أي هذا باب ذكر الأحاديث الدّالة على تعظيم شأن دم المسلم، وقد تقدّم في الباب الماضي بعض ما يدلّ على تعظيمه، قال ابن العربيّ -رحمه اللَّه تعالى-: ثبت النهي عن قتل البهيمة بغير حقّ، والوعيد في ذلك، فكيف بقتل الآدميّ، فكيف بالمسلم، فكيف بالتقيّ الصالح. انتهى (^١).
٣٩٨٧ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ بْنِ مَالَجَ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ الْحَرَّانِيُّ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُهَاجِرٍ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ، مَوْلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَقَتْلُ مُؤْمِنٍ أَعْظَمُ عِنْدَ اللَّهِ، مِنْ زَوَالِ الدُّنْيَا».
قَالَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ: إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُهَاجِرِ، لَيْسَ بِالْقَوِيِّ).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (محمد بن معاوية بن مالج) -بميم، وجيم، واسم جدّه يزيد: هو الأنماطيّ، أبو جعفر البغداديّ، صدوقٌ ربّما وَهِم [١٠] ١٠٠/ ٢٨٥٨ من أفراد المصنّف.
٢ - (محمد بن سلمة الحَرّانيّ) الباهليّ مولاهم، ثقة [٩] ١٩١/ ٣٠٦.
٣ - (ابن إسحاق) هو محمد بن إسحاق بن يسار المطّلبيّ مولاهم، أبو بكر المدنيّ، نزيل بغداد، إمام المغازي، صدوقٌ يُدلّس، ورُمي بالتشيّع والقدر، من صغار [٥] ٥/ ٤٨٠.
٤ - (إبراهيم بن مهاجر) البجليّ الكوفيّ، صدوقٌ ليّن الحفظ [٥] ٦٨/ ٩٩٢.
٥ - (إسماعيل، مولى عبد اللَّه بن عمرو) بن العاص السّهْميّ، مقبول (^٢) [٣].
روى عن مولاه هذا الحديث، وعنه إبراهيم بن مهاجر. ذكره ابن حبّان في "الثقات". تفرّد به المصنّف بهذا الحديث فقط.
٦ - (عبد اللَّه بن عمرو بن العاص) بن وائل بن هاشم بن سُعَيد بن سَعْد بن سَهْم السهميّ، أبو محمد، أو أبو عبد الرحمن الصحابيّ ابن الصحابيّ - رضي اللَّه تعالى عنهما - ٨٩/ ١١. واللَّه تعالى أعلم.
_________________
(١) راجع "الفتح" ١٤/ ١٦٨. "كتاب الديات" رقم ٦٨٦٣.
(٢) هذا هو الموافق لقاعدة الحافظ في "التقريب"، فيمن يُطلق عليه لفظا مقبول"، فإنه قليل الرواية" ولم يثبت فيه ما يترك حديثه من أجله، فإنه مقبول حيث يتابع، وإلا فليّن الحديث، وأما قوله فيها: "صدوق"، ففيه نظر لا يخفى. واللَّه تعالى أعلم.
[ ٣١ / ٢٤٨ ]
شرح الحديث
(عَنْ عَبْدِ اللَّه بْنِ عَمْرِو بْنِ العَاصِ) - رضي اللَّه تعالى عنهما -، أنه (قَالَ: قَالَ: رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: "وَالَّذي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَقَتْلُ مُؤْمِنِ أَعْظَمُ عِنْدَ اللَّهِ) اللام لام الابتداء، دخلت على المبتدإ للتأكيد (مِنْ زَوَالِ الدُّنْيَا) قال السنديّ -رحمه اللَّه تعالى-: الكلام مسوقٌ لتعظيم القتل، وتهويل أمره، وكيفيّةُ إفادة اللفظ ذلك، هو أن الدنيا عظيمة في نفوس الخلق، فزوالها يكون عندهم عظيمًا، على قدر عظمتها، فهذا قيل: قتلُ المؤمن أعظم منه، أو الزوال أهون من قتل المؤمن يفيد الكلام من تعظيم القتل، وتهويله، وتقبيحه، وتشنيعه ما لا يحيطه الوصف، ولا يتوقّف ذلك على كون الزوال إثمًا، أو ذنبًا، حتّى يقال: إنه ليس بذنب، فكلّ ذنب من جهة كونه ذنبًا أعظم منه، فأيّ تعظيم حصل للقتل يجعله أعظم منه. وإن أُريد بالزوال الإزالة، فإزالة الدنيا يستلزم قتل المؤمنين كلّهم، فكيف يُقال: إن قتل واحد أعظم مما يستلزم قتل الكلّ، وكذا لا يتوقّف على كون الدنيا عظيمة في ذاتها، أو عند اللَّه، حتى يقال: هي لا تساوي جناح بعوضة عند اللَّه، وكلّ شيء أعظم منه، فلا فائدة في القول بأن قتل المؤمن أعظم منه. وقيل: المراد بالمؤمن الكامل الذي يكون عارفا باللَّه تعالى وصفاته، فإنه المقصود من خلق العالم؛ لكونه مظهرًا لآيات اللَّه، وأسراره، وما سواه في هذا العالم الحسّيّ من السموات والأرض مقصود لأجله، ومخلوق ليكون مسكنا له، ومحلًّا لتفكره، فصار زواله أعظم من زوال التابع. انتهى كلام السنديّ (^١).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا القول الأخير غير صحيح؛ لأنه مخالف لإطلاق النصّ، فبأي دليل يخالفه، وما ذكره من أن العالم خُلق لأجل المؤمن الكامل، مخالف لقوله -﷿-: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ الآية [البقرة: ٢٩]، وقوله -﷿-: ﴿أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ الآية [لقمان: ٢٠] وقوله -﷿-: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ﴾ الآية [الجاثية: ١٣] إلى غير ذلك من النصوص التي بيّنت أن السموات والأرض خلقها اللَّه تعالى لخدمة بني آدم عمومًا؛ لأن الخطاب في الآيات المذكورات، وغيرها لجميعهم، لا لخصوص الكامل منهم، فمن أين له أنها خُلقت للمؤمن الكامل، فقط، فتبصّر بالإنصاف، ولا تتحيّر بتقليد ذوي الاعتساف، واللَّه تعالى الهادي إلى سواء السبيل.
وقوله: (قَالَ: أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ) النسائيّ -رحمه اللَّه تعالى- (إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُهَاجِرِ، لَيْسَ
_________________
(١) "شرح السنديّ" ٧/ ٨٢ - ٨٣.
[ ٣١ / ٢٤٩ ]
بِالْقَوِيِّ) فيه إشارة إلى تضعيف هذا الحديث؛ لأنه من روايته؛ وما قاله المصنّف نُقِلَ أيضًا عن يحيى القطّان، وغيره، ولكن قوّاه غيرهم، فقال الثوريّ، وأحمد: لا بأس به، ووثقه ابن سعد، وقال أبو داود: صالح الحديث. وفي الإسناد أيضًا شيخه إسماعيل مجهول الحال؛ لأنه لم يرو عنه غيره، وفيه عنعنة ابن إسحاق، وهو مدلسٌ، إلا أن الحديث يشهد له حديث بريدة بن الحُصيب - ﵁ -، كما سيأتي قريبًا، فيصحّ به. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث عبد اللَّه بن عمرو بن العاص - رضي اللَّه تعالى عنهما - هذا صحيح؛ لأن حديث بريدة - رضي اللَّه تعالى عنه - يشهد له، كما سبق الكلام عليه آنفًا.
(المسألة الثانية): في مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا- ٢/ ٣٩٨٧ و٣٩٨٨ و٣٩٨٩ و٣٩٩٠ - وفي "الكبرى" ٢/ ٣٤٤٨ و٣٤٤٩ و٣٤٥٠ و٣٤٥١. وأخرجه (ت) في "الديات" ١٣٩٥. وفوائد الحديث تُعلم مما سبق في الباب الماضي. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٣٩٨٨ - (أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ حَكِيمٍ الْبَصْرِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ يَعْلَى بْنِ عَطَاءٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ -، قَالَ: «لَزَوَالُ الدُّنْيَا أَهْوَنُ عِنْدَ اللَّهِ، مِنْ قَتْلِ رَجُلٍ مُسْلِمٍ»).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "يحيى بن حَكيم البصريّ": هو أبو سعيد الْمُقَوِّم، ثقة حافظ عابد [١٠] ٥١/ ٦١٢.
"ابن أبي عديّ": هو محمد بن إبراهيم بن أبي عديّ، أبو عمرو البصريّ، ثقة [٩] ١٢٢/ ١٧٥. و"يعلي بن عطاء": هو العامريّ، أو الليثيّ الطائفيّ، ثقة [٤] ٤٠/ ٥٨٤.
و"عطاء" الطائفيّ، مقبول [٣].
روى عن أوس بن أبي أوس، وابن عمرو بن العاص، وابن عبّاس، وأبي علقمة الهاشمي، وعنه ابنه يعلى. وذكره ابن حبّان في "الثقات". وقال شعبة عن يعلي بن عطاء: وُلد أبي لثلاث سنين بقين من خلافة عمر. قال أبو الحسن بن القطّان: مجهول الحال، ما روى عنه غير ابنه يعلى. وتبعه الذهبيّ في "الميزان". أخرج له البخاريّ في "الأدب المفرد"، وأبو داود، والترمذيّ، والمصنّف، وله عنده في هذا الكتاب حديثان
[ ٣١ / ٢٥٠ ]
فقط: هذا، وحديث أبي هريرة - رضي اللَّه تعالى عنه - في "كتاب الاستعاذة"، مرفوعًا: "استعيذوا باللَّه من خمس … " الحديث.
والحديث صحيح، كما سبق بيانه في الذي قبله. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٣٩٨٩ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ يَعْلَى، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، قَالَ: "قَتْلُ الْمُؤْمِنِ أَعْظَمُ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ زَوَالِ الدُّنْيَا").
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "محمد": هو ابن جعفر غندر. والحديث صحيح موقوف، لكنه في حكم المرفوع. واللَّه تعالى أعلم.
[تنبيه]: قال الإمام الترمذيّ -رحمه اللَّه تعالى- بعد إخراجه طريق شعبة من رواية محمد بن جعفر عنه: ما نصّه: وهذا أصحّ من حديث ابن أبي عديّ يعني المرفوع المذكور قبل هذا - قال: وهكذا روى سفيان الثوريّ، عن يعلى بن عطاء موقوفًا، وهذا أصحّ من المرفوع. انتهى.
وحاصل ما أشار إليه -رحمه اللَّه تعالى- في كلامه هذا ترجيح رواية محمد بن جعفر عن شعبة موقوفًا على رواية ابن أبي عديّ عن شعبة مرفوعًا؛ لأن الثوريّ روى الحديث عن يعلي بن عطاء موقوفًا، فيُرجّح به الوقف على الرفع.
لكن الذي يظهر لي أن الرفع هنا أرجح؛ لسببين:
[أحدهما]: أن الوقف هنا في حكم الرفع؛ لأن هذا مما لا يقال بالرأي.
[الثاني]: أن رواية بُريدة بن الحصيب - ﵁ - الآتية تؤيّده.
والحاصل أن الحديث صحيح مرفوعًا. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٣٩٩٠ - (أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ هِشَامٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا مَخْلَدُ بْنُ يَزِيدَ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ يَعْلَى بْنِ عَطَاءٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، قَالَ: "قَتْلُ الْمُؤْمِنِ أَعْظَمُ عِنْدَ اللَّهِ، مِنْ زَوَالِ الدُّنْيَا").
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "عمرو بن هشام": هو أبو أُميّة الْحَرّانيّ، ثقة [١٠] ١٤١/ ٢٢٢ من أفراد المصنّف.
و"مخلد بن يَزيد": هو القرشيّ الحرّانيّ، صدوقٌ له أوهامٌ، من كبار [٩] ١٤١/ ٢٢٢.
و"سفيان": هو الثوريّ. و"منصور": هو ابن المعتمر. والحديث صحيح موقوف، وهو في حكم المرفوع، كما سبق الكلام عليه قريبًا. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه
[ ٣١ / ٢٥١ ]
المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٣٩٩١ - (أَخْبَرَنَا الْحَسَنُ بْنُ إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيُّ ثِقَةٌ، حَدَّثَنِي خَالِدُ بْنُ خِدَاشٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَاتِمُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، عَنْ بَشِيرِ بْنِ الْمُهَاجِرِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: «قَتْلُ الْمُؤْمِنِ أَعْظَمُ عِنْدَ اللَّهِ، مِنْ زَوَالِ الدُّنْيَا»).
"الحسن بن إسحاق" بن زياد الليثيّ مولاهم، أبو عليّ المروزيّ، يُلقب حَسْنويه، ثقة [١١].
وثقه المصنّف هنا، وقال أيضًا: شاعر ثقة. وقال في "مشيخته": كان صاحب حديث. وذكره ابن حبّان في "الثقات"، وقال: يروي عن ابن المبارك. وقال أبو حاتم: إنه مجهول، وكأنه ما لقيه، فلم يَعرفه، ولا يضره هذا، فقد عرفه البخاريّ، والنسائيّ، قال البخاريّ، وغيره: مات سنة (٢٤١). تفرّد به البخاريّ، والمصنّف، وله عند البخاريّ حديثان، وعند المصنّف ثلاثة أحاديث: حديث بُريدة هذا، وحديثه في "كتاب القسامة" ٧/ ٤٧٣٢: "أن رجلًا جاء إلى النبيّ - ﷺ -، فقال: إن هذا قتل أخي" الحديث. وحديث حُميد بن شكل في "كتاب الاستعاذة" ٤/ ٤٥٤٥ و١٠/ ٥٤٥٦ قال: "أتيت النبيّ - ﷺ -، فقلت: يا نبيّ اللَّه علمني تعوّذًا أتعوّذ به" الحديث.
و"خالد بن خداش، بكسر الخاء المعجمة، وتخفيف الدّال، وآخره معجمةٌ- ابن عَجْلان، أبو الْهَيثم الأزديّ الْمُهَلَّبيّ مولاهم البصريّ، سكن بغداد، صدوقٌ يُخطىء [١٠].
