عَنْ أبي ذَرٍّ - ﵁ -، عَنِ النَّبيِّ - ﷺ - فيما يَروي عَنْ ربِّه - ﷿ - أنَّه قالَ: «يا عِبادي إنِّي حَرَّمْتُ الظُّلمَ على نَفسي، وجَعَلْتُهُ بَينَكُم مُحَرَّمًا فلا تَظالموا، يا عِبادي كُلُّكُم ضَالٌّ إلاَّ مَنْ هَديتُهُ فاستهدُوني أهدِكُم، يا عبادي كُلُّكُم جَائِعٌ إلاَّ مَنْ أَطْعَمْتُهُ، فاستطعموني أُطعِمْكُم، يا عِبادي كُلُّكُم عَارٍ إلاَّ مَنْ كَسوتُهُ، فاستَكْسونِي أكسكُمْ، يا عِبادي إنَّكُم تُخْطِئونَ باللَّيلِ والنَّهار، وأنَا أَغْفِرُ الذُّنوبَ جَميعًا، فاستَغفِروني أغفر لكُمْ. يا عِبادي إنَّكم لَنْ تَبلُغُوا ضَرِّي فَتَضُرُّونِي، ولن تَبلُغُوا نَفْعِي فَتَنفَعونِي. يا عِبادي لو أنَّ أوَّلَكُم وآخِركُم وإنْسَكُمْ وجِنَّكُم كانُوا على أتْقى قَلب رَجُلٍ واحدٍ منكُم، ما زَادَ ذلك في مُلكِي شَيئًا، يا عِبادي لو أنَّ أَوَّلَكُم وآخِرَكُم وإنْسَكُمْ وجِنَّكُم كانُوا على أفْجَر قَلبِ رَجُلٍ واحِدٍ منكُم، ما نَقَصَ ذلك من مُلكِي شيئًا، يا عِبادي لَوْ أنَّ أَوَّلَكُم وآخِرَكُم وإنْسَكُمْ وجنَّكم قاموا في صَعيدٍ واحدٍ فسألوني فأعطيت كل إنسانٍ مسألته، ما نَقَصَ ذلك مِمَّا عِندي إلاَّ كَما يَنْقُصُ المِخْيَطُ إذا أُدْخِلَ البَحرَ. يا عبادي، إنَّما هِيَ أَعمالُكُم أُحْصِيها لَكُمْ، ثمَّ أُوفِّيكُم إيَّاها، فَمَنْ وجَدَ خَيرًا، فليَحْمَدِ الله، ومَنْ وَجَد غيرَ ذلكَ، فَلا يَلومَنَّ إلاَّ نَفسَه». رواهُ مسلمٌ (^١).
هذا الحديث خرَّجه مسلم من رواية سعيد بن عبد العزيز، عن ربيعة بن يزيد، عن
أبي إدريس الخولاني، عن أبي ذرٍّ، وفي آخره: قال سعيدُ بنُ عبد العزيز: كان أبو إدريس الخولاني إذا حدَّثَ بهذا الحديث جثى على ركبتيه.
_________________
(١) في "صحيحه" ٨/ ١٧ (٢٥٧٧) (٥٥) من طريق أبي إدريس الخولاني، عن أبي ذر، به. وأخرجه: معمر في " جامعه " (٢٠٢٧٢)، والطيالسي (٤٦٣)، وأحمد ٥/ ١٥٤ و١٦٠ و١٧٧، وهناد في " الزهد " (٩٠٥)، والبخاري في " الأدب المفرد " (٤٩٠)، وابن ماجه (٤٢٥٧)، والترمذي (٢٤٩٥)، والبزار (٤٠٥١) و(٤٠٥٢) و(٤٠٥٣)، وابن حبان (٦١٩)، والطبراني في " مسند الشاميين " (٣٣٨) و(٢٨١١)، والحاكم ٤/ ٢٤١، وأبو نعيم في "الحلية" ٥/ ١٢٥ - ١٢٦، والبيهقي ٦/ ٩٣، وفي " شعب الإيمان "، له (٧٠٨٨)، والخطيب في " تاريخه " ٧/ ٢٠٣ - ٢٠٤. …
[ ٥١١ ]
وخرَّجه مسلم أيضًا من رواية قتادة، عن أبي قلابة، عن أبي أسماء الرَّحَبِي، عن أبي ذرٍّ، عن النَّبيِّ - ﷺ -، ولم يَسُقْه بلفظه، ولكنَّه قال: وساق الحديث بنحو سياق أبي إدريس، وحديث أبي إدريس أتمُّ.
وخرَّجه الإمام أحمد (^١) والترمذي (^٢) وابن ماجه (^٣)، من رواية شهر بن حوشب، عن عبد الرحمان بن غنم، عن أبي ذرٍّ، قال: قال رسول الله - ﷺ -
: «يقولُ الله تعالى: يا عبادي، كُلُّكم ضالٌّ إلاَّ مَنْ هَديتُ، فسلوني الهدى أهدِكُم، وكلُّكم فقيرٌ إلاَّ من أغنيتُ فسلوني أرزقكم، وكلُّكُم مذنبٌ إلا من عافيت، فمن علم منكم أني ذو قدرة على المغفرة واستغفرني غفرتُ له ولا أُبالي، ولو أنَّ أوَّلكم وآخركم وحيَّكم وميِّتكم، ورطبكم ويابسكم، اجتمعوا على أتقى قلب عبدٍ من عبادي ما زاد ذلك في ملكي جناحَ بعوضة، ولو أنَّ أوَّلكم وآخركم وحيَّكم وميتَكم ورطبكم ويابسكم اجتمعوا في صعيدٍ واحد، فسأل كلُّ إنسان منكم ما بلغتْ أمنيته فأعطيتُ كلَّ سائلٍ منكم، ما نقص ذلك من ملكي إلا كما لو أنَّ أحدَكم مرَّ بالبحر، فغمس فيه إبرة ثم رفعها إليه،
ذلك بأني جوّاد واجد ماجد أفعلُ ما أريد، عطائي كلام، وعذابي كلام، إنَّما أمري لشيء إذا أردته أنْ أقولَ له: كن فيكون» وهذا لفظ الترمذي، وقال: «حديث حسن».
وخرَّجه الطبراني (^٤) بمعناه من حديث أبي موسى الأشعري، عن النَّبيِّ - ﷺ -، إلاَّ أنَّ إسنادَه ضعيف.
وحديث أبي ذرٍّ قال الإمام أحمد: هو أشرفُ حديثٍ لأهلِ الشام (^٥).
_________________
(١) المسند ٥/ ١٥٤ و١٧٧.
(٢) في " الجامع الكبير " (٢٤٩٥).
(٣) السنن (٤٢٥٧).
(٤) في " الأوسط " (٧١٦٩)، وسبب ضعفه عبد الملك بن هارون بن عنترة، قال عنه أبو حاتم: «متروك الحديث، ذاهب الحديث»، وقال عنه يحيى بن معين: «كذاب». انظر: الجرح والتعديل ٥/ ٤٤٠ (١٧٤٨).
(٥) انظر: الأذكار للنووي: ٣٦٨.
[ ٥١٢ ]
فقوله - ﷺ - فيما يروي عن ربه: «يا عبادي إنِّي حرَّمتُ الظُّلمَ على نفسي»، يعني: أنَّه منع نفسه من الظلم لعباده، كما قال - ﷿ -: ﴿وَمَا أَنَا بِظَلاَّمٍ لِلْعَبِيدِ﴾ (^١)، وقال: ﴿وَمَا اللهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعِبَادِ﴾ (^٢)، وقال: ﴿وَمَا اللهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعَالَمِينَ﴾ (^٣)، وقال: ﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلاَّمٍ لِلْعَبِيدِ﴾ (^٤)، وقال: ﴿إِنَّ اللهَ لا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئًا﴾ (^٥)، وقال: ﴿إِنَّ اللهَ لا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ﴾ (^٦)، وقال: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلا يَخَافُ ظُلْمًا وَلا هَضْمًا﴾ (^٧)، والهضمُ: أنْ يُنقَصَ من جزاء حسناته، والظُّلم: أنْ يُعاقب بذنوب غيره (^٨)، ومثل هذا كثير في القرآن.
وهو مما يدلُّ على أنَّ الله قادرٌ على الظلم، ولكنَّه لا يفعلُه فضلًا منه وجودًا، وكرمًا وإحسانًا إلى عباده (^٩).
وقد فسَّر كثيرٌ من العلماء الظلمَ: بأنَّه وضعُ الأشياء في غير موضعها (^١٠). وأمَّا من فسَّره بالتَّصرُّف في ملك الغير بغير إذنه - وقد نقل نحوه عن إياس بن
معاوية وغيره - فإنَّهم يقولون: إنَّ الظُّلمَ مستحيلٌ عليه وغيرُه متصوَّرٌ في حقِّه؛ لأنَّ كلَّ ما يفعله فهو تصرُّفٌ في ملكه (^١١)، وبنحو ذلك أجاب أبو الأسود الدؤلي لِعمران بنِ حصين حين سأله عن القدر (^١٢).
_________________
(١) ق: ٢٩.
(٢) غافر: ٣١.
(٣) آل عمران: ١٠٨.
(٤) فصلت: ٤٦.
(٥) يونس: ٤٤.
(٦) النساء: ٤٠.
(٧) طه: ١١٢.
(٨) أخرجه: ابن أبي حاتم في " تفسيره " (١٣٥٣٩)، والطبري في " تفسيره " (١٨٣٧٩) عن ابن عباس، به.
(٩) انظر: تفسير الطبري (١٨٣٨٠).
(١٠) انظر: لسان العرب ٨/ ٢٦٣ (ظلم).
