لقد اشتَملَ هذا الكتابُ على ثَرْوَةٍ فِقْهِيَّةٍ هَامَّةٍ فِي مَجَالِ الفِقْهِ المَالِكِيِّ عَلَى الخُصُوصِ، واعْتَمَدَ في ذَلِكَ على كِبَارِ الفُقَهَاءِ المالكيَّةِ بِدْءًا بِتَلامِذَةِ الإمَامِ مالِكٍ كابنِ القَاسِمِ، وَيحْيى، وأَشْهَبَ، وابنِ المَاجِشُونَ، وعليِّ بنِ زِيَادٍ، ثُمَّ مَنْ يَلِيهِم كَسُحْنُونَ، وعَبْدِ الملكِ بنِ حَبيبٍ، واصْبَغَ، وعِيسَى بنِ دِينَارٍ، كَمَا أنَّهُ أكثرَ مِنَ النَّقْلِ عَنِ المتُأخِّرينَ مِن عُلَمَاَءِ الأَنْدَلُسِ وغيرهم وأكثرهم مِنْ أعيان شُيُوخهِ، كأبي مُحَمَّدٍ، وأَبي عُمَرَ، وابنِ أَبي زَيدٍ، وأَبي بَكْرٍ الأَبهَريِّ، وآخرين ممّن ذَكَرْتهُم في مَبْحَثِ مَوَارِد المُصَنِّفِ في كِتَابهِ.
والأمثلةُ في ذَلِكَ كَثِيرَةٌ جِدًَّا، ولا بأسَ بذكِرِ مِثَالَيْنِ:
- فقد قالَ في أَوَّلِ جَامعِ الوُضُوءِ: (قولُ النبيِّ - ﵇ - لأهلِ القُبُورِ: "السَّلامُ عليكُم دارَ قَوْمٍ مُؤْمِنينَ" وذَكَرَ الحَدِيثَ، فيه من الفِقه: إباحةُ زِيَارةِ القُبُورِ، والسَّلامُ على المَوْتَى. وقالَ بَعضُهم: في هذا الحَدِيثِ دَلِيلٌ على أنَّ أَرْوَاحَ المَوْتَى على أَقْبِيَةِ القُبُورِ، وأَنْكَرَ هذا القَوْلَ بعضُ شُيُوخِنا، وقالَ: ثَبَتَ عَنِ
_________________
(١) ص ١٩٣.
(٢) ص ٦٢٥.
(٣) ص ٦٤١.
(٤) ص ٤٣٧.
[ ١ / ٩٢ ]
النبيِّ - ﷺ - أنَّهُ قالَ: "إنما نَسَمَةُ المُؤْمِنِ مِنْ طَيْر يُعْلَقُ في شَجَرةِ الجَنَّةِ حتَّى يُرْجعَهُ اللهُ -﷿- إلى جَسَدِه يومَ القِيَامةِ". وسُئِلَ يحيىَ بنُ يحيىَ عَنْ مُسْتَقَرِّ الأَروَاحِ أينَ هي؟ قالَ للسَّائِل: أينَ كانتْ قبلَ أنْ تَكْمُنَ في الأَجْسَادِ، وقالَ لَهُ: كانتْ في عِلْمِ اللهِ، قالَ له يحيىَ: وكَذَلِكَ هي بعدَ خُرُوجِها مِنَ الأَجْسَادِ في عِلْمِ اللهِ) (١).
- وقال أيضًا: (وذَكَرَ بَعْضُ شُيُوخِنَا عَنْ مُحَمَّدِ بنِ لُبَابَةَ أنَّهُ كَانَ إذا ذُكرَ لَهُ أَنَّ الزَّوْجَيْنِ إذا شَكَا بَعْضَهُمَا بَعْضًَا إلى الحَكَمِ أَنَّهُ يَنْبَغِي للحَكَمِ أنْ يَجْعَلَ بَيْنَهُمَا أَمِينًَا، أو في دَارٍ أَمِين، ويُخْبِرُ الأَمِينُ الحَكَمَ بِمَا يَبْدُو لَهُ مِنْ أُمُورِهَما. فَكَانَ أَبو مُحَمَّدٍ يَقُولُ: لَسْتُ أَرَى هَذا إلَّا مَا قَالَ اللهُ ﵎: ﴿فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا﴾ (٢) [النساء: ٣٥].