(باب الحيض)
مِنَ الصِّحَاحِ:
٣٧٨ - قال أنسٌ - ﵁ -: إنَّ اليهودَ كانُوا إذا حاضَتْ المرأةُ منهُمْ لمْ
[ ١ / ٣٣٨ ]
يُؤاكِلُوها، فسألَ أصحابُ النَّبيِّ - ﷺ - النَّبِيَّ - ﷺ -، فأنزلَ الله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ﴾ الآية، فقالَ النَّبِيّ - ﷺ -: "اصنَعُوا كُلَّ شيءٍ إلَّا النِّكاحَ".
"من الصحاح":
" وقال أنس: إن اليهود كانوا إذا حاضت المرأةُ منهم لم يؤاكِلُوها"؛ يعني: يحتَرِزون عنها في الأكل والشرب.
"فسأل أصحابُ النَّبِيّ - ﷺ -"، عند عدم المؤاكلة حالةَ الحيض كما يفعل اليهود.
"فأنزل الله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ﴾ "؛ عن حكم زمان الحيض.
﴿قُلْ هُوَ أَذًى﴾ أي: الحيض قذَر، يتأذَّى الأزواج بمجامعتهن في ذلك الوقت.
﴿فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ﴾؛ أي: ابعدوا منهن.
﴿فِي الْمَحِيضِ﴾؛ أي: في مكان الحيض، وهو الفرج، يعني: إنَّ الحيض أذى يتأذى به الزوج في المجامعة فقط، دون المؤاكلة والمجالسة والافتراش معها.
"الآية، فقال النَّبِيّ - ﵊ - اصنعوا"؛ أي: افعلوا.
"كلَّ شيء" من المؤاكلة والمجالسة والملامسة والمضاجعة، "إلا النكاح"؛ أي: الجِمَاع، إطلاقًا لاسم السبب على المسبب، وهذا يدل على جواز التمتُّع بالحائض سواءٌ كان فوق الإزار أو تحته دون المجامعة.
وبه قال أبو يوسف، ومحمَّد بن الحسن، والشافعي في قوله القديم.
* * *
٣٧٩ - وقالت عائشة ﵂: كنتُ أغتَسِلُ أنا والنبيُّ - ﷺ - مِنْ إناءٍ واحدٍ وكِلانا جُنبٌ، وكانَ يأمُرُني فأتَّزِر، فيُباشِرُني وأنا حائضٌ، وكان يُخرِجَ
[ ١ / ٣٣٩ ]
رأسَهُ إليَّ وهو مُعتكِفٌ فأغسِلُه وأنا حائض.
"وقالت عائشة: كنت أغتسلُ أنا والنبي - ﵊ - من إناء واحدٍ، وكلانا جُنُب، وكان يأمرني فأتَّزِر"، صوابه: بهمزتين ثانيتهما مقلوب ألفًا كما في: آدم، فإن إدغام الهمزة في التاء لا يجوز؛ أي: أعقد الإزار في وسطي.
"فيباشِرُني"؛ أي: فيلامِسُني فوق الإزار.
"وأنا حائض"، وإنما أمرَها بالاتِّزار اتقاءً عن موضع الأذى، وهذا يدل على جواز الاستمتاع بما فوق الإزار دونَ تحته.
وبه قال أبو حنيفة، ومالك، والشافعي في قوله الجديد.
"وكان يُخرج رأسَه إليَّ وهو معتكِفٌ" في المسجد، بأنْ كان باب الحُجْرة مفتوحًا إلى المسجد، فيُخْرج رأسَه منه إلى الحُجْرة وهي فيها.
"فأغسِلُه وأنا حائض"، وهذا يدل على أن المعتكِف إذا أخرج بعض أعضائه من المسجد لم يَبطُل اعتكافُه.