(١١) قال ابن أبي العز الحنفي: «فلو وضع الرب سبحانه عدله على أهل سماواته وأرضه، لعذبهم بعدله، ولم يكن ظالمًا لهم، وغاية ما يقدَّر توبة العبد من ذلك واعترافه، وقبول التوبة محض فضله وإحسانه، وإلا فلو عذَّب عبده على جنايته لم يكن ظالمًا ولو قدّر أنه تاب منها، لكن أوجب على نفسه - بمقتضى فضله ورحمته - أنَّه لا يعذب من تاب، وقد كتب على نفسه الرحمة، فلا يسع الخلائق إلا رحمته وعفوه»، انظر: شرح العقيدة الطحاوية: ٤٥١ (ط المكتب الإسلامي).
(١٢) أخرجه: الطيالسي (٨٤٢)، وأحمد ٤/ ٤٣٨، ومسلم ٨/ ٤٨ - ٤٩ (٢٦٥٠) (١٠)، وابن أبي عاصم في " السنة " (١٧٤)، والطبري في " تفسيره " (٢٨٩٦٢)، والطبراني في … " الكبير " ١٨/ (٥٥٦) و(٥٥٧)، واللالكائي في " شرح أصول الاعتقاد " (٩٥٠) … و(٩٥١) و(٩٥٢) و(٩٥٣)، والبيهقي في " شعب الإيمان " (١٨٦)، والبغوي في … " تفسيره " ٥/ ٢٥٩ من طرق عن أبي الأسود الدؤلي، عن عمران بن حصين، به.
[ ٥١٣ ]
وخرَّج أبو داود، وابنُ ماجه من حديث أبي سنان سعيد بن سنان، عن وهب بن خالد الحمصي، عن ابن الدَّيلَمي أنَّه سمع أبيَّ بن كعبٍ يقول: لو أنَّ الله عذَّب أهل سماواته وأهل أرضه، لعذَّبهم وهو غيرُ ظالمٍ لهم، ولو رَحِمَهُم، لكانت رحمتُه خيرًا لهم من أعمالهم، وأنَّه أتى ابن مسعود، فقال له مثلَ ذلك، ثم أتى زيدَ ابن ثابت، فحدَّثه عن النَّبيِّ - ﷺ - بمثل ذلك (^١). وفي هذا الحديث نظر، ووهبُ بنُ خالدٍ ليس بذلك المشهور بالعلم (^٢).
وقد يُحمل على أنَّه لو أراد تعذيبهم، لقدَّرَ لهم ما يعذِّبهم عليه، فيكون غيرَ ظالم لهم حينئذٍ.
وكونه خلق أفعال العباد وفيها الظلمُ لا يقتضي وصفَه بالظُّلم - ﷾ -، كما أنَّه لا يُوصَفُ بسائر القبائح التي يفعلُها العبادُ، وهي خَلْقُه وتقديرُه (^٣)، فإنَّه لا يُوصَفُ إلاَّ بأفعاله لا يُوصف بأفعال عباده، فإنَّ أفعالَ عباده مخلوقاتُه ومفعولاتُه، وهو لا يُوصَفُ بشيءٍ منها، إنَّما يوصَفُ بما قام به من صفاته وأفعاله! والله أعلم.
وقوله: «وجعلتُه بينكم محرَّمًا، فلا تظالموا» يعني: أنَّه تعالى حَرَّم الظلم على عباده، ونهاهم أنْ يتظالموا فيما بينهم، فحرامٌ على كلِّ عبدٍ أنْ يظلِمَ غيره، مع أنَّ الظُّلم في نفسه محرَّم مطلقًا، وهو نوعان:
_________________
(١) أخرجه: أبو داود (٤٦٩٩)، وابن ماجه (٧٧). وأخرجه: أحمد ٥/ ١٨٢ و١٨٥ و١٨٩، وعبد بن حميد (٢٤٧)، وابن أبي عاصم في " السنة " (٢٤٥)، وعبد الله بن أحمد في " السنة " (٨٤٤)، وابن حبان (٧٢٧)، والآجري في "الشريعة": ١٨٧، والطبراني في " الكبير " (٤٩٤٠) وفي " مسند الشاميين "، له (١٩٦٢)، واللالكائي في " شرح أصول الاعتقاد " (١٠٩٢) و(١٠٩٣)، والبيهقي ١٠/ ٢٠٤.
(٢) لم أجد ما ذكره ابن رجب - ﵀ - في وهب بن خالد عن أحد من المتقدمين ولا عن غيرهم، فقد وثقه أبو داود، وابن حبان، والعجلي، والذهبي، وابن حجر. انظر: تهذيب الكمال ٧/ ٤٩٥ (٧٣٥٠)، وتهذيب التهذيب ١١/ ١٤٣ (٧٧٩٥)، والتقريب (٧٤٧٤)، وقال العلامة مغلطاي في " إكمال تهذيب الكمال " ١٢/ ٢٦٠ : «خرج أبو عبد الله الحاكم وأبو علي الطوسي حديثه في صحيحهما»، ولعل ابن رجب - ﵀ - أراد أن يعل هذا الحديث بتفرد وهب بن خالد؛ إذ إنَّ الحديث ورد موقوفًا من حديث أبي بن كعب وابن مسعود وحذيفة، وبيان ذلك في كتابي " الجامع في العلل " يسر الله إتمامه وطبعه.
(٣) «وتقديره» لم ترد في (ص).
[ ٥١٤ ]
أحدهما: ظلمُ النفسِ، وأعظمه الشِّرْكُ، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ (^١)، فإنَّ المشركَ جعل المخلوقَ في منزلةِ الخالق، فعبده وتألَّهه، فوضع الأشياءَ في غيرِ موضعها، وأكثر ما ذُكِرَ في القرآن مِنْ وعيد الظالمين إنَّما أُريد به المشركون، كما قال الله - ﷿ -: ﴿وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ (^٢)، ثمَّ يليه المعاصي على اختلاف أجناسها من كبائرَ وصغائرَ.
والثاني: ظلمُ العبدِ لغيره، وهو المذكورُ في هذا الحديث، وقد قال النَّبيُّ - ﷺ - في خطبته في حجة الوداع: «إنَّ دماءكم وأموالَكُم وأعراضَكُم عليكُم حرامٌ، كحرمةِ يومكم هذا، في شهركم هذا، في بلدكم هذا» (^٣).
وروي عنه أنَّه خطب بذلك في يوم عرفة، وفي يوم النَّحر، وفي اليوم الثاني من أيَّام التشريق، وفي رواية: ثُمَّ قال: «اسمعوا منِّي تعيشوا، ألا لا تَظلموا، ألا لا تَظلموا، ألا لا تَظلموا، إنَّه لا يحلُّ مالُ امرئٍ مسلمٍ إلاَّ عن طيبِ نفسٍ منه» (^٤).
وفي " الصحيحين " (^٥) عن ابنِ عمر، عن النَّبيِّ - ﷺ - أنَّه قال: «الظلمُ ظُلُماتٌ يوم القيامة».
وفيهما (^٦) عن أبي موسى، عن النَّبيِّ - ﷺ -، قال: «إنَّ اللهَ لَيُملي للظَّالم حتَّى إذا أخَذَه لم يُفْلِته»، ثم قرأ: ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ﴾ (^٧). وفي " صحيح البخاري " (^٨) عن أبي هريرة، عن النَّبيِّ - ﷺ -، قال: «من كانت عنده مظلمة لأخيه، فليتحلَّلْهُ
_________________
(١) لقمان: ١٣.
(٢) البقرة: ٢٥٤.
(٣) أخرجه: ابن أبي شيبة (٣٧١٦٤)، وأحمد ٥/ ٣٧ و٣٩ و٤٩، والدارمي (١٩١٦)، والبخاري ١/ ٢٦ (٦٧) و١/ ٣٨ (١٠٥) و٢/ ٢١٦ (١٧٤١) و٥/ ٢٢٤ (٤٤٠٦) و٧/ ١٣٠ (٥٥٥٠)، ومسلم ٥/ ١٠٧ - ١٠٨ (١٦٧٩) (٢٩) و(٣٠) و(٣١)، والبزار (٣٦١٧)، وابن الجارود (٨٣٣)، والنسائي في " الكبرى " (٤٠٩٢) و(٤٠٩٣) و(٥٨٥٠) من حديث أبي بكرة، به مرفوعًا. …
(٤) أخرجه: أحمد ٥/ ٧٢ من طريق أبي حرّة الرقاشي، عن عمه. وفي إسناده علي بن زيد بن جدعان وهو ضعيف. انظر: تهذيب الكمال ٥/ ٢٤٨ - ٢٤٩ (٤٦٥٩) وجزء الحديث = = … الأخير: «لا يحل مال امرئ مسلم إلاّ عن طيب نفس» صحيح ورد من حديث جماعة من الصحابة. انظر: إرواء الغليل ٥/ ٢٧٩ - ٢٨٢.
(٥) صحيح البخاري ٣/ ١٦٩ (٢٤٤٧)، وصحيح مسلم ٨/ ١٨ (٢٥٧٩) (٥٧).
(٦) صحيح البخاري ٦/ ٩٣ - ٩٤ (٤٦٨٦)، وصحيح مسلم ٨/ ١٩ (٢٥٨٣) (٦١).
(٧) هود: ١٠٢.
(٨) الصحيح ٣/ ١٧٠ (٢٤٤٩) و٨/ ١٣٨ (٦٥٣٤).
[ ٥١٥ ]
منها، فإنَّه ليسَ ثَمَّ دينارٌ ولا درهمٌ مِنْ قبل أنْ يُؤخَذ لأخيه من حسناته، فإنْ لم يكن له حسناتٌ أُخِذَ مِنْ سَيِّئات أخيه فطُرِحت عليه».
قوله: «يا عبادي، كلُّكُم ضالٌّ إلاَّ من هديتُه، فاستهدوني أهدِكم، يا عبادِي، كُلُّكم جائعٌ إلاَّ من أطعمتُه، فاستطعموني أطعمكم، يا عبادي، كلُّكم عارٍ إلاَّ من كَسوتُهُ، فاستكسوني أكسكُم، يا عبادي إنَّكم تُخطئون باللَّيل … والنَّهار، وأنا أغفرُ الذُّنوب جَميعًا، فاستغفروني أغفر لكم».
