فال الله تعالى: (وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ) [الحجر: ٨٨]، وقال تعالى: [وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا) [الكهف: ٢٨] .
[الشَّرْحُ]
قال المؤلف - رحمه الله تعالى ـ: باب ملاطفة اليتامى والضعفة والبنات، ونحوهم ممن هم محل الشفقة والرحمة؛ وذلك أن دين الإسلام دين الرحمة والعطف والإحسان، وقد حث الله ﷿ على الإحسان في عدة آيات من كتابه، وبين ﷾ أنه يحب المحسنين، والذين هم في حاجة إلى الإحسان يكون الإحسان إليهم أفضل وأكمل؛ فمنهم اليتامى.
واليتيم هو الصغير الذي مات أبوه قبل بلوغه؛ سواء كان ذكر أو أنثى، ولا عبرة بوفاة الأم، يعني أن اليتيم هو الصغير الذي مات أبوه قبل بلوغه وإن كان له أم، وأما من ماتت أمه، وأبوه موجود فليس بيتيم، خلافًا لما يفهمه عوام الناس؛ حيث يظنون أن اليتيم هو الذي ماتت أمه وليس كذلك، بل اليتيم هو الذي مات أبوه.
ويسمى يتيمًا هو الانفراد؛ لأن هذا الصغير انفرد عن
[ ٣ / ٧٩ ]
كاسب، وهو صغير لا يستطيع الكسب.
وقد أوصى الله ﷾ في عدة آيات باليتامى، وجعل لهم حقًا خاصًا؛ لأن اليتيم قد انكسر قلبه بموت أبيه، فهو محل للعطف والرحمة قال الله ﷿: (وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا) [النساء: ٩] .
وكذلك البنات والنساء محل العطف والشفقة والرحمة؛ لأنهن ضعيفات. ضعيفات في العقل، وفي العزيمة، وفي كل شيء فالرجال أقوى من النساء في الأبدان والعقول والأفكار والعزيمة وغير ذلك، ولهذا قال الله ﷿: (الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ) [النساء: ٣٤] .
وكذلك أيضًا المنكسرون؛ يعني الذين أصابهم شيء فانكسروا من أجله، وليس هو كسر العظم بل كسر القلب، يعني مثلًا أصابته جائحة اجتاحت ماله، أو مات أهله أو مات صديق له فانكسر قلبه، والمهم أن المنكسر ينبغي ملاطفته، ولهذا شرعت تعزية من مات له ميت إذا أصيب بموته؛ يُعزّى ويلاطف ويبين له أن هذا أمر الله، وأن الله ﷾ إذا قضى أمرًا فإنما يقول له كن فيكون وما أشبه ذلك.
وكذلك ينبغي خفض الجناح لهم ولين الجانب، قال الله تعالى (وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ) [الحجر: ٨٨]، اخفض جناحك يعني تطامن لهم وتهاون لهم، وقال: (وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ) يعني حتى لو شمخت نفسك وارتفعت في الهواء كما يرتفع الطير فاخفض جناحك، ولو كان عندك من
[ ٣ / ٨٠ ]
المال ولك من الجاه والرئاسة ما يجعلك تتعالى على الخلق، وتطير كما يطير الطير في الجو فاخفض الجناح، اخفض الجناح حتى يكونوا فوقك، (لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ) وهذا أمر للرسول ﵊ وهو أمر للأمة كلها.
فيجب على الإنسان أن يكون لين الجانب لإخوانه المؤمنين، ويجب عليه أيضًا أنه كلما رأى إنسانًا أتبع لرسول الله ﷺ فليخفض له جناحه أكثر؛ لأن المتبع للرسول ﵊ أهل لأن يتواضع له، وأن يكرم، وأن يعزز، لا لأنه فلان بن فلان لكن لأنه اتبع الرسول ﵊، كل من اتبع الرسول ﵊ فهو حبيبنا؛ وهو أخونا، وهو صديقنا، وهو صاحبنا، وكل من كان أبعد عن اتباع الرسول فإننا نبتعد عنه بقدر ابتعاده عن اتباع الرسول، هكذا المؤمن يجب أن يكون خافضًا جناحه لكل من اتبع الرسول ﵊، اخفض جناحك لمن اتبعك من المؤمنين.
وقال الله تعالى لرسوله: (وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا) [الكهف: ٢٨]، فاصبر نفسك: احبسها مع هؤلاء القوم السادة الكرماء الشرفاء، الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي: يعني صباحًا ومساءً، لا رياء ولا سمعة، ولكنهم يريدون وجهه. يريدون وجه الله ﷿ في دعائهم له وعبادتهم له وذكرهم له وتسبيحهم له.
(وَلا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا) [الكهف: ٢٨]، يعني لا
[ ٣ / ٨١ ]
تبعد عنهم، لا تعد دائمًا عنهم عيناك: أي لا تتجاوز عيناك عنهم تريد زينة الحياة الدنيا. مثلًا إذا كان هناك رجلان؛ أحدهما مقبل على طاعة الله يدعو ربه بالغداة والعشي، ويقيم الصلاة، ويؤتي الزكاة، ويصوم، ويحسن إلى الناس، وآخر غني كبير عنده أموال وقصور وسيارات وخدم، أيهم أحق أن نصبر أنفسنا معه؟ الأول أحق أن نصبر أنفسنا معه، وأن نجالسه، وأن نخالطه وأن لا نتعداه نريد زينة الحياة الدنيا.
الحياة كلها عرض زائل، وما فيها من النعيم أو من السرور فإنه محفوف بالأحزان والتنكيد، ما من فرح في الدنيا إلا ويتلوه ترح وحزن. قال- أظنه- ابن مسعود ﵁ ما ملئ بيت فرحًا إلا ملئ حزنًا وترحًا، وصدق ﵁: لو لم يكن من ذلك إلا أنهم سيموتون تباعًا واحدًا بعد الثاني، كلما مات واحد حزنوا عليه، فتتحول هذه الأفراح والمسرات إلى أحزان وأتراح فالدنيا كلها ليست بشيء.
