عَنْ عُمَرَ - ﵁ -، قال: سَمِعْتُ رَسولَ اللهِ - ﷺ - يقولُ: «إنَّمَا الأعمَال بالنِّيَّاتِ وإِنَّما لِكُلِّ امريءٍ ما نَوَى فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إلى اللهِ ورَسُولِهِ فهِجْرَتُهُ إلى اللهِ ورَسُوْلِهِ ومَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ لِدُنْيَا يُصِيْبُها أو امرأةٍ يَنْكِحُهَا (^١) فهِجْرَتُهُ إلى ما هَاجَرَ إليهِ». رواهُ البُخاريُّ ومُسلِمٌ (^٢).
هذا الحديثُ تفرَّد بروايته يحيى بنُ سعيدٍ الأنصاريُّ، عن محمَّدِ ابن إبراهيمَ التَّيميِّ، عن علقمة بن وقَّاصٍ الَّليثيِّ، عن عُمَر بن الخطَّابِ - ﵁ -، وليس له طريق يصحُّ غير هذا (^٣) الطريق، كذا قال عليُّ بنُ المدينيِّ وغيرُه (^٤). وقال الخطابيُّ: لا أعلمُ خلافًا بين أهلِ الحديثِ في ذلك، مع أنَّهُ قد رُوِي من حديث
_________________
(١) في (ص): «يتزوجها».
(٢) أخرجه: البخاري ١/ ٢ (١) و١/ ٢١ (٥٤) و٣/ ١٩٠ (٢٥٢٩) و٥/ ٧٢ (٣٨٩٨) و٧/ ٤ (٥٠٧٠) و٨/ ١٧٥ (٦٦٨٩) و٩/ ٢٩ (٦٩٥٣)، ومسلم ٦/ ٤٨ (١٩٠٧) (١٥٥). وأخرجه أيضًا: ابن المبارك في " الزهد " (١٨٨)، والطيالسي (٣٧)، والحميدي (٢٨)، وأحمد ١/ ٢٥ و٤٣، وأبو داود (٢٢٠١)، وابن ماجه (٤٢٢٧)، والترمذي (١٦٤٧)، والبزار (٢٥٧)، والنسائي ١/ ٥٨ و٦/ ١٥٨ و٧/ ١٣ وفي " الكبرى "، له (٧٨) و(٤٧٣٦) و(٥٦٣٠)، وابن الجارود (٦٤)، وابن خزيمة (١٤٢) و(١٤٣) و(٤٥٥)، والطحاوي في " شرح المعاني " ٣/ ٩٦ وفي " شرح المشكل "، له (٥١٠٧) - (٥١١٤)، وابن حبان (٣٨٨) و(٣٨٩)، والدارقطني ١/ ٤٩ - ٥٠ وفي " العلل "، له ٢/ ١٩٤، وأبو نعيم في " الحلية " ٨/ ٤٢، والقضاعي في " مسند الشهاب " (١) و(٢) و(١١٧١) و(١١٧٢)، والبيهقي ١/ ٤١ و٢٩٨ و٢/ ١٤ و٤/ ١١٢ و٢٣٥ و٥/ ٣٩ و٦/ ٣٣١ و٧/ ٣٤١، والخطيب في " تاريخه " ٢/ ٢٤٤ و٦/ ١٥٣، والبغوي (١) و(٢٠٦)، وابن عساكر في " تاريخ دمشق " ٥/ ٢٦٥ و٤٤/ ١١٩ - ١٢٠ و٤٦/ ٨٣ و٥٧/ ٢٩٠ من طرق عن يحيى بن سعيد، به.
(٣) في (ج): «تصح غير هذه».
(٤) منهم الترمذي والبزار وحمزة بن محمد الكناني. انظر: الجامع الكبير عقيب حديث (١٦٤٧)، ومسند البزار عقب الحديث (٢٥٧)، وطرح التثريب ٢/ ٣، وفتح الباري ١/ ١٥.
[ ٢٩ ]
أبي سعيدٍ وغيره (^١)، وقد قيل: إنَّهُ قد (^٢) رُوِي من طُرقٍ كثيرةٍ، لكن لم (^٣) يصح من ذلك شيءٌ عندَ الحُفَّاظ.
ثمَّ رواهُ عنِ الأنصاريِّ الخلقُ الكثيرُ والجمُّ الغفيرُ، فقيل: رواهُ عنهُ أكثرُ مِن مئتي راوٍ، وقيل: رواه عنه سبعُ مئة راوٍ، ومِنْ أعيانهم: مالكٌ، والثوريُّ، والأوزاعيُّ، وابنُ المبارك، واللَّيثُ بنُ سعدٍ، وحمَّادُ بنُ زيدٍ، وشعبةُ، وابنُ عُيينةَ، وغيرهم (^٤).
_________________
(١) حديث أبي سعيد أخرجه: أبو نعيم في " الحلية " ٦/ ٣٤٢، وابن عساكر في " تاريخ دمشق " ٦٥/ ١٧٩ - ١٨٠ من طريق نوح بن حبيب، عن ابن أبي رواد، عن مالك بن أنس، عن زيد ابن أسلم، عن عطاء، عن أبي سعيد، به. قال الحافظ العراقي في " التقييد والإيضاح ": ١٠١: «… وعن الثاني أنه لم يصح من حديث أبي سعيد الخدري ولا غيره سوى عمر، … ثم إن حديث أبي سعيد الذي ذكره هذا المعترض صرحوا بتغليط ابن أبي رواد الذي رواه عن مالك»، وقال في: ١٠٢ و١٠٣ «ثم أني تتبعت الأحاديث التي ذكرها ابن منده، فلم أجد فيها بلفظ حديث عمر أو قريبًا من لفظه بمعناه، إلا حديثًا لأبي سعيد الخدري وحديثًا لأبي هريرة وحديثًا لأنس بن مالك وحديثًا لعلي ابن أبي طالب، وكلها ضعيفة». وقال الحافظ العراقي أيضًا في " طرح التثريب " ٢/ ٤ «حديث أبي سعيد الخدري رواه الخطابي في " معالم السنن "، والدارقطني في " غرائب مالك "، وابن عساكر في " غرائب مالك " من رواية عبد المجيد بن عبد العزيز بن أبي رواد، عن مالك، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد، وهو غلط من ابن أبي رواد». وقال ابن أبي حاتم في " العلل " ١/ ١٣١: «سئل أبي عن حديث رواه نوح بن حبيب، عن عبد المجيد بن عبد العزيز بن أبي رواد … فذكره وقال: قال أبي: هذا حديث باطل، ليس له أصل، إنما هو: مالك، عن يحيى بن سعيد، عن محمد بن إبراهيم التيمي، عن علقمة بن وقاص، عن عمر، عن النبي - ﷺ -». وقال الدارقطني في " العلل " ٢/ ١٩٣: «رواه عبد المجيد بن عبد العزيز بن أبي رواد، عن مالك، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد الخدري، ولم يتابع عليه».
(٢) سقطت من (ج).
(٣) في (ج): «لا».
(٤) قال الحافظ ابن حجر في " الفتح " ١/ ١٥: «قد تواتر عن يحيى بن سعيد، فحكى محمد بن علي بن سعيد النقاش الحافظ أنه رواه عن يحيى مئتان وخمسون نفسًا، وسرد أسماءهم أبو القاسم بن منده فجاوز الثلاثمئة، وروى أبو موسى المديني عن بعض مشايخه مذاكرة عن الحافظ أبي إسماعيل الأنصاري الهروي، قال: كتبته من حديث سبعمئة من أصحاب يحيى. قلت: وأنا أستبعد صحة هذا، فقد تتبعت طرقه من الروايات المشهورة والأجزاء المنثورة منذ طلبت الحديث إلى وقتي هذا فما قدرت على تكميل المئة». وقال في " التلخيص " ١/ ٢١٨ بعد أن ذكر كلام أبي إسماعيل الهروي: «قلت: تبعته من الكتب والأجزاء، حتى مررت على أكثر من ثلاثة آلاف جزء، فما استطعت أن أكمل له سبعين طريقًا».
[ ٣٠ ]
واتَّفقَ العُلماءُ على صحَّته وَتَلَقِّيهِ بالقَبولِ، وبه صدَّر البخاريُّ كتابَه " الصَّحيح "، وأقامه مقامَ الخُطبةِ له، إشارةً منه إلى أنَّ كلَّ عملٍ لا يُرادُ به وجهُ الله فهو باطلٌ، لا ثمرةَ له في الدُّنيا ولا في الآخرةِ، ولهذا قال عبدُ الرَّحمانِ بنُ مهدي: لو صنَّفتُ الأبوابَ، لجعلتُ حديثَ عمرَ في الأعمالِ بالنِّيَّةِ في كلّ بابٍ، وعنه أنَّه قال: مَنْ أَرادَ أنْ يصنِّفَ كتابًا، فليبدأ بحديثِ (^١) «الأعمال بالنيات» (^٢).
وهذا الحديثُ أحدُ الأحاديثِ التي يدُورُ الدِّين عليها (^٣)، فرُويَ عنِ الشَّافعيِّ أنَّهُ قال: هذا الحديثُ ثلثُ العلمِ، ويدخُلُ في سبعينَ بابًا مِنَ الفقه (^٤).
وعَنِ الإمام أحمدَ قال: أصولُ الإسلام على ثلاثة أحاديث (^٥): حديث عمرَ: «الأعمالُ بالنيات»، وحديثُ عائشة: «مَنْ أحدثَ في أمرِنا هذا (^٦) ما ليس منهُ، فهو ردٌّ» (^٧)، وحديثُ النُّعمانِ بنِ بشيرٍ: «الحلالُ بيِّنٌ، والحَرامُ بَيِّنٌ» (^٨). وقال الحاكمُ: حدَّثُونا عَنْ عبدِ الله بنِ أحمدَ، عن أبيه: أنّه ذكرَ قوله ﵊: «الأعمال بالنيات»، وقوله: «إنّ خَلْقَ أحَدِكُم يُجْمَعُ في بطنِ أُمِّهِ أربَعينَ
_________________
(١) زاد بعدها في (ص): «عمر: إنما».
(٢) قول عبد الرحمان بن مهدي هذا ذكره الترمذي في " الجامع الكبير " عقيب حديث (١٦٤٧)، والنووي في " شرح صحيح مسلم " ٧/ ٤٨ وفي " الأذكار "، له: ٦، وابن حجر في " الفتح " ١/ ١٤.
(٣) في (ص): «عليها الدين».
(٤) أخرجه البيهقي في " السنن الكبرى " ٢/ ١٤. وذكره النووي في " المجموع " ١/ ١٦٩ وفي " شرح صحيح مسلم " ٧/ ٤٨، والعراقي في " طرح التثريب " ٢/ ٥، وابن حجر في " الفتح " ١/ ١٤.
(٥) انظر: طرح التثريب ٢/ ٥، والفتح ١/ ١٥.
(٦) سقطت من (ج).
(٧) سيأتي عند الحديث الخامس.
(٨) سيأتي عند الحديث السادس.
[ ٣١ ]
يومًا» (^١)، وقوله: «مَنْ أَحْدَث في أمرنا (^٢) هذا (^٣) ما ليس منه
فهو رَدٌّ» فقال: ينبغي أنْ يُبدأ بهذه الأحاديثِ في كُلِّ تصنيفٍ، فإنّها أصولُ الحديث.
وعن إسحاقَ بن راهَوَيْهِ: قال أربعةُ أحاديث هي مِنْ أُصولِ الدِّين: حديث عُمَر: «إنّما الأعمالُ بالنِّيَّات»، وحديث: «الحلالُ بيِّنٌ والحرامُ بَيِّنٌ»، وحديث «إنَّ خَلْقَ أَحدِكُم يُجْمَعُ في بطنِ أمّه (^٤)»،
وحديث: «مَنْ صَنَعَ في أمرِنا شيئًا (^٥) ليس منه، فهو ردٌّ».