هذا يقتضي أنَّ جميعَ الخلق مُفتقرون إلى الله تعالى في جلب مصالحهم، ودفع مضارِّهم في أمور دينهم ودُنياهم، وإنَّ العباد لا يملِكُون لأنفسهم شيئًا مِنْ ذلك كلِّه،
وإنَّ مَنْ لم يتفضَّل اللهُ عليه بالهدى والرزق، فإنَّه يُحرمهما في الدنيا، ومن لم يتفضَّل اللهُ عليه بمغفرة ذنوبه، أوْبَقَتْهُ خطاياه في الآخرة.
قال الله تعالى: ﴿مَنْ يَهْدِ اللهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا﴾ (^١)، ومثل هذا كثيرٌ في القرآن، وقال تعالى: ﴿مَا يَفْتَحِ اللهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ﴾ (^٢)، وقال: ﴿إِنَّ اللهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾ (^٣)، وقال: ﴿فَابْتَغُوا عِنْدَ اللهِ الرِّزْقَ … وَاعْبُدُوهُ﴾ (^٤)، وقال: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الأَرْضِ إِلاَّ عَلَى اللهِ رِزْقُهَا﴾ (^٥).
وقال تعالى حاكيًا عن آدم وزوجه أنَّهما قالا: ﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ (^٦)، وعن نوح ﵊ أنَّه قال: ﴿وإلاَّ تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُنْ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ (^٧).
وقد استدلَّ إبراهيمُ الخليلُ - ﵇ - بتفرُّد الله بهذه الأمور على أنَّه لا إله غيره، وإنَّ كلَّ ما أشرك معه، فباطل، فقال لقومه: ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمُ الأَقْدَمُونَ فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إلاَّ رَبَّ الْعَالَمِينَ الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ﴾ (^٨)، فإنَّ من تفرَّد بخلق العبد وبهدايته وبرزقه وإحيائه وإماتته في الدنيا، وبمغفرة ذنوبه في الآخرة، مستحقٌّ أنْ يُفرَدَ بالإلهية
_________________
(١) الكهف: ١٧.
(٢) فاطر: ٢.
(٣) الذاريات: ٥٨.
(٤) العنكبوت: ١٧.
(٥) هود: ٦.
(٦) الأعراف: ٢٣.
(٧) هود: ٤٧.
(٨) الشعراء: ٧٥ - ٨٢.
[ ٥١٦ ]
والعبادة والسؤال والتضرُّع إليه، والاستكانة له. قال الله - ﷿ -: ﴿اللهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ
يُحْيِيكُمْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَفْعَلُ مِنْ ذَلِكُمْ مِنْ شَيْءٍ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ (^١).
وفي الحديث دليلٌ (^٢) على أنَّ اللهَ يحبُّ أنْ يسأله العبادُ جميعَ مصالح دينهم ودنياهم، مِنَ الطَّعام والشراب والكسوة وغير ذلك، كما يسألونه الهداية والمغفرة، وفي الحديث: «ليسأل أحدُكم ربَّه حاجته كلَّها حتى يسأله شِسعَ نعله إذا انقطع» (^٣).
وكان بعضُ السَّلف يسأل الله في صلاته كلَّ حوائجه حتّى ملحَ عجينه وعلفَ شاته. وفي الإسرائيليات: أنَّ موسى - ﵇ - قال: يا ربِّ إنَّه لتَعْرِضُ لي الحاجةُ من الدنيا، فأستحيي أنْ أسألك، قال: سلني حتى ملح عجينك وعلف حمارك.
فإنَّ كلَّ ما يحتاج العبد إليه إذا سأله من الله فقد أظهرَ حاجتَه فيه، وافتقاره إلى الله، وذلك يحبُّه الله، وكان بعضُ السَّلف يستحيي من الله أنْ يسأله شيئًا من مصالح … الدنيا، والاقتداءُ بالسُّنَّة أولى.
وقوله: «كُلُّكم ضالٌّ إلاَّ مَنْ هديتُه» قد ظنَّ بعضُهم أنَّه معارض لِحديث عياض بنِ حمار، عن النَّبيِّ - ﷺ -: «يقولُ اللهُ
- ﷿ -: خلقتُ عبادي حنفاء»، وفي روايةٍ: «مسلمين فاجتالتهم الشياطين» (^٤)
وليس كذلك، فإنَّ الله خلق بني آدم، وفطرهم على قبول الإسلام، والميل إليه دونَ غيره، والتهيؤ لذلك، والاستعداد له بالقوَّة، لكن لابدَّ للعبد من تعليم الإسلام بالفعل، فإنَّه قبل التعليم جاهلٌ لا يعلم شيئًا، كما قال - ﷿ -: ﴿وَاللهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لا تَعْلَمُونَ … شَيْئًا﴾ (^٥) وقال لنبيه - ﷺ -: ﴿وَوَجَدَكَ ضَالاًّ
_________________
(١) الروم: ٤٠.
(٢) سقطت من (ص).
(٣) تقدم تخريجه، وقال الترمذي: «غريب» أي ضعيف.
(٤) أخرجه: الطيالسي (١٠٧٩)، وعبد الرزاق (٢٠٠٨٨)، وأحمد ٤/ ١٦٢ و٢٦٦، ومسلم ٨/ ١٥٨ - ١٥٩ (٢٨٦٥) (٦٣) و(٦٤)، وابن حبان (٦٥٣) و(٦٥٤)، والطبراني في " الكبير " ١٧/ (٩٩٢) و(٩٩٣) و(٩٩٤) و(٩٩٥) و(٩٩٦) وفي " الأوسط " (٢٩٣٣) و(٢٩٥٤)، والبيهقي ٩/ ٢٠ من طرق عن مطرّف، عن عياض بن حمار، به.
(٥) النحل: ٧٨.
[ ٥١٧ ]
فَهَدَى﴾ (^١)، والمراد: وجدَك غيرَ عالمٍ بما علَّمك من الكتاب والحكمة (^٢)، كما قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلا الإِيمَانُ﴾ (^٣) فالإنسان يولد مفطورًا على قبول الحقِّ، فإنْ هداه الله سبَّب له من يعلمه الهدى، فصار مهتديًا بالفعل بعد أنْ كان مهتديًا بالقوَّة، وإنْ خذله الله، قيَّض له من يعلمه ما يُغير فطرته كما قال - ﷺ -: «كلُّ مولودٍ يُولد على الفطرة، فأبواه يهوِّدانه ويُنصرانه ويمجسانه» (^٤).
وأما سؤالُ المؤمن من الله الهداية، فإنَّ الهدايةَ نوعان: هداية مجملة: وهي الهدايةُ للإسلام والإيمان وهي حاصلة للمؤمن، وهدايةٌ مفصلة: وهي هدايته إلى معرفة
تفاصيلِ أجزاء الإيمان والإسلام، وإعانتُه على فعل ذلك، وهذا يحتاج إليه كلُّ مؤمن ليلًا ونهارًا، ولهذا أمر (^٥) الله عباده أنْ يقرؤوا في كُلِّ ركعةٍ من صلاتهم قوله: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ (^٦)، وكان النَّبيُّ - ﷺ - يقول في دعائه بالليلِ: «اهدني لما اختُلِفَ فيه من الحقِّ بإذنك، إنَّكَ تَهدي من تشاءُ إلى صراط … مستقيم» (^٧)، ولهذا يُشمت العاطس، فيقال له: «يرحمك الله» فيقول
: «يهديكم الله» كما جاءت السنة بذلك (^٨)،
وإنْ أنكره من أنكره من فقهاء العراق ظنًا منهم أنَّ المسلم لا يحتاج أنْ يُدعى له بالهُدى، وخالفهم جمهورُ العلماء
_________________
(١) الضحى: ٧.
(٢) انظر: تفسير القرطبي ٢٠/ ٩٨.
(٣) الشورى: ٥٢.
(٤) أخرجه: معمر في " جامعه " (٢٠٠٨٧)، وأحمد ٢/ ٢٥٣ و٢٧٥ و٢٨٢، والبخاري ٢/ ١١٨ (١٣٥٨)، ومسلم ٨/ ٥٢ (٢٦٥٨) (٢٢) و(٢٥)، والترمذي (٢١٣٨)، والآجري في " الشريعة ": ١٩٤، وابن حبان (١٢٨) و(١٣٠)، والخطيب في " تاريخه " ٣/ ٣٠٨، وأبو نعيم في " الحلية " ٩/ ٢٢٨ من حديث أبي هريرة، به.
(٥) في (ص): «أراد».
(٦) الفاتحة: ٦.
(٧) أخرجه: أحمد ٦/ ١٥٦، ومسلم ٢/ ١٨٥ (٧٧٠) (٢٠٠)، وأبو داود (٧٦٧)، وابن ماجه (١٣٥٧)، والترمذي (٣٤٢٠) من حديث عائشة، به.
(٨) أخرجه: الطيالسي (٥٩١)، وأحمد ٥/ ٤١٩ و٤٢٢، والدارمي (٢٦٦٢)، والنسائي في "عمل اليوم والليلة" (٢١٣)، والطبراني في " الكبير " (٤٠٠٩)، والحاكم ٤/ ٢٦٦، وأبو نعيم في "الحلية" ٧/ ١٦٣، والبغوي في "شرح السنة" (٣٣٤٢) من حديث أبي أيوب، به. وجاء من حديث أبي هريرة، وعلي بن أبي طالب، وعبد الله بن جعفر فالسنة ثابتةٌ بذلك.
[ ٥١٨ ]
اتِّباعًا للسنة في ذلك. وقد أمر النَّبيُّ - ﷺ - عليًا أنْ يسأل الله السداد والهدى (^١)، وعلَّم الحسن أنْ يقولَ في قُنوتِ الوتر: «اللهم اهدني فيمن هديت» (^٢).
