عَنْ عائشةَ ﵂ قالتْ: قَالَ رسولُ اللهِ - ﷺ -: «مَنْ أَحْدَثَ في أَمْرِنا هَذا ما لَيس مِنهُ فَهو رَدٌّ» رَواهُ البُخارِيُّ ومُسلِمٌ (^١)، وفي رِوايةٍ لِمُسلِمٍ
: «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيسَ عَلَيهِ أَمرُنا فَهو رَدٌّ».
هذا الحديث خرّجاه في " الصحيحين " (^٢) من حديث (^٣) القاسم بن محمد، عن عمته عائشة - ﵂ -، وألفاظ الحديث مختلفة، ومعناها متقارب، وفي بعض ألفاظه: «مَنْ أحدث في ديننا ما ليس فيه فهو ردّ».
وهذا الحديث أصلٌ عظيم من أُصول الإسلام، وهو كالميزان للأعمال (^٤) في ظاهرها كما أنّ حديث: «الأعمال بالنيَّات» ميزان للأعمال في باطِنها، فكما أنَّ (^٥) كل عمل لا يُراد به وجه الله تعالى، فليس لعامله فيه ثواب، فكذلك كلُّ عمل لا يكون عليه أمر الله ورسوله، فهو مردودٌ على عامله (^٦)، وكلُّ مَنْ أحدثَ في الدِّين ما لم يأذن به الله ورسوله، فليس مِنَ الدين في شيء.
_________________
(١) لم ترد في (ص).
(٢) صحيح البخاري ٣/ ٢٤١ (٢٦٩٧)، وصحيح مسلم ٥/ ١٣٢ (١٧١٨) (١٧) و(١٨). وأخرجه: أحمد ٦/ ٧٣ و١٤٦ و٢٤٠ و٢٥٦ و٢٧٠، وأبو داود (٤٦٠٦)، وابن ماجه
(٣) ، وابن أبي عاصم في " السنة " (٥٢) و(٥٣)، وأبو يعلى (٤٥٩٤)، وابن حبان (٢٦) و(٢٧)، والدارقطني ٤/ ٢٢٤ و٢٢٥ و٢٢٧، وأبو نعيم في " الحلية " ٣/ ١٧٣، والقضاعي في " مسند الشهاب " (٣٥٩) و(٣٦٠) و(٣٦١)، والبيهقي ١/ ١١٩، والبغوي في " شرح السنة " (١٠٣) من طريق القاسم بن محمد، عن عائشة، به.
(٤) في (ص): «رواية».
(٥) في (ص): «للإسلام وللأعمال».
(٦) من قوله: «كما أن حديث …» إلى هنا سقط من (ص).
(٧) عبارة: «على عامله» سقطت من (ص).
[ ١٥٥ ]
وسيأتي حديثُ العِرباض بن ساريةَ، عن النَّبيِّ - ﷺ - أنَّه قال: «مَنْ يعش منكم
بعدي (^١)، فسيرى اختلافًا كثيرًا، فعليكم بسُنَّتِي وسنَّةِ الخُلفاءِ الرَّاشدين المهديِّين من بعدي (^٢)، عَضُّوا عليها بالنواجِذ، وإيَّاكُم ومُحدثاتِ الأمورِ، فإنَّ كُلَّ محدثةٍ بدعةٌ، وكلَّ بدعةٍ (^٣) ضلالةٌ» (^٤).
وكان - ﷺ - يقول في خطبته: «أصدقُ الحديثِ كتابُ اللهِ، وخيرُ الهدي هدي محمد، وشرّ الأمور محدثاتها» (^٥) وسنؤخر الكلام على المحدثات إلى ذكر حديث العرباض المشار إليه، ونتكلم هاهنا على الأعمال التي ليس عليها أمر الشارع وردها.
فهذا الحديث يدلُّ بمنطوقه على أنَّ كلَّ عملٍ ليس عليه أمر الشارع، فهو مردود، ويدلُّ بمفهومه على أنَّ كلَّ عمل عليه أمره، فهو غير مردود، والمراد بأمره هاهنا: دينُه وشرعُه، كالمراد بقوله في الرواية الأخرى: «مَن أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو ردٌّ (^٦)».
فالمعنى إذًا (^٧): أنَّ مَنْ كان عملُه خارجًا عن الشرع ليس (^٨) متقيدًا بالشرع، فهو مردود.
وقوله: «ليس عليه أمرنا» إشارةٌ إلى أنَّ أعمال العاملين كلهم ينبغي أنْ تكون تحتَ أحكام الشريعة، وتكون أحكام (^٩) الشريعة حاكمةً عليها بأمرها ونهيها، فمن
_________________
(١) سقطت من (ص).
(٢) «من بعدي» سقطت من (ص).
(٣) عبارة: «بدعة وكل بدعة» سقطت من (ص).
(٤) سيأتي عند الحديث الثامن.
(٥) أخرجه: أحمد ٣/ ٣١٠ و٣١٩ و٣٧١ و، والدارمي (٢١٢)، ومسلم ٣/ ١١ (٨٦٧)
(٦) و(٤٤) و(٤٥)، وأبو داود (٢٩٥٤)، وابن ماجه (٤٥)، والنسائي ٣/ ٥٨ و١٨٨ وفي " الكبرى "، له (١٧٨٦) و(٥٨٩٢)، وأبو يعلى (٢١١١)، وابن الجارود
(٧) و(٢٩٨)، وابن خزيمة (١٧٨٥)، وأبو عوانة كما في " إتحاف المهرة " ٣/ ٣٢٨
(٨) و٣/ ٣٢٩ (٣١٣٢)، وابن حبان (١٠)، وأبو نعيم في " الحلية " ٣/ ١٨٩، والبيهقي ٣/ ٢٠٦ - ٢٠٧ و٣/ ٢١٣ و٢١٤ من طريق جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جابر بن عبد الله، به.
(٩) «فهو رد» سقطت من (ج).
(١٠) في (ص): «فالمراد».
(١١) سقطت من (ص).
(١٢) «وتكون أحكام» سقطت من (ص).
[ ١٥٦ ]
كان عملُه جاريًا تحت أحكام الشرع، موافقًا لها، فهو مقبولٌ، ومن كان خارجًا عن ذلك، فهو مردودٌ.
والأعمال قسمان: عبادات، ومعاملات.
فأما العبادات، فما كان منها خارجًا عن
حكم (^١) الله ورسوله بالكلية، فهو مردود على عامله، وعامله يدخل تحت قوله: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ الله﴾ (^٢)، فمن تقرَّب إلى الله بعمل، لم يجعله الله ورسولُه قربة إلى الله، فعمله باطلٌ مردودٌ عليه، وهو شبيهٌ بحالِ الذين كانت صلاتُهم عندَ البيت مُكاء وتصدية، وهذا كمن تقرَّب إلى الله تعالى بسماع الملاهي، أو بالرَّقص، أو بكشف الرَّأس في غير الإحرام، وما أشبه ذلك من المحدثات التي لم يشرع الله ورسولُه التقرُّب بها بالكلية.