قال ابن معين، وأبو حاتم، وصالح بن محمد البغداديّ: صدوق. وقال ابن سعد: ثقة. وقال يعقوب بن شيبة: كان ثقة صدوقا. وقال ابن المدينيّ: ضعيف. وقال زكريا الساجيّ: فيه ضعف. وقال ابن معين: قد كتبت عنه، ينفرد عن حماد بن زيد بأحاديث. وقال أبو داود: روى عن حماد بن زيد، عن أيوب، عن ابن عمر حديث الغار، ورأيت سليمان بن حرب يُنكره عليه. وقال أبو حاتم الرازيّ: سألت سليمان بن حرب عنه؟ فقال: صدوق، لا بأس به، كان يختلف معنا إلى حماد بن زيد، وأثنى عليه خيرًا. قال مطيّن: مات سنة (٢٢٤) وأرخه ابن قانع، وقال: ثقة. وفي كتاب الساجيّ أيضًا: كان أحمد يلزمه. روى له البخاريّ في "الأدب المفرد"، ومسلم، وأبو داود في "مسند مالك"، والمصنّف، له عنده حديثان فقط، هذا الحديث، وحديث بريدة المذكور في ترجمة الحسن بن إسحاق.
و"حاتم بن إسماعيل": هو الحارثيّ مولاهم، أبو إسماعيل المدنيّ، كوفيّ الأصل، صدوقٌ يَهِم، صحيح الكتاب [٨] ٢٤/ ٥٤٣.
[ ٣١ / ٢٥٢ ]
و"بشير بن المهاجر" الغَنَويّ بفتح المعجمة، والنون- الكوفيّ، صدوقٌ ليّن الحديث، ورُمي بالإرجاء [٥].
رأى أنس بن مالك. قال ابن معين: ثقة. وقال النسائيّ: لا بأس به. وقال العجليّ: كوفي ثقة. وقال أبو حاتم: يُكتب حديثه، ولا يُحتجّ به. وقال الأثرم، عن أحمد: منكر الحديث، قد اعتبرت أحاديثه، فإذا هو يجيء بالعجب. وقال البخاريّ: يخالف في بعض حديثه. وقال ابن عديّ: روى ما لا يُتابع عليه، وهو ممن يُكتب حديثه، وإن كان فيه بعض الضعف. وقال ابن حبّان في "الثقات": دلس عن أنس، ولم يره، وكان يُخطىء كثيرًا. وقال العقيليّ: مرجىء مُتّهمٌ، متكلّم فيه. وقال الساجيّ: منكر الحديث. روى له مسلم، والأربعة، وله عند المصنّف ثلاثة أحاديث فقط، حديث بُريدة هذا، وحديثه المتقدّم في ترجمة الحسن بن إسحاق آنفًا، و٥٣/ ٥٧٢٦ حديث: "سألت الحسن عما يُطبخ من العصير؟ قال: ما تطبخه حتى يذهب الثلثان، ويبقى الثلث".
والحديث صحيحٌ، تفرّد به المصنّف، أخرجه هنا ٢/ ٣٩٩ أو في "الكبرى" ٢/ ٣٤٥٢. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٣٩٩٢ - (أَخْبَرَنَا سَرِيعُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْوَاسِطِيُّ الْخَصِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ يُوسُفَ الأَزْرَقُ، عَنْ شَرِيكٍ، عَنْ عَاصِمٍ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: «أَوَّلُ مَا يُحَاسَبُ بِهِ الْعَبْدُ الصَّلَاةُ، وَأَوَّلُ مَا يُقْضَي بَيْنَ النَّاسِ فِي الدِّمَاءِ»).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (سريع بن عبد اللَّه الواسطيّ الْخَصِيّ) بفتح الخاء المعجمة، وتخفيف الصاد المهملة-، أبو عبد اللَّه الْجَمّال بالجيم- مولى عبد القاهر، من بني جمرة. مقبول [١١].
روى عن إسحاق الأزرق، وعنه المصنّف، وأسلم بن سهل الواسطيّ. تفرّد به المصنّف بهذا الحديث.
٢ - (إسحاق بن يوسف الأزرق) المخزوميّ الواسطيّ، ثقة [٩] ٢٢/ ٤٨٩.
٣ - (شريك) بن عبد اللَّه النخعيّ، أبو عبد اللَّه الكوفيّ القاضي بواسط، ثم بالكوفة، صدوقٌ يُخطىء كثيرًا، تغيّر حفظه منذ ولّي القضاء بالكوفة، وكان عادلًا فاضلًا عابدًا شديدًا على أهل البدع [٨] ٢٥/ ١٢٩.
٤ - (عاصم) بن بَهْدلة، وهو ابن أبي النجود الأسديّ مولاهم، أبو بكر الكوفيّ المقرئ صدوقٌ، له أوهام، حجة في القراءة، وحديثه في "الصحيحين" مقرون [٦] ٢٠/ ١٢٢١.
[ ٣١ / ٢٥٣ ]
٥ - (أبو وائل) شقيق بن سلمة الأسديّ الكوفيّ، مَشهُورٌ بِكُنْيَتِهِ أَكْثَرَ مِنْ اسْمِهِ، مخضرم ثقة [٢] ٢/ ٢.
٦ - (عبد اللَّه) بن مسعود - رضي اللَّه تعالى عنه - ٣٥/ ٣٩. واللَّه تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من سداسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله عندهم رجال الصحيح غير شيخه كما مرّ آنفًا. (ومنها): أنه مسلسل بالكوفيين، غير شيخه، وإسحاق، فواسطيان. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ عَبْدِ اللَّهِ) بن مسعود - رضي اللَّه تعالى عنه -، أنه (قَالَ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: "أَوَّلُ) مبتدأٌ، مضاف إلى (مَا) اسم موصول، أو نكرة موصوفة (يُحَاسَبُ) بالبناء للمفعول (بِهِ) الباء سببيّة، ويحتمل أن تكون بمعنى "عن": أي أوّل الذي، أو أول شيء يُحاسب بسببه العبد من أعماله، أو أول الذي، أو أول شيء يُحاسب عنه العبد من الأعمال (الْعَبْدُ) بالرفع على أنه نائب الفاعل (الصَّلَاةُ) بالرفع على الخبريّة لـ"أول". والمراد بها هنا الفريضة، بدليل قوله في حديث أبي هريرة - رضي اللَّه تعالى عنه - المتقدّم في "كتاب الصلاة" ٩/ ٤٦٥ -: "إن أول ما يُحاسب به العبد صلاته إلى أن قال- فإن انتقص من فريضته شيء، قال: انظروا هل لعبدي من تطوّع، فيكمل به ما نقص من فريضته" الحديث.
(وَأَوَّلُ مَا يُقْضَي بَيْنَ النَّاسِ فِي الدِّمَاءِ") "ما" موصول حرفيّ، والفعل مبنيّ للمفعول، والجار والمجرور متعلّق بمحذوف، والتقدير: أول القضاء القضاء في الأمر المتعلّق بالدماء، التي وقعت بَيْن الناس في الدُّنْيَا. وَيَحتَمِل أن يَكُون "ما" موصولا اسميًّا، أو نكرة موصوفة، والتقدير: أَوَّلُ الذي، أول شيء يُقْضَى فِيهِ الأَمر الْكَائِن في الدِّمَاء.
[فإن قيل]: هذا يُعارض قوله الأول: أَوَّل مَا يُحَاسَبُ بِهِ العَبْدُ الصلاة، فكيف الجمع بينهما؟
[قلت]: يُجمع بينهما بأن هذا في حقّ اللَّه تعالى، وذلك في حقوق الآدميين فيما بينهم. أو هذا من فعل السيّئات، وذاك من ترك العبادات. وقيل: المحاسبة غير القضاء، فتكون المحاسبة أوّلًا في الصلاة، ويكون القضاء أوّلًا في الدماء. وقيل: غير ذلك. وقد تقدّم تمام البحث في هذا في "كتاب الصلاة" بالرقم الماضي، فراجعه تستفد. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
[ ٣١ / ٢٥٤ ]
مسائل تتعلق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث عبد اللَّه بن مسعود - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا جزؤه الأخير متّفقٌ عليه.
وأما جزؤه الأول، فصحيح أيضًا؛ لأن له شواهد من حديث أبي هريرة، وتميم الداريّ عند أبي داود، وغيره، وحديث تميم عند الطبرانيّ أيضًا (^١).
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا ٢/ ٣٩٩٢ و٣٩٩٣ و٣٩٩٤ و٣٩٩٥ و٣٩٩٦ و٣٩٩٧ - وفي "الكبرى" ٢/ ٣٤٥٣ و٣٤٥٤ و٣٤٥٥ و٣٤٥٦ و٣٤٥٧ و٣٤٥٨ و٣٤٥٩. وأخرج الجزء الأخير منه (خ) في (الرقاق) ٦٥٣٣ "الديات" ٦٨٦٤ (م) في "القسامة" ١٦٧٨ (ت) في "الديات" ١٣٩٦ و١٣٩٧ (ق) في "الديات" ٢٦١٥ و٢٦١٧ (أحمد) في "مسند المكثرين" ٣٦٦٥ و٤١٨٨ و٤٢٠١. واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
(منها): ما ترجم له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو بيان تعظيم دم المسلم المعصوم، ووجه ذلك أن الابتداء إنما يكون بالأهمّ، فالأهمّ، والذنب يعظُم بحسب عظم المفسدة، وتفويت المصلحة، وإعدام البنية الإنسانيّة غاية في ذلك (^٢). (ومنها): أن فيه تعظيم شأن الصلاة، وأنها أفضل سائر العبادات، بعد الشهادتين، حيث وقعت المحاسبة عليها قبل سائر الأعمال. (ومنها): أن بعضهم استدلّ. به على أن القضاء يختصّ بالناس، ولا مدخل للبهائم فيه. ورد بأن حصر الأولية فيه بالنسبة لما بين الناس، وليس فيه نفي القضاء بين البهائم، بل غاية ما يفيده أن يكون القضاء بين البهائم بعد القضاء بين الناس. وقد وردت النصوص الدالّة على ثبوت القصاص بين البهائم، فقد أخرج مسلم في "صحيحه" من حديث أبي هريرة، أن رسول اللَّه - ﷺ -. قال: "لَتُؤدَّنَّ الحقوقُ إلى أهلها يوم القيامة، حتى يقاد للشاة الجلحاء، من الشاة القرناء". وغير ذلك من الأدلّة. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٣٩٩٣ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الأَعْلَى، عَنْ خَالِدٍ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ سُلَيْمَانَ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا وَائِلٍ، يُحَدِّثُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - قَالَ: «أَوَّلُ مَا يُحْكَمُ بَيْنَ النَّاسِ فِي الدِّمَاءِ»).
_________________
(١) راجع "السلسة الصحيحة" للشيخ الألبانيّ ٤/ ٣٢٨ - ٣٢٩ رقم ١٧٤٨.
(٢) "فتح" ١٣/ ٢١١ "كتاب الرقاق".
[ ٣١ / ٢٥٥ ]
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "خالد": هو ابن الحارث الْهُجَيميّ. و"سليمان": هو ابن مِهران الأعمش.
والحديث صحيح موقوف، وهو في حكم المرفوع. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٣٩٩٤ - (أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ سُلَيْمَانَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: "أَوَّلُ مَا يُقْضَي بَيْنَ النَّاسِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِي الدِّمَاءِ").
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "أبو داود": هو عمر بن سعد بن عُبيد الْحَفَريّ (^١) ثقة ثبت [٩] ١٥/ ٥٢٣. و"سفيان": هو الثوريّ. والحديث صحيح موقوف، سبق القول فيه في الذي قبله. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٣٩٩٥ - (أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَفْصٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، قَالَ: حَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ طَهْمَانَ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ شَقِيقٍ -ثُمَّ ذَكَرَ كَلِمَةً مَعْنَاهَا- عَنْ عَمْرِو بْنِ شُرَحْبِيلَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ: "قَالَ: "أَوَّلُ مَا يُقْضَي بَيْنَ النَّاسِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِي الدِّمَاءِ").
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وتقدّموا. و"أبو أحمد": هو حفص بن عبد اللَّه بن راشد السلميّ النيسابوريّ قاضيها، صدوق [٩] ٧/ ٤٠٩. و"عمرو بن شُرَحبيل": هو أبو ميسرة الهمدانيّ الكوفيّ العابد المخضرم الثقة.
وقوله: "ثم ذكر كلمة الخ" القائل هو الأعمش، والذاكر هو شقيق، والمعنى أن شقيقًا ذكر كلمة لم أحفظ لفظها، لكن معناه: "عن عمرو بن شُرحبيل الخ"، وإطلاق الكلمة على الكلام شائع في اللغة، كما قال ابن مالك في "خلاصته":
وَكِلْمَةٌ بِهَا كَلَامٌ قَدْ يُؤَمُّ
والحديث صحيح موقوف، كما سبق القول فيه قريبًا. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٣٩٩٦ - (أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَرْبٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُرَحْبِيلَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: «أَوَّلُ مَا يُقْضَي فِيهِ بَيْنَ النَّاسِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِي الدِّمَاءِ»).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد رجال الصحيح. و"أبو معاوية":
_________________
(١) بفتحتين: نسبة إلى موضع بالكوفة.
[ ٣١ / ٢٥٦ ]
هو محمد بن خازم الضرير الكوفيّ، أحفظ من روى عن الأعمش، غير سفيان الثوريّ. والحديث مرسل صحيح بما سبقه. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٣٩٩٧ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ، عَنْ شَقِيقٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: "أَوَّلُ مَا يُقْضَي بَيْنَ النَّاسِ فِي الدِّمَاءِ").