وأما الاستغفارُ من الذنوب، فهو طلبُ المغفرة، والعبدُ أحوجُ شيءٍ إليه؛ لأنَّه يخطئ بالليل والنهار، وقد تكرَّر في القرآن ذكرُ التوبة والاستغفارِ، والأمرُ بهما، والحثُّ عليهما، وخرَّج الترمذي، وابنُ ماجه من حديث أنسٍ، عن النَّبيِّ - ﷺ -، قال: «كلُّ بني آدم خطَّاءٌ، وخيرُ الخطَّائين التَّوابون» (^٣).
وخرَّج البخاري من حديث أبي هريرة، عن النَّبيِّ - ﷺ - قال: «والله إني لأستغفر الله وأتوب إليه في اليوم أكثر من سبعين مرَّةً» (^٤)، وخرَّجه النَّسائي وابن ماجه، ولفظهما: «إني لأستغفر الله وأتوب إليه كلَّ يوم مئة مرَّةً» (^٥).
_________________
(١) أخرجه: الطيالسي (١٦١)، والحميدي (٥٢)، وأحمد ١/ ٨٨ و١٣٤ و١٣٨ و١٥٤، ومسلم ٨/ ٨٣ (٢٧٢٥) (٧٨)، وأبو داود (٤٢٢٥)، والنسائي ٨/ ١٧٧ و٢١٩ - ٢٢٠، وابن حبان (٩٩٨). من حديث علي - ﵁ -، به.
(٢) أخرجه: عبد الرزاق (٤٩٨٤)، وابن أبي شيبة (٦٨٨٩)، وأحمد ١/ ١٩٩ و٢٠٠، والدارمي (١٥٩١) و(١٥٩٣)، وأبو داود (١٤٢٥) و(١٤٢٦)، وابن ماجه
(٣) ، والترمذي (٤٦٤)، والنسائي ٣/ ٤٨، وفي "الكبرى"، له (١٤٤٢) وفي "فضائل القرآن"، له (١٢٦)، وابن الجارود (٢٧٢) و(٢٧٣)، وأبو يعلى (٦٧٥٩)، وابن خزيمة (١٠٩٥) و(١٠٩٦)، وابن حبان (٩٤٥)، والطبراني في " الكبير "
(٤) و(٢٧٠١) و(٢٧٠٢) و(٢٧٠٣) و(٢٧٠٤) و(٢٧٠٦) و(٢٧٠٧) و(٢٧٠٨) و(٢٧١٠) و(٢٧١١) و(٢٧١٣)، والحاكم ٣/ ١، والبيهقي ٢/ ٢٠٩، وقال الترمذي: «حديث حسن».
(٥) أخرجه: ابن ماجه (٤٢٥١)، والترمذي (٢٤٩٩)، وقال: «هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث علي بن مسعدة، عن قتادة»، وعلي بن مسعدة ضعيف عند التفرد وقد تفرد. وأخرجه: ابن أبي شيبة (٣٤٢١٦)، وأحمد ٣/ ١٩٨، وعبد بن حميد (١١٩٧)، والدارمي (٢٧٢٧)، وأبو يعلى (٢٩٢٢)، وابن عدي في " الكامل " ٦/ ٤٥٣، والحاكم ٤/ ٢٤٤ من طرق عن علي بن مسعدة الباهلي، عن قتادة، عن أنس، به.
(٦) أخرجه: البخاري ٨/ ٨٣ (٦٣٠٧). وأخرجه أيضًا: أحمد ٢/ ٢٨٢ و٣٤١، والترمذي (٣٢٥٩)، والنسائي في " عمل اليوم والليلة " (٤٣٥) و(٤٣٦) و(٤٣٩)، وابن حبان (٩٢٥)، وأبو نعيم في " الحلية " ٢/ ١٨٨، والبيهقي في " شعب الإيمان " (٦٣٨) و(٦٣٩)، والبغوي (١٢٨٥) من حديث أبي هريرة، به. …
(٧) أخرجه: ابن ماجه (٣٨١٥)، والنسائي في " عمل اليوم والليلة " (٤٣٤) و(٤٣٨). وأخرجه أيضًا: عبد الله بن المبارك في " الزهد " (١١٣٨)، وابن أبي شيبة (٢٩٤٤٢) و(٣٥٠٧١)، وأحمد ٢/ ٤٥٠، والترمذي عقيب (٣٢٥٩)، والنسائي في " التفسير "
(٨) ، والطبراني في " الدعاء " (١٨٢١)، والبيهقي في " شعب الإيمان " (٦٤٠)، والبغوي (١٢٨٦) من حديث أبي هريرة، به، وهو حديث صحيح.
[ ٥١٩ ]
وخرّج مسلم (^١) من حديث الأغرِّ المزني سمع النَّبيَّ - ﷺ - يقولُ: «يا أيُّها الناسُ توبوا إلى ربِّكم، فإنِّي أتوبُ إليه في اليوم مئة مرَّة»، وخرَّجه النَّسائي (^٢)، ولفظه: «يا أيُّها الناسُ توبوا إلى ربِّكم واستغفروه، فإنِّي أتوب إلى الله وأستغفره كلَّ يوم مئة مرَّة».
وخرَّج الإمامُ أحمد (^٣) من حديث حُذيفة قال: كان في لساني ذَرَبٌ
على أهلي لم أَعْدُهُ إلى غيرِه، فذكرتُ ذلك للنَّبيِّ - ﷺ -، فقال: «أين أنتَ
مِنَ الاستغفار يا حُذيفَةُ، إنِّي لأستغفرُ اللهَ كل يوم مئة مرَّة». ومن حديث أبي موسى، عن النَّبيِّ - ﷺ -، قال: «إنِّي لأستغفر الله كل يومٍ مئة مرّة وأتوب
إليه» (^٤).
وخرَّج النَّسائي (^٥) من حديث أبي موسى، قال: كنَّا جلوسًا، فجاء النَّبيُّ - ﷺ -، فقال: «ما أصبحت غداةً قط إلا استغفرتُ الله مئةَ مرَّة».
وخرَّج الإمام أحمد، وأبو داود (^٦)، والترمذي، والنَّسائي، وابن ماجه من
_________________
(١) في " صحيحه " ٨/ ٧٢ (٢٧٠٢) (٤١).
(٢) في " عمل اليوم والليلة " (٤٤٤) - (٤٤٧).
(٣) في " مسنده " ٥/ ٣٩٦ و٣٩٧، وإسناده ضعيف لجهالة أبي المغيرة عبيد الله بن أبي المغيرة إلاّ أنَّ جزؤه الأخير: «إني لأستغفر الله كل يوم مئة مرة» صحيح لغيره.
(٤) أخرجه: أحمد ٤/ ٤١٠، ومتن الحديث صحيح؛ لكن من حديث الأغر المزني، وهذا الإسناد معلول، بيان ذلك كله في كتابي " الجامع في العلل " يسر الله إتمامه وطبعه.
(٥) في " الكبرى " (١٠٢٧٤) المتن صحيح كما تقدم؛ لكن من حديث الأغر، وممن نص على أن رواية أبي موسى وهمٌ العقيلي في " الضعفاء " ٤/ ١٧٥، والمزي إذ قال: «المحفوظ حديث أبي بردة، عن الأغر المزني».
(٦) «وأبو داود» لم ترد في (ص).
[ ٥٢٠ ]
حديث ابنِ عمر، قال:
إنْ كنَّا لنُعدُّ لرسول الله - ﷺ - في المجلس الواحد مئة مرَّة يقول: «ربِّ اغفر لي وتُب عليَّ، إنَّك أنتَ التَّوَّابُ الرَّحيم» (^١).
وخرَّج النَّسائي (^٢) من حديث أبي هريرة، قال: لم أرَ أحدًا أكثرَ أنْ يقولَ: أستغفرُ اللهَ وأتوبُ إليه من رسول الله - ﷺ -.
وخرَّج الإمامُ أحمد (^٣) من حديث عائشة، عن النَّبيِّ - ﷺ - أنَّه كان يقول: … «اللهمَّ اجعلني مِنَ الذين إذا أحسنوا استبشروا، وإذا أساءوا استغفروا»، وسنذكر بقية الكلام في الاستغفار فيما بعد إنْ شاء الله تعالى.
وقوله: «يا عبادي، إنَّكم لن تبلُغوا ضَرِّي فتضرُّوني، ولن تبلغوا نفعي
فتنفعوني» يعني: أنَّ العباد لا يَقدِرُونَ أنْ يُوصِلُوا إلى الله نفعًا ولا ضرًّا، فإنَّ الله تعالى في نفسه غنيٌّ حميدٌ، لا حاجةَ له بطاعات العباد، ولا يعودُ نفعُها إليه، وإنَّما هُم ينتفعون بها، ولا يتضرَّرُ بمعاصيهم، وإنَّما هم يتضررون بها، قال الله تعالى: ﴿وَلا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لَنْ يَضُرُّوا اللهَ شَيْئًا﴾ (^٤). وقال: ﴿وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللهَ شَيْئًا﴾ (^٥).
وكان النَّبيُّ - ﷺ - يقول في خطبته: «ومَنْ يعصِ الله ورسولَه فقد غوى، ولا يضرُّ إلا نفسه ولا يضرُّ الله شيئًا» (^٦).
قال الله - ﷿ -: ﴿وَإِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ للهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَكَانَ اللهُ غَنِيًّا حَمِيدًا﴾ (^٧)، وقال حاكيًا عن موسى: ﴿وَقَالَ مُوسَى إِنْ تَكْفُرُوا أَنْتُمْ وَمَنْ فِي الأَرْضِ جَمِيعًا فَإِنَّ اللهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾ (^٨)، وقال: ﴿وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ (^٩)،
_________________
(١) أخرجه: أحمد ٢/ ٢١ و٦٧، وأبو داود (١٥١٦)، والترمذي (٣٤٣٤)، والنسائي في " عمل اليوم والليلة " (٤٥٨)، (٤٥٩)، وابن ماجه (٣٨١٤)، وقال الترمذي : «حسن صحيح غريب».
(٢) في " عمل اليوم والليلة " (٤٥٤)، وهو حديث قويٌّ.
