عَنْ عَبد الله بنِ بُسْرٍ قالَ: أتى النَّبيَّ - ﷺ - رَجلٌ، فقالَ: يا رَسولَ اللهِ إنَّ شرائعَ الإسلام قد كَثُرَتْ علينا، فبَابٌ نَتَمسَّكُ به جامعٌ؟ قال: "لا يَزالُ لِسانُكَ رَطْبًا مِنْ ذِكرَ الله ﷿" خرَّجه الإِمامُ أحمدُ بهذا اللَّفظِ (^١).
وخرَّجه الترمذي، وابنُ ماجه، وابنُ حبان في "صحيحه" بمعناه، وقال الترمذي: حسن غريب، وكُلُّهم خرجه من رواية عمرو بن قيس الكندي، عن عبد الله بن بُسر.
وخرَّج ابنُ حبان في "صحيحه" (^٢) وغيره من حديث معاذ بن جبل، قال: آخِرُ ما فارقتُ عليه رسولَ الله - ﷺ - أن قلتُ له: أيُّ الأعمال خيرٌ وأقربُ إلى الله؟ قال: "أن تموتَ ولِسانُكَ رَطْبٌ من ذكر الله ﷿".
وقد سبق في هذا الكتاب مفرقًا ذكرُ كثيرٍ من فضائل الذكر، ونذكر هاهنا فضل إدامته، والإِكثار منه.
قد أمر الله سبحانه المؤمنين بأن يذكروه ذكرًا كثيرًا، ومَدَحَ من ذكره كذلك؛
_________________
(١) رواه أحمد ٤/ ١٨٨ و١٩٠، والترمذي (٣٣٧٥)، وابن ماجه (٣٧٩٣)، وابن أبي شيبة ١٠/ ٣٠١، وابن المبارك في "الزهد" (٩٣٥)، والبيهقي ٣/ ٣٧١، وأبو نعيم في "الحلية" ٩/ ٥١، وصححه ابن حبان (٨١٤)، والحاكم ١/ ٤٩٥، ووافقه الذهبي. وقوله: "يهترون" يعني: يولعون بذكر الله، يقال: أُهتر فلان بكذا، واستُهتر -فهو مُهتَر ومُستَهتَر-، أي: مولع به، لا يتحدث بغيره، ولا يفعل غيره.
(٢) برقم (٩١٨) وانظر تمام تخريجه فيه.
[ ٢ / ٥١٠ ]
قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا (٤١) وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾ [الأحزاب: ٤١]، وقال تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [الجمعة: ١٠]، وقال تعالى: ﴿وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: ٣٥]، وقال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ﴾ [آل عمران: ١٩١].
وفي "صحيح مسلم" عن أبي هريرة أن رسول الله - ﷺ - مرَّ على جبلٍ يقالُ له: جُمْدَان، فقال: "سِيروا هذا جُمدان، قد سبق المُفرِّدونَ". قالوا: ومن (^١) المفرِّدون يا رسول الله؟ قال: "الذاكرون الله كثيرًا والذَّاكرات".
وخرّجه الإِمام أحمد، ولفظه: "سبقَ المفَرِّدونَ" قالوا: وما المفردون؟ قال: "الذينَ يُهْتَرونَ في ذكرِ اللهِ".
وخرَّجه الترمذي، وعنده: قالوا: يا رسول الله، وما المفرِّدون؟ قال: "المُستَهتَرونَ في ذِكرِ الله يَضعُ الذِّكر عنهم أثقالهم، فيأتون يومَ القيامة خِفافًا" (^٢).
وروى موسى بنُ عبيدة عن أبي عبد الله القَرَّاظ، عن معاذ بن جبل قال: بينما نَحْنُ مَعَ رسول الله - ﷺ - نَسيرُ بالدّفِّ من جُمْدان إذ استَنبَهَ، فقال: "يا مُعاذُ، أينَ السابقون؟ " فقلت: قد مَضَوا، وتخلَّف ناسٌ. فقال: "يا معاذ إنَّ السابقين الذين يُستَهتَرون بذكر الله ﷿" خرَّجه جعفر الفِريابي (^٣).
_________________
(١) في "مسلم": "وما".
(٢) رواه مسلم (٢٦٧٦)، وأحمد ٢/ ٣٢٣، والترمذي (٣٥٩٦)، وابن حبان (٨٥٨)، ولفظه كمسلم، والحاكم ١/ ٤٩٥، ولفظه كلفظ أحمد.