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، والحديث صحيح موقوف، وهو في حكم المرفوع. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٣٩٩٨ - (أَخْبَرَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُسْتَمِرِّ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَاصِمٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُعْتَمِرٌ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ شَقِيقِ بْنِ سَلَمَةَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُرَحْبِيلَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: «يَجِيءُ الرَّجُلُ، آخِذًا بِيَدِ الرَّجُلِ، فَيَقُولُ: يَا رَبِّ هَذَا قَتَلَنِي، فَيَقُولُ اللَّهُ لَهُ: لِمَ قَتَلْتَهُ؟، فَيَقُولُ: قَتَلْتُهُ لِتَكُونَ الْعِزَّةُ لَكَ، فَيَقُولُ: فَإِنَّهَا لِي، وَيَجِيءُ الرَّجُلُ آخِذًا بِيَدِ الرَّجُلِ، فَيَقُولُ: إِنَّ هَذَا قَتَلَنِي، فَيَقُولُ اللَّهُ لَهُ: لِمَ قَتَلْتَهُ؟ فَيَقُولُ: لِتَكُونَ الْعِزَّةُ لِفُلَانٍ، فَيَقُولُ: إِنَّهَا لَيْسَتْ لِفُلَانٍ، فَيَبُوءُ بِإِثْمِهِ»).
رجال هذا الإسناد: ثمانية:
١ - (إبراهيم بن الْمُسْتَمِرّ) الْهُذَليّ، الْعُرُوقيّ -بالقاف الناجيّ بالنون، والجيم- أبو إسحاق البصريّ، صدوقٌ يُغرب [١١].
قال النسائيّ: صدوق. وقال في موضع آخر: ليس به بأس. وذكره ابن حبّان في "الثقات"، وقال: ربّما أغرب. روى عنه أبو داود، والترمذيّ في "الشمائل"، والمصنّف، وله عنده في هذا الكتاب حديثان فقط: هذا الحديث، وفي "كتاب الزينة" ١٠/ ٥٠٦٥ - حديث الحصين "لما قدم على النبيّ - ﷺ - بالمدينة" الحديث.
٢ - (عمرو بن عاصم) الكلابيّ القيسيّ، أبو عثمان البصريّ، صدوقٌ في حفظه شيء، من صغار [٩] ١٧/ ١٥٥٢.
٣ - (معتمر) بن سليمان بن طرخان التيميّ، أبو محمد الملقّب بالطفيل البصريّ، ثقة، من كبار [٩] ١٠/ ١٠.
٤ - (أبوه) سليمان بن طرخان التيميّ، أبو المعتمر البصريّ، ثقة عابد [٤] ٨٧/ ١٠٧.
٥ - (الأعمش) سليمان بن مِهران، أبو محمد الكوفيّ، ثقة ثبت ورع، لكنه يدلّس [٥] ١٧/ ١٨.
٦ - (شقيق بن سلمة) أبو وائل المترجم قريبًا.
[ ٣١ / ٢٥٧ ]
٧ - (عمرو بن شُرَحْبيل) الهمدانيّ، أبو ميسرة الكوفيّ، مخضرم ثقة عابد [٢] ١٨٠/ ٢٨٥.
٨ - (عبد اللَّه بن مسعود) - رضي اللَّه تعالى عنه - ٣/ ٣٩. واللَّه تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من ثمانيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير شيخه، كما سبق آنفًا. (ومنها): أن نصفه الأول مسلسل بالبصريين، والثاني مسلسل بالكوفيين. (ومنها): أن فيه أربعة من التابعين، يروي بعضهم عن بعض: سليمان بن طرخان، عن الأعمش، عن شقيق، عن عمرو بن شُرحبيل، ورواية الأول من الثاني من رواية الأكابر عن الأصاغر؛ لأن سليمان من الطبقة الرابعة، والأعمش من الخامسة، ورواية الثالث من الرابع من رواية الأقران؛ لأنهما مخضرمان. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ) - رضي اللَّه تعالى عنه - (عَنْ النَّبِيِّ - ﷺ -) أنه (قَالَ: "يَجيءُ الرَّجُلُ) أي المقتول، وفي رواية جندب التالية: "يجيء المقتول بقاتله يوم القيامة" (آَخِذًا بيَدِ الرّجُلِ) أي قاتله (فَيَقُولُ: يَا رَبِّ هَذَا قَتَلَنِي، فَيَقُولُ اللَّهُ لَهُ) أي للقاتل (لِمَ قَتَلتَهُ؟) أَي لأيّ سبب قتل هذا الرجل (فَيَقُولُ: قَتَلتُهُ لِتَكُونَ الْعِزَّةُ لَكَ) هذا ظاهر فيمن قتل مستحقًّا للقتل، كمن قتل للقصاص، أو للبغي، أو نحو ذلك؛ دفعا للفتنة، ورفعًا للفساد عن البلاد والعباد، وهذا فيه إظهار عزّة اللَّه تعالى بتنفيذ أحكامه، وظهور الحقّ والعدل في الأرض فلذلك (يَقُولُ) تعالى (فَإِنَّهَا) أي العزة (لِي) أي ثابتة، ومستَحقَّةٌ لي (وَيَجيءُ الرَّجُلُ) المقتول (آخِذًا بِيَدِ الرَّجُلِ) أي قاتله (فَيَقُولُ: إِنَّ هَذَا قَتَلَنِي، فَيَقُولُ اللَّهُ لَهُ: لِمَ قَتَلتَهُ؟ فَيَقُولُ) القاتل (لِتَكُونَ العِزَّةُ لِفُلَانٍ) هذا فيمن قتل للعصبيّة، أو لنصرة من لا يستحقّ النصر، بأن كان ظالمًا (فَيَقُولُ) اللَّه تعالى (إِنَّهَا) أي العزّة التي قتل من أجلها (لَيْسَتْ لِفُلَانٍ) حيث كان ظالمًا، وإنما يستحقّ العزّة من عمل بطاعة المولى العزيز، كما قال اللَّه تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾ الآية [المنافقون: ٨] (فَيَبُوءُ) من باب قال: أي يرجع (بِإِثْمِهِ) أي إثم القاتل، أي إثم قتله المؤمن ظلمًا. ويحتمل أن يكون الضمير للمقتول، ويؤيّد هذا قوله -﷿- في قصّة ابني آدم - ﵇ -: ﴿إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ﴾ [المائدة: ٢٩].
[فإن قيل]: هذا يعارض قوله تعالى: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ الآية [الإسراء: ١٥].
[ ٣١ / ٢٥٨ ]
[أجيب]: بأن الآية فيمن لم يستحقّ حمل ذنب غيره بفعله، وأما إذا استحقّ ذلك، فإنه يحمل وزر غيره، حيث ظلمه، فجوزي بتحميل وزره عليه، كما قال اللَّه تعالى: ﴿لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ الآية [النحل: ٢٥]. وقد جاء في حمل ذنوب غيره ما أخرجه مسلم في "صحيحه" من حديث أبي هريرة - رضي اللَّه تعالى عنه -: أن رسول اللَّه - ﷺ -، قال: "أتدرون ما المفلس؟ " قالوا: المفلس فينا من لا درهم له، ولا متاع، فقال: "إن المفلس من أمتي من يأتي يوم القيامة بصلاة، وصيام، وزكاة، ويأتي قد شتم هذا، وقذف هذا، وأكل مال هذا، وسفك دم هذا، وضرب هذا، فيعطى هذا من حسناته، وهذا من حسناته، فإن فنيت حسناته، قبل أن يُقضَى ما عليه، أُخذ من خطاياهم، فطرحت عليه، ثم طرح في النار".
قَالَ: الْمَازرِيُّ: وَزَعَمَ بَعْضُ الْمُبْتَدِعَة أَنَّ هَذَا الْحَدِيث مُعَارِض لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الإسراء: ١٥]، وَهَذَا الاعتِرَاض غَلَط مِنْهُ، وَجَهَالَة بَيِّنَة؛ لِأنَّه إِنَّمَا عُوقِبَ بِفِعْلِهِ وَوِزْره وَظُلْمه، فَتَوَجَّهَت عَلَيْهِ حُقُوق لِغُرَمَائِهِ، فَدُفِعَتْ إِلَيْهِمْ مِنْ حَسَنَاته، فَلَمَّا فَرَغَت وَبَقِيَت بَقِيَّة قُوبِلَتْ عَلَى حَسَب مَا اقْتَضَتهُ حِكمَة اللَّه تَعَالَى فِي خَلْقه، وَعَدْلُه فِي عِبَاده، فَأُخِذَ قَدْرهَا من سَيِّئَات خُصُومه، فَوُضِعَ عَلَيْهِ، فَعُوقِبَ بِهِ فِي النَّار. فَحَقِيقَة العُقُوبَة إِنَّمَا هىَ بسَبَبِ ظُلمه، وَلَمْ يُعَاقَب بِغَيْرِ جِنَايَة وَظُلْم مِنْهُ، وَهَذَا كُلّه مَذهَب أَهل السُّنَّة. واللَّه أَعْلَم انتهى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: حديث عبد اللَّه بن مسعود - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا صحيح، وهو من أفراد المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، أخرجه هنا-٢/ ٣٩٩٨ - وفي "الكبرى" ٢/ ٣٤٦٠. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٣٩٩٩ - (أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ تَمِيمٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَجَّاجٌ، قَالَ: أَخْبَرَنِي شُعْبَةُ، عَنْ أَبِي عِمْرَانَ الْجَوْنِيِّ، قَالَ: قَالَ جُنْدَبٌ، حَدَّثَنِي فُلَانٌ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ -، قَالَ: «يَجِيءُ الْمَقْتُولُ بِقَاتِلِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَيَقُولُ: سَلْ هَذَا فِيمَ قَتَلَنِي، فَيَقُولُ: قَتَلْتُهُ عَلَى مُلْكِ فُلَانٍ»، قَالَ: جُنْدَبٌ: فَاتَّقِهَا).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ تَمِيمٍ) أبو حُميد المصّيصيّ، ثقة [١١] ٢٠٠/ ٣١٩.
٢ - (حجّاج) بن محمد الأعور، أبو محمد المصّيصيّ، ثقة ثبت، لكنه اختلط لما
[ ٣١ / ٢٥٩ ]
قدم بغداد [٩] ٢٨/ ٣٢.
٣ - (شعبة) بن الحجّاج الإمام الحجة الثبت البصريّ [٧] ٢٤/ ٢٧.
٤ - (أبو عمران الْجَوْنيّ) عبد الملك بن حبيب الأزديّ البصريّ، مشهور بكنيته، ثقة، من كبار [٤] ١٤/ ١٤.
٥ - (جندب) بن عبد اللَّه بن سفيان البجليّ، ثم الْعَلَقيّ بفتحتين، ثم قاف- أبو عبد اللَّه، وربّما نُسب لجدّه، له صحبة، ويقال: جندب بن خالد بن سفيان. روى عن حذيفة. وقال البغويّ: عن أحمد: جندب ليست له صحبة قديمة. قال ابن حبّان: هو جندب الخير. وقال البغويّ: هو جندب ابن أم جندب. وذكره البخاريّ في "التاريخ" فيمن توفّي من الستين إلى السبعين. روى له الجماعة، وله عند المصنّف في هذا الكتاب ثلاثة أحاديث: هذا الحديث، و-٢٨/ ٤١١٦ -: "من قاتل تحت راية عمّية" الحديث. وفي "كتاب الضحايا" -٤/ ٤٣٦٩ و٥/ ٤٣٧٠ -: "من ذبح قبل الصلاة، فليذبح شاة" الحديث.
٦ - (الرجل المبهم) والظاهر أنه صحابيّ. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ أَبِي عِمْرَانَ الْجَوْنيّ) -بفتح الجيم، وسكون الواو-: نسبة إلى جَوْن بطن من الأزد (قَالَ: قَالَ جُنْدَبْ) - رضي اللَّه تعالى عنه - (حَدَّثَني فُلَانٌ) كناية عن اسم رجل سمّاه، والظاهر أنه صحابيّ؛ وجهالتهم لا تضرّ؛ لأنهم كلهم عدول (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ -، قَالَ: "يَجِيءُ الْمَقْتُولُ بِقَاتِلِهِ) الباء للتعدية: أي يأتي به، أو يُحضِره، أو للمصاحبة: أي يجيء معه (يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَيَقُولُ) أي المقتول للَّه ﷾ (سَلْ هَذَا) أي القاتل (فِيمَ) هي "ما" الاستفهاميّة، حذفت ألفها؛ لدخول الجار عليها؛ تخفيفًا، كما قال في "الخلاصة":
وَمَا فِي الاسْتِفْهَامِ إِنَّ جُرَّتْ حُذِفْ … أَلِفُهَا وَأَوْلِهَا الْهَا إِنْ تَقِفْ
(قَتَلَنِي) أي لأي سبب قتلتني حين قتلني؟، فـ"في" تعليليّة (فَيَقُولُ) أي القاتل (قَتَلْتُهُ عَلَى مُلْكِ فُلَانٍ") بكسر الميم، أو ضمها، قال الطيبيّ: [فإن قلت]: كيف طابق هذا قوله: "فيم قتلني؟ "؛ لأنه سأله عن سبب قتله؟. [قلت]: قوله: "على ملك فلان، معناه: على عهده ملك من السلاطين، وزمانه، أي في نُصرته، هذا إذا كانت الرواية بضمّ الميم في "ملك"، وإذا كانت بالكسر، كان المعنى: قتلته على مشاجرة بيني وبينه في ملك زيد مثلًا. انتهى (^١).
_________________
(١) راجع "المرقاة" ٧/ ٤٠.
[ ٣١ / ٢٦٠ ]
(قَالَ: جُنْدَبٌ) - رضي اللَّه تعالى عنه - (فَاتَّقِهَا) أي فاجتنب هذه السيّئة القبيحة المؤدّية إلى مثل هذا الجواب الفاضح. وقال في "المرقاة": أي اجتنب القتلة، أو احترز النُّصرة، أو المشاجرة، وهي المخالفة، والمنازعة المفضية إلى القتل. قال الطيبيّ: وكان جندب - ﵁ - ينصح رجلًا، أراد هذه الفعلة، واستشهد بهذا الحديث، ثم قال: فإذا سمعت بذلك، فاتّقها. انتهى (^١). واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: حديث جندب، عن رجل مبهم هذا صحيح، وهو من أفراد المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، أخرجه هنا ٣/ ٣٩٩٩ - وفي "الكبرى" ٢/ ٣٤٦١.