(٣) أخرجه: أحمد ٦/ ١٢٩ و١٤٥ و١٨٨ و٢٣٩، وإسناده ضعيف لضعف علي بن زيد بن جدعان.
(٤) آل عمران: ١٧٦.
(٥) آل عمران: ١٤٤.
(٦) أخرجه: أبو داود (١٠٩٧) و(٢١١٩)، والطبراني في " الكبير " (١٠٤٩٩)، والبيهقي ٣/ ٢١٥ من طرق عن أبي عياض، عن ابن مسعود، وأبو عياض هو المدني مجهول فالحديث ضعيف.
(٧) النساء: ١٣١.
(٨) إبراهيم: ٨.
(٩) آل عمران: ٩٧.
[ ٥٢١ ]
وقال: ﴿لَنْ يَنَالَ اللهَ لُحُومُهَا وَلا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ﴾ (^١).
والمعنى: أنَّه تعالى يُحبُّ من عباده أنْ يتَّقوهُ ويُطيعوه، كما أنَّه يكره منهم أنْ يَعْصُوه، ولهذا يفرح بتوبة التائبين أشدَّ من فرح من ضَلَّتْ راحلته التي عليها طعامُه وشرابُه بفلاةٍ مِنَ الأرض، وطلبها حتى أعيى وأيِسَ منها، واستسلم للموت، وأيس من الحياة، ثم غلبته عينُه فنام، فاستيقظ وهي قائمةٌ عنده، وهذا أعلى ما يتصوره المخلوقُ من الفرح، هذا كلُّه مع غناه عن طاعات عباده وتوباتهم إليه، وإنَّه إنَّما يعودُ نفعُهَا إليهم دونه، ولكن هذا من كمال جوده وإحسّانه إلى عباده، ومحبته لنفعهم، ودفع الضَّرر عنهم، فهو يُحِبُّ من عباده أنْ يعرفوه ويحبُّوه ويخافوه ويتَّقوه ويطيعوه ويتقرَّبوا إليه، ويُحِبُّ أنْ يعلموا أنَّه لا يغفر الذنوب غيره، وأنَّه قادرٌ على مغفرة ذنوب عباده، كما في رواية عبد الرحمان بن غَنْم، عن أبي ذرٍّ لهذا الحديث: «من علم منكم أنِّي ذو قُدرةٍ على المغفرة، ثم استغفرني، غفرت له ولا أبالي».
وفي " الصحيح " (^٢) عن النَّبيِّ - ﷺ -: «أنَّ عبدًا أذنب ذنبًا، فقال: يا ربّ، إنِّي عملتُ
ذنبًا، فاغفر لي، فقالَ الله: علم عبدي أنَّ لهُ ربًا يغفر الذنب ويأخذ بالذنب، قد غفرتُ لعبدي». وفي حديث عليِّ بن أبي طالب، عن النَّبيِّ - ﷺ -: أنَّه لمَّا ركب دابَّته، حَمِدَ اللهَ ثلاثًا، وكبَّر ثلاثًا، وقال: «سبحانك إني ظلمتُ نفسي، فاغفر لي، فإنَّه لا يغفر الذنوبَ إلاَّ أنت، ثمَّ ضحك، وقال: إنَّ ربَّك ليعجَبُ مِنْ عبده إذا قال: ربِّ اغفر لي ذنوبي، يعلم أنَّه لا يغفرُ الذُّنوبَ غيري»، خرَّجه الإمامُ أحمد والترمذي وصححه (^٣).
وفي الصحيح (^٤) عن النَّبيِّ - ﷺ -، قال: «والله للهُ أرحمُ بعباده من الوالدةِ بولدِها».
كان بعضُ أصحاب ذي النون يطوفُ وينادي: آه أين قلبي، من وجد قلبي؟ فدخل يومًا بعضَ السكك، فوجد صبيًا يبكي وأمه تضرِبهُ، ثُمَّ أخرجته من الدار،
_________________
(١) الحج: ٣٧.
(٢) أخرجه: البخاري ٩/ ١٧٨ (٧٥٠٧)، ومسلم ٨/ ٩٩ (٢٧٥٨) (٢٩) و(٣٠). …
(٣) أخرجه: أحمد ١/ ٩٧ و١١٥ و١٢٨، والترمذي (٣٤٤٦).
(٤) أخرجه: البخاري ٨/ ٩ (٥٩٩٩)، ومسلم ٨/ ٩٧ (٢٧٥٤) (٢٢) من طريق زيد بن أسلم، عن أبيه، عن عمر بن الخطاب، به.
[ ٥٢٢ ]
وأغلقت البابَ دونه، فجعل الصبيُّ يتلفَّتُ يمينًا وشمالًا لا يدري أين يذهب ولا أين
يقصِدُ، فرجع إلى باب الدار، فجعلَ يبكي ويقول: يا أماه من يَفْتَحُ لي الباب إذا أغلقت عني بابَك؟ ومن يُدنيني من نفسه إذا طردتيني؟ ومن الذي يدنيني بعد أنْ غضبت عليَّ؟ فرحمته أمُّه، فقامت، فنظرت من خَلَلِ الباب، فوجدت ولدها تجري الدموعُ على خديه متمعِّكًا في التراب، ففتحت البابَ، وأخذته حتى وضعته في حجرها، وجعلت تُقبِّله، وتقول: يا قُرَّة عيني، ويا عزيز نفسي، أنتَ الذي
حملتني على نفسك، وأنتَ الذي تعرَّضت لما حلَّ بك، لو كنتَ أطعتني لم تلقَ مني مكروهًا، فتواجد الفتى، ثم قام، فصاح، وقال: قد وجدتُ قلبي، قد وجدتُ قلبي.
وتفكروا في قوله: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ اللهُ﴾ (^١)، فإنَّ فيه إشارةً إلى أنَّ المذنبين ليس لهم من يلجؤون إليه، ويُعوِّلون عليه في مغفرة ذنوبهم غيره، وكذلك قوله في حقِّ الثلاثة الذين خُلِّفوا: ﴿حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لا مَلْجَأَ مِنَ اللهِ إِلاَّ إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ (^٢)، فرتَّب توبته عليهم على ظنِّهم أنْ لا ملجأ من الله إلا إليه، فإنَّ العبدَ إذا خاف من مخلوقٍ، هرب منه، وفرَّ إلى غيره، وأمَّا من خاف من الله، فما له منْ ملجأ يلجأُ إليه، ولا مهرب يهربُ إليه إلاَّ هو، فيهرُب منه إليه، كما كان النَّبيُّ - ﷺ - يقول في دعائه: «لا ملجأ، ولا مَنجَا منك إلاَّ إليك» (^٣) وكان يقول: «أعوذُ برضاكَ مِنْ سَخَطِك، وبعفوك من عقوبتك، وبِكَ منكَ» (^٤).
_________________
(١) آل عمران: ١٣٥.
(٢) التوبة: ١١٨.
(٣) أخرجه: معمر في " جامعه " (١٩٨٢٩)، والطيالسي (٧٤٤)، والحميدي (٧٢٣)، وابن أبي شيبة (٢٦٥٢٦) و(٢٩٢٩٤)، وأحمد ٤/ ٢٨٥ و٢٩٠ و٢٩٣ و٣٠٠، والدارمي (٢٦٨٣)، والبخاري ١/ ٧١ (٢٤٧) و٨/ ٨٥ (٦٣١٣) و٩/ ١٧٤
(٤) ، ومسلم ٨/ ٧٧ (٢٧١٠) (٥٦) و(٥٧)، والنسائي في " الكبرى "
(٥) و(١٠٦١٠) و(١٠٦١١) و(١٠٦١٢) و(١٠٦١٣) و(١٠٦١٦) و(١٠٦١٧) و(١٠٦١٨) و(١٠٦١٩) من طرق عن البراء بن عازب، به. …
(٦) أخرجه: مالك في " الموطأ " (٥٧١) برواية يحيى الليثي، وعبد الرزاق (٢٨٨١) و(٢٨٨٣) و(٢٨٩٨)، وإسحاق بن راهويه (٥٤٤)، وأحمد ٦/ ٥٨ و٢٠١، ومسلم ٢/ ٥١ (٤٨٦) (٢٢٢)، وأبو داود (٨٧٩)، وابن ماجه (٣٨٤١)، والترمذي
(٧) ، والنسائي ١/ ١٠٢ - ١٠٣ و٢/ ٢١٠ و٢٢٢ - ٢٢٣ و٨/ ٢٨٣، وفي " الكبرى "، له (٧١٠) و(٧١٥) و(٢٩٠٩) و(٨٩١٠) من حديث عائشة، به. …
[ ٥٢٣ ]
قال الفضيلُ بنُ عياض ﵀: ما مِنْ ليلةٍ اختلط ظلامُها، وأرخى اللَّيلُ سِربالَ سَترها، إلاَّ نادى الجليلُ - ﷻ -: مَنْ أعظمُ منِّي جودًا، والخلائق لي عاصون، وأنا لهم مراقبٌ، أكلؤهم في مضاجعهم، كأنَّهم لم يعصوني، وأتولَّى حفظَهم، كأنَّهم لم يُذنبوا فيما بيني وبينهم، أجودُ بالفضل على العاصي، وأتفضَّلُ على المسيءِ،
مَنْ ذا الذي دعاني فلم أُلبِّه؟ أم مَنْ ذا الذي سألني فلم أعطِه؟ أم من الذي أناخ ببابي فنحَّيتُه؟ أنا الفضلُ، ومنِّي الفضل، أنا الجوادُ، ومنِّي الجودُ، أنا … الكريمُ، ومنِّي الكرمُ، ومن كرمي أنْ أغفرَ للعاصين بعد المعاصي (^١)، ومن كرمي أنْ أُعطي العبد ما سألني، وأُعطيه ما لم يسألني، ومن كرمي أنْ أُعطي التَّائبَ كأنَّه لم يعصني، فأين عني يهرُبُ الخلائقُ؟ وأين عن بابي يتنحَّى العاصون (^٢)؟ خرَّجه أبو نعيم (^٣).
