[٤٩] حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ عَنْ سُفْيَانَ. ح، وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، كِلَاهُمَا عَنْ قَيْسِ بْنِ مُسْلِمٍ عَنْ طَارِقِ بْنِ شِهَابٍ، وَهَذَا حَدِيثُ أَبِي بَكْرٍ قَالَ: أَوَّلُ مَنْ بَدَأَ بِالْخُطْبَةِ يَوْمَ الْعِيدِ، قَبْلَ الصَّلَاةِ مَرْوَانُ، فَقَامَ إِلَيْهِ رَجُلٌ، فَقَالَ: الصَّلَاةُ قَبْلَ الْخُطْبَةِ، فَقَالَ: قَدْ تُرِكَ مَا هُنَالِكَ، فَقَالَ أَبُو سَعِيدٍ: أَمَّا هَذَا فَقَدْ قَضَى مَا عَلَيْهِ، سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «مَنْ رَأَى مِنْكُمْ مُنْكَرًا فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسَانِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِقَلْبِهِ، وَذَلِكَ أَضْعَفُ الإِيمَانِ».
حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ رَجَاءٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، وَعَنْ قَيْسِ بْنِ مُسْلِمٍ عَنْ طَارِقِ بْنِ شِهَابٍ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، فِي قِصَّةِ مَرْوَانَ وَحَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، بِمِثْلِ حَدِيثِ شُعْبَةَ، وَسُفْيَانَ.
في هذا الحديث: دليل على أن إنكار المنكر واجب، وأن هذا الإنكار على ثلاث مراتب: المرتبة الأولى: باليد، والثانية: باللسان، والثالثة: بالقلب؛ ولهذا قال النبي ﷺ في هذا الحديث الذي رواه أبو سعيد ﵁: «مَنْ رَأَى مِنْكُمْ مُنْكَرًا فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسَانِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِقَلْبِهِ، وَذَلِكَ أَضْعَفُ الإِيمَانِ».
ولكل مرتبة من هذه المراتب الثلاث أصحابُها الذين تجب عليهم، فلا يجوز لهم أن يتجاوزوها إلى مرتبة غيرها، وبيان ذلك كالآتي:
[ ١ / ١٢٣ ]
المرتبة الأولى: الإنكار باليد: وهي للسلطان، وعمَّاله، وكل من كان يستطيع التغيير باليد، ويدخل في ذلك رب البيت مع أهل بيته، فيجب عليه أن يغير المنكر بيده إذا رآه منهم.
المرتبة الثانية: الإنكار باللسان: وهي لمن عنده علم أن هذا الأمر منكر، فعليه أن ينكره بلسانه، ولا ينتقل عن هذه المرتبة إلى مرتبة الإنكار بالقلب إلا إذا عجز عن الإنكار باللسان.
المرتبة الثالثة: الإنكار بالقلب، بمعنى: أنه يكره هذا المنكر ويبغضه في قرارة نفسه، ولا يجالس أهله، فإن ابتلي بهم فليظهر علامة الإنكار عليه، من تعبيس الوجه وتقطيبه؛ حتى يُعلم أنه منكر لهذا الشيء، وهذا أضعف الإيمان.
فمن لم ينكر بيده ولا بلسانه ولا بقلبه فإن إيمانه ضعيف، ويكون ناقصَ الإيمان مقرًّا للمنكر، وهو حينها كفاعل المنكر، وفاعل المنكر- كالزاني والسارق وشارب الخمر- إيمانه ضعيف، ومن أقره على منكره ولم ينكر عليه فهو مثله ضعيف الإيمان، وفي لفظ الحديث الآتي: «وَلَيْسَ وَرَاءَ ذَلِكَ مِنَ الإِيمَانِ حَبَّةُ خَرْدَلٍ»، وليس معنى ذلك: أنه كافر ليس عنده إيمان، بل عنده أصل الإيمان، وإنما قُصَارى الأمر أن هذا هو أضعف الإيمان بالنسبة لدرجات الإنكار.
وفي هذا الحديث: أن مروان بن الحكم قدم خطبة العيد على الصلاة، فأنكر عليه رجل، وقال: الصلاة قبل الخطبة، فقال: قد ترك ما هنالك، يريد أن يقول: إن الناس لا يجلسون هنالك، فهو يريد أن يُسمعهم الخطبة؛ لأنه إذا صلى صلاة العيد، ثم خطب، انصرف الناس، فقال أبو سعيد: «أَمَّا هَذَا فَقَدْ قَضَى مَا عَلَيْهِ»، أي: أدى الواجب المفروض عليه.
وأما حكم إنكار المنكر فله اعتباران، فإن كان المنكر في المسائل المتفق عليها، فقد قال العلماء: إنه فرض على الكفاية، إذا قام به من يكفي سقط
[ ١ / ١٢٤ ]
الإثم عن الباقين، ودليله: قول الله تعالى: ﴿ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون﴾، وهذا متفق عليه، ولم يخالف في هذا إلا الرافضة، فقالوا: ليس بواجب (^١)، ولا عبرة بخلافهم.
وأما المنكر في المسائل المختلف فيها اختلافا قويا فقد ذهب العلماء إلى عدم الإنكار على صاحبها، كما لو رأيت شخصا يصلي وقد أكل لحم جزور ولم يتوضأ، فلا تنكر عليه؛ لأن المسألة خلافية بين أهل العلم، فقد يكون فاعل ذلك يرى أن أكل لحم الجزور لا ينقض الوضوء، أو مقلدًا لمن يرى ذلك.
وأما إذا كان المنكر في المسائل المختلف فيها اختلافا ضعيفًا، ليس له حظ من النظر، فحينئذٍ يحب الإنكار.
_________________
(١) شرح مسلم، للنووي (٢/ ٢٢)، إحياء علوم الدين، للغزالي (٢/ ٣١٥).