إذًا لا تعد عيناك عنهم تريد زينة الحياة الدنيا، بل كن معهم وكن ناصرًا لهم، ولا يهمنك ما متعنا به أحدًا من الدنيا، وهذا كقوله ﷿: (وَلا تَمُدَّنَ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى (وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى [طه: ١٣١، ١٣٢]، أسأل الله أن يحسن لي ولكم العافية، وأن يجعل العاقبة لنا ولإخواننا المسلمين حميدة.
[ ٣ / ٨٢ ]
وقال تعالى: (فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ وَأَمَّا السَّائِلَ فَلا تَنْهَرْ) [الضحى: ٩، ١٠] .
[الشَّرْحُ]
ذكر المؤلف - رحمه الله تعالى - فيما ساقه من الآيات الكريمة في باب الحنو على الفقراء واليتامى والمساكين وما أشبههم، قال: وقول الله تعالى: (أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى وَوَجَدَكَ ضَالًا فَهَدَى وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ وَأَمَّا السَّائِلَ فَلا تَنْهَرْ وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ) [الضحى: ٦، ١١]، الخطاب في قوله: (أَلَمْ يَجِدْكَ) للنبي ﷺ. يقرر الله تعالى في هذه الآيات أن الرسول ﷺ كان يتيمًا، فإنه ﵊ عاش من غير أم ولا أب، فكفله جده عبد المطلب، ثم مات هو في السنة الثامنة من عمره ﷺ، ثم كفله عمه أبو طالب. فكان يتيمًا وكان ﷺ يرعى الغنم لأهل مكة على قراريط، يعني على شيء يسير من الدراهم؛ لأنه ما من نبي بعثه الله إلا ورعى الغنم، فكل الأنبياء الذين أرسلوا أول أمرهم كانوا رعاة غنم، من أجل أن يعرقوا ويتمرنوا على الرعاية وحسن الولاية، واختار الله لهم أن تكون رعيتهم غنمًا؛ لأن راعي الغنم يكون عليه السكينة والرأفة والرحمة؛ لأنه يرعى مواشي ضعيفة بخلاف رعاة الإبل،
رعاة الإبل أكثر ما يكون فيهم الجفاء والغلظة؛ لأن الإبل كذلك غليظة قوية جبارة.
فنشأ ﷺ يتيمًا، ثم إن الله ﷾ أكرمه فيسر له زوجة صالحة، وهي أم المؤمنين خديجة ﵂؛ تزوجها وله خمس وعشرون من العمر ولها أربعون سنة، وكانت حكيمة عاقلة صالحة، رزقه
[ ٣ / ٨٣ ]
الله أولاده كلهم من بنين وبنات إلا إبراهيم فإنه من كان سريته مارية القبطية، المهم أن الله يسرها له وقامت بشئونه، ولم يتزوج سواها ﷺ حتى ماتت.
أكرمه الله ﷿ بالنبوة فكان أول ما بدىء بالوحي أن يرى الرؤيا في المنام، فإذا رأى الرؤيا في المنام جاءت مثل فلق الصبح في يومها بينة واضحة؛ لأن الرؤيا الصالحة جزء من ستة وأربعين جزءًا من النبوة، فدعا إلى الله وبشر وأنذر وتبعه الناس، وكان هذا اليتيم الذي يرعى الغنم كان إمامًا لأمه هي أعظم الأمم، وكان راعيًا لهم ﵊ راعيًا للبشر ولهذه الأمة العظيمة.
قال: (أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى) [الضحى: ٦]، آواك الله بعد يتمك، ويسر لك من يقوم بشئونك حتى ترعرعت، وكبرت، ومنّ الله عليك بالرسالة العظمى.
(وَوَجَدَكَ ضَالًا فَهَدَى) [الضحى: ٧] وجدك ضالًا: يعني غير عالم، كما قال الله تعالى: (وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ) [العنكبوت: ٤٨] وقال تعالى: (وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا) [النساء: ١١٣]، وقال الله تعالى: (مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلا الْأِيمَانُ) [الشورى: ٥٢]، ولكن صار بهذا الكتاب العظيم عالمًا كامل الإيمان ﵊، وجدك ضالًا أي غير عالم ولكنه هداك. بماذا هداه؟ هداه الله بالقرآن.
(وَوَجَدَكَ عَائِلًا) يعني فقيرًا (فَأَغْنَى) أغناك، وفتح الله عليك الفتوح
[ ٣ / ٨٤ ]
حتى كان يقسم ويعطي الناس، وقد أعطى ذات يوم رجلًا غنمًا بين جبلين، وكان يعطي عطاء من لا يخشى الفاقة ﵊.
ثم تأملوا قوله تعالى: (أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى) ما قال فآواك بل قال: (فَآوَى) (وَوَجَدَكَ ضَالًا فَهَدَى) ولم يقل فهداك (وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى) ولم يقل فأغناك. لماذا؟ لمناسبتين؛ إحداهما لفظية، والثانية معنوية.
أما اللفظية: فلأجل تناسب رؤوس الآيات كقوله تعالى: (وَالضُّحَى وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولَى وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى) [الضحى: ١ ـ٥] كل آخر الآيات ألفات، فقوله: (أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى) [الضحى: ٦]، لو قال فآواك اختلف اللفظ، ووجدك ضالًا فهداك اختلف اللفظ، ووجدك عائلًا فأغناك اختلف اللفظ، لكن جعل الآيات كلها على فواصل حرف واحد.
المناسبة الثانية معنوية: وهي أعظم، (أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى) هل آواه الله وحده أو آواه وآوى أمته؟ والجواب: الثاني، آواه الله وآوى على يديه أمما لا يحصيهم إلا الله ﷿، ووجدك ضالًا فهدى. هل هداه وحده؟ لا؛ هدى به أمما عظيمة إلى يوم القيامة، ووجدك عائلًا فأغنى. هل أغناه الله وحده؟ لا؛ أغناه الله وأغنى به. كم حصل للأمة الإسلامية من الفتوحات العظيمة. (وَعَدَكُمُ اللَّهُ مَغَانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَهَا فَعَجَّلَ لَكُمْ هَذِهِ) [الفتح: ٢٠]، فأغناهم الله ﷿ بمحمد ﷺ.
