِفْ بِأَوْ. وَلَوْ جَاءَ بِأَوْ لَجَازَ أَلَّا يَكُونَ لِصَاحِبِ الْمَثْنَى ثُلَاثُ، وَلَا لِصَاحِبِ الثُّلَاثِ رُبَاعُ. وَأَمَّا قَوْلُهُمْ: إِنَّ مَثْنَى تَقْتَضِي اثْنَيْنِ، وَثُلَاثَ ثَلَاثَةً، وَرُبَاعَ أَرْبَعَةً، فَتَحَكُّمٌ بِمَا لَا يُوَافِقُهُمْ أَهْلُ اللِّسَانِ عَلَيْهِ، وَجَهَالَةٌ مِنْهُمْ. وَكَذَلِكَ جَهْلُ الْآخَرِينَ، بِأَنَّ مَثْنَى تَقْتَضِي اثْنَيْنِ اثْنَيْنِ،
[ ١٠ / ٣٢٦ ]
وَثُلَاثَ ثَلَاثَةً ثَلَاثَةً، وَرُبَاعَ أَرْبَعَةً أَرْبَعَةً، وَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اثْنَيْنِ اثْنَيْنِ، وَثَلَاثًا ثَلَاثًا، وَأَرْبَعًا أَرْبَعًا، حَصْرٌ لِلْعَدَدِ. وَمَثْنَى وَثُلَاثُ وَرُبَاعُ بِخِلَافِهَا. فَفِي الْعَدَدِ الْمَعْدُولِ عِنْدَ الْعَرَبِ زِيَادَةُ مَعْنَى لَيْسَتْ فِي الْأَصْلِ، وَذَلِكَ أَنَّهَا إِذَا قَالَتْ: جَاءَتِ الْخَيْلُ مَثْنَى، إِنَّمَا تَعْنِي بِذَلِكَ اثْنَيْنِ اثْنَيْنِ، أَيْ جَاءَتْ مُزْدَوِجَةً. قَالَ الْجَوْهَرِيُّ: وَكَذَلِكَ مَعْدُولُ الْعَدَدِ. وَقَالَ غَيْرُهُ: إِذَا قُلْتَ جَاءَنِي قَوْمٌ مَثْنَى أَوْ ثُلَاثَ أَوْ أُحَادَ أَوْ عُشَارَ، فَإِنَّمَا تُرِيدُ أَنَّهُمْ جَاءُوكَ وَاحِدًا وَاحِدًا، أَوِ اثْنَيْنِ اثْنَيْنِ، أَوْ ثَلَاثَةً ثَلَاثَةً، أَوْ عَشَرَةً عَشَرَةً، وَلَيْسَ هَذَا الْمَعْنَى فِي الْأَصْلِ، لِأَنَّكَ إِذَا قُلْتَ جَاءَنِي قَوْمٌ ثَلَاثَةٌ ثَلَاثَةٌ، أَوْ قَوْمٌ عَشَرَةٌ عَشَرَةٌ، فَقَدْ حَصَرْتَ عِدَّةَ الْقَوْمِ بِقَوْلِكَ ثَلَاثَةً وَعَشَرَةً. فَإِذَا قُلْتَ جَاءُونِي رُبَاعَ وَثُنَاءَ فَلَمْ تَحْصُرْ عِدَّتَهُمْ. وَإِنَّمَا تُرِيدُ أَنَّهُمْ جَاءُوكَ أَرْبَعَةً أَرْبَعَةً أَوِ اثْنَيْنِ اثْنَيْنِ. وَسَوَاءٌ كَثُرَ عَدَدُهُمْ أَوْ قَلَّ فِي هَذَا الْبَابِ، فَقَصْرُهُمْ كُلَّ صِيغَةٍ عَلَى أَقَلِّ مَا تَقْتَضِيهِ بِزَعْمِهِ تَحَكُّمٌ» اهـ.
قُلْتُ: والسنة مبينة للقرآن فقد روى مالك في [الْمُوَطَّأِ] (١٢١٨) عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، أَنَّهُ قَالَ: بَلَغَنِي، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ لِرَجُلٍ مِنْ ثَقِيفٍ أَسْلَمَ وَعِنْدَهُ عَشْرُ نِسْوَةٍ، حِينَ أَسْلَمَ الثَّقَفِيُّ: «أَمْسِكْ مِنْهُنَّ أَرْبَعًا وَفَارِقْ سَائِرَهُنَّ».
[ ١٠ / ٣٢٧ ]
قُلْتُ: هَذَا مُرْسَلٌ، وقد وصله معمر عن ابن شهاب عن سالم عن ابن عمر، أخرج ذلك أحمد (٤٦٠٩، ٤٦٣١، ٥٠٢٧، ٥٥٥٨)، والترمذي (١١٢٨)، وابن ماجه (١٩٥٣).
قُلْتُ: وهم معمر، والمحفوظ رواية مالك المرسلة.
وللحديث طريق أخرى رواها الدارقطني في [سُنَنِهِ] (٣٦٩٤)، والبيهقي ﵀ في [الْكُبْرَى] (١٣٨٢٧)
مِنْ طَرِيْقِ سَيْفِ بْنِ عُبَيْدِ اللهِ الْجَرْمِيُّ، ثنا سِرَارٌ أَبُو عُبَيْدَةَ الْعَنَزِيُّ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ نَافِعٍ، وَسَالِمٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ: «أَنَّ غَيْلَانَ بْنَ سَلَمَةَ الثَّقَفِيَّ أَسْلَمَ وَعِنْدَهُ تِسْعُ نِسْوَةٍ، فَأَمَرَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ أَنْ يَخْتَارَ مِنْهُنَّ أَرْبَعًا».
قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ صَحِيْحٌ.