ولبعضهم في المعنى:
أسأتُ ولم أُحْسِنْ وجئتُكَ تائبًا … وأنَّى لِعَبْدٍ عن مواليه مَهْرَبُ
يُؤَمِّلُ غُفَرانًا فإنْ خَابَ ظَنُّه … فما أَحَدٌ منه على الأرضِ أخيبُ
فقوله بعد هذا: «يا عبادي، لو أنَّ أوَّلكم وآخرَكُم وإنسكم وجِنَّكم كانوا على أتقى قلبِ رجلٍ واحدٍ منكم، ما زاد ذلك في مُلكي شيئًا، ولو كانوا على أفجر قلبِ رجلٍ منكم، ما نقص ذلك من مُلكي شيئًا»: هو إشارةٌ إلى أنَّ مُلكه لا يزيدُ بطاعة الخلق، ولو كانوا كلُّهم بررةً أتقياءَ، قلوبُهم على قلب أتقى رجلٍ منهم، ولا يَنْقُصُ مُلكُهُ بمعصية العاصين، ولو كان الجنُّ والإنسُ كلُّهم عصاةً فجرةً قلوبُهم على قلبِ أفجرِ رجلٍ منهم، فإنَّه سبحانه الغنيُّ بذاته عمَّن سواه، وله الكمالُ المطلق في ذاته وصفاته وأفعاله، فَمُلكُهُ ملكٌ كاملٌ لا نقص فيه بوجه من الوجوه على أيِّ وجهٍ كان.
ومِنَ النَّاس مَنْ قال: إنَّ إيجاده لخلقِه على هذا الوجه الموجود أكملُ من إيجاده
_________________
(١) «بعد المعاصي» سقطت من (ص).
(٢) في (ص): «يستحي العاملون».
(٣) أخرجه: أبو نعيم في " الحلية " ٨/ ٩٢ - ٩٣.
[ ٥٢٤ ]
على غيره، وهو خيرٌ من وجوده على غيره، وما فيه من الشَّرِّ، فهو شرٌّ إضافيٌّ نسبيٌّ بالنسبة إلى بعض الأشياء دونَ بعض، وليس شَرًَّا مطلقًا، بحيث يكونُ عدمُه خيرًا من وجوده من كلِّ وجه، بل وجودُه خيرٌ من عدمه، قال: وهذا معنى قوله: «بيده الخيرُ» (^١) ومعنى قول النَّبيِّ - ﷺ -: «والشَّرُّ ليس إليك» (^٢)
يعني: أنَّ الشَّرَّ المحضَ الذي عدمه خيرٌ من وجوده ليس موجودًا في ملككَ، فإنَّ الله تعالى أوجد خلقه على ما تقتضيه حكمته وعدله، وخصَّ قومًا من خلقه بالفضل، وترك آخرينَ منهم في العدل، لما له في ذلك من الحكمة البالغة.
وهذا فيه نظرٌ، وهو يُخالِفُ ما في الحديث مِنْ أنَّ جميعَ الخلق لو كانوا على صفةِ أكمل خلقه من البرِّ والتقوى، لم يزد ذلك ملكه شيئًا، ولا قدر جناح بعوضة، ولو كانوا على صفة أنقصِ
خلقه من الفجور، لم ينقص ذلك من ملكه شيئًا، فدلَّ على أنَّ ملكه كاملٌ على أيِّ وجهٍ كان لا يزداد ولا يكمل بالطاعات، ولا يَنقُصُ بالمعاصي، ولا يؤثِّرُ فيه شيء.
وفي هذا الكلام دليلٌ على أنَّ الأصل في التَّقوى والفجور هو القلبُ، فإذا برَّ القلبُ واتَّقي برَّت الجوارحُ، وإذا فجر القلب، فجرت الجوارحُ، كما قال النَّبيُّ - ﷺ -: «التقوى هاهنا»، وأشار إلى صدره (^٣).
قوله: «يا عبادي، لو أنَّ أوَّلكم وآخركم وإنسَكُم وجنَّكم قاموا في صعيدٍ
_________________
(١) جزء من حديث طويل، أخرجه: الطيالسي (١٢)، وأحمد ١/ ٤٧، وعبد بن حميد
(٢) ، والدارمي (٢٦٩٥)، وابن ماجه (٢٢٣٥)، والترمذي (٣٤٢٨) من حديث عمر بن الخطاب، به.
(٣) أخرجه: مسلم ٢/ ٨٥ (٧٧١) (٢٠١)، وأبو داود (٧٦٠)، والترمذي (٣٤٢٢)، والنسائي ٢/ ١٢٩ - ١٣٠، وابن الجارود (١٧٩) من طرق عن عبيد الله بن أبي رافع، عن علي بن أبي طالب، به. قال النووي - ﵀ -: «وأما قوله: «والشر ليس إليك» مما يجب تأويله؛ لأن مذهب أهل الحق أن كل المحدثات فعل الله تعالى وخلقه، سواء خيرها وشرها، وحينئذ يجب تأويله وفيه خمسة أقوال»، ثم قال ﵀: «والرابع: معناه والشر ليس شرًا بالنسبة إليك فإنك خلقته بحكمة بالغة، وإنما هو شر بالنسبة للمخلوقين …». شرح صحيح مسلم ٣/ ٢٥٢ - ٢٥٣. …
(٤) أخرجه: أحمد ٢/ ٢٧٧، ومسلم ٨/ ١٠ - ١١ (٢٥٦٤) (٣٢)، والبيهقي في " شعب الإيمان " (١١١٥١) من طريق عبد الله بن عامر بن كريز، عن أبي هريرة، به.
[ ٥٢٥ ]
واحدٍ، فسألوني، فأعطيتُ كُلَّ إنسانٍ مسألته، ما نقصَ ذلك ممَّا عندي إلاَّ كما ينقصُ المِخْيَطُ إذا أُدخِلَ البحرَ» المرادُ بهذا ذكرُ كمال (^١) قدرته سبحانه، وكمال ملكه، وإنَّ مُلكَهُ وخزائنَه لا تَنفَدُ، ولا تَنقُصُ بالعطاء، ولو أعطى الأوَّلين والآخرين من الجنِّ والإنس جميعَ ما سألوه في مقامٍ واحدٍ، وفي ذلك حثٌّ للخلق على سؤالِه وإنزالِ حوائجهم به، وفي " الصحيحين " (^٢) عن أبي هريرة، عن النَّبيِّ - ﷺ -، قال:
«يَدُ الله ملأى، لا تَغِيضُها نفقةٌ، سحَّاءُ الليلَ والنهارَ (^٣)، أفرأيتم ما أنفقَ منذ خلق السماوات والأرض؟ فإنَّه لم يَغِضْ ما في يَمينه».
وفي " صحيح مسلم " (^٤) عن أبي هريرة، عن النَّبيِّ - ﷺ -، قال: «إذا دعا أحدُكم، فلا يَقُل: اللهمَّ اغفر لي إنْ شئتَ، ولكن ليعزم المسألةَ، وليُعَظِّم الرَّغبةَ، فإنَّ الله لا يتعاظمُهُ شيءٌ».
وقال أبو سعيدٍ الخدريُّ: إذا دعوتُم الله، فارفعوا في المسألة، فإنَّ ما عنده لا يَنْفَدُه شيء، وإذا دعوتم فاعزموا، فإنَّ الله لا مستكره له.
وفي بعض الآثار الإسرائيلية: يقول الله - ﷿ -: أيُؤَمَّلُ غيري للشدائد والشدائد بيدي وأنا الحيُّ القيُّوم؟ ويُرجى غيري، ويُطرق بابُه بالبكرات، وبيدي مفاتيحُ الخزائنِ، وبابي مفتوحٌ لمن دعاني؟ من ذا الذي أمَّلني لنائبة فقطعت به؟ أو مَنْ ذا الذي رجاني لعظيمٍ، فقطعت رجاءه؟ أو مَنْ ذا الذي طرق بابي، فلم أفتحه له؟ أنا غايةُ الآمالِ، فكيف تنقطعُ الآمالُ دوني؟ أبخيلٌ أنا فيبخِّلُني عبدي؟ أليس الدُّنيا والآخرة والكرم والفضلُ كُلُّه لي؟ فما يمنع المؤمَّلين أنْ يؤمِّلوني؟ لو جمعتُ أهل السماوات والأرض، ثم أعطيتُ كلَّ واحدٍ منهم ما أعطيتُ الجميعَ، وبلَّغْت كلَّ واحدٍ منهم أملَه، لم يَنقُصْ ذلك مِنْ مُلكي عضو ذرَّةٍ، كيف يَنقُصُ ملكٌ أنا قَيِّمُه؟ فيا بؤسًا للقانطين من رحمتي، ويا بؤسًا لمن عصاني وتوثَّب على محارمي (^٥).
_________________
(١) «كمال» لم ترد في (ص).
(٢) صحيح البخاري ٦/ ٩٢ (٤٦٨٤) و٩/ ١٥٠ (٧٤١١) و٩/ ١٥٢ (٧٤١٩)، وصحيح مسلم ٣/ ٧٧ (٩٩٣) (٣٦) و(٣٧).
(٣) قال الحافظ ابن حجر في الفتح عقيب (٤٦٨٤): «الليل والنهار بالنصب على الظرفية».
(٤) الصحيح ٨/ ٦٤ (٢٦٧٩) (٨).
(٥) أخرجه: أبو نعيم في " الحلية " ١٠/ ١٨٧، والبيهقي في " شعب الإيمان " (١٠٨٧) من قول يزيد بن هارون نقلًا عن بعض كتب من سبق.
