٢٩٥ - عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ ﵁ قَالَ: قَالَ لَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «يَا مَعْشَرَ الشَّبَابِ، مَنْ اسْتَطَاعَ مِنْكُمْ الْبَاءَة فَلْيَتَزَوَّجْ فَإِنَّهُ أَغَضُّ لِلْبَصَرِ، وَأَحْصَنُ لِلْفَرْجِ، وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَعَلَيْهِ بِالصَّوْمِ فَإِنَّهُ لَهُ وِجَاءٌ».
قَوْلُهُ: «كِتَابُ النِّكَاحِ». النكاح لغة: الضم والجمع. يقال: تناكحت الأشجار، إذا تمايلت وانضم بعضها إلى بعض، وهو بهذا المعنى يشمل العقد والوطء.
ويأتي بمعنى الإصابة ومنه نكح المطر الأرض أصابها، ونكح النعاس عينه: أصابها، وهو بهذا المعنى يختص بالوطء.
ويطلق النكاح لغة على الوطء والعقد وقرينة الكلام تفرق بين أحد المرادين فإذا قالوا: نكح فلان فلانة أو بنت فلان فالمراد تزوجها وعقد عليها، وإذا قالوا: نكح امرأته فالمراد جامعها؛ لأنَّ قرينة الزوجية دالة على ذلك.
ومن مجيء النكاح بمعنى الوطء قوله تعالى: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ [البقرة: ٢٣٠].
[ ١٠ / ١٩٧ ]
فائدة: قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كَمَا فِي [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (٧/ ٤٢١): «ولفظ النكاح وغيره في الأمر يتناول الكامل وهو العقد والوطء كما في قَوْلِهِ: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ وقوله: ﴿حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ وفي النهي يعم الناقص والكامل؛ فينهى عن العقد مفردًا وإن لم يكن وطء كَقَوْلِهِ: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ وهذا لأنَّ الآمر مقصوده تحصيل المصلحة وتحصيل المصلحة إنَّما يكون بالدخول كما لو قال: اشتر لي طعامًا؛ فالمقصود ما يحصل إلَّا بالشراء والقبض، والناهي مقصوده دفع المفسدة فيدخل كل جزء منه؛ لأنَّ وجوده مفسدة» اهـ.
وَقَوْلُهُ: «يَا مَعْشَرَ الشَّبَابِ».
قَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٩/ ١٠٨):
«المعشر جماعة يشملهم وصف ما، والشباب جمع شاب، ويجمع أيضًا على شببه وشبان بضم أوله والتثقيل، وذكر الأزهري أنَّه لم يجمع فاعل على فعال غيره، وأصله الحركة والنشاط، وهو اسم لمن بلغ إلى أن يكمل ثلاثين هكذا أطلق الشافعية، وقال القرطبي في "المفهم" يقال له حدث إلى ستة عشر سنة، ثم شاب إلى اثنتين وثلاثين، ثم كهل، وكذا ذكر الزمخشري في الشباب أنَّه من لدن البلوغ
[ ١٠ / ١٩٨ ]
إلى اثنتين وثلاثين. وقال ابن شاس المالكي في "الجواهر" إلى أربعين، وقال النووي: الأصح المختار أنَّ الشاب من بلغ ولم يجاوز الثلاثين، ثم هو كهل إلى أن يجاوز الأربعين، ثم هو شيخ. وقال الروياني وطائفة: من جاوز الثلاثين سمي شيخًا، زاد بن قتيبة: إلى أن يبلغ الخمسين.
وقال أبو إسحاق الإسفرايني عن الأصحاب: المرجع في ذلك إلى اللغة، وأمَّا بياض الشعر فيختلف باختلاف الأمزجة» اهـ.
قُلْتُ: وبهذا يتبين أنَّه اختلف في مبدأ الشباب فمنهم من قال هو البلوغ، ومنهم من حده بستة عشر سنة.
واختلفوا أيضًا في منتهى الشباب فقيل بلوغ الثلاثين، وقيل بلوغ اثنين وثلاثين سنة، وقيل بلوغ أربعين سنة.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ دَقِيْقِ الْعِيْدِ ﵀ فِي [إِحْكَامِ الْأَحْكَامِ] (ص: ٣٩٠):
«وإخراج الحديث لمخاطبة الشباب: بناء على الغالب لأنَّ أسباب قوة الداعي إلى النكاح فيه موجودة بخلاف الشيوخ والمعنى معتبر إذا وجد في الكهول والشيوخ أيضًا» اهـ.
وَقَوْلُهُ: «مَنْ اسْتَطَاعَ مِنْكُمْ الْبَاءَة».
[ ١٠ / ١٩٩ ]
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ دَقِيْقِ الْعِيْدِ ﵀ فِي [إِحْكَامِ الْأَحْكَامِ] (ص: ٣٨٩):
«الباءة: النكاح مشتق من اللفظ الذي يدل على الإقامة والنزول والباءة المنزل فلما كان الزوج ينزل بزوجته: سمى النكاح باءة» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ الْقُرْطُبِي ﵀ فِي [الْمُفْهِم] (١٢/ ١١٧): «و"الباءة" - بفتح الباء، والمد -: النِّكَاح. وأصله: الْمَنْزِل؛ يقال: باءةٌ، ومباءة، ومبوَّأ. ومنه قوله ﷺ في المدينة حين أطلَّ عليها: "هذه المبوَّأ"؛ أي: المنزل. ثم قيل للتزويج: باءة؛ لأنَّ من تزوَّج امرأة بوَّأها منزلًا» اهـ.
قُلْتُ: وقد تنازع العلماء في المراد بالباءة في هذا الحديث، هل الجماع، أو القدرة على مؤنه.
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ فِي [شَرْحِ مُسْلِمٍ] (٥/ ٧٠):
«وأصلها في اللغة: الجماع، مشتقة من المباءة وهي المنزل، ومنه مباءة الإبل، وهي مواطنها، ثم قيل لعقد النكاح: باءة؛ لأنَّ من تزوج امرأة بوأها منزلًا.
واختلف العلماء في المراد بالباءة هنا على قولين يرجعان إلى معنى واحد أصحهما: أنَّ المراد معناها اللغوي وهو الجماع، فتقديره: من استطاع منكم الجماع لقدرته على مؤنه وهي مؤن النكاح فليتزوج، ومن لم يستطع الجماع لعجزه عن مؤنه فعليه
[ ١٠ / ٢٠٠ ]
بالصوم ليدفع شهوته، ويقطع شر منيه، كما يقطعه الوجاء، وعلى هذا القول وقع الخطاب مع الشبان الذين هم مظنة شهوة النساء، ولا ينفكون عنها غالبًا. والقول الثاني: أنَّ المراد هنا بالباءة مؤن النكاح، سميت باسم ما يلازمها وتقديره: من استطاع منكم مؤن النكاح فليتزوج، ومن لم يستطعها فليصم؛ ليدفع شهوته. والذي حمل القائلين بهذا أنَّهم قالوا: قوله ﷺ: "ومن لم يستطع فعليه بالصوم"، قالوا: والعاجز عن الجماع لا يحتاج إلى الصوم لدفع الشهوة، فوجب تأويل الباءة على المؤن، وأجاب الأولون بما قدمناه في القول الأول، وهو أنَّ تقديره: من لم يستطع الجماع لعجزه عن مؤنه، وهو محتاج إلى الجماع فعليه بالصوم. والله أعلم» اهـ.
قُلْتُ: تفسير الباءة بمؤنة النكاح هو الذي يظهر لي رجحانه، ولا داعي حينئذ إلى تكلف التأويل.
قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كَمَا فِي [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (٣٢/ ٦):
«و"استطاعة النكاح" هو القدرة على المؤنة؛ ليس هو القدرة على الوطء؛ فإنَّ الحديث إنَّما هو خطاب للقادر على فعل الوطء؛ ولهذا أمر من لم يستطع أن يصوم؛ فإنَّه له وجاء» اهـ.
[ ١٠ / ٢٠١ ]
وَقَالَ ﵀ كَمَا فِي [مُخْتَصَرِ الْفَتَاوَي الْمَصْرِيَّةِ] (١/ ٣٩٦): «واستطاعة النكاح هي القدرة على المؤنة ليس القدرة على الوطء فإنَّ الحديث إنَّما هو خطاب للقادر على فعل الوطء ولهذا أمر من لم يستطيع الباءة بالصوم فإنَّه له وجاء» اهـ.
وَقَوْلُهُ: «فَإِنَّهُ أَغَضُّ لِلْبَصَرِ». أي: أشد خفضًا للبصر والغض الكف.
وَقَوْلُهُ: «وَأَحْصَنُ لِلْفَرْجِ». أي: أشد إحصانًا له، ومنعًا عن الوقوع في الفاحشة، والإحصان بمعنى المنع.
وَقَوْلُهُ: «فَإِنَّهُ لَهُ وِجَاءٌ». الوجاء هو رض الخصيتين، وقيل رض عروقهما من أجل قطع الشهوة.
وَفِي الْحَدِيْثِ مَسَائِلُ مِنْهَا:
١ - الأمر بالنكاح لمن كان قادرًا عليه.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (١٤/ ٣٥٣):
«فصل: والناس في النكاح على ثلاثة أضرب؛ منهم من يخاف على نفسه الوقوع في محظور إن ترك النكاح، فهذا يجب عليه النكاح في قول عامة الفقهاء؛ لأنَّه يلزمه إعفاف نفسه، وصونها عن الحرام، وطريقه النكاح.
[ ١٠ / ٢٠٢ ]
الثاني: من يستحب له، وهو من له شهوة يأمن معها الوقوع في محظور، فهذا الاشتغال له به أولى من التخلي لنوافل العبادة. وهو قول أصحاب الرأي.
وهو ظاهر قول الصحابة ﵃، وفعلهم».