وأخرجه (أحمد) في أول مسند المدنيين" ١٦١٦٤ و"باقي مسند الأنصار"٢٢٦٠٠ و٢٢٦٥٤ و٢٢٧٨. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٤٠٠٠ - (^٢) (أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَمَّارٍ الدُّهْنِيِّ، عَنْ سَالِمِ بْنِ أَبِي الْجَعْدِ، أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ، سُئِلَ عَمَّنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا، مُتَعَمِّدًا، ثُمَّ تَابَ، وَآمَنَ، وَعَمِلَ صَالِحًا، ثُمَّ اهْتَدَى؟، فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: وَأَنَّى لَهُ التَّوْبَةُ؟، سَمِعْتُ نَبِيَّكُمْ - ﷺ - يَقُولُ: «يَجِيءُ مُتَعَلِّقًا بِالْقَاتِلِ، تَشْخُبُ أَوْدَاجُهُ دَمًا، فَيَقُولُ: أَيْ رَبِّ سَلْ هَذَا، فِيمَ قَتَلَنِي؟»، ثُمَّ قَالَ وَاللَّهِ لَقَدْ أَنْزَلَهَا اللَّهُ، ثُمَّ مَا نَسَخَهَا).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (قتيبة) بن سعيد الثقفيّ البغلانيّ، ثقة ثبت [١٠] ١/ ١.
٢ - (سفيان) بن عيينة الهلاليّ مولاهم، أو بحمد المكيّ الإمام الحافظ الحجة [٨] ١/ ١.
٣ - (عمّار الدُّهْنيّ) -بضمّ، فسكون-: هو ابن معاوية البجليّ، أبو معاوية الكوفيّ، صدوقٌ يتشيّع [٥] ٧/ ٦٩٧.
_________________
(١) "المرقاة" ٧/ ٤٠.
(٢) قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الحديث تمام الأف الرابع، انتهيت منه بحمد اللَّه تعالى ليلة الخميس بعد صلاة العشاء ١٥/ ٥/ ١٤٢٠ هـ الموافق ٢٦/ أغسطس/ ١٩٩٩ م. وكان إتمام الألف الثالث في ١٦/ ٦/ ١٤١٩ هـ فيكون ما بين إتماميهما عشرة أشهر، وهذا بفضل اللَّه سبحانه تعالى، وحسن توفيقه، وأسأله المزيد من فضله، وعونه حتى أكمّله في أقرب وقت على الوجه المطلوب، إنه وليّ ذلك، والقادر عليه. سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك، وأتوب إليك.
[ ٣١ / ٢٦١ ]
٤ - (سالم بن أبي الجعد) رافع الغَطفانيّ الأشجعيّ مولاهم الكوفيّ، ثقة، يرسل كثيرًا [٣] ٦١/ ٧٧.
٥ - (ابن عبّاس) عبد اللَّه - رضي اللَّه تعالى عنهما - ٢٧/ ٣١. واللَّه تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من خماسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ، وفيه ابن عبّاس - ﵄ - أحد العبادلة الأربعة، وأحد المكثرين السبعة، روى (١٦٩٦) حديثًا. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ سَالِمِ بْنِ أَبِي الْجَعْدِ) -رحمه اللَّه تعالى- (أَنَّ ابْنَ عَبَّاسِ) - رضي اللَّه تعالى عنهما - (سُئِلَ) بالبناءَ للمفعول، والسائل هو سعيد بن جبير، كما تبيّنه الروايات الآتية (عَمَّنْ قَتَلَ) بالبناء للفاعل (مُؤْمِنًا، مُتَعَمِّدًا، ثمّ تَابَ) بشرط التوبة، ومنها تمكينه للاقتصاص منه (وَآمَنَ، وَعَمِلَ صَالِحًا، ثُمَّ اهْتَدَى؟، فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ) - ﵄ - (وَأَنَّى لَهُ التَّوْبَةُ؟) "أنى" بفتح الهمزة بمعنى "كيف"، أي كيف تكون له التوبة، وتصحّ، وتُقبل منه، وقد قتل مؤمنًا متعمّدًا، ثمّ ذكر مستنده في ذلك، فقال (سَمِعتُ نَبِيَّكُمْ - ﷺ -، يَقُولُ: يَجِيءُ) أي المقتول، كما تبيّنه الرواية الآتية في ٤٠٦ - (مُتَعَلِّقا بِالْقَاتِلِ، تَشْخَبُ) بمعجمتين، يقال: شَخَبَت أوداج القتيل دمًا شَخْبًا، من بابي قتل، ونفع: جرت، وشَخَب اللبنُ، وكلُّ مائع شَخْبًا: دَرَّ، وسالَ، وشَخَبته أنا، يتعدّى، ولا يتعدّى. قاله الفيّوميّ (أَوْدَاجُهُ) بفتح الهمزة، جمع وَدَج. قال الفيّوميّ: الْوَدْجُ بفتح الدال، والكسر لغةٌ-: عِرْق الأخدع الذي يَقطعه الذابح، فلا يبقى معه حياةٌ، ويقال: في الجسد عرقٌ واحدٌ حيثما قُطع مات صاحبه، وله في كلّ عضو اسمٌ، فهو في العنق الودج، والْوَرِيد أيضًا، وفي الظهر النِّيَاطُ، وهو عرقٌ ممتدّ فيه، والأبهر، وهو عرقٌ مُستبطِنُ الصُّلْب، والقلبُ متّصلٌ به، والوَتِين في البطن، والنَّسَا في الفخذ، والأبجلُ في الرجل، والأكحلُ في اليد، والصافن في الساق. وقال في "المجرد" أيضًا: الوريد عِرْقٌ كبير، يدور في البدن، وذكر معنى ما تقدّم، لكنه خالف في بعضه، ثم قال: والْوَدَجان: عِرْقان غليظان، يكتنفان ثُغْرَة النحر يمينًا ويسارًا، والجمع أوداجٌ، مثلُ سبب وأسباب، وودَجْتُ الدّابّةَ وَدْجًا، من باب وَعَدَ: قطعت وَدَجَها، ووَدَّجْتُها بالتثقيل مبالغةٌ، وهو لها كالفصد للإنسان؛ لأنه يقال: وَدَجتُ المالَ: إذا أصلحته، وودجتُ بين القوم: أصلحتُ. انتهى كلام الفيّوميّ.
- وقوله (دَمًا) منصوب على التمييز (فَيَقُولُ: أَي) حرف نداء للأوسط، كما قال في
[ ٣١ / ٢٦٢ ]
"الكوكب الساطع":
"أَي" لِنِدَا الأَوْسَطِ فِي الشَّهِيرِ … لَا الْقُرْبِ وَالبُعْدِ وَلِلتَّفْسِيرِ
لكنها هنا مستعملة للقرب، واللَّه تعالى أعلم.
(رَبِّ) أصله "ربّي" مضافًا إلى ياء المتكلّم، ثم خُفف بحذفها، استغناءً بالكسرة، وهذا هو الأكثر في الاستعمال، ويجوز "ربّي" بإبقاء الياء ساكنة، ويجوز فيه "رَبَّ" بقلب الياء ألفًا، وحذفها استغناء بالفتحة، ويجوز فيه "ربّا" بقلب الياء ألفًا، والكسرة فتحةً، ويجوز فيه "ربّيَ" بفتح الياء، ويجوز على قلّة ضمّها تشبيهًا بالمفرد، وإلى هذه القاعدة، سوى الأخيرة أشار ابن مالك في "خلاصته" حيث قال:
وَاجْعَلْ مُنَادًى صَحَّ إنْ يَضَفْ لِيَا … كَعَبْدِ عَبْدِي عَبْدَ عَبْدَا عَبْدِيَا
(سلْ هَذَا) القاتل (فِيمَ قَتَلَنِي؟) ووجه استدلال ابن عبّاس - رضي اللَّه تعالى عنهما - بالحديث على أن قتل المؤمن عمدًا لا توبة له أن تعلّق المقتول بالقاتل شاخبةً أوداجه يقتضي أن يحكم له على خصمه، وقد تبيّن بالنصوص الأخرى أن القضاء عليه أن يبوء بإثمه، فيكون من أهل النار، كما قصّ اللَّه تعالى ذلك في حكايته نبأ ابني آدم ﵇، حيث قال: ﴿إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ﴾ [المائدة: ٢٩]، وكقوله - ﷺ - في حديث ابن مسعود - رضي اللَّه تعالى عنه - الماضي: "فيبوء بإثمه"، مع أن آية: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ﴾ الآية [النساء: ٩٣] ظاهرة في ذلك، كما أشار إليه قوله (ثُمَّ قَالَ) ابن عبّاس - رضي اللَّه تعالى عنهما - (وَاللَّهِ لَقَدْ أَنزَلَهَا اللَّهُ) أي الآية التي تدلّ على أن قاتل المؤمن عمدًا من أهل النار، وهي قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ٩٣] (ثُمَّ مَا نَسَخَهَا) أي ثم بعد ما أنزلها لم يُنزل اللَّه تعالى ما ينسخ ما تضمّنته، فهي محكمة، غير منسوخة، تدلّ على أنه لا توبة لقاتل المؤمن عمدًا. هذا تقرير رأي ابن عبّاس - رضي اللَّه تعالى عنهما - في هذه المسألة، وقد خالفه فيها جمهور السلف والخلف، فقالوا: إن له توبة، وإنه تحت المشيئة.
وقد اختلفت الروايات عن ابن عبّاس - رضي اللَّه تعالى عنهما -، فقال في "الفتح": وَحَاصِل مَا في هَذِهِ الرِّوَايَات أَنَّ ابْنِ عَبَّاس كَانَ تَارَة يَجْعَل الآيَتَيْنِ فِي مَحَلّ وَاحِد، فلِذَلِكَ يَجْزِم بِنَسْخِ إِحْدَاهُمَا، وَتَارَة يَجْعَل مَحَلَّهُمَا مُخْتَلِفًا.
وَيُمْكِن الْجَمْعَ بَيْنَ كَلَامَيهِ بأن عُمُوم الَّتِي فِي الفُرْقَان خَصَّ مِنْهَا مُبَاشَرَةَ الْمُؤْمِن القَتْلَ مُتَعَمِّدًا، وَكَثِيرٌ مِنْ السَّلَف يُطلَقُونَ النَّسْخ عَلَى التَّخْصِيص، وَهَذَا أَوْلَى مِنْ حَمْل كَلَامه
[ ٣١ / ٢٦٣ ]
عَلَى التَّنَاقُض، وَأَوْلَى مِنْ دَعْوَى أَنَّهُ قَالَ: بِالنَّسْخِ ثُمَّ رَجَعَ عَنْهُ. وَقَوْل ابْن عَبَّاسِ بِأَنَّ
الْمُؤمِن إِذَا قَتَلَ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا لَا تَوْبَة لَهُ مَشْهُور عَنه، وَقَدْ جَاءَ عَنْهُ فِي ذَلِكَ مَا هُوَ أَصْرَح
مِمَّا تَقَدَّمَ: فَرَوَى أَحْمَد، وَالطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيق يَحْيَى الْجَابِر، وَالنَّسَائِيِّ، وَابْنِ مَاجَهْ مِنْ
طَريق عَمَّار الدُّهْنِيّ كِلَاهُمَا، عَنْ سَالِم بْنِ أَبِي الْجَعْد، قَالَ: "كُنْت عِنْدَ ابْنِ عَبَّاس بَعْدَمَا كُفَّ بَصَره، فَأتَاهُ رَجُل فَقَالَ: مَا تَرَى فِي رَجُل قَتَلَ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا؟ قَالَ: جَزَاؤُهُ جَهَنَّم خَالِدًا فِيهَا، وَسَاقَ الآيَة إِلَى ﴿عَظِيمًا﴾، قَالَ: لَقَدْ نَزَلَت فِي آخِر مَا نَزَلَ، وَمَا نَسَخَهَا شَيْء حَتَّى قُبِضَ رَسُول اللَّه - ﷺ -، وَمَا نَزَلَ وَحْي بَعْدَ رَسُول اللَّه - ﷺ -. قَالَ: أَفَرَأَيْت إنْ تَابَ وَوَآمَنَ عَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى؟ قَالَ: وَأَنَّى لَهُ التَّوْبَة وَالْهُدَى "لَفْظ يَحْيَى الْجَابِر، وَالآخَر نَحْوه.
وَجَاءَ عَلَى وَفْق مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ ابْنِ عَبَّاس فِي ذَلِكَ أَحَادِيث كَثيرَة: مِنْهَا مَا أَخْرَجَهُ أَحْمَد وَالنَّسائِيُّ مِنْ طَرِيق أَبي إِدْرِيس الْخَوْلَانِيّ، عَنْ مُعَاوِيَة، سمِعت رَسُول اللَّه - ﷺ - يَقُول: "كُلّ ذَنْب عَسَى اللَّهَ أَنْ يَغفِرَهُ إِلَّا الرَّجُل يَمُوت كَافِرًا، وَالرَّجُل يَقْتُل مُؤمِنًا مُتَعَمِّدًا".
وَقَدْ حَمَلَ جُمْهُور السَّلَف، وَجَمِيع أَهْل السُّنَّة مَا وَرَدَ مِنْ ذَلِكَ عَلَى التَّغْليظ، وَصَحَّحُوا تَوْبَة الْقَاتِل كَغَيْرِهِ، وَقَالُوا: مَعْنَى قَوله: ﴿فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ﴾ أَيْ إِنْ شَاءَ اللَّه أن يُجَازِيَهُ تَمَسُّكًا بِقَولِهِ تَعَالَى في سُورَة النسَاء أَيْضًا: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨].