[ ٥٢٦ ]
قوله: «لم ينقص ذلك ممَّا عندي إلاَّ كما يَنقُصُ المِخيَطُ إذا أدخل البحر» تحقيق لأنَّ ما عنده لا ينقُصُ البتَّة، كما قال تعالى: ﴿مَا عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَمَا عِنْدَ
اللهِ بَاقٍ﴾ (^١)، فإنَّ البحرَ إذا غُمِسَ فيه إبرةٌ، ثم أُخرجتْ، لم ينقص من البحر بذلك شيءٌ، وكذلك لو فرض أنَّه شرب منه عصفورٌ مثلًا، فإنَّه لا ينقص البحر البتة، ولهذا ضربَ الخضرُ لموسى ﵉ هذا المثل في نسبة علمهما إلى علم الله - ﷿ - (^٢)، وهذا لأنَّ البحر لا يزال تمدُّهُ مياه الدُّنيا وأنهارُها الجاريةُ، فمهما أُخِذَ منه، لم يَنْقُصْهُ شيءٌ؛ لأنَّه يمدُّه ما هو أزيدُ ممَّا أخذ منه، وهكذا طعامُ الجنَّة وما فيها، فإنَّه لا ينفدُ، كما قال تعالى: ﴿وَفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ لا مَقْطُوعَةٍ وَلا مَمْنُوعَةٍ﴾ (^٣)، وقد جاء: «أنَّه كلَّما نُزِعت ثمرةٌ، عاد مكانها مثلُها» وروي: «مثلاها» (^٤)، فهي لا تنقُصُ أبدًا ويشهد لذلك قولُ النَّبيِّ - ﷺ - في خطبة الكسوف: «وأريتُ الجنَّة، فتناولتُ منها عنقودًا، ولو أخذتُه لأكلتُم منه ما بَقِيَتِ الدُّنيا» خرَّجاه في " الصحيحين " من حديث ابن عباس (^٥)، وخرَّجه الإمام أحمد من حديث جابرٍ، ولفظه: «ولو أتيتكم به لأكل منه مَنْ بينَ السَّماء والأرض، لا يَنقصُونَه شيئًا» (^٦).
_________________
(١) النحل: ٩٦.
(٢) وهو معنى من حديث طويل وفيه: «… قال: وجاء عصفور، فوقع على حرف السفينة، فنقر بمنقاره في البحر، فقال الخضر لموسى: ما نقص علمي وعلمك من علم الله إلا مثل ما نقص هذا العصفور بمنقاره من البحر …» اللفظ لابن حبان. أخرجه: الحميدي (٣٧١)، وأحمد ٥/ ١١٧ - ١١٨، والبخاري ١/ ٤١ (١٢٢) و٤/ ١٨٨ (٣٤٠١) و٦/ ١١٠ (٤٧٢٥) و٦/ ١١٥ (٤٧٢٧)، ومسلم ٧/ ١٠٣ - ١٠٤ (٢٣٨٠) (٢٧٠)، والترمذي (٣١٤٩)، والنسائي في "الكبرى" (١١٣٠٨)، والطبري في " تفسيره " (١٧٤٩٣)، وابن حبان (٦٢٢٠)، والحاكم ٢/ ٣٦٩، والبيهقي في " الأسماء والصفات " ١٤٤ - ١٤٦ من طرق عن ابن عباس، عن أبي بن كعب، به.
(٣) الواقعة: ٣٢ - ٣٣.
(٤) أخرجه: الطبراني في " الكبير " (١٤٤٩)، وعزاه الهيثمي في " مجمع الزوائد " ١٠/ ٤١٤ للبزار أيضًا. وضعفه بسبب عباد بن منصور. انظر: تهذيب الكمال ٤/ ٥٥ (٣٠٨١).
(٥) أخرجه: البخاري ١/ ١٩٠ (٧٤٨) و٢/ ٤٥ (١٠٥٢)، ومسلم ٣/ ٣٣ - ٣٤ (٩٠٧) … (١٧).
(٦) المسند ٣/ ٣٥٢ - ٣٥٣ و٥/ ١٣٧ من طريق عبد الله بن محمد بن عقيل، عن جابر بن عبد الله، به، وعبد الله بن محمد بن عقيل ضعيف عند التفرد، وقد تفرد.
[ ٥٢٧ ]
وهكذا لحمُ الطَّيرِ الذي يأكلُه أهل الجنَّة يستخلف ويعودُ كما كان حيًا لا ينقص منه شيءٌ، وقد روي هذا عن النَّبيِّ - ﷺ - من وجوهٍ فيها ضعفٌ (^١)، وقاله كعبٌ. وروي أيضًا عن أبي أمامة الباهلي من قوله، قال أبو أمامة: وكذلك الشرابُ يشرب حتى ينتهي نفَسُه، ثم يعودُ مكانَه. ورؤي بعض العلماء الصالحين بعدَ موته بمدَّة في المنام فقال: ما أكلتُ منذ فارقتكم إلاَّ بعضَ فرخٍ، أما علمتم أنَّ طعامَ الجنَّة لا ينفَدُ؟ (^٢)
وقد بيَّن في الحديث الذي خرَّجه الترمذيُّ وابنُ ماجَه السبب الذي لأجله لا ينقصُ ما عندَ الله بالعطاء بقولِهِ: «ذَلِكَ بأنِّي جوادٌ واجدٌ ماجدٌ، أفعلُ ما أُريدُ، عطائي كلامٌ، وعذابي كلامٌ، إنَّما أمري لشيءٍ إذا أردتُ أنْ أقولَ له: … كن فيكون» (^٣) وهذا مثلُ قوله - ﷿ -: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ (^٤)، وقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ
فَيَكُونُ﴾ (^٥).
في " مسند البزار " بإسناد فيه نظرٌ من حديث أبي هريرة، عن النَّبيِّ - ﷺ - قال:
«خزائنُ اللهِ الكلامُ، فإذا أراد شيئًا، قال له: كن، فكان» (^٦)، فهو سبحانه إذا أراد شيئًا من عطاءٍ أو عذابٍ أو غير ذلك، قال له: كن، فكان، فكيف يتصوَّرُ أنْ يَنقُصَ هذا؟ وكذلك إذا أراد أنْ يخلُق شيئًا، قال له: كن، فيكون، كما قال: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ
فَيَكُونُ﴾ (^٧).
وفي بعض الآثار الإسرائيلية: أوحى الله تعالى إلى موسى - ﵇ -: يا موسى لا تخافنَّ غيري ما دام ليَ السُّلطان، وسلطاني دائمٌ لا ينقطعُ، يا موسى، لا تهتمَّنَّ
_________________
(١) أخرجه: ابن أبي شيبة (٣٣٩٦٦)، وأبو نعيم في " الحلية " ٦/ ٦٨.
(٢) ذكر هذه القصة ابن مفلح في " المقصد الأرشد في ذكر أصحاب الإمام أحمد " ١/ ١٦٧، عن أبي بكر بن عبد العزيز، قال: رأيت الخلال في المنام … فذكر القصة.
(٣) سبق تخريجه.
(٤) يس: ٨٢.
(٥) النحل: ٤٠.
(٦) لم أجده في المطبوع من " مسند البزار "، ولا في " كشف الأستار "، وقد عزاه ابن كثير في " تفسيره ": ١٠٤٤ للبزار، وقد أخرجه: أبو الشيخ في " العظمة " (١٥٧). والنظر الذي في إسناده بسبب أغلب بن تميم ضعيف، والرواي عنه حبان بن أغلب ضعيف أيضًا.
(٧) آل عمران: ٥٩.
[ ٥٢٨ ]
برزقي أبدًا ما دامت خزائني مملوءةً، وخزائني مملوءةٌ لا تفنَى أبدًا، يا موسى لا تأنس بغيري ما وجدتَني أنيسًا لك، ومتى طلبتني وجدتني، يا موسى، لا تأمن مكري ما لم تَجُزِ الصِّراطَ إلى الجنة. وقال بعضهم:
لا تَخضَعَنَّ لِمخلُوقٍ على طَمَعٍ … فإنَّ ذَاكَ مُضِرٌّ مِنْكَ بالدِّينِ
واستَرْزِقِ الله مِمَّا في خَزَائِنِهِ … فإنَّما هيَ بَيْنَ الكَافِ والنُّونِ
وقوله: «يا عبادي، إنَّما هي أعمالُكُم أُحصيها لكم، ثم أُوَفِّيكُم إيَّاها» يعني: أنَّه سبحانه يُحصي أعمالَ عبادِه، ثمَّ يُوفيهم إياها بالجزاء عليها، وهذا كقوله: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ (^١)، وقوله: ﴿وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾ (^٢)، وقوله: ﴿يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ
نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا﴾ (^٣)، وقوله: ﴿يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللهُ جَميعًا فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا أَحْصَاهُ اللهُ وَنَسُوهُ﴾ (^٤).
وقوله: «ثم أُوَفِّيكُم إيَّاها» الظاهرُ أنَّ المرادَ توفيتُها يوم القيامة كما قال تعالى: ﴿وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ (^٥)، ويحتمل أنَّ المرادَ: أنَّه يوفي عبادَه جزاءَ أعمالِهم في الدُّنيا والآخرة كما في قوله: ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا … يُجْزَ بِهِ﴾ (^٦). وقد رُوي عنِ النَّبيِّ - ﷺ - أنَّه فسّر ذلك بأنَّ المؤمنين يُجازَوْن بسيِّئاتهم في الدُّنيا، وتدخر لهم حسناتُهم في الآخرة، فيوفَّوْن أجورها (^٧). وأما الكافر فإنَّه يعجل له في الدنيا ثواب حسناته، وتُدَّخر له سيئاته، فيعاقب بها في الآخرة. وتوفية الأعمال هي توفية جزائها من خيرٍ أو شرٍ، فالشرُّ يُجازى به مثلَه من غير زيادةٍ، إلاَّ أنْ يعفوَ الله عنه، والخيرُ تُضاعف الحسنة منه بعشر أمثالها إلى سبعِ مئةِ ضعفٍ إلى أضعافٍ كثيرةٍ لا يعلم قدرها إلا الله (^٨)، كما قال - ﷿ -: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ (^٩).