إذًا ألم يجدك يتيمًا فآواك وآوى بك، ووجدك ضالًا فهداك وهدى
[ ٣ / ٨٥ ]
بك ووجدك عائلًا فأغناك وأغنى بك، هكذا حال الرسول ﵊.
ثم قال: (فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ) اذكر نفسك حين كنت يتيمًا، فلا تقهر اليتيم، بل سهل أمره؛ إذا صاح فسكته، إذا غضب فأرضه، إذا تعب فخفف عليه، وهكذا.
(فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ وَأَمَّا السَّائِلَ فَلا تَنْهَرْ) السائل: يظهر من سياق الآيات أنه سائل المال الذي يقول أعطني مالًا، فلا تنهره لأنه قال: (وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى)، فلما أغناك لا تنهر السائل. تذكر حالك حينما كنت فقيرًا، فلا تنهر السائل.
ويحتمل أن يُراد بالسائل سائل المال وسائل العلم، حتى الذي يسأل العلم لا تنهره. بل الذي يسأل العلم القه بانشراح صدر؛ لأنه لولا أنه محتاج ولولا أن عنده خوف الله ﷿ ما جاء يسأل، فلا تنهر اللهم إلا من تعنت فهذا لا حرج أن تنهره.
لو كنت تخبره ثم يقول لكل شيء: لماذا هذا حرام؟ ولماذا هذا حلال؟ لماذا حرم الله الربا وأحل البيع؟ لماذا حرم الله الأم من الرضاع؟ وأشياء كثيرة من قبيل هذا. فهذا الذي يتعنت انهره ولا حرج أن تغضب عليه.
كما فعل الرسول ﵊ حين تشاجر رجل من الأنصار والزبير بن العوام، في الوادي حيث يأتي السيل، وكان الزبير ﵁ حائطه قبل حائط الأنصاري فتنازعا؛ الأنصاري يقول للزبير: لا تحبس
[ ٣ / ٨٦ ]
الماء عني والزبير يقول: أنا أعلى فأنا أحق، فتشاجرا وتخاصما عند الرسول ﵊ فقال النبي ﷺ: «اسق يا زبير ثم أرسله إلى جارك»، وهذا حكم. فقال: أن كان ابن عمتك يا رسول الله! كلمة لكن الغضب حمله عليها والعياذ بالله، والزبير بن العوام بن صفية بنت عبد المطلب عمة الرسول ﵊. قال: أن كان ابن عمتك يا رسول الله، فغضب الرسول ﷺ وقال: «اسق يا زبير حتى يصل إلى الجدر ثم أرسله إلى جارك»
فالحاصل أن السائل للعلم لا تنهره، بل تلقه بصدر رحب وعلّمه حتى يفهم، خصوصًا في وقتنا الآن، فكثير من الناس الآن يسألك وقلبه ليس معك. تجيبه بالسؤال ثم يفهمه خطأ ثم يذهب يقول للناس: أفتاني العالم الفلاني بكذا وكذا، ولهذا ينبغي ألا تطلق الإنسان الذي يسألك حتى تعرف أنه عرف.
(وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ) نعمة الله عليك حدث بها، قل الحمد لله؛ رزقني الله علمًا رزقني الله مالًا، ورزقني الله ولدًا وما أشبه ذلك.
[ ٣ / ٨٧ ]
والتحدث بنعمة الله نوعان: تحديث باللسان، وتحديث بالأركان.
تحديث باللسان: كأن تقول: أنعم الله علي؛ كنت فقيرًا فأغناي الله، كنت جاهلًا فعلمني الله، وما أشبه ذلك.
والتحديث بالأركان: أن ترى أثر نعمة الله عليك، فإن كنت غنيًا فلا تلبس ثياب الفقراء بل البس ثيابًا تليق بك، وكذلك في المنزل، وكذلك في المركوب، في كل شيء دع الناس يعرفون نعمة الله عليك، فإن هذا من التحديث بنعمة الله ﷿، ومن التحديث بنعمة الله ﷿ إذا كنت قد أعطاك الله علمًا أن تحدث الناس به تعلم الناس؛ لأن الناس محتاجون. وفقني الله والمسلمين لما يحب ويرضى.
* * *
وقال تعالى (أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّين فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ وَلا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ) [الماعون: ١ـ٣]
[الشَّرْحُ]
ذكر المؤلف - رحمه الله تعالى - في سياق الآيات التي فيها الحث على الرفق باليتامى ونحوهم من الضعفاء، قال: وقال تعالى: (أَرَأَيْتَ الَّذِى يُكَذِّبُ بِالدِّينِ فَذَلِكَ الَّذِى يَدُعُّ الْيَتِيمَ وَلا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ) .
(أَرَأَيْت) يقول العلماء: إن معناها أخبرني، يعني أخبرني عن حال هذا الرجل وماذا تكون. والدين: الجزاء؛ يعني يكذب بالجزاء وباليوم الآخر ولا يصدق به، وعلامة ذلك أنه يدع اليتيم يعني يدفعه بعنف وشدة ولا يرحمه.
(وَلا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ) أي: لا يحث الناس على طعام المسكين، وهو بنفسه لا يفعله أيضًا، ولا يطعم المساكين، فحال هذا
[ ٣ / ٨٨ ]
والعياذ بالله أسوأ حال؛ لأنه لو كان يؤمن بيوم الدين حقيقة لرحم من أوصى الله برحمتهم، وحض على طعام المسكين.
وفي سورة الفجر يقول الله تعالى: (كَلَّا بَلْ لا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ وَلا تَحَاضُّونَ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ) [الفجر: ١٧، ١٨]، وهذه أبلغ مما في سورة الماعون لأنه قال: (لا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ) وإكرامه أكثر من الوقوف بدون إكرام ولا إهانة، فاليتيم يجب أن يكرم.