وليس ما كان قربة في عبادة يكونُ قربةً في غيرها مطلقًا، فقد رأى النَّبيُّ - ﷺ - رجلًا قائمًا في الشمس، فسأل عنه، فقيل: إنَّه نذر أنْ يقوم ولا يقعدَ ولا يستظلَّ وأنْ يصومَ، فأمره النَّبيُّ - ﷺ - أنْ يَقعُدَ ويستظلَّ، وأنْ يُتمَّ صومه (^٣) فلم يجعل قيامه وبروزه للشمس قربةً يُوفى بنذرهما.
وقد روي أنَّ ذلك كان في يوم جمعة عندَ سماع خطبة النَّبيِّ - ﷺ - وهو على المنبر، فنذر أنْ يقومَ ولا يقعدَ ولا يستظلَّ ما دامَ النَّبيُّ - ﷺ - يخطُبُ (^٤)، إعظامًا لسماع خطبة النَّبيِّ - ﷺ - (^٥)، ولم يجعل النَّبيُّ - ﷺ - ذلك قربةً تُوفى بنذره، مع أنَّ القيام عبادةٌ في
_________________
(١) في (ص): «أمر».
(٢) الشورى: ٢١.
(٣) أخرجه: البخاري ٨/ ١٧٨ (٦٧٠٤)، وأبو داود (٣٣٠٠)، وابن ماجه (٢١٣٦)، وابن الجارود (٩٣٨)، وابن حبان (٤٣٨٥)، والدارقطني ٤/ ١٦١، والبيهقي ١٠/ ٧٥، والبغوي (٢٤٤٣) من حديث ابن عباس.
(٤) أخرجه: الطحاوي في "شرح المشكل" (٣٩٧١) (تحفة الأخيار)، والطبراني في " الكبير " (١١٨٧١)، والخطيب في " الأسماء المبهمة ": ٢٧٤ من حديث ابن عباس، وسنده قويٌّ.
(٥) في (ص): «إعظامًا لخطبته - ﷺ -».
[ ١٥٧ ]
مواضعَ أُخَر، كالصلاةِ والأذان والدعاء (^١) بعرفة، والبروز للشمس قربةٌ للمحرِم، فدلَّ على أنَّه ليس كلُّ
ما كان قربة في موطنٍ يكون قربةً في كُلِّ المواطن (^٢)، وإنَّما يتبع في ذلك ما وردت به الشريعةُ في مواضعها.
وكذلك من تقرَّب بعبادة نُهِيَ عنها بخصوصها، كمن صامَ يومَ العيد، أو صلَّى في وقت النهي.
وأمَّا من عمل عملًا أصلُه مشروعٌ وقربةٌ، ثم أدخلَ فيه ما ليس بمشروع، أو أخلَّ فيه بمشروع، فهذا مخالفٌ أيضًا للشريعة بقدر إخلاله بما أخلَّ به، أو إدخاله ما أدخلَ فيه، وهل يكونُ عملُه من أصله مردودًا عليه أم لا؟ فهذا لا يُطلق القولُ فيه بردٍّ ولا قَبولٍ، بل يُنظر فيه: فإنَّ كان ما أخلَّ به من أجزاء العمل أو شروطه موجبًا لبطلانه في الشريعة، كمن أخلَّ بالطهارة للصلاة مع القُدرة عليها (^٣)، أو كمن أخلَّ بالرُّكوع، أو بالسجود، أو بالطُّمأنينة فيهما، فهذا عملُه مردودٌ عليه، وعليه إعادتُه إنْ كان فرضًا (^٤)، وإنْ كان ما أخلَّ به لا يُوجِبُ بُطلانَ العمل، كمن أخلَّ بالجماعة للصلاة المكتوبة عند من يُوجِبُها ولا يجعلُها شرطًا، فهذا لا يُقالُ: إنَّ عمله مردودٌ من أصله، بل هو ناقصٌ.
وإنْ كان قد زاد في العمل المشروع ما ليس بمشروع، فزيادته مردودةٌ عليه، بمعنى أنَّها لا تكونُ قربةً ولا يُثابُ عليها، ولكن تارة يبطُلُ بها العمل من أصله، فيكون مردودًا، كمن زاد في صلاته ركعةً عمدًا مثلًا (^٥)، وتارةً لا يُبطله، ولا يردُّه من أصله، كمن توضأ أربعًا أربعًا، أو صام الليل مع النهار، وواصل في صيامه، وقد يبدَّلُ بعض ما يُؤمر به في العبادة بما هو منهيٌّ عنه، كمن ستر عورتَه في الصَّلاة بثوب مُحرَّم، أو تؤضَّأ للصلاة بماءٍ مغصُوبٍ، أو صلَّى في بُقعةٍ غَصْبٍ، فهذا قد اختلفَ
_________________
(١) في (ص): «والقيام».
(٢) في (ص): «في غيره من المواطن».
(٣) انظر: المحلى ٢/ ٤٥.
(٤) انظر: المحلى ٤/ ١٦.
(٥) سقطت من (ص).
[ ١٥٨ ]
العُلماءُ فيه: هل عملُه مردودٌ من أصله، أو أنَّه غير مردود، وتبرأ به الذِّمَّةُ من عُهدة الواجب؟ وأكثرُ الفُقهاء على أنَّه ليس بمردود من أصله، وقد حكى
عبدُ الرحمان بنُ مهدي، عن قومٍ من أصحاب الكلامِ يقال لهم: الشِّمريَّة أصحاب أبي شمر أنَّهم يقولون: إنَّ من صلَّى في ثوبٍ كان في ثمنه درهمٌ حرامٌ أنَّ عليه إعادة صلاته، وقال: ما سمعتُ قولًا أخبثَ مِن قولهم، نسأل الله العافية (^١)،
وعبد الرحمان بنُ مهدي من أكابر فُقهاء أهل الحديث المطَّلعين على مقالات
السَّلف، وقد استنكر هذا القول وجعله بدعةً، فدلَّ على أنَّه لم يُعلم عن أحدٍ من السَّلف القولُ بإعادة الصَّلاة في مثل هذا.
ويشبه هذا الحجُّ بمالٍ حرامٍ، وقد ورد في حديثٍ أنَّه مردودٌ على صاحبه (^٢)، ولكنَّه حديث لا يثبت، وقد اختلف العلماء هل يسقط به الفرض أم لا؟
وقريب من ذلك الذَّبحُ بآلة محرَّمة، أو ذبحُ مَنْ لا يجوزُ له الذبحُ، كالسارق، فأكثرُ العلماء قالوا: إنَّه تُباح الذبيحة بذلك، ومنهم من قال: هي محرَّمةٌ، وكذا الخلاف في ذبح المُحْرِم لِلصَّيدِ، لكن القول بالتَّحريم فيه أشهرُ وأظهرُ؛ لأنَّه منهيٌّ عنه بعينه.
ولهذا فرَّق مَنْ فرَّق مِنَ العُلماء بين أنْ يكون النَّهيُ لمعنى يختصّ بالعبادة فيبطلها،
وبين أنْ لا يكون مختصًا بها فلا يبطلها، فالصلاة بالنجاسة، أو بغير طهارة، أو بغير ستارة، أو إلى غير القبلة يُبطلها، لاختصاص النهي بالصلاة بخلاف الصلاة في الغصب، ويشهدُ لهذا أنَّ الصيام لا يبطله إلاَّ ارتكابُ ما نهي عنه فيه بخصوصه، وهو جنسُ الأكل والشرب والجماع، بخلاف ما نهي عنه الصائم، لا بخصوص الصيام، كالكذب والغيبة عند الجمهور.