وروى عثمان بنُ سعيدٍ، عن أبي عُبيدٍ، قال: جَمَعَ النَّبيُّ - ﷺ - جميعَ أمر الآخرةِ في كلمةٍ: «مَنْ أحدثَ في أمرنا ما ليس منه فهو ردٌّ»، وجمع أمرَ الدُّنيا كلَّه (^٦) في كلمةٍ: «إنّما الأعمالُ بالنِّيات» يدخلان في كل باب.
وعن أبي داودَ، قال: نظرتُ في الحديثِ المُسنَدِ، فإذا هو أربعةُ آلافِ حديثٍ، ثمّ نظرتُ فإذا مدارُ الأربعة آلافِ حديث على أربعةِ أحاديث: حديث النُّعمان بنِ بشيرٍ: «الحلالُ بيِّن والحرامُ بيِّنٌ»، وحديث عُمَر (^٧): «إنّما الأعمالُ بالنِّيَّات»، وحديث أبي هريرة: «إنّ الله طيِّبٌ لا يقبلُ إلاّ طيِّبًا، وإنَّ الله أمرَ المؤمنين بما أمرَ به المُرسلين» الحديث (^٨)، وحديث: «مِنْ حُسنِ إسلامِ المرءِ تَركُهُ ما لا يعنيه» (^٩). قال: فكلُّ حديثٍ (^١٠) مِنْ هذه ربعُ العلمِ (^١١).
_________________
(١) سيأتي عند الحديث الرابع.
(٢) في (ج): «ديننا»، ولعله سبق قلم من الناسخ، إذ كتب فوقها: «أمرنا».
(٣) سقطت من (ج).
(٤) زاد بعدها في (ص): «أربعين يومًا».
(٥) في (ج): «هذا ما» بدل «شيئًا».
(٦) سقطت من (ص).
(٧) زاد بعدها في (ص): «ابن الخطاب».
(٨) سيأتي عند الحديث العاشر.
(٩) سيأتي عند الحديث الثاني عشر.
(١٠) في (ص): «واحد».
(١١) ينظر قول أبي داود في " طرح التثريب " ٢/ ٥ - ٦، وفي " شرح السيوطي لسنن النسائي " ٧/ ٢٤١ - ٢٤٢.
[ ٣٢ ]
وعن أبي داودَ أيضًا، قال: كتبتُ عن رسول الله - ﷺ - خمس مئة ألف حديثٍ، انتخبتُ منها ما ضَمَّنْتُهُ هذا الكتاب - يعني كتابَ " السنن " - جمعت فيه أربعةَ آلاف (^١) وثمانمئة حديثٍ (^٢)، ويكفي الإنسانَ لدينه (^٣) مِنْ ذلك أربعةُ أحاديث: أحدُها: قوله - ﷺ -: «إنما (^٤) الأعمالُ بالنِّيَّات»، والثاني: قوله - ﷺ -: «مِنْ حُسن إسلامِ المرءِ تركُهُ ما لا يعنيه»، والثالث: قولُه - ﷺ -: «لا يكونُ المُؤمِنُ مؤمنًا حتّى لَا يرضى لأخيه (^٥) إلاّ ما يرضى لنفسه» (^٦)، والرَّابع: قوله - ﷺ -: «الحلال بيِّنٌ، والحرامُ بيِّنٌ» (^٧).
وفي رواية أخرى عنه أنه قال: الفقه يدورُ على خمسةِ أحاديث: «الحلال بَيِّنٌ، والحرامُ بيِّنٌ»، وقوله - ﷺ -: «لا ضَررَ ولا ضِرارَ» (^٨)، وقوله: «إنّما (^٩) الأعمالُ بالنِّياتِ»، وقوله (^١٠): «الدِّينُ النصيحةُ» (^١١)، وقوله: «وما نهيتُكم عنه
_________________
(١) زاد بعدها في (ص): «حديث».
(٢) الموجود من الأحاديث في كتاب " السنن " لأبي داود (٥٢٧٤). انظر: سنن أبي داود ط. دار الكتب العلمية، تحقيق: محمد عبد العزيز الخالدي.
(٣) سقطت من (ص).
(٤) سقطت من (ج).
(٥) زاد بعدها في (ص).
(٦) ورد هذا الحديث بهذا اللفظ عند السيوطي في " شرحه لسنن النسائي "، وورد الحديث بلفظ: «لا يؤمن أحدكم حتى يُحب لأخيه، أو لجاره ما يُحب لنفسه». وأخرجه بهذا اللفظ: ابن المبارك في " الزهد " (٦٧٧)، والطيالسي (٢٠٠٤)، وأحمد ٣/ ١٧٦ و٢٠٦ و٢٥١ و٢٧٢ و٢٧٨ و٢٨٩، وعبد بن حميد (١١٧٥)، والدارمي (٢٧٤٣)، والبخاري ١/ ١٠ (١٣)، ومسلم ١/ ٤٩ (٤٤) (٧٠) و١/ ٤٩ (٤٥) (٧٢)، وابن ماجه (٦٦)، والترمذي (٢٥١٥)، والنسائي ٨/ ١١٥ و١٢٥ وفي " الكبرى "، له (١١٧٤٧) و(١١٧٧٠)، وابن حبان (٢٣٤) و(٢٣٥)، وابن منده في " الإيمان " (٢٩٤) و(٢٩٥) و(٢٩٦) و(٢٩٧)، والقضاعي في " مسند الشهاب " (٨٨٩)، والبغوي (٣٤٧٤) من طرق عن أنس بن مالك، به.
(٧) سيأتي عند الحديث السادس.
(٨) سيأتي عند الحديث الثاني والثلاثين.
(٩) سقطت من (ج).
(١٠) زاد بعدها في (ص): «- ﷺ -».
(١١) سيأتي عند الحديث السابع.
[ ٣٣ ]
فاجتنبُوه، وما أمرتُكم به فائتُوا مِنهُ ما استطعتم» (^١).
وفي رواية عنه، قال: أصولُ السُّنن في كلِّ فنٍّ أربعةُ أحاديث: حديث عمر «إنّما (^٢) الأعمالُ بالنّياتِ»، وحديث: «الحلالُ بيِّن والحرامُ بيِّن»، وحديث: «مِنْ حُسْنِ إسلامِ المرء تَركُهُ ما لا يعنيه»، وحديث: «ازْهَدْ في الدُّنيا يحبكَ الله، وازهد فيما في أيدي النَّاس يُحِبك الناسُ» (^٣).
وللحافظ أبي الحسن طاهر بن مفوِّز المعافري الأندلسي (^٤):
عُمْدَةُ الدِّينِ عندَنا كلماتٌ … أربعٌ مِنْ كلامِ خيرِ البريَّه
اتَّق الشُّبهَاتِ وازهَدْ ودَعْ ما … لَيسَ يَعْنِيكَ واعمَلَنَّ بِنيَّه (^٥)
فقوله - ﷺ -: «إنّما الأعمالُ بالنِّيَّات»، وفي رواية: «الأعمالُ بالنِّيَّة (^٦)». وكلاهما يقتضي الحصرَ على الصَّحيح، وليس غرضنا هاهنا توجيه ذلك (^٧)، ولا بسط القول فيه. وقد اختلف في تقدير قوله: «الأعمالُ بالنياتِ»، فكثيرٌ مِنَ المتأخِّرين يزعُمُ أنّ تقديرَه: الأعمالُ صحيحةٌ، أو معتَبَرةٌ، أو مقبولة بالنِّيَّاتِ، وعلى هذا فالأعمالُ إنّما أُرِيدَ بها الأعمالُ الشَّرعيَّةُ المفتَقِرةُ إلى النِّيَّة، فأمّا مالا يفتقِرُ إلى النيّة كالعادات مِنَ الأكل والشرب، واللبسِ وغيرِها، أو مثل ردِّ الأماناتِ والمضمونات، كالودائعِ
_________________
(١) سيأتي عند الحديث التاسع.
(٢) سقطت من (ج).
(٣) سيأتي عند الحديث الحادي والثلاثين.
(٤) «الأندلسي» لم ترد في (ص)، وهو الإمام الحافظ الناقد المجوّد، أبو الحسن طاهر بن مُفوز ابن أحمد بن مُفوز المعافري الشاطبي، تلميذ أبي عمر بن عبد البر، وخصيصه، وأكثر عنه وَجوَّد، وكان فهمًا ذكيًا إمامًا من أوعية العِلم وَفُرسان الحديث وأهل الإتقان والتحرير مع الفضل والورع والتقوى والوقار والسمت، مولده في سنة تسع وعشرين وأربع مئة. انظر: سير أعلام النبلاء ١٩/ ٨٨، والعبر ٣/ ٣٠٥، وتذكرة الحفاظ ٤/ ١٢٢٢ - ١٢٢٣.
(٥) انظر: الفتوحات الربانية لابن علان ١/ ٦٤، وشرح السيوطي لسنن النسائي ٧/ ٢٤٢.
(٦) في (ج): «بالنيات».
(٧) سقطت من (ص).
[ ٣٤ ]
والغُصوبِ، فلا يَحتَاجُ شيءٌ من ذلك إلى نيةٍ، فيُخَصُّ هذا كلُّه من عمومِ الأعمال المذكورة هاهُنا.
وقال آخرون: بل الأعمال هنا على عُمومها، لا يُخَصُّ منها شيءٌ (^١).
وحكاه بعضُهم عن الجمهور، وكأنَّه يريدُ به جمهورَ المتقدِّمين، وقد وقع ذلك في كلام ابن جريرٍ الطَّبَريِّ، وأبي طالبٍ المكِّيِّ وغيرِهما من المتقدِّمين، وهو ظاهرُ كلامِ الإمام أحمدَ.
قال في رواية حنبلٍ: أُحِبُّ لكلِّ مَنْ عَمِلَ عملًا مِنْ صلاةٍ، أو صيامٍ، أو صَدَقَةٍ، أو نوعٍ مِنْ أنواعِ البِرِّ أنْ تكونَ النِّيَّةُ متقدِّمَةً في ذلك قبلَ الفعلِ، قال النبيُّ - ﷺ -: «الأعمالُ بالنِّيَّاتِ»، فهذا يأتي على كلِّ أمرٍ من الأمور.
وقال الفضلُ بنُ زيادٍ: سألتُ أبا عبد الله - يعني: أحمدَ - عَنِ النِّيَّةِ في العملِ، قلت: كيف النيةُ؟ قالَ: يُعالجُ نفسَه، إذا أراد عملًا لا يريدُ به النّاس.
وقال أحمدُ بنُ داودَ الحربي: حدَّث يزيدُ بن هارونَ بحديثِ عمر: «إنّما (^٢) الأعمال بالنيات» وأحمدُ جالسٌ، فقال أحمد ليزيدَ: يا أبا خالدٍ، هذا الخناقُ.
وعلى هذا القول، فقيل: تقديرُ الكلام: الأعمال واقعة، أو حاصلةٌ بالنِّيَّاتِ، فيكونُ إخبارًا عن الأعمالِ الاختيارية أنّها لا تقعُ إلاّ عَنْ قصدٍ مِنَ العاملِ وهو سببُ عملها ووجودِها، ويكونُ قولُه بعدَ ذلك: «وإنَّما لكل امرئٍ (^٣) ما نوى» إخبارًا عن حكمِ الشَّرع، وهو أنَّ حظَّ العاملِ مِنْ عمله نيَّتُه، فإنْ كانت صالحةً فعملُهُ صالحٌ، فله أجرُه، وإن كانت فاسدةً فعمله فاسدٌ، فعليه وِزْرُهُ.
ويحتمل أن يكون التَّقدير في قوله: «الأعمال بالنيات»: الأعمالُ صالحةٌ، أو
_________________
(١) قال ابن دقيق العيد: «الذين اشترطوا النية قدّروا صحة الأعمال بالنيات أو ما يقاربه، والذين لم يشترطوها قدّروا كمال الأعمال بالنيات أو ما يقاربه». انظر: طرح التثريب ٢/ ٧.
(٢) سقطت من (ج).
(٣) في (ج): «لامرئٍ».
