قال الله تعالى: (وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ) (الحج: ٣٠) وقال تعالى: (وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ) (الحج: ٣٢)، (وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ) (الحجر: ٨٨)، وقال تعالى: (مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا) (المائدة: ٣٢) .
[الشَّرْحُ]
قال المؤلف - رحمه الله تعالى -: " باب تعظيم حرمات المسلمين وبيان حقوقهم والشفقة عليهم ورحمتهم" فالمسلم له حق على أخيه المسلم، بل له حقوق متعددة، بيَّنها النبي ﷺ في مواضع كثيرة:
منها: إذا لقيه فليسلم عليه، يلقي ﵇، يقول: السلام عليكم، ولا يحل له أن يهجر أخاه فوق ثلاث، يلتقيان فيعرض هذا ويعرض هذا، وخيرهما الذي يبدأ بالسلام.
ولكن لك أن تهجره لمدة ثلاثة أيام، إذا رأيت في هذا مصلحة، ولك أن تهجره أكثر إذا رأيته على معصية أصرّ عليها ولم يتب منها، فرأيت أن هجره يحمله على التوبة، ولهذا كان القول الصحيح في الهجر أنهم رخصوا فيه خلال ثلاثة أيام، وما زاد على ذلك فينظر فيه للمصلحة؛ إن كان فيه خيرٌ فليفعل، وإلا فلا، حتى لو جاهر بالمعصية، فإذا لم يكن في هجره مصلحة فلا تهجره.
[ ٢ / ٥٤٠ ]
ثم ساق المؤلف عدة آيات منها قوله تعالى: (وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ) (الحج: ٣٠)، ومن يعظم حرماته: أي ما جعله محترمًا من الأماكن أو الأزمان أو الأشخاص، فالذي يعظم حرمات الله فهو خيرٌ له عند ربه، ومن كان يكره أو يشق عليه تعظيم هذا المكان كالحرمين مثلًا والمساجد، أو الزمان كالأشهر الحرم " ذي القعدة وذي الحجة والمحرم ورجب" وما أشبه ذلك، فليحمل على نفسه وليكرهها على التعظيم.
ومن ذلك تعظيم إخوانه المسلمين، وتنزيلهم منزلتهم، فإن المسلم لا يحل له أن يحقر أخاه المسلم، قال النبي ﵊: " بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم".
" بحسب" الباء هنا زائدة والمعنى: حسبه من الشر أن يحقر أخاه المسلم بقلبه، أو أن يعتدي فيوق ذلك بلسانه أو بيده على أخيه المسلم، فإن ذلك حسبه من الإثم والعياذ بالله، وكذلك أيضًا تعظيم ما حرمه الله ﷿ في المعاهدات التي تكون بين المسلمين وبين الكفار، فإنه لا يحل لأحد أن ينقض عهدًا بينه وبين غيره من الكفار.
ولكن المعاهدون ينقسمون إلى ثلاثة أقسام:
القسم الأول: الذين أتموا عهدهم فهؤلاء نتمم عهدهم
[ ٢ / ٥٤١ ]
القسم الثاني: الذين خانوا أو نقضوا، قال الله تعالى: (فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ) (التوبة: ٧)، فهؤلاء ينتقض عهدهم كما فعلت قريش في الصلح الذي جرى بينها وبين النبي ﷺ في الحديبية، فإنهم وضعوا الحرب بينهم عشر سنين، ولكن قريشًا نقضوا العهد، فهؤلاء ينتقض عهدهم، ولا يكون بيننا وبينهم عهد، وهؤلاء قال الله فيهم: (أَلا تُقَاتِلُونَ قَوْمًا نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ وَهَمُّوا بِإِخْرَاجِ الرَّسُولِ وَهُمْ بَدَأُوكُمْ أَوَّلَ مَرَّةَ) (التوبة: ١٣) .
والقسم الثالث: من لم ينقض العهد لكن نخاف منه أن ينتقض العهد، فهؤلاء نبلغهم بأن لا عهد بيننا وبينهم، كما قال تعالى: (وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ) (لأنفال: ٥٨) .
فهذه من حرمات الله ﷿، وكل الله من زمان أو مكان أو إيمان فهو من حرمات الله ﷿ فإن الواجب على المسلم أن يحترمه، ولهذا قال الله تعالى: (وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّه) (الحج: ٣٠)، وقال: (وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ) (الحج: ٣٢) .
الشعائر: العبادات الظاهرة سواء كانت كبيرة أم صغيرة؛ مثل الطواف بالبيت، والسعى بين الصفا والمروة، والأذان والإقامة، وغيرها من شعائر الإسلام فإنها إذا عظمها الإنسان كان ذلك دليلًا على تقواه، فإن التقوى هي التي تحمل العبد على تعظيم الشعائر. أما ألاية الثالثة فهي قوله تعالي: وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ)
[ ٢ / ٥٤٢ ]
(الحجر: ٨٨) وفي الاية الأخروي:) لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ) (الشعراء: ٢١٥)، والمعني تذلل لهم لهم في المقال والفعال؛ لأن الؤمن مع أخيه رحيم به، شفيق به، كما قال تعالي في وصف النبي صلي الله عليه وسلم ومن معه:) أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ) (الفتح: ٢٩) .
وفي قوله تعالى: (وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ) (الحجر: ٨٨)، دليلٌ على أن الإنسان مأمور بالتواضع لإخوانه وإن كان رفيع المنزلة، كما يرتفع الطير بجناحه، فإنه وإن كان رفيع المنزلة فليخفض جناحه وليتذلل وليتواضع لإخوانه. وليعلم أن من تواضع لله رفعه الله ﷿، والإنسان ربما يقول لو تواضعت للفقير وكلمت الفقير، أو تواضعت للصغير وكلمته أو ما أشبه ذلك، فربما يكون في هذا وضع لي، وتنزيل من رتبتي، ولكن هذا من وساوس الشيطان، فالشيطان يدخل على الإنسان في كل شيء، قال تعالى عنه: (قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ) (ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ) (لأعراف: ١٦-١٧) .
فالشيطان يأتي الإنسان ويقول له: كيف تتواضع لهذا الفقير؟ كيف تتواضع لهذا الصغير؟ كيف تكلم فلانًا؟ كيف تمشي مع فلان؟ ولكن من تواضع لله رفعه الله ﷿، حتى وإن كان عالمًا أو كبيرًا أو غنيًا، فإنه ينبغي أن يتواضع لمن كان مؤمنًا، أما من كان كافرًا فإن الإنسان لا يجوز له أن يخفض جناحه له، لكن يجب عليه أن يخضع للحق بدعوته إلى الدين، ولا يستنكف عنه ويستكبر فلا يدعوه، بل يدعوه ولكن بعزة وكرامة، ودون
[ ٢ / ٥٤٣ ]
إهانة له، فهذا معنى قوله: (وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ) (الحجر: ٨٨) .
وفي الآية الثانية: (وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ) (الشعراء: ٢١٥)، فهذه وظيفة المسلم مع إخوانه، أن يكون هينًا لينًا بالقول وبالفعل؛ لأن هذا مما يوجب المودة والألفة بين الناس، وهذه الألفة والمودة أمرٌ مطلوب للشرع، ولهذا نهى النبي ﵊ عن كل ما يوجب العداوة والبغضاء، مثل البيع على بيع المسلم، والسوم على سوم المسلم، وغير ذلك مما هو معروف لكثير من الناس، والله الموفق.
* * *
وقال تعالى: (مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا) (المائدة: ٣٢)
٢٢٢- وعن أبي مُوسى - ﵁- قال: قال رسول الله ﷺ: " المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضًا" وشبك بين أصابعه، متفق عليه.
[الشَّرْحُ]
سبق ذكر عدة آيات في بيان تعظيم حرمات المسلمين، والرفق بهم، والإحسان إليهم، ومن جملة الآيات التي فيها بيان تعظيم حرمة المسلم
[ ٢ / ٥٤٤ ]
قوله تعالى: (مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا) (المائدة: ٣٢)، بين الله في هذه الآية أن من قتل نفسًا بغير نفسه أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعًا؛ لأن حرمة المسلمين واحدة، ومن انتهك حرمة شخص من المسلمين، فكأنما انتهك حرمة جميع المسلمين، كما أن من كذب رسولًا واحدًا من الرسل، فكأنما كذب جميع الرسل. ولهذا أقرأ قوله تعالى: (كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ) (الشعراء: ١٠٥)، مع أنهم لم يكذبوا إلا واحدًا، فإنه لم يُبعث رسولٌ قبل نوح، وما بعد نوح لم يدركه قومه، لكن من كذب رسولًا واحدًا فكأنما كذّب جميع الرسل، ومن قتل نفسًا محرمة، فكأنما قتل الناس جميعًا؛ لأن حرمة المسلمين واحدة، ومن أحياها أي سعى في إحيائها وإنقاذها من هلكة؛ فكأنما أحيا الناس جميعًا.
وإحياؤها وإنقاذها من الهلكة تارة يكوم من هلكة لا قبل للإنسان بها فتكون من الله، مثل أن يشبّ حريق في بيت رجل، فتحاول إنقاذه، فهذا إحياء للنفس.
وأما القسم الثاني فهم ما للإنسان فيه قبلٌ، مثل أن يحاول رجل العدوان على شخص ليقتله، فتحول بينه وبينه وتحميه من القتل، فأنت الآن أحييت نفسًا. ومن فعل ذلك فكأنما أحيا الناس جميعًا؛ لأن إحياء شخص مسلم كإحياء جميع الناس.
وقوله ﷿: (بِغَيْرِ نَفْسٍ) يستفاد منه أن من قتل نفسًا بنفس فهو معذور ولا حرج عليه. قال الله تعالى: (وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ
[ ٢ / ٥٤٥ ]
بِالنَّفْسِ) (المائدة: ٤٥)، فإذا قتل نفسًا بحق أي بنفس أخرى فلا لوم عليه ولا إثم، ويرث القاتل من المقتول إذا قتله بحق، ولا يرث القاتل من المقتول إذا قتله بغير حق.
ولنضرب لهذا مثلًا بثلاثة أخوة قتل الكبير منهم الصغير عمدًا، فالذي يرث الصغير أخوه الأوسط، وأخوه الكبير لا يرثه؛ لأنه قتله بغير حق ثم طاب الأوساط بدم أخيه الصغير، فقتل أخاه الكبير قصاصًا، فهل يرث الأوسط من أخيه الكبير وهو قاتله؟ نعم يرث؛ لأنه قتله بحق. والكبير الذي قتل الصغير لا يرث؛ لأنه قتله بغير حق.
فالقتل بحق لا لوم فيه وليس له أثر؛ لأنه قصاص، والله تعالى يقول: (وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) (البقرة: ١٧٩) .
وقوله ﷿: (أَوْ فَسَادٍ) والفساد في الأرض ليس معناه أن يسلط الإنسان الحفار فيهدم بيتًا ولو كان ذلك بغير حق. فهذا وإن كان فسادًا، لكن لا يحل به دم مسلم، والفساد في الأرض إنما يكون بنشر الأفكار السيئة، أو العقائد الخبيثة، أو قطع الطريق، أو ترويج المخدرات أو ما أشبه ذلك، هذا هو الفساد في الأرض. فمن أفسد في الأرض على هذا الوجه فهدمه هدر حلال، يُقتل لأنه ساع في الأرض بالفساد؛ بل إن الله تعالى قال في نفس السورة: (إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ ٌ) (المائدة: ٣٣)، على حسب جريمتهم، إن كانت كبيرة فبالقتل، وإن كانت دونها فبالصلب، وإن كانت دونها فبقطع
[ ٢ / ٥٤٦ ]
أيديهم وأرجلهم من خلاف تقطع اليد اليمنى والرجل اليسرى،، وإن كان دون ذلك فبأن ينفوا من الأرض، إما بالحبس مدى الحياة. كما قال بذلك بعض أهل العلم، وإما بالطرد عن المدن كما قاله آخرون، لكن إذا كان لا يندفع شرهم بطردهم من المدن حبسوا إلى الموت.
فالحاصل: أن من قتل نفسًا لإفسادها في الأرض فلا لومه عليه؛ بل إن قتل النفس التي تسعى للإفساد في الأرض واجب، وقتل النفس بالنفس مباح إلا على رأى الإمام مالك ﵀ وشيخ الإسلام ابن تيمية، فإن قتل الغيلة واجب فيه القصاص، يعني من غافل شخصًا فقتله فإنه يُقتل حتى ولو عفا أولياء المقتول؛ لأن الغيلة شر وفساد، لا يمكن التخلص منها.
مثلًا يجيء إنسانا لشخص أثناء نومه فيقتله، فهذا يقتل على كل حال، حتى ولو قال أولياء المقتول: عفونا عنه ولا نبغي شيئًا، هذا رأي الإمام مالك وشيخ الإسلام ابن تيمية ﵀، وهو القول الحق، أنه إذا قتل إنسان غيلة فلابد من قتل القاتل، ولا خيار لأولياء المقتول في ذلك:
فالحاصل إن الله بين في هذه الآية أن قتل نفس واحدة بغير نفس أو فساد في الأرض كقتل جميع الناس، وإحياء نفس واحدة كإحياء جميع الناس، وهذا يدل على عظم القتل، ولو أن إنسانًا أحصى كم قتل من بني آدم بغير حق لم يقدر، ومع ذلك فكل نفس تقتل فعلى ابن آدم الأول الذي قتل أخاه كِفل منها، وعليه من إثمه نصيب.
وابن آدم الذي قتل أخاه، قتله حسدًا، حيث كان أول ما جاء آدم من الأبناء اثنين من بني آدم، وقد قربا قربانًا، قربة إلى الله، فتقبل الله من واحد
[ ٢ / ٥٤٧ ]
ولم يتقبل من الآخر، فقال الثني الذي لم يتقبل منه لأخيه: لأقتلنك، لماذا يتقبل الله منك ولا يتقبل مني؟ حسده على فضل الله تعالى عليه، فقال له ربه: (إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ) (المائدة: ٢٧)، يعني اتق الله ويقبل الله منك، كلن من توعد أخاه بالقتل فليس بمتقٍ لله. وفي النهاية قتله والعياذ بالله (فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَاسِرِينَ) (المائدة: ٣٠)، خسر- والعياذ بالله- بهذه الفعلة الشنيعة التي أقدم عليها.
ويقال: إنه بقي يحمل أخاه الذي قتله أربعين يومًا على ظهره، ما يدرى ماذا يفعل به، لأن القبور لم تعرف في ذلك لوقت، فبعث الله غرابًا يبحث في الأرض، يعني بأظفاره ليريه كيف يواري سوأة أخيه، وقيل إن غرابين أقتتلا فقتل أحدهما الآخر، فحفر أحدهما للثاني فدفنه، فاقتدى به هذا القاتل ودفن أخاه، وهذا من العجائب ا، تكن الغربان هي التي علمت بني آدم الدفن.
فالحاصل: أن كل نفس تقتل بغير حق؛ فعلى القاتل الأول من إثمها نصيب والعياذ بالله. وهكذا أيضًا من سنّ القتل بعد أمن الناس وصار يغتال الناس وما أشبه ذلك، وتجرأ الناس على هذا من أجل فعله، فإن عليه من الإثم نصيبًا؛ لأنه هو الذي كان سببًا في انتهاك هذا، ومن سن سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم الدين. نسأل الله أن يجعلنا وإياكم من دُعاة الخير وفاعليه. إنه جواد كريم.
* * *
[ ٢ / ٥٤٨ ]
٢٢٣-وعن ابي موسى الأشعري - ﵁ - قال: قال رسول الله ﷺ من مر في شيء من مساجدنا، أو أسواقنا، ومعه نبلٌ فيمسك، وليقبض على نصالها بكفه أن يُصيب أحدا من المسلمين منها بشيء" متفق عليه.
٢٢٥- وعن أبي هريرة﵁ - قال: " قبل النبي صلى الله عليه وسمل الحسن بن علي ﵄، وعندهُ الأقرع بن حابس، فقال الأقرع: إن لي عشرة من الولد ما قبلت منهم أحدًا، فنظر اليه رسول الله ﷺ فقال: " من لا يرحم لا يرحم" متفق عليه.
[الشَّرْحُ]
ذكر المؤلف - ﵀ - جملة من أحاديث الرفق بالمسلمين، منها حديث أبي موسى الأشعري ﵁، أن النبي ﷺ قال: " من مرّ في شيء من مساجدنا أو أسواقنا ومعه نبل فليمسك، أو ليقبض على نصالها بكفه".
النبل: السهام التي يُرمى بها، وأطرافها تكون دائمًا دقيقة تنفذ فيما تصيبه من المرمي، فإذا أمسك الإنسان بها وقى الناس شرها. وإذا تركها هكذا فربما تؤذي أحدًا من الناس، ربما يأتي أحدٌ بسرعة فتخدشه، أو يمرّ الرجل الذي يمسك بها وهي مفتوحة غير ممسكة فتخدشهم أيضًا.