وتأمل قوله: (بَلْ لا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ وَلا تَحَاضُّونَ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ) فالمسكين حظه الإطعام ودفع حاجته، أما اليتيم فالإكرام. فإن كان غنيًا فإنه يكرمه ليتمه ولا يطعم لغناه، وإن كان فقيرًا - أي اليتيم - فإنه يكرم ليتمه ويطعم لفقره، ولكن أكثر الناس لا يبالون بهذا الشيء.
واعلم أن الرفق بالضعفاء واليتامى والصغار يجعل في القلب رحمة ولينًا وعطفًا وإنابة إلى ﷿، لا يدركها إلا من جرب ذلك، فالذي ينبغي لك أن ترحم الصغار وترحم الأيتام وترحم الفقراء، حتى يكون في قلبك العطف والحنان والرحمة و«إنما يرحم الله من عباده الرحماء» .
نسأل الله أن يعمنا والمسلمين برحمته وفضله إنه كريم جواد.
* * *
[ ٣ / ٨٩ ]
١/٢٦٠ وعن سعد بن أبي وقاص ﵁ قال: كنا مع النبي ﷺ ستة نفر، فقال المشركون للنبي ﷺ: اطرد هؤلاء لا يجترئون علينا، وكنت أنا وابن مسعود ورجل من هذيل وبلال ورجلان نسيت اسميهما، فوقع في نفس رسول الله ﷺ ما شاء الله أن يقع فحدث نفسه، فانزل الله تعالى: (وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ) [الأنعام: ٥٢] رواه مسلم
[الشَّرْحُ]
ذكر المؤلف - رحمه الله تعالى - فيما نقله عن سعد بن أبي وقاص ﵁، قال:
«كنا مع النبي ﷺ ستة نفر» وهذا في أول الإسلام في مكة؛ لأن سعيد بن أبي وقاص ﵁ من السابقين إلى الإسلام؛ أسلم وأسلم معه جماعة.
ومن المعلوم أن من أول الناس إسلامًا أبا بكر ﵁، بعد خديجة وورقة بن نوفل، وكان هؤلاء النفر ستة منهم ابن مسعود ﵁، وكان راعي غنم فقيرًا، وكذلك بلال بن أبي رباح وكان عبدًا مملوكًا، وكانوا مع الرسول ﵊؛ يجلسون إليه ويستمعون له وينتفعون بما عنده، وكان المشركون العظماء في أنفسهم، يجلسون إلى النبي ﷺ فقالوا له: اطرد عنا هؤلاء، قالوا هذا احتقارًا لهؤلاء الذين يجلسون مع النبي ﷺ.
فوقع في نفس النبي ﷺ ما وقع، وفكر في الأمر، فأنزل الله تعالى:
[ ٣ / ٩٠ ]
(وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَه) [الأنعام: ٥٢]، نهاه الله ﷿ أن يطرد هؤلاء وإن كانوا فقراء، وإن لم يكن لهم قيمة في المجتمع، لكن لهم قيمة عند الله؛ لأنهم يدعون الله بالغداة والعشي، يعني صباحًا ومساءً، يدعونه دعاء مسألة فيسألونه رضوانه والجنة، ويستعيذون به من النار.
ويدعونه دعاء عبادة فيعبدون الله، وعبادة الله تشتمل على الدعاء، ففي الصلاة مثلًا يقول الإنسان: رب اغفر لي، ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة. السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، وما أشبه ذلك، ثم إن العابد أيضًا إنما يعبد لنيل رضا الله ﷿.
وفي قوله: (يُرِيدُونَ وَجْهَهُ) تنبيه على الإخلاص وأن الإخلاص له أثر كبير في قبول الأعمال ورفعة العمال عند الله ﷿، فكلما كان الإنسان في عمله أخلص؛ كان أرضى لله وأكثر لثوابه، وكم من إنسان يصلي وإلى جانبه آخر يصلي معه الصلاة، ويكون بينهما من الرفعة عند الله والثواب والجزاء كما بين السماء والأرض، وذلك لإخلاص النية عند أحدهما دون الآخر.
فالواجب على الإنسان أن يحرص غاية الحرص على إخلاص نيته لله في عبادته، وألا يقصد بعبادته شيئًا من أمور الدنيا؛ لا يقصد إلا رضا الله وثوابه حتى ينال بذلك الرفعة في الدنيا والآخرة.
قال الله تعالى في آخر الآية: (مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ) يعني ليس عليك شيء منهم ولا عليهم
[ ٣ / ٩١ ]
شيء منك، حساب الجميع على الله، وكل يجازى بعمله.
(فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ) [الأنعام ٥٢]، الفاء هذه التي في (فتكون) تعود على قوله: (فَتَطْرُدَهُمْ) لا على قوله: (مَا عَلَيْك)، فعندنا هنا في الآية فاءان: الفاء الأولى (فَتَطْرُدَهُمْ) وهذه مرتبة على قوله: (مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ)، و(فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ) مرتبة على قوله: (وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيّ) يعني فإن طردتهم فإنك من الظالمين.
ويستفاد من هذا الحديث أن الإنسان ينبغي له أن يكون جليسه من أهل الخير الذين يدعون الله صباحًا ومساءً يريدون وجهه، وألا يهتم بالجلوس مع الأكابر، والأشراف، والأمراء، والوزراء، والحكام؛ بل لا ينبغي أن يجلس إلى هؤلاء إلا أن يكون في ذلك مصلحة، فإذا كان في ذلك مصلحة؛ مثل أن يريد أن يأمرهم بمعروف، أو ينهاهم عن منكر، أو يبين لهم ما خفي عليهم من حال الأمة، فهذا طيب وفيه خير.
