وفِيمَنْ يُضْطَرُّ إلى أَكْلِ المَيتَةِ
أَرْسَلَ ابنُ بُكَيْبر عَنْ مَالِكٍ، عَنِ ابنِ شِهَابٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بنِ عبدِ اللهِ بنِ عُتْبَةَ: "أَنَّ النبيَّ - ﷺ - مرَّ بِشَاةٍ مَيْتَةٍ كَانَ أَعْطَاهَا مَوْلَاةً لِمَيْمُونَةَ زَوْجِ النبيِّ - ﷺ -، فقالَ: هَلَّا انتفَعْتُم بِجِلْدِهَا"، وذَكَرَ الحَدِيثَ إلى آخِرِه، وأَرْسَلَهُ (١).
* ورَوَاهُ يَحْيىَ بنُ يحيى، عَنْ مَالِكٍ، عَنِ ابنِ شِهَابٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بنِ عَبْدِ اللهِ، عَنِ ابنِ عبَّاس، عَنِ النبيِّ - ﷺ - وأَسْنَدَهُ [١٨٢٩].
وكَذَلِكَ أَرْسَلَهُ القَعْنَبِيُّ عَنْ مَالِكٍ كَمَا أَرْسَلَهُ عنهُ ابنُ بُكَيْرٍ (٢).
ورَوَاهُ ابنُ القَاسِمِ مُسْنَدًا عَنْ مَالِكٍ، كَمَا رَوَاهُ يَحْيىَ بنُ يَحْيىَ (٣).
واخْتَلَفَ فِيهِ أَصْحَابُ الزُّهْرِيِّ، فَزَادَ ابنُ عُيَيْنَةَ عَنِ الزُّهْرِيِّ في سَنَدِ هذَا الحَدِيثِ مَيْمُونَةَ، وقَالَ أَيْضًا في آخِرهِ: "ألَا أَخَذُوا إهَابَهَا فَدَبَغُوهُ وانْتَفَعُوا بهِ" (٤)، ولَمْ يَذْكُرِ (الدَّبَاغَ) في هذَا الحَدِيثِ إلَّا ابنُ عُيَيَنْةَ عَنِ الزُّهْرِيِّ.
قالَ أَحْمَدُ بنُ خَالِدٍ: قِيلَ لإبنِ عُيَيْنَةَ: أَفِي غَيْرِكَ مِنْ أَصْحَابِ الزُّهْرِيِّ لا يَذْكُرُ
_________________
(١) موطأ مالك، برواية ابن بكير، الورقة (١١٧١)، نسخة المكتبة الظاهرية.
(٢) لم أجده في رواية القعنبي المطبوعة، وإنما وجدت أبا العباس الداني ذكره في كتابه أطراف الموطأ ٢/ ٥٣٢ نقلا عن القعنبي في موطئه.
(٣) موطأ مالك، برواية ابن القاسم، وتلخيص القابسي (٥٢).
(٤) رواه مسلم (٣٦٣)، وأبو داود (٤١٢٠)، والنسائي ٧/ ١٧١، وابن ماجة (٣٦١٠)، بإسنادهم إلى ابن عيينة به.
[ ١ / ٣٣٣ ]
في هذَا الحَدِيثِ (الدِّبَاغُ؟)، فقالَ: أَنَا سَمِعْتُ (الدّبَاغَ) مِنَ الزُّهْرِيِّ سَمْعَا" (١).
قالَ أَحْمَدُ بنُ خَالِدٍ: ورَوَى هَذَا الحَدِيثَ عبدُ الرَّزاقِ، عَنِ ابنِ جُرَيْجٍ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنِ ابنِ عبَّاسٍ قالَ: أَخْبَرَتْنِي مَيْمُونَةُ زَوْجُ النبيِّ - ﷺ -: "أَنَّ شَاةً لَهُمْ مَاتَتْ، فَقَالَ النبيُّ - ﷺ -: أَلَا دَبَغْتُم إهَابَهَا" (٢)، يعَنِي: وَانتفَعْتُم بهِ.
قالَ أَحْمَدُ: فِفِي هذَا الحَدِيثِ دَلِيل على أنَّ الانْتِفَاعَ بِجِلْدِ المَيْتَةِ إنَّمَا هُوَ بعدَ الدّبَاغِ، وَهُوَ مُوَافِق لِمَا رَوَاهُ ابنُ عُيَيْنَةَ عَنِ الزُّهْرِيِّ.
* قالَ عِيسَى بنُ دِينَارٍ: الذي يأخُذُ بهِ مَالِكٌ في جُلُودِ المَيْتَةِ حَدِيثَ عَائِشَةَ: "أَن النبيَّ - ﷺ - أمًرَ أَنْ يُسْتَمْتعً بِجُلُودِ المَيْتَةِ إذا دُبغَتْ" [١٨٣١]، يُرِيدُ: يُسْتَمْتَعُ بِها في غَيْرِ اللِّبَاسِ والصَّلَاةِ بِهَا، وَهِي عِنْدَهُ على أَصْلِهًا غَيْرُ طَاهِرَةٍ.