[ ٢ / ٥٤٩ ]
ومثل ذلك أيضًا العصيّ، إذا كان معك عصّا فامسكها طولًا، يعني اجعل رأسها إلى السماء ولا تجعلها عرضًا؛ لأنك إذا جعلتها عرضًا آذيت الناس الذين وراءك، ربما تؤذى الذين أمامك. ومثله الشمسية أيضًا؛ إذا كان معك شمسية وأنت في السوق فارفعها، لئلا تؤذي الناس.
فكل شيء يؤذي المسلمين أو يُخشى من أذيته فإنه يتجنبه الإنسان؛ لأن أذية المسلمين ليست بالهينة. قال الله تعالى: (وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا) (الأحزاب: ٥٨) .
ومن الأحاديث التي ذكرها المصنف حديث أبي هريرة﵁ - أن النبي ﷺ قبل الحسن بن علي بن أبي طالب، وكان عنده الأقرع بن، والحسن بن على بن أبي طال هو ابن فاطمة بنت رسول الله ﷺ فجده من أمه رسول الله ﷺ، وأبوه على بن أبي طالب ابن عم النبي ﷺ، وكان النبي ﷺ يحبُ الحسن والحسين؛ لأنهما سبطاه، يفضل الحسن على الحسين، لأن الحسن قال فيه النبي ﷺ: " إن ابني هذا سيد، ولعلّ الله أن يصلح به بين فئتين من المسلمين" فكان الأمر كما قال النبي ﷺ لما حصلت الفتنة في زمن معاوية، وآلت الخلافة إلى الحسن بعد أبيه على بن أبي طالب ﵁، تنازل عنها - ﵁ - لمعاوية بن أبي سفيان حقنًا لدماء المسلمين؛ لأنه يعلم أن في الناس أشرارًا، وأنهم ربما
[ ٢ / ٥٥٠ ]
يأتون إليه ويغرونه كما فعلوا بأخيه الحسين بن علي ﵃، غرّه أهل العراق وحصل ما حصل من المقتلة العظيمة في كربلاء وقُتل الحسين.
أما الحسن ﵁ فإنه تنازل عن الخلافة لمعاوية بن أبي سفيان، فصار ذلك مصداقًا لقول النبي ﷺ: " ولعل الله أن يصلح به بين فئتين من المسلمين".
كان عند النبي ﷺ الأقرع بن حابس من زعماء بني تميم، والغالب أن أهل البادية وأشباههم يكون يهم جفاء، فقبل النبي ﷺ الحسن، فقال الأقرع: إن لي عشرة من الولد ما قبلتُ واحدًا منهم، أعوذ بالله من قلب قاسٍ لا يقبلهم ولو كانوا صغارًا، فنظر إليه النبي ﷺ وقال: " من لا يرحم لا يُرحم" يعني أن الذي لا يرحم عباد الله لا يرحمه الله، ويُفهم من هذا أن من رحم عباد الله ﵀، وهو كذلك فقد قال النبي ﷺ " الراحمون يرحمهم الرحمن"
ففي هذا دليلٌ على أنه ينبغي للإنسان أن يستعمل الرحمة في معاملة الصغار ونحوهم، وأنه ينبغي للإنسان أن يقبّل للإنسان أن يقبل أبناءه، وأبناء بناته، وأبناء أبنائه، يقبلهم رحمة بهم، واقتداءً برسل الله ﷺ، أما ما يفعله بعض الناس من الجفاء والغلظة بالنسبة للصبيان، فتجده لا يمكن صبيه من أن يحضر على مجلسه، لا أن يمكِّن صبيه من أن يطلب منه شيئًا، وإذا رآه
[ ٢ / ٥٥١ ]
عند الرجال انتهره، فهذا خلاف السنة وخلاف الرحمة.
كان النبي عيه الصلاة والسلام يصلي بالناس إحدى صلاتي العشي، إما العصر وإما الظهر، فجاءته بنت بنته " أمامة"، فكان النبي ﷺ يحملها وهو يصلي بالناس؛ إذا قام حملها، وإذا سجد وضعها. فأين هذا الخلق من أخلاقنا اليوم؟ الآن لو يجد الإنسان صبيه في المسجد أخرجه فضلًا عن كونه يحمله في الصلاة.
وكان النبي ﷺ يومًا من الأيام ساجدًا فجاءه الحسن أو الحسين فركب عليه - أي جعله راحلة له- فأطال النبي صلى الله عليه السجود، فلما سلم قال: " إن أبني أرتحلني وإني كرهت أن أقٌوم حتى يقضي نهمته".
وكان صلى الله عليه وسم ليخطب الناس يومًا على المنبر، فأقبل الحسن والحسين وعليهما ثوبان جديدان يعثران بهما، فنزل النبي ﷺ وحملهما بين يديه وقال: صدق الله (إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ) (التغابن: ١٥)
، نظرت إليى هذين الصبيين يعثران فلم أصبر" يعني فما طابت نفسه حتى نزل وحملهما.
ففي هذا كله وأمثاله دليلٌ على أنه ينبغي للإنسان أن يرحم الصغار، ويلطف بهم، وأن ذلك سبب لرحمة الله ﷿، نسأل الله أن يعمنا
[ ٢ / ٥٥٢ ]
وإياكم برحمته ولطفه وإحسانه.
* * *
٢٢٦- وعن عائشة - ﵂ - قالت: قدم ناسٌ من الأعراب على رسول الله ﷺ فقالوا: " أتقبلون صبيانكم؟ فقال: " نعم" قالوا: لكنا والله ما نقبل فقال رسول الله ﷺ: " أو أملك إن كان الله نزع من قلوبكم الرحمة؟ " متفق عليه.
٢٢٧- وعن جرير بن عبد الله - ﵁ - قال أن رسول الله ﷺ: " من لا يرحم لا يرحم الناس لا يرحمه الله " متفق عليه.
٢٢٨- وعن أبي هُريرة - ﵁ - أن رسول الله ﷺ قال: " إذا صلى أحدكم للناس فليخفف، فإن فيهم الضعيف والسقيم والكبير، وإذا صلى أحدكم لنفسه، فليطول ما شاء " متفق عليه وفي رواية: " وذا الحاجة".
[الشَّرْحُ]
قال المؤلف - رحمه الله تعالى - فيما نقله عن عائشة﵄ - قالت: جاء قوم من الأعراب إلى النبي ﷺ فسألوا: هل تقبلون صبيانكم؟ قال النبي ﷺ: "نعم". الأعراب كما نعلم جميعًا جفاة، وعندهم غلظة وشدة ولا سيما رعاة الإبل منهم، فإن عندهم من الغلظة والشدة ما يجعل
[ ٢ / ٥٥٣ ]
قلوبهم كالحجارة. نسأل الله العافية. قالوا: إنا لسنا نقبل صبياننا، فقال النبي ﵊: " أو أملك إن كان الله نزع من قلوبكم الرحمة"؟ يعني لا أملك لكم شيئًا إذا نزع الله الرحمة من قلوبكم.
وفي هذا دليلٌ على تقبيل الصبيان شفقة عليهم ورقة لهم ورحمة بهم. وفيه دليلٌ على أن الله تعالى قد أنزل في قلب الإنسان الرحمة، وإذا أنزل الله في قلب الإنسان الرجمة فإنه يرحم غيره، وإذا رحم غيره ﵀ ﷿، كم في الحديث الثاني حديث عائشة - ﵂ - أن النبي ﷺ قال: " من لا يرحم لا يرحمه الله " نسأل الله العافية.
الذي لا يرحم الناس لا يرحمه الله ﷿، والمراد بالناس: الناس الذين هم أهل للرحمة كالمؤمنين وأهل الذمة ومن شبابههم، وأما الكفار الحربيون فإنهم لا يُرحمون، بل يقتلون لأن الله تعالى قال في وصف النبي ﷺ وأصحابه (أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ) (الفتح: ٢٩)، وقال تعالى للنبي ﷺ: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ) (التوبة: ٧٣) .
ذكر الله تعالى هذه الآية في سورتين من القرآن الكريم بهذا اللفظ نفسه: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ) ذكرها الله في سورة اللتوبة وفي سورة التحريم، وقال تعالى: (وَلا يَطَأُونَ مَوْطِئًا يُغِيظُ الْكُفَّارَ وَلا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلًا إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ) (التوبة: ١٢٠) .
وكذلك أيضًا رحمة الدواب والبهائم فإنها من علامات رحمة الله عزّ
[ ٢ / ٥٥٤ ]
وجلّ للإنسان؛ لأنه إذا رق قلب المرء رحم كل شيء ذي روح، وإذا رحم كل شيء ذي روح ﵀. قيل: يا رسول الله؛ ألنا في البهائم أجر؟ قال: " نعم، في كل ذات كبد رطبة أجر"
ومن الشفقة والرحمة بالمؤمنين أنه إذا كان الإنسان إمامًا لهم، فإنه لا ينبغي له أن يطيل عليهم في الصلاة. ولهذا قال النبي ﵊: " إذا أمّ أحدكم الناس فليخفف، فإن من ورائه السقيم والضعيف وذا الحاجة والكبير" يعني من ورائه أهل الأعذار الذين يحتاجون إلى التخفيف، والمراد بالتخفيف ما وافق سنة النبي ﷺ، هذا هو التخفيف وليس المراد بالتخفيف ما وافق أهواء الناس، حتى صار الإمام يركض في صلاته ولا يظمئن. قال أنس بن مالك ﵁: ما صليت وراء إمام قطّ أخف صلاة ولا أتم صلاة من النبي ﷺ، ومع ذلك فكأن يقرأ في فجر الجمعة" آلم تنزيل" السجدة كاملة في الركعة الأولى. و(هَلْ أَتَى عَلَى الْأِنْسَانِ) (الانسان: ١) كاملة في الركعة الثانية، وكان يقرأ بسورة الدخان في المغرب، ويقرأ فيها بالمرسلات، ويقرأ فيها بالطور، ربما قرأ فيها بالأعراف، ومع هذا فهي خفيفة، قال أنس ﵁: ما صليت وراء إمام قط أخف صلاة ولا أتم صلاة من النبي ﷺ.
[ ٢ / ٥٥٥ ]
وليس هذا الحديث حجة للذين يريدون من الأئمة أن يخففوا تخفيفًا ينقص الأجر ويخالف السنة. ثم أعلم أنه قد يكون التخفيف عارضًا طارئًا، مثل ما كان النبي ﷺ يفعل، كان يدخل في الصلاة وهو يريد أن يطيل فيها، فيسمع بكاء الصبي فيوجز مخافة أن تفتتن أمه. فإذا حصل طارئ يوجب أن يخفف الإنسان صلاته فليخفف، لكن على وجه لا يخف بالواجب.
فالتخفيف نوعان:
تخفيف دائم: وهو ما وافق سنة النبي ﷺ. وتخفيف طارئ يكون أخفّ، وهو ما دعت إليه الحاجة، وهو أيضًا من السنة، فإن النبي صلى الله عليه ولسم كان إذا سمع بكاء الصبي خفف الصلاة حتى لا تفتتن أمه، والمهم أنه ينبغي للإنسان مراعاة أحوال الناس ورحمتهم.
* * *
٢٢٩- وعن عائشة - ﵂ - قالت: إن كان رسول الله ﷺ ليدع العمل. وهو يحب أن يعمل به، خشية أن يعمل به الناسُ فيُفرض عليهم" متفقٌ عليه
[ ٢ / ٥٥٦ ]
٢٣٠- وعنهما ﵂ قالت: نهاهم النبي ﷺ عن الوصال رحمة لهم فقالوا: إنك تواصل؟ قال: إني لست كهيئتكم، إني أبيتُ يُطعمُني ربي ويسقينى " متفق عليه.
معناهُ يجعلُ في قوة من أكل وشرب.
[الشَّرْحُ]
قال المؤلف رحمه الله تعالى - فيما نقله عن عائشة - ﵂ - في باب الرفق بالمسلمين والشفقة عليهم، قالت عائشة - ﵂ -: " إن كان النبي ﷺ ليدع العمل وهو يحب أن يفعله؛ خشية أن يعمل به الناس فيفرض عليهم". قولها: " إن كان" " إن" هذه مخففة من الثقيلة، وأصلها " إنّ"، ويقول النحويون: إن اسمها محذوف ويسمونه ضمير الشأن، وجملة (كان ليدع) خيرها. فالجملة هنا ثبوتية وليست سلبية. والمعنى أن النبي ﷺ كان يترك العمل وهو يحب أن يفعله، لئلا يعمل به الناس، فيفرض عليهم، فيشق عليهم.
ومن ذلك ما فعله في رمضان ﵊. صلى في رمضان ذات ليلة، فعلم به أُناسٌ من الصحابة، فاجتمعوا إليه وصلوا معه، وفي الليلة الثانية صلوا أكثر، وفي الثالثة أكثر وأكثر، ثم ترك الصلاة في المسجد، فقال ﵊: " أما بعد، فإنه لم يخف علىّ
[ ٢ / ٥٥٧ ]
مكانكم" يعني ما جرى منهم من الاجتماع " ولكني كرهت أن تفرض عليكم فتعجزوا عنها " فترك هذا القيام جماعة خوفًا من أن يفرض على الأمة وهذا من شفقته ﷺ، وكان يقول: لولا أن أشق على أمتي لفعلت كذا وكذا، أو لآمرت بكذا وكذا، مثل قوله: " لولا أن أشق على أمتي لأمرته بالسواك عند كل صلاة.
ومثله قوله ﷺ حين تأخر في صلاة العشاء حتى ذهب عامة الليل، فقال: " إنه لوقتها" يعني آخر الوقت. ثم قال: " لولا أن أشق على أمتي" فهو ﵊ كان يدع العمل ويدع الأمر بالعمل؛ خوفًا من أن يشق على الأمة.
ومن ذلك أيضًا ما روته عائشة ﵂ - أنه نهاهم عن الوصال رحمة بهم، يعني نهى الصحابة عن الوصال. والوصال يعني أن يصل الإنسان يومين فأكثر في الصيام من غير فطر، يعني يصوم الليل والنهار يومين أو ثلاثة أو أكثر، فنهاهم النبي ﷺ عن ذلك، ولكنهم ﵃ فهموا أنه نهاهم رحمة بهم لا كراهة للعمل، فواصلوا ثم واصلوا حتى هل شهر شوال، فقال ﷺ: " لو تأخر الهلال لزدتكم" يعني لأبقيتكم
[ ٢ / ٥٥٨ ]
تواصلون، قال ذلك تنكيلًا لهم، حتى يعرفوا ألم الجوع والعطش، ويكفوا عن الوصال من أنفسهم.
الحاصل أنه نهاهم عن الوصال رحمة بهم. فقالوا: إنك تواصل ونحن نقتدي بك. فقال: " إني لست كهيئتكم إني يطعمني ربي ويسقينى" يعني أنه ﵊ ليس كالأمة، بل هو يبيت عند ربه يطعمه ويسقيه، ومعنى ذلك أنه ﵊ يتهجد بالليل، ويخلو بالله ﷿ بذكره، وقراءة كلامه، وغير ذلك مما يغنيه عن الأكل والشرب، لأن الإنسان إذا اشتغل بالشيء نسي الأكل والشرب، خصوصًا إذا كان الشيء مما يحبه ويرضاه، ولهذا قال الشاعر في محبوبته:
لها أحاديث من ذكراك تشعلها
عن الشراب وتلهيها عن الزاد
يعني أنها إذا قعدت تتحدث عن هذا الرجل تكثر من ذكره حتى يلهيها ذلك عن الطعام والشراب، وهو أمر واقع واضح. حتى إن الإنسان قد يكون في الأشغال يشتغل بها، فيلهو عن الأكل والشرب، مثل طالب العلم الذي يكون منهومًا بالعلم شغوفًا به، ربما يبقى ي مكتبته يطالع من الصباح إلى المساء، فينسى الأكل والشرب، ينسى الغداء والعشاء، وربما ينسي النوم، وكذلك طالب الدنيا منهوم لا يشبع، ربما يبقى في دفاتره وحساباته فينشغل عن الأكل والشرب.
ويذكر أن رجلًا غنيًا كان يشتغل بحساباته وبكتاباته وماله وله زوجة، وكان له جار فقير متزوج، وكانوا يشعرون بأن هذا الجار الفقير يعاشر
[ ٢ / ٥٥٩ ]
زوجته المعروف، فغارت زوجة الغني؛ لأن الغني غافل عنها، فقالت له: ألا تنظر إلى جارنا يعاشر زوجته بالمعروف، ويستأنس مع أهله، ففطن الرجل الغني لهذا، فدعا الرجل الفقير وقال له: إنك رجلٌ فقيرٌ تحتاج على المال، وأنا سأعطيك مالًا تتجر به، فأعطاه المال يتجر به، فانشغل به الفقير عن اهله، وصال لا يعاشرهم ولا يؤنسهم، فصار مثل التاجر.
