أي هذا باب ذكر الحديث الدال على مشروعية البول في الإناء، والإناء والآنية: الوعاء، والأوعية وزنا ومعنى، والأواني جمع الجمع. قاله في المصباح.
والمناسبة بين البابين واضحة لأن كلا منهما في البول.
٣٢ - أَخْبَرَنَا أَيُّوبُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْوَزَّانُ، حَدَّثَنَا حَجَّاجٌ، قَالَ: قَالَ: ابْنُ جُرَيْجٍ: أَخْبَرَتْنِي حُكَيْمَةُ بِنْتُ أُمَيْمَةَ، عَنْ أُمِّهَا أُمَيْمَةَ بِنْتِ رُقَيْقَةَ، قَالَتْ: كَانَ لِلنَّبِيِّ - ﷺ - قَدَحٌ مِنْ عَيْدَانٍ يَبُولُ فِيهِ، وَيَضَعُهُ تَحْتَ السَّرِيرِ.
رجال الإسناد: خمسة
١ - "أيوب بن محمَّد الوزَّان" مولى ابن عباس الربعي، عن ابن عيينة، ومروان بن معاوية. وعنه أبو داود، والنسائي، وابن ماجه، ووثقه النسائي. توفي سنة تسع وأربعين ومائتين، وذكر الشيرازي أنه الذي يلقب بالقُلْب (^١) وقال هما واحد، اهـ صه وفي (ت) أيوب بن محمَّد بن زياد الوزان، أبو محمَّد الرقي، ثقة، من العاشرة.
_________________
(١) القلب بضم القاف وسكون اللام بعدها موحدة اهـ تقريب.
[ ١ / ٥٢٣ ]
فائدة: الوَزَّان بفتح الواو والزاي المشددة هذه النسبة لجماعة يزنون الأشياء قال في اللباب: وبيت الوزان بالرّىّ بيت العلم والفضل، أولهم أبو سعد عبد الكريم بن أحمد الوَزَّان الرازي أصله من ساوة، سكن الري كان بعض أجداده يزن، فنسب إليه. اهـ.
وكتب في هامش الخلاصة: ما نصه: كان يزن القطن في الوادي. اهـ تهذيب
٢ - "حجاج" بن محمَّد مولي سليمان بن مجالد البغدادي الحافظ الأعور، أبو محمَّد المصِّيصي بكسر فتشديد، روى عن شعبة، وابن جريج، والليث بن سعد، وحمزة الزيات، وطائفة. وعنه أحمد بن حنبل، ويحيى بن معين، وقتيبة، ويحيى بن يحيى، وغيرهم.
قال أبو داود: بلغني أن يحيى كتب عنه نحوا من خمسين ألف حديث، ووثقه ابن المديني، والنسائي، والعجلي، وابن قانع، وسلمة بن قاسم، وابن حبان.
مات ببغداد في ربيع الأول سنة ٢٠٦ قال ابن سعد وكان تغير في آخر عمره، وكان ثقة صدوقا، وقال الحربي: منع يحيى بن معين ابنه أن يدخل عليه أحدًا بعد أن اختلط. اهـ صه بزيادة. روى له الجماعة. من الطبقة التاسعة.
٣ - "ابن جريج" عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج الأموي مولاهم المكي ثقة فقيه فاضل كان يدلس ويرسل، مات سنة خمسين ومائة، أو بعدها، وقد جاوز سبعين، وقيل جاوز المئة ولم يثبت، من السادسة.
٤ - "حكيمة بنت أميمة" بنت رقيقة كلهن بالتصغير واسم أبيها حكيم، نقل الذهبي أنها لم ترو إلا عن أمها ولم يرو عنها سوى ابن جريج، ذكرها ابن حبان في الثقات، وقال في التقريب: إنها غير
[ ١ / ٥٢٤ ]
معروفة من السادسة. اهـ المنهل جـ ١ / ص ٩٥، لكن في المناوي قال: ولم يذكرها ابن حبان في الثقات فليحرر.
قال الجامع: بل ذكرها في الجزء الرابع ص ١٩٥.
٥ - "أميمة بنت رقيقة" بنت عبد ويقال عبد الله بن بجاد بن عمير بن
الحارث بن حارثة بن سعد بن تيم بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب.
ورقيقة أمها وهي رقيقة بنت خويلد بن أسد أخت خديجة بنت خويلد زوج النبي - ﷺ - ويقال: رقيقة بنت صيفي بن هاشم بن عبد مناف أم مخرمة بن نوفل اهـ تحفة الأشراف جـ ١١/ ص ٨٦٤.