[ ٣٥ ]
فاسدةٌ، أو مقبولةٌ، أو مردودةٌ، أو مثابٌ عليها، أو غير مثاب عليها، بالنيات، فيكونُ خبرًا عن حكمٍ شرعي، وهو أنَّ صلاحَ الأعمال وفسادَها بحسب صلاحِ النِّياتِ وفسادِها، كقوله - ﷺ - (^١): «إنّما الأعمالُ بالخواتيم» (^٢)، أي: إنَّ صلاحَها وفسادَها وقَبُولَها وعدمَه بحسب الخاتمة.
وقوله بعد ذلك: «وإنّما لامرئٍ (^٣) ما نوى» إخبارٌ أنَّه لا يحصلُ له مِنْ عمله إلاّ ما نواه به، فإنْ نَوى خيرًا حصل له خير، وإنْ نَوى به (^٤) شرًّا حصل له (^٥) شرٌّ، وليس هذا تكريرًا محضًا للجُملة الأولى، فإنَّ الجُملةَ الأولى دلَّت على أنّ صلاحَ العمل وفسادَه بحسب النِّيَّة المقتضيةِ لإيجاده، والجملة الثّانية دلَّت على أنّ ثوابَ العاملِ على عمله بحسب نيَّتِه الصالحة، وأنَّ عقابَه عليه بحسب نيَّته الفاسدة، وقد تكون نيَّتُه مباحة، فيكون العملُ مباحًا، فلا يحصل له به ثوابٌ ولا عقابٌ، فالعملُ في نفسه صلاحُه وفسادُه وإباحَتُه بحسب النيّة الحاملةِ عليه، المقتضية لوجودِهِ، وثوابُ العامل وعقابُه وسلامتُه بحسب نيته التي بها صار العملُ (^٦) صالحًا، أو فاسدًا، أو مباحًا.
واعلم أنّ النيَّةَ في اللُّغة نوعٌ من القَصدِ والإرادة (^٧)، وإن كان قد فُرق بينَ هذه الألفاظ بما ليس هذا موضع ذكره.
والنيةُ في كلام العُلماء تقعُ بمعنيين:
أحدهما: بمعنى تمييز العباداتِ بعضها عن بعضٍ، كتمييزِ صلاة الظُّهر مِنْ صلاةِ العصر مثلًا (^٨)، وتمييزِ صيام رمضان من صيام غيرِه، أو تمييز العباداتِ مِنَ
_________________
(١) زاد بعدها في (ص): «إنما لكل امرئ ما نوى. إخبار أنه لا يحصل له من عمله إلاّ ما نواه به، فإن نوى خيرًا حصل له خير، وإن نوى شرًا حصل له شر، وقوله - ﷺ -»، وهي زيادة مكررة.
(٢) أخرجه: أحمد ٥/ ٣٣٥، والبخاري ٧/ ١٢٨ (٦٤٩٣) و٨/ ١٥٥ (٦٦٠٧)، ومسلم ١/ ٧٤ (١١٢) (١٧٩)، وأبو عوانة ١/ ٥٥، والقضاعي في " مسند الشهاب "
(٣) ، وابن عساكر في " تاريخ دمشق " ٥٨/ ٣٠٤ من حديث سهل بن سعد، به.
(٤) في (ص): «لكل امرئٍ».
(٥) سقطت من (ص).
(٦) زاد بعدها في (ص): «به».
(٧) في (ص): «صار العمل بها».
(٨) انظر: كتاب العين: ٩٩٦، والصحاح ٦/ ٢٥١٦، ولسان العرب ١٤/ ٣٤٣.
(٩) سقطت من (ص).
[ ٣٦ ]
العادات (^١)، كتمييز الغُسلِ من الجَنَابةِ مِنْ غسل التَّبرُّد والتَّنظُّف، ونحو ذلك، وهذه النيةُ هي التي تُوجَدُ كثيرًا في كلامِ الفُقهاء في كتبهم.
والمعنى الثاني: بمعنى تمييزِ المقصودِ بالعمل، وهل هو لله وحده لا شريكَ له، أم غيره، أم الله وغيرُه (^٢)، وهذه النيّة هي التي يتكلَّمُ فيها العارفُونَ في كتبهم في كلامهم على الإخلاص وتوابعه، وهي التي تُوجَدُ كثيرًا في كلام السَّلَفِ المتقدّمين.
وقد صنَّفَ أبو بكر بنُ أبي الدُّنيا مصنَّفًا سمَّاه: كتاب «الإخلاص والنية»، وإنّما أراد هذه النية، وهي النيةُ التي يتكرَّر ذكرُها في كلام النَّبيِّ - ﷺ - تارةً بلفظ النيةِ، وتارةً بلفظ الإرادة، وتارةً بلفظٍ مُقاربٍ لذلك، وقد جاء ذكرُها كثيرًا في كتابِ الله - ﷿ - بغيرِ لفظِ النِّيَّةِ أيضا مِنَ الألفاظ المُقاربةِ لها.
وإنَّما فرَّقَ مَنْ فَرَّقَ بين النيةِ وبينَ الإرادة والقصدِ ونحوهما؛ لظنِّهم اختصاصَ النية بالمعنى الأوَّلِ الذي يذكُرُهُ الفقهاءُ، فمنهم من قال: النيةُ تختصُّ بفعلِ النَّاوي، والإرادةُ لا تختصُّ بذلك، كما يريدُ الإنسانُ مِنَ اللهِ أن يغفرَ له، ولا ينوي ذلك.
وقد ذكرنا أنَّ النية في كلام النَّبيِّ - ﷺ - وسلفِ الأمَّةِ إنَّما يُرادُ بها هذا المعنى الثاني غالبًا، فهي حينئذٍ بمعنى الإرادة، ولذلك يُعبَّرُ عنها بلفظِ الإرادة في القرآن كثيرًا، كما في قوله تعالى: ﴿مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الآخِرَةَ﴾ (^٣)، وقوله: ﴿تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الآخِرَة﴾ (^٤)، وقوله: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ﴾ (^٥)، وقوله: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلاهَا مَذْمُومًا مَدْحُورًا وَمَنْ أَرَادَ الآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا﴾ (^٦)، وقوله تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لا يُبْخَسُونَ أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ إِلاَّ النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (^٧)،
_________________
(١) في (ص): «العادات من العبادات».
(٢) في (ص): «أم هو لغير الله» بدل: «أم غيره أم الله وغيره».
(٣) آل عمران: ١٥٢.
(٤) الأنفال: ٦٧.
(٥) الشورى:٢٠.
(٦) الإسراء: ١٨ - ١٩.
(٧) هود:١٥ - ١٦.
[ ٣٧ ]
وقوله: ﴿وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾ (^١)، وقوله: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ (^٢)، وقوله: ﴿ذَلِكَ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يُرِيدُونَ وَجْهَ اللهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ رِبًا لِيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلا يَرْبُو عِنْدَ اللهِ وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ﴾ (^٣).
وقد يُعَبَّرُ عنها في القرآن بلفظ «الابتغاء»، كما في قوله تعالى: ﴿إِلاَّ ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الأَعْلَى﴾ (^٤)، وقوله: ﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ الله﴾ (^٥)، وقوله: ﴿وَمَا تُنْفِقُونَ إِلاَّ ابْتِغَاءَ وَجْهِ الله﴾ (^٦)، وقوله: ﴿لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلاَّ مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ (^٧).
فنفى الخيرَ عَنْ كثيرٍ ممّا يتناجى الناسُ به إلاَّ في الأمرِ بالمعروف، وخصَّ من أفراده الصَّدقةَ، والإصلاحَ بينَ النَّاس؛ لعموم نفعهما، فدلَّ ذلك على أنّ التَّناجي بذلك خيرٌ، وأمّا الثوابُ عليهِ مِنَ اللهِ فخصّه بِمَنْ فعله ابتغاءَ مرضات الله.
وإنَّما جَعَل الأمرَ بالمعروفِ مِنَ الصَّدقة، والإصلاح بينَ النَّاس وغيرهما خيرًا، وإنْ لم يُبْتَغَ به وجهُ اللهِ، لما يترتَّبُ على ذلك مِنَ النَّفْعِ المُتعدِّي، فَيَحْصُلُ به للنَّاسِ إحسانٌ وخيرٌ، وأمّا بالنِّسبة إلى الأمر، فإنْ قَصَدَ به وجهَ اللهِ وابتغاءَ مَرضاته كان خيرًا له، وأُثيبَ عليه، وإنْ لم يقصدْ ذلك لم يكن خيرًا له، ولا ثوابَ له عليه، وهذا بخلاف من صام وصلى وذكر الله، يقصِدُ بذلك عَرَضَ الدُّنيا، فإنّه لا خيرَ له فيه بالكُلِّيّة؛ لأنَّه لا نفع في ذلك لصاحبه، لما يترتّب عليه من الإثم فيه، ولا لغيره؛ لأنَّه لا يتعدَّى نفعُه إلى أحدٍ، اللَّهُمَّ إلاّ أنْ يحصُلَ لأحدٍ به اقتداءٌ في ذلك.
وأمّا ما ورد في السُّنَّةِ وكلام السَّلفِ مِنْ تسمية هذا المعنى بالنِّيَّةِ، فكثيرٌ جدًا، ونحن نذكر بعضَه، كما خرَّج الإمام أحمدُ والنَّسائيّ مِنْ حديثِ عُبادةَ بنِ الصَّامتِ، عنِ النَّبيِّ - ﷺ - أنَّه قال: «مَنْ غَزَا في سَبيلِ الله ولم يَنْوِ إلاَّ عِقالًا، فله ما نوى» (^٨).
_________________
(١) الأنعام: ٥٢.
(٢) الكهف: ٢٨.
(٣) الروم: ٣٨ - ٣٩.
(٤) الليل:٢٠.
(٥) البقرة: ٢٦٥.
(٦) البقرة: ٢٧٢.
(٧) النساء: ١١٤.
(٨) أخرجه: أحمد ٥/ ٣١٥ و٣٢٠، والنسائي ٦/ ٢٤ وفي " الكبرى "، له (٤٣٤٦) و(٤٣٤٧). وأخرجه أيضًا: الدارمي (٢٤٢١)، وعبد الله بن أحمد في " زياداته " ٥/ ٣٢٩، وابن حبان (٤٦٣٨)، والحاكم ٢/ ١٠٩، والبيهقي ٦/ ٣٣١، وإسناده ضعيف؛ فإنَّ يحيى بن الوليد بن عبادة مجهول لم يرو عنه غير جبلة بن عطية.
[ ٣٨ ]
وخرَّج الإمام أحمد (^١) من حديثِ ابنِ مسعودٍ، عن النَّبيِّ - ﷺ -، قال: «إنَّ أكثرَ شُهداءِ أُمَّتي لأصْحَابُ الفُرُشِ، ورُبَّ قتيلٍ بَيْنَ الصفَّين الله أعلم بنيَّته».
وخَرَّج ابنُ ماجه (^٢) من حديث جابر، عن النَّبيِّ - ﷺ -، قال: «يُحْشَرُ النَّاسُ على نيَّاتِهم»، ومن حديث أبي هريرة، عَنِ النَّبيِّ - ﷺ -، قال: «إنَّما يُبْعَثُ النَّاسُ على نِيَّاتِهم» (^٣).
وخَرَّج ابنُ أبي الدُّنيا من حديثِ عمر، عَنِ النَّبيِّ - ﷺ -، قال: «إنَّما يُبعَثُ المقتتلون على النِّيَّاتِ» (^٤).
وفي " صحيح مسلم " (^٥) عن أمِّ سلمةَ، عن النَّبيِّ - ﷺ -، قال: «يعوذُ عائذٌ بالبيتِ، فيُبعَثُ إليه بعثٌ، فإذا كانوا ببيداءَ مِنَ الأرضِ خُسِفَ بهم»، فقلت: يا رسولَ اللهِ، فكيف بمَنْ كان كارهًا؟ قال: «يُخْسَفُ به معهم، ولكنَّه يُبعَثُ يومَ القيامة على نيَّته».