فالإنسان إذا انشغل بالشيء المحبوب إليه أنساه كلّ شيء، ولهذا قال النبي ﵊: " إني ابيت عند ربي يطعمني ويسقين" فلست كهيئتكم، وما زعمه بعض أهل العلم من أن المراد بالإطعام والإسقاء، الإطعام من الجنة والإسقاء من الجنة فليس بصحيح؛ لأنه لو طعم طعامًا حسيًا وشرب شرابًا حسيًا، لم يكن واصلًا، وإنما المراد بالطعام والسقي ما يشتغل به ﷺ من ذكر الله بقلبه ولسانه وجوارحه.
والحاصل: أن النبي ﷺ كان يواصل وينهى أمته على الوصال رحمة بهم، فصلوات الله وسلامه عليه وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
* * *
٢٣١- وعن أبي قتادة الحارث بن ربعي - ﵁ قال- قال: رسول الله صلى الله عليه وسل: " إني لأقوم إلى الصلاة، وأريدُ أن أُطول فيها فأسمع بُكاء الصبي، فأتجوز في صلاتي كراهية أن أشق على أمه" رواه البخاري.
[ ٢ / ٥٦٠ ]
٢٣٢- وعن جُندب بن عبد الله - ﵁ - قال: قال رسول الله ﷺ " من صلى صلاة الصبح فهو في ذمة الله، فلا يطلبنكم الله من ذمته بشيء، فإنه من يطلبه من ذكته بشيء يُدركهُ، ثم يكفه على وجهه في نار جهنم " رواه مسلم.
[الشَّرْحُ]
ذكر المؤلف - رحمه الله تعالى - في باب الرفق بالمسلمين فيما نقله عن أبي قتادة الحارث بن ربعي الأنصاري﵁ - عن النبي صل الله عليه وسلم أنه قال: " إني لأقوم إلى الصلاة وأريد أن أطول فيها فأسمع بكاء الصبي فأتجوز كراهية أن أشق على أمه" هذا الحديث من النماذج التي تدل على رحمة النبي ﷺ بأمته، كما وصفه الله تعالى به في قوله: (لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ) (التوبة: ١٢٨)
، فهو يدخل في صلاة الجماعة يريد أن يطيل فيها، والمراد الإطالة النسبية، ليست الإطالة الزائدة عما كان يفعله من قبل، فإذا سمع بكاء الصبي أوجز وخفف مخافة أن يشق على أمه؛ لأن أمه إذا سمعت بكاءه فإنه يشق عليها أن تسمع بكاء ابنها، وربما يشغلها كثيرًا عن الصلاة، فيخفف عليها الصلاة والسلام لأجل ذلك.
ففي هذا الحديث فوائد منها:
أولًا: رحمة النبي ﷺ بأمته وشفقته عليها.
ثانيًا: جواز حضور النساء إلى المساجد ليصلين مع الجماعة، وهذا
[ ٢ / ٥٦١ ]
ما لم تخرج المرأة على وجه لا يجوز، مثل أن تخرج متعطرة أو متبرجه، فإن ذلك لا يجوز؛ لأن النبي ﷺ مقال: " إيما امرأة أصابت بخورًا فلا تشهد معنا صلاة العشاء".
ثالثًا: جواز إدخال الصبيان المسجد، هذا إذا كان صبيها معها، وإن كان خارج المسجد قريبًا منه فليس فيه دلالة، لكنه يصعب أن تسمع المرآة بكاء صبيها في البيت وهي في المسجد، فالظاهر أن صبيانهن كانوا معهن فيكون فيه دليلٌ على جواز إدخال الصبيان المساجد، لكن بشرط أن لا يحصل منهم أذية لا على المسجد ولا على المصلين، فإن كان يخشى منهم أذية على المسجد كتلويثه بالبول والنجاسة؛ فإنهم يمنعون، وكذلك إذا كان يخشى منهم التشويش على الناس بالصراخ والركض والجلبة، فإنهم يمنعون أيضًا. أما إذا لم يكن منهم بأس؛ فإنه لا بأس أن يؤتى بهم إلى المساجد.
وأما حديث " جنبوا مساجدكم صبيانكم ومجانينكم" فهو ضعيف.
رابعًا: أنه يجوز للمصلى أن يسمع ما حوله ولا يلزمه أن يسدّ أذنيه، بل له أن يسمع، لكن إن كان ما حوله يشوش عليه إذا سمعه فلا يصلينَّ
[ ٢ / ٥٦٢ ]
حوله وإنما يبعد، كما لو أراد الإنسان أن يصلى في المسجد وحوله حلقة ذكر أو حلقة قرآن، ويخشي أن يشوشوا عليه إذا دنا منهم، فليبعد، وأما إذ لم يشوشوا فلا بأس أن يسمع بخلاف الاستماع فإن المصلي لا يستمع إلا إلى قراءة إمامه.
وعلى هذا إذا كنت تصلي وجاء القارئ يقرأ حديثًا أو موعظة، فلا تشد سمعك إليه، لا تستمع؛ لأن هذا غير مشروع، ولا تجعل تركيزك معه، أما إذا سمعته ولكنك ماضٍ في صلاتك لم تهتم به ولم تلتفت إليه فلا بأس.
خامسًا: ومن فوائد هذا الحديث أنه يجوز للمصلي أن يغير نيته من تطويل إلى تخفيف أو بالعكس، إذا وُجد سبب لذلك؛ لأن النبي ﷺ كان يدخل في الصلاة يريد أن يطيلها فيخفف.
فإذا دخل الإنسان في صلاته وهو يريد أن يطيل، ثم جاءه شخص وقال له: عند الباب ضيوف أو ما أشبه ذلك؛ فلا بأس أن يخفف ليذهب إلى ضيوفه كما كان الرسول ﵊ يفعل هذا.
سادسًا: ومن فوائد هذا الحديث:
أنه لا حرج على الإنسان إذا شق عليه بكاء ابنه أو ما يؤذي ابنه من ألمٍ أو شبهه؛ لأن هذا من الأمور الفطرية الطبيعية، فإن كل إنسان يشق عليه أن يسمع بكاء أبنه؛ بل إن من الناس من يشق عليه أن يسمع بكاء الصبي مطلقًا حتى ولو لم يكن أبناء له رحمة بالصبيان، ولا شك أن الرحمة بالصبيان ومراعاتهم واتقاء ما يؤذيهم من أسباب الرحمة، كما قال النبي ﷺ من
[ ٢ / ٥٦٣ ]
قبل: " من لا يرحم الناس لا يرحمه الله " و" الراحمون يرحمه الرحمن" و" إنما يرحم الله من عباده الرحماء" وأشباه هذه الأحاديث، فكون الإنسان يشق عليه بكاء الصبيان رحمة لهم، لا شك أن هذا من الخلق المحمود؛ لأنه رحمة بهؤلاء الصغار الذين هم أهل للرحمة، الله الموفق.
ثم ذكر المؤلف - ﵀ - حديث جندب بن عبد الله - ﵁- أن النبي ﷺ قال: " من صلى الفجر فهو في ذمة الله " الفجر هي الصلاة الأولى عند بعض العلماء. وعند بعض العلماء أن الصلاة الأولى هي صلاة الظهر، لكن الأصح أن الصلاة الأولي هي صلاة الفجر، والثانية: الظهر، والثالثة: العصر، وهي الوسطى، والرابعة: المغرب، والخامسة: العشاء..
وصلاة الفجر تأتي وكثيرٌ من الناس نيام، ولهذا يتكاسل عنها المنافقون، كما قال النبي ﷺ: " أثقل الصلاة على المنافقين: صلاة العشاء وصلاة الفجر، ولو يعلمون ما فيهما لاتوهما ولو حبوا"
وهي وصلاة العصر أفضل الصلوات الخمس؛ لقول النبي صلى الله عليه وسمل: " من صلى البردين دخل الجنة".
والبردان هما: الفجر والعصر؛ لأن الفجر براد الليل، والعصر براد
[ ٢ / ٥٦٤ ]
النهار، وقوله: " من صلى الفجر" ظاهره من صلى في جماعة أو غير جماعة.
وقوله: " فهو في ذمة الله " أي في عهده، يعني أنه دخل في عهد الله فكأنه معاهد لله ﷿ أن لا يصيبه أحد بسوء، ولهذا قال ﵊: " فلا يطلبنكم الله في ذمته بشيء" يعني لا يترك عهد على من صلى الفجر؛ لأنه في ذمة الله وفي عهده، فإياكم أن يطلبكم الله تعالى من ذمته بشيء، " فإنه من يطلبه من ذمته بشيء يدركه، ثم يكبه على وجهه في النار".
ففي هذا دليلٌ على أنه يجب احترام المسلمين الذين صدقوا إسلامهم بصلاة الفجر؛ لأن صلاة الفجر لا يصليها إلا مؤمن، فالمنافقون لا يشهدون الجماعة، ولا يصلون الفجر أبدًا؛ لأنهم إنما يصلون مراءاة للناس، فإذا لم يكن الناس ينتبهون لهم، فإنهم لا يصلون.
والفجر في عهد النبي ﷺ ليست كالفجر في يومنا هذا، بل كان الليل في عهد النبي ﷺ ليلًا حالكًا لا يُرى الناس فيه، فيأتي الإنسان ويذهب وهو لا يُعرف، لكن ليلنا الآن - ولله الحمد - كنهارنا بما أنعم الله علينا به من هذه الإضاءة بالكهرباء، لكنها في عهد النبي ﷺ لظلمتها ومشقتها؛ كان المنافقون لا يصلون الفجر والعشاء جماعة. والحاصل أن هذا الحديث يدل على وجوب احترام المسلمين الذين برهنوا على إسلامهم بصلاة الفجر، وإنه لا يجوز لأحد أن يعتدي عليهم.
[ ٢ / ٥٦٥ ]
٢٣٣- وعن ابن عمر - ﵄ - أن رسول الله ﷺ قال: " المسلم أخو المسلم، لا يظلمه ولا يسلمه من كان في حاجة أخيه: كان الله في حاجته، ومن فرج عن مسلم كربة فرج الله عنه بها كربة؛ من كرب يوم القيامة، من ستر مسلمًا؛ ستره الله يوم القيامة" متفق عليه.
[الشَّرْحُ]
قال المؤلف رحمه الله تعالى - فيما نقله عن عبد الله بن عمر - ﵄ - أن النبي صلى الله عليه وسمل قال: " المسلم أخو المسلم" يعني في الدين، كما قال الله ﵎: (فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا) (آل عمران: م١٠٣) وقال الله تعالى (فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آبَاءَهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ) (الأحزاب: ٥) وهذه الأخوة هي أوثق الأخوات، أوثق من أخوة النسب، فإن أخوة النسب قد يتخلف مقتضاها، فيكون أخوك من النسب عدوًا لك كارهًا لك، وذلك يكون في الدنيا وفي الآخرة. قال الله تعالى: (الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ) (الزخرف: ٦٧) .
أما أخوة الدين فإنها أخوة ثابتة راسخة في الدنيا وفي الآخرة، تنفع الإنسان في حياته وبعد مماته، لكن هذه الأخوة لا يترتب عليها ما يترتب على أخوة النسب من التوارث ووجوب النفقة وما أشبه ذلك.
ثم قال: " لا يظلمه ولا يسلمه" لا يظلمه لا في ماله، ولا في بدنه، ولا
[ ٢ / ٥٦٦ ]
في عرضه، ولا في أهله، يعني لا يظلمه بأي نوع من الظلم " ولا يسلمه يعني لا يسلمه لمن يظلمه، فهو يدافع عنه ويحميه من شره، فهو جامع بين أمرين:
الأمر الأول: أنه لا يظلمه.
والأمر الثاني: أنه لا يسلمه لمن يظلمه بل يدافع عنه.
ولهذا قال العلماء - ﵏ -: يجب على الإنسان أن يدافع عن أخيه فعرضه وبدنه وماله. في عرضه: يعني إذا سمع أحدًا يسبه ويغتابه، يحب عليه أن يدافع عنه. وكذلك أيضًا في بدنه: إذا أراد أحد أن يعتدي على أخيك المسلم وأنت قادر على دفعه، وجب عليك أن تدافع عنه، وكذلك في ماله: لو أراد أحد أن يأخذ ماله، فإنه يجب عليك أن تدافع عنه.
ثم قال ﵊: " والله في حاجة العبد ما كان العبد في حاجة أخيه" يعني أنك إذا كنت في حاجة أخيك تقضيها وتساعده عليها؛ فإن الله تعالى يساعدك في حاجتك ويعينك عليها جزاءً وفاقًا.
ويُفهم من ذلك أن الإنسان إذا ظلم أخاه؛ فإن أخوته ناقصة، وإذا أسلمه إلى من يظلمه؛ فإن أخوته ناقصة، وإذا أسلمه إلي من يظلمه، فإن أخوفه ناقصة، وإذا لم يكن في حاجته، فإن هذا يفوته الخير العظيم، وهو كون الله تعالى في حاجته.
ثم قال: " ومن فرج عن مسلم كربة من كرب الدنيا؛ فرج الله عنه كربة من كرب يوم القيامة" الكرب ما يضيق على الإنسان ويشق عليه، ويجد له في نفسه همًا وعمًا، فإذا فرجت عن أخيك هذه الكربة؛ فرج الله عنك كربة
[ ٢ / ٥٦٧ ]
من كرب يوم القيامة.
وتفريج الكربات يكون في أمور متعددة: إن كانت كربة مالية؛ فبإعطائه المال الذي تزول به الكربة، وإن كانت كربة معنوية؛ فبالحرص على رد معنويته ورد اعتباره حتى تزول عنه الكربة، وإذا كامن كربة هم وغم؛ فبأن توسع عليه وتنفس له، وتبين له أن الأمور لا تدوم، وأن دوام الحال من المحال، وتبين له ما في هذا من الأجر والثواب العظيم، حتى تهون عليه الكربة.
" ومن ستر مسلمًا ستره الله في الدنيا والآخرة" من ستر يعني: غطى عيبه ولم يبينه، فإن الله يستره في الدنيا والآخرة، وهذا ليس على إطلاقه فهناك نصوص تدل على أنه غير مطلق، فالستر قد يكون مأمورًا به محمودًا، وقد يكون حرامًا، فإذا رأينا شخصًا على معصية، وهو رجلٌ شرير منهمك في المعاصي، لا يزيده الستر إلا طغيانًا؛ فإننا لا نستره، بل نبلغ عنه حتى يُردع ردعًا يحصل به المقصود. أما إذا لم تبدر مه بوادر سيئة، ولكن حصلت منه هفوة، فإن من المستحب أن تستره ولا تبينه لأحد، لا للجهات المسؤولة ولا لغيرها، فإذا سترته ستر الله عليك في الدنيا والآخرة.
ومن ذلك أيضًا أن تستر عنه العيب الخلقي، إذا كان فيه عيب في خلقته كجروح مؤثرة في جلده أو برص أو بهق أو ما أشبه ذلك، وهو يتستر ويحب ألا يطلع عليه الناس فإنك تستره، إذا سترته سترك الله في الدنيا والآخرة. وكذلك إذا كان سيئ الخلق لكنه يتظاهر للناس بأنه حسن الخلق
[ ٢ / ٥٦٨ ]
وواسع الصدر، وأنت تعرف عنه خلاف ذلك، فاستره. فمن ستر مسلمًا ستره الله في الدنيا والآخرة فالستر كما قلت بالنسبة للأعمال السيئة التي يقوم بها الإنسان ينقسم إلى قسمين:
قسم يكون من شخص منهمك في المعاصي مستهتر، فهذا لا نستر عليه.
وقسم آخر حصل منه هفوة، فهذا هو الذي نستر عليه. أما الأمور الأخرى فالستر فيها أكمل وأفضل، الله المستعان.
* * *
٢٣٤- وعن أبي هريرة - ﵁ - قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسمل: " المسلم أخو المسلم لا يخونه ولا يكذبه ولا يخذلهُ. كل المسلم على المسلم حرامٌ: عرضه وماله ودمهُ، التقوى هاهنا، بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم" رواه الترمذي وقال: حديث حسن
[الشَّرْحُ]
قال المؤلف رحمه الله تعالى - فيما نقله عن أبي هريرة - ﵁ - أن النبي ﷺ قال: " المسلم أخو المسلم" وقد تقدم الكلام على هذه الجملة. وأن هذه الأخوة أخوة الإيمان، وأنها أقوى رابطة وأوثق من أخوة النسب، وبينا وجه ذلك فيما سبق.
[ ٢ / ٥٦٩ ]
وبين هنا في هذا الحديث أنه " لا يظلمه ولا يخونه ولا يكذبه" لا يخونه يعني لا يغدر به في محل الائتمان، إذا ائتمنه على شيء، أو على مال، أو على سر، أو على غير ذلك فإنه لا يخونه، والخيانة هي الغدر بالشخص في موضع الائتمان، ولا يجوز لأحد أن يخون أخاه المسلم حتى وإن خانه.