_________________
(١) أخرجه: أبو نعيم في " الحلية " ٩/ ٩.
(٢) أخرجه: البزار كما في " كشف الأستار " (١٠٧٩)، والطبراني في " الأوسط " (٥٢٢٨) من حديث أبي هريرة، قال: قال رسول الله - ﷺ - «من أمَّ هذا البيت من الكسب الحرام شَخَصَ في غير طاعة الله، فإذا أهل ووضع رجله في الغرز وانبعثت به راحلته وقال: لبيك اللهم لبيك، ناداه مناد من السماء: لا لبيك ولا سعديك كسبك حرام، وزادك حرام، وراحلتك حرام، فارجع مأزورًا غير مأجور، وأبشر بما يسوؤك، … ..». بلفظ البزار. وهذا الحديث في إسناده سليمان بن داود اليماني، قال البزار عقيب الحديث: «الضعف بينِّ على أحاديث سليمان، ولا يتابعه عليها أحد وهو ليس بالقوي». وأورده الهيثمي في مجمع الزوائد ٣/ ٢٠٩ - ٢١٠ وقال: «فيه سليمان بن داود اليماني وهو ضعيف».
[ ١٥٩ ]
وكذلك الحجُّ لا يبطله إلا ما نهي عنه في الإحرام، وهو الجماعُ، ولا يبطله ما لا يختصُّ بالإحرام من المحرَّمات (^١)، كالقتل والسرقة وشرب الخمر.
وكذلك الاعتكافُ: إنَّما يبطل بما نهي عنه فيه بخصوصه، وهو
الجماعُ، وإنَّما يبطل بالسُّكر عندنا وعند الأكثرين، لنهي السَّكران عن قربان المسجد ودخوله على أحدِ التأويلين في قوله تعالى: ﴿لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى﴾ (^٢) أنَّ المرادَ مواضع الصلاة، فصار كالحائض، ولا يبطلُ الاعتكافُ بغيره من ارتكابه الكبائر عندنا وعندَ كثيرٍ من العلماء، وقد (^٣) خالف في ذلك
طائفةٌ من السَّلف، منهم: عطاء والزُّهري والثوري ومالك، وحُكي
عن غيرهم أيضًا.
وأمَّا المعاملات كالعقود والفسوخ ونحوهما، فما كان منها تغييرًا للأوضاع الشرعية، كجعل حدِّ الزِّنى عقوبةً مالية، وما أشبه ذلك، فإنَّه مردودٌ من أصله، لا ينتقل به الملكُ؛ لأنَّ هذا غيرُ معهود في أحكام (^٤) الإسلام، ويدلُّ على ذلك أنَّ النَّبيَّ - ﷺ - قال للذي سأله: إنَّ ابني كان عسيفًا على فلان، فزنى بامرأته، فافتديتُ
منه بمئة شاةٍ وخادم، فقال النَّبيُّ - ﷺ -: «المئة شاة والخادم ردٌّ عليكَ، وعلى ابنك
جَلدُ مئة، وتغريبُ عام» (^٥).
وما كان منها عقدًا منهيًا عنه في الشرع، إما لكون المعقود عليه ليس محلًا للعقد، أو لفوات شرطٍ فيه، أو لظلم يحصُلُ به للمعقود معه أو عليه، أو لكون العقد يشغل عن ذكر الله الواجب عند تضايُق وقته، أو غير ذلك، فهذا العقدُ: هل هو مردودٌ بالكلية، لا ينتقل به الملك، أم لا؟ هذا الموضع قد اضطربَ الناس فيه اضطرابًا
_________________
(١) عبارة: «من المحرمات» سقطت من (ص).
(٢) النساء: ٤٣.
(٣) في (ج): «وإن».
(٤) سقطت من (ص).
(٥) أخرجه: مالك في " الموطأ " (٢٣٧٩) برواية يحيى الليثي، والشافعي في " مسنده "
(٦) بتحقيقي، والبخاري ٨/ ١٦١ (٦٦٣٣) و(٦٦٣٤) و٨/ ٢١٤ (٦٨٤٢) و(٦٨٤٣)، وأبو داود (٤٤٤٥)، والترمذي (١٤٣٣)، والنسائي ٨/ ٢٤٠ - ٢٤١ وفي " الكبرى "، له (٥٩٧١)، والطحاوي في " شرح معاني الآثار " ٣/ ١٣٥، والطبراني في " الكبير " (٥١٩٠) و(٥١٩١) و(٥١٩٥)، والبيهقي ٨/ ٢١٢ و٢١٣، وابن عبد البر في "التمهيد" ٩/ ٧٢٠٧٣، والبغوي (٢٥٧٩) من طرق عن أبي هريرة وزيد بن خالد، به.
[ ١٦٠ ]
كثيرًا، وذلك أنَّه ورد في بعض الصور (^١) أنَّه مردودٌ لا يفيد الملك، وفي بعضها أنَّه يُفيده، فحصل الاضطرابُ فيه بسبب ذلك، والأقرب - إنْ شاء الله تعالى - أنَّه إنْ كان النهيُ عنه لحقٍّ لله - ﷿ -، فإنَّه لا يفيدُ
الملكَ بالكلية، ونعني بكون الحق لله: أنَّه لا يسقطُ برضا المتعاقدين عليه، وإنْ كان النهيُ عنه لحقِّ آدميٍّ معيّن، بحيث يسقط برضاه به، فإنَّه يقفُ على رضاه به، فإنْ رضي لزم العقدُ، واستمر الملكُ، وإنْ لم يرض به فله الفسخُ، فإنْ كان الذي يلحقه الضررُ لا يعتبر رضاه بالكلية، كالزوجة والعبد في الطلاق والعَتاق، فلا عِبرة برضاه ولا بسخطه، وإنْ كان النهيُ رفقًا بالمنهيّ خاصةً لما يلحقه من المشقة، فخالف وارتكب المشقة، لم يبطل بذلك عملُه.
فأما الأوَّل، فله صورٌ كثيرةٌ:
منها نكاحُ من يحرُمُ نكاحُه، إمَّا لعينه (^٢)، كالمحرَّمات على التَّأبيد بسببٍ أو نسبٍ، أو للجمع، أو لفواتِ شرط لا يَسقُطُ بالتراضِي بإسقاطه: كنكاح المعتدةِ والمحرمة، والنكاح بغير وليٍّ ونحو ذلك، وقد روي أنَّ النَّبيَّ - ﷺ - فرَّق بَيْنَ رجلٍ وامرأةٍ تزوَّجها وهي حُبْلى، فردَّ النِّكاح لوقوعه في العدّة (^٣).
ومنها عقودُ الربا، فلا تُفيد الملك، ويؤمر بردِّها، وقد أمر النَّبيُّ - ﷺ - من باع صاعَ تمرٍ بصاعين أنْ يردَّه (^٤).
_________________
(١) سقطت من (ص).
(٢) في (ص): «أجنبية».
(٣) أخرجه: عبد الرزاق (١٠٧٠٤) و(١٠٧٠٥)، وأبو داود (٢١٣١)، والدارقطني ٣/ ٢٥٠، والبيهقي ٧/ ١٥٧ من طريق سعيد بن المسيب، عن رجل من الأنصار يقال له: بصرة، قال: تزوجت امرأة بكرًا، فدخلت عليها فإذا هي حبلى، فقال النَّبيُّ - ﷺ -: «لها الصداق بما استحل من فرجها، والولد عبد لك، فإذا ولدت فاجلدها»، وهو حديث ضعيف معلول، بيانه في كتابنا " الجامع في العلل " يسر الله اتمامه.