(٣) موسى بن عبيدة ضعيف. ورواه أيضًا الطبراني في "الكبير" ٢٠/ (٣٢٦)، وذكره الهيثمي في "المجمع" ١٠/ ٧٥، وقال: فيه موسى بن عبيدة، وهو ضعيف.
[ ٢ / ٥١١ ]
ومن هذا السياق يظهر وجه ذكر السابقين في هذا الحديث، فإنه لمَّا سبق الركب، وتخلف بعضهم، نبه النبيُّ - ﷺ - على أنَّ السابقين على الحقيقة هم الذين يُديمون ذكرَ الله، ويُولَعون به، فإنَّ الاستهتار بالشيء: هو الولوعُ به، والشغفُ، حتى لا يكاد يُفارِق ذكره، وهذا على رواية من رواه "المستهترون" ورواه بعضُهم، فقال فيه: "الذين أُهتِروا في ذكرِ الله" وفسر ابنُ قتيبة (^١) الهترَ بالسَّقْطِ في الكلام، كما في الحديث: "المستبان شيطانان يتكاذبان ويتهاتَران" (^٢).
قال: والمرادُ من هذا الحديث من عُمِّر وخَرِفَ في ذكر الله وطاعته، قال: والمراد بالمفرِّدين على هذه الرواية من انفرد بالعمر عن القَرنِ الذي كان فيه، وأما على الرواية الأولى، فالمراد بالمفرِّدين المتخلين من الناس بذكر الله تعالى، كذا قال، ويحتمل -وهو الأظهر- أن المرادَ بالانفرادِ على الروايتين الانفراد بهذا العمل وهو كثرةُ الذكرِ دونَ الانفراد الحسي، إما عن القَرنِ أو عن المخالطة، والله أعلم.
ومن هذا المعنى قولُ عمرَ بنِ عبد العزيز ليلةَ عرفة بعرفة عندَ قرب الإِفاضة: ليس السابقُ اليوم من سبق بعيرُه، وإنما السابق من غُفر له.
وبهذا الإِسناد عن النبيِّ - ﷺ -، قال: "من أحبَّ أن يرتع في رياض الجنّة، فليُكثر ذكرَ الله ﷿" (^٣).
_________________
(١) في "غريب الحديث" ١/ ٣٢١ - ٣٢٢، وقد تصرف المؤلف في نقله.
(٢) رواه من حديث عياض بن حمار أحمد ٤/ ١٦٢ و٢٦٦، والبخاري في "الأدب المفرد" (٤٢٧)، والبزار (٢٠٣٢)، والطبراني في"الكبير" ١٧/ (١٠٠١) و(١٠٠٢)، وصححه ابن حبان (٥٧٢٦) و(٥٧٢٧).
(٣) رواه ابن أبي شيبة ١٠/ ٣٠٢، وفي سنده موسى بن عبيدة، وهو ضعيف.
[ ٢ / ٥١٢ ]
وخرَّج الإِمام أحمد والنسائي، وابنُ حبان في "صحيحه" من حديث أبي سعيد الخدري أن رسولَ الله - ﷺ - قال: "استكثروا منَ الباقياتِ الصَّالحات" قيل: وما هُنَّ يا رسولَ الله؟ قال: "التكبيرُ والتسبيحُ والتهليلُ والحمدُ لله، ولا حول ولا قوَّة إلا بالله" (^١).
وفي "المسند" و"صحيح ابن حبان" عن أبي سعيد الخدري أيضًا عن النبيِّ - ﷺ -، قال: "أكثروا ذِكرَ الله حتَّى يقولوا: مجنون" (^٢).
وروى أبو نعيم في "الحلية" (^٣) من حديث ابن عباس مرفوعًا: "اذكروا الله ذكرًا يقول المنافقون: إنكم تُراؤون".
وخرَّج الإِمام أحمد والترمذي من حديث أبي سعيد عن النبيِّ - ﷺ - أنه سئل: أيُّ العباد أفضلُ درجةً عِندَ الله يوم القيامة؟ قال: "الذاكرون الله كثيرًا"، قيل: يا رسول الله، ومِنَ الغازي في سبيل الله؟ قال: "لو ضربَ بسيفه في الكفَّار والمشركين حتى ينكسر ويتخضَّب دمًا، لكان الذاكرون للهِ أفضلَ منه درجةً" (^٤).