قُلْتُ: وأمَّا المشركة، فلقوله تعالى: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢١].
قُلْتُ: وأمَّا الزانية قبل توبتها، فلقول الله تعالى: ﴿وَالزَّانِيَةُ لَا يَنْكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النور: ٣].
[ ١٠ / ٣٢٨ ]
قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كَمَا فِي [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (٣٢/ ١٠٩ - ١٢١): «نكاح الزانية حرام حتى تتوب سواء كان زنى بها هو أو غيره. هذا هو الصواب بلا ريب وهو مذهب طائفة من السلف والخلف: منهم أحمد بن حنبل وغيره، وذهب كثير من السلف والخلف إلى جوازه وهو قول الثلاثة؛ لكن مالك يشترط الاستبراء وأبو حنيفة يجوز العقد قبل الاستبراء إذا كانت حاملًا؛ لكن إذا كانت حاملًا لا يجوز وطؤها حتى تضع، والشافعي يبيح العقد والوطء مطلقًا؛ لأنَّ ماء الزاني غير محترم وحكمه لا يلحقه نسبه. هذا مأخذه. وأبو حنيفة يفرق بين الحامل وغير الحامل؛ فإنَّ الحامل إذا وطئها استلحق ولدًا ليس منه قطعًا؛ بخلاف غير الحامل. ومالك وأحمد يشترطان "الاستبراء" وهو الصواب؛ لكن مالك وأحمد في رواية يشترطان الاستبراء بحيضة والرواية الأخرى عن أحمد هي التي عليها كثير من أصحابه كالقاضي أبي يعلى وأتباعه أنَّه لا بد من ثلاث حيض والصحيح أنَّه لا يجب إلَّا الاستبراء فقط؛ فإنَّ هذه ليست زوجة يجب عليها عدة وليست أعظم من المستبرأة التي يلحق ولدها سيدها وتلك لا يجب عليها إلَّا الاستبراء فهذه أولى. وإن قدر أنَّها حرة - كالتي أعتقت بعد وطء سيدها وأريد تزويجها إمَّا من المعتق وإمَّا من غيره - فإنَّ هذه عليها استبراء عند الجمهور ولا
[ ١٠ / ٣٢٩ ]
عدة عليها. وهذه الزانية ليست كالموطوءة بشبهة التي يلحق ولدها بالواطئ؛ مع أنَّ في إيجاب العدة على تلك نزاعًا. وقد ثبت بدلالة الكتاب وصريح السنة وأقوال الصحابة: أنَّ "المختلعة" ليس عليها إلَّا الاستبراء بحيضة؛ لا عدة كعدة المطلقة وهو إحدى الروايتين عن أحمد وقول عثمان بن عفان وابن عباس وابن عمر في آخر قوليه. وذكر مكي: أنَّه إجماع الصحابة وهو قول قبيصة بن ذؤيب وإسحاق بن راهويه وابن المنذر وغيرهم من فقهاء الحديث. وهذا هو الصحيح كما قد بسطنا الكلام على هذا في موضع آخر. فإذا كانت المختلعة لكونها ليست مطلقة ليس عليها عدة المطلقة بل الاستبراء -ويسمى الاستبراء عدة- فالموطوءة بشبهة أولى والزانية أولى.
وأيضًا: "فالمهاجرة" من دار الكفر كالممتحنة التي أنزل الله فيها: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ﴾ الآية. قد ذكرنا في غير هذا الموضع الحديث المأثور فيها وأنَّ ذلك كان يكون بعد استبرائها بحيضة مع أنَّها كانت مزوجة؛ لكن حصلت الفرقة بإسلامها واختيارها فراقه؛ لا بطلاق منه. وكذلك قَوْلُهُ: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ فكانوا إذا سبوا المرأة أبيحت بعد الاستبراء والمسبية ليس عليها إلَّا الاستبراء بالسنة واتفاق
[ ١٠ / ٣٣٠ ]
الناس وقد يسمى ذلك عدة. وفي السنن في حديث بريرة لما أعتقت: أنَّ النبي ﷺ أمر أن تعتد فلهذا قال من قال من أهل الظاهر كابن حزم: إنَّ من ليست بمطلقة تستبرأ بحيضة إلَّا هذه. وهذا ضعيف؛ فإنَّ لفظ "تعتد" في كلامهم يراد به الاستبراء كما ذكرنا سو، وقد روى ابن ماجه عن عائشة أنَّ النبي ﷺ أمرها أن تعتد بثلاث حيض فقال: كذا، لكن هذا حديث معلول أمَّا أولًا: فإنَّ عائشة قد ثبت عنها من غير وجه أنَّ العدة عندها ثلاثة أطهار وأنَّها إذا طعنت في الحيضة الثالثة حلت فكيف تروي عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّه أمرها أن تعتد بثلاث حيض والنزاع بين المسلمين من عهد الصحابة إلى اليوم في العدة: هل هي ثلاث حيض أو ثلاث أطهار؟ وما سمعنا أحدًا من أهل العلم احتج بهذا الحديث على أنَّها ثلاث حيض ولو كان لهذا أصل عن عائشة لم يخف ذلك على أهل العلم قاطبة. ثم هذه سنة عظيمة تتوافر الهمم والدواعي على معرفتها؛ لأنَّ فيها أمرين عظيمين:
أحدهما: أنَّ المعتقة تحت عبد تعتد بثلاث حيض.
والثاني: أنَّ العدة ثلاث حيض.