إِلَى أَنْ قَالَ ﵀: «وقال الشافعي: التخلي لعبادة الله تعالى أفضل» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ بَطَّالٍ ﵀ فِي [شَرْحِ الْبُخَارِي] (٧/ ١٦٢):
«وذهب أهل الظاهر إلى أنَّه فرض على الرجل والمرأة مرة في الدهر إن كان الرجل واجدًا لطول الحرة، وإن عدم لزمه نكاح الأمة، واحتجوا بظاهر هذا الحديث، وحملوا أمره ﵇ بالنكاح على الإيجاب، قالوا: ولكنه أمر لخاص من الناس، وهم الخائفون على أنفسهم العنت بتركهم النكاح، فأمَّا من لم يخف العنت، فهو غير مراد بالحديث. قالوا: وقد بين صحة قولنا إخباره ﵇ عن السبب الذى من أجله أمر الذى يستطيع الباءة بالنكاح، وذلك قَوْلُهُ: "فإنَّه أغض للبصر، وأحصن للفرج"، فمن قدر على غض بصره عن المحارم، وتحصين فرجه فغير فرض عليه النكاح، ومن كان غير قادر على ذلك وخشى مواقعة الحرام، فالنكاح فرض عليه لأمر النبي، ﵇، إياه به» اهـ.
[ ١٠ / ٢٠٣ ]
قُلْتُ: والدليل على عدم وجوب الزواج لمن لم يخش على نفسه الفاحشة قول الله تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا﴾ [النساء: ٣].
ووجه الشاهد من الآية أنَّ الله ﷿ خير فيها بين النكاح وملك اليمين، والتخيير يمنع وجوبه على التعيين، وأيضًا فإنَّ الله ﷿ خير في الآية بين النكاح والتسري، والتسري لا يجب فكذلك النكاح، فإنَّ التخيير لا يكون بين واجب ومستحب.
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْقُرْطُبِي ﵀ فِي [الْمُفْهِم] (١٢/ ١١٧):
«وَقَوْلُهُ: "فليتزوج" أمرٌ، وظاهره: الوجوب. وبه قال داود ومَنْ تابعه. والواجب عندهم العَقْدُ لا الدخول، فإنَّه إنَّما يجب عندهم مرة في العمر. والجمهور: على أنَّ التزويج مندوب إليه، مُرَغَّبٌ فيه على الجملة. وقد اعتبره بعض علمائنا بالنظر إلى أحوال النَّاس، وقسَّمه بأقسام الأحكام الخمسة. وذلك واضحٌ. وصرف الجمهورُ ذلك الأمرَ عن ظاهره لشيئين:
أحدهما: أنَّ الله تعالى قد خيَّر بين التزويج والتَّسَرِّي بقوله تعالى: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ﴾، ثم قال: ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾،
[ ١٠ / ٢٠٤ ]
والتَّسرِّي ليس بواجب إجماعًا، فالنكاح لا يكون واجبًا؛ لأنَّ التخيير بين الواجب وبين ما ليس بواجب يرفع وجوب الواجب. وبَسْطُ هذا في الأصول.
وثانيهما: قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (٥) إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ﴾، ولا يقال في الواجب: إنَّ فاعله غير ملوم. ثم هذا الحديث لا حجَّة لهم فيه لوجهين:
أحدهما: أنَّا نقول بموجبه في حق الشابّ المستطيع الذي يَخافُ الضررَ على نفسه ودينه من العُزْبة، بحيث لا يرتفع عنه إلَّا بالتزويج، وهذا لا يُختلف في وجوب التزويج عليه.
والثاني: أنَّهم قالوا: إنَّما يجب العقد لا الوطء. وظاهرُ الحديث: إنَّما هو الوطء، فإنَّه لا يحصل شيءٌ من الفوائد التي أرشد إليها في ذلك الحديث؛ من تحصين الفرج، وغَضِّ البصر بالعقد. بل: إنَّما يحصل كلُّ ذلك بالوطء، وهو الذي يحصل دفع الشَّبق إليه بالصوم. فما ذهبوا إليه لم يتناوله الحديث. وما تناوله الحديثُ لم يذهبوا إليه. وذلك دليل على سوء فهمهم، وقلِّة فطنتهم» اهـ.
قَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٩/ ١١٠) متعقبًا: «كذا قال، وقد صرح أكثر المخالفين بوجوب الوطء فاندفع» اهـ.
[ ١٠ / ٢٠٥ ]
قُلْتُ: النكاح سنة من سنن المرسلين كما قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجًا وَذُرِّيَّةً﴾ [الرعد: ٣٨].
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [بَدَائِعِ الْفَوَائِدِ] (٣/ ٦٧٩ - ٦٨٠):
«استدل على تفضيل النكاح على التخلي لنوافل العبادة بأنَّ الله تعالى ﷿ اختار النكاح لأنبيائه ورسله فقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجًا وَذُرِّيَّةً﴾، وقال في حق آدم: ﴿وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا﴾، واقتطع من زمن كليمة عشر سنين في رعاية الغنم مهر الزوجة ومعلوم مقدار هذه السنين العشر في نوافل العبادات.
واختار لنبيه محمد أفضل الأشياء فلم يحب له ترك النكاح بل زوجة بتسع فما فوقهن ولا هدي فوقه هدية.
ولو لم يكن فيه إلَّا سرور النبي ﷺ يوم المباهاة بأمته.
ولو لم يكن فيه إلَّا أنَّه بصدد أنَّه لا ينقطع عمله بموته.
ولو لم يكن فيه إلَّا أنَّه يخرج من صلبه من يشهد بالله بالوحدانية ولرسوله بالرسالة.
ولو لم يكن فيه إلَّا غض بصره وإحصان فرجه عن التفاته إلى ما حرم الله تعالى.
[ ١٠ / ٢٠٦ ]
ولو لم يكن فيه إلَّا تحصين امرأة يعفها الله به ويثيبه على قضاء وطره ووطرها فهو في لذاته وصحائف حسناته تتزايد.
ولو لم يكن فيه إلَّا ما يثاب عليه من نفقته على امرأته وكسوتها ومسكنها ورفع اللقمة إلى فيها.
ولو لم يكن فيه إلَّا تكثير الإسلام وأهله وغيظ أعداء الإسلام.
ولو لم يكن فيه إلَّا ما يترتب عليه من العبادات التي لا تحصل للمتخلي للنوافل.
ولو لم يكن فيه إلَّا تعديل قوته الشهوانية الصارفة له عن تعلق قلبه بما هو أنفع له في دينه ودنياه فإنَّ تعلق القلب بالشهوة أو مجاهدته عليها تصده عن تعلقه بما هو أنفع له فإنَّ الهمة متي انصرفت إلى شيء انصرفت عن غيره» اهـ.
قُلْتُ: روى أحمد (١٢٣١٥، ١٢٣١٦، ١٣٠٧٩، ١٤٠٦٩)، والنسائي (٣٩٣٩) مِنْ طَرِيْقِ سَلَّامٍ أَبِي الْمُنْذِرِ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «حُبِّبَ إِلَيَّ مِنَ الدُّنْيَا النِّسَاءُ وَالطِّيبُ، وَجُعِلَ قُرَّةُ عَيْنِي فِي الصَّلَاةِ».
قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ ظَاهِرُهُ أنَّه حَسَنٌ من أجل سلام، لكن رجح الْحَافِظُ الدَّارَقُطْنِيُّ ﵀ فِي [الْعِلَلِ] (١٢/ ٤٠ - ٤١) الإرسال فقال:
[ ١٠ / ٢٠٧ ]
«حدث به سلام بن سليمان - أبو المنذر، وسلام بن أبي الصهباء، وجعفر بن سليمان الضبعي، عن ثابت، عن أنس.
وخالفهم حماد بن زيد، فرواه عن ثابت مرسلًا.
وكذلك رواه محمد بن عثمان، عن ثابت البصري مرسلًا.
والمرسل أشبه بالصواب» اهـ.
وروى أبو داود (٢٠٥٠) حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، أَخْبَرَنَا مُسْتَلِمُ بْنُ سَعِيدٍ ابْنَ أُخْتِ مَنْصُورِ بْنِ زَاذَانَ، عَنْ مَنْصُورٍ يَعْنِي ابْنَ زَاذَانَ، عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ قُرَّةَ، عَنْ مَعْقِلِ بْنِ يَسَارٍ، قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ، فَقَالَ: إِنِّي أَصَبْتُ امْرَأَةً ذَاتَ حَسَبٍ وَجَمَالٍ، وَإِنَّهَا لَا تَلِدُ، أَفَأَتَزَوَّجُهَا، قَالَ: «لَا» ثُمَّ أَتَاهُ الثَّانِيَةَ فَنَهَاهُ، ثُمَّ أَتَاهُ الثَّالِثَةَ، فَقَالَ: «تَزَوَّجُوا الْوَدُودَ الْوَلُودَ فَإِنِّي مُكَاثِرٌ بِكُمُ الْأُمَمَ».
قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ صَحِيْحٌ.
وفي النكاح موافقة لإرادة الله وتخفيفه كما قال الله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا﴾ [النساء: ٢٨].
قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كَمَا فِي [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (١٠/ ٥٧٢):
[ ١٠ / ٢٠٨ ]
«وسياق الكلام يدل على أنَّه ضعيف عن ترك الشهوات فلا بد له من شهوة مباحة يستغني بها عن المحرمة؛ ولهذا قال طاووس ومقاتل: ضعيف في قلة الصبر عن النساء. وقال الزجاج وابن كيسان: ضعيف العزم عن قهر الهوى» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [زَادِ الْمَعَادِ] (٤/ ٢٧٢):
«فذكر تخفيفه في هذا الموضع، وإخباره عن ضعف الإنسان يدل على ضعفه عن احتمال هذه الشهوة، وأنَّه سبحانه خفف عنه أمرها بما أباحه له من أطايب النساء مثنى وثلاث ورباع، وأباح له ما شاء مما ملكت يمينه، ثم أباح له أن يتزوج بالإماء إن احتاج إلى ذلك علاجًا لهذه الشهوة، وتخفيفًا عن هذا الخلق الضعيف، ورحمة به» اهـ.