يعني وإن خانك أخوك المسلم فلا تخنه، لقول النبي صلى الله عليه وسمل: أدّ الأمانة إلى من ائتمنك، ولا تخن من خانك" فلو فرضنا أن شخصًا خانك في مال؛ بان أقرضته مالًا أي سلفته، ثم أنكر بعد ذلك وقال: لم تقرضني شيئًا؛ فإنه لا يحل لكل أن تخونه فتقترض منه ثم تنكره، بل أد إليه أمانته وأسال الله الحق الذي لك؛ لقول ﵊: " لا تخن من خانك".
كذلك أيضًا " لا يكذبه" أي لا يحدثه بكذب، والكذب حرام، وكلما كان آثاره أسوأ كان أشد إثمًا. وليس في الكذب شيء حلالًا، وأما من ادعاه بعض العامة حيث يقولون: إن الكذب نوعان: أسود وأبيض، فالحرم هو الأسود، والحلال هو الأبيض، فجوابه: أن الكذب كله أسود، ليس فيه شيء أبيض، لكن يتضاعف إثمه بحس ما يترتب عليه، فإذا كان يترتب عليه أكل مال المسلم، أو غررٌ على مسلم، صار اشد إثمًا، وإذا كان لا يترتب عليه أي شيء من الأضرار، فإنه أخف ولكنه حرام.
لكن ورد عن النبي ﷺ " إنه رخص في الكذب عند الإصلاح بين
[ ٢ / ٥٧٠ ]
الناس وفي الحرب، وفي حديث الرجل امرأته. وحديثها إياه"
ولكن كثيرًا من العلماء قال: إن المراد بالكذب في هذا الحديث ليس الكذب الصريح، وإنما هو التورية، والتورية تسمى كذبًا، كما قال إبراهيم ﵊ حين يأتي الناس له يوم القيامة ليشفع لهم: إنه كذب ثلاث كذبات، وهو لم يكذب ولكنه ورى تورية، يعني أظهر للمخاطب شيئًا غير الذي يريده نهو، فبعض العملاء يقول: إن هذا الحديث الذي فيه أن الكذب يجوز في هذه الأشياء الثلاثة، يراد به كذب التورية لا الكذب الصريح، وعلى هذا فلا يستثنى من الكذب شيء، وكل الكذب حرام، ثم أعلم الكذب يحار فيه الإنسان ويعجز عنه معالجته كما قيل:
لي حيلة في من ينمُّ وليس في الكذاب حيلة
من كان يخلق ما يقولُ فحيلتي فيه قليله
الذي ينمُّ والذي يلقي النميمة بين الناس، لي فيه حيلة أي يمكن أن احتال واتخلص منه ومن شره، لكن الذي يكذب يقول فعلت وفعلت وهو كاذب. ليس في فيه حيلة إذا كان يخلق ما يقول وما شاء قاله، فهذا مشكل ليس لي فيه حيلة، ولهذا قال هنا: " ولا يكذبه".
وفي لفظ " ولا يحقره" يعني لا يحتقره ولا يستصغره، حتى وإن كان اكبر منه سنًا، وإن كان أكثر منه مالًا، وإن كان أغزر منه عالمًا فلا يحقره.
[ ٢ / ٥٧١ ]
واحتقار الناس من الكبر- والعياذ بالله - قال النبي ﷺ: " الكبر بطر الحق، وغمط الناس" بطر الحق يعني ردّه، وغمط الناس يعني احتقارهم وازدراءهم فالمسلم يرى أخاه بعين الإكبار ويحترمه ويعظمه، والعامة يقولون: احترام الناس يحترمونك، يعني من راي الناي يعني الاحتقار وأوه بعين الاحتقار ظن ومن رآهم بين الإكثار والإجلال، راوه بعين والإجلال، وهذا شيء مشاهد.
ولهذا تجد الرجل المتواضع اللين الهين محترمًا عند الناس كلهم، لا أحد يكرهه، ولا أحد يسبه والإنسان الشامخ بأنفه المستكبر المحتقر لغيره، تجده مكروهًا مذمومًا عند الناس، ولولا حاجة الناس إليه إذا كانو يحتاجون غليه ما كلمه أحد؛ لأنهم يحتقرونه.
ثم قال ﵊: " التقوى ها هنا" أشار إلى صدره ثلاث مرات، يعني أن التقوى في القلب فإذا اتقى القلب؛ أتقت الجوارح، وهذا كقوله ﷺ: " ألا وإن ف الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كله، إلا وهي القلب" فإذا كان في قلب الإنسان تقوى لله ﷿ وخوفٌ منه وخشيه له، استقامت أعماله الظاهرة؛ لأن الأعمال الظاهرة تتبع القلب.
وقد مثل بعض العلماء ومنهم أبو هريرة رضي الله عن بالقلب بالملك
[ ٢ / ٥٧٢ ]
المطاع مع جنوده، فالملك المطاع مع جنوده إذا أمرهم بشيء أطاعوه، ولكن بعض العلماء قال: إن هذا المثال أنقص من قول النبي ﷺ: " إذا صلحت صلح الجسد كله" وذلك لأن الملك مع جنوده وإن كان مطاعًا فإنهم لا يصلحون بصلاحه، لكن القلب إذا صلح صلح الجسد، وإذا اتقي اتقى الجسد.
واعلم أن من الناس من يجادل بالباطل بهذا الحديث، فإذا أمرته بمعروف، أو نهيته عن منكر، قال، التقوى هاهنا تقول له: لا تحلق لحيتك فحلق اللحية حرام، وحلق اللحية من طريقة المجوس والمشركين، وإعفاء اللحية من هدي النبيين والمرسلين وأولياء الله الصالحين. إذا قلت له هذا قال: التقوى هاهنا. التقوى ها هنا. نقول له: كذبت وإنه ليس في قلبك تقوى، لو كان في قلبك تقوى لاتقيت الله؛ لأن القلب إذا اتقى اتقت الجوارح، وإذا انهمك في معصية الله انهمكت الجوارح.
وفي قوله: "التقوى ها هنا " وإشارته على صدره دليلٌ على أن العقل في القلب الذي في الصدر، وهذا هو المطابق للقرآن تمامًا، قال الله تعالى (أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ) (الحج: ٤٦)، فقال: (قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا)، ثم قال (وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ) .
وليس القلب هو الخ كما يظنه بعض الجهال، فالعقل في القلب. ولكن المخ لا شك أن له اثرًا في أعمال العبد، في حركاته، وفي سكناته، لكنهم قالوا: إن المخ مثل الخادم، يهيئ الأشياء ويطبخها، ثم يبعث بها
[ ٢ / ٥٧٣ ]
إلي القلب، ثم يصدر القلب الأوامر على المخ من اجل أن المخ يدبر الأعصاب وبقية الجسم، فيكون هذا المخ خادمًا للقلب عند تصدير الأشياء إليه واستصدارها منه فالأشياء تمر من القلب ذاهبة وآتيه إلى المخ، والمخ هو الذي يحرك البدن، ولذلك إذا اختل المخ اختل كل شيء.
ثم قال ﷺ " بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم" يعني لو لم يكن من الشر للمسلم إلا أن يحقر أخاه ويستصغره ويستذله، لكان كافيًا في الإثم والعياذ بالله، في هذا التحليل أعظم زاجر من احتقار أخيك المسلم، وأن الواجب عليك أن تحترمه وتعظم بما فيه من الإسلام والإيمان.
ثم قال ﷺ: " كل المسلم على المسلم حرام، دمه وماله وعرضه": " كل المسلم على المسلم حرام، دمه "فلا يعتدي على المسلم بقتل أو جرح او غير ذلك " وماله" فلا يؤخذ ماله، ولا غصبًا، ولا سرقة، ولا خيانة، ولا دعوى ما ليس له، ولا غير ذلك بأي طريق، فلا يحل لك أن تأخذ مال أخيك بغير حق فإنه حرامٌ عليك.
" وعرضه" بأن لا تنتهك عرضه، وتتكلم فيه بين الناس، سواء كنت صادقًا فيما تقول أو كاذبًا؛ لأن النبي ﷺ لما سئل عن الغيبة فقال: " ذكرك أخاك بما يكره" قالوا: يا رسول الله، أريت إن كان في أخي ما أقول؟ قال: إن كان فيه ما تقول فقد اغتبته، وإن لم يكن فيه ما تقول فقد بهته"
[ ٢ / ٥٧٤ ]
فالواجب على المسلم أن يحترم أخاه في ماله وعرضه ودمه كما قال ﷺ ": " كل المسلم على المسلم حرام، دمه وماله وعرضه".
* * *
٢٣٥- وعنه قال: قال رسول الله ﷺ " لا تحاسدوا، ولا تجاسسوا، ولا تباغضوا، ولا تدابروا، ولا يبع بعضكم على بيع بعض، وكونوا عباد الله إخوانا، المسلم أخو المسلم: لا يظلمه ولا يحقره، ولا يخذلهُ، التقوى ها هنا - ويشير إلى صدره ثلاث مرات - بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم، كل المسلم على المسلم حرام دمه وماله وعرضه" رواه مسلم.
" النجش " أن يزيد في ثمن سلعة ينادى عليها في السوق ونحوه، ولا رغبة له في شرائها بل يقصد أن يغر غيره وهذا حرامٌ" والتدابر " أن يعرض عن الإنسان ويهجره ويجعله كالشيء الذي وراء الظهر والدبر.
[الشَّرْحُ]
قال المؤلف - رحمه الله تعالى - فيما نقله عن أبي هريرة﵁ - أن النبي ﷺ قال: " لا تحاسدوا " أي لا يحسد بعضكم بعضًا. والحسد أن يكره الإنسان ما أنعم الله به على غيره هذا الحسد، ومثاله أن تكره أن الله أنعم على هذا الرجل بالمال، أو البنين، أو بالزوجة، أو بالعلم أو بالعبادة، أو بغير ذلك من النعم سواء تمنيت أن تزول أن لم تتمن.
وإن كان بعض العلماء يقول: إن الحسد أن يتمنى زوال نعمة الله على
[ ٢ / ٥٧٥ ]
غيره، ولكن هذا أخبث وأشده، وإلا فمجرد كراهة الإنسان أن ينعم الله على الشخص فهو حسد، والحسد، من خصال اليهود، فمن حسد فهو متشبه بهم والعياذ بالله، قال الله تعالى (وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ) (البقرة: ١٠٩) وقال تعالى فيهم: (أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُمْ مُلْكًا عَظِيمًا) (النساء: ٥٤)، ولا فرق بين أن تكره ما أنعم الله على غير ليعود هذا الشيء إليك، أو ليرتفع عن أخيك وإن لم يعد إليك.
وأعلم أن في الحسد مفاسد كثيرة:
منها: أنه تشبه باليهود أخبث عباد الله وأخس عباد الله، الذين جعل الله منهم القردة والخنازير وعبد الطاغوت.
ومنها: أن فيه دليلًا على خبث نفس الحاسد، وأنه لا يحب لإخوانه ما يحب لنفسه؛ لأن من أحب لإخوانه ما يحب لنفسه؛ لم يحسد الناس على شيء؛ بل يفرح إذا أنعم الله عليه غيره بنعمة ويقول: اللهم آتني مثلها، كما قال الله تعالى: (وَلا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ) (النساء: ٣٢) .
ومنها: أن فيه إعتراضًا على قدر الله ﷿ وقضائه، وإلا فمن الذي أنعم على هذا الرجل؟ الله ﷿، فإذا كرهت ذلك فقد كرهت قضاء الله وقدره، ومعلوم أن الإنسان إذا كره قضاء الله وقدره فإنه على خطر في دينه - نسأل الله العافية-؛ لأنه يريد أن يزاحم ربّ الأرباب جلّ وعلا في تدبيره
[ ٢ / ٥٧٦ ]
وتقديره.
ومن مفاسد الحسد: أنه كلما أنعم الله على عباده نعمة؛ التهبت نار الحسد في قلبه فصار دائمًا في حسده وفي غم، لأن نعم الله على العباد لا تحصى، وهو رجلٌ خبيث كلما أنعم اله على عبده نعمة على ذلك الحسد في قلبه حتى يحرقه.
ومن مفاسد الحسد: انه يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب كما قال ﷺ: " إياكم والحسد، فإنه يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب"
ومن مفاسده: أنه يعرقل الإنسان على السعي في الأشياء النافعة؛ لأنه دائمًا يفكر ويكون في غم؛ كيف جاء هذا الرجل مالٌ؟ كيف جاءهم علم؟ كيف جاءه ولد؟ كيف جاءه زوجة ما أشبه ذلك، فتجده دائمًا منحسرًا منطويًا على نفسه، ليس له هم إلا تتبع نعم الله على العباد واغتمامه بها، نسأل الله العافية.
ومن مفاسد الحسد: أنه ينبئ عن نفس شريرة ضيقة، لا تحب الخير وإنما هي نفس أنانية تريد أن يكون كل شيء لها.
ومن مفاسد الحسد أيضًا: أنه لا يمكن أن يغير شيء مما قضاه الله ﷿ ابدأً، مهما عملت، ومهما كرهت. ومهما سعيت لإخوانك في إزالة نعم الله عليهم، فإنك لا تستطيع شيئًا.
ومن مفاسده: أنه ربما يتدرج بالإنسان إلى أن يصل إلى درجة
[ ٢ / ٥٧٧ ]
الذي يحسد الناس، لأن العائن نفسه شريرة حاسدة حاقدة، فإذا رأى ما يعجبه انطلق من هذه النفس الخبيثة مثل السهم حتى يصيب بالعين، فالإنسان إذا حسد وصار فيه نوع من الحسد، فإنه يترقى به الأمر حتى يكون من أهل العيون الذين يؤذون الناس بأينهم، ولا شك أن العائن عليه من الوبال والنقمة بقدر ما ضرّ العباد. إن ضرهم بأموالهم فعليه من ذلك إثم أو بأبدانهم أو بمجتمعهم، ولهذا ذهب كثيرٌ من أهل العلم إلى تضمين العائن كل ما أتلف، يعني إذا عان أحدًا وأتلف شيئًا من ماله أو أولاده أو غيرهم، فإنه يضمن، كما أنهم قالوا: إن من اشتهر بذلك، فإنه يجب أن يُحبس إلا أن يتوب، يحبس أتقاء شره، لأنه يؤذى الناس ويضرهم فيحبس كفًا لشره.
ومن مفاسد الحسد: انه يؤدي إلى تفرق المسلمين؛ لأن الحاسد مكروه عند الناس مبغض، والإنسان الطيب القلب الذي يحب لإخوانه ما يحب لنفسه، تجده محبوبًا من الناس، الكل يحبه، ولهذا دائمًا نقول: والله فلان هذا طيب ما في قلبه حسد، وفلان رجلٌ خبيثٌ حسود وحقود وما أشبه ذلك.
فهذه عشر مفاسد كلها في الحسد، وبهذا نعرف حكمة النبي صلى الله عليه وسل حيث قال: " لا تحاسدوا" أي لا يحسد بعضكم بعضًا، فإن قال قائل: ربما يجد الإنسان في نفسه إنه يحب أن يتقدم على غيره في الخير، فهل هذا من الحسد؟ فالجواب: أن ذلك ليس من الحسد؛ بل هذا من التنافس في الخيرات، قال الله تعالى: (لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ) (الصافات: ٦١) فإذا
[ ٢ / ٥٧٨ ]
أحب الإنسان أن يتقدم على غيره في الخير، فها ليس من الحسد في شيء الحسد أن يكره الخير لغيره.
واعلم أن للحسد علامات: منها أن الحاسد يحب دائمًا أن يخفي فضائل غيره، فإذا كان إنسان ذا مال، ينفق ماله في الخير من صدقات وبناء مساجد، وإصلاح طرق، وشراء كتب يوقفها على طلبة العلم وغير ذلك فتجد هذا الرجل الحسود إذا تحدث الناس على هذا المحسن يسكت وكأنه لم يسمع شيئًا، هذا لا شك إن عنده حسدًا؛ لأن الذي يحب الخير يحب نشر الخير للغير، فإذا رأيت الرجل إذا تكلم عن أهل الخير بإنصاف وأثنى عليهم وقال: هذا فيه خيرٌ وهذا محسن، هذا كريم، فهذا يدل على طيب قلبه وسلامته من الحسد. نسأل الله أن يعيذنا وإياكم من الحسد، ومن منكرات الأخلاق والأعمال.
أما قوله: " ولا تناجشوا" فالنجش هو أن يزيد في السلعة على أخيه وهو لا يريد شراءها، وإنما يريد أن يضرّ المشتري، أو ينفع البائع، أو الأمرين جميعأً.