[ ١٠ / ٣٣١ ]
وأيضًا: فلو ثبت ذلك كان يحتج به من يرى أنَّ المعتقة إذا اختارت نفسها كان ذلك طلقة بائنة كقول مالك وغيره وعلى هذا فالعدة لا تكون إلَّا من طلاق؛ لكن هذا أيضًا قول ضعيف. والقرآن والسنة والاعتبار يدل على أنَّ الطلاق لا يكون إلَّا رجعيًا وأنَّ كل فرقة مباينة فليست من الطلقات الثلاث حتى الخلع كما قد بسط الكلام عليه في غير هذا الموضع. والمقصود هنا الكلام في "نكاح الزانية" وفيه مسألتان:
إحداهما: في استبرائها وهو عدتها وقد تقدم قول من قال: لا حرمة لماء الزاني. يقال له: الاستبراء لم يكن لحرمة ماء الأول؛ بل لحرمة ماء الثاني؛ فإنَّ الإنسان ليس له أن يستلحق ولدًا ليس منه وكذلك إذا لم يستبرئها وكانت قد علقت من الزاني.
وأيضًا: ففي استلحاق الزاني ولده إذا لم تكن المرأة فراشًا قولان لأهل العلم والنبي ﷺ قال: "الولد للفراش وللعاهر الحجر" فجعل الولد للفراش؛ دون العاهر. فإذا لم تكن المرأة فراشًا لم يتناوله الحديث وعمر ألحق أولادًا ولدوا في الجاهلية بآبائهم. وليس هذا موضع بسط هذه المسألة.
والثانية: أنَّها لا تحل حتى تتوب؛ وهذا هو الذي دل عليه الكتاب والسنة والاعتبار؛ والمشهور في ذلك آية النور قوله تعالى: ﴿الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إلَّا زَانِيَةً أَوْ
[ ١٠ / ٣٣٢ ]
مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لَا يَنْكِحُهَا إلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾، وفي السنن حديث أبي مرثد الغنوي في عناق. والذين لم يعملوا بهذه الآية ذكروا لها تأويلًا ونسخًا.
أمَّا التأويل: فقالوا المراد بالنكاح الوطء وهذا مما يظهر فساده بأدنى تأمل.
أمَّا "أولًا": فليس في القرآن لفظ نكاح إلَّا ولا بد أن يراد به العقد وإن دخل فيه الوطء أيضًا. فأمَّا أن يراد به مجرد الوطء فهذا لا يوجد في كتاب الله قط.
"وثانيها": أنَّ سبب نزول الآية إنَّما هو استفتاء النبي ﷺ في التزوج بزانية فكيف يكون سبب النزول خارجًا من اللفظ.
"الثالث": أنَّ قول القائل: الزاني لا يطأ إلَّا زانية أو الزانية لا يطؤها إلاَّ زان؛ كَقَوْلِهِ: الآكل لا يأكل إلاَّ مأكولًا والمأكول لا يأكله إلَّا آكل، والزوج لا يتزوج إلَّا بزوجة والزوجة لا يتزوجها إلَّا زوج؛ وهذا كلام ينزه عنه كلام الله.
"الرابع": أنَّ الزاني قد يستكره امرأة فيطؤها فيكون زانيًا ولا تكون زانية، وكذلك المرأة قد تزني بنائم ومكره على أحد القولين ولا يكون زانيًا.
"الخامس": أنَّ تحريم الزنا قد علمه المسلمون بآيات نزلت بمكة وتحريمه أشهر من أن تنزل هذه الآية بتحريمه.
[ ١٠ / ٣٣٣ ]
"السادس": قال: ﴿لَا يَنْكِحُهَا إلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ﴾ فلو أريد الوطء لم يكن حاجة إلى ذكر المشرك فإنَّه زان وكذلك المشركة إذا زنى بها رجل فهي زانية فلا حاجة إلى التقسيم.
"السابع": أنَّه قد قال قبل ذلك: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ فأي حاجة إلى أن يذكر تحريم الزنا بعد ذلك.
وأمَّا "النسخ" فقال سعيد بن المسيب وطائفة: نسخها قَوْلُهُ: ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ﴾، ولما علم أهل هذا القول أنَّ دعوى النسخ بهذه الآية ضعيف جدًا ولم يجدوا ما ينسخها فاعتقدوا أنَّه لم يقل بها أحد قالوا: هي منسوخة بالإجماع كما زعم ذلك أبو علي الجبائي وغيره. أمَّا على قول من يرى من هؤلاء أنَّ الإجماع ينسخ النصوص كما يذكر ذلك عن عيسى ابن أبان وغيره وهو قول في غاية الفساد مضمونه أنَّ الأمة يجوز لها تبديل دينها بعد نبيها وأنَّ ذلك جائز لهم كما تقول النصارى: أبيح لعلمائهم أن ينسخوا من شريعة المسيح ما يرونه؛ وليس هذا من أقوال المسلمين. وممن يظن الإجماع من يقول: الإجماع دل على نص ناسخ لم يبلغنا؛ ولا حديث إجماع في خلاف هذه الآية. وكل من عارض نصًا بإجماع وادعى نسخه من غير نص يعارض ذلك النص فإنَّه مخطئ في ذلك كما قد بسط
[ ١٠ / ٣٣٤ ]