_________________
(١) رواه أحمد ٣/ ٧٥، والنسائي في "الكبرى" كما في "التحفة" ٣/ ٣٦٢، وابن حبان (٨٤٠)، وإسناده ضعيف لضعف دراج في روايته عن أبي الهيثم.
(٢) رواه أحمد ٣/ ٦٨ و٧١، وابن حبان (٨١٧)، وإسناده ضعيف لضعف دراج كسابقه.
(٣) ٣/ ٨٠ - ٨١ عن الطبراني وهو عنده في "الكبير" (١٢٧٨٦) من طريق أبي الجوزاء عن ابن عباس، وقال أبو نعيم: غريب من حديث أبي الجوزاء، لم يوصله إلا سعيد (بن سفيان الجحدري) عن الحسن (هو ابن أبي جعفر)، وذكره الهيثمي في "المجمع" ١٠/ ٧٦، وقال: وفيه الحسن بن أبي جعفر الجعفري، وهو ضعيف. ورواه ابن المبارك في "الزهد" (١٠٢٢) ومن طريقه عبد الله بن أحمد في "زوائد الزهد" لأبيه ص ١٠٨، عن أبي الجوزاء مرسلًا، وإسناده ضعيف.
(٤) رواه أحمد ٣/ ٧٥، والترمذي (٣٣٧٦)، والبغوي (١٢٤٦)، وإسناده ضعيف.
[ ٢ / ٥١٣ ]
وخرَّج الإمام أحمد (^١) من حديث سهل بنِ معاذ، [عن أبيه]، عن النبىِّ - ﷺ - أن رجلًا سأله فقال: أيُّ الجهاد أعظمُ أجرًا يا رسول الله؟ قال "أكثرُهم لله ذِكرًا"، قال: فأيّ الصَّائمين أعظمُ؟ قال: "أكثرهم لله ذِكرًا"، ثم ذكر لنا الصَّلاة والزَّكاة والحجَّ والصدقة كلٌّ رسول الله - ﷺ - يقول: "أكثرهم لله ذكرًا"، فقال أبو بكر: يا أبا حفص، ذهب الذاكرون بكلِّ خيرٍ، فقال رسول اللهِ - ﷺ -: "أجل".
وقد خرَّجه ابنُ المبارك، وابنُ أبي الدنيا من وجوه أُخَر مرسلة بمعناه (^٢).
وفي "صحيح مسلم" (^٣) عن عائشة، قالت: كان رسولُ الله - ﷺ - يذكر الله على كلّ أحيانِهِ.
وقال أبو الدرداء: الذين لا تزال ألسنتهم رطبةً من ذكر الله، يدخل أحدهم الجنةَ وهو يضحك (^٤)، وقيل له: إن رجلًا أعتق مئة نسمة، فقال: إن مئة نسمة من مالٍ رجلٍ كثيرٌ، وأفضلُ من ذلك إيمانٌ ملزومٌ بالليل والنَّهار، وأن لا يزالَ لسانُ أحدكم رطبًا مِنْ ذِكر الله ﷿ (^٥).
وقال معاذ: لأن أذكر الله من بكرة إلى الليل أحبُّ إليَّ من أن أحملَ على جياد الخيل في سبيل الله من بكرة إلى الليل (^٦).
_________________
(١) في "المسند" ٣/ ٤٣٨، ورواه أيضًا الطبراني في "الكبير" ٢٠/ (٤٠٧)، وإسناده ضعيف.
(٢) رواه ابن المبارك في "الزهد" (١٤٢٩) عن أبي سعيد المقبري مرسلًا.
(٣) رقم (٣٧٣). ورواه أيضًا أحمد ٦/ ٧٠ و١٥٣، وأبو داود (١٨)، والترمذي (٣٣٨٤)، وابن ماجه (٣٠٢)، وصححه ابن خزيمة (٢٠٧)، وابن حبان (٨٠١) و(٨٠٢).
(٤) رواه ابن المبارك في "الزهد" (١١٢٦)، وابن أبي شيبة ١٠/ ٣٠٣، وأحمد في "الزهد" ص ١٣٦، وأبو نعيم في "الحلية" ١/ ٢١٩.
(٥) رواه أحمد في "الزهد" ص ١٣٦، وأبو نعيم ١/ ٢١٩.
(٦) رواه ابن أبي شيبة ١٠/ ٣٠٢، وأبو نعيم ١/ ٢٣٥.
[ ٢ / ٥١٤ ]
وقال ابن مسعود في قوله تعالى: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ﴾ [آل عمران: ١٠٢] قال: أن يُطاعَ فلا يُعصى، ويُذكر فلا يُنسى، ويُشكر فلا يكفر، وخرَّجه الحاكم مرفوعًا وصحَّحه، والمشهورُ وقفُه (^١).