(٤) أخرجه: مسلم ٥/ ٤٨ (١٥٩٤) (٩٧) و(٩٩) و٥/ ٤٩ (١٥٩٤)
(٥) ، والنسائي ٧/ ٢٧٢ و٢٧٣، وأبو يعلى (١٢٢٦)، والطحاوي في "شرح المعاني" ٤/ ٦٨، والبيهقي ٥/ ٢٩١ من حديث أبي سعيد الخدري، قال: أُتى رسول الله - ﷺ - بتمر، فقال: «ما هذا التمر من تمرنا» فقال الرجل: يا رسول الله بعنا تمرنا صاعين بصاع من هذا، فقال رسول الله - ﷺ - «هذا الربا، فردوه، ثم بيعوا تمرنا واشتروا لنا من هذا» بلفظ مسلم.
[ ١٦١ ]
ومنها بيعُ الخمرِ والميتةِ والخنزير والأصنام والكلب، وسائر ما نهي عن بيعه ممَّا لا يجوز التراضي (^١) ببيعه.
وأما الثاني، فله صُورٌ عديدة:
منها: إنكاحُ الوليِّ من لا يجوزُ له إنكاحُها إلاّ بإذنها
بغير إذنها، وقد ردَّ النَّبيُّ
- ﷺ - نكاحَ امرأة ثيِّبٍ زوَّجها أبوها وهي كارهةٌ (^٢)، وروي عنه أنَّه خيَّرَ امرأة زُوِّجَت بغير إذنها (^٣)، وفي بطلان هذا النكاح ووقوفه على الإجازة روايتان عن أحمد (^٤).
وقد ذهب طائفة من العلماء إلى أنَّ من تصرَّف لغيره في ماله بغير إذنه، لم يكن تصرُّفه باطلًا من أصله، بل يقفُ على إجازته، فإنْ أجازه جازَ، وإنْ ردَّه بَطل،
_________________
(١) سقطت من (ص).
(٢) أخرجه: مالك في " الموطأ " (١٥٣٠) برواية الليثي، والشافعي في " مسنده " (١١٥٠) بتحقيقي، وعبد الرزاق (١٠٣٠٧) و(١٠٣٠٩)، وسعيد بن منصور في "سننه" (٥٦٧) و(٥٧٦)، وابن أبي شيبة (١٥٩٤٨)، وأحمد ٦/ ٣٢٨ و٣٢٩، والدارمي (٢١٩٧) و(٢١٩٨)، والبخاري ٧/ ٢٣ (٥١٣٨) و(٥١٣٩) و٩/ ٢٦ (٦٩٤٥) و٩/ ٣٢
(٣) ، وأبو داود (٢١٠١)، وابن ماجه (١٨٧٣)، والنسائي ٦/ ٨٦ وفي " الكبرى "، له (٥٣٨٠) و(٥٣٨٢) و(٥٣٨٣)، وابن الجارود (٧١٠)، والبيهقي ٧/ ١١٩ وفي " المعرفة "، له (٤٠٨٧)، والخطيب في " تاريخه " ٢/ ٢٦٩، والبغوي
(٤) من حديث خنساء بنت حذام: أنَّ أباها زوجها، وهي ثيب فكرهت ذلك فأتت النَّبيَّ - ﷺ - فرد نكاحها. بلفظ الشافعي.
(٥) أخرجه: أحمد ١/ ٢٧٣، وأبو داود (٢٠٩٦)، وابن ماجه (١٨٧٥)، والنسائي في " الكبرى " (٥٣٨٧) و(٥٣٨٩)، وأبو يعلى (٢٥٢٦)، والطحاوي في "شرح المعاني" ٤/ ٣٦٥، والدارقطني ٣/ ٢٣٤ - ٢٣٥ و٢٣٥، والبيهقي ٧/ ١١٧ من حديث ابن عباس: أنَّ جارية بكرًا أتت النَّبيَّ - ﷺ -، فذكرت أنَّ أباها زوجها وهي كارهة، فخيرها النَّبيُّ - ﷺ -، بلفظ أحمد. وأخرجه: أبو داود (٢٠٩٧)، والبيهقي ٧/ ١١٧ من طريق أيوب السختياني، عن عكرمة، مرسلًا.
(٦) نقل الأثرم والميموني عنه أنَّه يملك تزويجها، وهو اختيار الخرقي. ونقل عبد الله: إذا بلغت تسع سنين فلا يزوجها أبوها ولا غيره إلا بإذنها. وجه الأولى: وهي الصحيحه: أنَّ من لم يفتقر نكاحها إلى نطقها مع قدرتها على النطق لم يفتقر إلى رضاها قياسًا على البكر الصغيرة. ووجه الثانية: أنَّها تملك التصرف في مالها بنفسها فلم يملك الأب إجبارها. انظر: المسائل الفقهية من كتاب الروايتين والوجهين ٢/ ٨١.
[ ١٦٢ ]
واستدلُّوا بحديث عُروة بن الجعد في شرائه للنَّبيِّ - ﷺ - شاتين، وإنَّما كان أمرَه بشراء شاةٍ واحدةٍ، ثم باع إحداهما، وقبل ذلك النَّبيُّ - ﷺ - (^١). وخصَّ ذلك الإمام أحمد في المشهور عنه بمن كان يتصرَّفُ لغيره في ماله بإذنٍ إذا خالف الإذن.
ومنها تصرُّف المريضِ في ماله كلِّه: هل يقعُ باطلًا من أصله أم يقف تصرفه في الثلثين على إجازة الورثة؟ فيهِ اختلاف مشهورٌ للفقهاء، والخلاف في مذهب أحمد وغيره (^٢)،
وقد صحَّ أنَّ النَّبيَّ - ﷺ - رُفع إليه (^٣): أنَّ رجلًا أعتق ستةَ مملوكين لهُ عندَ موته، لا مال لهُ غيرهم، فدعا بهم، فجزَّأهم ثلاثةَ أجزاءٍ، فأعتق اثنين وأرقَّ أربعةً، وقال لهُ قولًا شديدًا (^٤)، ولعلَّ الورثة لم يُجيزوا عتق الجميع، والله أعلم.
ومنها بيعُ المدلس ونحوه كالمُصَرَّاةِ، وبَيعِ النَّجْشِ، وتلقي الركبان ونحو ذلك،
_________________
(١) أخرجه: الشافعي في "مسنده" (١٤٥٩) و(١٤٦٠) بتحقيقي وفي " السنن المأثورة "، له (٥٩٠)، وعبد الرزاق (١٤٨٣١)، والحميدي (٨٤٣)، وابن أبي شيبة (٣٦٢٨٢)، وأحمد ٤/ ٣٧٥ و٣٧٦، والبخاري ٤/ ٢٥٢ (٣٦٤٢)، وأبو داود (٣٣٨٤) و(٣٣٨٥)، وابن ماجه (٢٤٠٢)، والترمذي (١٢٥٨)، وعبد الله بن أحمد في " زياداته " ٤/ ٣٧٦، والطبراني في " الكبير " ١٧/ (٤١٢) و(٤١٣) و(٤٢١)، والدارقطني ٣/ ١٠، والبيهقي ٦/ ١١٢ وفي " المعرفة " (٣٧٠٤) وفي " الدلائل "، له ٦/ ٢٢٠، والبغوي (٢١٥٨) من حديث عروة بن الجعد: أنَّ النَّبيَّ - ﷺ - أعطاه دينارًا ليشتري له به شاة أو أضحية، فاشترى له شاتين، فباع إحداهما بدينار وأتاه بشاة ودينار، فدعا له رسول الله - ﷺ - في بيعه بالبركة، فكان لو اشترى ترابًا لربح فيه. بلفظ الشافعي.
