[مَا يَقُولُ المُصَلِّي على الجَنَازَةِ، ومَا جَاءَ في الصَّلَاةِ على الجَنَائِزِ في المَسْجِدِ] (١)
فلمْ يُصَلِّ وَاحِدٌ مِنْهُم على قَبْرِه، وكَفَى بهذا حُجَّةً على مَن أَبَاحَ الصَّلَاةَ على قَبْرِ مَيّتٍ قد صُلِّيَ عليهِ قَبْلَ أَنْ يُقْبَرَ.
قالَ مَالِكٌ: ولَيْسَ على حَدِيثِ السَّودَاءِ العَمَلُ (٢).
قالَ عِيسَى: مَنْ دُفِنَ ولمْ يُصَلَّ، أَو قُتِلَ ولمْ يُصَلَّ عليهِ ودُفِنَ، فإني أَرَى أَنْ يُصَلَّى على قَبْرِه، وقدْ بَلَغَنِي ذَلِكَ عَنْ عبدِ العَزِيزِ بنِ أَبي سَلَمَةَ (٣).
سَاَلْتُ أبا مُحَمَّدٍ عَنْ حَدِيثِ ابنِ عُيَيْنَةَ، عَنْ [سَعْدِ] (٤) بنِ إبْرَاهِيمَ، عَنْ
_________________
(١) سقطت ستة أبواب من الأصل، بسبب ضياع الأوراق، والأبواب في الموطأ في الجزء الثاني، من الصفحة ٣١١، إلى الصفحة ٣١٩.
(٢) حديث المرأة السوداء الفقيرة التي توفيت رواه مالك في الموطأ (٧٧٢)، باب ما جاء في التكبير على الجنائز.
(٣) نقل قول عيسى بن دينار الإِمام ابن عبد البر في التمهيد ٦/ ٢٧٩.
(٤) في الأصل: سعيد، وهو خطأ.
[ ١ / ٢٩٧ ]
طَلْحَةَ بنِ عبدِ [الله] (١) بنِ عَوْفِ أَنَّه قالَ: (صَلَّيْتُ مَعَ ابنِ عبَّاسِ على جِنَازَة، فَقَرأَ بِفَاتِحَةِ الكِتَابِ) (٢)، فقالَ لِي أَبو مُحَمَّدٍ: ثَبَتَ عَنِ النبيِّ - ﷺ - أَنَّهُ قالَ في المَيِّتِ: "أَخْلِصُوه بالدُّعَاءِ" (٣)، وإذا قَرَأَ المُصَلِّي على المِيِّتِ بأُمِّ القُرْآنِ كَانَتْ قِرَأتهُ بينَ اللهِ وبينَ القَارِئ، ولمْ يَكُنْ للَمَيِّتِ مِنْ ذَلِكَ شَيءٌ، وقدْ أَمَرَنا - عليهِ السَّلاَمُ - أَنْ [نُخْلِصَهُ] (٤) بالدُّعَاءِ.
قِيلَ لَهُ: قدْ قالَ - ﷺ -: "كُلُّ صَلاَةٍ لا يُقْرَأُ فِيها بأُمِّ القُرْآنِ فِهِي خِدَاجٌ" (٥)، قالَ: تِلْكَ صَلاَةٌ يَكُونُ فِيهَا رُكُوع وسُجُودٌ، والصَّلاَةُ على الجَنَائِزِ إنَّما هُو دُعَاءٌ للمِيِّتِ، كَمَا أَمَرَ - ﷺ -.
روى مَالِكٌ عَنْ أَبي النَّضْرِ: (أَنَّ عَائِشَةَ أَمَرَتْ أَنْ يُمَرَّ عَلَيْهَا بِسَعْدِ بنِ أَبي وَقَّاصٍ حِينَ ماتَ لِكَي تُصَلِّي عليهِ، فأَنْكَر النَّاسُ عَلَيْها ذَلِكَ) [٧٨٢]. قالَ أَبو مُحَمَّدٍ: لَمْ يَسْمَعْ أَبو النَّضْرِ مِنْ عَائِشَةَ، وحَدِيثُهُ عَنْهَا مُرْسَلٌ.
فقُلتُ لَهُ: فقدْ روَى ابنُ أَبي فُدَيْكٍ، عَنِ الضَّحّاكِ بنِ عُثْمَانَ، عَنْ أَبي النَّضْرِ، عَنْ أَبي سَلَمةَ، عَنْ عَائِشَةَ قالتْ: (واللهِ مَا صَلَّى رَسُولُ اللهِ - ﷺ - على ابْنَي بَيْضَاءَ سَهْلًا وسُهَيْلاَ إلَّا في المَسْجِدِ) (٦)، فقالَ لِي أَبو مُحَمَّدٍ: هذَا حَدِيثٌ ليسَ بِثَابِتٍ، وابنُ أَبي فُدَيْكٍ ضَعِيفٌ، وقدْ أَنْكَرَ النَّاسُ على عَائِشَةَ إذْ أَمَرَتْ أَنْ يُمَرَّ عَلَيْهَا بِسَعْدٍ في المَسْجِدِ لِتَدْعُو لَهُ (٧)، وفِي خُرُوجِ النبيِّ - ﷺ - مِنَ المَسْجِدِ إلى المُصَلَّى لِيُصَلِّي
_________________
(١) جاء في الأصل: عبد الرحمن، وهو خطأ، وطلحة بن عبد الله هو ابن أخي عبد الرحمن بن عوف.