وفيه أيضًا عَنْ عائشة، عَنِ النَّبيِّ - ﷺ - معنى هذا الحديث، وقال فيه: «يهلِكون مَهْلِكًا واحدًا، ويَصدُرُونَ مصادرَ شتَّى، يبعثُهم الله على نيَّاتهم» (^٦).
_________________
(١) في " مسنده " ١/ ٣٩٧، وإسناده ضعيف لضعف ابن لهيعة.
(٢) في " سننه " (٤٢٣٠)، وإسناده ضعيف لضعف شريك بن عبد الله النخعي.
(٣) أخرجه ابن ماجه (٤٢٢٩). وأخرجه أيضًا: أحمد ٢/ ٣٩٢، وأبو يعلى (٦٢٤٧)، وتمام في " فوائده " (١٧٤٤)، وإسناده ضعيف لضعف ليث بن أبي سليم وشريك النخعي.
(٤) أخرجه: أبو يعلى في " المسند الكبير " كما في " المطالب العالية " (١٨٧٧)، وابن عدي في " الكامل " ٦/ ٢٢٧، وتمام في " فوائده " (١٧٤٣)، وابن عساكر في " تاريخ دمشق " ١٩/ ٢٧٤ و٢٠/ ٢٢٠، وهو حديث منكر لتفرد عمرو بن شمر الكذاب به، وقد ساقه ابن عدي في منكراته. تنبيه: جاء في بعض الروايات لفظ «المسلمون» بدل «المقتتلون».
(٥) الصحيح ٨/ ١٦٦ (٢٨٨٢) (٤) و٨/ ١٦٧ (٢٨٨٢) (٥). وأخرجه أيضًا: أحمد ٦/ ٢٨٩ و٢٩٠ و٣١٦ و٣١٧ و٣١٨ و٣٢٣، وأبو داود (٤٢٨٩)، وابن ماجه (٤٠٥٦)، والترمذي (٢١٧١)، وأبو يعلى (٦٩٢٦)، وابن حبان (٦٧٥٦)، والطبراني في " الكبير " ٢٣/ (٧٣٤) و(٧٣٥) و(٧٣٦) و(٩٨٤) و(٩٨٥) من طرق عن أم سلمة.
(٦) أخرجه: مسلم ٨/ ١٦٨ (٢٨٨٤) (٨). وأخرجه أيضًا: أحمد ٦/ ١٠٥ و٢٥٩، والبخاري ٣/ ٨٦ (٢١١٨)، وابن حبان (٦٧٥٥)، وأبو نعيم في " الحلية " ٥/ ١١ من طرق عن عائشة، به.
[ ٣٩ ]
وخرّج الإمام أحمد وابنُ ماجه مِنْ حديث زيدِ بن ثابتٍ، عنِ النَّبيِّ - ﷺ -، قال: «مَنْ كانتِ الدُّنيا همَّه فرّق الله عليه أمره، وجَعَلَ فقرَه بين عينيه، ولم يأتِهِ من الدُّنيا إلا ما كُتِبَ له، ومَنْ كَانَتِ الآخرةُ نيَّته جمَعَ الله له أمرَه، وجعل غِناه في قلبِه، وأتته الدُّنيا وهي راغمةٌ». لفظُ ابنِ ماجه، ولفظُ أحمد: «مَنْ كان همُّه الآخرة، ومن كانت نيَّته الدُّنيا» (^١)، وخرَّجه ابن أبي الدنيا (^٢)، وعنده: «من كانت نيته الدنيا، ومن كانت نيته الآخرة».
وفي " الصَّحيحين " عن سعد بن أبي وقَّاصٍ، عَنِ النَّبيِّ - ﷺ -، قال: «إنَّكَ لن تُنفِقَ نفقةً تبتغي بِها وجهَ اللهِ إلاَّ أُثِبْتَ عليها، حتَّى اللُّقمَة تجعلُها في فيِّ امرأتك» (^٣).
وروى ابنُ أبي الدُّنيا بإسنادٍ منقطعٍ عن عُمَر، قال: لا عَمَلَ لِمَنْ لا نيَّةَ له، ولا أجْرَ لمَنْ لا حِسْبَةَ لهُ، يعني: لا أجر لمن لم يحتسبْ ثوابَ عمله عندَ الله - ﷿ -.
وبإسنادٍ ضعيفٍ عن ابنِ مسعودٍ، قال: لا ينفعُ قولٌ إلاَّ بعملٍ، ولا ينفعُ قولٌ وعملٌ إلاَّ بنيَّة، ولا ينفعُ قولٌ وعملٌ ونيَّةٌ إلاَّ بما وافق السُّنَّةَ.
_________________
(١) أخرجه: أحمد ٥/ ١٨٣، وابن ماجه (٤١٠٥). وأخرجه أيضًا: الدارمي (٢٣٥)، وأبو داود (٣٦٦٠)، والترمذي (٢٦٥٦)، وابن أبي عاصم في " السنة " (٩٤)، والطحاوي في " شرح المشكل " (١٦٠٠)، وابن حبان (٦٧) و(٦٨٠)، والطبراني في " الكبير " (٤٨٩٠) و(٤٨٩١) من طرق عن زيد بن ثابت، به، وهو حديث صحيح.
(٢) في كتاب الإخلاص: ٥٨.
(٣) أخرجه: البخاري ١/ ٢٢ (٥٦) و٢/ ١٠٣ (١٢٩٥) و٤/ ٣ (٢٧٤٢) و٥/ ٨٧ (٣٩٣٦) و٥/ ٢٢٥ (٤٤٠٩) و٧/ ١٥٥ (٥٦٦٨) و٨/ ٩٩ (٦٣٧٣) و٨/ ١٨٧ (٦٧٣٣)، ومسلم ٥/ ٧١ (١٦٨) (٥). وأخرجه أيضًا: مالك في " الموطأ " (٢٢١٩) برواية يحيى الليثي، والطيالسي (١٩٥) و(١٩٦) و(١٩٧)، وعبد الرزاق (١٦٣٥٧) و(١٦٣٥٨)، والحميدي (٦٦)، وأحمد ١/ ١٧٢ و١٧٣ و١٧٦ و١٧٩، وعبد بن حميد (١٣٣)، والدارمي (٣١٩٨) و(٣١٩٩)، وأبو داود (٢٨٦٤)، والترمذي (٢١١٦)، والنسائي في " عمل اليوم والليلة " (١٠٩٠)، وأبو يعلى (٧٢٧) و(٧٤٧) و(٨٣٤)، وابن الجارود (٩٤٧)، والطحاوي في " شرح المشكل " (٢٦٢٧) و(٢٦٢٨) و(٥٢٢١) و(٥٢٢٢)، وابن حبان (٤٢٤٩) و(٦٠٢٦)، وأبو نعيم في " معرفة الصحابة " (٥٣٣)، والبيهقي ٦/ ٢٦٨، والبغوي (١٤٥٨) من طرق عن سعد بن أبي وقاص، به.
[ ٤٠ ]
وعن يحيى بن أبي كثير، قال: تعلَّموا النِّيَّة، فإنَّها أبلغُ من العَمَلِ (^١).
وعن زُبَيدٍ اليامي، قال: إنِّي لأحبُّ أن تكونَ لي نيَّةٌ في كلِّ شيءٍ، حتى في الطَّعام والشَّراب، وعنه أنَّه قال: انْوِ في كلِّ شيءٍ تريدُه الخيرَ، حتى خروجك إلى الكُناسَةِ (^٢).
وعن داود الطَّائيِّ (^٣)، قال: رأيتُ الخيرَ كلَّه إنَّما يجمعُه حُسْنُ النِّيَّة، وكفاك به خيرًا وإنْ لم تَنْصَبْ. قال داود: والبِرُّ هِمَّةُ التَّقيِّ، ولو تعلَّقت جميع جوارحه بحبِّ الدُّنيا لردَّته يومًا نيَّتُهُ إلى أصلِهِ.
وعن سفيانَ الثَّوريِّ، قال: ما عالجتُ شيئًا أشدَّ عليَّ من نيَّتي؛ لأنَّها تتقلَّبُ عليَّ (^٤).
وعن يوسُفَ بن أسباط، قال: تخليصُ النِّيةِ مِنْ فسادِها أشدُّ على العاملينَ مِنْ طُولِ الاجتهاد (^٥).
وقيل لنافع بن جُبير: ألا تشهدُ الجنازةَ؟ قال: كما أنتَ حتَّى أنوي، قال: ففكَّر هُنَيَّة، ثم قال: امضِ (^٦).
وعن مطرِّف بن عبدِ الله قال: صلاحُ القلب بصلاحِ العملِ، وصلاحُ العملِ بصلاحِ النيَّةِ (^٧).
_________________
(١) أخرجه: أبو نعيم في " الحلية " ٣/ ٧٠.
(٢) أخرج القول الثاني: الدينوري في " المجالسة " (٣٥٣٣)، وابن عربي في " محاضرة الأبرار " ٢/ ٢٩٣.
(٣) هو أبو سليمان، داود بن نصير الطائي، اشتغل بالعلم مدة ودرس الفقه وغيره من العلوم ثم اختار بعد ذلك العزلة، وآثر الانفراد والخلوة ولزم العبادة واجتهد فيها إلى آخر عمره، مات بالكوفة سنة ستين ومئة، وقيل سنة خمس وستين ومئة. انظر: سير أعلام النبلاء ٧/ ٤٢٢، والأنساب ٣/ ٢٤٧ - ٢٤٨.
(٤) أخرجه: أبو نعيم في " الحلية " ٧/ ٥ و٦٢، وفيه كلمة «نفسي» بدل كلمة «نيتي».
(٥) أخرجه: الدينوري في " المجالسة " (١٩٤٦) و(٣٤٢٤)، وابن عربي في " محاضرة الأبرار " ٢/ ٣٢٣.
(٦) أخرجه: الدينوري في " المجالسة " (٣٥٣٢)، وابن عساكر في " تاريخ دمشق " ٤/ ٣٠٦.
(٧) أخرجه: أبو نعيم في " الحلية " ٢/ ١٩٩.
[ ٤١ ]
وعن بعض السَّلَف قال: مَنْ سرَّه أن يَكْمُلَ له عملُه، فليُحسِن نيَّته، فإنَّ الله - ﷿ - يأجُرُ العَبْدَ إذا حَسُنَت نيَّته حتى باللُّقمة.
وعن ابن المبارك، قال: رُبَّ عملٍ صغيرٍ تعظِّمهُ النيَّةُ، وربَّ عمل كبيرٍ تُصَغِّره النيَّةُ.
وقال ابن عجلان: لا يصلحُ العملُ إلاَّ بثلاثٍ: التَّقوى لله، والنِّيَّةِ الحسنَةِ، والإصابة.
وقال الفضيلُ بنُ عياضٍ: إنَّما يريدُ الله - ﷿ - منكَ نيَّتَك وإرادتكَ.
وعن يوسف بن أسباط، قال: إيثارُ الله - ﷿ - أفضلُ من القَتل في سبيله.
خرَّج ذلك كلَّه ابنُ أبي الدُّنيا في كتاب " الإخلاص والنيَّة ".
وروى فيه بإسنادٍ منقطعٍ عن عُمَر - ﵁ -، قال: أفضلُ الأعمال أداءُ ما افترضَ الله - ﷿ -، والورعُ عمّا حرَّم الله - ﷿ -، وصِدْقُ النِيَّة فيما عندَ اللهِ - ﷿ -.
وبهذا يعلم معنى ما رُوي عن الإمامِ أحمدَ: أنَّ أُصولَ الإسلام ثلاثةُ أحاديث: حديثُ: «الأعمال بالنِّيَّات»، وحديثُ: «مَنْ أحدثَ في أمرِنا ما ليس منه فهو رَدٌّ»، وحديثُ: «الحلالُ بَيِّن والحرامُ بيِّن». فإنّ الدِّين كلَّه يَرجعُ إلى فعل المأموراتِ، وترك المحظورات، والتَّوقُّف عن الشُّبُهاتِ، وهذا كلُّه تضمَّنه حديثُ النُّعمان بن بشيرٍ.