الكلام على هذا في موضع آخر وبين أنَّ النصوص لم ينسخ منها شيء إلَّا بنص باق محفوظ عند الأمة. وعلمها بالناسخ الذي العمل به أهم عندها من علمها بالمنسوخ الذي لا يجوز العمل به وحفظ الله النصوص الناسخة أولى من حفظه المنسوخة. وقول من قال: هي منسوخة بِقَوْلِهِ: ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ﴾ في غاية الضعف؛ فإنَّ كونها زانية وصف عارض لها يوجب تحريمًا عارضًا: مثل كونها محرمة ومعتدة ومنكوحة للغير؛ ونحو ذلك مما يوجب التحريم إلى غاية ولو قدر أنَّها محرمة على التأبيد لكانت كالوثنية ومعلوم أنَّ هذه الآية لم تتعرض للصفات التي بها تحرم المرأة مطلقًا أو مؤقتًا؛ وإنَّما أمر بإنكاح الأيامى من حيث الجملة؛ وهو أمر بإنكاحهن بالشروط التي بينها وكما أنَّها لا تنكح في العدة والإحرام لا تنكح حتى تتوب. وقد احتجوا بالحديث الذي فيه: إنَّ امرأتي لا ترد يد لامس. فقال: "طلقها". فقال: إني أحبها. قال: "فاستمتع بها" الحديث. رواه النسائي وقد ضعفه أحمد وغيره فلا تقوم به حجة في معارضة الكتاب والسنة؛ ولو صح لم يكن صريحًا؛ فإنَّ من الناس من يؤول "اللامس" بطالب المال؛ لكنه ضعيف. لكن لفظ "اللامس" قد يراد به من مسها بيده وإن لم يطأها فإنَّ من النساء من يكون فيها تبرج وإذا نظر إليها رجل أو وضع يده عليها لم تنفر عنه. ولا تمكنه من
[ ١٠ / ٣٣٥ ]
وطئها. ومثل هذه نكاحها مكروه؛ ولهذا أمره بفراقها ولم يوجب ذلك عليه؛ لما ذكر أنَّه يحبها؛ فإنَّ هذه لم تزن ولكنها مذنبة ببعض المقدمات؛ ولهذا قال: لا ترد يد لامس: فجعل اللمس باليد فقط ولفظ "اللمس والملامسة" إذا عني بهما الجماع لا يخص باليد بل إذا قرن باليد فهو كقوله تعالى: ﴿وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ كِتَابًا فِي قِرْطَاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ﴾.
وأيضًا: فالتي تزني بعد النكاح ليست كالتي تتزوج وهي زانية؛ فإنَّ دوام النكاح أقوى من ابتدائه. وإلَّا حرام أو العدة تمنع الابتداء دون الدوام فلو قدر أنَّه قام دليل شرعي على أنَّ الزانية بعد العقد لا يجب فراقها لكان الزنا كالعدة تمنع الابتداء دون الدوام جمعًا بين الدليلين.
فإن قيل: ما معنى قَوْلِهِ: ﴿لَا يَنْكِحُهَا إلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ﴾؟
قيل: المتزوج بها إن كان مسلمًا فهو زان وإن لم يكن مسلمًا فهو كافر. فإن كان مؤمنًا بما جاء به الرسول من تحريم هذا وفعله فهو زان؛ وإن لم يكن مؤمنًا بما جاء به الرسول فهو مشرك كما كانوا عليه في الجاهلية كانوا يتزوجون البغايا. يقول: فإن تزوجتم بهنَّ كما كنتم تفعلون من غير اعتقاد تحريم ذلك فأنتم مشركون وإن اعتقدتم التحريم فأنتم زناة. لأنَّ هذه تمكن من نفسها غير الزوج من وطئها فيبقى
[ ١٠ / ٣٣٦ ]
الزوج يطؤها كما يطؤها أولئك وكل امرأة اشترك في وطئها رجلان فهي زانية؛ فإنَّ الفروج لا تحتمل الاشتراك؛ بل لا تكون الزوجة إلَّا محصنة. ولهذا لما كان المتزوج بالزانية زانيًا كان مذمومًا عند الناس؛ وهو مذموم أعظم مما يذم الذي يزني بنساء الناس ولهذا يقول في "الشتمة": سبه بالزاي والقاف. أي قال يا زوج القحبة فهذا أعظم ما يتشاتم به الناس؛ لما قد استقر عند المسلمين من قبح ذلك فكيف يكون مباحًا ولهذا كان قذف المرأة طعنًا في زوجها فلو كان يجوز له التزوج ببغي لم يكن ذلك طعنًا في الزوج ولهذا قال من قال من السلف: ما بغت امرأة نبي قط. فالله تعالى أباح للأنبياء أن يتزوجوا كافرة ولم يبح تزوج البغي لأنَّ هذه تفسد مقصود النكاح بخلاف الكافرة؛ ولهذا أباح الله للرجل أن يلاعن مكان أربعة شهداء إذا زنت امرأته وأسقط عنه الحد بلعانه؛ لما في ذلك من الضرر عليه وفي الحديث: "لا يدخل الجنة ديوث" والذي يتزوج ببغي هو ديوث وهذا مما فطر الله على ذمه وعيبه بذلك جميع عباده المؤمنين بل وغير المسلمين من أهل الكتاب وغيرهم: كلهم يذم من تكون امرأته بغيًا ويشتم بذلك ويعير به فكيف ينسب إلى شرع الإسلام إباحة ذلك وهذا لا يجوز أن يأتي به نبي من الأنبياء فضلًا عن أفضل الشرائع؛ بل يجب أن تنزه الشريعة عن مثل هذا القول الذي إذا تصوره
[ ١٠ / ٣٣٧ ]