وَمِنْ الْحُجَّة فِي ذَلِكَ حَدِيث الإسْرَائِيلِيّ الذِي قَتَلَ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ نَفْسًا ثُمْ أَتَى تَمَام الْمِائَه فَقَالَ لَهُ: لَا تَوْبَةَ، فَقَتَلَهُ فَأَكْمَلَ بِهِ مِائةَ. ثُمَّ جَاءَ آخَر فَقَالَ: "وَمَنْ يَحُول بَيْنَك وَبَيْنَ التَّوْبَة" الْحَدِيث، وَهُوَ مَشْهُور (^١). وَاِذَا ثَبَتَ ذَلِكَ لِمَنْ قُبِلَ من غَيْر هَذِهِ الأُمَّة
_________________
(١) هو ما أخرجه الشيخان، واللفظ لمسلم، قال -رحمه اللَّه تعالى-: حدثنا محمد بن المثنى، ومحمد بن بشار، واللفظ لابن المثنى، قالا: حدثنا معاذ بن هشام، حدثني أبي، عن قتادة، عن أبي الصديق، عن أبي سعيد الخدريّ، أن نبي اللَّه - ﷺ - قال: (كان فيمن كان قبلكم رجل، قتل تسعة وتسعين نفسا، فسأل عن أعلم أهل الأرض، فدُلَّ على راهب، فأتاه، فقال: إنه قتل تسعة وتسعين نفسا، فهل له من توبة؟ فقال: لا، فقتله، فكمل به مائة، ثم سأل عن أعلم أهل الأرض، فدلّ على رجل عالم، فقال: إنه قتل مائة نفس، فهل له من توبة؟ فقال: نعم، ومن يحول بينه وبين التوبة، انطلق إلى أرض كذا وكذا، فإن بها أناسا يعبدون اللَّه، فاعبد اللَّه معهم، ولا ترجع إلى أرضك، فإنها أرض سوء، فانطلق حتى إذا نصف الطريق أتاه الموت، فاختصمت فيه ملائكة الرحمة وملائكة العذاب، فقالت ملائكة الرحمة: جاء تائبا مقبلا بقلبه إلى اللَّه، وقالت ملائكة العذاب: إنه لم يعمل خيرا قط، فأتاهم ملك في صورة آدمي، فجعلوه بينهم، فقال: قِيسُوا ما بين الأرضين، فإلى أيتهما كان أدنى فهو له، فقاسوه فوجدوه أدنى إلى الأرض التي أراد، فقبضته ملائكة الرحمة".
[ ٣١ / ٢٦٤ ]
فَمِثْله لَهُمْ أَوْلَى لِمَا خَفَّفَ اللَّه عَنْهُمْ مِنْ الأَثْقَال التِي كَانَتْ عَلَى مَنْ قَبْلَهُمْ. انتهى (^١).
وقال النوويّ -رحمه اللَّه تعالى- في شرح حديث قصَّة الرجل الإسرائيليّ المذكور: ما نصُّهُ: هَذَا مَذْهَب أَهْل العلم، وَإجْماعهمْ عَلَى صِحَّة تَوبَة الْقَاتِل عَمْدًا، وَلَمْ يُخَالِف أَحَد مِنْهُمْ إِلا ابْنِ عَبَّاس. وَأَمَّا مَا نُقِلَ، عَنْ بَعْض السَّلَف مِنْ خِلَاف هَذَا، فَمُرَاد قَائِله الزَّجْر، عَنْ سَبَب التَّوْبَة، لَا أَنَّهُ يَعْتَقِد بُطْلَان تَوْبَته. وَهَذَا الْحَدِيث ظَاهِر فِيهِ، وَهُوَ إِنْ كَانَ شَرْعًا لِمَنْ قَبْلنَا، وَفِي الِاحتِجَاج بِهِ خِلَاف فَلَيْسَ مَوْضِع الخِلَاف، وَإِنَّمَا مَوْضِعه إِذَا لَمْ يَرِدْ شَرْعنَا بِمُوَافَقَتِهِ وَتَقرِيره، فَإن وَرَدَ كَانَ شَرْعًا لَنَا بِلَا شَكٍّ، وَهَذَا قَدْ وَرَدَ شَرْعُنَا بِهِ وَهُوَ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ﴾ إِلَى قَوْله: ﴿إِلَّا مَنْ تَابَ﴾ الآية [الفرقان: ٦٨ - ٧٠]. وَأَمَّا قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا﴾ الآية [النساء: ٩٣] فَالصَّوَاب فِي مَعْنَاهَا: أَنَّ جَزَاءَهُ جَهَنَّم، وَقَد يُجَازَى بِهِ، وَقَد يُجَازَى بِغَيْرِهِ وَقَد لَا يُجَازَى بَل يُعْفَى عَنْهُ، فَإِنْ قتَلَ عَمْدًا مُسْتَحِلًا لَهُ بِغَيْرِ حَقٍّ وَلَا تَأوِيل، فَهُوَ كَافِر مُرْتَدّ، يُخَلَّد بِهِ فِي جَهَنَّم بِالإجْمَاعِ، وَإِنْ كَانَ غَيْر مُسْتَحِلّ بَل مُعْتَقِدًا تَحْرِيمه فَهُوَ فَاسِق عَاصٍ مُرْتَكِب كَبِيرَة، جَزَاؤُهُ جَهَنَّم خَالِدًا فِيهَا، لَكِنْ بِفَضْلِ اللَّه تَعَالَى ثُمَّ أَخبَرَ أَنهُ لَا يُخَلَّدْ مَنْ مَاتَ مُوَحِّدًا فِيهَا، فَلَا يَخْلُد هَذَا، وَلَكِنْ قَدْ يُعْفَى عَنْهُ، فَلَا يَدْخُل النَّار أَصْلًا، وَقَد لَا يُعْفَى عَنْهُ، بَل يُعَذَّب كَسَائِرِ العُصَاة المُوَحِّدِينَ، ثُمَّ يَخْرُج مَعَهُمْ إِلَى الْجَنَّة، وَلَا يُخَلَّد فِي النَّار، فَهَذَا هُوَ الصَّوَاب فِي مَعْنَى الآيَة، وَلَا يَلْزَم من كَوْنه يَسْتَحِقّ أَنْ يُجَازَى بِعُقُوبَةٍ مَخْصُوصَة أَنْ يَتَحَتَّم ذَلِكَ الجَزَاء، وَلَيْسَ فِي الآيَة إِخْبَار بأَنَّهُ يُخَلَّد فِي جَهَنَّم، وَإِنَّمَا فِيهَا أَنَّهَا جَزَاؤُهُ أَيْ: يَسْتَحِقّ أنْ يُجَازَى بِذَلِكَ، وَقِيلَ: إِنَّ المُرَاد مَنْ قتَلَ مُسْتَحِلًا، قيلَ: وَرَدَتْ الآيَة فِي رَجُل بِعَيْنِهِ، وَقِيلَ: الْمُرَاد بِالخُلُودِ طُول المُدَّة لَا الدَّوَام، وَقيل: مَعْنَاهَا هَذَا جَزَاؤُهُ إِنْ جَازَاهُ، وَهَذِهِ الأقوَال كُلّهَا ضَعِيفَة أَوْ فَاسِدَة لِمُخَالَفَتِهَا حَقِيقَة لَفْظ الآيَة، وَأَمَّا هَذَا الْقَوْل فَهُوَ شَائِع عَلَى أَلسِنَة كَثِير مِنْ الناس، وَهُوَ فَاسِد لِأَنَّهُ يَقْتَضِي أَنَّهُ إِذَا عُفِيَ عَنْهُ خَرَجَ، عَنْ كَونَها كَانَتْ جَزَاء، وَهِيَ جَزَاء لَهُ، لَكِنْ تَرَكَ اللَّه مُجَازَاته عَفوا عَنْهُ وَكَرَمًا، فَالصَّوَاب مَا قَدَّمْنَاهُ. وَاللَّه أَعْلَم. انتهى كلام النوويّ -رحمه اللَّه تعالى- (^٢). وسيأتي بيان الخلاف مفصّلًا في المسألة الرابعة، إن شاء اللَّه تعالى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
_________________
(١) "فتح" ٩/ ٤٤٢ - ٤٤٣. "كتاب التفسير" رقم الحديث ٤٧٦٦.
(٢) "شرح صحيح مسلم" ١٧/ ٨٥ - ٨٦. "كتاب التوبة".
[ ٣١ / ٢٦٥ ]
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث ابن عباس - رضي اللَّه تعالى عنهما - هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا-٢/ ٤٠٠٠ و٤٠٠١ و٤٠٠٢ و٤٠٠٥ وفي "كتاب القسامة" ٤٨/ ٤٨٦٤ و٤٨٦٥ و٤٨٦٦ و٤٨٦٧ - وفي " الكبرى" ٢/ ٣٤٦٢ و٣٤٦٣ و٣٤٦٤ و٣٤٦٥ و٣٤٦٨. وأخرجه (خ) في "المناقب" ٣٨٥٥ و"التفسير" ٤٥٩٠ و٤٧٦٢ و٤٧٦٣ و٤٧٦٤ و٤٧٦٥ و٤٧٦٦ (م) في "الإيمان" ١٢٢ و"التفسير" ٣٠٢٣ (د) في "الفتن" ٤٢٧٥ (ق) في "الديات"٢٦٢١. واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
(منها): ما ترجم له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو بيان تعظيم دم المسلم.
(ومنها): مجيء المقتول متعلّقًا بقاتله، شاخبة أوداجه بالدم؛ إظهرارّ للحجة، وإلزامًا لخصمه دون إقامة بيّنة. (ومنها): إثبات مخاطبة اللَّه تعالى للمتخاصمين، وفصل القضاء بينهما. (ومنها): أن ابن عبّاس - رضي اللَّه تعالى عنهما - استدلّ بهذا الحديث على أن قاتل المؤمن عمدًا لا توبة له، وقد خالفه جمهور السلف والخلف في ذلك، كما يأتي بيانه في المسألة التالية، إن شاء اللَّه تعالى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
(المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في توبة قاتل المؤمن عمدًا:
قال أبو عبد اللَّه القرطبيّ -رحمه اللَّه تعالى- في "تفسيره": واختلف العلماء في قاتل العمد، هل له توبة؟. فروى البخاريّ عن سعيد بن جبير، قال: اختلف أهل الكوفة، فرحلت فيها إلى ابن عبّاس، فسألته عنها، فقال: نزلت هذه الآية: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ﴾ [النساء: ٩٣] هي آخر ما نزل، وما نسخها شيء. وروى النسائيّ عنه، قال: سألت ابن عبّاس، هل لمن قتل مؤمنًا متعمّدًا من توبة؟ قال: لا، وقرأت عليه الآية التي في الفرقان: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ﴾ [الفرقان: ٦٨] قال: هذه آية مكيّةٌ نسختها آية مدنيّةٌ: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ﴾ [النساء: ٩٣]. وروى عن زيد بن ثابت نحوه، وأن آية النساء نزلت بعد الفرقان بستّة أشهر، وفي رواية بثمانية أشهر، ذكرهما النسائيّ عن زيد بن ثابت - ﵁ -.
وإلى عموم هذه الآية، مع هذه الأخبار عن زيد، وابن عبّاس ذهبت المعتزلة،
[ ٣١ / ٢٦٦ ]
وقالوا: هذا مخصّص عموم قوله تعالى: ﴿وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨]، ورأوا أن الوعيد نافذ حتمًا على كلّ قاتل، فجمعوا بين الآيتين بأن قالوا: التقدير: ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء إلا من قتل عمدًا.
وذهب جماعة من العلماء منهم: عبد اللَّه بن عمر - ﵁ - وهو أيضًا مرويّ عن زيد بن ثابت، وابن عبّاس - رضي اللَّه تعالى عنهم - إلى أن له توبةً، روى يزيد بن هارون قال: أخبرنا أبو مالك الأشجعيّ، عن سعيد عبيدة، قال: جاء رجل إلى ابن عبّاس، فقال: ألمن قتل مؤمنًا متعمّدًا توبة؟ قال: لا إلا النار، قال: فلمّا ذهب قال له جلساؤه: أهكذا كنت تفتينا؟ كنت تفتينا أن لمن قتل توبةً مقبولة، قال: إني لأحسبه رجلًا مُغضبًا، يريد أن يقتُل مؤمنًا، قال: فبعثوا في إثره، فوجدوه كذلك.
وهذا مذهب أهل السنّة، وهو الصحيح، وأن هذه الآية مخصّصة، ودليل التخصيص آياتٌ وأخبارٌ، وقد أجمعوا على أن الآية نزلت في مقيس بن ضبابة، وذلك أنه كان قد أسلم هو وأخوه هشام بن ضبابة، فوجدوا هشامًا قتيلًا في بني النجّار، فأخبر بذلك النبيّ - ﷺ -، فكتب له إليهم أن يدفعوا إليه قاتل أخيه، وأرسل معه رجلًا من بني فهو، فقال بنو النجَّار: واللَّه ما نعلم له قاتلًا، ولكنّا نؤدّي الدية، فأعطوه مائة من الإبل، ثم انصرفا راجعين إلى المدينة، فعدا مقيس على الفهريّ، فقتله بأخيه، وأخذ الإبل، وانصرف إلى مكة كافرًا مرتدًا، وجعل يُنشد:
قَتَلتُ بِهِ فِهْرًا وَحَمَّلْتُ عَقْلَهُ … سَرَاةَ بَنِي النَّجَّارِ أَرْبَابَ فَارعِ (^١)
حَلَلْتُ بِهِ وِتْرِي وَأَدْرَكتُ ثَوْرَتِي … وَكُنْتُ إِلَى الأَوْثَانِ أَوَّلَ رَاجِعِ
فقال رسول اللَّه - ﷺ -: "لا أُأمّنه في حلّ، ولا حرم"، وأمر بقتله يوم فتح مكّة، وهو متعلّقٌ بالكعبة. وإذا ثبت هذا بنقل أهل التفسير، وعلماء الدين، فلا ينبغي أن يُحمل على المسلمين. ثم ليس الأخذ بظاهر الآية بأولى من الأخذ بظاهر قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ [هود: ١١٤]، وقوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ﴾ الآية [الشورى: ٢٥]، وقوله تعالى: ﴿وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨]، والأخذ بالظاهرين تناقضٌ، فلا بُدّ من التخصيص.
ثم إن الجمع بين آية "الفرقان"، وهذه الآية ممكن، فلا نسخ، ولا تعارض، وذلك أن يُحمل مطلق آية "النساء" على مقيّد آية "الفرقان"، فيكون معناه: فجزاؤه كذا إلا من تاب، لا سيّما وقد اتحد الموجِب، وهو القتل، والموجَب، وهو التواعد بالعقاب.
_________________
(١) "فارع": حصن بالمدينة.