مثال ذلك: عرضت سلعة في السوق فصار الناس يتزايدون فيها، فقام رجل فجعل يزيد فيها وهو لا يريد الشراء، تسام بمائة فقال بمائة وعشرة وهو لا يريد أن يشترى، ولكنه يريد أن يزيد الثمن على المشترى، أو يريد أن ينفع البائع فيزيد الثمن له أو الأمرين جميعًا، فهذا حرامٌ ولا يجوز لما فيه من العدوان. أما إذا زاد الإنسان في الثمن عن رغبة في السلعة، ولكن لما ارتفعت قيمتها تركها فهذا لا بأس به، فإن كثيرًا من الناس يزيد في
[ ٢ / ٥٧٩ ]
السلعة؛ لأنه يرى أنها رخيصة، فإذا زادت قيمتها تركها، فهذا ليس عليه بأس. كما أن من الناس من يزيد في السلعة يريدها ويزيد في ثمنها حتى تخرج عن قيمتها كثيرًا.
فالناس على زيادتهم في السلعة على ثلاث أقسام:
القسم الأول: نجش وهو حرام.
الثاني: يزيد فيها لأنه يرى أنها رخيصة، وأنها ستكسبه، وليس له قصد في عين السلعة ولا يريدها بعينها، لكن لما رأي أنها رخيصة وأنها ستكسبه جعل يزيد، فلما ارتفعت قيمتها تركها، فهذا لا بأس به.
الثالث: أن يكون له غرض في السلعة، يريد أن يشتري هذه السلعة، فيزيد حتى يطيب خاطره ويظفر بها، فهذا أيضًا لا بأس به.
وقوله ﷺ: " ولا تباغضوا" أي لا يبغض بعضكم بعضًا، وهذا بالنسبة للمؤمنين بعضهم مع بعض، فلا يجوز للإنسان أن يُبغض أخاه أي: يكرهه في قلبه؛ أنه أخوه، ولكن لو كان هذا الأخ من العصاة الفسقة، فإنه يجوز لك أن تبغضه من أجل فسقه، ولا تبغضه بغضًا مطلقًا، لكن أبغضه على ما فيه من المعصية، وأحبه على ما فيه من الإيمان.
ومن المعلوم أننا لو وجدنا رجلًا مسلمًا يشرب الخمر، ويشرب الدخان، ويجر ثوبه خيلاء، فإننا لا نبغضه كما نبغض الكافر، فمن أبغضه كما يبغض الكافر انقلب على وجهه، كيف تسوي بين مؤمن عاصٍ فاسق، وبين الكافر؟ هذا خطأ عظيم. ربما بعض الناس يكره المؤمن الذي عنده هذا الفسق أكثر مما يكره الكافر، وهذا - والعياذ بالله - من انقلاب
[ ٢ / ٥٨٠ ]
الفطرة فالمؤمن مهما كان خيرٌ من الكافر.
فأنت أبغضه على ما فيه من المعصية وأحبه على ما معه من الإيمان فإن قلت: كيف يجتمع حب وكراهية في شيء واحد؟
فالجواب: أنه يمكن أن وكراهة في شي واحد، أرايت لو أن الطبيب وصف لك دواءًا مرًا منتن الرائحة ولكنه قال: أشربه وسوف تشفى بإذن الله، فإنك لا تحب هذا الدواء على سبيل الإطلاق؛ لأنه مر وخبيث الرائحة، ولكنك تحبه من جهة أنه سبب للشفاء، وتكرهه لما فيه من الرائحة الخبيثة والطعم المر.
هكذا المؤمن العاصي، لا تكرهه مطلقًا، بل تحبه على ما معه من الإيمان، وتكرهه على ما معه من المعاصي، ثم إن كراهتك إياه لا توجب أن تعرض عن نصيحته، بأن تقول: أنا لا أتحمل أن أواجه هذا الرجل لأني اكره منظره، بل أجبر نفسك واتصل به وانصحهُ، ولعل الله أن ينفعه على يديك ولا تيأس، كم من إنسان استبعدت هدايته فهداه الله ﷿ بمنه وكرمه.
والأمثلة على هذا كثيرة في قوتنا الحاضر وفيما سبق؛ في وقتنا الحاضر يوجد أُناسٌ فسقة يسر الله لهم من يدعوهم إلى الحق فاهتدوا، وصاروا أحسن من الذي دعاهم، وفيما سبق من الزمان أمثلة كثيرة، فهذا خالد بن الوليد ﵁ كان سيفًا مسلولًا على المسلمين، ومواقفه في أُحد مشهورة حيث كرّ هو وفرسان من قريش على المسلمين من عند الجبل، وحصل ما حصل من الهزيمة، ثم هداه الله تعالى. وعمر بن
[ ٢ / ٥٨١ ]
الخطاب ﵁ كان من أكره الناس لما جاء به الرسول ﵊ فهداه الله وكان من أولياء الله، فكان الثاني في هذه الأمة.
لذلك فلا تيأس، ولا تقل إنني لا أطيق هذا الرجل لا منفطرًا لا مسمعًا، ولا يمكن أن أذهب إليه، بل اذهب ولا تيأس، فالقلوب بيد الله ﷿، نسأل الله أن يهدينا وإياكم صراطه المستقيم.
فإن قال قائل: البغضاء هي انفعال في النفس، والأشياء الانفعالية قد لا يطيقها الإنسان كالحب مثلًا، فالحب لا يملك الإنسان أن يحب شخصًا؛ أو يقلل من محبته، أو أن يزيد في محبته إلا بأسباب، ولهذا قال النبي ﵊ وهو يقسم بين زوجاته: " اللهم هذا قسمي فيما أملك، فلا تلومني فيما لا أملك " يعني في المحبة، ومن المعلوم أن الرسول ﵊ كان يجب عائشة ﵂ أكثر من غيرها من زوجاته، لكن هذا بغير اختيار.
فإذا قال قائل: الغضب انفعال لا يمكن للإنسان أن يسيطر عليه، فالجواب: الانفعال يحصل بفعل، فأنت مثلًا لا تحب شخصًا إلا لأسباب: إيمانه، نفعه للخلق، حسن خلقه، خدمته لك، أو غيرها من الأشياء الكثيرة، تذكر هذه الأسباب فتحبه، ولا تكره شخصًا إلا لسبب، تذكر الأسباب التي توجب الكراهة فتكرهه، لكن مع ذلك ينبغي للإنسان
[ ٢ / ٥٨٢ ]
أن يعرض عن الأسباب التي توجب البغضاء مع أخيه؛ لأن النبي ﷺ قال: " لا تباغضوا"
لكنى أقول: إن البغضاء لها أسباب، والمحبة لها أسباب، فإذا عرضت عن أسباب البغضاء وتناسيتها وغفلت عنها زالت بإذن الله، وهذا هو الذي أراده النبي ﵊ بقوله " لا تباغضوا" وهو نظير قوله للرجل الذي قال: يا رسول الله أوصني، قال " لا تغضب" قال: أوصني، قال " لا تغضب" قال: " اوصني" قال: " لا تغضب" ردد مرارًا قال: " لا تغضب".
قد يقول الإنسان عن الغضب جمرة يلقيها الشيطان في قلب ابن آدم، كما جاء في الحديث، فلا سبيل اله إلى إخماده، ونقول: بل له سبيل، افعل الأسباب التي تخفف الغضب حتى يزول عنك الغضب.
قال: " ولا تدابروا " فهل المراد ألا يولي بعضكم دبر بعض من التدابر الحسي؟ بمعني مثلًا أن تجلس وتذر الناس وراءك في المجالس. نعم هذا من المدابرة، ومن المدابرة أيضًا المقاطعة في الكلام حين يتكلم أخوك معك وأنت قد صددت عنه، أو إذا تكلم وليت وتركته، فهذا من التدابر وهذا التدابر حسي.
وهناك تدابر معنوي، هو اختلاف الرأي، بحيث يكون كل واحد منا
[ ٢ / ٥٨٣ ]
له رأى مخالف للآخر، وهذا التدابر في الرأي أيضًا نهي عنه الرسول علي الصلاة والسلام.
وعندي أن من التدابر ما يفعله بعض الأخوة إذا سلم من الصلاة تقدم على الصف مقدار شبر أو نحوه، فهذا فيه نوع من التدابر، ولهذا شكا إلى بعض الناس هذه الحال، قال بعض الناس إذ سلمنا تقدم قليلًا ثم يحول بيني وبين الإمام، لا سيما إذا كان هناك درس فإنه يحول بينى وبين مشاهدة الإمام، ومعلوم أن الإنسان إذا كان يرى المدرس كان أنبه له وأقرب للفهم والإدراك، فبعض الناس يكره هذا الشيء، لذا أيضًا ينبغي للإنسان أن يكون ذا بصيرة وفطنة فلا تتقدم على إخوانك وتجعلهم وراءك، إذا كان بودك أن تتوسع فقم وتقدم بعيدًا واجلس إذا كنت في الصف الأول، وإن كنت في الصف الثاني تأخر، أما أن تتقدم على الناس وهم وراء ظهرك، فهذا فيه نوع من سوء الأدب. وفيه نوع من التدابر.
فينبغي في هذه المسألة وفي غيرها أن يتفطن الإنسان لغيره، وأن لا يكون أنانيًا يفعل فقط ما طرأ على باله فعله، دون مراعاة للناس، ودون حذر من فعل ما يُنتقد عليه.
أما الجملة الخامسة فهي قوله: " ولا يبيع بعضكم على بيع بعض " لا بيع بعضكم على بيع بعض؛ لأن هذا يؤدي إلى الكراهية والعداوة والبغضاء. ومثال بيع الإنسان على بيع أخيه: أن يذهب لمن اشترى سلعة من شخص بمائة فيقول: أنا أعطيك مثلها بثمانين، أو أعطيك أحسن منها بمائة فيرجع المشتري ويفسخ العقد الأول ويعقد مع الثاني، ففي هذا
[ ٢ / ٥٨٤ ]
عدوان ظاهر على حق البائع الأول، وهذا العدوان يوجب العداوة والبغضاء بين المسلمين.
مثال ذلك الشراء على شرائه، مثل أن يذهب إلي شخص باع سلعة بمائة فيقول له أنا أشتريها منك بمائة وعشرين، فيذهب البائع ويفسخ العقد ويبيع على الثاني، فهذا أيضًا حرامٌ، لأنه بمعنى البيع على البيع.
ولكن هل هذا خاص في زمن الخيار أو عام؟
الحديث عام انه لا يحل لك أن تبيع على بيع أخيك سواء في زمن الخيار أولا، وقال بعض العلماء: إنه محمول على ما إذا كان ذلك في زمن الخيار؛ لأنه إذا أنتهي وهن الخيار فإنه لا يستطيع أو يفسد العقل ومثال ذلك: رجل باع عل شخص سيارة بعشرة آلاف ريال، وجعل له الخيار ثلاثة أيام، فذهب شخص إلى المشترى وقال: أنا أعطيك أحسن منها بعشرة آلاف ريال، فأغري المشترى أن يذهب للبائع ويقول: فسخت العقد، أو يذهب شخص إلي البائع ويقول: سمعت أنك بعت سيارتك على فلان بعشرة الآف ريال، أنا أعطيك أحد عشر ألفًا، فيفسخ البيع ويرد ويبيعها على الثاني.
أما إذا كان بعد انتهاء المدة فقال بعض العلماء: إنه لا بأس، يعني بعد أن باعه وجعل له الخيار ثلاثة أيام وانتهت الأيام الثلاثة، فلا بأس أن يذهب إلى الشخص الذي أشتراها ويقول: أنا أعطيك مثلها بأقل، أو أحسن منها بالثمن الذي اشتريت به، وعللوا ذلك بأنه لا يمكنه حينئذ ان يفسخ البيع لانتهاء زمن الخيار.
[ ٢ / ٥٨٥ ]
ولكن ظاهر الحديث العموم، لأنه وإن كان لا يمكنه أن يفسخ البيع لانتهاء زمن الخيار فإنه قد يحاول أن يوجد مفسدا للعقد، أو على الأقل يندم على شرائه، ويعتقد أن البائع غبنه وانه لعب عليه، فيحدث له بذلك العداوة والبغضاء وهذا مع قرب المدة، أما إذا طالت المدة فلا بأس بها؛ لأنه إذا طالت المدة فإنه من المعتذر أو المتعسر كثيرًا أن يفسخ العقد.
والحاصل أن لدينا ثلاث حالات:
الحال الأول: أن يكون البيع أو الشراء على أخيه في زمن الخيار فلا شك في أنه حرام.
والحال الثانية: أن يكون بعد انتهاء زمن الخيار بمدة قريبة، ففيه خلاف بين العلماء، والصحيح أنه حرام.
والحال الثالثة: أن يكون بعد زمن بعيد، كشهر أو شهرين أو أكثر فهذا لا بأس به، ولا حرج فيه؛ لأن الناس يتبادلون السلع فيما بينهم على هذا الوجه، وعلى وجوه أخرى.
ومثل ذلك: الإجارة على إجارته مثل أن يذهب شخص إلى آخر استأجر بيتًا من إنسان السنة بألف ريال، قال له أنا عندي لك أحسن منه بثمانمائة ريال، فهذا حرام لأنه عدوان كالبيع على بيعه.
ومثل ذلك أيضًا: السوم على سومه، وقد جاء صريحًا فيما رواه مسلم، ويسوم على سومه يعني إذا سام شخص سلعة من آخر، وركن
[ ٢ / ٥٨٦ ]
إليه صاحب السلعة، لم يبق إلا العقد، مثل أن يقول: بعها على بألف فيركن إليه البائع، ولكن لم يتم العقد، بل يجزم أن يبيع عليه، فيأتي إنسان آخر ويقول: " أنا أعطيك بها ألفًا ومائه، فإن هذا لا يجوز؛ لأن النبي ﷺ قال: " لا يسم على سوم أخيه".
ومثل ذلك أيضا في النكاح، إذا خطب شخص من آخر فلا يحل لأحد أن يخطب على خطبته؛ لقول النبي ﷺ: " ولا يخطب على خطبة أخيه" وكل هذا احترامًا لحقوق المسلمين بعضهم على بعض، فلا يحل للإنسان أن يعتدي على حق إخوانه؛ لا ببيع ولا شراء ولا إجارة ولا سوم ولا نكاح ولا غير ذلك من الحقوق.
بقي الكلام على قوله ﵊: " التقوى هاهنا ويشير على صدره" وقد سبق لنا معنى أن التقوى في القلب، فإذا اتقى القلب اتقت الجوارح، وإذا زاغ القلب زاغت الجوارح- والعياذ بالله - قال تعالى (ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يَأْتُوا بِالشَّهَادَةِ عَلَى وَجْهِهَا أَوْ يَخَافُوا أَنْ تُرَدَّ أَيْمَانٌ بَعْدَ أَيْمَانِهِمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاسْمَعُوا وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ) (المائدة: ١٠٨) .
واعلم أنه زيغ القلب لا يكون إلا بسبب الإنسان، فإذا كان الإنسان يريد الشر ولا يريد الخير فإنه يزيغ قلبه- والعياذ بالله - ودليل هذا قوله تعالى: (فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ) (الصف: ٥)، وقوله تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِمَنْ فِي أَيْدِيكُمْ مِنَ الْأَسْرَى إِنْ يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا يُؤْتِكُمْ خَيْرًا مِمَّا أُخِذَ مِنْكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ) (لأنفال: ٧٠) .
فإذا علم الله من العبد نية صالحة وإرادة للخير، يسر الله له ذلك وأعانه
[ ٢ / ٥٨٧ ]
عليه، قال الله تعالى: (فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى) (وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى) (فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى) (الليل: ٥-٧) .
وقوله ﵊: " بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم يعني لو لم يكن للإنسان من الشر إلا أن يحقر أخاه الكان كافيًا، وهذا يدل على كثرة إثم من حقره إخوانه المسلمين؛ لأن الواجب على المسلم أن يعظم إخوانه المسلمين ويكبرهم ويعتقد لهم منزلة في قلبه، وأما احتقارهم وازدراؤهم فإن في ذلك من الإثم ما يكفر- نسأل الله السلامة.
ثم قال ﷺ: " كل المسلم على المسلم حرام: دمه وماله وعرضه". يعني أن المسلم حرام على المسلم في هذه الأمور الثلاثة، أي في كل شيء؛ لأن هذه الأمور الثلاثة تتضمن كل شيء؛ الدم: كالقتل والجراح وما أشبهها، والعرض: كالغيبة، والمال: وكأكل المال، وأكل المال له طرق كثيرة؛ منها السرقة، ومنها الغصب- وهو أخذ المال قهرًا - ومنها أن يجحد ما عليه من الدين لغيره، ومنها أن يدعي ما ليس له وغيره ذلك.
وكل هذه أشياء حرام، ويجب على المسلم أن يحترم أخاه في ماله ودمه وعرضه.
* * *
[ ٢ / ٥٨٨ ]
٢٣٦- وعن أنس ﵁ - عن النبي صلى الله عليه وسل مقال: " لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه" متفق عليه.