المؤمن ولوازمه استعظم أن يضاف مثل هذا إلى الشريعة ورأى أن تنزيهها عنه أعظم من تنزيه عائشة عما قاله أهل الإفك وقد أمر الله المؤمنين أن يقولوا: ﴿سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ﴾، والنبي ﷺ إنَّما لم يفارق عائشة لأنَّه لم يصدق ما قيل أولًا ولما حصل له الشك استشار عليًا وزيد بن حارثة وسأل الجارية؛ لينظر إن كان حقًا فارقها حتى أنزل الله براءتها من السماء فذلك الذي ثبت نكاحها. ولم يقل مسلم: إنَّه يجوز إمساك بغي. وكان المنافقون يقصدون بالكلام فيها الطعن في الرسول ولو جاز التزوج ببغي لقال: هذا لا حرج علي فيه كما كان النساء أحيانًا يؤذينه حتى يهجرهن فليس ذنوب المرأة طعنًا؛ بخلاف بغائها فإنَّه طعن فيه عند الناس قاطبة ليس أحد يدفع الذم عمن تزوج بمن يعلم أنَّها بغية مقيمة على البغاء ولهذا توسل المنافقون إلى الطعن حتى أنزل الله براءتها من السماء وقد كان سعد بن معاذ لما قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: "من يعذرني من رجل بلغني أذاه في أهلي والله ما علمت على أهلي إلَّا خيرًا ولقد ذكروا رجلًا ما علمت عليه إلاَّ خيرًا" فقام: سعد بن معاذ - الذي اهتز لموته عرش الرحمن - فقال: أنا أعذرك منه: إن كان من إخواننا من الأوس ضربت عنقه وإن كان من إخواننا الخزرج أمرتنا ففعلنا فيه أمرك، فأخذت سعد بن عبادة
[ ١٠ / ٣٣٨ ]
غيرة - قالت عائشة: وكان قبل ذلك امرأً صالحًا؛ ولكن أخذته حمية؛ لأنَّ ابن أبي كان كبير قوم فقال: كذبت لعمر الله لا تقتله ولا تقدر على قتله. فقام أسيد ابن حضير: فقال: كذبت لعمر الله لنقتلنه؛ فإنَّك منافق تجادل عن المنافقين. وثار الحيان حتى نزل رسول الله ﷺ. فجعل يسكنهم. فلولا أن ما قيل في عائشة طعن في النبي ﷺ لم يطلب المؤمنون قتل من تكلم بذلك من الأوس والخزرج لقذفه لامرأته ولهذا كان من قذف أم النبي ﷺ يقتل. لأنَّه قدح في نسبه وكذلك من قذف نساءه يقتل لأنَّه قدح في دينه وإنَّما لم يقتلهم النبي ﷺ لأنَّهم تكلموا بذلك قبل أن يعلم براءتها وأنَّها من أمهات المؤمنين اللاتي لم يفارقهن عليه … إذ كان يمكن أن يطلقها فتخرج بذلك من هذه الأمومة في أظهر قولي العلماء؛ فإنَّ فيمن طلقها النبي ﷺ "ثلاثة أقوال" في مذهب أحمد وغيره:
أحدها: أنَّها ليست من أمهات المؤمنين.
والثاني: أنَّها من أمهات المؤمنين.
[ ١٠ / ٣٣٩ ]
والثالث: يفرق بين المدخول بها وغير المدخول بها. والأول أصح؛ لأنَّ النبي ﷺ لما خير نساءه بين الإمساك والفراق وكان المقصود لمن فارقها أن يتزوجها غيره. فلو كان هذا مباحًا لم يكن ذلك قدحًا في دينه.
وبالجملة فهذه المسألة في قلوب المؤمنين أعظم من أن تحتاج إلى كثرة الأدلة فإنَّ الإيمان والقرآن يحرم مثل ذلك؛ لكن لما كان قد أباح مثل ذلك كثير من علماء المسلمين - الذين لا ريب في علمهم ودينهم من التابعين ومن بعدهم وعلو قدرهم - بنوع تأويل تأولوه احتيج إلى البسط في ذلك؛ ولهذا نظائر كثيرة: يكون القول ضعيفًا جدًا وقد اشتبه أمره على كثير من أهل العلم والإيمان وسادات الناس؛ لأنَّ الله لم يجعل العصمة عند تنازع المسلمين إلَّا في الرد إلى الكتاب والسنة وكل أحد يؤخذ من قوله ويترك إلَّا رسول الله ﷺ الذي لا ينطق على الهوى.
فإن قيل: فقد قال: ﴿الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً﴾؟ قيل: هذا يدل على أنَّ الزاني الذي لم يتب لا يجوز أن يتزوج عفيفة كما هو إحدى الروايتين عن أحمد فإنَّه إذا كان يطأ هذه وهذه وهذه كما كان: كان وطؤه لهذه من جنس وطئه لغيرها من الزواني وقد قال الشعبي: من زوج كريمته من فاجر فقد قطع رحمها.
[ ١٠ / ٣٤٠ ]
وأيضًا: فإنَّه إذا كان يزني بنساء الناس كان هذا مما يدعو المرأة إلى أن تمكن منها غيره كما هو الواقع كثيرًا فلم أر من يزني بنساء الناس أو ذكران إلَّا فيحمل امرأته على أن تزني بغيره مقابلة على ذلك ومغايظة.
وأيضًا: فإذا كان عادته الزنا استغنى بالبغايا فلم يكف امرأته في الإعفاف فتحتاج إلى الزنا.
وأيضًا: فإذا زنى بنساء الناس طلب الناس أن يزنوا بنسائه كما هو الواقع. فامرأة الزاني تصير زانية من وجوه كثيرة وإن استحلت ما حرمه الله كانت مشركة؛ وإن لم تزن بفرجها زنت بعينها وغير ذلك فلا يكاد يعرف في نساء الرجل الزناة المصرين على الزنا الذين لم يتوبوا منه امرأة سليمة سلامة تامة وطبع المرأة يدعو إلى الرجال الأجانب إذا رأت زوجها يذهب إلى النساء الأجانب وقد جاء في الحديث: "بروا آباءكم تبركم أبناؤكم وعفوا تعف نساؤكم"، فقَوْلُهُ: ﴿الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إلَّا زَانِيَةً﴾ إمَّا أن يراد أن نفس نكاحه ووطئه لها زنًا أو أنَّ ذلك يفضي إلى زناها. وأمَّا الزانية فنفس وطئها مع إصرارها على الزنا زنًا». إلى آخر كلامه ﵀، وقد أفاد وأجاد، وأوفى بالمراد.