وفي المنهل ورقيقة أمها بنت أبي صيفي بن هاشم بن عبد مناف أخرج أبو نعيم في ترجمتها تبعا للطبراني حديث ابن جريج عن حكيمة بنت أميمة عن أمها أميمة بنت رقيقة "قالت كان للنبي - ﷺ - قدح من عيدان يبول فيه" الحديث خلافا لما قاله ابن منده من أن أمها رقيقة بنت خويلد ولابن السكن القائل أنهما واحدة روت عن النبي - ﷺ - وعن أزواجه، وروى عنها محمَّد بن المنكدر وابنتها حكيمة، روى لها أبو داود، والترمذي، والنسائي وابن ماجه، وكانت ممن بايع النبي - ﷺ - بيعة النساء، روى الترمذي، وغيره من طريق ابن عيينة، عن محمَّد بن المنكدر، أنه سمع أميمة بنت رقيقة تقول: بايعت النبي - ﷺ - في نسوة فقال لنا: "فيما استطعتن وأطقتن" قلن: الله ورسوله أرحم منا بأنفسنا. اهـ، ١/ ٩٦.
لطائف الإسناد
منها: أنه من خماسيات المصنف.
ومنها: أن رواته ما بين رَقّي أيوب، وبغدادي، حجاج، ومكي ابن جريج، ومدنيتين، وهما: حكيمة ورقيقة.
[ ١ / ٥٢٥ ]
وفيه من صيغ الأداء: الإخبارُ، والتحديثُ، والقولُ، والعنعنةُ، وفيه رواية المرأة عن أمها.
شرح الحديث
"عن أميمة بنت رقيقة" ﵂ أنها "قالت كان للنبي - ﷺ - قدح" بفتحتين إناء يكون من خشب أو غيره جمعه أقداح اهـ المنهل وفي "ق" آنية تُروي الرجلين، أو اسم يجمع الصغار والكبار. اهـ "من عيدان" بفتح العين المهملة وسكون المثناه التحتية جمع عيدانة هي الطوال من النخيل المتجردة من السعف.
وفي "ق" والعيدان بالفتح الطوال من النخل واحدتها بهاء، ومنها "كان قدح يبول فيه النبي - ﷺ -" اهـ.
وقال الزركشي في تخريج أحاديث الرافعي: "عيدان" مختلف في ضبطه بالكسر والفتح، واللغتان بإزاء معنيين، فالكسر جمع عود، والفتح جمع عيدانة بفتح العين، قال أهل اللغة: هى النخلة الطويلة المتجردة، وهي بالكسر أشهر رواية، وفي كتاب تثقيف اللسان مَنْ كَسَرَ العين فقد أخطأ، يعني لأنه أراد جمع عود وإذا اجتمعت الأعواد لا يتأتى منها قدح يحفظ الماء، بخلاف من فتح العين، فإنه يريد قَدَحا من خشب هذه صفته يُنْقَر ليحفظ ما يجعل فيه. انتهى كلام الزركشي اهـ زهر جـ ١/ ص ٣٢.
لكن دعوى أن الأعواد لا يتأتى منها قدح يحفظ فيه الماء غير مسلمة بل هو مُتَأتٍ وواقع كما هو مشاهد، قاله في المنهل.
وقال السندي: قلت: والجمعية غير ظاهرة على الوجهين، وإن حمل على الجنس يصح الوجهان إلا أن يقال حمل عَيدان بالفتح على الجنس أقرب لأنه مما فرق بينه وبين واحده بالتاء، ومثله يجيء للجنس،
[ ١ / ٥٢٦ ]
بل قالوا: إن ما أصله الجنس يستعمل في الجمع أيضا فلا إشكال فيه، بخلاف العيدان بالكسر جمع عُود، وأجاب بعضهم على تقدير الكسر بأنه جمع اعتبارا للأجزاء، فارتفع الأشكال على الوجهين اهـ جـ ١/ ص ٣٢.
قال العلامة: ابن القيم وكان يسمى يعني القدح الصادر نقله المناوي.
"يبول فيه" أي في ذلك العَيدان ذكّره باعتبار الإناء، أو لأنه اسم جنس يجوز فيه الوجهان.
"ويضعه تحت السرير" جمعه سُرُر مأخوذ من السرور؛ لأنه في الغالب لأولي النعمة. قاله الراغب، وجَعْلُه تحت السرير ليقرب تناوله، وفي رواية أبي داود تقييده بالليل، قال في المنهل: ويفهم من التقييد بالليل أن البول نهارا غير مشروع في القدح إلا لضرورة لأن الليل محل الأعذار غالبا.