٢٣٧- وعنه قال: قال رسول الله ﷺ: " أنصر أخاك ظالمًا أو مظلومًا " فقال رجلٌ: فإن ذلك نصره" رواه البخاري.
[الشَّرْحُ]
ذكر المؤلف - رحمه الله تعالى - فيما نقله عن أنس بن مالك ﵁، أن النبي ﷺ قال: " لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه" لا يؤمن: يعني لا يكون مؤمنًا حقًا تام الإيمان إلا بهذا الشرط؛ أن يحب لأخيه ما يحب لنفسه من الخير، وما يحب لنفسه، من ترك الشر، يعني ويكره لأخيه ما يكره لنفسه، هذا هو المؤمن حقًا، وإذا كان الإنسان يعامل إخوانه هذه المعاملة فإنه لا يمكن أن يغشهم أو يخونهم، أو يكذب عليهم، أو يعتدي عليهم، كما أه لا يحب أن يُفعل به مثل ذلك.
وهذا الحديث يدل على أن من كره لأخيه ما يحبه لنفسه أو أحب لأخيه ما يكره لنفسه فليس بؤمن، يعني ليس بمؤمن كامل الإيمان.
ويدل على أن ذلك من كبائر الذنوب إذا أحببت لأخيك ما تكره
[ ٢ / ٥٨٩ ]
لنفسك، أو كرهت له ما تحب لنفسك.
وعلى هذا فيجب عليك أخي المسلم أن تربي نفسك على هذا، على أن تحب لإخوانك ما تحب لنفسك حتى تحقق الإيمان، وصح عن النبي ﷺ أنه قال: " من احب أن يزحزح عن النار ويُدخل الجنة، فلتأته منيته وهو يؤمن بالله واليوم الآخر، ويحب أن يأتي إلى الناس ما يؤتى إليه " الأول حق الله، والثاني حق العباد، تأتيك المنية وأنت تؤمن باليوم الآخر- نسأل الله أن يجعلنا وإياكم كذلك- وأن تحب أن يأتي لأخيك ما تحب أن يُؤتى إليك.
وأما حديث أنس الثاني من قول النبي ﷺ " انصر أخاك ظالمًا أو مظلومًا " النصر بمعنى الدفاع عن الغير أي دفع ما يضره، " انصر أخاك" أي ادفع ما يضره، سواء كان ظالمًا أو مظلومًا، فقال رجل: يا رسول الله، أرأيت إن كان ظالمًا فكيف أنصره؟ ولم يقل: فلا أنصره، بل قال: كيف انصره؟ يعني سأنصره ولكن أخبرني كيف أنصره، قال: " تمنعه- أو قال تحجزه - من الظلم فإن ذلك نصره" فإذا رأيت هذا الرجل يريد أن يعتدي على الناس فتمنعه فهذا نصره أي بأن تمنعه، أما إذا كان مظلومًا فنصره أن تدفع عنه المظالم.
وفي هذا دليلٌ على وجوب نصر المظلوم وعلى وجوب نصر الظالم على هذا الوجه الذي ذكره النبي ﷺ.
[ ٢ / ٥٩٠ ]
٢٣٨- وعن أبي هريرة - ﵁ - أن رسول الله ﷺ قال: " حق المسلم على المسلم خمسٌ: رد السلام، وعيادة المريض، واتباع الجنائز، وإجابة الدعوة، وتشميت العاطس" متفق عليه.
وفي رواية لمسلم: " حق المسلم ست إذا لقيته فسلم عليه، وإذا دعاك فأجبه، وإذا استنصحك فأنصح له، وإذا عطس فحمد الله فشمته، وإذا مرض فعده، وإذا مات فاتبعه"
[الشَّرْحُ]
ذكر المؤلف رحمه الله تعالى - هنا ما نقله عن أبي هريرة ﵁ في بيان حقوق المسلم على أخيه، وحقوق المسلم على أخيه كثيرة، لكن النبي ﷺ أحيانًا يذكر أشياء معينة من أشياء كثيرة عناية بها واحتفاءً بها فمن ذلك ما ذكره أبو هريرة - ﵁ - عن رسول الله صلي الله عليه وسلم أنه قال: "حق المسلم على المسلم خمس: رد السلام" يعني إذا سلّم عليك فردّ عليه، وفي الحديث الثاني" حق المسلم على المسلم ست: إذا لقيته فسلم عليه".
فهذان أمران: ابتداء السلام المأخوذ من قوله " إذا لقيته فسلم عليه عليه"، وردّ السلام المأخوذ من قوله " رد السلام"، فابتداء السلام سنة مؤكدة،
[ ٢ / ٥٩١ ]
وإذا كان الحاصل لتركه الهجُ كان حرامًا فيما زاد على ثلاثة أيام، ما في الثلاثة أيام فأقل فلا بأس أن تهجره، ومن المعلوم أن الإنسان لن يهجر أخاه إلا لسبب، فأجاز النبي ﵊ للمسلم أن يهجر أخاه ثلاثة أيام فأقل؛ لأن الإنسان بشر، فقد يكون في النفوس شيء، ولا يتحمل المرء أن يسلم عليه، أو أن يرد السلام، فرخص له ثلاثة أيام فأقل.
وابتداء السلام يكون من الصغير على الكبير، ومن الماشي على القاعد، ومن الركاب على الماشي، كل بحسبه وصيغة السلام المشروعة أن يقول السلام عليكم، أو السلام عليكم، كلاهما جائز، والرد أن يقول: عليك السلام أو وعليكم السلام.
بهذا يتضح لن أن النبي ﷺ بين أن من الحقوق التي للمسلم على أخيه السلام وردًا وابتداءً.
وحكم السلام أن ابتداءه سنةٌ وردّه فرضٌ، فرض عين على من قُصد به، وفرض كفاية إذا قُصد به جماعة، فإنه يجزئ رد أحدهم، والسلام حسنة من الحسنات إذا قام به الإنسان فله عشر أمثاله؛ لأن الحسنة بعشر أمثالها، يعني إذا سلمت علي أخيك وقلت: السلام عليكم فلك عشر حسنات أجرًا باقيًا تجده أحوج ما تكون إليه.
ونحن نعلم أنه لو قيل لشخص: كلما لقيت أحدًا فسلمت عليه فلك بكل تسليمة درهم واحد، لوجدت الإنسان يطلب الناس ليسلم عليهم ابتغاء هذا الدرهم الواحد، مع أن الدرهم الواحد يفني ويزول، والأجر والثواب يبقى وتجده أحوج ما تكون إليه. عاملنا الله وإياكم بعفوه وفضله
[ ٢ / ٥٩٢ ]
وإحسانه إنه جواد كريم.
فالذي ينبغي لك كلما لقيك أحد من إخوانك المسلمين أن تسلم عليه، أما غير المسلم فلا تسلم عليه؛ لأن النبي ﷺ قال: " لا تبدءوا اليهود والنصارى بالسلام، وإذا وجدتموهم في طريق فاضطروهم إلى أضيقه" فاليهودي والنصراني والمشرك والملحد والمرتد كالذي لا يصلي، والمبتدع بدعة يكفر بها، كل هؤلاء لا يحل ابتداء السلام عليهم، ولو كانوا أقرب الناس إليك، لكن إذا سلموا فرد عليهم بمثل ما سلموا به، إذا قالوا: أهلًا ومرحبًا، فقل أهلًا ومرحبًا، وإذا قالوا: السلام عليكم قل: وعليكم السلام، وإذا شككت هل هو يقول: السلام عليكم، أو يقول السام عليكم، فقل: وعليكم.
بل إذا لم تتيقن إنه قال: السلام عليكم باللام فقل: وعليكم، وذلك أن اليهود كانوا يمرون بالنبي ﷺ وأصحابه فيسلمون عليه لكن يقولون: السام عليكم يدعمونها، والسام يعني الموت، فقال النبي ﷺ: " إن اليهود إذا لقوكم قالوا: السام عليكم، فقولوا: وعليكم " أي: إن كانوا يدعون لنا بالسلام فلعيهم السلام، وإن كانوا يدعون علينا بالموت فعليهم الموت، وهذا من العدل (وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيبًا) (النساء: ٨٦) ولهذا ذكر ابن القيم - ﵀ - في كتابه " أحكام أهل الذمة"
[ ٢ / ٥٩٣ ]
أنهم إذا قالوا: السلام عليكم بكلام بين فلك أن تقول: عليكم السلام.
وأما أهل المعاصي فإن كان في هجرهم فائدة فاهجرهم، والفائدة أن يقلعوا عن معصيتهم، وإن لم يكن في هجرهم فائدة فهجرهم حرام؛ لأنهم من المؤمنين، إذا كانوا من المؤمنين فقد قال النبي ﷺ: " لا يحل لأحد أن يهجر أخاه المؤمن فوق ثلاث، يلتقيان فيُعرض هذا ويُعرض هذا وخيرهما الذي يبدأ بالسلام"، أما إذا كان الهجر مفيدًا، بحيث يرتدعون عن المعصية، وينتهون عنها، فهو مطلوب، إما واجب وإما مستحب.
وأنظر إلى ما حصل من فائدة هجر كعب بن مالك ﵁ وصاحبيه؛ حين تخلفوا عن غزوة تبوك، وماذا حصل لهم من قوة الإيمان والصبر على ما حصل، وانتظر الفرج من الله ﷿ ما نالوا به ما هو أعظم المثوبات، نالوا به كلام رب العالمين، الذي يقرأ في الليل والنهار من كل مسلم حتى في الصلوات. من مِنَ الناس يثني عليه في الصلوات: الفريضة والنافلة؟! (وَعَلَى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ) (التوبة: ١١٨)، وهذا نص، وإن كانوا لم يذكروا بأسمائهم، لكن
[ ٢ / ٥٩٤ ]
ذكروا بوصف لا ينطبق على من سواهم.
وأما ما ذهب إليه كثير من المفسرين في قوله تعالى: (وَمَا لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى) (إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَى) (وَلَسَوْفَ يَرْضَى) (الليل: ١٩-٢١)، بان هذا هو أبو بكر فهذا ليس كالنص الحاصل لهؤلاء الثلاثة، ولذلك لا نعلم أن أحدًا من الصحابة أثني عليه بهذا النص مثل ما أثني عليه هؤلاء الثلاثة.
وقد هجرهم النبي ﵊ أربعين ليلة لا يكلمهم، وقال للناس: لا تكلموهم، فلا يكلمهم أحد، وبعد تمام الأربعين أمرهم أن يعتزلوا نساءهم، ولما جاء الرسول صلى إلى كعب بن مالك - الرسول الذي أرسله النبي ﷺ بأن يعتزل امرأته - قال له كعب: أأطلقها - يعني فأنا مستعد- أم ماذا؟ قال الرسول: لا أدري، إن النبي ﷺ أمرك أن تعتزل امرأتك ولا أدري، فانظر كيف كان هذا الامتثال العظيم مع هذه المحنة العظيمة التي لا ترد على قلب فينجو منها إلا من عصمه الله ﷿.
فالحاصل أن هجره إذا كان ينفع في تقليل المعصية أو التوبة منها فإنه مطلوب؛ إما على سبيل الوجوب، أو على سبيل الاستحباب، أما إذا كان لا ينفع وإنما يزيد العاصي عتوًا ونفورًا من أهل الخير فلا تهجره؛ لأن الإنسان مهما كان عنده من المعاصي وهو مسلم فهو مؤمن، لكنه ناقص الإيمان.
أما الحق الثاني فهو عيادة المرض: المريض إذا مرض وانقطع في بيته فإن له حقًا على إخوانه المسلمين أن يعودوه ويذكروه ما ينبغي أن يذكروه به، من التوبة، والوصية، وكثرة الذكر، والاستغفار، وقراءة القرآن،
[ ٢ / ٥٩٥ ]
وغير ذلك من الأعمال الصالحة، وكذلك يدعون له بالشفاء؛ مثل أن يقولوا: لا بأس طهور إن شاء الله، وما اشبه ذلك.
وعيادة المريض فرض كفاية، لابد أن يعود المسلمون أخاهم، وإذا عاده واحد منهم حصلت به الكفاية، وقد تكون فرض عين إذا كان المريض من الأقارب، وعدت عيادته من الصلة، فإن صلى الأرحام وأجبة فتكون فرض عين.
واعلم أن العلماء - ﵏ - ذكروا لعيادة المريض آدابًا منها: ألا يكثر العائد لمريض محادثته بالسؤال عن حاله وعن نومه وأكله وشربه وما أشبه ذلك، إلا إذا كان يأنس بهذا ويُسر به، أما إذا كان يتضجر ولا يحب أن يكثر أحد الكلام معه كما هو حال بعض المرضي، فإنك لا تتبع مع الكلام ولا تضجره بالمساءلات.
لذلك قالوا: ينبغي أن لا يكثر المقام عنده ويطيل؛ لأنه قد يكون له حاجة مع أهله أو في نفسه، ولا يحب أن يطيل الجلوس عنده أحد، لكن إذا علمت أنه يستأنس بهذا ويفرح، فإنك تنظر ما فيه المصلحة.
وقالوا: ينبغي أيضًا أن لا يزورة في الأوقات التي يكون الغالب فيها النوم والراحة؛ كالقيلولة والليل وما اشبه هذا؛ لأن ذلك يضجره وينكد عليه، بل يكون بكره وعشيا حسب ما تقتضيه الحال.
قالوا: ولا ينبغي ايضًا أن يكثر من عيادته، بحيث يأتيه صباحًا ومساءً، إذا اقتضت الحاجة لذلك.
والحاصل: أن العائد للمريض ينبغي أن يراعى المصلحة في كل ما
[ ٢ / ٥٩٦ ]
يكون مع المريض وفي كل ما يترك، ثم إنه إذا كان المرض مما يُعلم أنه له دواء معينًا فينبغي أن تذكر له هذا الدواء؛ لأن الدواء مباح بل هو سنة إذا رُجي نفعه وغلب على الظن؛ لأن النبي ﷺ قال: " تداووا ولا تداووا بحرام "
وكذلك ينبغي أن يسأله كيف يصلى؟ لأن كثيرًا من المرضى يجهل هل يصلى بالماء أو بالتيمم؟ هل يصلى كل صلاة في وقتها أو يجمع؟ لأن هذا أمر مهم قد يخفى على بعض المرضى.
حتى إن بعض المرضى يظنون أنه إذا جاز لهم الجمع؛ جاز لهم القصر وهم في بلادهم، وهذه من الأشياء التي يجب التنبه لها، نعم إذا كان المريض مسافرًا إلى مستشفى في غير بلده، فله أن يقصر ويجمع، أما إذا كان في بلده فلا يقصر، لكن إن شق عليه أن يصلى كل صلاة في وقتها؛ فله الجمع ولو كان في بلده، لكنه جمع بلا قصر؛ أن الجمع والقصر لا يتلازمان؛ قد يشرع القصر دون الجمع، وقد يشرع الجميع دون القصر، وقد يشرعان جميعًا، فالمسافر الذي يشق عليه أن يصلى كل صلاة في وقتها بحيث يكون قد جدّ بِه السير يُشرع له الجمع والقصر، والمسافر المقيم يشرع له القصر دون الجمع، وإن جمع فلا بأس، المقيم الذي يشق عليه الصلاة في كل وقت يشرع له الجمع دون القصر.
أما الحق الثالث فهو: اتباع الجنائز وتشييعها، فإن من حق المسلم
[ ٢ / ٥٩٧ ]
على أخيه أن يتبع جنازته من بيته إلى المصلى- سواء في المسجد أو في مكان آخر - إلى المقبرة، وقد ثبت عن النبي ﷺ أنه قال: " من شهد الجنازة حتى يُصلى عليها؛ فله قيراط، ومن شهدها حتى تدفن؛ فله قيراطان" قيل: وما القيراطان يا رسول الله؟ قال: مثل الجبلين العظيمين" وفي رواية: " أصغرهما مثل أُحد " وهذا فضل عظيم وأجر كبير.
ولما بلغ عبد الله بن عمر - ﵄ - هذا الحديث قال: لقد فرطنا في قراريط كثيرة، ثم صار بعد ذلك لا يرى جنازة إلا تبعها ﵁؛ لأن هذه غنيمة؛ غنيمة أن يحصل الإنسان مثل الجبلين العظيمين في عمل يسير، هذا الأجر متى يلقاه؟ يلقاه في يوم هو أحوج ما يكون إليه؛ في يوم ليس عنده درهم، ولا دينار ولا متاع، ولا قرابة، ولا زوجة تنفعه يوم القيامة الإ العمل الصالح، فهو إذا تبع الجنازة حتى يصلى عليها، ثم حتى تدفن، فله قيراطان مثل الجبلين العظيمين أصغرهما مثل أحد.