(٢) انظر: الهداية للكلوذاني ٢/ ٢٥ - ٢٦ بتحقيقي.
(٣) عبارة: «رفع إليه» سقطت من (ص).
(٤) أخرجه: الشافعي في " مسنده " (١٠٧٣) بتحقيقي، والطيالسي (٨٤٥)، وعبد الرزاق
(٥) ، وسعيد بن منصور (٤٠٨)، وابن أبي شيبة (٢٣٣٧١)، وأحمد ٤/ ٤٢٦= = … و٤٢٨ و٤٣٠ و٤٣٩ و٤٤٠ و٤٤٥ و٤٤٦، ومسلم ٥/ ٩٧ (١٦٦٨) (٥٦) و(٥٧)، وأبو داود (٣٩٥٨) و(٣٩٥٩) و(٣٩٦١)، وابن ماجه (٢٣٤٥)، والترمذي
(٦) ، والبزار (٣٥٢٨) و(٣٥٢٩) و(٣٥٣٠)، والنسائي ٤/ ٦٤ وفي " الكبرى "، له (٢٠٨٥) (٤٩٧٣) و(٤٩٧٤) و(٤٩٧٥) و(٤٩٧٧)، وابن الجارود (٩٤٨)، وابو عوانة كما في " الإتحاف " ١٢/ ٦٤ (١٥٠٩٤)، وابن حبان
(٧) ، والدارقطني ٤/ ٢٣٤، والبيهقي ١٠/ ٢٨٥ و٢٨٦ من حديث عمران بن حصين، به.
[ ١٦٣ ]
وفي صحَّته كُلِّه اختلافٌ مشهورٌ في مذهب الإمام أحمد، وذهب طائفة من أهل الحديث إلى بطلانه وردِّه (^١).
والصحيح أنَّه يصحُّ ويقفُ على إجازة من حصل (^٢) له ظلمٌ بذلك، فقد صحَّ عن النَّبيِّ - ﷺ - أنَّه جعل مشتري المصرَّاة بالخيار (^٣)، وأنَّه جعل للركبان الخيار إذا هبطوا السوق (^٤)، وهذا كله يدل على أنَّه غير مردود من أصله، وقد أورد على بعض من قال بالبطلان حديث المصرَّاة، فلم يذكر عنه جوابًا (^٥).
وأما بيعُ الحاضر للبادي، فمن صحَّحه، جعله من هذا القبيل، ومن أبطله، جعل الحقَّ فيه
لأهل البلد كلِّهم، وهم غيرُ منحصرين، فلا يتصوَّرُ إسقاطُ حقوقهم، فصار كحقِّ الله - ﷿ -.
ومنها: لو باع رقيقًا يَحْرُمُ التَّفريقُ بينهم، وفرَّق بينهم كالأُمِّ وولدها، فهل يقع باطلًا مردودًا، أم يقفُ على رضاهم بذلك؟
_________________
(١) انظر: المغني ٤/ ٣٠٠ - ٣٠١، والمسائل الفقهية من كتاب الرواتين والوجهين ١/ ٣٥٥ - ٣٥٦.
(٢) سقطت من (ص).
(٣) أخرجه: همام بن منبه في " صحيفته " (٩٨)، والطيالسي (٢٤٩٢)، وعبد الرزاق
(٤) و(١٤٨٦٢)، والحميدي (١٠٢٨) و(١٠٢٩)، وأحمد ٢/ ٢٤٢ و٢٤٨ و٢٥٩ و٢٧٣ و٣١٧ و٣٨٦ و٤٠٦ و٤١٧ و٤٣٠، والدارمي (٢٥٥٦)، والبخاري ٣/ ٩٢ (٢١٤٨) و(٢١٥٠) و٣/ ٩٣ (٢١٥١)، ومسلم ٥/ ٦ (١٥٢٤) (٢٣) و(٢٤) و(٢٥) و(٢٦) و(٢٧) و٥/ ٧ (١٥٢٤) (٢٨)، وأبو داود (٣٤٤٤) و(٣٤٤٥)، وابن ماجه (٢٢٣٩)، والترمذي (١٢٥١) و(١٢٥٢)، والنسائي ٧/ ٢٥٣ و٢٥٤ وفي " الكبرى "، له (٦٠٨٠)، وأبو يعلى (٦٠٤٩) و(٦٢٦٧)، وأبو عوانة ٤/ ٢٧٦ و٢٧٧ و٢٧٨، والدارقطني ٣/ ٧٤ و٧٥ من حديث أبي هريرة قال: قال النَّبيُّ - ﷺ -: «من اشترى شاة مصراة فلينقلب بها، فليحلبها، فإنْ رضي حلابها أمسكها، وإلا ردها ومعها صاع من تمر» بلفظ مسلم.
(٥) أخرجه: أحمد ٢/ ٢٨٤ و٤٠٣ و٤٨٧، والدارمي (٢٥٦٩)، ومسلم ٥/ ٥ (١٥١٩)
(٦) و(١٧)، وأبو داود (٣٤٣٧)، وابن ماجه (٢١٧٨)، والترمذي (١٢٢١)، والنسائي ٧/ ٢٥٧، وفي " الكبرى "، له (٦٠٩٢)، وأبو يعلى (٦٠٧٣) و(٦٠٧٨)، وابن الجارود (٥٧١)، وأبو عوانة ٤/ ٢٦٣ و٢٦٤، والبيهقي ٥/ ٣٤٨ من حديث أبي هريرة: أنَّ النَّبيَّ - ﷺ - نهى أن يتلقى الجلب، فإنْ تلقاه إنسان فابتاعه، فصاحب السلعة فيها بالخيار، إذا ورد السوق. بلفظ الترمذي.
(٧) انظر: فتح الباري ٤/ ٤٦٠ - ٤٦٢.
[ ١٦٤ ]
وقد روي أنَّ النَّبيَّ - ﷺ - أمر بردِّ هذا البيع (^١) ونصَّ أحمدُ على أنَّه لا يجوزُ
التفريقُ بينهم، ولو رضوا بذلك (^٢)، وذهب طائفةٌ إلى جواز التفريق بينهم برضاهم، منهم: النخعيُّ، وعُبيد الله بنُ الحسن العنبري، فعلى هذا يتوجه أنْ يصحَّ، ويقف على الرضا (^٣).