* قالَ أَبو مُحَمَّدٍ: في حَدِيثِ زيْدِ بنِ أَسْلَمَ عَنِ ابنِ وَعْلَةٍ المَصْرِيِّ، عَنِ ابنِ عبَّاسٍ، أَنَّ النبيَّ - ﷺ - قالَ: "إذا دُبغَ الإهَابُ فَقَدْ طَهُرَ" [١٨٣٠]، قالَ أَبو مُحَمَّدٍ: هَذا حَدِيثٌ مَعْلُولٌ، لأَنَ ابنَ وَعْلَةَ رَجُل مَجْهُولٌ لا يُعْرَفُ (٣)، وَلِذَلِكَ لَمْ يَأْخُذْ بهِ مَالِكٍ في جُلُودِ المَيْتَةِ إذا دُبِغَتْ، وَقَدْ رَوَى عنهُ ابنُ عبدِ الحَكَمِ أَنَّهُ قالَ: مَنْ دَبَغَ جِلدَ مَيْتَةٍ ثُمَّ قَطَعَهُ نِعَالًا لَمْ يَبِعْهُ حتَّى يُبيِّنَ أَنَّهُ جِلْدُ مَيْتَةٍ، مِنْ أَجْلِ أَنَّهُ لَا يُصَلَّى بِهِ (٤).
[قالَ أبو المُطَرِّفِ]: زَادَ ابنُ بُكَيْرٍ في هذَا البَابِ في مَوَطَّئِهِ حَدِيثَ مَالِكٍ عَنْ عَمِّهِ أَبي سُهَيل بنِ مَالِكٍ، أعن أبيه، عَنْ كَعْبٍ الأَحْبَارِ أَنَّهُ رَأَى رَجُلًا نَزَعَ نَعْلَيْهِ، فقالَ لَهُ كَدْب: لِمَ خَلَعْتَ نَعْلَيْكَ، لَعَلَّكَ تَأَوَّلْتَ هَذَهِ الآيةَ: ﴿فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ
_________________
(١) رواه ابن المنذر في الأوسط ٢/ ٢٦٠، والبيهقي في السنن ١/ ١٥.
(٢) مصنف عبد الرزاق ١/ ٦٣.
(٣) ابن وعلة هو عبد الرحمن بن وعلة المصري وثقه ابن معين والنسائي وغيرهما، وروى حديثه مسلم والأربعة، ينظر: تهذيب الكمال ١٧/ ٤٧٨.
(٤) نقله قول مالك المذكور: ابن عبد البر في الإستذكار ٥/ ٥٣١.
[ ١ / ٣٣٤ ]
إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى﴾ [طه: ١٢]، ثُمَّ قَالَ لَهُ كَعْب: هَلْ تَدْرِي مِمَّا كَانتَا نَعْلَا مُوسَى؟ إنَّمَا كَانتَا مِنْ جِلْدِ حِمَارِ مَيِّتٍ (١).
قالَ أَبو عُمَرَ: إنَّمَا أَدْخَلَ مَالِكٌ هذا الحَدِيثَ في المُوطَّأ على الرُّخْصَةَ في الإنْتِعَالِ بِجُلودِ المَيْتَةِ.
[قالَ أبو المُطَرِّفِ]: كَرِهَ قَوْمٌ مِنْ [أَهْلِ] (٢) الأَمْصَارِ الإنْتِفَاعَ بِجُلُودِ المَيْتَةِ،
واحْتَجُّوا بِما رَوَاهُ ابنُ أَبي شَيْبَةَ، عَنْ جَرِيرٍ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنِ الحَكَمِ، عَنْ عبدِ [الرَّحمن] (٣) بنِ أَبي لَيْلَى، عَنْ عبدِ اللهِ بنِ عُكَيْمٍ، قالَ: كَتَبَ إلينَا رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: "أَلَّا تَنْتَفِعُوا مِنَ المَيْتَةِ بإهَابٍ ولَا عَصَبٍ" (٤).
قالَ أَحْمَدُ بنُ خَالِدٍ: أَخَذَ بِهَذا الحَدِيثِ قَوْمٌ وَحَسِبُوهُ نَاسِخًا لإبَاحَةِ الانْتِفَاعِ بِجُلُودِ المَيْتَةِ، واحْتَجُّوا في ذَلِكَ أَيْضًا بِأَنْ قَالُوا: إنَّ المَيْتَةَ مُحَرَّمَة، فَكَذَلِكَ جِلْدُهَا مُحَرَّمٌ، فَلَا يَجُوزُ أنْ يُنتفَعَ بهِ في شَيءٍ ما.