وإنما اتخذ النبي - ﷺ - قدحا للبول رفقا بنفسه وتعليما للأمة، قال المناوي: والظاهر كما قال العراقي أن هذا كان قبل اتخاذ الكنف في البيوت فإنه لا يمكنه التباعد بالليل للمشقة، أما بعد اتخاذها فكان يقضي حاجته فيه ليلا ونهارا. اهـ. وفيه نظر؛ لأن الليل محل مشقة غالبا، فالأولى إبقاء الحديث على إطلاقه، فيجوز اتخاذ إناء للبول فيه ليلا ولو مع وجود الكنيف اهـ. عبارة المنهل جـ ١/ ص ٩٦.
مسائل تتعلق بهذا الحديث
"الأولى": في درجته حديث أميمة ﵂ حديث حسن.
قال العلامة المناوي ما نصه: قال عبد الحق عن الدارقطني: هذا الحديث ملحق بالصحيح جار مُجرَى مصححات الشيخين، وتعقبه ابن القطان بأن الدارقطني لم يقض فيه بصحة ولا ضعف والخبر متوقف الصحة على
[ ١ / ٥٢٧ ]
العلم بحال الراوية، فإن ثبتت ثقتها صحت روايتها وهي لم تثبت انتهى. وفي اقتفاء السنن: هذا الحديث لم يضعفوه، وهو ضعيف، ففيه حكيمة، وفيها جهالة، فإنه لم يرو عنها إلا ابن جريج، ولم يذكرها ابن حبان في الثقات. انتهى. ونوزع بما فيه طول، والتوسط ما جزم به النووي من أنه حسن. اهـ فيض القدير جـ ٥/ ص ١٧٨.
وقال في المنهل العذب: والحديث ضعيف؛ لأن فيه حكيمة، وفيها جهالة، لكنه تقوى بطرق أخرى، ولذا حسنه النووي، والحافظ ابن حجر، والمناوي في شرحه الكبير، وصححه الحاكم في مستدركه، وذكره ابن حبان في صحيحه. اهـ المنهل جـ ١/ ص ٩٧ بتصرف يسير. والحديث سكت عنه أبو داود، والمنذري.
قال الجامع: سنذكر الطرق التي أشار إليها صاحب المنهل، إن شاء الله تعالى.
"المسألة الثانية": في بيان موضعه عند المصنف، ومن أخرجه معه: أخرجه هنا ٢٨/ ٣٢، وفي الكبرى -٣٤ - عن أيوب بن محمَّد الوزان، عن حجاج بن محمَّد، عن ابن جريج، عن حكيمة، عن أمها.
وأخرجه أبو داود في الطهارة عن محمَّد بن عيسى، عن حجاج بن محمَّد به، وأخرجه الحاكم وابن حبان، والبيهقي.
"المسألة الثالثة": قال الحافظ السيوطي ﵀: هذا يعني حديث الباب مختصر وقد أتمه ابن عبد البر في الاستيعاب فقال: "فبال ليلة فوضع تحت سريره فجاء، فهذا القدح ليس فيه شيء، فسأل المرأة -يقال لها: بركة، كانت تخدم أم حبيبة، جاءت معها من الحبشة- فقال: أين البول الذي كان في هذا القدح؟ فقالت: شربته يا رسول الله" قال الحاكم في المستدرك هذه سنة غريبة اهـ زهر جـ ١/ ص ٣٢.
[ ١ / ٥٢٨ ]
"المسأله الرابعة" قدمنا أن حديث الباب فيه مقال لكنه تقوي بطرق أخري ووعدنا أن نذكرها، فنقول:
أخرج الحسن بن سفيان في مسنده، والحاكم، والدارقطني، والطبراني، وأبو نعيم من حديث أبي مالك النخعي، عن الأسود بن قيس، عن نبيح العنزي، عن أم أيمن، قالت: "قام رسول الله - ﷺ - من الليل إلى فخارة له في جانب البيت فبال فيها، فقمت من الليل وأنا عطشانة، فشريت ما فيها، وأنا لا أشعر فلما أصبح النبي - ﷺ - قال: يا أم أيمن قومي، فأهريقي ما في تلك الفخارة، قلت: قد والله شربت ما فيها قالت: فضحك رسول الله - ﷺ - حتى بدت نواجده، ثم قال: أما والله إنه لا تُبْجَعَنَّ بَطْنُك أبدًا" "وتبجعن بالموحدة" ورواه أبو أحمد العسكري بلفظ "ولن تشتكي بطنك".