ومنها لو خصَّ بعضَ أولاده بالعطيَّة دونَ بعض، فقد صحَّ عن النَّبيِّ - ﷺ - أنَّه أمرَ بشيرَ بنَ سعدٍ لما خصَّ ولدهُ النُّعمان بالعطيَّةِ أنْ يردَّه (^٤)،
ولم يدلَّ ذلك على أنَّه لم ينتقل الملكُ بذلك إلى الولد، فإنَّ هذه العطية تصحُّ وتقع مراعاةً، فإنْ سوَّى بينَ الأولادِ في العطية، أو استردَّ ما أعطي الولدَ، جاز، وإنْ ماتَ ولم يفعل شيئًا من ذلك، فقال مجاهد: هي ميراث (^٥)، وحكي عن أحمد نحوه (^٦)، وأنَّ العطية تبطلُ، والجمهور على أنَّها لا تبطلُ، وهل للورثة الرجوعُ فيها أم لا؟ فيهِ قولان مشهوران هما روايتان عن أحمد (^٧).
_________________
(١) أخرجه: الطيالسي (١٨٥)، وأحمد ١/ ١٠٢، وابن ماجه (٢٢٤٩)، والترمذي
(٢) ، والدارقطني ٣/ ٦٦ وفي " علله " ٣/ ٥٧٥، والحاكم ٢/ ١٥٥ و١٢٥، والبيهقي ٩/ ١٢٧ من حديث علي بن أبي طالب، قال: وهب لي رسول الله - ﷺ - غلامين أخوين، فبعت أحدهما، فقال لي رسول الله - ﷺ -: «يا علي ما فعل غلامك» فأخبرته، فقال: «رده، رده» بلفظ الترمذي، وقال: «حسن غريب» على أنَّ في إسناده مقالًا، وروي كذلك بنحو هذا الحديث عن أبي أيوب الأنصاري وأبي موسى الأشعري وعبد الله بن مسعود.
(٣) انظر: المغني ١٠/ ٤٥٩، والمسائل الفقهية من كتاب الروايتين والوجهين ٢/ ٣٦٧.
(٤) انظر: المغني ١٠/ ٤٦٠.
(٥) أخرجه: مالك في " الموطأ " (٢١٨٨)، والشافعي في " مسنده " (١٠٥٧) بتحقيقي، وأحمد ٤/ ٢٦٨ و٢٦٩ و٢٧٠ و٢٧٣ و٢٧٦، والبخاري ٣/ ٢٠٦ (٢٥٨٧) و٣/ ٢٢٤
(٦) ، ومسلم ٥/ ٦٥ (١٦٢٣) (٩) و(١٠) و(١١) و(١٢) و(١٣) و٥/ ٦٦ (١٦٢٣) (١٤) و(١٥) و(١٦) و(١٧) و٥/ ٦٧ (١٦٢٣) (١٨)، وأبو داود (٣٥٤٢) و(٣٥٤٣)، وابن ماجه (٢٣٧٥) و(٢٣٧٦)، والترمذي (١٣٧٦)، والنسائي ٦/ ٢٥٨ و٢٥٩ و٢٦٠ و٢٦١ و٢٦٢ وفي " الكبرى "، له (٦٥٠٨) و(٦٥٠٩)، وابن الجارود (٩٩١) و(٩٩٢)، وابن حبان (٥٠٩٧) - (٥١٠٧)، والدارقطني ٣/ ٤٢ من طرق عن النعمان بن بشير، به.
(٧) انظر: المغني ٦/ ٢٩٨، والشرح الكبير ٦/ ٢٩٤.
(٨) انظر: الشرح الكبير ٦/ ٢٩٦.
(٩) نقل أبو طالب عنه: يرد في حياته وبعد موته وهو اختيار ابن بطة وأبي حفص. ووجهها: أنَّ الرجوع فيها إنَّما كان لأجل أنْ لا يحصل بينهم التباغض والعداوة، وهذا المعنى موجود بعد الموت فيجب الرجوع فيها لوجود المعنى في ذلك. = = … ونقل الميموني وبكر بن محمد: أنَّه لا يرجع فيه موته وهو اختيار أبي بكر الخلال وأبي بكر عبد العزيز والخرقي. ووجهها: أنَّ هذا رجوع يتعلق بالهبة فسقط بالموت، دليله: رجوع الأب على ابنه في الهبة، أنَّه بموت الأب يسقط حق الرجوع لبقية الورثة كذلك هاهنا. انظر: المسائل الفقهية من كتاب الروايتين والوجهين ١/ ٤٣٩.
[ ١٦٥ ]
ومنها الطلاقُ المنهي عنه، كالطلاق في زمن الحيض، فإنَّه قد قِيل: إنَّه قد نُهِيَ عنه لحقِّ الزوج، حيث كانَ يخشى عليهِ أن يَعْقُبه فيهِ النَّدمُ، ومن نُهِيَ عن شيء رفقًا به، فلم ينته عنه، بل فعله وتجشَّم مشقَّته، فإنَّه لا يحكم ببطلان ما أتى به، كمن صام في المرض أو السفر، أو واصل في الصيام، أو أخرج ماله كله وجلس يتكفَّفُ النَّاسَ، أو صلَّى قائمًا مع تضرُّره بالقيام للمرض، أو اغتسل وهو يخشى على نفسه الضَّرر، أو التَّلفَ ولم يتيمَّم، أو صامَ الدَّهرَ، ولم يفطر، أو قام اللَّيل ولم ينم، وكذلك إذا جمعَ الطَّلاق الثلاثَ على القول بتحريمه.
وقيل: إنَّما نهي عن طلاق الحائض، لحقِّ المرأة لما فيه من الإضرار بها بتطويل
العدَّة، ولو رضيت بذلك بأنْ سألته الطَّلاق بِعِوَضٍ في الحيض، فهل يزولُ بذلك تحريمُهُ؟ فيهِ قولان مشهوران للعلماء، والمشهورُ من مذهبنا ومذهب الشَّافعيِّ أنَّه يزولُ التَّحريمُ بذلك، فإنْ قيل: إنَّ التحريم فيهِ لحقِّ الزوج خاصة، فإذا أقدم عليهِ، فقد أسقط حقَّه فسقط، وإنْ علل بأنَّه لحقِّ المرأة، لم يمنع نفوذُه ووقوعُه أيضًا، فإنَّ رضا المرأة بالطلاق غيرُ معتبر لوقوعه عندَ جميع المسلمين، لم يُخالف فيهِ سوى شرذِمَةٍ يسيرةٍ من الروافض ونحوهم، كما أنَّ رضا الرقيق بالعتق غير معتبرٍ، ولو تضرَّر به، ولكن إذا تضرَّرت المرأةُ بذلك، وكان قد بقي شيءٌ من طلاقها، أمر الزوج بارتجاعها، كما أمر النَّبيُّ - ﷺ - ابنَ عمر بارتجاع زوجته تلافيًا منه لضررها، وتلافيًا منه لما وقع منه من الطلاق المحرَّم حتَّى لا تصير بينونتها منه ناشئة عن طلاق محرَّمٍ، وليتمكَّن من طلاقها على وجه مباح، فتحصل إبانتُها على هذا الوجه. وقد روي عن أبي الزبير، عن ابن عمر: أنَّ النَّبيَّ - ﷺ - ردَّها عليهِ ولم يرها شيئًا (^١)،
_________________
(١) أخرجه: عبد الرزاق (١٠٩٦٠)، وأبو داود (٢١٨٥)، وابن عبد البر في " التمهيد " ١٥/ ٦٥. وانظر تخريجه موسعًا بدون هذه اللفظة في " مسند الشافعي " (١٢٣٨) -
(٢) بتحقيقي وانظر: فتح الباري ٩/ ٤٣٦ - ٤٤١، والكلام على هذه اللفظة في كتابي " الجامع في العلل " يسر الله اتمامه.