وقال زيدُ بنُ أسلم: قال موسى ﵇: يا ربِّ قد أنعمتَ علىَّ كثيرًا، فدُلني على أن أشكرك كثيرًا، قال: اذكُرني كثيرًا، فإذا ذكرتني كثيرًا، فقد شكرتني، وإذا نسيتني فقد كفرتني.
وقال الحسن: أحبُّ عبادِ الله إلى اللهِ أكثرهم له ذكرًا وأتقاهم قلبًا.
وقال أحمد بنُ أبي الحواري: حدَّثني أبو المخارق، قال: قال رسول الله - ﷺ -: "مررتُ ليلة أُسري بي برجل مُغيَّبٍ في نور العرش، فقلتُ: من هذا؟ مَلَكٌ؟ قيل: لا، قلت: نبيٌّ؟ قيل: لا، قلتُ: من هو؟ قال: هذا رجل كان لسانه رطبًا من ذكر الله، وقلبُه معلَّق بالمساجد، ولم يستسبَّ لوالديه قطّ" (^٢).
وقال ابن مسعود: قال موسى ﵇: ربِّ أيُّ الأعمال أحبُّ إليك أن أعمل به؟ قال: تذكرني فلا تنساني.
وقال أبو إسحاق عن مِيثم: بلغني أن موسى ﵇، قال: ربِّ أيُّ عبادك أحب إليك؟ قال: أكثرُهم لي ذكرًا.
وقال كعب: من أكثر ذكر الله، برئ من النفاق، ورواه مؤمَّل، عن حماد بن سلمة، عن سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة مرفوعًا (^٣).
_________________
(١) تقدم تخريجه ص ٣٥١.
(٢) رواه ابن أبي الدنيا، وهو مرسل كما قال الحافظ المنذري في "الترغيب والترهيب" ٢/ ٣٩٥.
(٣) رواه الطبراني في "الأوسط" كما في "لسان الميزان" ٥/ ١٩٥ عن شيخه محمد بن سهل =
[ ٢ / ٥١٥ ]
وخرَّج الطبراني بهذا الإسناد مرفوعًا: "مَنْ لَمْ يُكثِرْ ذِكْرَ الله فقد برئ من الإيمان" (^١). ويشهد لهذا المعنى أن الله تعالى وصف المنافقين بأنهم لا يذكرون الله إلا قليلًا، فمن أكثر ذكرَ الله، فقد بايَنَهُم في أوصافهم، ولهذا ختمت سورة المنافقين بالأمر بذكر الله، وأن لا يُلهي المؤمنَ عن ذلك مالٌ ولا ولدٌ، وأن من ألهاه ذلك عن ذكر الله، فهو من الخاسرين.
قال الربيعُ بنُ أنس، عن بعض أصحابه: علامةُ حبِّ الله كثرةُ ذكره، فإنك لن تحبَّ شيئًا إلا أكثرت ذكره (^٢).
قال فتح الموصِلي: المحبُّ لله لا يَغفُلُ عن ذكر الله طرفةَ عين، قال ذو النون: من اشتغل قلبُه ولسانُه بالذِّكر، قذف الله في قلبه نورَ الاشتياق إليه.
قال إبراهيم بن الجنيد: كان يُقال: من علامة المحبِّ للهِ دوامُ الذكر بالقلب واللسان، وقلَّما وَلِعَ المرءُ بذكر الله ﷿ إلا أفاد منه حبَّ الله. وكان بعضُ السلف يقول في مناجاته: إذا سئم البطالون من بطالتهم، فلن يسأم محبوك من مناجاتك وذكرك.
قال أبو جعفر المحَوَّلي: وليُّ الله المحبُّ لله لا يخلو قلبُه من ذكر ربِّه، ولا يسأمُ من خدمته. وقد ذكرنا قولَ عائشة: كان النبى - ﷺ - يذكر الله على كلِّ أحيانه (^٣)، والمعنى: في حال قيامه ومشيه وقعوده واضطجاعه، وسواء كان على
_________________
(١) = العسكري، عن نوفل بن إسماعيل بهذا الإسناد، وشيخ الطبراني قال فيه الذهبي: راوٍ للموضوعات. وذكر الحديث المنذري في "الترغيب والترهيب" ٢/ ٤٠١. وقال: حديث غريب.