[ ٣١ / ٢٦٧ ]
وأما الأخبار، فكثيرة، كحديث عُبادة بن الصامت - رضي اللَّه تعالى عنه - الذي قال فيه: "تبايعوني على أن لا تُشركوا باللَّه شيئًا، ولا تزنوا، ولا تسرِقوا، ولا تقتلوا النفس التي حرّم اللَّه إلا بالحقّ، فمن وفي منكم فأجره على اللَّه، ومن أصاب شيئًا من ذلك، فعوقب به، فهو كفّارة له، ومن أصاب من ذلك شيئًا، فستره اللَّه عليه، فأمره إلى اللَّه، إن شاء عفا عنه، وإن شاء عذّبه". متّفقٌ عليه. وكحديث أبي هريرة - ﵁ -، عن النبيّ - ﷺ - في الذي قتل مائة نفس. متّفقٌ عليه. إلى غير ذلك من الأخبار الثابتة.
ثم إنهم قد أجمعوا معنا في الرجل يشهد عليه بالقتل، ويُقرّ بأنه قتل عمدًا، ويأتي السلطانَ الأولياءُ، فيقام عليه الحدّ، ويُقتل قَوَدًا، فهذا غير متَّبَع في الآخرة، والوعيد غير نافذ عليه إجماعًا على مقتضى حديث عبادة - رضي اللَّه تعالى عنه -، فقد انكسر عليهم ما تعلقوا به من عموم قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ﴾ [النساء: ٩٣]، ودخله التخصيص بما ذكرنا، وإذا كان كذلك فالوجه أن هذه الآية مخصوصة كما بيّنّا، أو تكون محمولةً على ما حُكي عن ابن عبّاس - رضي اللَّه تعالى - عنهما أنه قال: ﴿مُتَعَمِّدًا﴾ معناه مستحلًّا لقتله، فهذا أيضًا يؤول إلى الكفر إجماعًا.
وقالت جماعة: إن القاتل في المشيئة تاب، أو لم يتُب. قاله أبو حنيفة، وأصحابه. [فإن قيل]: إن قوله تعالى: ﴿فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ﴾ دليلٌ على كفره؛ لأن اللَّه تعالى لا يغضب إلا على كافر خارج من الإيمان. [قلنا]: هذا وعيد، والخلف في الوعيد كرم، كما قال:
وَإِنِّي مَتَى أَوْعَدتُهُ أَوْ وَعَدتُهُ … لَمُخلِفٌ إيعَادِي وَمُنْجِزٌ مَوْعِدِي
وقد تقدّم جوابٌ ثان: إن جازاه بذلك، أي هو أهلٌ لذلك، ومستحقّه لعظم ذنبه. نصّ على هذا أبو مِجْلَز لاحقُ بْنُ حُميد، وأبو صالح، وغيرهما. وروى أنس بن مالك - ﵁ -، عن رسول اللَّه - ﷺ - أنه قال: "إذا وعد اللَّه لعبد ثوابًا، فهو منجزه، وإن أوعد له العقوبةَ، فله المشيئة، إن شاء عاقبه، وإن شاء عفا عنه" (^١). وفي هذين التأويلين دَخَلٌ، أما الأول، فقال القشيريّ: وفي هذا نظرٌ؛ لأن كلام الربّ لا يَقبل الخلف، إلا أن يُراد بهذا تخصيص العامّ، فهو إذًا جائزٌ في الكلام. وأما الثاني، وإن روي أنه مرفوع، فقال النّحّاس: وهذا الوجه الغلط فيه بيّنٌ، وقد قال اللَّه -﷿-: ﴿ذَلِكَ جَزَاؤُهُمْ جَهَنَّمُ بِمَا كَفَرُوا﴾ الآية [الكهف: ١٠٦]، ولم يقل أحدٌ: إن جازاهم، وهو
_________________
(١) قال الجامع: هذا يحتاج إلى البحث في سنده، ولم يعزه القرطبيّ إلى أي مرجع، ولم اتمكن من البحث عنه، فاللَّه تعالى أعلم بثبوته.
[ ٣١ / ٢٦٨ ]
خطأٌ في العربية؛ لأن بعده: ﴿وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ﴾ [النساء: ٩٣]، وهو محمول على معنى جازاه.
وجوابٌ ثالث ﴿فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ﴾ إن لم يتُب، وأصرّ على الذنب حتى وافى ربّه على الكفر بشؤم المعاصي. وذكر هبة اللَّه في "كتاب الناسخ والمنسوخ" أن هذه الآية منسوخة بقوله تعالى: ﴿وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨]، وقال: هذا إجماع الناس إلا ابن عبّاس، وابن عمر، فإنهما قالا: هي محكمة. وفي هذا الذي قاله نظرٌ؛ لأنه موضع عموم وتخصيص، لا موضع نسخ. قاله ابن عطيّة.
قال القرطبيّ: هذا حسنٌ؛ لأن النسخ لا يدخل الأخبار، إنما المعنى: فهو يَجزيه. وقال النحّاس في "معاني القرآن" له: القول فيه عند العلماء أهلِ النظر أنه محكم، وأنه يُجازيه إذا لم يتُب، فإن تاب فقد بيّن أمره بقوله: ﴿وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ﴾ [طه: ٨٢]، فهذا لا يخرج عنه، والخلود لا يقتضي الدوام، قال اللَّه تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ﴾ الآية [الأنبياء: ٣٤]، وقال تعالى: ﴿يَحْسَبُ أَنَّ مَالَهُ أَخْلَدَهُ﴾ [الهمزة: ٣]، وقال زُهَير:
وَلَا خَالِدًا إِلَّا الْجِبَالَ الرَّوَاسِيَا
وهذا كلّه يدلّ على الخلد يُطلق على غير معنى التأبيد، فإن هذا يزول بزوال الدنيا، وكذلك العرب تقول: لأخلدنّ فلانًا في السجن، والسجن ينقطع ويفنى، وكذلك المسجون. ومثله قولهم في الدعاء: خلد اللَّه ملكه، وأبّد أيامه. انتهى كلام القرطبيّ -رحمه اللَّه تعالى- (^١).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: قد تبيّن بما تقدّم أن الأرجح هو ما ذهب إليه الجمهور من أن قاتل المؤمن عمدًا تُقبل توبته؛ جمعًا بين النصوص المذكور، والعمل بالدليلين إذا أمكن أولى من إهمال أحدهما.
على أنه قد جاء عن ابن عبّاس - رضي اللَّه تعالى عنهما - القول بموافقة قول الجمهور، فقد أخرج البخاريّ في "الأدب المفرد" رقم ٤ - بسند صحيح، على شرط الشيخين، عن عطاء بن يسار، عن ابن عبّاس أنه أتاه رجلٌ، فقال: إني خطبت امراةٌ، فأبت أن تنكحني، وخطبها غيري، فأحبّت أن تنكحه، فغِرتُ عليها، فقتلتها، فهل لي من توبة؟ قال: أمّك حيّةٌ؟ قال: لا، قال: تب إلى اللَّه -﷿-، وتقرّب إليه ما استطعت، فذهبتُ، فسألت ابن عبّاس: لم سألته عن حياة أمه؟ فقال: إني لا أعلم عملًا أقرب إلى
_________________
(١) "الجامع لأحكام القرآن" ٥/ ٣٣٢ - ٣٣٥. "تفسير سورة النساء".
[ ٣١ / ٢٦٩ ]
اللَّه -﷿- من برّ الوالدة.
وأخرج ابن جرير ٥/ ١٣٨ بسند جيّد، عن سعيد، عن ابن عبّاس - رضي اللَّه تعالى - عنهما في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا﴾ [النساء: ٩٣]، قال: ليس لقاتل توبة، إلا أن يستغفر اللَّه (^١).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: الظاهر أن ابن عبّاس - رضي اللَّه تعالى عنهما - قد تراجع عن قوله الأول، فقال بقول الجمهور في قبول توبة القاتل، وهذا القول منه هو الحقّ؛ لما ذكرنا. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٤٠٠١ - (قَالَ: وَأَخْبَرَنِي أَزْهَرُ بْنُ جَمِيلٍ الْبَصْرِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ الْحَارِثِ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ النُّعْمَانِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، قَالَ: اخْتَلَفَ أَهْلُ الْكُوفَةِ فِي هَذِهِ الآيَةِ ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا﴾ [النساء: ٩٣] فَرَحَلْتُ إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ، فَسَأَلْتُهُ، فَقَالَ: لَقَدْ أُنْزِلَتْ فِي آخِرِ مَا أُنْزِلَ، ثُمَّ مَا نَسَخَهَا شَيْءٌ).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد كلّهم رجال الصحيح، وتقدّموا. و"المغيرة بن النعمان": هو النخعيّ الكوفيّ، ثقة [٦] ١١٨/ ٢٠٨٢.
والحديث متّفقٌ عليه، كما سبق بيانه. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٤٠٠٢ - (أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي الْقَاسِمُ بْنُ أَبِي بَزَّةَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، قَالَ: قُلْتُ لاِبْنِ عَبَّاسٍ: هَلْ لِمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا مِنْ تَوْبَةٍ؟ قَالَ: لَا، وَقَرَأْتُ عَلَيْهِ الآيَةَ الَّتِي فِي الْفُرْقَانِ: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ [الفرقان: ٦٨]، قَالَ: هَذِهِ آيَةٌ مَكِّيَّةٌ نَسَخَتْهَا آيَةٌ مَدَنِيَّةٌ: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ﴾ [النساء: ٩٣]).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وتقدّموا، غير:
١ - (القاسم بن أبي بزّة (^٢» بفتح الموحّدة، وتشديد الزاي- واسمه نافع، ويقال: يسار، ويقال: نافع بن يسار المكيّ، أبو عبد اللَّه، ويقال: أبو عاصم القارئ
_________________
(١) راجع "السلسلة الصحيحة" للشيخ الألبانيّ المجلد السادس- القسم الأول ص ٧١١ - ٧١٢. رقم الحديث ٢٧٩٩.
(٢) وفي "الفتح" ٩/ ٤٤٠ -: مكيّ تابعيّ صغير، ثقة عندهم، وهو والد جدّ البزّيّ المقرئ، وهو أحمد بن محمد بن عبد اللَّه بن القاسم. ويقال: أبو بزّة جدّ القاسم، لا أبوه. انتهى.
[ ٣١ / ٢٧٠ ]
المخزوميّ مولاهم، قيل: إن أصله من هَمَذَان، ثقة [٥].
قال ابن معين، والعجليّ، والنسائيّ: ثقة. وقال ابن سعد: قال محمد بن عُمر: توفي سنة أربع وعشرين ومائة بمكّة، وكان ثقة، قليل الحديث. وذكره ابن حبّان في "الثقات"، وقال: مات سنة أربع عشرة، أو خمس عشرة، وقد قيل: سنة خمس وعشرين ومائة، والأول أصحّ. وجدّه من فارس، أسلم على يد السائب بن صَيْفيّ، وَلَمْ يسمع التفسير من مجاهد أحدٌ غير القاسم، وكلّ من يروي عن مجاهد التفسير، فإنما أخذه من كتاب القاسم. وذكر البخاريّ في "الأوسط" عن أحمد بن محمد بن عبد اللَّه بن القاسم بن أبي بزّة أن جدّه القاسم مات سنة (١١٥). روى له الجماعة.
وقوله: ﴿ومن يقتُل﴾ الآية بدل من "آية مدنيّة"، أو خبر لمحذوف: أي هي: ﴿ومن يقتُل﴾.
والحديث متّفقٌ عليه، كما تقدّم. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٤٠٠٣ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، قَالَ: أَمَرَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي لَيْلَى (^١)، أَنْ أَسْأَلَ ابْنَ عَبَّاسٍ، عَنْ هَاتَيْنِ الآيَتَيْنِ: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ﴾ [النساء: ٩٣]، فَسَأَلْتُهُ؟ فَقَالَ: لَمْ يَنْسَخْهَا شَيْءٌ، وَعَنْ هَذِهِ الآيَةِ: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ [الفرقان: ٦٨]، قَالَ: نَزَلَتْ فِي أَهْلِ الشِّرْكِ).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وكلهم تقدّموا غير مرّة. و"محمد": هو ابن جعفر غندر. و"منصور": هو ابن المعتمر.
وقوله: "أمرني عبد الرحمن بن أبي ليلى" هكذا في رواية المصنف هنا، وفي "الكبرى"، وهو غلطٌ، والصواب "أمرني عبد الرحمن بن أبزى"، كما سيأتي له في آخر "كتاب القسامة" برقم (٤٨٦٥)، وهو الذي في "الصحيحين"، فقد رواه البخاريّ عن عبدان، عن أبيه، عن شعبة، ورواه مسلم عن محمد بن المثنّى، ومحمد بن بشّار، كلاهما عن غندر، عن شعبة، عن منصور، عن سعيد بن جُبير، قال: أمرني عبد الرحمن بن أبزى الخ. وأشار في هامش "الكبرى" إلى أنه يوجد في بعض النسخ: "عبد الرحمن بن أبزى"، وهذا هو الصواب، والأول تصحيف، فتنبّه. واللَّه تعالى أعلم.
_________________
(١) هذا خطأٌ، والصواب "عبد الرحمن بن أبزى"، كما سيأتي في الشرح.
[ ٣١ / ٢٧١ ]
وقوله: "هاتين الآتين" أي آية ﴿ومن يقتُل مُؤمِنًا﴾ الآية، وآية ﴿ولا يقتُلُون النّفس﴾ الآية.
وقوله: "وعن هذه الآية" هذه هي الآية الثانية المسؤول عنها. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٤٠٠٤ - (أَخْبَرَنَا حَاجِبُ بْنُ سُلَيْمَانَ الْمَنْبِجِيُّ (^١)، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي رَوَّادٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، عَنْ عَبْدِ الأَعْلَى الثَّعْلَبِيِّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ قَوْمًا كَانُوا قَتَلُوا فَأَكْثَرُوا، وَزَنَوْا فَأَكْثَرُوا، وَانْتَهَكُوا، فَأَتَوُا النَّبِيَّ - ﷺ -، قَالُوا يَا مُحَمَّدُ، إِنَّ الَّذِي تَقُولُ، وَتَدْعُو إِلَيْهِ لَحَسَنٌ، لَوْ تُخْبِرُنَا أَنَّ لِمَا عَمِلْنَا كَفَّارَةً، فَأَنْزَلَ اللَّهُ -﷿-: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ﴾ إِلَى ﴿فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ﴾ [الفرقان: ٦٨ - ٧٠]، قَالَ: يُبَدِّلُ اللَّهُ شِرْكَهُمْ إِيمَانًا، وَزِنَاهُمْ إِحْصَانًا، وَنَزَلَتْ ﴿قُلْ يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ﴾ الآية [الزمر: ٥٣] الآيَةَ).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (حاجب بن سليمان المِنبجيّ) أبو سعيد، صدوق يَهِم [١٠] ٧/ ٦٣٤ من أفراد المصنّف.