وروى مسلم (١٤٦٧) عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ، قَالَ: «الدُّنْيَا مَتَاعٌ، وَخَيْرُ مَتَاعِ الدُّنْيَا الْمَرْأَةُ الصَّالِحَةُ».
وروى البخاري (٥٠٦٩) عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، قَالَ: قَالَ لِي ابْنُ عَبَّاسٍ: هَلْ تَزَوَّجْتَ؟ قُلْتُ: لَا، قَالَ: «فَتَزَوَّجْ فَإِنَّ خَيْرَ هَذِهِ الأُمَّةِ أَكْثَرُهَا نِسَاءً».
قُلْتُ: وهذا الأثر يدل على استحباب التعدد من النساء لمن لم يخش الظلم لبعضهن.
[ ١٠ / ٢٠٩ ]
وجميع الأوجه المتقدمة في كلام العلامة ابن القيم ﵀ في الترغيب في النكاح تدل على استحباب التعدد من الأزواج.
٢ - وَقَوْلُهُ: «يَا مَعْشَرَ الشَّبَابِ». الحديث. يبطل قول بعض أهل الزيغ والضلال من أنَّ الشخص يمنع من الزواج قبل أن يبلغ الثامنة عشرة من عمره.
قُلْتُ: وقد دلت الأدلة الكثيرة على جواز النكاح دون هذا السن فمن ذلك:
الدليل الأول: قال الله تعالى: ﴿وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ﴾ [الطلاق: ٤].
قُلْتُ: ووجه الشاهد من الآية أنَّ الله ﷿ جعل عدة المطلقة إذا كانت لا تحيض بثلاثة أشهر وهي الصغيرة التي لم يأتها الحيض بعد، فدل ذلك على جواز نكاح الصغيرة فإنَّه لا طلاق إلَّا بعد سبق نكاح.
قَالَ الْعَلَّامَةُ الطَّبَرِيُّ ﵀ فِي [تَفْسِيْرِهِ] (٢٣/ ٤٥٢):
«﴿وَاللائِي لَمْ يَحِضْنَ﴾ يقول: وكذلك عدد اللائي لم يحضن من الجواري لصغر إذا طلقهنَّ أزواجهنَّ بعد الدخول» اهـ.
[ ١٠ / ٢١٠ ]
الدليل الثاني: قول الله تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا﴾ [النساء: ٣].
روى البخاري (٤٥٧٤) عَنْ عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ، أَنَّهُ سَأَلَ عَائِشَةَ عَنْ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: «﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَنْ لَا تُقْسِطُوا فِي اليَتَامَى﴾ فَقَالَتْ: يَا ابْنَ أُخْتِي، هَذِهِ اليَتِيمَةُ تَكُونُ فِي حَجْرِ وَلِيِّهَا، تَشْرَكُهُ فِي مَالِهِ، وَيُعْجِبُهُ مَالُهَا وَجَمَالُهَا، فَيُرِيدُ وَلِيُّهَا أَنْ يَتَزَوَّجَهَا بِغَيْرِ أَنْ يُقْسِطَ فِي صَدَاقِهَا، فَيُعْطِيَهَا مِثْلَ مَا يُعْطِيهَا غَيْرُهُ، فَنُهُوا عَنْ أَنْ يَنْكِحُوهُنَّ إِلَّا أَنْ يُقْسِطُوا لَهُنَّ، وَيَبْلُغُوا لَهُنَّ أَعْلَى سُنَّتِهِنَّ فِي الصَّدَاقِ، فَأُمِرُوا أَنْ يَنْكِحُوا مَا طَابَ لَهُمْ مِنَ النِّسَاءِ سِوَاهُنَّ، قَالَ عُرْوَةُ: قَالَتْ عَائِشَةُ: وَإِنَّ النَّاسَ: اسْتَفْتَوْا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بَعْدَ هَذِهِ الآيَةِ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ﴾ [النساء: ١٢٧]، قَالَتْ عَائِشَةُ: وَقَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى فِي آيَةٍ أُخْرَى: ﴿وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ﴾ [النساء: ١٢٧]: رَغْبَةُ أَحَدِكُمْ عَنْ يَتِيمَتِهِ، حِينَ تَكُونُ قَلِيلَةَ المَالِ وَالجَمَالِ، قَالَتْ: فَنُهُوا أَنْ يَنْكِحُوا عَنْ مَنْ رَغِبُوا فِي مَالِهِ وَجَمَالِهِ فِي يَتَامَى النِّسَاءِ إِلَّا بِالقِسْطِ، مِنْ أَجْلِ رَغْبَتِهِمْ عَنْهُنَّ إِذَا كُنَّ قَلِيلَاتِ المَالِ وَالجَمَالِ».
[ ١٠ / ٢١١ ]
قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ كَثِيْرٍ ﵀ فِي [تَفْسِيْرِهِ] (٢/ ٢٠٨): «وَقَوْلُهُ: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى﴾ أي: إذا كان تحت حجر أحدكم يتيمة وخاف ألَّا يعطيها مهر مثلها، فليعدل إلى ما سواها من النساء، فإنَّهن كثير، ولم يضيق الله عليه» اهـ.
قُلْتُ: واليتم لا يكون إلَّا قبل البلوغ، فمن بلغ فلا يعتبر يتيمًا.
الدليل الثالث: قول الله تعالى: ﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ فِي يَتَامَى النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الْوِلْدَانِ وَأَنْ تَقُومُوا لِلْيَتَامَى بِالْقِسْطِ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِهِ عَلِيمًا﴾ [النساء: ١٢٧].
روى البخاري (٤٦٠٠)، ومسلم (٣٠١٨) عَنْ عَائِشَةَ ﵂:
﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ﴾، إلى قَوْلِهِ: ﴿وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ﴾ قَالَتْ عَائِشَةُ: «هُوَ الرَّجُلُ تَكُونُ عِنْدَهُ اليَتِيمَةُ هُوَ وَلِيُّهَا وَوَارِثُهَا، فَأَشْرَكَتْهُ فِي مَالِهِ حَتَّى فِي العَذْقِ، فَيَرْغَبُ أَنْ يَنْكِحَهَا وَيَكْرَهُ أَنْ يُزَوِّجَهَا رَجُلًا، فَيَشْرَكُهُ فِي مَالِهِ بِمَا شَرِكَتْهُ فَيَعْضُلُهَا، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ».
[ ١٠ / ٢١٢ ]
الدليل الرابع: ما رواه البخاري (٥١٣٣)، ومسلم (١٤٢٢) عَنْ عَائِشَةَ ﵂: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ تَزَوَّجَهَا وَهِيَ بِنْتُ سِتِّ سِنِينَ، وَأُدْخِلَتْ عَلَيْهِ وَهِيَ بِنْتُ تِسْعٍ، وَمَكَثَتْ عِنْدَهُ تِسْعًا».
قُلْتُ: فهذا هو النبي ﷺ خير الخلق تزوج عائشة في صغرها وهو القدوة لسائر الأمة.
قال الله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ [الأحزاب: ٢١].
وروى مسلم (٢٣٥٦) عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: صَنَعَ رَسُولُ اللهِ ﷺ أَمْرًا فَتَرَخَّصَ فِيهِ، فَبَلَغَ ذَلِكَ نَاسًا مِنْ أَصْحَابِهِ، فَكَأَنَّهُمْ كَرِهُوهُ وَتَنَزَّهُوا عَنْهُ، فَبَلَغَهُ ذَلِكَ، فَقَامَ خَطِيبًا فَقَالَ: «مَا بَالُ رِجَالٍ بَلَغَهُمْ عَنِّي أَمْرٌ تَرَخَّصْتُ فِيهِ، فَكَرِهُوهُ وَتَنَزَّهُوا عَنْهُ، فَوَاللهِ لَأَنَا أَعْلَمُهُمْ بِاللهِ، وَأَشَدُّهُمْ لَهُ خَشْيَةً».
الدليل الخامس: أنَّ النبي ﷺ زوج ابنته فاطمة من علي بن أبي طالب ولها من العمر ما يقارب من خمسة عشرة سنة.
قَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [الإِصَابَةِ] (٨/ ٥٤):
[ ١٠ / ٢١٣ ]
«وكان مولدها قبل البعثة بقليل نحو سنة أو أكثر وهي أسن من عائشة بنحو خمس سنين وتزوجها علي أوائل المحرم سنة اثنتين بعد عائشة بأربعة أشهر» اهـ.
الدليل السادس: تزويج النبي ﷺ ابنته رقية من عثمان وهي دون الثانية عشرة سنة. وبرهان ذلك أنَّ رقية ولدت وللنبي ﷺ ثلاث وثلاثون سنة، وزوجها النبي ﷺ من عثمان قبل الهجرة من الحبشة وكانت الهجرة في السنة الخامسة من البعثة وكانت بعثة النبي ﷺ وله من العمر أربعون سنة. فبين مولدها والهجرة إلى الحبشة اثنتا عشرة سنة.
الدليل السابع: أنَّ عليًا بن أبي طالب زوج ابنته أم كلثوم من عمر بن الخطاب ولها من العمر نحو عشر سنين.
قَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [الإِيْثَارِ بِمَعْرِفَةِ رُوَاةِ الْآثَارِ] ص (٢١١):
«أم كلثوم بنت علي بن أبي طالب الهاشمية أمها فاطمة بنت رسول الله ﷺ ولدت في أواخر عهد النبي ﷺ وتزوجها عمر بن الخطاب ولها عشر سنين أو أكثر» اهـ.
[ ١٠ / ٢١٤ ]
الدليل الثامن: أنَّ الزبير بن العوام ﵁ زوج ابنة في وقت نفاس امرأته من قدامة بن مظعون ﵁.