[ ١٦٦ ]
وهذا ممَّا تفرَّد به أبو الزبير عن أصحاب ابن عمر كلِّهم مثل: ابنه
سالم، ومولاه نافع، وأنس، وابن سيرين، وطاووس، ويونس بن جبير، وعبد الله بن دينار، وسعيد بن جبير، وميمون بن مِهران وغيرهم.
وقد أنكر أئمة العلماء هذه اللفظة على أبي الزبير من المحدثين والفقهاء، وقالوا: إنَّه تفرَّد بما خالف الثِّقات، فلا يُقبل تفرّده، فإنَّ في رواية الجماعة عن ابن عمر ما يدلُّ على أنَّ النَّبيَّ - ﷺ - حسب عليه الطلقة من وجوه كثيرة، وكان ابنُ عمر يقول لمن سأله عن الطلاق في الحيض: إنْ كنتَ طلَّقتَ واحدةً أو اثنتين (^١)، فإنَّ
رسولَ الله - ﷺ - أمرني بذلك، يعني (^٢): بارتجاع المرأة، وإنْ كنت طلقت ثلاثًا، فقد عصيت ربَّك، وبانت منك امرأتك.
وفي رواية أبي الزبير زيادة أخرى لم يُتابع عليها وهي قوله: ثم تلا رسولُ الله - ﷺ -: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ﴾ (^٣) ولم يذكر ذلك أحدٌ من الرواة عن ابن عمر، وإنَّما روى عبدُ اللهِ بنُ دينار، عن ابن عمر أنَّه كان يتلو هذه الآية عند روايته للحديث، وهذا هو الصحيح.
وقد كان طوائفُ من الناس يعتقدونَ أنَّ طلاقَ ابنِ عمر كان ثلاثًا، وأنَّ النَّبيَّ - ﷺ - إنَّما ردَّها عليه؛ لأنَّه لم يوقع الطَّلاق في الحيض، وقد رُوي ذلك عن أبي الزبير أيضًا من رواية معاوية بن عمار الدُّهني عنه (^٤)، فلعلَّ أبا الزبير اعتقد هذا حقًا، فروى تلك اللفظةَ بالمعنى الذي فهمه، وروى ابنُ لهيعة هذا الحديث عن أبي الزبير، فقال: عن جابر: أنَّ ابن عمر طلق امرأته وهي حائض، فقال النَّبيُّ - ﷺ - (^٥)
:
«لِيُراجِعها فإنَّها امرأتُه» (^٦) وأخطأ في ذكر جابر في هذا
_________________
(١) قال مسلم في " صحيحه " (١٤٧١) (١): «جود الليث في قوله: تطليقة واحدة».
(٢) عبارة: «بذلك يعني» سقطت من (ص).
(٣) الطلاق: ١.
(٤) أخرجه: الدارقطني ٤/ ٧، ومن طريقه ابن الجوزي في " العلل المتناهية " ٢/ ٦٣٨، بهذا الإسناد.
(٥) زاد بعدها في (ص): «مره».
(٦) أخرجه: أحمد ٣/ ٣٨٦، وعبد الله بن لهيعة ضعيف.
[ ١٦٧ ]
الإسناد، وتفرَّد بقوله: «فإنَّها امرأته» وهي لا تدل على عدم وقوع الطلاق إلاّ على تقدير أنْ يكون ثلاثًا، فقد اختلف في هذا الحديث على أبي الزبير وأصحابُ ابن عمر الثقاتُ الحفاظ العارفون به الملازمون له لم يختلف عليهم فيه،
وروى أيوب، عن ابن سيرين قال: مكثتُ عشرين سنة يُحدِّثني من لا أتَّهِمُ أنَّ ابنَ عمر طلَّق امرأته ثلاثًا وهي حائض، فأمره النَّبيُّ - ﷺ - أنْ يُراجِعَها، فجعلت لا أتهمهم ولا أعرف الحديث حتّى لقيتُ أبا غلاَّب (^١) يونس بن جُبير وكان ذا ثَبَتٍ، فحدَّثني أنَّه سأل ابنَ عمر فحدَّثه أنَّه طلقها واحدة. خرَّجه مسلم (^٢).
وفي رواية: قال ابنُ سيرين: فجعلتُ لا أعرِفُ للحديث وجهًا ولا
أفهمه.
وهذا يدلُّ على أنَّه كان قد (^٣) شاع بين الثِّقاتِ من غير أهلِ الفقه والعلم أنَّ طلاقَ ابنِ عمر كان ثلاثًا، ولعلَّ أبا الزبير من هذا القبيل، ولذلك كان نافع يُسأل كثيرًا عن طلاق ابن عمر، هل كان ثلاثًا أو واحدة؟ ولما قدم نافع مكة، أرسلوا إليه من مجلس عطاء يسألونه عن ذلك لهذه الشبهة، واستنكارُ ابنِ سيرين لِرواية الثلاث يَدُل على أنَّه لم يعرف قائلًا معتبرًا يقول: إنَّ الطلاق المحرَّم (^٤) غير واقع، وإنَّ هذا القول لا وَجْهَ له.
قال الإمام أحمد في رواية أبي الحارث، وسئل عمن قال: لا يقعُ الطلاقُ
المحرم؛ لأنَّه يُخالِفُ ما أمر به، فقال: هذا قولُ سوءٍ رديء، ثم ذكر قصة ابنِ عمر وأنَّه احتسب بطلاقه في الحيض.
وقال أبو عبيد: الوقوعُ هو الذي عليه العلماء مجمعون في جميع الأمصار: حجازهم وتهامهم، ويمنهم وشامهم، وعراقهم ومصرهم، وحكى ابنُ المنذر ذلك عن كلِّ من يُحْفَظُ قولُه من أهل العلم إلاَّ ناسًا من أهل البدع لا يُعتَدُّ بهم.
وأمَّا ما حكاه ابنُ حزم (^٥) عن ابن عمر أنَّه لا يقع الطلاقُ في الحيضِ مستندًا إلى
_________________
(١) تحرف في (ص) إلى: «عتاب».
(٢) في " صحيحه " ٤/ ١٨١ (١٤٧١) (٧).
(٣) «كان قد» سقطت من (ص).
(٤) سقطت من (ص).
(٥) في " المحلى " ١١/ ٢١٦.
[ ١٦٨ ]
ما رواه (^١) من طريق محمد بن عبد السلام الخشني الأندلسي: حدَّثنا محمَّد بن بشار، حدثنا عبد الوهَّاب الثقفي، عن عُبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابنِ عمر في الرجل يطلق امرأته وهي حائض، قال: لا يُعتَدُّ بها، وبإسناده عن خِلاس نحوه (^٢)، فإنَّ هذا الأثرَ قد سقط من آخره لفظة وهي قال: لا يعتد بتلك الحيضة، كذلك رواه أبو بكر بنُ أبي شيبة في كتابه (^٣) عن عبد الوهَّاب الثقفي، وكذا رواه يحيى بنُ معين، عن عبد الوهَّاب أيضًا، وقال: هو غريب لم يحدث به إلا
عبدُ الوهَّاب، ومرادُ ابنِ عمر أنَّ الحيضة التي طلق فيها المرأة لا تعتدُّ بها المرأة قرءًا، وهذا هو مرادُ خِلاس وغيره.