* * *
٣٨٠ - وقالت: كنتُ أشربُ وأنا حائضٌ، ثمَّ أُناوِلُهُ النَّبيَّ - ﷺ -، فيضَعُ فاهُ على مَوضعِ فِيَّ، فيشرَبُ، وأتعَرَّقُ العَرْقَ وأنا حائضٌ، ثم أُناوِلُهُ النبيَّ - ﷺ - فَيَضَعُ فَاهُ على موضعِ فِيَّ.
"وقالت: كنت أشربُ وأنا حائضٌ ثم أناوله"؛ أي: أعطي الإناءَ يدَ "النبيِّ - ﵊ - فيضع فاه"؛ أي: فمَه.
"على موضعِ فيَّ" بتشديد الياء؛ أي: فمي.
[ ١ / ٣٤٠ ]
"فيشرب، وأتعَرَّقُ العَرْقَ" بفتح العين وسكون الراء؛ أي: أَفْصِلُ اللَّحم بفمي مِن العَرْق، وهو العَظْم الذي عليه اللَّحْم، من قولك: عَرقْتُ العظمَ أَعْرُقه - بالضم - إذا أكلتَ معظم اللحم الذي عليه.
"وأنا حائض، ثم أناوله النَّبِيّ - ﵊ -، فيضعُ فاه على موضع فِيَّ"، وهذا يدل على جواز مؤاكلة الحائض ومجالستها، وعلى أنَّ أعضاءَه من اليد والفم وغيرهما ليست بنجسة.
* * *
٣٨١ - وقالت: كانَ النبيُّ - ﷺ - يتَّكِيءُ في حَجْري وأنا حائضٌ، ثمَّ يقرأُ القُرآنَ.
"وقالت عائشة: كان النَّبِيّ - ﵊ - يتَّكِيءُ في حَجْرِي وأنا حائض، ثم يقرأ القرآن".
* * *
٣٨٢ - وقالت: قالَ لي النَّبيُّ - ﷺ -: "ناوِلِيني الخُمْرَةَ مِنَ المسجِدِ"، فقلت: إنِّي حائضٌ! فقال: "إنَّ حَيْضَتَكِ لَيْسَتْ في يدِكِ".
"وقالت: قال لي النَّبِيّ - ﵊ -: ناوليني"؛ أي: أعطيني.
"الخُمْرَة"، وهي - بالضم - سجادةٌ صغيرة تُعمَل من سَعَف النخل، وتُرمَل بالخيوط.
"من المسجد"، حالٌ من النبي - ﷺ -، فتكون الخُمْرة في الحجرة والنبي - ﵊ - في المسجد.
[ ١ / ٣٤١ ]
وقيل: حال من الخمرة، فيكون الأمر على العكس.
"فقلت: إنِّي حائض فقال: إن حَيضتك"، بفتح الحاء: هي الدفعة من الدم.
"ليست في يدك"؛ يعني: ليست يدك نجسةً؛ لأنها لا حيض فيها.
وروي بكسر الحاء، وهي الحالة التي تلزَم الحائض، معناه: أن حالتك ومجيء حيضتِك ليست بقدرتك واختيارك.
* * *
٣٨٣ - وقالت ميمونة ﵂: كانَ النَّبِيُّ - ﷺ - يصلي في مِرْطٍ، بعضُهُ عليَّ وبعضُهُ عليهِ، وأنا حائضٌ.
"وقالت ميمونة: كان رسول الله - ﷺ - يصلِّي في مِرْطٍ"، وهو شِبْه ملحفة كساء من صوف أو خَزِّ أو غيره، تأتزر به المرأة، وربما ألقته على رأسها ويتلفَّعُ به.
"بعضُه عليَّ وبعضُه عليه"؛ يعني: بعض المِرْط ألقاه على كتفه يصلِّي، وبعضُه عليَّ.
"وأنا حائض" ملتفَّةٌ به، وهذا يدل على أن أعضاء الحائض سوى الفرج طاهرةٌ، وإلا فالصلاة في مِرْط واحد بعضُه ملقَى على النجاسة، وبعضُه متصلٌ بالمصلي غيرُ جائز.