فروى سعيد بن منصور في [سُنَنِهِ] (٦٣٩) حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، نا هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: «دَخَلَ الزُّبَيْرُ بْنُ الْعَوَّامِ عَلَى قُدَامَةَ بْنِ مَظْعُونٍ يَعُودُهُ فَبُشِّرَ زُبَيْرٌ بِجَارِيَةٍ، وَهُوَ عِنْدَهُ، فَقَالَ لَهُ قُدَامَةُ: زَوِّجْنِيهَا، فَقَالَ لَهُ الزُّبَيْرُ بْنُ الْعَوَّامِ: مَا تَصْنَعُ بِجَارِيَةٍ صَغِيرَةٍ وَأَنْتَ عَلَى هَذِهِ الْحَالِ؟ قَالَ: بَلَى إِنْ عِشْتُ فَابْنَةُ الزُّبَيْرِ، وَإِنْ مُتُّ فَأَحَبُّ مَنْ وَرِثَنِي قَالَ: فَزَوَّجَهَا إِيَّاهُ».
قُلْتُ: إِسْنَادَهَا صَحِيْحٌ.
الدليل التاسع: أن يقال: إنَّ الله ﷿ خلق في الرجل، والمرأة شهوة النكاح في سن الخامسة عشر أو دون ذلك فلولا أنَّها قد تأهلت للنكاح لما خلق الله فيها الشهوة في هذا السن.
الدليل العاشر: الإجماع.
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْجَصَاصُ ﵀ فَي [أَحْكَامِ الْقُرْآنِ] (٢/ ٣٤٦):
[ ١٠ / ٢١٥ ]
«ولا نعلم في جواز ذلك خلافًا بين السلف والخلف من فقهاء الأمصار إلَّا شيئًا رواه بشر بن الوليد عن ابن شبرمة أنَّ تزويج الآباء على الصغار لا يجوز وهو مذهب الأصم» اهـ.
وقَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٩/ ١٩٠):
«قال المهلب: اجمعوا أنَّه يجوز للأب تزويج ابنته الصغيرة البكر ولو كانت لا يوطأ مثلها إلَّا أنَّ الطحاوي حكى عن ابن شبرمة منعه فيمن لا توطأ وحكى ابن حزم عن ابن شبرمة مطلقًا أنَّ الأب لا يزوج بنته البكر الصغيرة حتى تبلغ وتأذن».
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ بَطَّالٍ ﵀ فِي [شَرْحِ الْبُخَارِي] (٧/ ١٧٢):
«أجمع العلماء على أنَّه يجوز للآباء تزويج الصغار من بناتهم، وإن كن في المهد، إلاَّ أنَّه لا يجوز لأزواجهن البناء بهن إلَّا إذا صلحن للوطء واحتملن الرجال، وأحوالهن تختلف في ذلك على قدر خلقهن وطاقتهن» اهـ.
قُلْتُ: وهذا النزاع إن ثبت فهو فيما دون البلوغ.
٣ - وفيه أنَّ النكاح من أسباب غض البصر عن الحرام.
٤ - وفيه أنَّ النكاح من أسباب وقاية المرء من الفواحش.
٥ - وفيه الندب إلى الصيام لمن لم يستطع النكاح، وأنَّه من أسباب قمع الشهوة.
[ ١٠ / ٢١٦ ]
قَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٤/ ١١٩):
«واستشكل بأنَّ الصوم يزيد في تهييج الحرارة وذلك مما يثير الشهوة، لكن ذلك إنَّما يقع في مبدأ الأمر فإذا تمادى عليه واعتاده سكن ذلك والله أعلم» اهـ.
٦ - قَالَ الْعَلَّامَةُ أَبُو عُبَيْدٍ الْقَاسِمُ بْنُ سَلَّامٍ ﵀ فِي [غَرِيْبِ الْحَدِيْثِ] (٢/ ٧٥): «وفي هذا الحديث من العربية قَوْلُهُ: "فعليه بالصوم"، فأغرى غائبًا، ولا تكاد العرب تغري إلَّا الشاهد، يقولون: عليك زيدًا ودونك عمرًا وعندك، ولا يقولون: عليه زيدًا، إلَّا في هذا الحديث، فهذا حجة لكل من أغرى غائبًا» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ الْقُرْطُبِي ﵀ فِي [الْمُفْهِم] (١٢/ ١١٨ - ١٢٠):
«وَقَوْلُهُ: "فعليه بالصوم"؛ قال الإمام أبو عبد الله: فيه إغراءٌ بالغائب، ومن أصول النحويين ألَّا يُغرى بغائبٍ، وقد جاء شاذًّا قولُ بعضهم: عليه رجلًا ليسني؛ على جهة الإغراء. قال القاضي أبو الفضل عياض: هذا الكلام موجود لأبي محمد بن قتيبة والزَّجَّاجي وبعضهم، ولكن على قائله أغاليط ثلاثة:
أولها: قَوْلُهُ: لا يجوز الإغراء بالغائب، وصوابه: لا يجوز إغراء الغائب، أو لا يُغْرَى غائبٌ. فأمَّا الإغراء بالشاهد والغائب فجائزٌ. وهكذا نصَّ أبو عبيد في هذا الحديث، وكذلك كلام سيبويه ومَنْ بعده من أئمة هذا الشأن قالوا: وإنَّما يؤمر
[ ١٠ / ٢١٧ ]
بمثل هذا الحاضر، والمخَاطَب، ولا يجوز: دونه زيدًا، ولا: عليه زيدًا - وأنت تريد غير المخاطب -؛ لأنَّه ليس بفعل له، ولا تصرَّف تصرُّفه. وإنَّما جاز للحاضر؛ لما فيه من معنى الفعل، ودلالة الحال. فأمَّا الغائب فلا يوجد ذلك فيه؛ لعدم حضوره، وعدم معرفته بالحالة الدالة على المراد.
وثانيها: عدُّ قولهم: عليه رجلًا ليسني من إغراء الغائب. وقد جعله سيبويه والسّيرافي منه. ورأوه شاذًّا. قال القاضي: والذي عندي: أنَّه ليس المراد بها حقيقة الإغراء، وإن كانت صورته، فلم يُرِدْ هذا القائلُ تبليغ هذا النائب، ولا أمره بإلزام غيره، وإنَّما أراد الإخبار عن نفسه لقلة مبالاته بالغائب، وأنَّه غير متأتٍّ له منه ما يريد، فجاء بهذه الصورة تَدَلُّ على ذلك. ونحوه قولهم: إليك عنِّي؛ أي: اجعل شغلك بنفسك عنِّي، ولم يُرِدْ أن يغريه به، وإنَّما مرادُه: دَعْني، وكن كمن شُغِلَ عَنِّي.
وثالثها: عدُّهم هذه اللفظة في الحديث؛ من إغراء الغائب. قال القاضي: والصَّواب: أنَّه ليس في هذا الحديث إغراء الغائب جملة. والكلام كلُّه والخطابُ للحضور، الذين خاطبهم ﷺ بِقَوْلِهِ: "من استطاع منكم الباءة"، فالهاء هنا ليست للغائب، وإنَّما هي لمن خصَّ من الحاضرين بعدم
[ ١٠ / ٢١٨ ]
الاستطاعة؛ إذ لا يصح خطابُه بكاف الخطاب؛ لأنَّه لم يتعيَّن منهم، ولإبهامه بلفظة "من" وإن كان حاضرًا. وهذا النحو كثيرٌ في القران؛ كقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ﴾، وكَقَوْلِهِ: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ﴾، وكَقَوْلِهِ: ﴿وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صَالِحًا نُؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ﴾، فهذه الهاءاتُ كلُّها ضمائرُ للحاضر لا للغائب، ومثله: لو قلتَ لرجلين: من قام الآن منكما فله درهم. فهذه الهاء لمن قام من الحاضرين.
قُلْتُ: اختصرتُ كلام القاضي في هذا الفصل من غير تبديل، ولا زيادة، وهو حسن جيّدٌ، فلذلك نقلته بلفظه» اهـ.
٧ - قَالَ الْعَلَّامَةُ الْخَطَّابِي ﵀ فِي [مَعَالِمِ الْسُّنَنِ] (٣/ ١٧٩): «وفيه دليل على جواز التعالج لقطع الباءة بالأدوية ونحوها» اهـ.
قَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٩/ ١١١):
«وينبغي أن يحمل على دواء يسكن الشهوة دون ما يقطعها أصالة لأنَّه قد يقدر بعد فيندم لفوات ذلك في حقه وقد صرح الشافعية بأنَّه لا يكسرها بالكافور
[ ١٠ / ٢١٩ ]
ونحوه والحجة فيه إنَّهم اتفقوا على منع الجب والخصاه فيلحق بذلك ما في معناه من التداوي بالقطع أصلًا» اهـ.
٨ - واحتج به على تحريم الِاسْتِمْنَاءِ باليد المعروف، بِجَلْدِ عَمِيرَةَ، ويقال له: الْخَضْخَضَةُ، وَأَصْلُ الْخَضْخَضَةِ التَّحْرِيكُ.
قَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٩/ ١١٢):
«واستدل به بعض المالكية على تحريم الاستمناء لأنَّه ارشد عند العجز عن التزويج إلى الصوم الذي يقطع الشهوة فلو كان الاستمناء مباحًا لكان الإرشاد إليه أسهل، وتعقب دعوى كونه أسهل لأنَّ الترك أسهل من الفعل، وقد أباح الاستمناء طائفة من العلماء وهو عند الحنابلة وبعض الحنفية لأجل تسكين الشهوة» اهـ.
قُلْتُ: ومن الأدلة على تحريم الاستمناء قول الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (٥) إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ (٦) فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ﴾ [المؤمنون: ٥ - ٧].
