والحديثُ لهُ سببٌ وهو أن أبا قَتَادَةَ سُكِبَ لهُ وَضُوءٌ، فجاءَتْ هِرَّةٌ تشربُ منهُ فأَصغى لها الإناءَ حتى شربَتْ، فقيلَ لهُ في ذلكَ فقالَ: قالَ رسولُ الله - ﷺ -: (إنَّها لَيْسَتْ بِنَجَسٍ)، أي فلا ينجَسُ [ما لامستْهُ] (^٣) (إنَّمَا هِيَ مِنَ الطوَّافينَ) جمع طوَّافٍ (عَلَيْكُمْ)، قالَ ابنُ الأثير (^٤): (الطائفُ الخادمُ الذي يَخْدُمُكَ برفقٍ وعنَايةٍ، والطَّوَّاف فَعَّال منه، شَبَّهها بالخَادِمِ الذي يَطُوفُ على مَولاة ويدورُ حوله [أخْذًا مِنْ قولِهِ] (^٥) تعالى [بعدهنَّ] (^٦) ﴿طَوَّافُونَ عَلَيْكُمْ﴾ (^٧)، يعني الخدم والمماليك.
وفي رواية مالك (^٨)، وأحمد (^٩)، وابن حِبان (^١٠)، والحاكم (^١١)، وغيرهم (^١٢) زيادة لفظ: "والطَّوّافات"، جمع الأول جَمْعَ مذكرٍ سالمٍ نظرًا إلى ذكور الهِرِّ، والثاني جَمْعَ مؤنثٍ سالمٍ نظرًا إلى إناثها.
_________________
(١) انظر ترجمته في: "مسند أحمد" (٤/ ٣٨٣) و(٥/ ٢٩٥ - ٣١١)، و"طبقات ابن سعد" (٦/ ١٥)، و"التاريخ الكبير" (٢/ ٢٥٨ - ٢٥٩ رقم ٢٣٨٧)، و"معجم الطبراني الكبير" (٣/ ٢٣٩ رقم ٢٦٩)، و"جامع الأصول" (٩/ ٧٧ - ٧٨ رقم ٦٦١٧)، و"تهذيب التهذيب" (١٢/ ٢٢٤ - ٢٢٥ رقم ٩٤٥)، و"الإصابة" (١١/ ٣٠٢ - ٣٠٥ رقم ٩١٣)، و"الاستيعاب" (١٢/ ٨٨ - ٩٢ رقم ٣١٣٠).
(٢) زيادة من النسخة (ب).
(٣) في النسخة (أ): "ما لابسته".
(٤) في "النهاية" (٣/ ١٤٢).
(٥) في النسخة (ب): "كقوله".
(٦) زيادة من النسخة (ب).
(٧) سورة النور: الآية ٥٨.
(٨) في "الموطأ" (١/ ٢٢ - ٢٣ رقم ١٣).
(٩) في "المسند" (٥/ ٣٠٣).
(١٠) في صحيحه (ص ٦٠ رقم ١٢١ - "موارد").
(١١) في "المستدرك"١/ ١٥٩ - ١٦٠).
(١٢) كالشافعي في "ترتيب المسند" (١/ ٢٢ رقم ٣٩)، والدارقطني (١/ ٧٥ رقم ٢٢)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (١/ ٢٤٥).
[ ١ / ١٢١ ]
فإنْ قلتَ: قد فاتَ في جمعِ المذكرِ السالم شرطُ كونِهِ يعقلُ، وهو شرطٌ لِجَمْعِهِ عَلَمًا وصفَةً. قُلْتُ: لما [نزل] (^١) منزلة من يعقل [بوصفه] (^٢) بصفته وهو الخادم [أجراهُ] (^٣) مُجراهُ في جَمْعِهِ صفة. وفي التعليل إشارةٌ إلى أنهُ تعالى لما جعلها بمنزلةِ الخادمِ في كثرةِ اتصالها بأهل المنزِلِ وملابستِها لهم، ولما فِي منزلهم، خفَّفَ تعالى على عبادِهِ بجعلها غيرَ نَجَسٍ رفعًا للحرج.
(أخرجَهُ الأربعَةُ وصحَّحَهُ الترمذيُّ، وابنُ خُزَيْمَةَ)، وصحَّحَهُ أيضًا البخاريُّ، والعقيليُّ، والدارقطني (^٤).
والحديث دليل على طهارة الهرة وسؤرها، وإنْ باشرتْ نَجَسًا، وأنه لا تقييدَ لطهارةِ فمها بزمانٍ. وقيل: لا يطهُرُ فمها إلا بمضي زمان من ليلةٍ، أو يومٍ، أو ساقَي، أو شرِبها الماءَ، أو غيبتها حتى يحصُلَ ظنٌّ بذلكَ، أو بزوالِ عينِ النجاسةِ مِنْ فمِها، وهذا الأخيرُ أوضحُ الأقوال [لأنه] (^٥) معَ بقاءِ عينِ النجاسَةِ في فمِها فالحكم بالنجاسةِ لتلك العين لا لفمها، فإنْ زالتِ العين فقد حكم الشارع بأنها ليست بنَجَس.