الحديث الأول
عن سُبَيعة الأسلمية: أنها كانت تحت سعد بن خولة وهو من بني عامر بن لؤي، وكان ممَّن شهد بدرًا فتوفي عنها في حجة الوداع وهي حامل، فلم تلبث أن وضعت حملها بعد وفاته، فلمَّا تعلت من نفاسها تجمَّلت للخُطَّاب، فدخل عليها أبو السنابل بن بَعْكَكٍ - رجل من بني عبد الدار - فقال لها: ما لي أراك متجمِّلة؟ لعلك ترجين النكاح، والله ما أنت بناكحٍ حتى تمرَّ عليك أربعة أشهرٍ وعشر، قالت سُبَيعة: فلمَّا قال لي ذلك جمعت عليَّ ثيابي حين أمسيت، فأتيت رسول الله - ﷺ - فسألته عن ذلك، فأفتاني بأني قد حللت حين وضعت حملي، وأمرني بالتزويج إن بدا لي، قال ابن شهاب: ولا أرى بأسًا أن تتزوَّج حين وضعت وإن كانت في دمها غير أنه لا يقربها زوجها حتى تطهر.
الأصل في وجوب العدَّة الكتاب والسنة والإجماع؛ قال الله - تعالى -: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاَثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: ٢٢٨]، وقال - تعالى -: ﴿وَاللاَّئِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاَثَةُ أَشْهُرٍ وَاللاَّئِي لَمْ يَحِضْنَ وَأُولاَتُ الأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٤]، وقال - تعالى -: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ [البقرة: ٢٣٤]، والعدة اسم لمدَّة التربص، والمقصود الأصلي منها
[ ٢٩٩ ]
براءة الرحم، والحديث دليل على أن الحامل تنقضي عدَّتها بوضع الحمل أي وقت كان.
قوله: "فلمَّا تعلت من نفاسها"؛ أي: طهرت.
وفي الحديث من الفوائد أنه ينبغي لِمَن ارتاب في فتوى المفتي أن يبحث عن النص في تلك المسألة، وفيه الرجوع في الوقائع إلى الأعلم، وفيه جواز تجمُّل المرأة بعد انقضاء عدَّتها لِمَن يخطبها، وفيه غير ذلك، والله أعلم.
* * *
الحديث الثاني
عن زينب بنت أم سلمة - ﵂ - قالت: "توفي حميم لأم حبيبة فدعت بصفرة فمسحت بذراعيها، فقالت: إنما صنعت هذا لأني سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «لا يحلُّ لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تحدَّ على ميتٍ فوق ثلاثٍ، إلا على زوجٍ أربعة أشهرٍ وعشرًا»، (الحميم) القرابة.
قال ابن بطال: الإحداد امتناع المرأة المتوفى عنها من الزينة كلها من لباس وطيب وغيرهما، وكل ما كان من دواعي الجماع، وأباح الشارع للمرأة أن تحد على غير زوجها ثلاثة أيام؛ لما يغلب من لوعة الحزن، ويهجم من ألم الوجد، انتهى.
وقال البخاري، قال الزهري: لا أرى أن تقرب الصبية الطيب؛ لأن عليها العدة.
وفي الحديث دليل على تحريم الإحداد على غير الزوج، ووجوب الإحداد في المدَّة المذكورة على الزوج، وفيه أنه لا إحداد على امرأة المفقود لقوله «على ميت»، وأمَّا المطلقة الرجعية فلا إحداد عليها بالإجماع، وقال الجمهور: لا إحداد على البائن أيضًا، وفيه أن الإحداد على كل زوج سواء كان الموت قبل الدخول أو بعده، لقوله: «إلا على زوج»، ولقوله - تعالى -: ﴿وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا﴾ [البقرة: ٢٣٤] .
[ ٣٠٠ ]
قوله: «أربعة أشهر وعشرًا» قيل: الحكمة فيه أن الولد يتكامل تخليقه وتُنفَخ فيه الروح بعد مائة وعشرين، وهي زيادة على أربعة أشهر بنقصان الأهلَّة، فجبر الكسر إلى عقد العشرة على طريق الاحتياط، وتجب عدَّة الوفاة في المنزل لقول النبي - ﷺ - لفُرَيعَة بنت مالك: «امكثي في بيتك الذي أتاك فيه نعي زوجك حتى يبلغ الكتاب أجله»؛ رواه الخمسة، ويجوز خروجها للعذر.
وعن ابن مسعود: في نساء نعي إليهن أزواجهن ويشتكين الوحشة، فقال: "يجتمعن بالنهار، ثم ترجع كلُّ امرأة منهن إلى بيتها بالليل"؛ أخرجه عبد الرزاق، والله أعلم.
* * *
الحديث الثالث
عن أمِّ عطية - ﵂ -: أن رسول الله - ﷺ - قال: «لا تُحِدُّ امرأة على ميتٍ فوق ثلاثٍ، إلا على زوج أربعة أشهرٍ وعشرًا، ولا تلبس ثوبًا مصبوغًا إلا ثوب عصبٍ، ولا تكتحل ولا تمسُّ طيبًا ولا شيئًا إلا إذا طهرت نبذة من قسط أو أظفار» .
(العصب): ثياب من اليمن فيها بياض وسواد.