وينبغي لمن أتبع أن يكون خاشعًا، مفكرًا في مآله، يقول لنفسه: يا نفسي أنت مآلك كمآل هذا الذي فوق أعناقنا، عن قريب أو بعيد وربما يكون عن قريب، ويتذكر هذا الرحيل، يتذكر إلى حفرته ويدفنه ويتخلى عنه، وأقرب الناس عليك الذي يحملك إلى مدفنك ثم ينصرف
[ ٢ / ٥٩٨ ]
عنك ويدعك في هذا اللحد وحيدًا بأعمالك، إن خيرًا فخير، وإن شرًا فشر، ولهذا قال العلماء: يكره للإنسان المتبع للجنازة: أن يتحدث في شيء من أمور الدنيا. أو أن يتبسم ويضحك.
وكذلك أيضًا إذا وصلت إلى المقبرة، جلست تنتظر دفنها، فينبغي أن تفكر في مآلك، وأمك سوف يُنتظر دفنكم كما انتظر دفن هذا الرجل، وإذا كان حولك أناس وحدثتهم بما حدث به النبي ﷺ أصحابه، حينما خرج في جنازة رجل من الأنصار، فانتهي إلى القبر ولما يلحد، فجلس ﵊ وحوله أصحابه، وفي يده مخصرة- أي عود - ينكت بها الأرض، يعتبر ﵊ ويفكر ويحدث أصحابه بما يكون عند الاحتضار وعند الدفن، حتى يكون جامعًا بين الموعظة وبين تشييع الجنازة.
ولكن ليست هذه الموعظة كما يفعله بعض إخواننا الآن في بعض المحلات؛ حيث يقوم الرجل خطيبًا يعظ الناس، فإن هذا ليس معروفًا في عهد النبي ﵊، ولا عهد أصحابه، لكن لما جلس النبي ﷺ ينتظر لحد هذا الميت وجلس أصحابه حدثهم حديث المجالس بما ينفعهم وبما يناسب.
وكذلك كان ﵊ حاضرًا دفن احدى بناته، وكان
[ ٢ / ٥٩٩ ]
على شفير القبر وعيناه تدمعان، فقال ﵊: " ما منكم من أحد وقد كتب مقعدة من الجنة ومقعده من النار " قالوا يا رسول الله أفلا ندع العمل ونتكل على ما كتب لنا؟ قال: " لا اعملوا فكل ميسر لما خلق له، اما أهل السعادة فيسرون لعمل أهل السعادة، وأما أهل الشقاوة فييسرون لعمل أهل الشقاوة " ثم قرأ قوله تعالى (فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى) (وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى) (فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى) (وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى) (فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى) (الليل: ٥-١٠) نسأل الله أن يجعلنا وإياكم من أهل السعادة الذين يسروا لليسرى وجنبوا العسرى.
فإذا شرعوا في الدفن فينبغي للإنسان أن يشارك في الدفن؛ بأن يحثو بيديه ثلاث حثيات ثم ينصرف، وإن شاء شارك إلى انتهاء الدفن، فإذا فرغوا من دفنه وقف عليه، وإذا كان مطاعًا كالعالم قال للناس استغفروا لأخيكم واسألوا له التثبت فإنه الآن يسأل، فإن النبي صلي الله عليه وسلم إذا فرغ من دفن الميت وقف عليه وقال: «استغفروا لأخيكم وأسالوا له التثبيت فإنه الآن يسأل، الآن حين فُرغ من دفنه وانتهى الناس منه وسلموه لعالم الآخرة يأتيه عالم الآخرة؛ يأتيه ملكان يسألانه عن ربه ودينه ونبيه، فيجيب
[ ٢ / ٦٠٠ ]
المؤمن قائلًا: ربي الله، وديني الإسلام، ونبيي محمد - أسأل الله أن يجعلني وإياكم ممن يجيب بهذا الجواب.
أما غير المؤمن المرتاب الشاك، فيقول ها - ها لا أدري، سمعت الناس يقولون شيئًا فقلته، يعنى: لم يصل الإيمان إلى قلبه والعياذ بالله، فينبغي لك أن تقف بعد أنتهاء الدفن وتقول: اللهم اغفر له، اللهم ثبته، اللهم اغفر له. الله ثبته، الله اغفر له، الله ثبته؛ لأن النبي ﷺ كان إذا دعا دعا ثلاثًا. فتدعو ثلاثًا ثم تنصرف ولا حاجة إلى إطالة الوقوف.
وإذا انصرف الناس عن الميت حتى أنه ليسمع قرع نعالهم وهم ينصرفون عنه، يسمع قرع النعال، أي ضربه بالأرض وهم ينصرفون عنه، جاءه ملكان، فأجلساه وسألاه عن ربه ودينه ونبيه، ويجلسانه في القبر وإن كان القبر ضيقًا لكنه يجلس، كما أن النائم الآن يرى نفسه أنه قائم، وأنه ماشٍ وأنه قاعد، وهو ملتحف في فراشة لم يتحرك منه، لأن أحوال البرزخ أبلغ من أحوال الدنيا وأعظم، ففيه أشياء لا تنطبق على أحوال الدنيا، فها هو الميت المؤمن يفسح له في قبره مد البصر والمقبرة كلها ليست بشيء، فهي ليست مل البصر،، لكن أحوال الآخرة لا تقاس بأحوال الدنيا، وواجبنا فيما جاء في كتاب الله أو صح عن رسول الله ﷺ من أمور الآخرة، أن نقول: سمعنا وصدقنا، وآمنا، وكل من عند ربنا والله على كل شيء قدير.
[ ٢ / ٦٠١ ]
الحق الرابع: إجابة الدعوة: فمن حق المسلم على أخيه إذا دعاه أن يجيبه، والأجابة إلى الدعوة مشروعة بلا خلاف بين العلماء فيما نعلم، إذا كان الداعي مسلمًا، ولم يكن مجاهرًا بالمعصية، ولم تكن الدعوة مشتملة على معصية لا يستطيع إزالتها، ولكنها لا تجب عند جمهور العلماء إلا في دعوة العرس؛ إذا دعاه الزوج أول مرة في اليوم الأول فإن الأجابة واجبة إذا عينه بالشروط السابقة التي ذكرناها.
فإن كان الداعي غير مسلم فلا تجب الإجابة، بل ولا تشرع الإجابة إلا إذا كان في ذلك مصلحة، فإذا كان في ذلك مصلحة كرجاء إسلامه والتأليف فلا بأس بإجابة غير المسلم؛ لأن النبي ﷺ أجاب دعوة يهودي دعاه في المدينة.
وإن الداعي مسلمًا مجاهرًا بالمعصية كحلق اللحية مثلًا، أو شرب الدخان علنًا في الأسواق، أو غير ذلك من المحرمات، فإن أجابته ليست بواجبة، ولكن إن كان في إجابته مصلحة أجابه، وإن كان ليست في إجابته مصلحة نظرت؛ فإن كان في عدم إجابته مصلحة بحيث إذا رأى نفسه أنه قد هُجر، وأن الناس لا يجيبون دعوته تاب وأناب، فلا تجب دعوته لعل الله يهديه، وإن كان لا فائدة من ذلك فأنت بالخيار؛ إن شئت فأجب، وإن شئت فلا تجب.
وإذا كان في الدعوة منكر فإن كان الإنسان قادرًا على التغيير وجبت عليه الإجابة من وجهين:
الوجه الأول: إزالة المنكر.
[ ٢ / ٦٠٢ ]
والوجه الثاني: إجابة دعوة أخيه إذا كان في العرس، وكان ذلك في أول يوم.
وأما إذا كان هناك منكر في الدعوة لا تستطيع تغييره كما لو كان في الدعوة شر دخان، أو شيشه، أو كان هناك أعانِ محرمة، فإنه لا يجوز لك أن تجيب.
قال أهل العلم: إلا إذا كان المنكر في محل آخر، وأنت تجيب إلى محل ليس فيه منكر، وكان الداعي من أٌقاربك الذين لو تركت إجابتهم لعد ذلك قطيعة، فلا بأس بالإجابة في هذه الحال، وإن كان الهجر يترتب عليه ترك هذه المعصية فاهجره، يعني مثلًا لو دعاك قريبك وأنت تعلم أنه سيكون في الدعوة محرم، وقبل بذلك فأجب، وأما إن أصر على وجود المحرم فلا تجب؛ لأن حضور المحرم ولو مع كراهة الإنسان له بقلبه يكون فيه الإنسان مشاركًا للفعل لقول الله تعالى: (وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا) (النساء: ١٤٠) هذا حكم إجابة الدعوة.
والحق الخامس: تشميت العاطس: يعني أن من حقوق المسلم على المسلم أن يشمته إذا عطس، هكذا في الرواية الأولى التى أخرجها البخاري ومسلم، وفي الرواية الثانية التى أخرجها مسلم: " إذا عطس فحمد الله فشمته" فقيد ذلك بما إذا حمد الله.
فإذا عطس الرجل وحمد الله وسمعته فشمته، يعني قل: يرحمك الله،
[ ٢ / ٦٠٣ ]
فإذا قلت يرحمك الله، وجب عليه أن يقول: يهديكم الله ويصلح الكم، هكذا جاء الحديث عن النبي ﷺ أنه يقول في الجواب: " يهديكم الله ويصلح بالكم".
لكن هل تشميت العاطس إذا حمد فرض عين أو فرض كفاية؟ يعني: هل يكفي واحد من الجماعة إذا شمته عن الجماعة، أم لا بد على كل من سمعه أن يشمته؟ والجواب: أنه ذهب بعض العلماء على أن التشميت فرض كفاية؛ فإذا كنا جماعة وعطس رجل وقال الحمد لله، فقال أحدنا له: يرحمك الله كفى.
وقال بعض العلماء: بل تشميته فرض عين على كل من سمعه؛ لأن النبي صلى الله عليه وسم قال: " كان حقًا على كل من سمعه أن يقول يرحمك الله " وظاهر هذا أنه فرض عين، فعلى هذا كل من سمعه يقول له: يرحمك الله، ويقول هو: يهديكم الله ويصلح بالكم، ويكفى منه ردّ واحدٌ على الجميع، إذا نواه للجميع كفى.
فإن عطس ولم يحمد الله فلا تقل: يرحمك الله، تعزيزًا له على عدم حمده لله ﷿، يعني كما أنه لم يحمد الله فاحرمه هذا الدعاء، فلا تقل له: يرحمك الله، ثم هل تذكره وتقول: قل الحمد لله أو لا تذكره؟ والجواب: من المعلوم أنه يحتمل أنه قد ترك الحمد تهاونًا، ويحتمل أنه تركه نسيانًا، فإن كان تركه نسيانًا فذكره وقل له: احمد الله، وإن كان تركه
[ ٢ / ٦٠٤ ]
تهاونًا فلا تذكره، ولكن أين إلى العلم بذلك؟ وكيف أعلم أنه نسيان أو انه تهاون؟ ظاهر الحديث " فحمد الله " أنه إذا لم يحمد الله لا تشمته ولا تذكره مطلقًا.
ولكن يمكنك فيما بعد أن تعلمه وتقول له: إن الإنسان إذا عطس فإنه يحمد الله على هذا العطاس؛ لأن العطاس من الله، والتثاؤب من الشيطان، العطاس دليلٌ على نشاط جسم الإنسان، ولهذا يجد الإنسان راحة بعد العطاس.
ثم إن التشميت بقول: يرحمك الله مقيد بثلاث؛ إذا شمته ثلاث مرات يعني عطس فحمد الله، فقلت يرحمك الله ثم عطس فحمد الله فقلت، يرحمك الله، ثم عطس فحمد الله فقلت: يرحمك الله، ثم عطس الرابعة فقل: عافاك الله، إنك مزكوم، تدعو له بالعافية وتبين له أنه مزكوم لئلا يقول: لماذا لا تقول يرحمك الله كنا كنت بالأول تقول يرحمك الله، فيتبين العلة حين تقول: إنك مزكوم.
وفي هذا تنبيه له على أن يحاول الاحتراز مما يزيد الزكام، وإلا فإن الزكام في الغالب لا دواء له إذا أصاب الإنسان، وإنه لا يذهب عنه حتى ينتهي منه، لكن من أسباب تخفيف هذا الزكام عدم التعرض للهواء البارد، وعدم شرب الماء البارد، وعدم التعرض للبراد بعد الدفء، والإنسان طبيب نفسه.
ثم إن ما يقوله بعض العامة إذا قلت له: يرحمك الله، يحث يقول: يهدينا ويهديكم الله، فهذا ليس بصحيح؛ لأن الرجل دعا لك أنت فقال:
[ ٢ / ٦٠٥ ]
يرحمك الله، فكيف تقول: يهدينا ويهديكم الله، فتدعو لنفسك قبله، نعم لو قال: يرحمنا ويرحمك الله، فقل: يهدينا ويهديكم الله، لكنه قال: يرحمك الله كما أمر، فأنت اجبه كما أمرت؛ فقل يهديكم الله ويصلح بالكم.
وذكر أن اليهود كانوا يتعاطسون عند النبي ﵊ - يعني يتكلفون العطاس من أجل أن يقول لهم: يرحمكم الله، لأنهم يعلمون أنه نبي وأن دعاه بالرحمة قد ينفعهم، ولكنه لا ينفعهم؛ لأن الكفار لو دعوت لهم بالرحمة لا ينفعهم ذلك، بل لا يحل لك أن تدعو لهم بالرحمة إذا ماتوا ولا بالمغفرة، لقول الله تعالى: (مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ) (التوبة: ١١٣) .
فإن قيل: اليس إبراهيم استغفر لأبيه، وإبراهيم على الحنيفية وعلى التوحيد؟ هذا الجواب يتضح في قول الله تعالى: (وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ) (التوبة: ١١٤) .
فهذه الحقوق التي بينها النبي ﷺ كلها إذا قام بها الناس بعضهم مع بعض، حصل بذلك الألفة والمودة وزال ما في القلوب والنفوس من الضغائن والأحقاد.
[ ٢ / ٦٠٦ ]
٢٣٩- وعن أبي عُمارة البراء بن عازب﵄قال: " أمرنا رسول الله ﷺ بسبع ونهانا عن سبع، وأمرنا بعبادة المريض، واتباع الجنازة، وتشميت العاطس، وإبرار المقسم ونصر المظلوم وإجابة الداعي، وإفشاء السلام، ونهنا عن خواتيم أو تختم بالذهب، وعن شر بالفضة، وعن المياثر الحر، وعن القسي وعن لبس الحرير والإستبراق والديباج" متفق عليه.
وفي رواية: وإنشاد الصالة في السبع الأول.
" المياثر " بياء مثناة قبل الألف، وثاء مثلثة بعدها، وهي جمع ميثرة، هي شيءُ يتخذُ من حرير ويحشى قطنًا أو غيره، ويجعل في السرج وكور البعير يجلس عليه الراكبُ.
" القسى" بفتح القاف وكسر السين المهملة المشددة: وهي ثياب تنسج من حرير وكتانٍ مختلطين.
" وإنشاد الضالة" تعريفُها.
[الشَّرْحُ]
ذكر المؤلف - ﵀ - في بيان حقوق المسلم على أخيه حديث البراء بن عازب ﵄، أن النبي ﷺ " أمرنا بسبع، ونهانا عن سبع" وقد تقدم الكلام على خمسة من هذه الآمور التي أمر بها رسول الله ﷺ في هذا الحديث، تقدم الكلام عليها في الحديث السابق فلا حاجة إلى
[ ٢ / ٦٠٧ ]
إعادتها، وفي هذا الحديث من الزيادة على ما سبق قوله " نصر المظلوم"
الحق السادس من حقوق المسلم على أخيه المسلم " نصر المظلوم": يعني دفع الظلم عنه؛ سواء كان ظلمه في المال، أو في العرض، أو في النفس، فيجب علي المسلم أن ينصر أخاه المسلم، ولقد قال الرسول ﵊: " أنصر أخاك ظالمًا او مظلومًا " قالوا: يا رسول الله، هذا المظلوم - يعني ندفع عنه الظلم - فكيف نصر الظالم؟ قال: " تمنعه من الظلم، فذلك نصره"؛ لأن الظالم قد غلبته نفسه حتى ظلم؛ فتنصره أنت على نفسه حتى تمنعه من الظلم.
فإذا رأيت شخصًا يظلم جاره بالإساءة إليه وعدم المبالاة به، فإنه يجب عليك أن تنصر هذا وهذا: الظالم والمظلوم، فتذهب إلى الظالم الجار، الذي أخل بحقوق جاره وتنصحه وتبين له ما في إساءة الجوار من الإثم والعقوبة، وما حسن الجوار والمثوبة، وتكرر عليه حتى يهديه الله فيرتدع، وتنصر المظلوم الجار وتقول له: أنا سوف انصح جارك وسوف أكلمه، فإن هداه الله فهذا هو المطلوب، وإن لم يهتد فأخبرني، حتى نكون أنا وأنت عند القاضي أو الحاكم سواء، نتعاون على دفع ظلم هذا الظالم.