قَالَ الْإِمَامُ الشَّافِعِيُّ ﵀ فِي [الْأُمِ] (٥/ ٩٤):
[ ١٠ / ٢٢٠ ]
«فكان بَيِّنًا في ذكر حفظهم لفروجهم إلَّا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم تحريم ما سوى الأزواج وما ملكت الأيمان، وبَيِّنٌ أنَّ الأزواج وملك اليمين من الآدميات دون البهائم، ثم أكدها فقال ﷿: ﴿فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ﴾ فلا يحل العمل بالذكر إلَّا في الزوجة أو في ملك اليمين، ولا يحل الاستمناء والله تعالى أعلم» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ الْقُرْطُبِيُّ ﵀ فِي [تَفْسِيْرِهِ] (١٢/ ١٠٥ - ١٠٦):
«قال محمد بن عبد الحكم: سمعت حرملة بن عبد العزيز قال: سألت مالكًا عن الرجل يجلد عميرة، فتلا هذه الآية: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ﴾ - إلى قوله- ﴿العادُونَ﴾. وهذا لأنَّهم يكنون عن الذكر بعميرة، وفية يقول الشاعر:
إذا حللت بواد لا أنيس به … فاجلد عميرة لا داء ولا حرج
ويسميه أهل العراق الاستمناء، وهو استفعال من المني. وأحمد بن حنبل على ورعه يجوزه، ويحتج بأنَّه إخراج فضلة من البدن فجاز عند الحاجة، أصله الفصد والحجامة. وعامة العلماء على تحريمه. وقال بعض العلماء: إنَّه كالفاعل بنفسه، وهي معصية أحدثها الشيطان وأجراها بين الناس حتى صارت قيلة، ويا ليتها لم تقل، ولو قام الدليل على جوازها لكان ذو المروءة يعرض عنها لدناءتها.
[ ١٠ / ٢٢١ ]
فإن قيل: إنَّها خير من نكاح الأمة، قلنا: نكاح الأمة ولو كانت كافرة على مذهب بعض العلماء خير من هذا، وإن كان قد قال به قائل أيضًا، ولكن الاستمناء ضعيف في الدليل، عار بالرجل الدنيء فكيف بالرجل الكبير» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ الْبَغَوِيُّ ﵀ فِي [تَفْسِيْرِهِ] (٥/ ٤١٠): «وفيه دليل على أنَّ الاستمناء باليد حرام، وهو قول أكثر العلماء» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ الشِّنْقِيطِيُّ ﵀ فِي [أَضْوَاءِ الْبَيَانِ] (٥/ ٣١٧):
«قال مقيده - عفا الله عنه وغفر له -: الذي يظهر لي أنَّ استدلال مالك، والشافعي وغيرهما من أهل العلم بهذه الآية الكريمة، على منع جلد عميرة الذي هو الاستمناء باليد استدلال صحيح بكتاب الله، يدل عليه ظاهر القرآن، ولم يرد شيء يعارضه من كتاب ولا سنة، وما روي عن الإمام أحمد مع علمه، وجلالته وورعه من إباحة جلد عميرة مستدلًا على ذلك بالقياس قائلًا: هو إخراج فضلة من البدن تدعو الضرورة إلى إخراجها فجاز، قياسًا على الفصد والحجامة، كما قال في ذلك بعض الشعراء:
إذا حللت بواد لا أنيس به … فاجلد عميرة لا عار ولا حرج
[ ١٠ / ٢٢٢ ]
فهو خلاف الصواب، وإن كان قائله في المنزلة المعروفة التي هو بها؛ لأنَّه قياس يخالف ظاهر عموم القرآن، والقياس إن كان كذلك رد بالقادح المسمى فساد الاعتبار، كما أوضحناه في هذا الكتاب المبارك مرارًا وذكرنا فيه قول صاحب مراقي السعود:
والخلف للنص أو إجماع دعا … فساد الاعتبار كل من وعى
فالله - جل وعلا - قال: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ﴾ ولم يستثن من ذلك البتة إلَّا النوعين المذكورين، في قوله تعالى: ﴿إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾ وصرح برفع الملامة في عدم حفظ الفرج، عن الزوجة، والمملوكة فقط ثم جاء بصيغة عامة شاملة لغير النوعين المذكورين، دالة على المنع هي قَوْلُهُ: ﴿فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ﴾ وهذا العموم لا شك أنَّه يتناول بظاهره، ناكح يده، وظاهر عموم القرآن، لا يجوز العدول عنه، إلَّا لدليل من كتاب أو سنة، يجب الرجوع إليه، أمَّا القياس المخالف له فهو فاسد الاعتبار، كما أوضحنا، والعلم عند الله تعالى» اهـ.
قُلْتُ: ومما احتج به على تحريم الاستمناء قول الله تعالى: ﴿وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ نِكَاحًا حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [النور: ٣٣].
[ ١٠ / ٢٢٣ ]
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْقُرْطُبِيُّ ﵀ فِي [تَفْسِيْرِهِ] (١٢/ ٢٤٣ - ٢٤٤):
«ولما لم يجعل الله له بين العفة والنكاح درجة دل على أنَّ ما عداهما محرم ولا يدخل فيه ملك اليمين لأنَّه بنص آخر مباح، وهو قوله تعالى: ﴿أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ﴾ فجاءت فيه زيادة، ويبقى على التحريم الاستمناء ردًا على أحمد. وكذلك يخرج عنه نكاح المتعة بنسخه» اهـ.
قُلْتُ: وأمَّا ما رواه الآجري في [ذَمِّ اللِّوَاطِ] (٥٤)، والبيهقي في [شُعَبِ الْإِيْمَانِ] (٥٠٨٧)، وابن الجوزي في [ذَمِّ الْهَوَى] (ص: ٢٠٧) مِنْ طَرِيْقِ الْحَسَنِ بْنِ عَرَفَةَ، ثنا عَلِيُّ بْنُ ثَابِتٍ الْجَزَرِيُّ، عَنْ مَسْلَمَةَ بْنِ جَعْفَرٍ، عَنْ حَسَّانَ بْنِ حُمَيْدٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «سَبْعَةٌ لَا يَنْظُرُ اللهُ ﷿ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَلَا يُزَكِّيهِمْ، وَلَا يَجْمَعُهُمْ مَعَ الْعَالَمِينَ، يُدْخِلُهُمُ النَّارَ أَوَّلَ الدَّاخِلِينَ إِلَّا أَنْ يَتُوبُوا، إِلَّا أَنْ يَتُوبُوا، إِلَّا أَنْ يَتُوبُوا، فَمَنْ تَابَ تَابَ اللهُ عَلَيْهِ النَّاكِحُ يَدَهُ، وَالْفَاعِلُ وَالْمَفْعُولُ بِهِ، وَالْمُدْمِنُ بِالْخَمْرِ، وَالضَّارِبُ أَبَوَيْهِ حَتَّى يَسْتَغِيثَا، وَالْمُؤْذِي جِيرَانَهُ حَتَّى يَلْعَنُوهُ، وَالنَّاكِحُ حَلِيلَةَ جَارِهِ».
قُلْتُ: فَهُوَ حَدِيْثٌ لَا يَثْبُتُ.
[ ١٠ / ٢٢٤ ]
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْجَوْزِيِّ ﵀ فِي [الْعِلِلِ الْمُتْنَاهِيَةِ] (٢/ ٦٣٣): «هذا حديث لا يصح عن رسول الله ﷺ ولا حسان يعرف ولا مسلمة» اهـ.
وَقَالَ الْحَافِظُ ابْنُ كَثِيْرٍ ﵀ فِي [تَفْسِيْرِهِ] (٥/ ٤٦٣):
«هذا حديث غريب، وإسناده فيه من لا يعرف؛ لجهالته، والله أعلم» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْمُلَقِّنِ ﵀ في [الْبَدْرِ الْمُنِيْرِ] (٧/ ٦٦٢):
«وهذا حديث غريب وإسناده لا يثبت بمثله حجة: حسان بن حمير مجهول، ومسلمة وعلي ضعفهما الأزدي من أجل هذا الحديث» اهـ.
قُلْتُ: وهكذا ما جاء في أنَّ السحاق زنًا لا يصح، وقد رواه أبو يعلى في [مُسْنَدِهِ] (٧٤٩١)، والطبراني في [الْكَبِيْرِ] (١٧٦١٩)، وفي [مُسْنَدِ الشَّامِيِّينِ] (٣٤٠٢)، والبيهقي في [الشُّعَبِ] (٥٠٨٢)، والآجري في [ذَمِّ اللِّوَاطِ] (٢٢)، وابن أبي الدنيا في [ذَمِّ الْمَلَاهِي] (١٤٢)، وابن حزم في [الْمُحَلَّى] (١١/ ٣٩١)
مِنْ طَرِيْقِ عُثْمَانَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ عَنْبَسَةَ، عَنْ أَبَى الْعَلَاءِ، عَنْ مَكْحُولٍ، عَنْ وَاثِلَةَ بْنِ الْأَسْقَعِ، رَفَعَهُ، قَالَ: «سِحَاقُ النِّسَاءِ زِنَا بَيْنَهُنَّ».
[ ١٠ / ٢٢٥ ]
قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ ضَعِيْفٌ جِدًّا فعنبسة متروك الحديث. ومكحول لم يسمع من واثلة.
قُلْتُ: وقد جاء المنع من الاستمناء عن بعض الصحابة.
فروى عبد الرزاق في [مُصَنَّفِهِ] (١٣٥٨٧) عَنِ الثَّوْرِيِّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُثْمَانَ، عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ: سُئِلَ ابْنُ عُمَرَ عَنْهُ قَالَ: «ذَلِكَ نَائِكُ نَفْسِهِ».
قُلْتُ: إِسْنَادُهُ صَحِيْحٌ.
وروى ابن أبي شيبة في [مُصَنَّفِهِ] (١٧٤٩٩) حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ قُدَامَةَ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: سُئِلَ ابْنُ عُمَرَ عَنْهَا، يَعْنِي الْخَضْخَضَةَ، فَقَالَ: «ذَلِكَ الْفَاعِلُ بِنَفْسِهِ».
قُلْتُ: عطاء بن قدامة لم أعرفه.