مِنَ الحِسَان: * * *
٣٨٤ - قال أبو هُريرة - ﵁ -، عن النَّبِيّ - ﷺ - قال: "مَنْ أَتى حائضًا أو امرأةً
[ ١ / ٣٤٢ ]
في دُبُرِها، أو كاهِنًا فقدْ كفَر بما أُنزِلَ على مُحَمَّدٍ"، ضعيف.
"من الحسان":
" قال أبو هريرة عن النَّبِيّ - ﵊ - أنَّه قال: مَن أتى حائضًا"؛ أي: جامعَها، يشمل المنكوحةَ والأَمَة وغيرهما، وكذلك قوله:
"أو امرأةً في دُبُرها، أو كاهنًا"؛ أي: أتى كاهنًا، وهو الذي يُخبر عن الكوائن في المستقبَل، ويدَّعي معرفةَ الأسرار.
"فقد كفر بما أُنزِلَ على محمَّد"، ويؤوَّل الحديث بالمستَحِلِّ والمُصَدِّق؛ لأن تحليل الحرام كفرٌ، وإلا يكون فاسقًا، فمعنى الكفر حينئذٍ كفرانُ نِعمة الله، أو إطلاق اسم الكفر عليه لكونه من خصال الكفار الذين عادتُهم عصيان الله تعالى.
"ضعيف".
* * *
٣٨٦ - عن معاذ بن جبل - ﵁ - قال: سأَلتُ رسولَ الله - ﷺ - عمَّا يَحِلُّ للرجلِ مِنْ امرأتِهِ وهي حائضٌ؟ قال: "ما فَوْقَ الإِزار، والتَّعفُّفُ عن ذلكَ أفضل" إسناده ليس بقوي.
"وعن معاذ بن جبل أنَّه قال: سألت رسول الله - ﷺ - عما يحِلُّ للرجل من امرأته وهي حائض، قال: ما فوق الإزار والتعفّف"؛ أي: الاحتراز "عن ذلك"؛ أي: عما فوق الإزار.
"أفضل، إسنادُه ليس بقوي"، وحكمُه أَيضًا ضعيفٌ لمَا مرَّ أنَّه - ﵊ - أمرَ عائشة بالاتزار، ويباشِرُها فوق الإزار، ولو كان التعفُّف عما فوق الإزار أفضلَ لتعفَّفَ - ﵊ - عن ذلك.
* * *
[ ١ / ٣٤٣ ]
٣٨٥ - عن ابن عبَّاس - ﵄ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: "إذا وقَعَ الرجلُ بأهلِهِ وهي حائضٌ فلْيَتَصَدَّقْ بنصْفِ دِينارٍ".
ويُروى: "إذا كانَ دَمًا أحمرَ فدِيْنارٌ، وإذا كانَ أصفَرَ فنِصْفُ دينارٍ".
"عن ابن عباس عن النَّبِيّ - ﵊ - أنَّه قال: إذا وقعَ الرجلُ"؛ أي: جامعَ "بأهله وهي حائضٌ فليتصدق بنصفِ دينار"، وإنما أمره - ﵊ - بالتصدُّق بطريق الاستحباب، وعليه الاستغفار.
وبه ذهب مالك، والشافعي في قوله الجديد الأصح، وأبو حنيفة، وذهب أَحْمد بن حنبل والقول القديم للشافعي إلى أنَّه بطريق وجوب الكَفارة المذكورة.
"ويُروى: إذا كان دمًا أحمرَ فدينارٌ"، وهذا لأن أقلَّ المقادير المتعلقة بالفروج عشرة دراهم، وهو دينار.
"وإنْ أصفرَ فنصف دينار"؛ لأن الصفرة متردِّدة بين الحمرة والبياض، فبالنظر إلى الثاني لا يجب بشيء، وبالنظر إلى الأول يجب الكل فينصف.
* * *