[ ١٠ / ٣٤١ ]
قُلْتُ: ومما يدل على تحريم نكاح الزانية قول الله تعالى: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ﴾ [النساء: ٢٤]، وقول الله تعالى: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ وَلَا مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ﴾ [المائدة: ٥].
قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كَمَا فِي [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (٣٢/ ١٢٣):
«ففي هاتين الآيتين اشترط أن يكون الرجال محصنين غير مسافحين بكسر الصاد. "والمحصن" هو الذي يحصن غيره؛ ليس هو المحصن بالفتح الذي يشترط في الحد. فلم يبح إلَّا تزوج من يكون محصنًا للمرأة غير مسافح ومن تزوج ببغي مع بقائها على البغاء ولم يحصنها من غيره - بل هي كما كانت قبل النكاح تبغي مع غيره - فهو مسافح بها لا محصن لها. وهذا حرام بدلالة القرآن» اهـ.
قُلْتُ: ومن الأدلة على تحريم نكاح الزانية قول الله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِكُمْ بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ مُحْصَنَاتٍ غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ وَلَا مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ﴾ [النساء: ٢٥].
[ ١٠ / ٣٤٢ ]
قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كَمَا فِي [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (٣٢/ ١٢٦):
«فاشترط في نكاحهن أن يكن محصنات غير مسافحات ولا متخذات أخدان فدل ذلك أيضًا على أنَّ الأمة التي تبغي لا يجوز تزوجها إلَّا إذا تزوجها على أنَّها محصنة يحصنها زوجها فلا تسافح الرجال ولا تتخذ صديقًا. وهذا من أبين الأمور في تحريم نكاح الأمة الفاجرة مع ما تقدم» اهـ.
قُلْتُ: ومن الأدلة على تحريم نكاح الزانية قول الله تعالى: ﴿الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ أُولَئِكَ مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ [النور: ٢٦].
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [زَادِ الْمَعَادِ] (٥/ ١١٤ - ١١٥):
«والخبيثات: الزواني. وهذا يقتضي أنَّ من تزوج بهن، فهو خبيث مثلهن.
وأيضًا: فمن أقبح القبائح أن يكون الرجل زوج بغي، وقبح هذا مستقر في فطر الخلق، وهو عندهم غاية المسبة.
وأيضًا: فإنَّ البغي لا يؤمن أن تفسد على الرجل فراشه، وتعلق عليه أولادًا من غيره، والتحريم يثبت بدون هذا» اهـ.
[ ١٠ / ٣٤٣ ]
قُلْتُ: ومن الأدلة على تحريم نكاح الزانية ما رواه أبو داود (٢٠٥١)، والنسائي (٣٢٢٨)، والترمذي (٣١٧٧) مِنْ طَرِيْقِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ الْأَخْنَسِ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، أَنَّ مَرْثَدَ بْنَ أَبِي مَرْثَدٍ الْغَنَوِيَّ كَانَ يَحْمِلُ الْأَسَارَى بِمَكَّةَ، وَكَانَ بِمَكَّةَ بَغِيٌّ يُقَالُ لَهَا: عَنَاقُ وَكَانَتْ صَدِيقَتَهُ، قَالَ: جِئْتُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَنْكِحُ عَنَاقَ؟ قَالَ: فَسَكَتَ عَنِّي، فَنَزَلَتْ: ﴿وَالزَّانِيَةُ لَا يَنْكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ﴾ [النور: ٣] فَدَعَانِي فَقَرَأَهَا عَلَيَّ وَقَالَ: «لَا تَنْكِحْهَا».
قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ حَسَنٌ.
قُلْتُ: وأمَّا تحريم المتزوجة غير المسبية، فلقول الله تعالى: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ كِتَابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾ [النساء: ٢٤].
قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ كَثِيْرٍ ﵀ فِي [تَفْسِيْرِهِ] (٢/ ٢٥٦):
«أي: وحرم عليكم الأجنبيات المحصنات وهي المزوجات ﴿إِلا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ يعني: إلَّا ما ملكتموهن بالسبي، فإنَّه يحل لكم وطؤهن إذا استبرأتموهن، فإنَّ الآية نزلت في ذلك» اهـ.
وَقَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كَمَا فِي [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (٣١/ ٣٨٠)
[ ١٠ / ٣٤٤ ]
«وإذا سبيت واسترقت بدون زوجها جاز وطؤها بلا ريب، وإنَّما فيه خلاف شاذ في مذهب أحمد، وحكي الخلاف في مذهب مالك. قال ابن المنذر: أجمع كل من يحفظ عنه من أهل العلم على أنَّ المرأة إذا وقعت في ملك ولها زوج مقيم بدار الحرب أن نكاح زوجها قد انفسخ وحل لمالكها وطؤها بعد الاستبراء وأمَّا إذا سبيت مع زوجها ففيه نزاع بين أهل العلم» اهـ.
قُلْتُ: الصحيح حل ذلك فإنَّ الآية تعم هذه الصورة.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [زَادِ الْمَعَادِ] (٥/ ١٣١ - ١٣٢):
«فتضمن هذا الحكم إباحة وطء المسبية وإن كان لها زوج من الكفار، وهذا يدل على انفساخ نكاحه، وزوال عصمة بضع امرأته، وهذا هو الصواب، لأنَّه قد استولى على محل حقه، وعلى رقبة زوجته، وصار سابيها أحق بها منه، فكيف يحرم بضعها عليه، فهذا القول لا يعارضه نص ولا قياس.