وكذلك إذا وجدت شخصًا جحد لأخيه حقًا تدري أنه جحده، أن أخيه عليه هذا الحق، فتذهب إلى هذا الظالم الذي جحد حق أخيه
[ ٢ / ٦٠٨ ]
وتنصحه، وتبين له وتنصحه وتبين له ما في أكل المال بالباطل من العقوبة، وأنه لا خير في أكل المال بالباطل، لا في الدنيا ولا في الآخرة، بل هو شر، حتى يؤدى ما عليه. وتذهب إلى صاحب الحق وتقول له: أنا معك وأصبرها نحن ننصحه، ها نحن نوبخه وهكذا بقية المظالم تنصر أخاك ظالمًا أو مظلومًا. والظالم نصرك إياه أن تمنعه عن الظلم.
الحق السابع: " إبرار القسم" يعني إذا أقسم عليك أخوك بشيء فبره ووافقه علي ما حلف عليه، فإذا حلف قال: والله لتفعلن كذا وكذا، فإن من حقه عليك أن تبر بيمينه وأن توافقه، إلا إذا كان في ذلك ضرر عليك، مثل لو حلف عليك أن تخبر عما في بيتك من الأشياء التي لا تحب أن يطلع عليه أحد فلا تخبره؛ لأنه معتدٍ، لكونه يطلب منك أن تبين له ما كان سرًا عندك، وإذا كان معتديًا فإن المعتدي جزاؤه أن يُترك ولا يوافق على اعتدائه.
لكن إذا لم يكن عدوان وحلف عليك فإن من حقه أن تبر بيمينه، وتعطيه ما حلف عليه، إلا إذا كان معصية، فإذا كان معصية فلا تجبه، مثل لو أقسم عليك أن تعطيه دراهم يشتري بها دخان، فهذا لا يلزمك، بل لا يجوز لك أن توافقه؛ لأنك تعينه على الإثم والعدوان.
أو كان في ذلك ضرر عليك كما مثلنا بمن حلف عليك أن تخبره بما في سر البيت من الأمور التي لا تحب أن يطلع عليها أحد، أو حلف عليك بشي يضرك، مثل أن يحلف عليك بشيء يضرك إذا وافقته عليه، كأن يقول أبوك مثلًا: الله لا تحج البيت، والحج واجب عليك، فإنك لا
[ ٢ / ٦٠٩ ]
تعطيه، لأن في هذا تركًا للواجب، ولا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، أو حلف عليك أن لا تزور أمك التي قد طلقها، وصار بينه وبينها مشاكل فكرها، فقال لك: والله لا تذهب إلى أمك، فلا تطعه وذلك لأنه آثم بكونه يحول بينك وبين صلة الرحم، صلة الرحم واجبة، وبر الوالدين واجب فلا تطعه.
ومن ذلك أيضًا إذا حلف أن لا تزور أحدًا من إخوانك أو أعمالك أو أقاربك فلا تطعه، ولا تبر بيمينه ولو كان أباك، لأن صلة الرحم واجبة، ولا يحل له أن يحلف مثل هذا الحلف، وصلى الرحم إذا قام بها الإنسان فإن الله تعالى يصله، فقد تعهد الله للرحم ان يصل من وصلها، وأن يقطع من قطعها، فإذا انتفت الموانع فإن الأولى أن تبرّ بهن.
وها هنا مسألة وهي أنه ربما يحلف وهو تحلف أنت، هذا يقع كثيرًا في الضيف إذا نزل عليك، قال: والله ما تذبح لي، فتحلف أنت وتقول: والله لأذبح لك فهنا من الذي يبرّ الأول أم الثاني؟ يبر الأول؛ لأن حقه ثابت ونقول للثاني صاحب البيت الذي حلف أن يذبح، نقول: لا تذبح وكفر عن يمينك؛ لأن الأول أحق بالبر وأسبق.
وهاهنا مسألة يحب أن يُتفطن لها أيضًا في هذا الأمر، وهي أن بعض السفهاء إذا نزل به ضيف، طلق الصيف أن لا يذبح له؛ قال: عليّ الطلاق من امرأتي أو نسائي إن كان له أكثر من امرأة أن لا تذبح لي، فيقول صاحب البيت: وأنا على الطلاق أن أذبح لك، وهذا خطأ عظيم، قال النبي ﵊: " من كان حالفًا فليحلف بالله أو
[ ٢ / ٦١٠ ]
ليصمت " أما الطلاق فلا، ما ذنب المرأة حتى تطلقها؟! وهو من الخطأ العظيم.
وأقول لكم إن المفتين اليوم - وأنا منهم - نفتي بأن الإنسان إذا أراد بذلك التهديد أو التأكيد فإنه لا طلاق، وعليه كفارة يمين، يعني أن حكمه حكم اليمين، ولكني أقول لكم: إن أكثر أهل العلم، ومنهم أصحاب المذاهب الأربعة على أن هذا طلاق، وعلى أنه إذا لم يف بما قال طلقت امرأته، فالمسألة خطيرة، ولا تظنوا أن الناس إذا أفتوا بالأمر السهل أن المسألة سهلة، بل هي خطيرة جدًا، إذا كان أصحاب المذاهب الأربعة: المالكي، والشافعي، والحنفي، والحنبلي، كلهم يرون أن مثل هذا يكون طلاقًا، وأنه إذا طلق أن لا تذبح وذبحت طلقت زوجته، وإذا طلقت أن تذبح ولم تذبح طلقت زوجتك، وهذه المذاهب الأربعة ليست بهينة، والخلاف في هذا ليس بهين، فلا تستهينوا بهذا الأمر، فهو خطير جدًا.
وأنت الآن مثلًا إذا رجعت إلى زوجتك وكانت هذه آخر طلقة، فأنت تطؤها على المذاهب الأربعة وطئًا حرامًا. وعلى القول أنه يمين تكفر عن يمينك وتحل لك، فالمسألة خطيرة للغاية، لذلك يجب علينا أن نتناهي عنها، وأن لا نقول إذا حصل أذهب لابن باز أو لابن عثيمين أو الثاني أو الثالث فهذا لا ينفعك، فهناك علماء إجلاء أكبر منهم يرون أن هذا طلاق،
[ ٢ / ٦١١ ]
وأنه إذا كان آخر طلقة، فإن المرأة تبين بها، ولا تحل لزوجها إلا بعد زوج آخر.
أقول هذا من أجل ان لا تتهاونوا في هذا الأمر فهذا الأمر خطير جدًا، فمن كان حالفاُ فليحلف بالله، ويقول: والله.
ثم إني أشير عليكم بأمر مهم؛ أنك إذا حلفت على يمين فقل إن شاء الله ولو لم يسمعها صاحبك، قل إن شاء الله وإن لم يسمعها صاحبك؛ لأنك إذا قلت إن شاء الله يسر الله لك الأمر حتى تبر بيمينك، وإذا قدر انه ما حصل الذي تريد فلا كفارة عليك، وهذه فائدة عظيمة.
فلو قلت لواحد مثلًا: والله ما تذبح لى، ثم قلت بينك وبين نفسك: إن شاء الله، ثم ذبح فلا عليك شيء ولا عليك كفارة يمين، وكذلك أيضًا بالعكس، لو قلت: والله لأذبح ثم قلت بينك وبين نفسك: إن شاء الله، ولم يسمع صاحبك، فإنه إذا لم تذبح فليس عليك كفارة؛ لقول النبي ﷺ " من حلف علي يمين فقال: إن شاء الله لم يحنث " وهذه فائدة عظيمة اجعلها على لسانك دائمًا، اجعل الاستثناء بإن شاء الله على لسانك دائمًا حتى يكون فيه فائدتان:
الفائدة الأولى: أن تُيسر لك الأمور.
[ ٢ / ٦١٢ ]
والفائدة الثانية: أنك إذا حنثت فلا تلزم الكفارة.
أما السبع التي نهى عنها ﵊ في حديث البراء، فمنها التختم بالذهب، والتختم بالذهب خاص بالرجال، فالرجل لا يحل له أن يلبس الذهب وأن يتختم بالذهب، ولا أن يلبس سوارًا من ذهب، ولا أن يلبس خرصًا من ذهب، ولا أن يلبي على رأسه شيئًاُ من الذهب، كل الذهب حرام على الرجل؛ لأن النبي ﷺ قال في رجل رأي عليه خاتمًا من ذهب، قال: " يعمد أحدكم إلى جمرة من نار فيضعها في أصبعه أو قال في يده" ثم نزع النبي ﷺ الخاتم فرمي به، فلما انصرف النبي ﷺ قالوا للرجل: خذ خاتمك، انتفع به، قال: لا والله لا آخذ خاتمًا طرحه النبي ﷺ وقال ﵊ في حديث على بن أبي طالب: " إن هذين حرام على ذكور امتى حلٌ إناثهم".
وأما تختم المرأة بالذهب فلا بأس به ولا حرج فيه، فيجوز لهن التختم بالذهب والتسور به، وأن يلبسن ما شئن منه، إلا إذا بلغ حد الإسراف، فإن الإسراف لا يحل؛ لقول الله تعالى (وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ) (لأعراف: ٣١) .
وقد حكى بعض العلماء إجماع أهل العلم على جواز لباس المرأة
[ ٢ / ٦١٣ ]
للخاتم والسوار ونحوهما، وأما الأحاديث الواردة في النهي عن الذهب المحلق للنساء فهي أحاديث إما ضعيفة، وإما شاذه تُرك العمل بها، وتواترت الأحاديث الكثيرة التي فيها إقرار النبي ﷺ النساء على لبس المحلق من الإسورة وكذلك من الخواتم.
ولكن يجب على المرآة إذا كان عندها ما يبلغ النصاب من الحلي من الذهب أداء زكاته، بان تقومه كل سنة بما يساويه وتخرج منه ربع العشر؛ لأن النبي ﷺ رأى امرأة وفي يد ابنتها مسكتان غليظتان من الذهب، يعني سوارين غليظين، فقال: " أتؤدين زكاة هذا؟ " قالت: " لا. قال: " أيسرك أن يسورك الله بها سوارين من نار يوم القيامة " فخلعتهما وأعطتهما النبي صلى الله علي وسلم وقالت: هما لله ورسوله.
ونهي أيضا في هذا الحديث " عن الشرب في آنية الفضة" يعني نهانا عن أن نشرب في آنية الفضة، سواء كان الشرب ماءً أو لبنًا أو مرقًا أو غير ذلك، وسواء كان الشارب رجلًا أم امرأة؛ لأن التحريم الأواني من الذهب والفضة شامل للرجال والنساء، ولا فرق بين الفضة الخالصة وبين المموه بالفضة، كل ذلك حرام.
وأما آنية الذهب فهي أشد وأشد، وقد ثبت النهي عنهما عن النبي ﷺ حيث قال: "لا تشربوا في آنية الذهب، ولا تأكلوا في صحافهما، فإنها لهم
[ ٢ / ٦١٤ ]
في الدنيا ولكم في الآخرة"
أما المياثر الحمر: فهي مثل المخدة، يجعل في حشوها قطن ويجعل علي هذا القطن خرقة من الحرير، وتربط في سرج الفرس او في كور البعير من أجل أن يجلس عليها الراكب فيستريح.
وكذلك القسي وغيرها، فإنها كلها من أنواع الحرير، وهي حرامٌ علي الرجال؛ لأنه لا يجوز للرجل أن يلبس الحرير، ولا أن يجلس عليه، ولا أن يفترشه، ولا أن يلتحفه.
وأما المرأة فيجوز لها لبس الحرير؛ لأنها محتاجة إلى الزينة والتجمل كما قال الله تعالى (أَوَمَنْ يُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي الْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ) (الزخرف: ١٨)، يعني: أو من يرفه في الحلية وهو في الخصام غير مبين كمن ليس كذلك وهم الرجال، فالرجال لا يرفهون في الحلية ولا ينشئون فيها؛ لأنهم مستغنون ببطولتهم ورجولتهم عن التزين والتجمل بهذه الأشياء.
وأما افتراش المرأة للحرير والتحافها به وجلوسها عليه، فقد اختلف فيه العلماء، منهم من منع وحرم واستدل بعموم هذا الحديث؛ وأن الرسول ﵊ نهي عن المياثر الحمر وشبهها، وقال: إن المرأة يباح لها أن تلبس الحرير لاحتياجها إليه، أما أن تفترشه فلا حاجة
[ ٢ / ٦١٥ ]
لها إلى أن تفترش الحرير، وهذا القول اقرب من القول بالحل مطلقًا أي يحلّ الحرير للنساء مطلقًا؛ لأن الحكم يدور مع علته وجواد وعدمًا.
بقي الكلام علي قوله: " وإنشاد الضالة" يعني مما أمرهم به إنشاد الضالة، يعني أن الإنسان إذا وجد ضالة وجب عليه إنشادها، أي طلب من هي له، والضالة هي ما ضاع من البهائم، وقد قسم العلماء ﵏ الضالة إلى قسمين:
الأول: قسم يمتنع من الذئاب ونحوها من صغار السباع، فهذا لا يجوز التقاطه ولا إيواؤه، ومن آوى ضالة فهو ضال مثل الإبل، أو ما يمتنع بطيرانه مثل الطيور كالصقور والحمام وشبهها، أو ما يمتنع بعدوه كالظباء ونحوها.
فالذي يمتنع من صغار السباع كالذئاب وشبهها ثلاثة أنواع: ما يمتنع من السباع لكبر جثته وقوته مثل الإبل، وما يمتنع من السباع لطيرانه كالصقور والحمام، وما يمتنع من السباع لعدوه وسرعة سعيه كالظباء.
فهذا لا يجوز للإنسان أن يلتقطها، ولا يجوز له أن يؤويها بل يطردها من إبله، ويطردها من حمامه، إذا أوت إلى حمامه؛ فإن النبي ﷺ سُئل عن ضالة الإبل فقال: " ما لك ولها؛ معها سقاؤها وحذاؤها، ترد الماء وتأكل الشجر حتى يجدها ربها " معها سقاؤها: يعني بطنها تملؤه ماءً،
[ ٢ / ٦١٦ ]
وحذاؤها: يعني خفها تمشي عليه، ترد الماء وتأكل الشجر حتى يجدها ربها.
فلا يجوز لك أن تؤوي هذه الضالة ولا أن تلتقطها، ولو كنت تريد الخير، اللهم إلا إذا كنت في أرض فيها قطاع طريق تخشى أن يأخذوها ويضيعوها على صاحبها، فلا بأس أن تأخذها حينئذ، أو إذا كنت تعرف صاحبها فتأخذها لتردها عليه، فهذا لا بأس به.
الثاني: ما لا يمتنع من صغار السباع، يعني الذي يعجز أن يفك نفسه مثل الغنم أو الماعز أو الشياه أو ما أشبه ذلك، فإنك تأخذها كما قال النبي ﵊: " هي لك أو لآخيك أو للذئب"
، ولكن يجب عليك أن تبحث عن صاحبها وقوله (هي لك) يعني إن لم تجد صاحبها، يعني صاحبها إذا عرفته، " أو للذئب" إذا لم يجدها أحد أكلها الذئب.
فهذه تُؤخذ ويُبحث عن صاحبها، فإذا تمت السنة ولم يُوجد صاحبها فهي لمن وجدها.
وإنشاد الضالة له معنيان:
المعني الأول: ما ذكرنا وهذا واجب على الإنسان.
المعني الثاني: منهيٌ عنه وذلك مثل ما يقع في المساجد، وهو أن يطلب الإنسان الضالة فيه، مثل أن يقول: من رأى كذا وكذا؟ أو: يا أيها
[ ٢ / ٦١٧ ]
الناس قد ضاعت لي كذا وكذا فمن وجدها؟
فهذا لا يجوز في المسجد، وهو محرم، لأن المساجد لم تبن لهذا، قال النبي ﵊: " إذا سمعتم أحدًا ينشد ضالة في المسجد فقولوا له: لا ردها الله عليك؛ فإن المساجد لم تُبن لهذا"
فنحن مأمورون أن ندعوا الله عليه، فنقول: لا ردها الله عليه، فنقول: لا ردها الله عليك، كما أننا إذا سمعنا شخصًا يبيع ويشترى في المسجد فإننا نقول: لا أربح الله تجارتك؛ لأن المساجد لم تُبن للبيع أو الشراء.
فهذه الأوامر التي أمر بها النبي ﷺ كلها خير، والنواهي التي نهى عنها كلها شر؛ لأن قاعدة شريعته ﷺ تأمر بالمصالح وتنهى عن المفاسد، وإذا اجتمع في الشيء مفسدة ومصلحة؛ غُلب الأقوى منها والأكثر، فإن كان الأكثر المصلحة غُلبت، وإن كانت المفسدة غُلبت، وإن تساوى الأمران غلبت المفسدة؛ لأن درء المفاسد أولى من جلب المصالح، الله الموفق.
وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه وأتباعه بإحسان إلى يوم الدين.
[ ٢ / ٦١٨ ]