وإنَّما يتمُّ ذلك بأمرين:
أحدهما: أنْ يكونَ العملُ في ظاهره على موافقَةِ السُّنَّةِ، وهذا هو الذي تضمَّنه حديثُ عائشة: «مَنْ أحدَثَ في أمرنا ما ليس منه فهو رَدٌّ» (^١).
والثاني: أنْ يكونَ العملُ في باطنه يُقْصَدُ به وجهُ الله - ﷿ -، كما تضمَّنه حديث عمر: «الأعمالُ بالنِّيَّاتِ».
_________________
(١) سيأتي عند الحديث الخامس.
[ ٤٢ ]
وقال الفضيلُ في قوله تعالى: ﴿لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ (^١)، قال: أخلصُه وأصوبُه. وقال: إنَّ العملَ إذا كان خالصًا، ولم يكن صوابًا، لم يقبل، وإذا كان صوابًا، ولم يكن خالصًا، لم يقبل حتّى يكونَ خالصًا صوابًا، قال: والخالصُ إذا كان لله - ﷿ -، والصَّوابُ إذا كان على السُّنَّة (^٢).
وقد دلَّ على هذا الذي قاله الفضيلُ قولُ الله - ﷿ -: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ (^٣).
وقال بعضُ العارفينَ: إنَّما تفاضَلُوا بالإرادات، ولم يتفاضَلُوا بالصَّوم والصَّلاة.
وقولُه - ﷺ -: «فَمَنْ كانت هجرتُهُ إلى اللهِ ورسولِه، فهجرتُهُ إلى الله ورسولِهِ، وَمَنْ كانت هجرتُه إلى دنيا يُصيبُها، أو امرأةٍ ينكِحُها، فهجرتُه إلى ما هاجرَ إليه».
لما ذكر - ﷺ - أنَّ الأعمالَ بحسبِ النِّيَّاتِ، وأنَّ حظَّ العاملِ من عمله نيَّتُه مِنْ خيرٍ أو شرٍّ، وهاتانِ كلمتانِ جامِعتانِ، وقاعِدَتانِ كلِّيَّتانِ، لا يخرُجُ عنهما شيءٌ، ذكر بعدَ ذلك مثالًا من أمثال الأعمال التي صُورتُها واحدةٌ، ويختلِفُ صلاحُها وفسادُها باختلافِ النِّيَّاتِ، وكأنَّه يقول: سائرُ الأعمالِ على حَذوِ هذا المثال.
وأصلُ الهجرةِ: هِجرانُ بلدِ الشِّرك، والانتقالُ منه إلى دارِ الإسلام، كما كانَ المهاجرونَ قَبلَ فتحِ مكَّة يُهاجرون منها إلى مدينة (^٤) النَّبيِّ - ﷺ -، وقد هاجرَ مَنْ هاجَرَ منهم قبلَ ذلك إلى أرض الحبشة إلى النَّجاشيِّ.
فأخبرَ النبيُّ - ﷺ - أنَّ هذه الهجرةَ تختلفُ باختلافِ النيات والمقاصدِ بها (^٥)، فمن هاجَرَ إلى دار الإسلام حُبًّا لله ورسولِهِ، ورغبةً في تعلُّم دينِ الإسلام، وإظهارِ دينِه حيث كان يعجزُ عنه في دارِ الشِّركِ، فهذا هو المهاجرُ إلى الله ورسوله حقًا، وكفاه شرفًا وفخرًا أنَّه حصل له ما نواه من هجرتِهِ إلى الله ورسوله.
_________________
(١) الملك: ٢.
(٢) ذكره البغوي في " تفسيره " ٥/ ١٢٤ - ١٢٥.
(٣) الكهف: ١١٠.
(٤) سقطت من (ص).
(٥) سقطت من (ص).
[ ٤٣ ]
ولهذا المعنى اقتصرَ في جوابِ هذا الشرط على إعادتِهِ بلفظه؛ لأنَّ حُصولَ ما نواه بهجرته نهايةُ المطلوب في الدُّنيا والآخرة.
ومن كانت هجرتُهُ من دارِ الشِّرك إلى دارِ الإسلام لطَلَبِ دُنيا يُصيبها، أو امرأةٍ ينكِحُها في دارِ الإسلام، فهجرتُهُ إلى ما هاجرَ إليه مِنْ ذلكَ، فالأوَّل تاجرٌ، والثَّاني خاطب، وليسَ واحدٌ منهما بمهاجرٍ.
وفي قوله: «إلى ما هاجرَ إليه» تحقيرٌ لِمَا طلبه من أمر الدُّنيا، واستهانةٌ به، حيث لم يذكره بلفظه. وأيضًا فالهجرةُ إلى اللهِ ورسولِهِ واحدةٌ فلا تعدُّد فيها، فلذلك أعادَ الجوابَ فيها بلفظ الشَّرط.
والهجرةُ لأمور الدُّنيا لا تنحصِرُ، فقد يُهاجِرُ الإنسانُ لطلبِ دُنيا مُباحةٍ تارةً، ومحرَّمةٍ أخرى، وأفرادُ (^١) ما يُقصَدُ بالهجرةِ من أُمورِ الدُّنيا لا تنحصِرُ، فلذلك قال: «فهجرتُهُ (^٢) إلى ما هاجرَ إليه»، يعني: كائنًا ما كان.
وقد رُويَ عن ابنِ عباسٍ ﵄ في قوله تعالى: ﴿إِذَا جَاءكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ﴾ الآية (^٣).
قال: كانت المرأةُ إذا أتت النَّبيَّ - ﷺ - حلَّفها بالله: ما خرجت من بُغضِ زوجٍ، وبالله: ما خرجت رغبةً بأرضٍ عنْ أرضٍ (^٤)، وبالله: ما خرجت التماسَ دُنيا، وبالله: ما خرجت إلاَّ حبًا لله ورسوله. خرجهُ ابنُ أبي حاتم (^٥)، وابنُ جريرٍ (^٦)، والبزَّارُ في " مسنده " (^٧)، وخرَّجه الترمذي في بعض نسخ كتابه مختصرًا.
وقد روى وكيعٌ في كتابه عن الأعمش، عن شقيقٍ - هو أبو وائلٍ - قال: خطبَ أعرابيٌّ مِنَ الحيِّ امرأةً يقال لها: أم قيسٍ. فأبت أن تزوَّجَهُ حتى يُهاجِرَ، فهاجَرَ،
_________________
(١) كلمة: «أفراد» سقطت من (ص).
(٢) سقطت من (ص).
(٣) الممتحنة: ١٠.
(٤) في (ص): «من رغبة من أرض إلى أرض».
(٥) في " تفسيره " ١٠/ ٣٣٥٠ (١٨٨٦٧).
(٦) في " تفسيره " (٢٦٣١٠)، وطبعة التركي ٢٢/ ٥٧٥.
(٧) (٢٢٧٢) كشف الأستار، وهو حديث ضعيف. انظر: مجمع الزوائد ٧/ ١٢٣.
[ ٤٤ ]
فتزوَّجته، فكُنَّا نُسمِّيه مهاجرَ أُم قيسٍ. قال: فقال عبدُ الله - يعني: ابن مسعود -: مَنْ هاجَر يبتغي شيئًا، فهو له.
وهذا السِّياقُ يقتضي أنَّ هذا لم يكن في عهدِ النَّبيِّ - ﷺ -، إنَّما كان في عهدِ ابنِ مسعودٍ، ولكن رُوي مِنْ طريقِ سفيانَ الثَّوريِّ، عَن الأَعمشِ، عن أبي وائلٍ، عن ابن مسعود، قال: كان فينا رجلٌ خطبَ امرأةً يقال لها: أم قيسٍ، فأبت أنْ تزوَّجَه حتَّى يهاجِرَ، فهاجَرَ، فتزوَّجها، فكنَّا نسمِّيه مهاجرَ أمِّ قيسٍ. قال ابنُ مسعودٍ: مَنْ هاجرَ لشيءٍ (^١) فهو له (^٢).
وقد اشتهرَ أنَّ قصَّةَ مُهاجرِ أمِّ قيسٍ هي (^٣) كانت سببَ قولِ النَّبيِّ - ﷺ -: «مَنْ كانت هجرتُه إلى دُنيا يُصيبُها أو امرأةٍ ينكِحُها»، وذكر ذلك كثيرٌ من المتأخِّرين في كُتُبهم، ولم نر لذلك أصلًا بإسنادٍ يصحُّ، والله أعلم (^٤).
وسائر الأعمال كالهجرةِ في هذا المعنى، فصلاحُها وفسادُها بحسب النِّيَّة الباعثَةِ عليها، كالجهادِ والحجِّ وغيرهما، وقد سُئِلَ النَّبيُّ - ﷺ - عن اختلاف نيَّاتِ النَّاس في الجهاد وما يُقصَدُ به من الرِّياء، وإظهار (^٥) الشَّجاعة والعصبيَّة، وغير ذلك: أيُّ ذلك في سبيل الله؟ فقال: «مَنْ قاتَل لِتَكونَ كلمةُ اللهِ هي العليا، فهو في سبيل الله» فخرج بهذا كلُّ (^٦) ما سألوا عنه من المقاصد الدُّنيوية.
ففي " الصحيحين " عن أبي موسى الأشعريِّ: أنَّ أعرابيًا أتى النَّبيَّ - ﷺ -، فقال: يا رسول الله: الرَّجُلُ يُقاتِلُ للمَغْنمِ، والرَّجلُ يُقاتِل للذِّكر، والرَّجُلُ يقاتِل ليُرى مكانُهُ، فمن في سبيل الله؟ فقال رسول الله - ﷺ -: «مَنْ قَاتَل لتكُونَ كلمةُ اللهِ هي العُليا، فهو في سبيل الله» (^٧).
_________________
(١) في (ص): «يبتغي شيئًا».
(٢) أخرجه: الطبراني في " المعجم الكبير " (٨٥٤٠).
(٣) سقطت من (ص).
(٤) قال الحافظ ابن حجر في " الفتح " ١/ ١٤ تعقيبًا على هذه القصة: «لكن ليس فيه أنَّ حديث الأعمال سيق بسبب ذلك، ولم أر في شيء من الطرق ما يقتضي التصريح بذلك».
(٥) سقطت من (ص).
(٦) سقطت من (ص).
(٧) صحيح البخاري ١/ ٤٢ (١٢٣) و٤/ ٢٤ (٢٨١٠) و٤/ ١٠٥ (٣١٢٦) و٩/ ١٦٦ (٧٤٥٨)، وصحيح مسلم ٦/ ٤٦ (١٩٠٤) (١٤٩) و(١٥٠). وأخرجه أيضًا: الطيالسي (٤٨٧) و(٤٨٨)، وعبد الرزاق (٩٥٦٧)، وسعيد بن منصور في " سننه " (٢٥٤٣)، وأحمد ٤/ ٣٩٢ و٤٠١ و٤٠٥ و٤١٧، وعبد بن حميد (٥٥٣)، وأبو داود (٢٥١٧) و(٢٥١٨)، وابن ماجه (٢٧٨٣)، والترمذي (١٦٤٦)، والنسائي ٦/ ٢٣ وفي " الكبرى "، له (٤٣٤٤)، والطحاوي في " شرح المشكل " (٥١٠٦)، وابن حبان (٤٦٣٦)، وأبو نعيم في " الحلية " ٧/ ١٢٨، والبيهقي ٩/ ١٦٧ و١٦٨، والبغوي (٢٦٢٦) من طرق عن أبي موسى الأشعري، به.
[ ٤٥ ]
وفي رواية لمسلم: سُئِلَ رسولُ الله - ﷺ - عنِ الرَّجُلِ يُقَاتلُ شجاعةً، ويقاتِلُ حميَّةً (^١)، ويقاتل رياءً، فأيُّ ذلك في سبيل الله؟ فذكرَ الحديث.