وقوله: «فمن وجد خيرًا، فليحمَدِ الله، ومن وجدَ غير ذلك، فلا يلومنَّ إلا
_________________
(١) الزلزلة: ٧ - ٨.
(٢) الكهف: ٤٩.
(٣) آل عمران: ٣٠.
(٤) المجادلة: ٦.
(٥) آل عمران: ١٨٥.
(٦) النساء: ١٢٣.
(٧) أخرجه: الطبري في " تفسيره " (٨٣٠١)، بمعناه.
(٨) أخرجه بمعناه: البخاري ١/ ١٧ (٤٢) من طريق همام، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله - ﷺ - «إذا أحسن أحدكم إسلامه فكل حسنة يعملها تكتب له بعشر أمثالها إلى سبعمئة ضعف وكل سيئة يعملها تكتب له بمثلها». …
(٩) الزمر: ١٠.
[ ٥٢٩ ]
نفسه» إشارةٌ إلى أنَّ الخيرَ كلَّه من الله فضلٌ منه على عبدِه، من غير استحقاقٍ له، والشرُّ كلُّه من عند ابنِ آدم من اتَّباع هوى نفسه، كما قال - ﷿ -: ﴿مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ﴾ (^١)،
وقال عليٌّ - ﵁ -: لا يرجونَّ عبدٌ إلا ربه، ولا يخافنَّ إلا ذنبه (^٢)، فالله سبحانه إذا أراد توفيقَ عبد وهدايته أعانه، ووفَّقه لطاعته، فكان ذلك فضلًا منه، وإذا أراد خِذلانَ عبدٍ، وكلَهُ إلى نفسه، وخلَّى بينَه وبينَها، فأغواهُ الشيطانُ لغفلته عن ذكرِ الله، واتَّبع هواه، وكان أمره فُرُطًا، وكان ذلك عدلًا منه، فإنَّ الحجَّةَ قائمةٌ على العبدِ بإنزالِ الكتاب، وإرسال الرسول، فما بقي لأحدٍ مِنَ النَّاس (^٣) على الله حجةٌ بعد الرُّسُلِ.
فقوله بعد هذا: «فمن وجد خيرًا، فليحمدِ الله، ومن وجدَ غيرَ ذلك،
فلا يلومنَّ إلاَّ نفسَه» إنْ كان المرادُ: مَنْ وجدَ ذلك في الدُّنيا، فإنَّه يكونُ
حينئذٍ مأمورًا بالحمد لله على ما وجده من جزاءِ الأعمال الصالحة الذي عجل له في الدُّنيا كما قال: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ
فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (^٤)،
ويكون مأمورًا بلوم نفسه على ما فَعَلَتْ من الذُّنوب التي وجد عاقبتها في الدنيا، كما قال تعالى: ﴿وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ (^٥)، فالمؤمن إذا أصابه في الدُّنيا بلاءٌ، رجع على نفسه باللوم، ودعاه ذلك إلى الرجوع إلى الله بالتوبة والاستغفار،
وفي " المسند " (^٦) و" سنن أبي داود " (^٧) عن النَّبيِّ - ﷺ - قال: «إنَّ المؤمنَ إذا أصابه سَقَمٌ، ثمَّ عافاه الله منه، كان كفَّارةً لما مضى مِنْ ذُنوبه، وموعظةً له فيما يستقبلُ من عمره، وإنَّ المنافق إذا مرض وعوفي، كان كالبعيرِ عَقَلَه أهلُه، وأطلقوه، لا يدري لِمَ عقلوه ولا لِمَ أطلقوه».
_________________
(١) النساء: ٧٩.
(٢) أخرجه: ابن أبي شيبة (٣٤٥٠٤)، والعدني في " الإيمان " (١٩) عن علي، موقوفًا.
(٣) «من الناس» سقطت من (ص).
(٤) النحل: ٩٧.
(٥) السجدة: ٢١.
(٦) ليس في المطبوع من " مسند الإمام أحمد " في طبعاته المتعددة، ولا في " المسند الجامع " ٨/ ٤٢ - ٤٣، ولا في " أطراف المسند "، ولا في " إتحاف المهرة "، ولا في "جامع المسانيد"= = … ٧/ ٥٢ - ٥٣، وقد عزاه لمسند الإمام الحافظ ابن حجر في " الإصابة " ٣/ ١٣١ (٤٤٣٦) على أنَّ الحديث ضعيف لجهالة أحد رواته.
(٧) السنن (٣٠٨٩).
[ ٥٣٠ ]
وقال سلمان الفارسي: إنَّ المسلمَ ليُبتلى، فيكون كفارةً لما مضى ومستعتبًا فيما بقي، وإنَّ الكافر يُبتلى، فمثله كمثل البعير أُطلِقَ، فلم يدر لما أطلق، وعقل، فلم يدر لم عُقِلَ؟ (^١)
وإنْ كان المرادُ من وجد خيرًا أو غيرَه في الآخرة، كان إخبارًا منه بأنَّ الذين يجدون الخيرَ في الآخرة يحمَدُونَ الله على ذلك، وأنَّ مَنْ وجدَ غير ذلك يلوم نفسه حين لا ينفعُهُ اللومُ، فيكونُ الكلام لفظه لفظُ الأمر، ومعناه الخبرُ، كقوله - ﷺ -: «مَنْ كَذَب عليَّ متعمدًا، فليتبوَّأ مقعده من النار» (^٢) والمعنى: أنَّ الكاذبَ عليه يتبوَّأ مقعده من النار.
وقد أخبر الله تعالى عن أهل الجنَّة أنَّهم يحمَدُون الله على ما رزقهم من فضله، فقال: ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الأَنْهَارُ وَقَالُوا الْحَمْدُ للهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدَانَا اللهُ﴾ (^٣)، وقال: ﴿وَقَالُوا الْحَمْدُ للهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ
الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاءُ﴾ (^٤)، وقال: ﴿وَقَالُوا الْحَمْدُ للهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ الَّذِي أَحَلَّنَا دَارَ الْمُقَامَةِ مِنْ فَضْلِهِ لا يَمَسُّنَا فِيهَا نَصَبٌ وَلا يَمَسُّنَا فِيهَا لُغُوبٌ﴾ (^٥)، وأخبر عن أهل النار أنَّهم يلومون أنفسهم، ويمقُتونها أشدَّ المقت، فقال تعالى: ﴿وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الأَمْرُ إِنَّ اللهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلاَّ أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ (^٦)، وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنَادَوْنَ لَمَقْتُ اللهِ أَكْبَرُ مِنْ مَقْتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ إِذْ تُدْعَوْنَ إِلَى الإيمَانِ فَتَكْفُرُونَ﴾ (^٧).
وقد كان السَّلفُ الصالح يجتهدون في الأعمال الصالحة؛ حذرًا من لوم النفس عندَ انقطاع الأعمال على التقصير. وفي " الترمذي " (^٨) عن أبي هريرة مرفوعًا:
_________________
(١) أخرجه: ابن أبي شيبة (١٠٨١٩)، والبيهقي في "شعب الإيمان" (٩٩١٣) عن عمار، به.
(٢) صحيح متواتر، وقد تقدم.
(٣) الأعراف: ٤٣.
(٤) الزمر: ٧٤.
(٥) فاطر: ٣٤ - ٣٥.
(٦) إبراهيم: ٢٢.
(٧) غافر: ١٠.
(٨) في " الجامع الكبير " (٢٤٠٣). وقال: «هذا حديث إنما نعرفه من هذا الوجه، ويحيى بن عبيد الله قد تكلم فيه شعبة، وهو يحيى بن عبيد الله بن موهب المدني».
[ ٥٣١ ]
«ما مِنْ مَيِّتٍ يموتُ إلاَّ ندم، إنْ كان محسنًا ندم على أنْ لا يكونَ ازداد، وإنْ كان مسيئًا ندم أنْ لا يكون استعتب».
وقيل لمسروق: لو قصرتَ عن بعض ما تصنع من الاجتهاد، فقال: والله لو أتاني آتٍ، فأخبرني أنْ لا يعذبني، لاجتهدت في العبادة، قيل: كيف ذاك؟ قال: حتى تَعْذِرني نفسي إنْ دخلت النار أنْ لا ألومها، أما بلغك في قول الله تعالى: … ﴿وَلا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ﴾ (^١) إنَّما لاموا أنفسهم حين صاروا إلى جهنَّمَ، فاعتنقتهم الزَّبانيةُ، وحيل بينهم وبين ما يشتهون، وانقطعت عنهم الأماني، ورفعت عنهم الرحمة، وأقبل كلُّ امرئٍ منهم يلومُ نفسَه (^٢).
وكان عامر بن عبد قيس يقول: والله لأجتهدنَّ، ثم والله لأجتهدنَّ، فإنْ نجوت فبرحمة الله، وإلاَّ لم ألم نفسي (^٣).
وكان زياد مولى ابن عياش يقول لابن المنكدر ولصفوانَ بن سُليم: الجدَّ الجدَّ والحذَرَ الحذَرَ، فإنْ يكن الأمرُ على ما نرجو، كان ما عمِلتُما فضلًا، وإلاَّ لم تلوما أنفسكما.
وكان مُطرِّف بن عبد الله يقول: اجتهدوا في العمل، فإنْ يكن الأمرُ كما نرجو من رحمة الله وعفوه، كانت لنا درجات في الجنَّة، وإنْ يكن الأمرُ شديدًا كما نخاف ونُحاذِرُ، لم نقل: ﴿رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا غَيْرَ الَّذِي كُنَّا … نَعْمَلُ﴾ (^٤)، نقول: قد عملنا فلم ينفعنا ذلك (^٥).
_________________
(١) القيامة: ٢.
(٢) أخرجه: ابن الجوزي في " صفة الصفوة " ٣/ ١٣.
(٣) أخرجه: أبو نعيم في " الحلية " ٢/ ٨٨.
(٤) فاطر: ٣٧.
(٥) أخرجه: ابن الجوزي في " صفة الصفوة " ٣/ ١١٩.
[ ٥٣٢ ]