٢ - (ابن أبي روّاد) هو عبد المجيد بن عبد العزيز بن أبي روّاد بفتح الراء، وتشديد الواو- المكيّ، صدوقٌ يخطئ، وكان مُرْجِئًا، أفرط ابن حبّان، فقال: متروك [٩] ١٢٧/ ٢٩١٠.
٣ - (ابن جُريج) هو عبد الملك بن عبد العزيز بن جُريج الأمويّ مولاهم المكيّ، ثقة فقيه فاضل، يدلس ويرسل [٦] ٢٨/ ٣٢.
٤ - (عبد الأعلى الثعلبيّ) هو عبد الأعلي بن عامر الثعلبيّ الكوفيّ، صدوقٌ يَهِم (^٢) [٦] ٨٥/ ٢٠٠٩.
٥ - (سعيد بن جُبير) الأسديّ الوالبيّ مولاهم الكوفيّ، ثقة ثبت فقيه عابد [٣] ٢٨/ ٤٣٦.
٦ - (ابن عبّاس) عبد اللَّه البحر الحبر - رضي اللَّه تعالى عنهما - ٢٧/ ٣١. واللَّه تعالى أعلم.
_________________
(١) بفتح الميم، وسكون النون، وكسر الموحّدة، بعدها جيم: نسبة إلى مدينة بالشام. قاله في "لبّ اللباب" ٢/ ٢٧٦.
(٢) هكذا قال "التقريب"، وهي عبارة الساجيّ، لكن الذي في ترجمته من "تهذيب التهذيب" أن الأكثرين على تضعيفه، فتنبّه.
[ ٣١ / ٢٧٢ ]
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من سداسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير شيخه، فمن أفراده، وعبد الأعلى، فمن رجال الأربعة. (ومنها): أن فيه ابن عبّاس - رضي اللَّه تعالى عنهما - من العبادلة الأربعة، والمكثرين السبعة. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ ابْنِ عبَّاسٍ) - رضي اللَّه تعالى عنهما - (أَنَّ قَوْمًا كَانُوا قَتَلُوا) المسلمين (فَأَكْثَرُوا) من القتل (وَزَنَوْا فَأَكْثَرُوا) من الزنا (وَانْتَهَكُوا) قال الفيّوميّ: انتهك الرجل الْحُرمةَ: تناولها بما لا يحلّ. انتهى. وحُذف المفعول هنا للتعميم. والمعنى: تناولوا جميع ما حرّم اللَّه تعالى عليهم.
(فَأَتَوْا النَّبِيَّ - ﷺ -، قَالُوا: يَا مُحَمَّدُ) قال في "الفتح": في رواية الطبرانيّ من وجه آخر عن ابن عبّاس - رضي اللَّه تعالى عنهما - أن السائل عن ذلك هو وَحْشِيّ بن حَرْب قاتل حمزة - رضي اللَّه تعالى عنه -، وأنه لما قال ذلك نزلت: ﴿إِلّا من تاب وآمن وعمِل عملًا صالِحًا﴾ الآية [الفرقان: ٧٠]، فقال: هذا شرط شديد، فنزلت: ﴿قُل يا عِبادِي﴾ الآية. وروى ابن إسحاق في "السيرة" قال: حدّثني نافع، عن ابن عمر، عن عمر - رضي اللَّه تعالى عنهما - قال: "اتّعدتّ أنا وعيّاش بن أبي ربيعة، وهشام بن العاص أن نهاجر إلى المدينة"، فذكر الحديث في قصّتهم، ورجوع رفيقه، فنزلت: ﴿قُل يا عِبادِي الّذِين أسرفُوا على أنفُسِهِم﴾ الآية [الزمر:٥٣]، قال: فكتب بها إلى هشام. انتهى (^١).
(إِنَّ الَّذِي تقُولُ) من كلمة التوحيد (وَتَدْعُو إِليْهِ) من عبادة اللَّه تعالى (لَحَسَنٌ، لَوْ تُخْبِرُنَا) قال أبو العبّاس القرطبيّ -رحمه اللَّه تعالى- عنه: يحتمل أن تكون "لو" هنا للامتناع، ويكون جوابها محذوفًا، تقديره: لأسلمنا، أو نحوه. ويحتمل أن تكون للتمنّي، بمعنى "ليت"، والأول أظهر. انتهى (^٢).
(أَنَّ) بفتح الهمزة؛ لوقوعهما مفعولًا لـ "تخبر"، أو مجرورة بحرف جرّ محذوف قياسًا، كما قال ابن مالك:
وَعَدِّ لَازِمًا بِحَرْفِ جَرِّ … وَإِنْ حُذِفْ لِلمُنْجَرِّ
_________________
(١) "فتح" ٩/ ٥١٣ "تفسير سورة الزمر".
(٢) "المفهم" ١/ ٣٣١.
[ ٣١ / ٢٧٣ ]
نَقْلًا وفِي "أَنَّ" و"أَنْ" يَطَّرِدُ … مَعْ أَمْنِ لَبْسٍ كَـ"عجِبْتُ أَنْ يَدُوا
أي بأنّ لما عملنا الخ (لِمَا عَمِلْنَا) جارّ ومجرورٌ خبر مقدّم لـ "أنّ"، وقوله (كَفَّارَةً) بالنصب اسم "أنّ" مؤخّرًا.
فأنزل اللَّه -﷿-: ﴿والّذِين لا يدعُون مع اللَّهِ إِلهًا آخر﴾ إِلى ﴿فأُولئِك يُبدِّلُ اللَّه سيِّئاتِهِم حسناتٍ﴾، قال: يُبَدِّلُ اللَّهُ شِرْكَهُمْ إِيمَانًا، وزِنَاهُمْ إِحْصَانًا) هذا أحد القولين في معنى التبديل المذكور في هذه الآية الكريمة، قال الإمام ابن كثير -رحمه اللَّه تعالى- في "تفسيره": في معنى قوله تعالى: ﴿يُبدِّلُ اللَّه سيِّئاتِهِم حسناتٍ﴾ قولان:
[أحدهما]: أنهم بُدّلوا مكان عمل السيّئات بعملِ الحسنات. قال عليّ بن أبي طلحة، عن ابن عبّاس - رضي اللَّه تعالى عنهما - في الآية، قال: هم المؤمنون كانوا من قبل إيمانهم على السيّئات، فرغب اللَّه بهم عن السيّئات، فحوّلهم إلى الحسنات، فأبدلهم مكان السيّئات الحسنات. ورُوي عن مجاهد، عن ابن عبّاس أنه كان يُنشد عند هذه الآية:
بُدِّلْنَ بَعْدَ حَرِّهِ خَرِيفًا … وَبَعْدَ طُولِ النَّفَسِ الْوَجِيفَا
يعني تغيّرت تلك الأحوال إلى غيرها. وقال عطاء بن أبي رباح: هذا في الدنيا يكون الرجل على صفة قبيحة، ثمّ يُبدّل اللَّه بها خيرًا. وقال سعيد بن جُبير: أبدلهم اللَّه بعبادة الأوثان عبادة الرحمن، وأبدلهم بقتال المسلمين قتال المشركين، وأبدلهم بنكاح المشركات نكاح المؤمنات. وقال الحسن البصريّ: أبدلهم اللَّه بالعمل السيّىء العملَ الصالح، وأبدلهم بالشرك إخلاصًا، وأبدلهم بالفجور إحصانًا، وبالكفر إسلامًا. وهذا قول أبي العالية، وقتادة، وجماعة آخرين.
[والقول الثاني]: أن تلك السيّئات الماضية تنقلب بنفس التربة النَّصُوح حسنات، وما ذاك إلا لأنه كلّما تذكّر ما مضى نَدِمَ، واسترجع، واستغفر، فينقلب الذنب طاعة بهذا الاعتبار، فيوم القيامة وإن وجده مكتوبًا عليه، فإنه لا يضرّه، وينقلب حسنةً في صحيفته، كما ثبتت السنّة بذلك، وصحّت به الآثار المرويّة عن السلف - رضي اللَّه تعالى - عنهم، فعن أبي ذر - رضي اللَّه تعالى عنه -، قال: قال رسول اللَّه - ﷺ -: "إني لأعرف آخر أهل النار خروجا من النار، آخر أهل الجنة دخولا الجنة، يؤتى برجل، فيقول: نَحُّوا كبار ذنوبه، وسلُوه عن صغارها، قال: فيقال له عملت كذا، يوم كذا وكذا، وعملت كذا، يوم كذا وكذا، قال: فيقول: نعم، لا يستطيع أن ينكر من ذلك شيئًا، فيقال: فإن لك بكل سيئة حسنة، فيقول: يا رب، لقد عملت أشياء، لم أرها هنا، قال: فضحك رسول اللَّه - ﷺ -، حتى بدت نواجده" رواه مسلم.
[ ٣١ / ٢٧٤ ]
وأخرج الطبرانيّ بسنده عن أبي مالك الأشعريّ - رضي اللَّه تعالى عنه -، قال: قال رسول اللَّه - ﷺ -: "إذا نام ابن آدم قال الملك للشيطان أعطني صحيفتك، فيُعطيه إياها، فما وجد في صحيفة من حسنة محا بها عشر سيئات من صحفية الشيطان، وكتبهنّ حسنات، فإذا أراد أحدكم أن ينام، فليُكبّر ثلاثًا وثلاثين تكبيرةً، ويحمد أربعًا وثلاثين تحميدةً، ويُسبّح ثلاثين تسبيحة، فتلك مائة". ثم ذكر ابن كثير آثارًا كثيرة تدلّ على أن ذلك التبديل في الآخرة، فراجع "تفسيره" تستفد (^١).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: عندي أنه لا تنافي بين القولين، فالآية عامّة لكليهما، ولا داعي لقصرها على أحد المعنيين؛ مع صحّة الدليل على أن كلًّا من التبديلين مقصود بالآية، فتبديل اللَّه تعالى أحوالهم السيّئة بعد التربة النصوح إلى الأحول الحسنة مما لا نقاش فيه، وتبديل اللَّه تعالى لهم ذنوبهم بالحسنات، يعطيهم مكان كلّ سيئة حسنة، ثابت في الحديث الصحيح، فاتّضح أن التبديل الدنيويّ والأخرويّ معًا ثابت لهم، والآية الكريمة دالّةٌ عليه دلالة واضحة. واللَّه تعالى أعلم بالصواب.
(ونزلت: ﴿قُلْ يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ﴾ الآية) قال في "الفتح" بعد أن ذكر قصّة وحشيّ - رضي اللَّه تعالى عنه - الآنفة الذكر: في رواية الطبرانيّ: "فقال الناس: يا رسول اللَّه - ﷺ -، إنا أصبنا ما أصاب وحشيّ، فقال: هي للمسلمين عامّةً". وروى أحمد، والطبرانيّ في "الأوسط" من حديث ثوبان - رضي اللَّه تعالى عنه - قال: سمعت رسول اللَّه - ﷺ - صلى اللَّه تعالى عليه وسلم يقول: "ما أُحبّ أنّ لي بهذه الآية الدنيا، وما فيها: ﴿يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ﴾ الآية، فقال رجلٌ: ومن أشرك؟ فسكت ساعة، ثم قال: "ومن أشرك" ثلاث مرّات.
واستُدِلّ بعموم هذه الآية على غفران جميع الذنوب، كبيرِها، وصغيرِها، سواء تعلقت بحّق الآدميين، أم لا، والمشهور عند أهل السنّة أن الذنوب كلّها تُغفر بالتوبة، وأنها تُغفر لمن شاء اللَّه، ولو مات على غير توبة، لكن حقوق الآدميين إذا تاب صاحبها من العود إلى شيء من ذلك تنفعه التوبة من العود، وأما خصوص ما وقع منه فلابدّ له من ردّه لصاحبه، أو محاللته منه. نعم في سعة فضل اللَّه ما يمكن أن يعوّض اللَّه صاحب الحقّ عن حقّه، ولا يُعذّب العاصي بذلك، ويُرشد إليه عموم قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾. واللَّه أعلم. انتهى ما في "الفتح" (^٢).
_________________
(١) "تفسير ابن كثير" ٣/ ٣٣٩ - ٣٤١. في تفسير سورة الفرقان.
(٢) "فتح" ٩/ ٤١٣ - ٤١٤. "تفسير سورة الزمر".
[ ٣١ / ٢٧٥ ]
ولبعضهم في هذه الآية الكريمة من [الوافر]:
وَمِمَّا زَادنِي شَرَفًا وَتِيهًا … وَكِدتُّ بِأَخْمَصِي أَطَأُ الثُّرَيَّا
دُخُولِي تَحْتَ قَوْلِكَ ﴿يَا عِبَادِي﴾ … وَأَنْ صَيَّرْتَ لِي أَحْمَدَ نَبِيَّا
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: حديث ابن عبّاس - رضي اللَّه تعالى عنهما - هذا صحيح. [فإن قلت]: كيف يصحّ، وفي إسناده ابن أبي روّاد، وعبد الأعلى الثعلبيّ، وقد تكلّم فيهما، كما تقدّم؟.
[قلت]: نعم الإسناد فيه ضعف، لكن يصحّ بالحديث الذي بعده، فإنه متّفقٌ عليه كما سيأتي، إن شاء اللَّه تعالى.
وهو من أفراد المصنّف -رحمه اللَّه تعالى- عنه، أخرجنا هنا -٢/ ٤٠٠٤ - وفي "الكبرى" ٢/ ٣٤٦٦. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٤٠٠٥ - (أَخْبَرَنَا الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدٍ الزَّعْفَرَانِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ مُحَمَّدٍ، قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: أَخْبَرَنِي يَعْلَى، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ نَاسًا مِنْ أَهْلِ الشِّرْكِ أَتَوْا مُحَمَّدًا، فَقَالُوا: إِنَّ الَّذِي تَقُولُ، وَتَدْعُو إِلَيْهِ لَحَسَنٌ، لَوْ تُخْبِرُنَا أَنَّ لِمَا عَمِلْنَا كَفَّارَةً، فَنَزَلَتْ ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ﴾ [الفرقان: ٦٨]، وَنَزَلَتْ ﴿قُلْ يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ﴾ [الزمر: ٥٣]).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وتقدّموا غير:
١ - (يعلى) بن مسلم بن هُرمز المكيّ، بصريّ الأصل، ثقة [٦].