(٢) رواه الطبراني في "الصغير" (٩٧٤) بالإسناد المتقدم.
(٣) وقال شميط بن عجلان: كان يقال: علامة المنافق قلة ذكر الله ﷿. "الحلية" ٣/ ١٢٩.
(٤) انظر الصفحة ٩٨٦ التعليق رقم (٣).
[ ٢ / ٥١٦ ]
طهارةٍ أو على حدث.
وقال مِسعر: كانت دوابُّ البحر في البحر تَسكُنُ، ويوسفُ ﵇ في السجن لا يسكن عن ذكر الله ﷿.
وكان لأبي هريرة خيطٌ فيه ألفا عُقدة، فلا يُنام حتَّى يُسبِّحَ به (^١).
وكان خالد بنُ معدان يُسبِّحُ كل يوم أربعين ألف تسبيحة سوى ما يقرأ من القرآن، فلما مات وضع على سريره ليغسل، فجعل يُشير بأصبعه يُحركها بالتسبيح (^٢).
وقيل لعمير بن هانئ: ما نرى لسانَك يَفتُرُ، فكم تُسبِّحُ كلَّ يوم؟ قال: مئة ألف تسبيحة، إلا أن تُخطئ الأصابع (^٣)، يعني أنه يَعُدُّ ذلك بأصابعه.
وقال عبد العزيز بنُ أبي رَوَّاد: كانت عندنا امرأةٌ بمكة تُسبح كلّ يوم اثني عشر ألف تسبيحة، فماتت، فلما بلغت القبر، اختُلِست من بين أيدي الرجال.
كان الحسن البصري كثيرًا ما يقول إذا لم يُحدث، ولم يكن له شغل: سبحان الله العظيم، فذكر ذلك لبعض فقهاء مكة، فقال: إنَّ صاحبكم لفقيه، ما قالها أحدٌ سبعَ مرَّاتٍ إلَّا بُني له بَيتٌ في الجنة.
وكان عامةُ كلام ابن سيرين: سبحان الله العظيم، سبحان الله وبحمده.
كان المغيرة بنُ حكيم الصنعاني إذا هدأت العيون، نزل إلى البحر، وقام
_________________
(١) هو في "الحلية" ١/ ٣٨٣، وانظر أثرين آخرين عن أبي هريرة مخرجة في رسالة "وصول التهاني" للأستاذ محمود سعيد ممدوح.
(٢) "الحلية" ٥/ ٢١٠.
(٣) "الحلية" ٥/ ١٥٧.
[ ٢ / ٥١٧ ]
في الماء يذكر الله مع دوابٍّ البحر (^١).
نام بعضُهم عند إبراهيم بن أدهم قال: فكنتُ كلَّما استيقظتُ من الليل، وجدتُه يذكر الله، فأغتمٌ، ثم أُعزِّي نفسي بهذه الآية: ﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ [المائدة: ٥٤].
المحبُّ اسم محبوبه لا يغيبُ عن قلبه، فلو كُلّف أن ينسى تذكُّره لما قدر، ولو كلف أن يكفّ عن ذكره بلسانه لما صبر.
كَيْفَ يَنسى المُحبُّ ذِكرَ حَبيبٍ … اسمُه في فُؤاده مَكتوبُ
كان بلالٌ كلَّما عذَّبه المشركون في الرمضاء على التوحيد يقول: أحدٌ أحدٌ، فإذا قالوا له: قُل: اللات والعُزَّى، قال: لا أحسنه (^٢).
يُراد مِنَ القَلبِ نِسيانُكُم … وتَأبَى الطِّباعُ على النَّاقِل
كلَّما قويت المعرفةُ، صار الذكرُ يجري على لسان الذاكر من غير كُلفة، حتى كان بعضهم يجري على لسانه في منامه: الله الله، ولهذا يُلهم أهلُ الجنة التَّسبيح، كما يُلهمون النفسَ، وتصيرُ "لا إله إلا الله" لهم، كالماء البارد لأهل الدنيا، كان الثوري ينشد:
لا لأِنِّي أنساكَ أُكثرُ ذِكرا … كَ ولكنْ بِذاكَ يَجري لِساني
إذا سمِعَ المحبُّ ذكر اسم حبيبه من غيره زاد طربه، وتضاعف قَلَقُه، قال النبىُّ - ﷺ - لابن مسعودٍ: "اقرأ عليَّ القرآن"، قال: أقرأ عليكَ وعَلَيكَ أُنزل؟ قال: "إنِّي أُحبُّ أن أسمعه من غيري"، فقرأ عليه، ففاضت عيناه (^٣).