وقد روي عن بعض الصحابة جواز ذلك ولا يثبت ذلك عن أحدهم.
فمن ذلك ما رواه البيهقي في [الْكُبْرَى] (١٣٩١٠) أَخْبَرَنَا أَبُو طَاهِرٍ الْفَقِيهُ، وَأَبُو بَكْرٍ الْقَاضِي قَالَا: أنبأ حَاجِبُ بْنُ أَحْمَدَ الطُّوسِيُّ، ثنا عَبْدُ الرَّحِيمِ بْنُ مُنِيبٍ، ثنا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، أنبأ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ، عَنْ عَمَّارٍ الدُّهْنِيِّ، عَنْ مُسْلِمٍ الْبَطِينِ، عَنِ ابْنِ
[ ١٠ / ٢٢٦ ]
عَبَّاسٍ، ﵄، أَنَّهُ سُئِلَ عَنِ الْخَضْخَضَةِ قَالَ: «نِكَاحُ الْأَمَةِ خَيْرٌ مِنْهُ وَهُوَ خَيْرٌ مِنَ الزِّنَا».
قال البيهقي: هَذَا مُرْسَلٌ مَوْقُوفٌ اهـ.
قُلْتُ: وذلك أنَّ مسلم البطين لم يدرك ابن عباس، لكنه روى ذلك عن أبي يحيى، كما رواه عبد الرزاق في [مُصَنَّفِهِ] (١٣٥٩٠) عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ، عَنْ عَمَّارٍ الدُّهْنِيِّ، عَنْ مُسْلِمٍ قَالَ: رَأَيْتُ سَعِيدَ بْنَ جُبَيْرٍ، لَقِيَ أَبَا يَحْيَى فَتَذَاكَرَا حَدِيثَ ابْنِ عَبَّاسٍ فَقَالَ لَهُ أَبُو يَحْيَى: سُئِلَ ابْنُ عَبَّاسٍ عَنْ رَجُلٍ يَعْبَثُ بِذَكَرِهِ حَتَّى يُنْزِلَ؟ فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: «إِنَّ نِكَاحَ الْأَمَةِ خَيْرٌ مِنْ هَذَا، وَهَذَا خَيْرٌ مِنَ الزِّنَا».
ورواه ابن أبي شيبة [مُصَنَّفِهِ] (١٧٤٩٨) نَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ عَمَّارٍ، عَنْ أَبِي مُسْلِمٍ، عَنْ أَبِي عِمْرَانَ، عَنْ أَبِي يَحْيَى، قَالَ: رَأَيْتُ رَجُلًا سَأَلَ ابْنَ عَبَّاسٍ، فَقَالَ: يَا ابْنَ عَبَّاسٍ إِنِّي رَجُلٌ أَعْبَثُ بِذَكَرِي حَتَّى أُنْزِلَ، قَالَ: فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: «أُفٍّ أُفٍّ، هُوَ خَيْرٌ مِنَ الزِّنَا، وَنِكَاحُ الْإِمَاءِ خَيْرٌ مِنْهُ».
قُلْتُ: هكذا وقع عند ابن أبي شيبة (عَنْ أَبِي مُسْلِمٍ) والصواب (مسلم) كما في رواية عبد الرزاق وهو مسلم البطين، ويكنى بأبي عمران فلعل الصواب عن مسلم أبي عمران.
[ ١٠ / ٢٢٧ ]
وروى عبد الرزاق في [مُصَنَّفِهِ] (١٣٥٨٨) عَنِ الثَّوْرِيِّ، وَمَعْمَرٍ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي رَزِينٍ، عَنْ أَبِي يَحْيَى، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَجُلٌ: إِنِّي أَعْبَثُ بِذَكَرِي حَتَّى أُنْزِلَ؟ قَالَ: «إِنَّ نِكَاحَ الْأَمَةِ خَيْرٌ مِنْهُ، وَهُوَ خَيْرٌ مِنَ الزِّنَا».
قُلْتُ: إِسْنَادُهُ ضَعِيْفٌ من أجل أبي يحيى وهو مصدع المعرقب فإنَّه شيعي كثير المناكير.
وأبو رزين هو مسعود بن مالك.
وروى عبد الرزاق في [مُصَنَّفِهِ] (١٣٥٩٢) أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ، عَنْ رَجُلٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّهُ قَالَ: «وَمَا هُوَ إِلَّا أَنْ يَعْرُكَ أَحَدُكُمْ زُبَّهُ حَتَّى يُنْزِلَ مَاءً».
قُلْتُ: إبراهيم بن أبي بكر لا يعرف حاله، وفي الإسناد رجل مبهم.
قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كَمَا فِي [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (١٠/ ٥٧٣ - ٥٧٤):
«وكثير من العلماء أو أكثرهم يجزمون بتحريمه مطلقًا وهو أحد الأقوال في مذهب أحمد. واختاره ابن عقيل في المفردات، والمشهور عنه - يعني عن أحمد - أنَّه محرم إلَّا إذا خشي العنت. والثالث: أنَّه مكروه إلَّا إذا خشي العنت. فإذا كان الله قد
[ ١٠ / ٢٢٨ ]
قال في نكاح الإماء: ﴿وَأَنْ تَصْبِرُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾ ففيه أولى. وذلك يدل على أنَّ الصبر عن كليهما ممكن. فإذا كان قد أباح ما يمكن الصبر عنه فذلك لتسهيل التكليف كما قال تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا﴾. و"الاستمناء" لا يباح عند أكثر العلماء سلفًا وخلفًا سواء خشي العنت أو لم يخش ذلك. وكلام ابن عباس وما روي عن أحمد فيه إنَّما هو لمن خشي "العنت" وهو الزنا واللواط خشية شديدة خاف على نفسه من الوقوع في ذلك فأبيح له ذلك لتكسير شدة عنته وشهوته. وأمَّا من فعل ذلك تلذذًا أو تذكرًا أو عادة؛ بأن يتذكر في حال استمنائه صورة كأنَّه يجامعها فهذا كله محرم لا يقول به أحمد ولا غيره وقد أوجب فيه بعضهم الحد، والصبر عن هذا من الواجبات لا من المستحبات» اهـ.
وَقَالَ ﵀ كَمَا فِي [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (٣٤/ ٢٢٩): «أمَّا الاستمناء فالأصل فيه التحريم عند جمهور العلماء وعلى فاعله التعزير؛ وليس مثل الزنا. والله أعلم» اهـ.
وَقَالَ ﵀ كَمَا فِي [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (٣٤/ ٢٢٩ - ٢٣٠): «أمَّا الاستمناء باليد فهو حرام عند جمهور العلماء وهو أصح القولين في مذهب أحمد وكذلك يعزر من فعله. وفي القول الآخر هو مكروه غير محرم، وأكثرهم لا يبيحونه لخوف
[ ١٠ / ٢٢٩ ]
العنت ولا غيره ونقل عن طائفة من الصحابة والتابعين أنَّهم رخصوا فيه للضرورة: مثل أن يخشى الزنا فلا يعصم منه إلَّا به ومثل أن يخاف إن لم يفعله أن يمرض وهذا قول أحمد وغيره. وأمَّا بدون الضرورة فما علمت أحدًا رخص فيه. والله أعلم» اهـ.
قُلْتُ: والذي يظهر لي هو حرمة الاستمناء، والسحاق للأدلة السابقة، ولما في هذه العادة من الضرر الكبير. والله أعلم.
ومما يدل على تحريم السحاق بين النساء ما رواه مسلم (٣٣٨) عَنِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «لَا يَنْظُرُ الرَّجُلُ إِلَى عَوْرَةِ الرَّجُلِ، وَلَا الْمَرْأَةُ إِلَى عَوْرَةِ الْمَرْأَةِ، وَلَا يُفْضِي الرَّجُلُ إِلَى الرَّجُلِ فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ، وَلَا تُفْضِي الْمَرْأَةُ إِلَى الْمَرْأَةِ فِي الثَّوْبِ الْوَاحِدِ».
* * *
٢٩٦ - عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁: أَنَّ نَفَرًا مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ سَأَلُوا أَزْوَاجَ النَّبِيِّ ﷺ عَنْ عَمَلِهِ فِي السِّرِّ؟ فَقَالَ بَعْضُهُمْ: لا أَتَزَوَّجُ النِّسَاءَ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لا آكُلُ اللَّحْمَ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لا
[ ١٠ / ٢٣٠ ]
أَنَامُ عَلَى فِرَاشٍ. فَبَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيَّ ﷺ فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ وَقَالَ: «مَا بَالُ أَقْوَامٍ قَالُوا كَذَا؟ لَكِنِّي أُصَلِّي وَأَنَامُ وَأَصُومُ وَأُفْطِرُ، وَأَتَزَوَّجُ النِّسَاءَ فَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي».
قَوْلُهُ: «أَنَّ نَفَرًا». النفر: الجماعة من الناس، وأقلهم ثلاثة وأكثرهم عشرة. وقد جاء في البخاري (٥٠٦٣) أنَّهم ثلاثة رهط، فقد روى عن أنس بن مالك، ﵁، يقول: «جَاءَ ثَلَاثَةُ رَهْطٍ إِلَى بُيُوتِ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ ﷺ، يَسْأَلُونَ عَنْ عِبَادَةِ النَّبِيِّ ﷺ …».
وَفِي الْحَدِيْثِ مَسَائِلُ مِنْهَا:
١ - عتاب المخطئ مع الستر عليه، وذلك أنَّ النبي ﷺ لم يسمِّ القوم بأعيانهم.
٢ - وفيه الحث على الاقتداء بالنبي ﷺ.
٣ - وفيه أنَّ الزواج من سنن الإسلام.
٤ - وفيه محاربة الإسلام للرهبانية.
٥ - وفيه افتتاح الخطب بالحمد والثناء على الله تعالى.
[ ١٠ / ٢٣١ ]
٦ - وفيه كراهة قيام جميع الليل.