قال ابن معين، وأبو زرعة: ثقة. وقال يعقوب بن سفيان: مستقيم الحديث. وذكره ابن حبّان في "الثقات". وقال الآجريّ، عن أبي داود: يعلي بن مسلم بصريّ، كان بمكّة، وهو غير يعلي بن مسلم المكيّ، ذاك أخو الحسن بن مسلم. روى له الجماعة، سوى ابن ماجه، وله عند المصنّف ثلاثة أحاديث: هذا الحديث، وفي "كتاب البيعة" ١٣/ ٤١٦٧ - حديث ابن عبّاس - رضي اللَّه تعالى عنهما -، قال: إن رسول اللَّه - ﷺ -، وأبا بكر وعمر" الحديث، وفي "كتاب البيعة" أيضًا ٢٨/ ٤١٩٥ - حديث ابن عباس - رضي اللَّه تعالى عنهما -: ﴿يا أيُّها الّذِين آمنُوا أطِيعُوا اللَّه وأطِيعُوا الرّسُول﴾ [النساء: ٥٩] قال: نزلت في عبد اللَّه بن حُذافة" الحديث.
وحديث ابن عبّاس - رضي اللَّه تعالى عنهما - هذا متّفقٌ عليه، أخرجه المصنّف هنا -٢/ ٤٠٠٥ - وفي "الكبرى" ٢/ ٣٤٦٧. وأخرجه (خ) في "التفسير" ٤٨١٠ (م) في
[ ٣١ / ٢٧٦ ]
"الإيمان" ١٢٢ (د) في "الفتن" ٤٢٧٣. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٤٠٠٦ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا شَبَابَةُ بْنُ سَوَّارٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي وَرْقَاءُ، عَنْ عَمْرٍو، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: «يَجِيءُ الْمَقْتُولُ بِالْقَاتِلِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، نَاصِيَتُهُ وَرَأْسُهُ فِي يَدِهِ، وَأَوْدَاجُهُ تَشْخُبُ دَمًا، يَقُولُ: يَا رَبِّ قَتَلَنِي، حَتَّى يُدْنِيَهُ مِنَ الْعَرْشِ، قَالَ: فَذَكَرُوا لاِبْنِ عَبَّاسٍ التَّوْبَةَ، فَتَلَا هَذِهِ الآيَةَ: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا﴾ [النساء: ٩٣]، قَالَ: مَا نُسِخَتْ مُنْذُ نَزَلَتْ، وَأَنَّى لَهُ التَّوْبَةُ؟).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد رجال الصحيح، وتقدّموا.
و"رقاء": هو ابن عمر اليشكريّ، أبو بشر الكوفيّ، نزيل المدائن، صدوقٌ [٧] ٦٠/ ٨٦٦.
و"عمرو": هو ابن دينار.
وقوله: "ناصيته، ورأسه في يده": أي ناصية القاتل، ورأسه في يد المقتول، والجملة حالٌ بلا واو، بل الرابط هو الضمير، وفيها ضمير للقاتل والمقتول جميعًا، فيجوز أن تكون حالًا عنهما، أو عن أحدهما. قاله السنديّ.
وقوله: "حتى يدنيه" من الإدناء، وهو متعلّق بـ "يجيء"، أو يقول يكرر السؤال حتى يُدنيه، وضمير الفاعل للَّه تعالى، وضمير المفعول للمقتول، أو الفاعل للمقتول، والمفعول للقاتل. قاله السنديّ -رحمه اللَّه تعالى- (^١).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: الاحتمال الثاني هو الصواب؛ لما في رواية الطبرانيّ في "المعجم الكبير" ٣/ ٩٥/ ٢ - ٩٦/ ١، و"الأوسط" رقم (٤٣٧٥) بإسناد حسن بلفظ: "يجيء المقتول متعلّقًا رأسه بإحدى يديه، متلبّبًا قاتله بيده الأخرى، تشخب أوداجه دمًا، حتى يأتي به العرش، فيقول المقتول لربّ العالمين: هذا قتلني، فيقول اللَّه للقاتل: تَعِسْتَ، ويذهب به إلى النار".
وحديث ابن عباس - رضي اللَّه تعالى عنهما - هذا صحيح، أخرجه المصنّف هنا -٢/ ٤٠٠٦ - وفي "الكبرى" ٢/ ٣٤٦٨. وأخرجه (ت) في "التفسير" ٣٠٢٩. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٤٠٠٧ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، قَالَ: حَدَّثَنَا الأَنْصَارِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنْ خَارِجَةَ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ، قَالَ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ:
_________________
(١) "شرح السنديّ" ٧/ ٨٧.
[ ٣١ / ٢٧٧ ]
﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا﴾ الآية [النساء: ٩٣] كُلُّهَا بَعْدَ الآيَةِ الَّتِي نَزَلَتْ فِي الْفُرْقَانِ، بِسِتَّةِ أَشْهُرٍ).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وتقدّموا. و"الأنصاريّ": هو محمد بن عبد اللَّه بن المثنى بن عبد اللَّه بن أنس بن مالك البصريّ القاضي، ثقة [٩] ٢٣/ ١٢٣٦.
و"محمد بن عمرو" بن علقمة بن وقّاص الليثيّ المدنيّ، صدوقٌ، له أوهام [٦] ١٦/ ١٧.
و"أبو الزناد": هو عبد اللَّه بن ذكران، أبو عبد الرحمن المدنيّ الفقيه الثقة [٥] ٧/ ٧.
و"خارجة بن زيد": هو ولد زيد بن ثابت الأنصاريّ شيخه في هذا السند، وهو أحد الفقهاء السبعة المشهورين بالمدينة، المجموعين في قول بعضهم:
إِذَا قِيلَ مَنْ فِي الْعِلْمِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ … مَقَالَتُهُمْ لَيْسَتْ عَنِ الْحَقِّ خَارِجَهْ
فَقُلْ هُمْ عُبَيْدُ اللَّهِ عُرْوَةُ قَاسِمُ … سَعِيدٌ أَبُو بَكْرٍ سُلْيْمَانُ خَارِجَهْ
أبو زيد المدنيّ، ثقة [٣] ٤٥/ ١٩٢٠. و"زيد بن ثابت": هو الصحابيّ المشهور - رضي اللَّه تعالى عنه -.
وقوله: "الآية كلّها" يحتمل الرفع على أنه نائب فاعل لفعل محذوف: أي تُقرأ الآية كلُّها. ويحتمل النصب، على أنه مفعول لفعل محذوف: أي اقرأ الآية كلَّها.
وحديث زيد بن ثابت - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا صحيح، أخرجه المصنّف هنا -٢/ ٤٠٠٧ - وفي "الكبرى" ٢/ ٣٤٦٩. وأخرجه [د] في "الفتن والملاحم"٤٢٧٢. واللَّه تعالى أعلم.
وقوله (قَالَ أَبُو عَبْد الرَّحْمَنِ) أي النسائيّ -رحمه اللَّه تعالى- (مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو لَمْ يَسْمَعَهُ مِنْ أَبِى الزِّنَادِ) أشار به إلى أن هذا السند منقطع؛ لأن محمد بن عمرو لم يسمعه من أبي الزناد، وإنما سمعه بواسطة، لكن هذا لا يضرّ بصحّة الحديث؛ لأن الواسطة معروف، وهو موسى بن عُقبة، على أنه يحتمل أن يكون سمعه منه، ثم سمعه من شيخه أبي الزناد، فكان يحدّث تارةً عن هذا، وتارة عن هذا، وهذا كثير في روايات الحفّاظ.
والحاصل أن الحديث صحيح. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
ثم ذكر المصنّف -رحمه اللَّه تعالى- عنه الواسطة التي أشار إليها في كلامه السابق، فقال:
٤٠٠٨ - (أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، عَنْ عَبْدِ الْوَهَّابِ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو،
[ ٣١ / ٢٧٨ ]
عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنْ خَارِجَةَ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ زَيْدٍ، فِي قَوْلِهِ: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ﴾، قَالَ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ بَعْدَ الَّتِي فِي تَبَارَكَ الْفُرْقَانِ، بِثَمَانِيَةِ أَشْهُرٍ: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ﴾.
قَالَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ: أَدْخَلَ أَبُو الزِّنَادِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ خَارِجَةَ مُجَالِدَ بْنَ عَوْفٍ).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وتقدّموا. و"عبد الوهّاب": هو ابن عبد المجيد الثقفيّ البصريّ، ثقة، تغيّر قبل موته بثلاث سنين [٨] ٤٢/ ٤٨. و"موسى بن عقبة": هو الأسديّ مولاهم المدنيّ، ثقة فقيه، إمام في المغازي [٥] ٩٦/ ١٢٢.
والحديث صحيح، لكن الظاهر أن لفظ: "ستّة أشهر" أصحّ؛ لأنها ثبتت من طريق آخر عن أبي الزناد، فقد أخرجه الطبرانيّ في "المعجم الكبير" ٥/ ١٥٠/ ٤٨٦٩ بإسناد حسن من طريق سعيد بن أبي هلال، عن يهم بن أبي الجهم، أن أبا الزناد أخبرهم، أن خارجة بن زيد بن ثابت أخبره، عن زيد بن ثابت، قال: "لما نزلت هذه الآية التي في "الفرقان": ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ [الفرقان: ٦٨] عجِبنا للينها، فلبثنا ستة أشهر، ثم نزلت التي في "النساء": ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا (٩٣)﴾ [النساء: ٩٣] حتى فرغ" (^١). وجهم بن أبي الجهم روى عنه ثلاثة، ووثقه ابن حبّان، فيكون حسن الحديث، وبقية الرواة رجال الشيخين. واللَّه تعالى أعلم.
وقوله (قَالَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ: أَدْخَلَ أَبُو الزِّنَادِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ خَارِجَةَ مُجَالِدَ بْنَ عَوْفٍ) أشار به إلى أن هذا الإسناد السابق فيه انقطاع، حيث سقط بين أبي الزناد، وبين خارجة مجالد بن عوف، لكن الذي يظهر أنه لا انقطاع فيه؛ لإمكان حمله على أن أبا الزناد سمعه من مجالد، ثم سمعه من خارجة، بدليل رواية الطبرانيّ السابقة، حيث صرّح فيها أن خارجة أخبره، وهذا موجود كثيرًا في روايات الحفّاظ. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
ثم ذكر رواية مجالد التي أشار إليها بقوله:
٤٠٠٩ - (أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ، عَنْ مُسْلِمِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ إِسْحَاقَ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنْ مُجَالِدِ بْنِ عَوْفٍ، قَالَ: سَمِعْتُ خَارِجَةَ
_________________
(١) راجع "السلسلة الصحيحة" للشيخ الألبانيّ ٦/ ٧٠٨ - ٧٠٩. رقم ٢٧٩٩.
[ ٣١ / ٢٧٩ ]
بْنَ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ، يُحَدِّثُ عَنْ أَبِيهِ، أَنَّهُ قَالَ: نَزَلَتْ ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا﴾ [النساء: ٩٣] أَشْفَقْنَا مِنْهَا، فَنَزَلَتِ الآيَةُ الَّتِي فِي (الْفُرْقَانِ): ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ [الفرقان: ٦٨].
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "عمرو بن عليّ": هو الفلّاس. و"مسلم بن إبراهيم": هو الأزديّ الفراهيديّ البصريّ، ثقة مأمون مكثرٌ، من صغار [٩] ٦٢/ ٢٣١٥.
و"عبد الرحمن بن إسحاق": هو المدنيّ، نزيل البصرة، يقال له: عبّادٌ، صدوقٌ، رُمي بالقدر [٦] ١٠٠/ ٢٦١٨.
و"مجالد بن عوف"، ويقال: عوف بن مُجالد الحضرميّ، حجازيّ صدوقٌ [٤].
روى عن خارجة بن زيد. وعنه أبو الزناد، وقال: كان امرأ صدق. قال ابن أبي حاتم: سمع زيد بن ثابت. وذكره ابن حبّان في "الثقات" فيمن اسمه عوف. وقال الذهبيّ: لا يُعرف، تفرّد به أبو الزناد. تفرّد به المصنّف، وأبو داود، له عندهما هذا الحديث فقط.
وقوله: "أشفقنا منه": أي خِفنا من الشّدّة التي فيها، فنزلت الآية التي في (الفُرْقَانَ) للتخيف علينا. قاله السنديّ -رحمه اللَّه تعالى- (^١).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: الحديث بهذا اللفظ منكر؛ لأنه مخالف للأحاديث الصحيحة التي سبق بيانها، وذلك فيها أن آية "الفرقان" هي التي نزلت أوّلًا، ثم نزلت آية "النساء"، وفي هذه الرواية بالعكس، وهي من رواية مجالد المذكور، وهو ليس بالمشهور، ولا سيّما مع هذه المخالفة، فتأمّل.
وأما جواب السنديّ في "شرحه"، حيث قال: وهذا يفيد خلاف ما ذكره ابن عبّاس، والجمع ممكنٌ بأنه بلغ بعضًا إحدى الآيتين أوّلًا، ثم بلغتهم الثانية، فظنّوا التي بلغت ثانيًا أنها نزلت ثانيًا، إلا أن روايات هذا الحديث في نفسها أيضًا متعارضة، فالاعتماد على حديث ابن عبّاس. واللَّه تعالى أعلم. انتهى. فغير مقبول، كما أشار إليه نفسه في آخر كلامه، فالحقّ أن هذه الرواية بهذا اللفظ منكرة، والصحيح الروايات المتقدّمة الموافقة لحديث ابن عبّاس - رضي اللَّه تعالى عنهما -، فتنبّه. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".
_________________
(١) "شرح السنديّ" ٧/ ٨٨.
[ ٣١ / ٢٨٠ ]