_________________
(١) وذكر أبو نعيم في "الحلية" ١٠/ ١٤١ عن الحكم بن أبان الصنعاني نحو ذلك.
(٢) رواه ابن سعد في "الطبقات" ٣/ ٢٣٢ عن عمير بن إسحاق، قال: كان بلال …
(٣) رواه البخاري (٥٠٥٠)، ومسلم (٨٠٠).
[ ٢ / ٥١٨ ]
سمع الشبلي قائلًا يقولُ: يا ألله يا جَوادُ، فاضطرب:
وداعٍ دعا إذ نَحْنُ بالخَيفِ مِن مِنى … فهَيَّجَ أشجانَ الفُؤادِ وما يَدري
دَعا بِاسم لَيلَى غَيرَها فكأَنَّما … أَطارَ بِليلى طائرًا كان في صدري
النبض ينزعج عند ذكر المحبوب:
إذا ذُكِر المحبوب عندَ حبيبه … تَرنَّحَ نَشوانٌ وحَنَّ طرُوبُ
ذكر المحبين على خلاف ذكر الغافلين: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ [الأنفال: ٢].
وإنِّي لَتَعْرونِي لِذكْرَاكِ هِزَّةٌ … كَما انتفضَ العُصفورُ بَلَّلهُ القطْرُ
أحد السبعة الذين يُظلهم الله في ظله يوم لا ظلّ إلا ظله: "رجلٌ ذكرَ الله خاليًا، ففاضت عيناه".
قال أبو الجلد: أوحى الله ﷿ إلى موسى ﵇: إذا ذكرتني، فاذكرني، وأنت تنتفض أعضاؤُك، وكُن عندَ ذكري خاشعًا مطمئنًا، وإذا ذكرتني، فاجعل لِسانك من وراء قلبك (^١).
وصف علي يومًا الصحابة، فقال: كانوا إذا ذكروا الله مادُوا كما يميد الشجرُ في اليوم الشديد الريح، وجرت دموعهم على ثيابهم (^٢).
قال زهير البابي: إن لله عبادًا ذكروه، فخرجت نفوسُهم إعظامًا واشتياقًا، وقوم ذكروه، فوجِلَتْ قلوبهم فرقًا وهيبة، فلو حُرِّقوا بالنَّار، لم يجدوا مَسَّ النار، وآخرون ذكروه في الشتاء وبرده، فارفضّوا عرقًا من خوفه، وقومٌ ذكروه، فحالت ألوانهم غبرًا، وقومٌ ذكروه، فجَفَّتْ أعينُهم سهرًا.
_________________
(١) رواه أحمد في "الزهد" ص ٦٧.
(٢) رواه أبو نعيم في "الحلية" ١/ ٧٦، وإسناده ضعيف جدًا.
[ ٢ / ٥١٩ ]
صلَّى أبو يزيد الظهر، فلما أراد أن يُكبِّر، لم يقدر إجلالًا لاسم الله، وارتعدت فرائصه حتَّى سمعت قعقعةُ عظامه.
كان أبو حفص النيسابوري إذا ذكر الله تغيَّرت عليه حالُه حتَّى يرى ذلك جميع من عنده، وكان يقولُ: ما أظن محقًا يذكر الله عن غير غفلة، ثم يبقى حيًا إلا الأنبياء، فإنَّهم أيدوا بقوَّة النبوَّة وخواصِّ الأولياء بقوَّة ولايتهم (^١).
إذا سمِعَتْ باسمِ الحَبيبِ تَقعقعت … مَفاصِلُها مِنْ هَولِ ما تَتذَكَّرُ
وقف أبو يزيد ليلةً إلى الصباح يجتهد أن يقول: لا إله إلا الله، فما قدر إجلالًا وهيبةً، فلما كان عندَ الصباح، نزل، فبال الدَّم.
وما ذكرتُكُمُ إلَّا نَسيتُكُم … نِسيانَ إِجلالِ لا نِسيانَ إِهمالِ
إِذَا تَذكَّرتُ مَنْ أنتُم وكيف أَنا … أَجْلَلتُ مِثلَكُم يَخطُرْ على بالي
الذكر لذَّة قلوب العارفين. قال ﷿: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ [الرعد: ٢٨]. قال مالك بنُ دينار: ما تَلذَّذ المتلذذون بمثل ذكر الله ﷿.