ويستثنى من ذلك القيام في العشر الأواخر.
٧ - وفيه كراهة صيام الدهر.
٨ - وفيه أنَّ الرغبة عن سنة النبي ﷺ كبيرة من كبائر الذنوب.
قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كَمَا فِي [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (١١/ ٢٠١):
«"فَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي" أَيْ سَلَكَ غَيْرَهَا ظانًا أن غيرها خير منها فمن كان كذلك فهو بريء من الله ورسوله قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إبْرَاهِيمَ إلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ﴾، بل يجب على كل مسلم أن يعتقد أنَّ خير الكلام كلام الله وخير الهدي هدي محمد ﷺ كما ثبت عنه في الصحيح أنَّه كان يخطب بذلك كل يوم جمعة» اهـ.
وَقَالَ ﵀: (٢٧/ ٦٠): «والراغب عن الشيء الذي لا يحبه ولا يريده؛ بل يحب ويريد ما ينافي المشروع الذي أحبه الله ورسوله فقد تبرأ منه رسول الله ﷺ» اهـ.
٩ - وفيه ذم الغلو في الدين.
١٠ - واحتج به من قال: إنَّ النكاح أفضل من التفرغ لنوافل العبادات.
[ ١٠ / ٢٣٢ ]
قُلْتُ: وإلى هذا ذهب جمهور العلماء، وخالف في ذلك الإمام الشافعي ﵀.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (١٤/ ٣٥٣ - ٣٥٥):
«وقال الشافعي: التخلي لعبادة الله تعالى أفضل؛ لأنَّ الله تعالى مدح يحيى ﵇ بِقَوْلِهِ: ﴿وَسَيِّدًا وَحَصُورًا﴾، والحصور: الذي لا يأتي النساء فلو كان النكاح أفضل لما مدح بتركه.
وقال الله تعالى: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنْ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ﴾.
وهذا في معرض الذم، ولأنَّه عقد معاوضة، فكان الاشتغال بالعبادة أفضل منه، كالبيع.
ولنا، ما تقدم من أمر الله تعالى ورسوله به وحثهما عليه، وقال ﷺ: "ولكني أصوم وأفطر، وأصلي وأرقد، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس".
وقال سعد: لقد رد النبي ﷺ على عثمان بن مظعون التبتل، ولو أحله له لاختصينا. متفق عليهما.
[ ١٠ / ٢٣٣ ]
وعن أنس قال: كان النبي ﷺ يأمر بالباءة، وينهى عن التبتل نهيا شديدًا، ويقول: "تزوجوا الودود الولود، فإني مكاثر بكم الأمم يوم القيامة". رواه سعيد.
وهذا حث على النكاح شديد، ووعيد على تركه يقربه إلى الوجوب، والتخلي منه إلى التحريم، ولو كان التخلي أفضل لانعكس الأمر، ولأنَّ النبي ﷺ تزوج، وبالغ في العدد، وفعل ذلك أصحابه، ولا يشتغل النبي ﷺ وأصحابه إلاَّ بالأفضل، ولا تجتمع الصحابة على ترك الأفضل، والاشتغال بالأدنى، ومن العجب أن من يفضل التخلي لم يفعله.
فكيف أجمعوا على النكاح في فعله، وخالفوه في فضله، أفما كان فيهم من يتبع الأفضل عنده ويعمل بالأولى؟ ولأنَّ مصالح النكاح أكثر، فإنَّه يشتمل على تحصين الدين، وإحرازه، وتحصين المرأة وحفظها، والقيام بها، وإيجاد النسل، وتكثير الأمة، وتحقيق مباهاة النبي ﷺ وغير ذلك من المصالح الراجح أحدها على نفل العبادة، فمجموعها أولى.
[ ١٠ / ٢٣٤ ]
وقد روينا في أخبار المتقدمين، أنَّ قومًا ذكروا لنبي لهم فضل عابد لهم، فقال: أما إنَّه لتارك لشيء من السنة، فبلغ العابد، فأتى النبي، فسأله عن ذلك، فقال: إنَّك تركت التزويج.
فقال: يا نبي الله، وما هو إلَّا هذا، فلما رأى النبي احتقاره لذلك، قال: أرأيت لو ترك الناس كلهم التزويج من كان يقوم بالجهاد، وينفي العدو، ويقوم بفرائض الله تعالى وحدوده؟
وأمَّا ما ذكر عن يحيى، فهو شرعه، وشرعنا وارد بخلافه، فهو أولى والبيع لا يشتمل على مصالح النكاح، ولا يقاربها» اهـ.
قُلْتُ: والذي يظهر لي في شأن يحيى ﵊ أنَّه كان محصورًا عن الذنوب أي ممنوعًا عنها، وهذا هو الشرف في حقه، أمَّا ترك التزويج فليس في ذلك شرف.
قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ كَثِيْرٍ ﵀ فِي [تَفْسِيْرِهِ] (٢/ ٣٩):
«والمقصود أنَّه مدح يحيى بأنَّه حصور ليس أنَّه لا يأتي النساء، بل معناه كما قاله هو وغيره: أنَّه معصوم عن الفواحش والقاذورات، ولا يمنع ذلك من تزويجه بالنساء الحلال وغشيانهن وإيلادهن، بل قد يفهم وجود النسل له من دعاء زكريا المتقدم
[ ١٠ / ٢٣٥ ]
حيث قال: ﴿هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً﴾، كأنَّه قال: ولدًا له ذرية ونسل وعَقِب، والله ﷾ أعلم» اهـ.
قُلْتُ: أمَّا آية التزيين فقد قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [مَدَارِجِ السَّالِكِيْنَ] (١/ ١٨٣): «وإنَّما المراد بها التزهيد في هذا الفاني الذاهب والترغيب في الباقي الدائم والإزراء بمن آثر هذا المزين واتبعه» اهـ.
١١ - وفيه أنَّ من هدي النبي ﷺ في العبادات أن يخللها ببعض أوقات الراحة لتنشط النفس للعبادة بعد الراحة ولا تصاب بالملل.
وَقَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كَمَا فِي [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (٢٣/ ٢١٧):
«بل قد قيل: إنَّ من جملة حكمة النهي عن التطوع المطلق في بعض الأوقات إجمام النفوس في وقت النهي لتنشط للصلاة فإنَّها تنبسط إلى ما كانت ممنوعة منه وتنشط للصلاة بعد الراحة والله أعلم» اهـ.
١٢ - وفيه سؤال النساء عن مسائل العلم الذي لا يطلع عليه غيرهن.
١٣ - وفيه الرد على من حرم على نفسه الطبيات، والاتجاه إلى خشن العيش.
[ ١٠ / ٢٣٦ ]
وقد قال الله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: ٣٢].
وقال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ [المائدة: ٨٧].
وقال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ [المؤمنون: ٥١].
وقال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ [البقرة: ١٧٢].
وأمَّا قول الله تعالى: ﴿أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِهَا﴾ [الأحقاف: ٢٠].
فهي واردة في شأن الكفار كما يدل على ذلك سياق الآية، قال الله تعالى: ﴿وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِهَا
[ ١٠ / ٢٣٧ ]
فَالْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِمَا كُنْتُمْ تَفْسُقُونَ﴾ [الأحقاف: ٢٠].
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ بَطَّالٍ ﵀ فِي [شَرْحِ الْبُخَارِي] (٧/ ١٦٩):
«فإذا كان كذلك تبين خطأ من آثر لباس الشعر والصوف على لباس القطن والكتان إذا قدر على لبس ذلك من حله، وآثر أكل الفول والعدس على أكل خبز البر والشعير، وترك أكل اللحم والودك حذرًا من عارض الحاجة إلى النساء، فإن ظن ظان أنَّ الفضل في غير الذى قلنا لما في لباس الخشن وأكله من المشقة على النفس، وصرف فضل ما بينهما من القيمة إلى أهل الحاجة، فقد ظن خطأ. وذلك أنَّ أولى للإنسان بالنفس إصلاحها وعونها له على طاعة ربها ولا شيء أضر للجسم من المطاعم الردية؛ لأنَّها مفسدة لعقله، ومضعفة لأدواته التي جعلها الله سببًا إلى طاعاته» اهـ.
١٤ - قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ رَجَبٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (١/ ٨٣):
«ففي هذه الأحاديث كلها الإنكار على من نسب إليه التقصير في العمل للاتكال على المغفرة؛ فإنَّه كان يجتهد في الشكر أعظم الاجتهاد» اهـ.
[ ١٠ / ٢٣٨ ]
قُلْتُ: وذلك أنَّ هؤلاء النفر تقالوا عبادة النبي ﷺ وظنوا أنَّه ترك كثيرًا من الأعمال الصالحات اتكالًا على مغفرة الله له، ويبين ذلك ما رواه البخاري (٥٠٦٣) عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁، يَقُولُ: جَاءَ ثَلَاثَةُ رَهْطٍ إِلَى بُيُوتِ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ ﷺ، يَسْأَلُونَ عَنْ عِبَادَةِ النَّبِيِّ ﷺ، فَلَمَّا أُخْبِرُوا كَأَنَّهُمْ تَقَالُّوهَا، فَقَالُوا: وَأَيْنَ نَحْنُ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ؟ قَدْ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَمَا تَأَخَّرَ، قَالَ أَحَدُهُمْ: أَمَّا أَنَا فَإِنِّي أُصَلِّي اللَّيْلَ أَبَدًا، وَقَالَ آخَرُ: أَنَا أَصُومُ الدَّهْرَ وَلَا أُفْطِرُ، وَقَالَ آخَرُ: أَنَا أَعْتَزِلُ النِّسَاءَ فَلَا أَتَزَوَّجُ أَبَدًا، فَجَاءَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَيْهِمْ، فَقَالَ: «أَنْتُمُ الَّذِينَ قُلْتُمْ كَذَا وَكَذَا، أَمَا وَاللَّهِ إِنِّي لَأَخْشَاكُمْ لِلَّهِ وَأَتْقَاكُمْ لَهُ، لَكِنِّي أَصُومُ وَأُفْطِرُ، وَأُصَلِّي وَأَرْقُدُ، وَأَتَزَوَّجُ النِّسَاءَ، فَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي».
