الرحمة، إشعارُه ناقص عن مدلول اللفظ الأول، ولا خلافَ في إطلاقه على غير الأنبياء، وهذا مما يخدش في الترادف.
ويمكن أن يقال: إن تفسيرَ الصلاة بتبيين معنى أصل موضوع الكلمة غيرُ مأخوذٍ فيه ما اختصت به إحداهما، ولا يطلق عليهما ترادفٌ حقيقي بهذا الاعتبار، وإن كان ما اختصت به إحداهما داخلًا تحت مدلول اللفظ وضعًا.
وقوله: "ثم على آله الطيبين الكرام، وأصحابه (١) نجوم الهدى الأعلام": اختلف الناس في الذين يدخلون في الصلاة، والمرادُ ها هنا أهلُه الأدْنَون (٢)، واختير لهم لفظةُ الطيبين إشارةً إلى قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ﴾ [الأحزاب: ٣٣]، وهذا جارٍ على أحد قولي المفسرين.
والكرام: جمع كريم، ويجمَعُ - أيضًا - على كُرماء، وقد حكى قوم: كَرَم، كما يقال: أَدِيم وأَدَم (٣)، والكَرَمُ في العرف الشائع يستعمل بمعنى الجود والسخاء، ويستعمل في اللغة بمعنى الفضل والرفعة، وإذا قالوا: كريم، فإنما يريدون به رفيعًا فاضلًا، والله
_________________
(١) في الأصل: "وعلى آله" بدل "وأصحابه".
(٢) وهم ذريته وأزواجه، وقد صحح ابن القيم ﵀ دخولهم في آل النبي - ﷺ - الذين تحرم عليهم الصدقة وذكر أنه منصوص الإِمام أحمد. انظر: "جلاء الأفهام" له (ص ٢١٦).
(٣) نقله الأزهري في "تهذيب اللغة" (١٠/ ٢٣٥)، (مادة: كرم) عن الليث في "العين" (٥/ ٣٦٨)، ثم قال: والنحويون يأبون ما قال الليث.
[ ١ / ١٦ ]
الكريم؛ أي: الفاضل الرفيع (١).
وقال ابن سِيْدَه: الكَرَمُ نقيض اللؤم يكون في الرجل بنفسه، وإن لم يكنْ له آباء، ويستعمل في الخيل والإبل والشجر وغيرها من الجواهر إذا عنوا العِتْق، وأصفه في الناس، قال ابن الأعرابي: كَرَمُ الفرس: أن يَرِقَ جلدُه ويَلينَ شعرُه وتطيبَ رائحته، وقد كَرُم الرجل وغيره، كرمًا وكرامة، فهو كريم وكريمة وكِرْمَة ومَكْرَم ومَكْرَمَة وكُرَّام وكُرّامة، وجمعُ الكريم كُرماء وكِرام، وجمع الكُرَّام كُرَّامون، قال سيبويه: لا يُكسَّر كُرَّام، استغنوا عن تكسيره بالواو والنون (٢). وإنه لكريم من كرائم قومه، على غير قياس، حكى ذلك أبو زيد، وإنه لكريمة من كرائم قومه، وهذا على القياس، ورجل كَرَمٌ: كريم، وكذلك الاثنان والجمع والمؤنث؛ لأنه وصف بالمصدر، وقال (٣):
لقدْ زادَ الحياةَ إلَيَّ حُبًّا بَنَاتِي، أَنّهنَّ مِن الضّعافِ
_________________
(١) المرجع السابق، (١٠/ ٢٢٣).
(٢) انظر: "الكتاب" لسيبويه (٢/ ٢١٠)، باب: تكسير ما كان من الصفات.
(٣) الأبيات لأبي خالد القَنَاني الخارجي، كما نسبها إليه المبرد في "الكامل" (٣/ ١٠٨١ - ١٠٨٢)، وابن منظور في "لسان العرب" (١٢/ ١٥١٠)، (مادة: كرم). وانظر:"شعر الخوارج" جمع إحسان عباس (ص: ٥٧ - ٥٨). وقدْ نسيت هذه الأبيات لغيره، وانظر: "إصلاح المنطق" لابن السكيت (ص - ٥٩ - ٦٠)، و"شرح أبيات مغني اللبيب" لعبد القادر البغدادي (٧/ ١٣٨ - ١٤٠)، و"تاج العروس" للزبيدي (٣٣/ ٣٣٦)، (مادة: كرم).
[ ١ / ١٧ ]
مخافةَ أَنْ يَرَيْنَ البؤسَ بَعْدِي وأَنْ يَشْربْنَ رَنْقًا (١) بعدَ صَافِ
وأنْ يَعْرَيْنَ إِنْ كُسِيَ الجَوارِي فَتَنْبُو العينُ عن كَرَيم عِجَافِ (٢)
واختار: "الصَّحابة نجوم الهدى الأعلام": إشارة إلى ما جاء في الحديث: "أصحابي كالنُّجومِ بأيِّهم اقتديتُمْ اهتديتُمْ" (٣)، ولصحة
_________________
(١) الرَّنْق: الكَدَر.
(٢) انظر: "المحكم" لابن سيده (٧/ ٢٤)، (مادة: كرم).
(٣) رواه عبد بن حميد في "مسنده" (٧٨٣)، ومن طريقه: ابن حجر في "الأمالي المطلقة" (ص: ٥٩)، من حديث ابن عمر ﵄ وقال: هذا حديث غريب تفرد به حمزة الجزري، ويقال: حمزة بن أبي حمزة النصيبي، أخرجه ابن عدي في "الكامل" (٢/ ٣٧٦)، وأخرج ابن عدي لحمزة هذا عدة أحاديث وقال: لا يتابع عليها وهي مناكير، ونقل عن يحيى بن معين أنه قال في حمزة: لا يساوي فلسًا، وعن البخاري أنه قال: منكر الحديث. وذكر ابن عبد البر في كتاب: "بيان العلم" (٢/ ٩٠) عن أبي بكر البزار: أنه سئل عن هذا الحديث فقال: هو مشهور بين الناس، وليس له إسناد يصح، رواه عبد الرحيم بن زيد العَمِّي، عن أبيه، عن سعيد بن المسيب، عن عمر، وربما قال: عن ابن عمر، والآفة فيه من عبد الرحيم، وعبد الرحيم وحمزة في الضعف سواء. قال الحافظ: وقد وقع لنا من حديث جابر، وإسناده أمثل من الإسنادين المذكورين. ثم ذكر بإسناده إلى جابر بن عبد الله ﵄ مرفوعًا: "مثل أصحابي في أمتي مثل النجوم، بأيهم اقتديتم اهتديتم"، أخرجه الدارقطني في كتاب "فضائل الصحابة"، وأخرجه ابن عبد البر من طريقه (٢/ ٩١) وقال: لا تقوم به حجة؛ لأن الحارث بن غصين مجهول. قلت: قد ذكره ابن حبان في "الثقات" (٨/ ١٨١) وقال: روى عنه حسين بن علي الجعفي، فهذا قد روى عنه =
[ ١ / ١٨ ]