أما مجرد الأنس بمجالستهم، ونيل الجاه بأنه جلس مع الأكابر، أو مع الوزراء، أو مع الأمراء، أو مع ولاة الأمور، فهذا غرض لا يحمد عليه العبد، إنما يحمد على الجلوس مع من كان أتقى لله؛ من غني وفقير، وحقير وشريف. فالمدار كله على رضا الله ﷿، وعلى محبة من أحب الله.
وقد ذاق طعم الإيمان من والى من والاه الله، وعادى من عاداه الله، وأحب في الله، وأبغض في الله، نسأل الله أن يجعلنا وإياكم كذلك، وأن
[ ٣ / ٩٢ ]
يهب لنا منه رحمة إنه هو الوهاب، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
* * *
٢/٢٦١ - وعن أبي هبيرة عائذ بن عمرو المزني وهو من أهل بيعة الرضوان ﵁، أن أبا سفيان أتى على سلمان وصهيب وبلال في نفر فقالوا: ما أخذت سيوف الله من عدو الله مأخذها، فقال أبو بكر ﵁: أتقولون هذا لشيخ قريش وسيدهم؟ فأتى النبي ﷺ، فأخبره فقال: «يا أبا بكر لعلك أغضبتهم؟ لئن كنت أغضبتهم لقد أغضبت ربك» فأتاهم فقال: يا إخوتاه آغضبتكم؟ قالوا: لا، يغفر الله لك يا أخي. رواه مسلم.
قوله «مأخذها» أي: لم تستوف حقها منه. وقوله: «يا أخي» روي بفتح الهمزة وكسر الخاء وتخفيف الياء، وروي بضم الهمزة وفتح الخاء وتشديد الياء.
[الشَّرْحُ]
ذكر المؤلف - رحمه الله تعالى - فيما نقله في قضية الضعفاء والمساكين، وأنه تجب ملاطفتهم والرفق بهم والإحسان إليهم، أن أبا سفيان مر بسلمان وصهيب وبلال، وهؤلاء الثلاثة كلهم من الموالي، صهيب الرومي، وبلال الحبشي، وسلمان الفارسي، فمر بهم فقالوا: ما
[ ٣ / ٩٣ ]
فعلت أسيافنا بعدو الله ما فعلت يعني: يريدون أنهم لم يشفوا أنفسهم مما فعل بهم أسيادهم من قريش، الذين كانوا يعذبونهم ويؤذونهم في دين الله ﷿، فكأن أبا بكر ﵁ لامهم على ذلك، وقال: أتقولون لسيد قريش مثل هذا الكلام.
ثم إن أبا بكر أخبر النبي ﷺ بذلك، فقال له: «لئن كنت أغضبتهم لقد أغضبت ربك»، يعني أغضبت هؤلاء النفر - مع أنهم من الموالي وليسوا بشيء في عداد الناس وأشرافهم - لئن كنت أغضبتهم لقد أغضبت ربك، فذهب أبو بكر ﵁ إلى هؤلاء النفر وسألهم: آغضبتكم؟ فقالوا: لا، قال: يا إخوتاه، آغضبتكم؟ قالوا: لا، يغفر الله لك يا أبا بكر.
فدل هذا على أنه لا يجوز للإنسان أن يترفع على الفقراء والمساكين ومن ليس لهم قيمة في المجتمع؛ لأن القيمة الحقيقية هي قيمة الإنسان عند الله، كما قال الله تعالى: (إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ) [الحجرات: ١٣]، والذي ينبغي للإنسان أن يخفض جناحه للمؤمنين ولو كانوا غير ذي جاه؛ لأن هذا هو الذي أمر الله به نبيه ﷺ حيث قال: (وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ) [الحجر: ٨٨] .
وفي هذا دليل على ورع أبي بكر ﵁، وعلى حرصه على إبراء ذمته، وأن الإنسان ينبغي له - بل يجب عليه - إذا اعتدى على أحد بقول أو فعل أو بأخذه مال أو سب أو شتم أن يستحله في الدنيا؛ قبل أن يأخذ ذلك منه في الآخرة؛ لأن الإنسان إذا لم يأخذ حقه في الدنيا فإنه يأخذه يوم القيامة، ويأخذ من أشرف شيء وأعز شيء على الإنسان يأخذه
[ ٣ / ٩٤ ]
من الحسنات؛ من الأعمال الصالحة التي هو في حاجة إليها في ذلك المكان.
قال النبي ﵊: «ماذا تعدون المفلس فيكم؟ قالوا: من ليس له درهم ولا دينار، أو قالوا: ولا متاع. فقال: «المفلس من يأتي يوم القيامة بحسنات أمثال الجبال، فيأتي وقد ضرب هذا، وشتم هذا، وأخذ مال هذا، فيأخذ هذا من حسناته، وهذا من حسناته، فإن بقي من حسناته شيء وإلا أخذ من سيئاتهم فطرح عليه ثم طرح في النار» .
* * *
[ ٣ / ٩٥ ]
٥/٢٦٤ - وعنه قال: قال رسول الله ﷺ: «ليس المسكين الذي ترده التمرة والتمرتان ولا اللقمة واللقمتان إنما المسكين الذي يتعفف» متفق عليه.
وفي رواية في «الصحيحين» «ليس المسكين الذي يطوف على الناس ترده اللقمة واللقمتان، والتمرة والتمرتان، ولكن المسكين الذي لا يجد غنى يغنيه، ولا يفطن به فيتصدق عليه، ولا يقوم فيسأل الناس» .
[الشَّرْحُ]
ذكر المؤلف - رحمه الله تعالى - فيما نقله عن سعد بن أبي وقاص ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: «أنا وكافل اليتيم هكذا» وأشار بالسبابة والوسطى، يعني بالأصبع السبابة والوسطى؛ والأصبع السبابة هي التي بين الوسطى والإبهام، وتسمى السبابة لأن الإنسان يشير بها عند السب، فإذا سب شخصًا قال هذا وأشار بها.