قالَ أَحْمَدُ: وهذَا حَدِيثٌ لَمْ يَرْوِه أَحَدٌ غَيْرُ عبدِ اللهِ بنِ عُكَيْمٍ عَنِ النبيِّ - ﷺ -، ومَرَّةً يَقُولُ: كَتَبَ إلينَا رَسُولُ اللهِ - ﷺ - أقَبْلَ مَوْتهِ، (٥) بِشَهْرٍ "ألَّا تَنْتَفِعُوا مِنَ المَيْتَةِ بِإِهَابٍ ولَا عَصَبٍ"، فَاضْطَرَبتْ فِيهِ رِوَايَتُهُ، وقَدْ ثَبَتَ حَدِيثُ الإنْتِفَاعِ بِجُلُودِ المَيْتَةِ إذ دُبِغَ عَنِ النبيِّ - ﷺ -، وقَدْ قِيلَ لَهُ: يا رَسُولَ اللهِ، إنَّها مَيْتَة، فقَالَ: "إنَّما حُرِّمَ أَكْلُهَا"، ثُمَّ أَبَاحَ الإنْتِفَاعَ بِجِلْدِها، وَهُوَ المُبَيِّنُ عَنِ اللهِ -﷿- مَا حَرَّمَ ومَا أَبَاحَ، وهذَا الذي عليهِ أَهْلُ المَدِينَةِ.
_________________
(١) موطأ مالك، برواية ابن بكير، الورقة (١٧١ ب) نسخة الظاهرية. قلت: وهذا الأثر رواه يحيى في موطئه (٣٣٩٦) في كتاب الجامع، باب ما جاء في الإنتعال، وكان المصنف -رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى- سهى عنه. وما كان بين معقوفتين سقط من الأصل ولابد منه.
(٢) جاء في الأصل: (الأهل)، وهو خطأ لا يتوافق مع السياق.
(٣) جاء في الأصل (عبد الله)، وهو خطأ.
(٤) مصنف بن أبي شيبة ٨/ ٣١٤ - ٣١٥، ورواه أبو داود (٤١٢٧)، والترمذي (١٧٢٩)، والنسائي ٧/ ١٧٥، وابن ماجة (٣٦١٣).
(٥) ما بين المعقوفتين زيادة من المعجم الأوسط للطبراني ١/ ٢٥١، وسنن البيهقي ١/ ١٥.
[ ١ / ٣٣٥ ]
قالَ مَالِكٌ: أَحْسَنُ مَا سَمِعْتُ فِيمَنِ اضْطُرَّ إلى المَيْتَةِ أَنَّهُ يَأكُلُ مِنْهَا حتَّى يَشْبَعَ، ويَتَزَوَّدُ [مِنْهَا] (١)، وإذا وَجَد عَنْهَا غِنًى طَرَحَها [١٨٣٣].
وقَالَ غَيْرُ مَالِكٍ: يَأكُلُ مِنْهَا مَا يَرُدُّ جُوعَهُ ولَا يَتَزَوَّدُ مِنْهَا.
واخْتَلَفُوا في قَاطِعِ الطَّرِيقِ إذا اضْطَرَّ إلى أَكْلِ المَيْتَةِ، فَقِيلَ: يَأْكُلُ مِنْهَا ولَا يَقْتُلُ نَفسَهُ، وقَالَ الكَلْبِي في تَفْسِيرِ قَوْلهِ -﷿-: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَليْهِ﴾ [البقرة: ١٧٣] (٢) فقالَ: هُوَ اللِّصقُ يَقْطَعُ الطرِيقَ ويَعْدُو علَى النَّاسِ، فَلَا يَأْكُلُ مِنَ المَيْتَةِ إذا اضْطُرَّ إليها.
وقالَ الحَسَنُ: لَهُ أَنْ يَأْكُلَ مِنْهَا ولَا يَقْتُلُ نَفْسَهُ، ومَعْنَى قَوْلهِ تَعَالَى عندَ الحَسَنِ: فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ ولَا عَادٍ، يَعْنِي: غَيْرَ بَاغٍ فِيهَا يَأكُلُهَا وَهُو غَنِيٌّ عَنْهَا (٣).
* * *
تَمَّ الكِتَابُ والحَمْدُ للهِ رَبِّ العَالَمِين
يَتْلُوهُ كِتَابُ النِّكَاحِ بِحَوْلِ اللهِ تَعَالَى
* * *
_________________
(١) ما بين المعقوفتين من الموطأ.
(٢) الآية في أكثر من موضع، ومنها في سورة البقرة، الآية: (١٧٣).
(٣) رواه عبد الرزاق في التفسير ١/ ٦٥، بإسنادهما إلى الكلبي، وإلى الحسن البصري.
[ ١ / ٣٣٦ ]
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
صلَّى اللهُ على مُحّمَّدٍ، وعلى آلهِ وصحبهِ وسلَّم تَسْلِيمًا