* * *
الحديث الرابع
عن أم سلمة - ﵂ - قالت: "جاءت امرأة إلى رسول الله - ﷺ - فقالت: يا رسول الله، إن ابنتي توفي عنها زوجها وقد اشتكت عينها، أفنكحلها؟ فقال رسول الله - ﷺ -: «لا»، مرتين أو ثلاثًا، كل ذلك يقول: «لا»، ثم قال: «إنما هي أربعة
[ ٣٠١ ]
أشهرٍ وعشر، وقد كانت إحداكن في الجاهلية ترمي بالبعرة على رأس الحول، فقالت زينب: كانت المرأة إذا توفي عنها زوجها دخلت خِفْشًا، ولبست شرَّ ثيابها، ولم تمسَّ طيبًا ولا شيئًا حتى تمرَّ عليها سنة، ثم تؤتى بدابة حمارٍ أو طيرٍ أو شاةٍ فتفتضُّ به، فقلَّما تفتضُّ بشيء إلا مات، ثم تخرج فتعطى بعرة فترمي بها، ثم تراجع بعدما شاءت من طيبٍ أو غيره» .
قوله: «إلا ثوب عصب» قال الحافظ: هي برود اليمن يعصب غزلها؛ أي: يربط ثم يصبغ، ثم ينشج معصوبًا، ثم يخرج موشى لبقاء ما عصب به أبيض لم ينصبغ، وإنما يعصب السدي دون اللحمة.
قال ابن المنذر: أجمع العلماء على أنه لا يجوز للحادَّة لبس الثياب المعصفرة ولا المصبغة إلاَّ ما صُبِغ بسواد، فرخَّص فيه مالك والشافعي لكونه لا يتَّخذ للزينة، بل هو من لباس الحزن.
قوله: «ولا تمسُّ طيبًا ولا شيئًا إلا إذا ظهرت نبذة من قسط أو أظفار» قال النووي: القسط والأظفار نوعان معروفان من البخور، وليسا من مقصود الطيب، رخَّص فيه للمغتسِلة من الحيض لإزالة الرائحة الكريهة تتبع به أثر الدم.
قولها: "إن ابنتي توفي عنها زوجها وقد اشتكت عينها، أفنكحلها؟ قال رسول الله - ﷺ -: «لا» " فيه دليل على تحريم الاكتحال على الحادَّة، وفي الموطأ وغيره من حديث أم سلمة: «اجعليه بالليل وامسحيه بالنهار»، وعنها قالت: "دخل عليَّ رسول الله - ﷺ - حين توفي أبو سلمة وقد جعلت على عيني صبرًا، فقلت: إنما هو صبر يا رسول الله ليس فيه طيب، فقال: «إنه يشب الوجه فلا تجعليه إلا بالليل وانزعيه بالنهار، ولا تمتشطي بالطيب ولا بالحناء فإنه خضاب»، قالت: قلت: بأيِّ شيء أمتشط يا رسول الله؟ قال: «بالدر تغلغلين به رأسك»؛ رواه أبو داود والنسائي.
قال الحافظ: ووجه الجمع بين الأحاديث أنها إذا لم تحتج
[ ٣٠٢ ]
إلى الكحل لا يحلُّ، وإذا احتاجت لم يجز بالنهار ويجوز بالليل، مع أن الأَوْلَى تركه، فإن فعلت مسحته بالنهار.
قوله: «إنما هي أربعة أشهر وعشر، وقد كانت إحداكن في الجاهلية ترمي بالبعرة على رأس الحول» فيه إشارة إلى تقليل المدَّة بالنسبة إلى ما كان قبل ذلك، وفي رواية: فقال: «لا تكتحل، قد كانت إحداكن تمكث في شر أحلاسها - أو: شر بيتها - فإذا كان حولٌ فمرَّ كلب رمت ببعرة، فلا حتى تمضي أربعة أشهر وعشر» .
قوله: «دخلت حفشًا» هو البيت الصغير الشعث البناء.
قوله: «بدابة حمار أو طير أو شاة فتفتضُّ به» قال مالك: تمسح به جلدها، وقال ابن قتيبة: سألت الحجازيين عن الافتضاض، فذكروا أن المعتدَّة كانت لا تمسُّ ماء ولا تقلِّم ظفرًا ولا تزيل شعرًا، ثم تخرج بعد الحول بأقبح منظر، ثم تفتضُّ؛ أي: تكسر ما هي فيه من العدَّة بطائر تمسح به قُبُلَها وتنبذه، فلا يكاد يعيش بعدما تفتضُّ به.
قوله: «ثم تخرج فتعطي بعرة فترمي بها»، وفي رواية: «من بعر الغنم أو الإبل فترمي به أمامها فيكون ذلك إحلالًا لها»، وقيل: ترمي من عرض من كلب أو غيره تُرِي مَن حضرها أن مُقامَها حولًا أهون عليها من بعرة ترمي بها كلبًا؛ والمراد: الإشارة إلى أنها رمت العدَّة رمي البعرة، وقيل: إشارة إلى أن الفعل الذي فعلته من التربُّص والصبر على البلاء الذي كانت فيه لما انقضى كان عندها بمنزلة البعرة التي رمتها استحقارًا له وتعظيمًا لحق زوجها، والله أعلم.
* * *