وتسمى السباحة لأن الإنسان يشير بها أيضًا عند التسبيح، ولهذا يشير الإنسان بها في صلاته إذا جلس بين السجدتين ودعا: رب اغفر لي وارحمني؛ كلما دعا رفعها، يشير إلى الله ﷿؛ لأن الله في السماء
[ ٣ / ٩٦ ]
جل وعلا، وكذلك أيضًا يشير بها في التشهد إذا دعا: السلام عليك أيها النبي السلام علينا، اللهم صل على محمد، اللهم بارك على محمد، في كل جملة دعائية يشير بها إشارة إلى علو الله تعالى وتوحيده.
وفرج بينهما ﵊ يعني: قارن بينهما وفرج، يعني أن كافل اليتيم مع النبي ﵊ في الجنة قريب منه، وفي هذا حث على كفالة اليتم، وكفالة اليتيم هي القيام بما يصلحه في دينه ودنياه؛ بما يصلحه في دينه من التربية والتوجيه والتعليم وما أشبه ذلك، وما يصلحه في دنياه من الطعام والشراب والمسكن.
واليتيم حده البلوغ، فإذا بلغ الصبي؛ زال عنه اليتم، وإذا كان قبل البلوغ فهو يتيم؛ هذا إن مات أبوه، وأما إذا ماتت أمه دون أبيه فإنه ليس بيتيم.
وكذلك الحديث الذي بعده فيه أيضًا ثواب من قام بشئون اليتيم وإصلاحه.
أما الحديث الثالث: فإن الرسول ﵊ يقول: «ليس المسكين الذي ترده التمرة التمرتان، ولا اللقمة واللقمتان، إنما المسكين الذي يتعفف» . يعني المسكين؛ ليس (الشحاذ) الذي (يشحذ) الناس، ترده اللقمة واللقمتان: يعني إذا أعطيته لقمة أو لقمتين أو تمرة أو تمرتين ردته، بل المسكين حقيقة هو الذي يتعفف كما قال تعالى: (يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ) [البقرة: ٢٧٣]، هذا هو المسكين حقيقة؛ لا يسأل فيُعطى ولا يتفطن له فيعطى. كما يقول العامة: عاف كاف، ما
[ ٣ / ٩٧ ]
يدرى عنه، هذا هو المسكين الذي ينبغي للناس تفقده وإصلاح حاله، والحنو عليه، والعطف عليه.
وفي هذا إشارة إلى أنه ينبغي للمسكين أن يصبر وأن ينتظر الفرج من الله، وأن لا يتكفف الناس أعطوه أو منعوه؛ لأن الإنسان إذا علق قلبه بالخلق وكل إليهم، كما جاء في الحديث: «من تعلق شيئًا وكل إليه» وإذا وكلت إلى الخلق نسيت الخالق، بل اجعل أمرك إلى الله ﷿، وعلق رجاءك وخوفك وتوكلك واعتمادك على الله ﷾ فإنه يكفيك، (وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ) [الطلاق: ٣]، كل ما أمر الله ﷿ به فهو بالغك، لا يمنعه شيء ولا يرده شيء.
فالمسكين يجب عليه الصبر، ويجب عليه أن يمتنع عن سؤال الناس لا يسأل إلا عند الضرورة القصوى؛ إذا حلت له الميتة حل له السؤال، أما قبل ذلك مادام يمكنه أن يتعفف ولو أن يأكل كسرة من خبز أو شقًا من تمرة فلا يسأل، ولا يزال الإنسان يسأل الناس، ثم يسأل الناس، ثم يسأل الناس حتى يأتي يوم القيامة وما في وجهه مزعة لحم، والعياذ بالله؛ لأنه قد قشر وجهه للناس في الدنيا، ولهذا ذم أولئك القوم الذين يترددون على الناس يسألونهم وهم أغنياء؛ الذين إذا ماتوا وجد عندهم الآلاف، توجد عندهم الآلاف من الذهب والفضة والدراهم القديمة والأوراق.
[ ٣ / ٩٨ ]
وهم إذا رأيتهم قلت: هؤلاء أفقر الناس، ثم يؤذون الناس بالسؤال، أو يسألون الناس وليس عندهم شيء لكن يريدون أن يجعلوا بيوتهم كبيوت الأغنياء وسياراتهم كسيارات الأغنياء، ولباسهم كلباس الأغنياء فهذا سفه، «المتشبع بما لم يعط كلابس ثوبي زور» اقتنع بما أعطاك الله؛ إن كنت فقيرًا فعلى حسب حالك، وإن كنت غنيًا فعلى حسب حالك.
أما أن تقلد الأغنياء وتقول: أنا أريد سيارة فخمة، وأريد بيتًا فارهًا، وأريد فرشًا، ثم تذهب تسأل الناس سواء سألتهم مباشرة قبل أن تشتري هذه الأشياء التي أردت، أو تشتريها ثم تذهب تقول: أنا علي دين وما أشبه ذلك فكل هذا خطأ عظيم، اقتصر على ما عندك، وعلى ما أعطاك ربك ﷿، واسأل الله أن يرزقك رزقًا لا يطغيك، رزقًا يغنيك عن الخلق وكفى. نسأل الله لنا ولكم التوفيق والسلامة.
* * *
٦/٢٦٥ - وعنه عن النبي ﷺ: «الساعي على الأرملة والمسكين كالمجاهد في سبيل الله» وأحسبه قال: «وكالقائم الذي لا يفتر، وكالصائم الذي لا يفطر» متفق عليه.
[ ٣ / ٩٩ ]
[الشَّرْحُ]
ذكر المؤلف ﵀ في هذا الباب: باب الرفق باليتامى والمستضعفين والفقراء ونحوهم، قول رسول الله ﷺ: «الساعي على الأرملة والمسكين كالمجاهد في سبيل الله» وأحسبه قال: «وكالقائم الذي لا يفتر، وكالصائم الذي لا يفطر»، والساعي عليهم هو الذي يقوم بمصالحهم ومؤنتهم وما يلزمهم.