والذين قالوا من أصحاب أحمد وغيرهم: إنَّ وطأها إنَّما يباح إذا سبيت وحدها. قالوا: لأنَّ الزوج يكون بقاؤه مجهولًا، والمجهول كالمعدوم، فيجوز وطؤها بعد الاستبراء، فإذا كان الزوج معها، لم يجز وطؤها مع بقائه، فأورد عليهم ما لو سبيت وحدها وتيقنا بقاء زوجها في دار الحرب، فإنَّهم يجوزون وطأها فأجابوا بما
[ ١٠ / ٣٤٥ ]
لا يجدى شيئًا، وقالوا: الأصل إلحاق الفرد بالأعم الأغلب، فيقال لهم: الأعم الأغلب بقاء أزواج المسبيات إذا سبين منفردات، وموتهم كلهم نادر جدًا، ثم يقال: إذا صارت رقبة زوجها وأملاكه ملكًا للسابي، وزالت العصمة عن سائر أملاكه وعن رقبته، فما الموجب لثبوت العصمة في فرج امرأته خاصة وقد صارت هي وهو وأملاكهما للسابي؟» اهـ.
قُلْتُ: وأمَّا تحريم نكاح المعتدة أو المستبرأة من غيره، فلقول الله تعالى: ﴿وَلَا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ﴾ [البقرة: ٢٣٥].
قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِ ﵀ فِي [الْاسْتِذْكَارِ] (٥/ ٣٣٩):
«ولم يختلف العلماء من السلف والخلف في ذلك فهو من المحكم المجتمع على تأويله» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ بَطَّالٍ ﵀ فِي [شَرْحِ الْبُخَارِي] (٧/ ٢٣٣): «وهذا من المحكم المجتمع على تأويله أنَّ بلوغ أجله انقضاء العدة» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (١٧/ ٤٦٣): «وجملة الأمر أنَّ المعتدة لا يجوز لها أن تنكح في عدتها، إجماعًا، أي عدة كانت» اهـ.
قُلْتُ: وأمَّا المعتدة منه كالمختلعة ونحوها فيجوز له أن ينكحها في عدتها.
[ ١٠ / ٣٤٦ ]
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي]: «والأولى حل نكاحها لمن هي معتدة منه، إن كان يلحقه نسب ولدها؛ لأنَّ العدة لحفظ مائه، وصيانة نسبه» اهـ.
قُلْتُ: وأمَّا نكاح المحرمة، فلما رواه مسلم (١٤٠٩) عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لَا يَنْكِحُ الْمُحْرِمُ وَلَا يُنْكِحُ وَلَا يَخْطُبُ».
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ فِي [شَرْحِ مُسْلِمٍ] (٥/ ٩٩):
«فاختلف العلماء بسبب ذلك في نكاح المحرم، فقال مالك والشافعي وأحمد وجمهور العلماء من الصحابة فمن بعدهم: لا يصح نكاح المحرم، واعتمدوا أحاديث الباب. وقال أبو حنيفة والكوفيون: يصح نكاحه لحديث قصة ميمونة، وأجاب الجمهور عن حديث ميمونة بأجوبة أصحها أنَّ النبي ﷺ إنَّما تزوجها حلالًا هكذا رواه أكثر الصحابة. قال القاضي وغيره: ولم يرو أنَّه تزوجها محرمًا إلَّا ابن عباس وحده، وروت ميمونة وأبو رافع وغيرهما أنَّه تزوجها حلالًا، وهم أعرف بالقضية لتعلقهم به، بخلاف ابن عباس، ولأنَّهم أضبط من ابن عباس وأكثر» اهـ.
[ ١٠ / ٣٤٧ ]
وأمَّا تحريم نكاح الأمة على القادر على الحرة، أو من لم يخش على نفسه الفاحشة، فلقوله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِكُمْ بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ مُحْصَنَاتٍ غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ وَلَا مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ وَأَنْ تَصْبِرُوا خَيْرٌ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النساء: ٢٥].
قاعدة: جميع أقارب الرجل حرام عليه إلَّا أربعة: بنات عمه وعمته، وبنات خاله وخالته.
ويلحق بذلك الرضاع.
قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كَمَا فِي [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (٣٢/ ٦٢):
«أما المحرمات "بالنسب" فالضابط فيه أنَّ جميع أقارب الرجل من النسب حرام عليه؛ إلَّا بنات أعمامه؛ وأخواله وعماته وخالاته» اهـ.
وكل نساء الصهر حلال للرجل إلَّا أربعة نساء الآباء، وأمهات النساء، وبنات الزوجة المدخول بها، وحلائل الأبناء.
[ ١٠ / ٣٤٨ ]
قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كَمَا فِي [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (٣٢/ ٦٥):
«وأمَّا "المحرمات بالصهر" فيقول: كل نساء الصهر حلال له إلَّا أربعة أصناف بخلاف الأقارب. فأقارب الإنسان كلهن حرام؛ إلَّا أربعة أصناف. وأقارب الزوجين كلهن حلال؛ إلَّا أربعة أصناف وهن حلائل الآباء والأبناء وأمهات النساء وبناتهن» اهـ.
* * *
[ ١٠ / ٣٤٩ ]
٢٩٩ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لا يُجْمَعُ بَيْنَ الْمَرْأَةِ وَعَمَّتِهَا، وَلا بَيْنَ الْمَرْأَةِ وَخَالَتِهَا».
وَفِي الْحَدِيْثِ مَسَائِلُ مِنْهَا:
١ - النهي عن الجمع بين المرأة وعمتها، وبين المرأة وخالتها.
وهكذا يحرم الجمع بين الأختين لقول الله تعالى: ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [النساء: ٢٣].
وقَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٩/ ١٦١):
«وقال الترمذي بعد تخريجه: العمل على هذا عند عامه أهل العلم لا نعلم بينهم اختلافًا أنَّه لا يحل للرجل أن يجمع بين المرأة وعمتها أو خالتها ولا أن تنكح المرأة على عمتها أو خالتها.
وقال ابن المنذر: لست أعلم في منع ذلك اختلافًا اليوم، وإنَّما قال بالجواز فرقة من الخوارج، وإذا ثبت الحكم بالسنة واتفق أهل العلم على القول به لم يضره خلاف من خالفه.
[ ١٠ / ٣٥٠ ]
وكذا نقل الإجماع ابن عبد البر وابن حزم والقرطبي والنووي، لكن استثنى ابن حزم عثمان البتي وهو أحد الفقهاء القدماء من أهل البصرة وهو بفتح الموحدة وتشديد المثناة، واستثنى النووي طائفة من الخوارج والشيعة، واستثنى القرطبي الخوارج، ولفظه: أختار الخوارج الجمع بين الاختين وبين المرأة وعمتها وخالتها ولا يعتد بخلافهم لأنَّهم مرقوا من الدين أهـ وفي نقله عنهم جواز الجمع بين الاختين غلط بيِّن فإنَّ عمدتهم التمسك بأدلة القرآن لا يخالفونها البتة وإنَّما يردون الأحاديث لاعتقادهم عدم الثقة بنقلتها وتحريم الجمع بين الاختين بنصوص القرآن. ونقل ابن دقيق العيد تحريم الجمع بين المرأة وعمتها عن جمهور العلماء ولم يعين المخالف» اهـ.
٢ - ويشمل الحديث العمة والخالة القريبة والبعيدة.
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ فِي [شَرْحِ مُسْلِمٍ] (٥/ ٩٠):
«هذا دليل لمذاهب العلماء كافة أنَّه يحرم الجمع بين المرأة وعمتها وبينها وبين خالتها، سواء كانت عمة وخالة حقيقة، وهي أخت الأب وأخت الأم، أو مجازية، وهي أخت أبي الأب وأبي الجد وإن علا، أو أخت أم الأم وأم الجدة من جهتي
[ ١٠ / ٣٥١ ]
الأم والأب، وإن علت فكلهن بإجماع العلماء يحرم الجمع بينهما. وقالت طائفة من الخوارج والشيعة: يجوز» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ الْقُرْطُبِي ﵀ فِي [الْمُفْهِم] (١٢/ ١٣٢):
«وقد عقد علماؤنا فيمن يحرمُ الجمع بينهما عقدًا حسنًا، فقالوا: كل امرأتين بينهما نسب؛ بحيث لو كانت إحداهما ذكرًا لحرمت عليه الأخرى، فلا يجمع بينهما. وإن شئت أسقطَّت بينهما نسب.
وقلت بعد قولك: لو كانت إحداهما ذكرًا لحرمت عليه الأخرى من الطرفين. وفائدة هذا الاحتراز مسألةُ نكاح المرأة وربيبتها؛ فإنَّ الجمع بينهما جائز، ولو قدرت امرأة الأب رجلًا لحلَّت له الأخرى.
وهذا التحرُّز هو على مذهب الجمهور المجيزين للجمع بين المرأة وربيبتها، وقد منعه الحسن، وابن أبي ليلى، وعكرمة. وعلَّل الجمهور منع الجمع بين من ذكرناه؛ لما يُفْضِي إليه الجمع من قطع جمع الأرحام القريبة؛ لما يقع بين الضرائر من الشَّنَئان والشرور بسبب الغَيْرة» اهـ.
[ ١٠ / ٣٥٢ ]
قُلْتُ: وما سوى ما ذكر يجوز الجمع بينهنَّ، ومن العلل في تحريم الجمع بين ما ذكر هو خشية قطيعة الرحم، وهؤلاء من أقرب الأرحام فكان شأنَّهن أعظم، وما بعد من ذوي الأرحام كابنة العم والعمة، وابنة الخال والخالة فلا يدخلنَّ في ذلك.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ الْقُرْطُبِي ﵀ فِي [الْمُفْهِم] (١٢/ ١٣٣):
«وقد طرد بعض السلف هذه العلة، فمنع الجمع بين بنتي العمَّتين والخالتين، وبنتي الخالين والعمَّين. وجمهور السلف وأئمة الفتيا على خلافه، وقصر التحريم على ما ينطلق عليه لفظ العمَّات والخالات» اهـ.
٣ - ويشمل الحديث ما إذا نكحهما معًا، أو نكح إحداهما على الأخرى.
٤ - ويشمل الحديث الجمع بينهما بمجرد العقد، وإن لم يدخل بهما.
٥ - ويشمل الحديث الجمع بين ما ذكر بالوطء في ملك اليمين.
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ فِي [شَرْحِ مُسْلِمٍ] (٥/ ٩٠):
«وأمَّا الجمع بينهما في الوطء بملك اليمين كالنكاح فهو حرام عند العلماء كافة، وعند الشيعة مباح» اهـ.
قُلْتُ: وأمَّا الجمع بينهنَّ من غير وطء فيجوز، وقد مضى القول في ذلك في شرح الحديث السابق.
[ ١٠ / ٣٥٣ ]
٦ - وهل يدخل في ذلك الجمع بين المرأة وبين أختها، أو عمتها، أو خالتها في الرضاع.
هذه المسألة فيها نزاع بين العلماء، فالجمهور يمنعون ذلك ومنهم من حكى الإجماع، وأجازه شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه العلامة ابن القيم رحمهما الله تعالى، وقد مضت هذه المسألة في شرح الحديث السابق.
٧ - وفيه تخصيص عموم القرآن بالسنة.
* * *
[ ١٠ / ٣٥٤ ]