(٢) رواه البخاري (١٢٧٠)، وأبو داود (٣١٩٨)، بإسنادهما إلى ابن عيينة به.
(٣) رواه أبو داود (٣١٩٩)، وابن ماجه (١٤٩٧)، من حديث أبي هريرة، وليس في الحديث نهي عن القراءة، وإنَّما فيه الدعاء له بالإخلاص.
(٤) جاء في الأصل: نخلصوه، وهو خطأ، والصواب ما أثبته.
(٥) تقدم تخريج هذا الحديث في كتاب الصلاة، وهو حديث صحيح مشهور.
(٦) رواه مسلم (٩٧٣)، وأبو داود (٣١٩٠)، بإسنادهم إلى إسماعيل بن أبي فديك به.
(٧) قال ابن حجر في الفتح ٣/ ١٩٩: إن عائشة لما أنكرت ذلك الإنكار سلّموا لها، فدل على أنها حفظت ما نسوه.
[ ١ / ٢٩٨ ]
على النَّجَاشِيِّ ولَيْسَ بالحَضْرَةِ، أَقْوَى دَلِيلٍ على أَنَّهُ لا يُصَلَّى على جِنَازَةٍ في المَسْجِدِ.
قُلْتُ لَهُ: فَقَدْ صُلِّيَ على عُمَرَ في المَسْجِدِ، فقالَ: إنَّما صُلِّيَ عَلَيْهِ في المَسْجِدِ مِنْ أَجْلِ أَنَّ قَبْرَهُ كَانَ فيهِ، فَصُلِّي عليهِ عندَ قَبْرِه، ثُمَّ دُفِنَ فِيهِ.
ورَوَى أَبو دَاوُدَ مِنْ طَرِيقِ أَبي هُرَيْرَةَ، أَنَّ النبيَّ - ﷺ - قالَ: "مَنْ صَلَّى على جِنَازَةٍ في المَسْجِدِ فَلَا شَيءَ لَهُ" (١)، يعنِي: لا أَجْرَ لَهُ.
[قَالَ أَبو المُطَرِّفِ]: وإذا صُلّيَ عَلَيْهَا في المُصَلَّى كانَ لَهُ قِيرَاطٌ مِنَ الأَجْرِ، وذَلِكَ مِثْلُ وَزْنِ جَبَلِ أُحُدٍ ثَوَابًا.
قالَ مَالِكٌ: لا يُصَلَّى على جِنَازَةٍ إلَّا بِوضُوءٍ أَو تَيمُّمٍ لِمَنْ لم يَجِد المَاءَ.
وقالَ الشَّعْبِيُّ: (لا بَأْسَ أَنْ يُصَلَّى عَلَيْهَا بِغَيْرِ وُضُوءٍ) (٢)، لأَنَّهُ دُعَاءٌ للمَيّتِ.
قالَ ابنُ أَبي زَيْدٍ: وُلِدَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - يَوْمَ الإثْنَيْنِ لاثْنتَيْ عَشَرَةَ لَيْلَةٍ مَضَتْ مِنْ رَبِيعٍ الأَوَّلِ عَامَ الفِيلِ، وتُوفِّي يومَ الإثْنَيْنِ لاثْنتَيْ عَشَرَةَ لَيْلَةٍ مَضَتْ مِنْ رَبِيعٍ الأَوَّلِ، حِينَ اشْتَدَّ الضُّحَى لإحْدَى عَشَرَةَ سَنَةً مَضَتْ مِن الهِجْرَةِ، وَهُوَ ابنُ سِتِّينَ سَنَةٍ، وقِيلَ: ابنُ ثَلاَثٍ وسِتِّينَ سَنَةً، وصَلَّى النَّاسُ عَلَيْهِ أَفْذَاذًا لَا يَؤُمُّهُم أَحَدٌ.
وقَالَ لِي أَبو مُحَمَّدٍ: اللهُ أَعْلَمُ مَا الَّذِي مَنَعَهُم مِنْ أَنْ يَجْمَعُوا الصَّلَاةَ عَلَيْهِ، وقَدْ كَانُوا أَجْمَعُوا قَبْلَ دَفْنِهِ على خِلاَفَةِ أَبي بَكْرٍ (٣).
_________________
(١) سنن أبي داود (٣١٩١)، بإسناده إلى أبي صالح مولى التؤمة عن أبي هريرة.
(٢) رواه ابن أبي شيبة ٣/ ٣٠٥ - ٣٠٦، وذكر ابن عبد البر في الإستذكار ٣/ ٢٧٧، بأنه مما شذَّ فيه.
(٣) اختلف العلماء في تعليل ذلك، فقيل: هو أمر تعبدي، وقيل: ليباشر كل واحد الصلاة عليه منه إليه، وقال الشافعي: ذلك لعظم أمر رسول الله - صلى عليه وسلم - وتنافسهم في أن لا يتولى الإمامة في الصلاة عليه واحد، وصلوا عليه مرة بعد مرة، وقال ابن العربي: وقيل صلى عليه الناس أفذاذا لأنه كان آخر العهد به فأرادوا أن يأخذ كل أحد بركة مقصوده، دون أن يكون فيها تابعا لغيره، ينظر: القبس ٢/ ٤٤٩، وتنوير الحوالك ١/ ١٨٠.
[ ١ / ٢٩٩ ]