وفي رواية له أيضًا: الرَّجُلُ يقاتِلُ غضبًا، ويُقاتلُ حَمِيَّةً.
وخَرَّج النَّسائيُّ من حديث أبي أُمامة، قال: جاء رجلٌ إلى النَّبيِّ - ﷺ -، فقال: أرأيت رجلًا غزا يلتمِسُ الأجرَ والذِّكْرَ، ما لَهُ؟ فقال رسول الله - ﷺ - (^٢): «لا شيءَ له»، ثمَّ قال رسول الله - ﷺ -: «إنَّ (^٣) الله لا يقبلُ من العملِ إلاَّ ما كانَ خالصًا، وابتُغي به وجهُهُ» (^٤).
وخرَّج أبو داود (^٥) من حديث أبي هريرة: أنَّ رجلًا قال: يا رسول اللهِ، رجلٌ يريدُ الجِهادَ وهو يبتغي عَرَضًا مِنْ عَرَضِ (^٦) الدُّنيا؟ فقال رسول الله - ﷺ -: «لا أجر له» فأعاد عليه ثلاثًا، والنَّبيُّ - ﷺ - يقول: «لا أجر له».
وخرَّج الإمام أحمدُ وأبو داود منْ حديثِ مُعاذِ بنِ جبلٍ، عن النَّبيِّ - ﷺ -، قال: «الغزوُ غَزوانِ، فأمَّا من ابتغى وجهَ الله، وأطاعَ الإمام، وأنفق
_________________
(١) الحمية: هي الأنفة والغيرة والمحاماة عن عشيرته. انظر: شرح صحيح مسلم ٧/ ٤٥.
(٢) عبارة: «رسول الله - ﷺ -» لم ترد في (ص).
(٣) «إن» سقطت من (ص).
(٤) في " المجتبى " ٦/ ٢٥ وفي " الكبرى "، له (٤٣٤٨). وأخرجه أيضًا: الطبراني في " الكبير " (٧٦٢٨) من حديث أبي أمامة، به، وهو حديث قويٌّ.
(٥) في " سننه " (٢٥١٦)، وقد أخرجه من طريق ابن المبارك، وهو عنده في " الجهاد " (٢٢٧)، وقد أخرج الحديث أحمد ٢/ ٢٩٣، وابن حبان (٤٦٣٧)، والحاكم ٢/ ٨٥، والبيهقي ٩/ ١٦٩، وإسناده ضعيف لضعف ابن مكرز فقد جهله علي بن المديني وغيره.
(٦) سقطت من (ص).
[ ٤٦ ]
الكريمةَ (^١)، وياسرَ الشَّريكَ، واجتنبَ الفسادَ، فإنَّ نومَهُ ونَبهَهُ أجرٌ كلُّه، وأمَّا مَنْ غَزا فخرًا ورياءً وسُمعةً، وعصى الإمام، وأفسدَ في الأرض، فإنَّه لم يرجع بالكفاف» (^٢).
وخرَّج أبو داود (^٣)
من حديث عبدِ الله بنِ عمرٍو قال: قلتُ: يا رسول الله، أخبرني عن الجهاد والغزو، فقال (^٤): «إنْ قاتلت صابرًا محتسبًا، بعثك الله صابرًا محتسبًا، وإنْ قاتلتَ مُرائيًا مُكاثرًا، بعثَك الله مُرائيًا مُكاثرًا، على أيِّ حالٍ قَاتَلْتَ أو قُتِلْتَ بعثكَ الله على تِيك الحالِ».
وخرَّج مسلمٌ (^٥) من حديثِ أبي هريرةَ - ﵁ -: سمعتُ النَّبيَّ - ﷺ - يقول: «إنَّ أَوَّلَ النَّاسِ يُقضى يومَ القيامةِ عليه (^٦) رجلٌ استُشهِدَ، فأُتِي به، فعرَّفه نِعَمَهُ عليه (^٧)،
_________________
(١) أي: العزيزة على صاحبها. النهاية ٣/ ١٦٧.
(٢) أخرجه: أحمد ٥/ ٢٣٤، وأبو داود (٢٥١٥). وأخرجه: عبد بن حميد (١٠٩)، والدارمي (٢٤٢٢)، وابن أبي عاصم في " الجهاد " (١٣٣) و(١٣٤)، والنسائي ٦/ ٤٩ - ٥٠ و٧/ ١٥٥ وفي " الكبرى "، له (٤٣٧٩) و(٧٨١٨) و(٨٧٣٠)، والشاشي في " مسنده " (١٣٩٤)، والطبراني في " الكبير " ٢٠/ (١٧٦) وفي مسند " الشاميين "، له (١١٥٩)، والحاكم ٢/ ٨٥، وأبو نعيم في " الحلية " ٥/ ٢٢٠، والبيهقي ٩/ ١٦٨ وفي " شعب الإيمان "، له (٤٢٦٥) من طريق معاذ بن جبل، به، وهو ضعيف بقية بن الوليد ليس بالقوي، وهو يدلس تدليس التسوية، ولا يقبل منه إلاّ أن يصرح بالسماع في جميع طبقات السند، ولم يصرح، وحديثه هذا معلول بالوقف. أخرجه: مالك في " الموطأ " (١٣٤٠) برواية يحيى الليثي، عن معاذ بن جبل، به موقوفًا.
(٣) في " سننه " (٢٥١٩). وأخرجه أيضًا: الحاكم ٢/ ٨٥ و١١٢، والبيهقي ٩/ ١٦٨ من حديث عبد الله بن عمرو، به، وإسناده ضعيف؛ فإنَّ العلاء بن عبد الله مقبول حيث يتابع ولم يتابع، وشيخه حنان بن خارجة مجهول تفرد بالرواية عنه العلاء، وقد جهله أبو الحسن بن القطان والذهبي.
(٤) زاد بعدها في (ص): «رسول الله - ﷺ -».
(٥) في صحيحه ٦/ ٤٧ (١٩٠٥) (١٥٢). وأخرجه: ابن المبارك في " الزهد " (٤٦٩)، وأحمد ٢/ ٣٢١، والبخاري في " خلق أفعال العباد " (٤٢)، والترمذي (٢٣٨٢)، والنسائي ٦/ ٢٣ وفي " الكبرى "، له (٤٣٤٥) و(٨٠٨٣) و(١١٥٥٩) وفي " تفسيره " (٥٧٩) وفي " فضائل القرآن "، له (١٠٨)، وابن خزيمة (٢٤٨٢)، وابن حبان (٤٠٨)، والحاكم ١/ ٤١٨ - ٤١٩، وأبو نعيم في " الحلية " ٥/ ١٦٩، والبيهقي ٩/ ١٦٨، والبغوي (٤١٤٣) من طرق عن أبي هريرة، به.
(٦) في (ص): «يقضى عليه يوم القيامة».
(٧) «عليه» من (ص) فقط.
[ ٤٧ ]
فعرفها، قال: فما عَمِلتَ فيها؟ قالَ: قاتلتُ فيكَ حتّى استُشْهِدتُ، قالَ: كذبتَ، ولكنَّكَ قاتلتَ؛ لأنْ يُقَالَ: جَريءٌ، فقد قيل، ثمَّ أُمِرَ به، فسُحِبَ على وجهه، حتى أُلقي في النَّارِ، ورجلٌ تعلَّم العلمَ وعلَّمه، وقرأَ القُرآن، فأُتِي به، فعرَّفه نِعَمَهُ عليه (^١) فعرَفها، قال: فما عملتَ فيها؟ قال: تعلَّمتُ العِلمَ وعلَّمتُه، وقرأتُ فيكَ (^٢) القرآنَ. قال: كذبتَ، ولكنَّك تعلَّمتَ العلمَ، ليُقال: عالمٌ، وقرأتَ القرآنَ ليقال: قارئٌ، فقد قيلَ، ثمَّ أُمِر به، فسُحِب على وجهه حتّى أُلقي في النّار، ورجلٌ وسَّع الله عليه، وأعطاه من أصنافِ المال كلِّه، فأُتي به، فعرَّفه نِعَمَهُ عليه (^٣)، فعرفها، قال: فما عَمِلتَ فيها؟ قال: ما تركتُ من سبيلٍ تُحبُّ أن يُنفقَ فيها إلاَّ أنفقتُ فيها لكَ، قال: كذبتَ، ولكنَّك فعلتَ، ليُقالَ: هو جوادٌ، فقد قيلَ، ثمَّ أُمِر به، فسُحب على وجهه، حتى أُلقي في النار».
وفي الحديث: إنَّ معاويةَ لمَّا بلغه هذا الحديثُ (^٤)، بكى حتَّى غُشِي عليه، فلمَّا أفاق، قال: صدَقَ الله ورسولُه، قال الله - ﷿ -: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لا يُبْخَسُونَ أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ إِلاَّ النَّار﴾ (^٥).
وقد وردَ الوعيدُ على تعلُّم العِلم لغيرِ وجه الله، كما خرَّجه الإمامُ أحمدُ وأبو داود وابنُ ماجه من حديث أبي هريرة - ﵁ -، عنِ النَّبيِّ - ﷺ - قال: «مَنْ تعلَّم عِلمًا مِمَّا يُبتَغى به وجهُ الله، لا يتعلَّمُه إلاَّ ليُصيبَ بهِ عَرَضًا من الدُّنيا، لم يَجِدْ عَرْفَ الجنَّة يومَ القيامَةِ» يعني: ريحها (^٦).
_________________
(١) «عليه» من (ص) فقط.
(٢) سقطت من (ص).
(٣) «عليه» من (ص) فقط.
(٤) في (ص): «سمعه» مكان: «بلغه هذا الحديث».
(٥) هود: ١٥ - ١٦.
(٦) أخرجه: أحمد ٢/ ٣٣٨، وأبو داود (٣٦٦٤)، وابن ماجه (٢٥٢). وأخرجه أيضًا: أبو الحسن القطان في " زياداته على سنن ابن ماجه " بإثر الحديث (٢٥٢)، وأبو يعلى (٦٣٧٣)، وابن حبان (٧٨)، والحاكم ١/ ٨٥، والبيهقي في " شعب الإيمان " (١٧٧٠)، والخطيب في " تاريخه " ٥/ ٣٤٧ و٨/ ٧٨، وإسناده ضعيف لضعف فليح بن سليمان، وقد خولف في هذا الحديث فرواه من هو أقوى منه مرسلًا، قال الإمام الدارقطني: «المرسل أشبه بالصواب». العلل الواردة في الأحاديث النبوية ١١/ ١٠ س (٢٠٨٧).
[ ٤٨ ]
وخرَّج الترمذيُّ (^١) من حديثِ كعبِ بن مالك، عن النَّبيِّ - ﷺ -، قال: «مَنْ طَلَب العلمَ ليُمارِي به السُّفهَاء، أو يُجاري به العُلَماء، أو يَصرِفَ به وجُوهَ النَّاسِ إليه، أدخله الله النَّار».
وخرَّجه ابن ماجه (^٢) - بمعناه - مِنْ حديث (^٣) ابن عمر، وحذيفةَ، وجابرٍ، عن النَّبيِّ - ﷺ - (^٤)، ولفظُ حديث جابرٍ: «لا تَعَلَّموا العِلمَ، لتُباهُوا به العُلماءَ، ولا لِتُماروا به السُّفَهاءَ، ولا تَخَيَّروا به المجالس، فَمَنْ فعل ذلك، فالنَّارَ النَّارَ».
وقال ابنُ مسعودٍ: لا تعلَّموا العِلمَ لثلاثٍ: لِتُماروا به السُّفَهاء، أو لِتُجادِلوا به الفُقهاء، أو لتصرفوا بهِ وُجُوه النَّاس إليكم، وابتغُوا بقولِكُم وفعلِكم ما عندَ اللهِ (^٥)، فإنَّه يبقَى ويذهبُ ما سواهُ (^٦).