* * *
[ ١٠ / ٢٣٩ ]
٢٩٧ - عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ ﵁ قَالَ: «رَدَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى عُثْمَانَ بْنِ مَظْعُونٍ التَّبَتُّلَ وَلَوْ أَذِنَ لَهُ لاخْتَصَيْنَا».
التَّبَتُلُ: تَرْكُ النِّكَاحِ، وَمِنْهُ قِيْلَ لِمَرْيَمَ ﵍: الْبَتُولُ.
.
وَفِي الْحَدِيْثِ مَسَائِلُ مِنْهَا:
١ - النهي عن التبتل.
قَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٩/ ١١٨):
«المراد بالتبتل هنا الانقطاع عن النكاح وما يتبعه من الملاذ إلى العبادة» اهـ.
وأمَّا التبتل في قول الله تعالى: ﴿وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا﴾ [المزمل: ٨]، فليس المراد به ترك النكاح وما أباح الله من الطيبات، وإنَّما المراد بذلك الانقطاع لعبادة الله تعالى دون ما سواه، وهو معنى قول ابن عباس ومجاهد، وأبي صالح، وعطية، والضحاك، والسدي: أي: أخلص له العبادة.
قَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٩/ ١١٨):
«فقد فسره مجاهد فقال: أخلص له إخلاصًا وهو تفسير معنى وإلَّا فأصل التبتل الانقطاع، والمعنى: انقطع إليه انقطاعًا لكن لما كانت حقيقة الانقطاع إلى الله إنَّما
[ ١٠ / ٢٤٠ ]
تقع بإخلاص العبادة له فسرها بذلك، ومنه صدقة بتلة أي: منقطعة عن الملك، ومريم البتول لانقطاعها عن التزويج إلى العبادة، وقيل لفاطمة: البتول إمَّا لانقطاعها عن الأزواج غير علي أو لانقطاعها عن نظرائها في الحسن والشرف» اهـ.
٢ - وفيه النهي عن الاختصاء.
وهو شق الانثيين وانتزاع البيضتين.
قَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٩/ ١١٨): «والخصاء هو الشق على الأنثيين وانتزاعهما» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ الْقُرْطُبِي ﵀ فِي [الْمُفْهِم] (١٢/ ١٢٤):
«وَقَوْلُهُ: "ولو أجاز له ذلك لاختصينا". قد بيَّنَّا: أنَّ الخصاء هو شَقُّ الخصيتين وانتزاعهما. وقد يقال: من أين يلزم من جواز التبتل عن النساء جواز الاختصاء؟ وهو قطع عضوين شريفين بهما قوام النسل، وفي قطعهما ألم عظيم لا يجوز لأحد أن يُدْخِلَهُ على نفسه، وضررٌ عظيم ربما يفضي بصاحبه إلى الهلاك، وهو محرمٌ بالاتفاق.
[ ١٠ / ٢٤١ ]
والجواب: إنَّ ذلك لازم من حيث أنَّ مطلق التبتل يتضمنه، وكأنَّ قائل ذلك وقع له: أنَّ التبتل الحقيقي الذي تؤمن معه شهوة النساء هو الخصاء. فكأنَّه أخذ بأكثر مما يدل عليه الاسم. وقولكم: هو ألم عظيم مُسَلَّم، لكنه مُغتفرٌ في جنب صيانة الدِّين، فقد يُغتفر الألم العظيم في جنب ما هو أعظم منه، كقطع اليد الآكلة، وكالكيِّ، والبَطِّ، وغير ذلك. وقولكم: هو مُفْض إلى الهلاك غالبًا، غير مُسلَّم، بل نقول: وقوعُ الهلاك منه نادرٌ، فلا يُلْتَفتُ إليه، وخصاء البهائم يشهد بذلك. وما ذكرناه إنَّما هو تقدير ما وقع لسعدٍ، ولا يُظَنُّ: أنَّ ذلك يجوز لأحدٍ اليوم، بل هو محرّم بالإجماع. وكلُّ ما ذكرناه مبنيٌّ على الأخذ بظاهر: "لاختصينا"، ويحتمل أن يريد به سعدٌ: لمنعنا أنفسنا من النساء، منع المختصي. والظاهر هو الأول، والله أعلم» اهـ.
قُلْتُ: وأمَّا خصي البهائم فمما تنازع فيه العلماء.
فروى مالك في [الْمُوَطَّأِ] (١٦٩٩)، ومن طريقه عبد الرزاق في [مُصَنَّفِهِ] (٨٤٤٠) عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، «أَنَّهُ كَانَ يَكْرَهُ الْإِخْصَاءَ، وَيَقُولُ فِيهِ تَمَامُ الْخَلْقِ».
قُلْتُ: إِسْنَادُهُ صَحِيْحٌ.
[ ١٠ / ٢٤٢ ]
ورواه البيهقي في [الْكُبْرَى] (١٩٥٧٩) مِنْ طَرِيْقِ عبيد الله بن عمر عن نافع به.
وروي مرفوعًا، وهو ما رواه أحمد (٤٧٦٩) حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ نَافِعٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ إِخْصَاءِ الْخَيْلِ وَالْبَهَائِمِ» وقَالَ ابْنُ عُمَرَ: فِيهَا نَمَاءُ الْخَلْقِ.
قُلْتُ: عبد الله بن نافع، شديد الضعف. فَالْحَدِيُثُ مُنْكَرٌ.
وروى ابن عدي في [الْكَامِلِ] (٧/ ١٧١)، وابن عساكر في [تَارِيْخِ دِمَشْقَ] (١٠/ ٣٧٨) مِنْ طَرِيْقِ أَبِي يَعْقُوبَ الْأَفْطَسِ، حَدَّثَنا مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ، عنِ ابْنِ عُمَر، «أَنْ النَّبيّ ﷺ نَهَى عَنْ الإِخْصَاءِ وَقَالَ: "فِيهِ نَمَاءُ الْخَلْقِ"».
قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ عَدِيٍّ ﵀ فِي [الْكَامِلِ] (٧/ ١٧١): «وهذا عن مالك بهذا الإسناد يرويه أبو يعقوب هذا وهو منكر» اهـ.
وأورد له الْحَافِظُ الذَّهَبِيُّ ﵀ فِي [الْمِيْزَانِ] (٤/ ٤٧٦) هذا الحديث، وحديث: «إنَّ اللهَ يَدْعُو بِالْعَبْدِ فَيَسْأَلُهُ عَنْ جَاهِهِ كَمَا يَسْأَلُهُ عَنْ مَالِهِ».
ثُمَّ قَالَ ﵀: «قال ابن حبان: هذا لا أصل له من كلام رسول الله ﷺ، والافطس لا يجوز الاحتجاج بما انفرد به. وقال ابن الجوزي: قال الدارقطني: ثقة.
[ ١٠ / ٢٤٣ ]
قُلْتُ: بل من يروى مثل هذين الخبرين ليس بثقة ولا مأمون» اهـ.
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْقُرْطُبِيُّ ﵀ فِي [تَفْسِيْرِهِ] (٥/ ٣٩٠ - ٣٩١):
«وأمَّا خصاء البهائم فرخص فيه جماعة من أهل العلم إذا قصدت فيه المنفعة إمَّا لسمن أو غيره. والجمهور من العلماء وجماعتهم على أنَّه لا بأس أن يضحي بالخصي، واستحسنه بعضهم إذا كان أسمن من غيره. ورخص في خصاء الخيل عمر بن عبد العزيز. وخصى عروة بن الزبير بغلًا له. ورخص مالك في خصاء ذكور الغنم، وإنَّما جاز ذلك لأنَّه لا يقصد به تعليق الحيوان بالدين لصنم يعبد، ولا لرب يوحد. وإنَّما يقصد به تطييب اللحم فيما يؤكل، وتقوية الذكر إذا انقطع أمله عن الأنثى. ومنهم من كره ذلك، لقول النبي ﷺ: "إنَّما يفعل ذلك الذين لا يعلمون". واختاره ابن المنذر وقال: لأنَّ ذلك ثابت عن ابن عمر، وكان يقول: هو نماء خلق الله؛ وكره ذلك عبد الملك بن مروان. وقال الأوزاعي: كانوا يكرهون خصاء كل شيء له نسل» اهـ.
قُلْتُ: حديث: «إنَّما يفعل ذلك الذين لا يعلمون» اهـ. واد في نزو الحمار على الفرس.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ فِي [شَرْحِ مُسْلِمٍ] (٩/ ١٧٧):
[ ١٠ / ٢٤٤ ]
«قَالَ الْبَغَوِيُّ وَكَذَا يَحْرُمُ خِصَاءُ كُلِّ حَيَوَانٍ لَا يُؤْكَلُ وَأَمَّا الْمَأْكُولُ فَيَجُوزُ خِصَاؤُهُ فِي صِغَرِهِ وَيَحْرُمُ فِي كِبَرِهِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ» اهـ.
قُلْتُ: وقد ثبت تضحية النبي ﷺ بالخصي، وهو ما رواه أبو داود (٢٧٩٥) عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: «ذَبَحَ النَّبِيُّ ﷺ يَوْمَ الذَّبْحِ كَبْشَيْنِ أَقْرَنَيْنِ أَمْلَحَيْنِ مُوجَأَيْنِ».
قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ حَسَنٌ بِشَوَاهِدِهِ.
فدل ذلك على جواز خصي البهائم من أجل اللحم، وأمَّا ما سوى ذلك فالأصل فيه المنع لما فيه من تغيير لخلق الله، وإيذاء للحيوان. والله أعلم.
* * *
[ ١٠ / ٢٤٥ ]