وأبو مالك ضعيف، ونبيح لم يدرك أم أيمن.
وله طريق أخرى رواها عبد الرزاق، عن ابن جريج، أخبرت "أن النبي - ﷺ - كان يبول في قدح من عيدان ثم يوضع تحت سريره، فجاء، فإذا القدح ليس فيه شيء، فقال لامرأة يقال لها: بركة كانت تخدم أم حبيبة جاءت معها من أرض الحبشة: أين البول الذي كان في القدح؛ قالت: شربته، قال: صحة يا أم يوسف -وكانت تكني أم يوسف- فما مرضت قط حتى كان مرضها الذي ماتت فيه" كذا في التلخيص الحبير، وفيه وصحح ابن دحية أنهما قضيتان وقعتا لامرأتين، وهو واضح من اختلاف السياق، ووضح أن بركة أم يوسف غير بركة أم أيمن مولاته اهـ تلخيص جـ ١/ ص ٣١.
"المسألة الخامسة": أنه ورد حديث يعارض حديث الباب، وهو ما أخرجه الطبراني في الأوسط بسند جيد كما قاله العراقي عن عبد الله بن
[ ١ / ٥٢٩ ]
يزيد عن النبي - ﷺ - قال "لا ينقع البول في طست في البيت فإن الملائكة لا تدخل بيتا فيه بول منتقع" وما رواه ابن أبي شيبة في مصنفه عن ابن عمر قال "لا تدخل الملائكة بيتا فيه بول".
والجواب: أن المراد به طول مكثه لأنه يقال نقع الماء في منقعه نقْعًا من باب نَفَعَ: طال مكثه قاله في المصباح.
فبان أن المراد طول مكثه، وما في الإناء لا يطول مكثه بل تريقه الخدم عن قريب، ثم يعاد تحت السرير، لما يحدث أفاده المناوي، وقال مغلطاي: يحتمل أن يكون أراد كثرة النجاسة في البيت بخلاف القدح فإنه لا يحصل به نجاسة لمكان آخر. اهـ زهر، ويحمل الحديث الثاني عليه، أي بيتا فيه منتقع.
فإن قلت: يعارضه ما أخرجه أبو يعلى في مسنده، وابن أبي حاتم في العلل والعقيلي في الضعفاء، وابن عدى في الكامل، وابن السني، وأبو نعيم معا في الطب، وأبو نعيم في الحلية، وابن مردويه في تفسيره، والرامهرمزي في الأمثال، والمستغفري في الطب النبوي، وعثمان الدارمي في الأطعمة، عن علي ﵁ "أن النبي - ﷺ - قال أكرموا عمتكم النخلة فإنها خلقت من فضلة طينة أبيكم آدم، وليس من الشجر شجرة كرم على الله تعالى من شجرة ولدت تحتها مريم بنت عمران، فأطعموا نساءكم الوُلَّدَ الرُّطَبَ، فإن لم يكن رطب فتمر" ووجه المعارضة أن اتخاذ القدح منها للبول ينافي الإكرام.
قلت: يجاب عن هذا بأن طرق الحديث كلها ضعيفة حتى أورده ابن الجوزي في الموضوعات.
وحكم العلامة ناصر الدين الألباني في سلسلة الأحاديث الضعيفة بوضعه، فلا يعارض حديث الباب، فلا يحتاج إلى طلب محامل،
[ ١ / ٥٣٠ ]
وتأويلات؛ لأن طلب ذلك إذا كان الحديث ثابتا. فتنبه.
وعلى فرض صحته فاتخاذ القدح لا ينافي الإكرام، إذ المراد بالإكرام سقيها، وتلقيحها، ونحو ذلك، فإذا انفصلت واتخذت قدحا زال اسم النخلة عنها، أفادة العلامة المناوي في الفيض.
"المسألة السادسة": في هذا الحديث:
جواز إعداد الآنية، واتخاذها للبول فيها بالليل في البيوت بلا كراهة حيث لم يطل مكثه فيه كما قررناه آنفا.
وفيه: بول الرجل بقرب أهل بيته للحاجة.
وفيه: جواز اتخاذ السرير، وأنه لا ينافي التواضع لمسيس الحاجة.
فائدة: قال ابن قتيبة كان سريره - ﷺ - خشبات مشدودة بالليف، بيعت في زمن بني أمية فاشتراها رجل بأربعة آلاف درهم. نقله المناوي في فيض القدير، جـ ٥/ ص ١٧٨.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب".
[ ١ / ٥٣١ ]