تأويل قول الله ﷿: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ [المائدة: ٦].
أي هذا باب تذكر فيه الأحاديث المفسرة لهذه الآية الكريمة، فإن الأحاديث المذكورة في باب الطهارة مفسرة لآية الوضوء لأن الله تعالى قال: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل: ٤٤]. فما نقل عن النبي - ﷺ - قولا أو فعلا أو غيرهما تبيين لها ولبعضهم (من الكامل):
فَهوَ المفسِّرُ للكتاب وَإنَّمَا … نَطَقَ النبيُّ لنَا به عَنْ ربِّهِ
والتأويل: مصدر أوَّلَ الكلامَ: يقال: أول الكلام تأويلا، وتأوله: دبَّره وقدَّره، وفسَّره. اهـ ق وقال في التاج ٧/ ٢١٥: وظاهر كلام المصنف أن التأويل والتفسير واحد، وفي العباب: التأويل: تفسير ما يؤول إليه الشيء، وقال غيره: التفسير: شرح ما جاء مجملا من القصص في الكتاب الكريم، وتقريب ما تدل عليه ألفاظه الغريبة، وتبيين الأمور التي أنزلت بسببها الآية، وأما التأويل: فهو تبيين معنى المتشابه، والمتشابهُ: هو ما لم يقطع بفحواه من غير تردد فيه وهو النص. وقال الراغب: التأويل: ردُّ الشيء إلى الغاية المرادة منه، قولا أو فعلا، وفي جمع الجوامع: هو حمل الظاهر على المحتمل المرجوح، فإن حُمل لدليل فصحيح، أو لما يُظَنّ دليلًا ففاسد، أو لا بشيء فلعب، لا تأويل، قال ابن الكمال: التأويل: صرف الآية عن معناها الظاهر إلى معنى تحتمله، إذا كان المحتمل الذي تُصرَف إليه موافقا للكتاب والسنة،
[ ١ / ١٧٩ ]
كقوله: "يخرج الحي من الميت" إن أراد به إخراج الطير من البيضة كان تأويلا (^١) أو إخراج للمؤمن من الكافر، والعالم من الجاهل كان تأويلا، وقال ابن الجوزي: التفسير: إخراج الشيء من معلوم الخفاء إلى مقام التجلي، والتأويل: نقل الكلام عن موضعه إلى ما يحتاج في إثباته إلى دليل لولاه ما ترك ظاهر اللفظ. وقال بعضهم: التفسير كشف المراد عن اللفظ المشكل، والتأويل: رد أحد المحتملين إلى ما يطابق الظاهر. اهـ تاج
ولشيخ الإسلام ابن تيمية في الرسالة الحَمَويّة كلام نفيس في هذا الموضوع، وحاصل ما قاله رحمه الله تعالى: أن لفظ التأويل يستعمل في ثلاث معان:
أحدها: -وهو اصطلاح كثير من المتأخرين من المتكلمين في الفقه وأصوله- صرف اللفظ عن الاحتمال الراجح إلى الاحتمال المرجوح لدليل يقترن به.
الثاني: أن التأويل هو التفسير، وهذا هو الغالب على اصطلاح المفسرين للقرآن كما يقول ابن جرير وأمثاله من المصنفين في التفسير: واختلف علماءُ التأويل.
الثالثه: هو الحقيقة التي يؤول إليها الكلام، كما قال الله تعالى: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ﴾ [الأعراف: آية ٥٢] فتأويل ما في القرآن من أخبار المعاد: هو ما أخبر الله به فيه مما يكون من القيامة والحساب والجزاء، والجنة والنار، كما قال الله تعالى في قصة يوسف لما سجد له أبواه وإخوته قال: ﴿يَا أَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ﴾ [يوسف: آية ١٠٠]، فجعل عين ما وجد في الخارج هو تأويل الرؤيا، اهـ كلام شيخ الإسلام باختصار. الحموية ص ٣٧.
_________________
(١) لعل الصواب: كان تفسيرا. فتأمل.
[ ١ / ١٨٠ ]
قال الجامع عفا الله عنه: والمناسب هنا في كلام النسائي من هذه المعاني: هو التفسير، يعني أن كل ما يأتي من الأحاديث في الوضوء تفسير للآية الكريمة، فهي مفسَّرة وموضَّحَة بالأحاديث. والله أعلم.