والأرامل هم الذين لا عائل لهم سواء كانوا ذكورًا أو إناثًا، والمساكين هم الفقراء؛ ومن هذا قيام الإنسان على عائلته وسعيه عليهم، على العائلة الذين لا يكتسبون، فإن الساعي عليهم والقائم بمئونتهم ساع على أرملة ومساكين، فيكون مستحقًا لهذا الوعد ويكون كالمجاهد في سبيل الله، أو كالقائم الذي لا يفتر وكالصائم الذين لا يفطر.
وفي هذا دليل على جهل أولئك القوم الذين يذهبون يمينًا وشمالًا ويدعون عوائلهم في بيوتهم مع النساء، ولا يكون لهم عائل فيضيعون؛ لأنهم يحتاجون إلى الإنفاق ويحتاجون إلى الرعاية وإلى غير ذلك، وتجدهم يذهبون يتجولون في القرى وربما في المدن أيضًا، بدون أن يكون هناك ضرورة، ولكن شيء في نفوسهم، يظنون أن هذا أفضل من البقاء في أهليهم بتأديبهم وتربيتهم.
وهذا ظن خطأ، فإن بقاءهم في أهلهم، وتوجيه أولادهم من ذكور وإناث، وزوجاتهم ومن يتعلق بهم أفضل من كونهم يخرجون يزعمون أنهم يرشدون الناس وهم يتركون عوائلهم الذين هم أحق من غيرهم
[ ٣ / ١٠٠ ]
بنصيحتهم وإرشادهم، ولهذا قال الله تعالى: (وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ) [الشعراء: ٢١٤]، فبدأ بعشيرته الأقربين قبل كل أحد.
أما الذي يذهب إلى الدعوة إلى الله يومًا أو يومين أو ما أشبه ذلك، وهو عائد إلى أهله عن قرب فهذا لا يضره، وهو على خير - لكن كلامنا في قوم يذهبون أربعة أشهر، أو خمسة أشهر، أو سنة - عن عوائلهم؛ يتركونهم للأهواء والرياح تعصف بهم، فهؤلاء لا شك أن هذا من قصور فقهم في دين الله ﷿.
وقد قال النبي عليه الصلاة: «من يرد الله به خيرًا يفقهه في الدين» فالفقيه في الدين هو الذي يعرف الأمور، ويحسب لها، ويعرف كيف تؤتى البيوت من أبوابها، حتى يقوم بما يجب عليه.
* * *
٧/٢٦٦ - وعنه عن النبي ﷺ قال: «شر الطعام طعام الوليمة يمنعها من يأتيها، ويدعى إليها من يأباها، ومن لم يجب الدعوة فقد عصى الله ورسوله» رواه مسلم.
وفي رواية في «الصحيحين» عن أبي هريرة من قوله: «بئس الطعام طعام الوليمة يدعى إليها الأغنياء ويترك الفقراء» .
[ ٣ / ١٠١ ]
[الشَّرْحُ]
ذكر المؤلف رحمه الله تعالى فيما نقله عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «شر الطعام طعام الوليمة يمنعها من يأتيها ويدعى إليها من يأباها، ومن لم يجب الدعوة فقد عصى الله ورسوله» .
قوله ﵊: «شر الطعام طعام الوليمة» يحتمل أن يكون المراد بالوليمة هنا وليمة العرس، ويحتمل أن يكون أعم، وأن المراد بالوليمة كل ما دعي إلى الاجتماع إليه من عرس أو غيره، وسيأتي بيان ذلك في الأحكام إن شاء الله.
ثم فسر هذه الوليمة التي طعامها شر الطعام وهي التي يدعى إليها من يأباها ويمنعها من يأتيها، يعني يدعى إليها الأغنياء، والغني لا يحرص على الحضور إذا دعي؛ لأنه مستغن بماله، ويمنع منها الفقراء؛ والفقير؛ هو الذي إذا دعي أجاب، فهذه الوليمة ليست وليمة مقربة إلى الله؛ لأنه لا يدعى إليها من هم أحق بها وهم الفقراء؛ بل يدعى إليها الأغنياء.
أما الوليمة من حيث هي - ولا سيما وليمة العرس - فإنها سنة مؤكدة، قال النبي ﷺ لعبد الرحمن بن عوف: «أولم ولو بشاة» فأمره بالوليمة
[ ٣ / ١٠٢ ]
قال: «ولو بشاة» يعني ولو بشيء قليل، والشاة قليلة بالنسبة لعبد الرحمن بن عوف ﵁؛ لأنه من الأغنياء.
وقوله ﵊: «ومن لم يجب فقد عصى الله ورسوله» يدل على أن إجابة دعوة الوليمة واجبة؛ لأنه لا شيء يكون معصية بتركه إلا وهو واجب، ولكن لا بد فيها من شروط:
الشرط الأول: أن يكون الداعي مسلمًا؛ فإن لم يكن مسلما ً لم تجب الإجابة، ولكن تجوز الإجابة لا سيما إذا كان في هذا مصلحة، يعني لو دعاك كافر إلى وليمة عرس فلا بأس أن تجيب، لا سيما إن كان في ذلك مصلحة كتأليفه إلى الإسلام، وقد ثبت عن النبي ﷺ أن يهوديًا دعاه في المدينة، فأجابه، وجعل له خبزًا من شعير وإهالة سنخة؛ يعني ودكًا قديمًا متغيرًا.
وأما اشتراط العدالة: يعني اشتراط أن يكون الداعي عدلًا فليس بشرط، فتجوز إجابة دعوة الفاسق إذا دعاك مثل أن يدعوك إنسان قليل الصلاة مع الجماعة، أو حليق اللحية، أو شارب دخان، فأجبه كما تجيب من كان سالمًا من ذلك.
لكن إن كان عدم الإجابة يفضي إلى مصلحة بحيث يخجل هذا الداعي ويترك المعصية التي كان يعتادها حيث الناس لا يجيبون دعوته، فلا تجب دعوته من أجل مصلحته، أما إذا كان لا يستفيد سواء أجبته أو لم
[ ٣ / ١٠٣ ]
تجبه، فأجب الدعوة لأنه مسلم.