وفي بعضِ الكتب السالفة: يقولُ الله ﷿: معشر الصدِّيقين بي فافرحوا، وبذكري فتنعَّموا. وفي أثرٍ آخر سَبَق ذكره: ويُنيبون إلى الذِّكر كما تُنيب النسورُ إلى وُكورها (^٢).
وعن ابن عمر قال: أخبرني أهلُ الكتاب أن هذه الأمة تُحبُّ الذِّكْرَ كما تُحبُّ الحمامةُ وكرَها، ولهُم أسرعُ إلى ذكر الله مِنَ الإِبل إلى وردها يوم ظِمئِها.
قلوبُ المحبين لا تطمئنُّ إلَّا بذكره، وأرواحُ المشتاقين لا تَسكُنُ إلَّا برؤيته،
_________________
(١) ذكره ابن الجوزي في "صفة الصفوة" ٤/ ١١٩.
(٢) تقدم ص ٨١٧.
[ ٢ / ٥٢٠ ]
قال ذو النون: ما طابتِ الدُّنيا إلا بذكره، ولا طابت الآخرةُ إلا بعفوه، ولا طابت الجنة إلَّا برؤيته (^١).
أبدًا نُفوس الطَّالبيـ … ـن إلى طلُولكم تَحِنُّ
وكَذَا القُلُوبُ بذكرِكُم … بَعْدَ المَخافةِ تَطمئنُّ
جُنَّتْ بحُبِّكُمُ ومَنْ … يَهوى الحَبيبَ ولا يُجَنُّ؟
بِحياتِكُم يا سادتي … جُودُوا بِوصْلِكُم ومُنُّوا
قد سبق حديث: "اذكروا الله حتَّى يقولوا: مجنون" (^٢) ولبعضهم:
لقد أكثرتُ من ذِكرا … كَ حَتَّى قِيلَ وَسْوَاسُ
كان أبو مسلم الخولاني كثيرَ الذِّكر، فرآه بعضُ الناس، فأنكر حالَه، فقال لأصحابه: أمجنون صاحبُكم؟ فسمعه أبو مسلم، فقال: لا يا أخي، ولكن هذا دواءُ الجنون.
وحُرمَةِ الودِّ مالي مِنكُم عِوَضٌ … ولَيسَ لي في سِواكُم سَادتِي غَرَضُ
وقَدْ شَرَطْتُ على قومٍ صَحِبتُهُم … بأنَّ قلبي لَكُمْ من دونِهم فرضُوا
ومِنْ حديثي بكُم قالوا: به مَرَضٌ … فقُلْتُ: لا زالَ عنِّي ذلك المَرَضُ
المحبون يستوحشون من كلِّ شاغلٍ يَشغَلُ عن الذكر، فلا شيءَ أحبَّ إليهم من الخلوة بحبيبهم.
قال عيسى ﵇: يا معشر الحواريين كلِّموا الله كثيرًا، وكلموا الناس قليلًا، قالوا: كيف نكلِّمُ الله كثيرًا؟ قال: اخلوا بمناجاته، اخلوا بدُعائه.
وكان بعضُ السلف يُصلِّي كلَّ يوم ألف ركعة حتَّى أُقعِدَ من رجليه، فكان
_________________
(١) "الحلية" ٩/ ٣٧٢.
(٢) تقدم تخريجه ص ٩٨٥، وهو ضعيف.
[ ٢ / ٥٢١ ]
يُصلي جالسًا ألف ركعة، فإذا صلى العصر احتبى واستقبل القبلة، ويقول: عجبتُ للخليقة كيف أَنِسَتْ بسواك، بل عَجِبْتُ للخليقة كيف استنارت قلوبُها بذكر سِواك.
وكان بعضُهم يَصومُ الدَّهرَ، فإذا كان وقتُ الفطور، قال: أحسُّ نفسي تخرُج لاشتغالي عن الذكر بالأكل.