وقد روي ذلك أيضًا عن جماعةٍ منَ السَّلف، منهم: زيدُ بنُ ثابت (^٤)، وسعيد بنُ المسيب (^٥)، فوهم جماعة من المفسرين وغيرهم كما وهم ابنُ حزم فحَكَوا عن بعضِ من سمينا أنَّ الطلاق في الحيض لا يقع، وهذا سببُ وهمهم، والله أعلم.
وهذا الحديث إنَّما رواه القاسم بن محمد لما سُئِلَ عن رجُلٍ له ثلاثة (^٦)
مساكن، فأوصى بِثُلثِ ثلاث مساكن هل تجمع له في مسكن واحد؟ فقالَ: يجمع ذَلِكَ كلهُ في مسكن واحد، حدثتني عائشة: أنَّ النَّبيَّ - ﷺ - قالَ: «مَنْ عمل عملًا ليسَ عليهِ أمرُنا فَهُو ردٌّ»
خرّجه مسلم (^٧). ومرادُه أنَّ تغيير وصية الموصي إلى ما هوَ أحبُّ إلى الله وأنفعُ جائزٌ، وقد حكي هذا عن عطاء وابن جريج، وربما يستدلُّ بعضُ من ذهب إلى هذا بقولِهِ تعالى: ﴿فَمَنْ خَافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفًا أَوْ إِثْمًا فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ فَلا إِثْمَ عَلَيْه﴾ (^٨) ولعله أخذ هذا من جمع العتق، فإنَّه صح «أنَّ رجلًا (^٩) أعتق ستة مملوكين عندَ موته، فدعاهم النَّبيُّ - ﷺ - فجزأهم ثلاثة
_________________
(١) زاد بعدها في (ص): «محمد».
(٢) في " المحلى " ١١/ ٢١٦. وأخرجه: ابن أبي شيبة ٤/ ٥٨ و٥٩.
(٣) المصنف ٤/ ٥٧.
(٤) أخرجه: عبد الرزاق (١٠٩٦٦)، وابن أبي شيبة ٤/ ٥٧.
(٥) أخرجه: ابن أبي شيبة ٤/ ٥٩.
(٦) سقطت من (ص).
(٧) في " صحيحه " ٥/ ١٣٢ (١٧١٨) (١٨).
(٨) البقرة: ١٨٢.
(٩) سقطت من (ص).
[ ١٦٩ ]
أجزاء، فأعتق اثنين وأرقّ أربعة» خرّجه مسلم (^١). وذهب فقهاءُ الحديث إلى هذا الحديث؛ لأنَّ تكميلَ عتق العبد مهما أمكن أولى من تشقيصه، ولهذا شُرِعَتِ السِّرايةُ والسِّعايةُ إذا أعتق أحدُ الشريكين نصيبَه من عبد. وقال - ﷺ - فيمن أعتق بعض عبدٍ له: «هو عتيقٌ كلُّه ليس لله شريك» (^٢).
وأكثرُ العلماء على خلاف قول القاسم هذا، وإنَّ وصية الموصي لا تجمع، ويُتبع لفظه
إلاَّ في العتق خاصة؛ لأنَّ المعنى الذي جمع له في العتق غيرُ موجود في بقية الأموال، فيعمل فيها بمقتضى وصية الموصي.
وذهب طائفة من الفقهاء في العتق إلى أنَّه يعتق مِنْ كل عبدٍ ثلثه، ويستسعون في الباقي (^٣)، واتباع قضاء النَّبيِّ - ﷺ - أحقُّ وأولى، والقاسم نظر إلى أنَّ في مشاركة الموصى له للورثة في المساكن كُلِّها ضررًا عليهم، فيدفع عنهم هذا الضرر ويجمع الوصية في مسكنٍ واحدٍ، فإنَّ الله قد شرط في الوصية (^٤) عَدَمَ المضارة بقوله تعالى: ﴿غَيْرَ مُضَارٍّ وَصِيَّةً مِنَ الله﴾ (^٥) فمن ضارَّ في وصيته، كان عملهُ مردودًا عليه
لمخالفته ما شرط الله في الوصية (^٦).
وقد ذهب طائفة من الفقهاء إلى أنَّه لو وصَّى لهُ بثلث مساكنه كُلِّها (^٧)، ثم تلف ثلثا
_________________
(١) في " صحيحه " ٥/ ٩٧ (١٦٦٨) (٥٦) و(٥٧). وأخرجه: الحميدي (٨٣٠)، وأحمد ٤/ ٤٢٦ و٤٢٨ و٤٣٩ و٤٤٠ و٤٤٦، وأبو داود
(٢) و(٣٩٥٩) و(٣٩٦١)، وابن ماجه (٢٣٤٥)، والترمذي (١٣٦٤)، والنسائي ٤/ ٦٤ وفي " الكبرى "، له (٤٩٧٤)، والبيهقي ١٠/ ٢٨٦ من طرق عن عمران ابن حصين، به.
(٣) أخرجه: أحمد ٥/ ٧٤ و٧٥، وأبو داود (٣٩٣٣)، والنسائي في " الكبرى " (٤٩٧٠)، والطحاوي في " شرح المعاني " ٣/ ١٠٧ وفي شرح " المشكل "، له (٥٣٨١) و(٥٣٨٢)، والبيهقي ١٠/ ٢٧٣، وقد أعله النسائي بالإرسال كما في "تحفة الأشراف" ١/ ١٨٨ (١٣٤).
(٤) انظر: معالم السنن ٤/ ٧١.
(٥) سقطت من (ص).
(٦) النساء: ١٢.
(٧) انظر: تفسير الطبري (٦٩٨٠) و(٦٩٨١) وطبعة التركي ٦/ ٤٨٦ - ٤٨٧، وتفسير ابن أبي حاتم (٤٩٣٩).
(٨) سقطت من (ص).
[ ١٧٠ ]
المساكن، وبقي منها ثلث أنَّه يُعطى كله للموصى له، وهذا قولُ طائفةٍ من أصحاب أبي حنيفة، وحكي عن أبي يوسف ومحمد، ووافقهم القاضي أبو يعلى من أصحابنا في خلافه، وبَنَوا ذلك على أنَّ المساكن المشتركة تقسم بين المشتركين فيها قسمة إجبار، كما هو قولُ مالك، وظاهرُ كلام ابن أبي موسى من أصحابنا، والمشهورُ عند أصحابنا أنَّ المساكن المتعدِّدة لا تُقسم قسمة إجبار (^١)، وهو قولُ أبي حنيفة والشَّافعي، وقد تأوَّلَ بعضُ المالكية فتيا القاسم المذكورة في هذا الحديث على أنَّ أحد الفريقين من الورثة أو الموصى لهم طلب قسمة المساكن وكانت متقاربة بحيث يضمُّ بعضها إلى بعض في القسمة، فإنَّه يُجاب إلى قسمتها على قولهم، وهذا التأويل بعيد مخالف لِلظاهر، والله أعلم.
_________________
(١) في (ص): «إجبارًا» بإسقاط كلمة: «قسمة».
[ ١٧١ ]