وقد ورد الوعيدُ على العمل لغيرِ اللهِ عمومًا، كما خرَّج الإمامُ أحمدُ (^٧) من حديثِ أبيّ بن كعبٍ - ﵁ -، عنِ النَّبيِّ - ﷺ -، قال: «بَشِّرْ هذه الأمَّةَ بالسَّناء والرِّفْعَة والدِّين والتمكينِ (^٨)
_________________
(١) في " الجامع الكبير " (٢٦٥٤). وأخرجه أيضًا: العقيلي في " الضعفاء " ١/ ١٠٤، وابن حبان في " المجروحين " ١/ ١٣٣ - ١٣٤، والطبراني في " الكبير " ١٩/ (١٩٩)، وابن عدي في " الكامل " ١/ ٥٤١، وابن الجوزي في " العلل المتناهية " (٨٦)، وقال الترمذي: «غريب لا نعرفه إلاَّ من هذا الوجه، وإسحاق بن يحيى بن طلحة ليس بذاك القوي عندهم، تكلم فيه من قبل حفظه».
(٢) في " سننه " (٢٥٣) من حديث ابن عمر، و(٢٥٤) من حديث جابر بن عبد الله، و(٢٥٩) من حديث حذيفة. وأخرجه: ابن حبان (٧٧)، والحاكم ١/ ٨٦ من حديث جابر بن عبد الله، به، وكلها ضعيفةٌ، وبعضهم قوى الحديث بالمجموع، والله أعلم.
(٣) سقطت من (ص).
(٤) بعد هذا في (ص): «جاء».
(٥) في (ص): «وجه الله».
(٦) ذكره ابن عبد البر في جامع بيان العلم وفضله ١/ ١٧٦.
(٧) في مسنده ٥/ ١٣٤. وأخرجه: عبد الله بن أحمد في " زياداته " ٥/ ١٣٤، وابن حبان (٤٠٥)، والحاكم ٤/ ٣١١ و٣١٨، والبيهقي في " شعب الإيمان " (٦٨٣٣) و(٦٨٣٤) و(١٠٣٣٥) وفي " دلائل النبوة "، له ٦/ ٣١٧ - ٣١٨، والبغوي (٤١٤٤) و(٤١٤٥). وهو حديث قويٌّ.
(٨) في (ص): «والتمكين والدين».
[ ٤٩ ]
في الأرض، فمن عَمِلَ منهُم عملَ الآخرةِ للدُّنيا، لم يكنْ له في الآخرةِ (^١) نصيبٌ».
واعلم أنَّ العمل لغيرِ الله أقسامٌ: فتارةً يكونُ رياءً محضًا، بحيثُ لا يُرادُ به سوى مراآت المخلوقين لغرضٍ دُنيويٍّ، كحالِ المنافِقين في صلاتهم، كما قال الله - ﷿ -: ﴿وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاؤُونَ النَّاسَ وَلا يَذْكُرُونَ اللهَ إلاَّ قَلِيلًا﴾ (^٢).
وقال تعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ سَاهُونَ الَّذِينَ هُمْ يُرَاؤُونَ﴾ الآية (^٣).
وكذلك وصف الله تعالى الكفار بالرِّياء في قوله: ﴿وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بَطَرًا وَرِئَاءَ النَّاسِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ الله﴾ (^٤).
وهذا الرِّياءُ المحضُ لا يكاد يصدُرُ من مُؤمنٍ في فرض الصَّلاةِ والصِّيامِ، وقد يصدُرُ في الصَّدقةِ الواجبةِ أو الحجِّ، وغيرهما من الأعمال الظاهرةِ، أو التي يتعدَّى نفعُها، فإنَّ الإخلاص فيها عزيزٌ، وهذا العملُ لا يشكُّ مسلمٌ أنَّه حابِطٌ، وأنَّ صاحبه يستحقُّ المقتَ مِنَ اللهِ والعُقوبة (^٥).
وتارةً يكونُ العملُ للهِ، ويُشارِكُه الرِّياءُ، فإنْ شارَكَهُ مِنْ أصله، فالنُّصوص الصَّحيحة تدلُّ على بُطلانِهِ وحبوطه أيضًا (^٦).
وفي " صحيح مسلم " (^٧) عن أبي هريرة - ﵁ -، عن النَّبيِّ - ﷺ - قال: «يقولُ الله ﵎: أنا أغنى الشُّركاءِ (^٨) عن الشِّرك، مَنْ عَمِل عملًا أشركَ فيه
_________________
(١) زاد بعدها في (ص): «من».
(٢) النساء: ١٤٢.
(٣) الماعون: ٤ - ٦.
(٤) الأنفال: ٤٧.
(٥) روي أنَّ لقمان قال لابنه: الرياء أنْ تطلب ثواب عملك في دار الدنيا، وإنَّما عمل القوم للآخرة، قيل له: فما دواء الرياء؟ قال: كتمان العمل، قيل له: فكيف يكتم العمل؟ قال: ما كلفت إظهاره من العمل فلا تدخل فيه إلا بالإخلاص، وما لم تكلف إظهاره أحب ألا تطلع عليه إلا الله. انظر: تفسير القرطبي ٥/ ١٨٢.
(٦) سقطت من (ص).
(٧) ٨/ ٢٢٣ (٢٩٨٥) (٤٦).
(٨) في (ج) و(ص): «الأغنياء»، والمثبت من " صحيح مسلم ".
[ ٥٠ ]
معي غيري، تركته وشريكَه»، وخرَّجه ابنُ ماجه (^١)، ولفظه: «فأنا منه بريءٌ، وهوَ للَّذي أشركَ».
وخرَّج الإمام أحمد (^٢) عن شدّاد بن أوسٍ، عنِ النبيِّ - ﷺ -، قال: «مَنْ صَلَّى يُرائِي، فقد أشرَكَ، ومنْ صَامَ يُرائِي فقد أشرَكَ، ومن تَصدَّقَ يُرائِي فقد أشرك، وإنَّ الله - ﷿ - يقولُ: أنا خيرُ قسيمٍ لِمَنْ أشرَكَ بي شيئًا، فإنَّ جُدَّةَ عَمَلِهِ قليله وكثيره لشريكِهِ الذي أشركَ به، أنا عنه غنيٌّ».
وخرَّج الإمام أحمدُ (^٣) والترمذيُّ (^٤) وابنُ ماجه (^٥) مِنْ حديث أبي سعيد بن أبي فضالةَ - وكان مِنَ الصَّحابة - قال: قالَ رسول اللهِ - ﷺ -: «إذا جمع الله الأوَّلين والآخِرين ليومٍ لا ريبَ فيه، نادَى مُنادٍ: مَنْ كانَ أشركَ في عملٍ عمِلَهُ لله - ﷿ - فليَطلُبْ ثوابَهُ من عند غير الله - ﷿ -، فإنّ الله أغنى الشُّركاءِ عن الشِّرك».
وخرَّج البزّار في " مسنده " (^٦) من حديثِ الضَّحَّاكِ بن قيسٍ، عنِ النَّبيِّ - ﷺ -، قال: «إنَّ الله - ﷿ - يقول: أنا خيرُ شريكٍ، فمن أشركَ معي شريكًا، فهو لشريكي. يا أيُّها النَّاسُ أخلِصوا أعمالَكُم لله - ﷿ -؛ فإنَّ الله لا يقبلُ مِنَ الأعمالِ إلاَّ ما أُخْلِصَ لَهُ، ولا تقولوا: هذا للهِ وللرَّحِمِ، فإنّها للرَّحِم، وليس لله منها شيءٌ، ولا تقولوا: هذا لله ولوجُوهِكُم، فإنَّها لوجوهكم، وليس لله فيها شيءٌ (^٧)».
_________________
(١) في " سننه " (٤٢٠٢). وأخرجه: الطيالسي (٢٥٥٩)، وأحمد ٢/ ٣٠١ و٤٣٥، وأبو يعلى (٦٥٥٢)، وابن خزيمة (٩٣٨)، وابن حبان (٣٩٥)، والبيهقي في " شعب الإيمان " (٦٨١٥)، والبغوي (٤١٣٦) و(٤١٣٧) وهو صحيح.
(٢) في " مسنده " ٤/ ١٢٦. وأخرجه: الطيالسي (١١٢٠)، والطبراني في " الكبير " (٧١٣٩)، والحاكم ٤/ ٣٢٩، وأبو نعيم في " الحلية " ١/ ٢٦٨ - ٢٦٩، والبيهقي في " شعب الإيمان " (٦٨٤٤) وإسناده ضعيف لضعف شهر بن حوشب.
(٣) في "مسنده" ٣/ ٤٦٦ و٤/ ٢١٥، وهو حديث قويٌّ، وقال علي بن المديني: «سنده صالح».
(٤) في " الجامع الكبير " (٣١٥٤).
(٥) في " سننه " (٤٢٠٣). وأخرجه أيضًا: الدولابي في " الكنى والأسماء " ١/ ٣٥، وابن حبان (٤٠٤) و(٧٣٤٥)، والطبراني في " الكبير " ٢٢/ (٧٧٨).
(٦) (٣٥٦٧)، وفي إسناده ضعف من أجل إبراهيم بن مجشر.
(٧) من قوله: «ولا تقولوا: هذا لله ولوجوهكم …» إلى هنا لم يرد في (ص).
[ ٥١ ]
وخرَّج النَّسائيُّ (^١) بإسنادٍ جيِّدٍ عن أبي أُمامةَ الباهليِّ: أنَّ رجُلًا جاء إلى رسول الله - ﷺ -، فقال: يا رسولَ اللهِ، أرأيتَ رجلًا غزا يلتَمِسُ الأجْرَ والذِّكر (^٢)؟ فقالَ رسول الله - ﷺ -: «لا شيءَ لهُ» فأعادها ثلاث مرات، يقول له رسول الله - ﷺ - (^٣): «لا شيء له»، ثمَّ قال: «إنَّ الله لا يقبلُ منَ العَمَل إلاَّ ما كانَ له خالصًا، وابتُغِي به وجهُه».
وَخَرَّج الحاكمُ (^٤) مِنْ حديث ابن عباس قال (^٥): قال رجل: يا رسول الله، إني أقف الموقف أُريد به وجْه الله، وأريدُ أنْ يُرى موطِني، فلم يردَّ عليه رسول الله - ﷺ - شيئا حتّى نزلت: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ (^٦).
وممَّن رُوي عنه هذا المعنى، وأنَّ العملَ إذا خالطه شيءٌ مِنَ الرِّياءِ كان باطلًا (^٧): طائفةٌ مِنَ السَّلفِ، منهم: عبادةُ بنُ الصَّامتِ، وأبو الدَّرداءِ، والحسنُ، وسعيدُ بنُ المسيَّبِ، وغيرهم.
وفي مراسيلِ القاسم بنِ مُخَيمرة، عنِ النَّبيِّ - ﷺ -، قال: «لا يَقبَلُ الله عملًا فيه مثقالُ حبَّةِ خردلٍ مِنْ رياءٍ» (^٨).
_________________
(١) في " المجتبى " ٦/ ٢٥ وفي " الكبرى "، له (٤٣٤٨)، وقد حسنه العراقي في تخريج أحاديث الإحياء ٦/ ٢٤١٠ - ٢٤١١ (٣٨٣٩).
(٢) في (ص): «الأجر من الله والذكر من الناس».
(٣) في (ص): «فأعادها ثلاثًا ورسول الله يقول».
(٤) في " المستدرك " ٢/ ١١١ من حديث نعيم بن حماد، عن ابن المبارك، عن معمر، عن عبد الكريم الجزري، عن طاووس، عن ابن عباس مرفوعًا، وهو معلول بالإرسال، ونعيم ضعيف. وأخرجه: ابن المبارك في " الجهاد " (١٢)، وعبد الرزاق في " تفسيره " (١٧٢٨)، والطبري في " تفسيره " (١٧٦٥٤) وطبعة التركي ١٥/ ٤٤٠، والحاكم ٤/ ٣٢٩ من طريق طاووس، مرسلًا، وهو الصواب فكذا رواه ابن المبارك في كتابه " الجهاد " وقد تابعه على ذلك عبد الرزاق.