[ ١ / ١٢٥ ]
[٥٠] حَدَّثَنِي عَمْرٌو النَّاقِدُ، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ النَّضْرِ، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ- وَاللَّفْظُ لِعَبْدٍ- قَالُوا: حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ صَالِحِ بْنِ كَيْسَانَ عَنِ الْحَارِثِ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَكَمِ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْمِسْوَرِ عَنْ أَبِي رَافِعٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «مَا مِنْ نَبِيٍّ بَعَثَهُ اللَّهُ فِي أُمَّةٍ قَبْلِي إِلَّا كَانَ لَهُ مِنْ أُمَّتِهِ حَوَارِيُّونَ وَأَصْحَابٌ يَأْخُذُونَ بِسُنَّتِهِ، وَيَقْتَدُونَ بِأَمْرِهِ، ثُمَّ إِنَّهَا تَخْلُفُ مِنْ بَعْدِهِمْ خُلُوفٌ، يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ، وَيَفْعَلُونَ مَا لَا يُؤْمَرُونَ، فَمَنْ جَاهَدَهُمْ بِيَدِهِ فَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَمَنْ جَاهَدَهُمْ بِلِسَانِهِ فَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَمَنْ جَاهَدَهُمْ بِقَلْبِهِ فَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَلَيْسَ وَرَاءَ ذَلِكَ مِنَ الإِيمَانِ حَبَّةُ خَرْدَلٍ».
قَالَ أَبُو رَافِعٍ: فَحَدَّثْتُهُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ، فَأَنْكَرَهُ عَلَيَّ، فَقَدِمَ ابْنُ مَسْعُودٍ، فَنَزَلَ بِقَنَاةَ، فَاسْتَتْبَعَنِي إِلَيْهِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ يَعُودُهُ، فَانْطَلَقْتُ مَعَهُ، فَلَمَّا جَلَسْنَا سَأَلْتُ ابْنَ مَسْعُودٍ عَنْ هَذَا الْحَدِيثِ، حَدَّثَنِيهِ كَمَا حَدَّثْتُهُ ابْنَ عُمَرَ، قَالَ صَالِحٌ: وَقَدْ تُحُدِّثَ بِنَحْوِ ذَلِكَ عَنْ أَبِي رَافِعٍ.
وَحَدَّثَنِيهِ أَبُو بَكْرِ بْنُ إِسْحَاقَ بْنِ مُحَمَّدٍ، أَخْبَرَنَا ابْنُ أَبِي مَرْيَمَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي الْحَارِثُ بْنُ الْفُضَيْلِ الْخَطْمِيُّ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَكَمِ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْمِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ عَنْ أَبِي رَافِعٍ- مَوْلَى النَّبِيِّ ﷺ- عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «مَا كَانَ مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا وَقَدْ كَانَ لَهُ حَوَارِيُّونَ، يَهْتَدُونَ بِهَدْيِهِ، وَيَسْتَنُّونَ بِسُنَّتِهِ»، مِثْلَ حَدِيثِ صَالِحٍ، وَلَمْ يَذْكُرْ: قُدُومَ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَاجْتِمَاعِ ابْنِ عُمَرَ مَعَهُ.
في هذا الحديث: دليل على أن الأنبياء السابقين كان لكل واحد منهم حواريون وأصحاب، والحواري: الصاحب الناصح المخلص الصادق، ومن ذلك: قول النبي ﷺ: «إِنَّ لِكُلِّ نَبِيٍّ حَوَارِيًّا، وَحَوَارِيِّي الزُّبَيْرُ» (^١)، فالزبير
_________________
(١) أخرجه البخاري (٢٨٤٦)، ومسلم (٢٤١٥).
[ ١ / ١٢٦ ]
﵁ من خواص النبي ﷺ، وممن ناصره، ومنه الحواريون أصحاب عيسى ﵊، قال تعالى: ﴿إذ قال الحواريون يا عيسى ابن مريم﴾.
وقوله: «خُلُوفٌ»، أي: عقب فاسد، يقول تعالى: ﴿فخلف من بعدهم خلف أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات﴾، فالخَلْف بإسكان اللام: العقِب الفاسد، وأما الخلَف بفتحها: فهو العقب الصالح (^١).
وقوله: «ثُمَّ إِنَّهَا تَخْلُفُ مِنْ بَعْدِهِمْ خُلُوفٌ، يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ، وَيَفْعَلُونَ مَا لَا يُؤْمَرُونَ»، أي: تخالف أقوالُهم أفعالَهم، ويفعلون ما لم يأمرهم الله تعالى به، ولا رسوله ﵊؛ لانحرافهم، فهم عصاة يجب الإنكار عليهم، كما قال النبي ﷺ: «فَمَنْ جَاهَدَهُمْ بِيَدِهِ فَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَمَنْ جَاهَدَهُمْ بِلِسَانِهِ فَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَمَنْ جَاهَدَهُمْ بِقَلْبِهِ فَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَلَيْسَ وَرَاءَ ذَلِكَ مِنْ الْإِيمَانِ حَبَّةُ خَرْدَلٍ».
وفيه: دليل على أن إنكار المنكر نوع من الجهاد، فقد سمى النبي ﷺ إنكار المنكر جهادًا، وإنما يكون الجهاد باليد، ويكون الجهاد باللسان، ويكون الجهاد بالقلب، وأعلى مراتب الجهاد قتال أعداء الله في سبيل الله بالسيف، وكل ما يقوم مقامه من آلات الحرب في العصر الحديث.
_________________
(١) النهاية، لابن الأثير (٢/ ٦٩)، لسان العرب، لابن منظور (١٤/ ٢٢٩).
[ ١ / ١٢٧ ]