والهجرة إلى الله ورسوله تقع على أمورٍ أحدها: الهجرة الأولى إلى الحبشة عندما آذى الكفارُ الصحابةَ. الثانية: هجرةٌ من مكَّة إلى المدينة. الثالثة: هجرة القبائل إلى رسول الله ﷺ؛ لتعلم الشرائع، ثم يرجعون إلى المواطن، فيعلِّمون قومهم. الرابعة: هجرةُ مَنْ أسلم من أهل مكة؛ ليأتيَ إلى رسول الله ﷺ، ثم يرجع إلى مكَّة. الخامسة: هجرةُ ما نهى الله عنه.
قال شيخُنا أبو الفتح: ومعنى الحديث، وحكمه: يتناول الجميع غير أنَّ السبب يقتضي أنَّ المراد بالحديث (١٩/ ظ) الهجرة من مكة إلى المدينة؛ لأنَّ مُهاجِر أُمِّ قيس هاجر من مكة إلى المدينة لا يريد بذلك فضيلة الهجرة، وإنَّما هاجر؛ ليتزوج أمَّ قيس،
_________________
(١) شرح النووي على مسلم (١٣/ ٥٤).
(٢) انظر: عمدة القاري، للعيني (١/ ٢٧) وفتح الباري لابن حجر (١/ ١٤).
(٣) صحيح مسلم (٥٣/ ١٠٠٦) عن أبي ذر.
[ ٣٣٥ ]
ولهذا خُصَّ في الحديث ذِكْرُ المرأة دون سائر الأعراض الدنيوية، ثمَّ أُتبِع بالدنيا. (^١)
وذكر النوويُّ سؤالًا: وهو كيف ذُكرت المرأةُ مع الدنيا مع أنها داخلةٌ فيها؟ فأجاب: أنَّه لا يلزم دخولها في هذه الصيغة؛ لأنَّ لفظة دنيا نكرة وهي لا تعمُّ في الإثبات، فلا يلزم دخول المرأة فيها. الثاني: أنَّه جاء أنَّ سبب هذا الحديث مهاجر أمِّ قيس. الثالث: أنَّه للتنبيه على زيادة التحذير. (^٢)
ثمَّ في رواية: "فمن كانت هجرتُه إلى الله ورسوله، فهجرتُه إلى الله ورسوله"، المقرَّر عند أهل العربية أنَّ الشرط والجزاء والمبتدأ والخبر يتغايرانِ، وهنا وقعَ الاتحادُ؟ وجوابه: أنَّ التقدير: فمن كانت هجرتُه إلى الله ورسوله نيَّةً (^٣) وقصدًا، فهجرتُه إلى الله ورسوله حُكْمًا وشرعًا. (^٤)
وفائدة التكرار، ولم (١٩/ و) يقل: فهجرتُه إليهما أدبٌ من النّبيِّ ﷺ؛ لئلَّا يجمع بين ذِكْر الله ورسوله.
فقد ورد الإنكارُ على الخطيب الذي قال: "من يُطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يَعصهما فقد غوى"، فقال له ﵇: "بئس الخطيب أنت". (^٥)