(٥) «قال» من (ص).
(٦) الكهف: ١١٠.
(٧) زاد بعدها في (ص): «قاله».
(٨) ذكره المنذري في " الترغيب والترهيب " (٥١) عن القاسم بن مخيمرة، وهو ضعيف لإرساله. وأخرجه: أبو نعيم في " الحلية " ٨/ ٢٤٠ من كلام يوسف بن أسباط.
[ ٥٢ ]
ولا نعرفُ عنِ السَّلفِ في هذا خلافًا، وإنْ كانَ فيه خلافٌ عن بعضِ المتأخِّرينَ.
فإنْ خالطَ نيَّةَ الجهادِ مثلًا نيّة غير الرِّياءِ، مثلُ أخذِ أجرة للخِدمَةِ، أو أخذ شيءٍ مِنَ الغنيمةِ، أو التِّجارة، نقصَ بذلك أجرُ جهادهم، ولم يَبطُل بالكُلِّيَّة، وفي " صحيح مسلم " (^١) عن عبدِ اللهِ بن عمرٍو، عن النَّبيِّ - ﷺ -، قال: «إنَّ الغُزَاةَ إذا غَنِموا غنيمةً، تعجَّلوا ثُلُثي أجرِهِم، فإنْ لم يغنَمُوا شيئًا، تمَّ لهُم أجرُهم».
وقد ذكرنا فيما مضى أحاديثَ تدلُّ على أنَّ مَنْ أراد بجهاده عَرَضًا مِنَ الدُّنيا أنَّه لا أجرَ له، وهي محمولةٌ على أنَّه لم يكن له غرَضٌ في الجهاد إلاَّ الدُّنيا.
وقال الإمامُ أحمدُ: التَّاجِرُ والمستأجر والمُكاري أجرهم على قدر ما يخلُصُ من نيَّتهم في غزاتِهم، ولا يكونُ مثل مَنْ جاهَدَ بنفسه ومالِه لا يَخلِطُ به غيرَهُ.
وقال أيضًا فيمن يأخذُ جُعْلًا على الجهاد: إذا لم يخرج لأجلِ الدَّراهم فلا بأس أنْ يأخذَ، كأنّه خرجَ لدينِهِ، فإنْ أُعطي شيئًا أخذه.
وكذا رُوي عن عبد الله بن عمرٍو، قال: إذا أجمعَ أحدُكم على الغزوِ، فعوَّضَه الله رزقًا، فلا بأسَ بذلك، وأمَّا إنْ أحَدُكُم إنْ أُعطي درهمًا غزا، وإنْ مُنع درهمًا مكث، فلا خيرَ في ذلك.
وكذا قال الأوزاعي: إذا كانت نيَّةُ الغازي على الغزو، فلا أرى بأسًا.
وهكذا يُقالُ فيمن أخذَ شيئًا في الحَجِّ ليحُجَّ به: إمَّا (^٢) عَنْ نفسه، أو عَنْ غيرِه، وقد رُوي عَنْ مُجاهد أنّه قال في حجِّ الجمَّال وحجِّ الأجيرِ وحجِّ التَّاجِر: هو تمامٌ لا يَنقُصُ من أُجُورهم شيءٌ، وهذا محمولٌ على أنَّ قصدهم الأصليَّ كان هو الحجَّ دُونَ التَّكسُّب.
_________________
(١) ٦/ ٤٧ (١٩٠٦) (١٥٣) و(١٥٤). وأخرجه أيضًا: أحمد ٢/ ١٦٩، وأبو داود (٢٤٩٧)، وابن ماجه (٢٧٨٥)، والنسائي ٦/ ١٧ - ١٨ وفي " الكبرى "، له (٤٣٣٣)، والحاكم ٢/ ٧٨، والبيهقي ٩/ ١٦٩ وفي " شعب الإيمان "، له (٤٢٤٥).
(٢) سقطت من (ص).
[ ٥٣ ]
وأمَّا إنْ كان أصلُ العمل للهِ، ثم طرأت عليه نيَّةُ الرِّياءِ، فإنْ كان خاطرًا ودفَعهُ، فلا يضرُّه بغيرِ خلافٍ، وإن استرسلَ معه، فهل يُحبَطُ (^١) عملُه أم لا يضرُّه ذلك ويجازى على أصل نيَّته؟ في ذلك اختلافٌ بين العُلماءِ مِنَ السَّلَف قد حكاه الإمامُ أحمدُ وابنُ جريرٍ الطَّبريُّ، ورجَّحا أنَّ عمله لا يبطلُ بذلك، وأنّه يُجازى بنيَّتِه الأُولى، وهو مرويٌّ عنِ الحسنِ البصريِّ وغيره.
ويُستدلُّ لهذا القولِ بما خَرَّجه أبو داود في " مراسيله " (^٢) عن عطاءٍ الخُراسانيِّ: أنَّ رجلًا قال: يا رسولَ الله، إنّ بنِي سلمِةَ كُلهم يقاتلُ، فمنهم من يُقاتِلُ للدُّنيا، ومنهم من يُقاتِلُ نَجدةً، ومنهم مَنْ يُقاتِلُ ابتغاءَ وجهِ الله، فأيُّهُم الشهيد؟ قال: «كلُّهم إذا كان أصلُ أمره أنْ تكونَ كلمةُ اللهِ هي العُليا».
وذكر ابنُ جريرٍ أنَّ هذا الاختلافَ إنَّما هو في عملٍ يرتَبطُ آخرُه بأوَّلِه، كالصَّلاةِ والصِّيام والحجِّ، فأمَّا ما لا ارتباطَ فيه كالقراءة والذِّكر وإنفاقِ المالِ ونشرِ العلم، فإنَّه ينقطعُ بنيَّةِ الرِّياءِ الطَّارئة عليه، ويحتاجُ إلى تجديدِ نيةٍ.
وكذلك رُوي عن سُليمانَ بنِ داود الهاشميّ (^٣) أنَّه قال: ربَّما أُحدِّثُ بحديثٍ ولي (^٤) نيةٌ، فإذا أتيتُ على بعضِه، تغيَّرت نيَّتي، فإذا الحديثُ الواحدُ يحتاجُ إلى نيَّاتٍ (^٥).
ولا يَرِدُ على هذا الجهادُ، كما في مُرسل عطاءٍ الخراساني (^٦)، فإنَّ
_________________
(١) زاد بعدها في (ص): «به».
(٢) برقم (٣٢١)، وهو مع إرساله ضعيف من جهة إسناده، ففيه هشام بن سعد، وهو صاحب أوهام، وعطاء يهم كثيرًا ويرسل ويدلس. التقريب (٤٦٠٠).
(٣) هو أبو سليمان بن داود بن داود بن علي بن عبد الله بن عباس بن عبد المطلب القرشي، سكن بغداد، قال محمد بن سعد: كتب عنه البغداديون ورووا عنه، وتوفي ببغداد سنة تسع وعشرين ومئتين، وقال أبو حسان الزيادي: مات سنة عشرين ومئتين. انظر: تاريخ بغداد ٩/ ٣٠ - ٣١، وتهذيب الكمال ٣/ ٢٧٥.
(٤) زاد بعدها في (ص): «فيه».
(٥) أخرجه: الخطيب في " تاريخه " ٩/ ٣١، وذكره المزي في " تهذيب الكمال " ٣/ ٢٧٥، والذهبي في " السير " ١٠/ ٦٢٥.
(٦) الذي سبق قبل قليل.
[ ٥٤ ]
الجهادَ يلزَم بحُضورِ الصَّفِّ، ولا يجوزُ تركُه حينئذٍ، فيصيرُ كالحجِّ.
فأمَّا إذا عَمِلَ العملَ لله (^١) خالصًا، ثم ألقى الله لهُ الثَّناء الحسنَ في قُلوبِ المؤمنين بذلك، ففرح بفضل الله ورحمته، واستبشرَ بذلك، لم يضرَّه ذلك.
وفي هذا المعنى جاء حديثُ أبي ذرٍّ، عن النَّبيِّ - ﷺ -، أنَّه سُئِلَ عن الرَّجُل يعملُ العَمَل لله مِنَ الخير ويحمَدُه النَّاسُ عليه، فقال: «تلك عاجلُ بُشرى المؤمن» خرَّجه مسلم (^٢)، وخرَّجه ابن ماجه (^٣)، وعنده: الرَّجُلُ يعمَلُ العملَ للهِ فيحبُّه النَّاسُ عليه. وبهذا المعنى فسَّره الإمامُ أحمدُ، وإسحاقُ بن راهويه، وابنُ جريرٍ الطَّبريّ (^٤)، وغيرهم (^٥).
وكذلك الحديثُ الذي خرَّجه الترمذيُّ وابنُ ماجه مِنْ حديثِ أبي هريرةَ: أنَّ رجُلًا قال: يا رسول الله، الرَّجُلُ يعملُ العملَ فيُسِرُّهُ، فإذا اطُّلع عليه أعجَبهُ، فقال: «له أجران: أجرُ السِّرِّ، وأجرُ العلانيةِ» (^٦).
ولنقتَصِر على هذا المقدار مِنَ الكلامِ على الإخلاصِ والرِّياء، فإنَّ فيه كفايةً.
وبالجملةِ، فما أحسن قولَ سهلِ بن عبد الله التُّستري: ليس على النَّفس شيءٌ أشقُّ مِنَ الإخلاصِ؛ لأنَّه ليس لها فيه نصيبٌ.
_________________
(١) لفظ الجلالة لم يرد في (ص).
(٢) في " صحيحه " ٨/ ٤٤ (٢٦٤٢) (١٦٦). وأخرجه أيضًا: الطيالسي (٤٥٥)، وأحمد ٥/ ١٥٦ و١٥٧ و١٦٨، والبزار في " مسنده " (٣٩٥٥) و(٣٩٥٦)، وأبو عوانة كما في " إتحاف المهرة " ١٤/ ١٥٥ (١٧٥٥٢)، وابن حبان (٣٦٦) و(٣٦٧) و(٥٧٦٨)، والبغوي (٤١٣٩) و(٤١٤٠).
(٣) في " سننه " (٤٢٢٥).
(٤) قال النووي في " شرح صحيح مسلم " ٨/ ٣٥٩: «قال العلماء: معناه هذه البشرى المعجلة له بالخير، وهي دليل على رضاء الله تعالى عنه، ومحبته له، فيحببه إلى الخلق كما سبق في الحديث، ثم يوضع له القبول في الأرض. هذا كله إذا حمده الناس من غير تعرض منه لحمدهم، وإلا فالتعرض مذموم».
(٥) سقطت من (ص).
(٦) أخرجه: ابن ماجه (٤٢٢٦)، والترمذي (٢٣٨٤). وأخرجه: الطيالسي (٢٤٣٠)، والبخاري في " التاريخ الكبير " ٢/ ٢١٠، وابن حبان (٣٧٥)، وأبو نعيم في " الحلية " ٨/ ٢٥٠، والبغوي (٤١٤١)، وهو معلول بالإرسال كذا أعله الترمذي والدارقطني وأبو نعيم، وانظر: علل الدارقطني ٨/ ١٨٣ س (١٤٩٩).
[ ٥٥ ]
وقال يوسفُ بنُ الحسينِ الرازيُّ: أعزّ شيءٍ في الدُّنيا الإخلاصُ، وكم اجتهد في إسقاطِ الرِّياءِ عَنْ قلبي، وكأنَّه ينبُتُ فيه على لون آخر.
وقال ابنُ عيينةَ: كان من دُعاء مطرِّف بن عبد الله: اللهمَّ إنِّي أستغفرُكَ ممَّا تُبتُ إليكَ منه، ثمّ عُدتُ فيه، وأستغفرُكَ ممَّا جعلتُهُ لكَ على نفسي، ثمَّ لم أفِ لك به، وأستغفركَ ممَّا زعمتُ أنِّي أردتُ به وجهَك، فخالطَ قلبي منه ما قد (^١) علمتَ (^٢).