قيل لمحمد بن النضر: أما تستوحِشُ وحدَك؟ قال: كيف أستوحِشُ وهو يقول: أنا جليسُ من ذكرني؟ (^١)
كَتمتُ اسمَ الحبيب من العبادِ … ورَدَّدتُ الصَّبابةَ في فُؤادي
فَواشَوقًا إلى بَلدٍ خَلِيٍّ … لعلِّي باسم مَنْ أَهوى أُنادي
فإذا قَوِي حالُ المحبِّ ومعرفته، لم يشغَلْهُ عن الذكر بالقلب واللسان شاغل، فهو بَينَ الخلق بجسمه، وقلبه معلق بالمحلِّ الأعلى، كما قال عليٌّ ﵁ في وصفهم: صَحِبوا الدُّنيا بأجسادٍ أرواحُها معلقة بالمحلِّ الأعلى، وفي هذا المعنى قيل:
جِسمي معي غير أنَّ الروحَ عندكم … فالجِسمُ في غُربةٍ والرُّوحُ في وطن
وقال غيره:
ولقَد جَعلتُكَ في الفُؤاد مُحدِّثي … وأَبحْتُ جِسمي من أراد جُلوسي
فالجِسمُ منِّي للجَليس مُؤَانسٌ … وحَبيبُ قلبي في الفؤاد أنيسي
وهذه كانت حالة الرسل والصدِّيقين، قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا
_________________
(١) "صفة الصفوة" ٣/ ١٥٩ - ١٦٠، و"السير" ٨/ ١٧٥، وقوله: "أنا جليس من ذكرني" لا يصح، وذكره السخاوي في "المقاصد الحسنة" ص ٩٥، وقال: رواه الديلمي بلا سند عن عائشة مرفوعًا.
[ ٢ / ٥٢٢ ]
لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا﴾ [الأنفال: ٤٥].
وفي "الترمذي" (^١) مرفوعًا: "يقول الله ﷿: إنَّ عبدي كُلَّ عبدي الذي يذكرني وهو مُلاقٍ قِرنَهُ".
وقال تعالى: ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلَاةَ فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِكُمْ﴾ [النساء: ١٠٣] يعني: الصلاة في حال الخوف، ولهذا قال: ﴿فَإِذَا اطْمَأْنَنْتُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ [النساء: ١٠٣]، وقال تعالى في ذكر صلاة الجمعة: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [الجمعة: ١٠]، فأمر بالجمع بين الابتغاء من فضله، وكثرة ذكره.
ولهذا ورد فضلُ الذكر في الأسواق ومواطن الغفلة كما في "المسند"، و"الترمذي"، و"سنن ابن ماجه" عن عمرَ مرفوعًا: "مَنْ دخلَ سوقًا يُصاحُ فيها ويُباع، فقال: لا إله إلا وحدَه لا شريك له، له المُلك وله الحمدُ يُحيي ويُميت وهو حيّ لا يموتُ بيده الخير وهُو على كل شيءٍ قدير، كتب الله له ألفَ ألفِ حسنة، ومحا عنه ألفَ ألف سيئة، ورفع له ألف ألفِ درجة" (^٢).
وفي حديث آخر: "ذاكِرُ الله في الغافلين كمثلِ المقاتل عن الفارين، وذاكرُ الله في الغافلين كمثل شجرة خضراء في وسط شجر يابس" (^٣).
_________________
(١) رقم (٣٥٨٠) من حديث عمارة بن زعكرة، وقال: هذا حديث غريب، ليس إسناده بالقوي، ومعنى قوله: "وهو ملاق قرنه" إنما يعني عند القتال، يعني أن يذكر الله في تلك الساعة.
(٢) رواه أحمد ١/ ٤٧، والترمذي (٣٤٢٨) و(٣٤٢٩)، وابن ماجه (٢٢٣٥)، والدارمي (٢/ ٢٩٣)، والبغوي (١٣٣٨)، والطبراني في "الدعاء" (٩٧٢) و(٩٧٣)، وصححه الحاكم ١/ ٥٣٨، ووافقه الذهبي، وبعضهم جعله من حديث ابن عمر.
(٣) حديث ضعيف، رواه ابن عدي في "الكامل" ٥/ ١٧٤٥، وأبو نعيم في "الحلية" =
[ ٢ / ٥٢٣ ]
قال أبو عبيدة بن عبد الله بن مسعود: مادام قلبُ الرجل يذكر الله، فهو في صلاة، وإن كان في السوق وإن حرّك به شفتيه فهو أفضل (^١).
وكان بعضُ السلف يقصِدُ السُّوق ليذكر الله فيها بين أهل الغفلة.
والتقى رجلان منهم في السوق، فقال أحدهما لصاحبه: تعالَ حتَّى نذكر الله في غفلة الناسِ، فخلَوا في موضع، فذكرا الله، ثم تفرَّقا، ثم ماتَ أحدهما، فلقيه الآخر في منامه، فقال له: أشعرت أن الله غفر لنا عشية التقينا في السُّوق؟