الشرط الثاني: أن يكون ماله حلالًا؛ فإن كان ماله حرامًا كالذي يكتسب المال بالربا؛ فإنه لا تجب إجابته لأن ماله حرام، والذي ماله حرام ينبغي للإنسان أن يتورع عن أكل ماله، ولكنه ليس بحرام، يعني لا يحرم عليك أن تأكل من مال من كسبه حرام؛ لأن النبي ﷺ أكل من طعام اليهود وهم يأكلون الربا؛ يأخذونه ويتعاملون به. لكن الورع أن لا تأكل ممن ماله حرام.
أما إذا كان في ماله حرام يعني ماله مختلط؛ يتجر تجارة حلالًا ويكتسب كسبًا محرمًا؛ فلا بأس من إجابته، ولا تتورع عن ماله؛ لأنه لا يسلم كثير من الناس اليوم من أن يكون في ماله حرام، فمن الناس من يغش فيكتسب من حرام، ومنهم من يرابي في بعض الأشياء، ومنهم الموظفون، وكثير من الموظفين لا يقومون بواجب الوظيفة، فتجده يتأخر عن الدوام، أو يتقدم فيخرج قبل وقت انتهاء الدوام، وهذا ليس راتبه حلالًا؛ بل إنه يأكل من الحرام بقدر ما نقص من عمل الوظيفة؛ لأنه ملتزم بالعقد مع الحكومة مثلًا أنه يقوم بوظيفته من كذا إلى كذا، فلو فتشت الناس اليوم لوجدت كثيرًا منهم يكون في ماله دخن من الحرام.
الشرط الثالث: ألا يكون في الدعوة منكر؛ فإن كان في الدعوة منكر فإنه لا تجب الإجابة، مثل لو علمت أنهم سيأتون بمغنين، أو عندهم (شيش) يشربها الحاضرون، أو عندهم شراب دخان فلا تجب إلا إذا كنت قادرًا على تغيير هذا المنكر، فإنه يجب عليك الحضور لسببين:
[ ٣ / ١٠٤ ]
السبب الأول: إزالة المنكر.
السبب الثاني: إجابة الدعوة.
أما إذا كنت ستحضر ولكن لا تستطيع تغيير المنكر؛ فإن حضورك حرام.
الشرط الرابع: أن يعين المدعو، ومعنى يعينه أن يقول: يا فلان أدعوك إلى حضورك وليمة العرس. فإن لم يعينه بأن دعا دعوة عامة في مجلس فقال: يا جماعة عندنا حفل زواج ووليمة عرس فاحضروا، فإنه لا يجب عليك أن تحضر؛ لأنه دعا دعوة عامة ولم ينص عليك.
فلابد أن يعينه فإن لم يعينه فإنها لا تجب، ثم إنه ينبغي للإنسان أن يجيب كل دعوة؛ لأن من حق المسلم على أخيه أن يجيب دعوته، إلا إذا كان في امتناعه مصلحة راجحة فليتبع المصلحة.
* * *
٨/٢٦٧ - وعن أنس ﵁ عن النبي ﷺ قال: «من عال جاريتين حتى تبلغا جاء يوم القيامة أنا وهو كهاتين» وضم أصابعه» رواه مسلم.
«جاريتين» أي: بنتين.
[الشَّرْحُ]
أما هذا الحديث ففيه فضل عول الإنسان للبنات، وذلك أن البنت قاصرة ضعيفة مهينة، والغالب أن أهلها لا يأبهون بها، ولا يهتمون بها،
[ ٣ / ١٠٥ ]
فلذلك قال النبي ﷺ: «من عال جاريتين حتى تبلغا؛ جاء يوم القيامة أنا وهو كهاتين» وضم إصبعيه: السبابة والوسطى، والمعنى أنه يكون رفيقًا لرسول الله ﷺ في الجنة إذا عال الجارتين؛ يعني الأنثيين من بنات أو أخوات أو غيرهما، أي أنه يكون مع النبي ﷺ في الجنة، وقرن بين إصبعيه ﵊.
والعول في الغالب يكون بالقيام بمئونة البدن؛ من الكسوة والطعام والشراب والسكن والفراش ونحو ذلك، وكذلك يكون في غذاء الروح؛ بالتعليم والتهذيب والتوجيه والأمر بالخير والنهي عن الشر وما إلى ذلك.
ويؤخذ من هذا الحديث ومما قبله أيضًا أنه ينبغي للإنسان أن يهتم بالأمور التي تقربه إلى الله لا بالأمور الشكليات، أو مراعاة ما ينفع في الدنيا فقط، بل يلاحظ هذا ويلاحظ ما ينفع في الآخرة أكثر وأكثر.
وقوله: «حتى تبلغا» يعني حتى تصلا إلى سن البلوغ؛ وهو خمس عشرة سنة، أو غير ذلك من علامات البلوغ في المرأة كأن تحيض ولو قبل خمس عشرة سنة، أو نبتت لها العانة أو احتلمت،
* * *
٩/٢٦٨ - وعن عائشة ﵂ قالت: دخلت على امرأة ومعها ابنتان لها تسأل، فلم تجد عندي شيئًا غير تمرة واحدة، فأعطيتها إياها فقسمتها بين ابنتيها ولم تأكل منها، ثم قامت فخرجت، فدخل النبي ﷺ علينا، فأخبرته فقال: «من ابتلي من هذه البنات بشيء فأحسن إليهن كن له سترًا من النار» متفق عليه.
[ ٣ / ١٠٦ ]
[الشَّرْحُ]
ذكر المؤلف - رحمه الله تعالى - عن عائشة ﵂ قصة عجيبة غريبة، قالت: دخلت عليّ امرأة ومعها ابنتان لها تسأل. وذلك لأنها فقيرة. قالت: فلم تجد عندي إلا تمرة واحدة - بيت من بيوت النبي ﵊ لا يوجد فيه إلا تمرة واحدة! - قالت: فأعطينها إياها فقسمتها بين ابنتيها نصفين، وأعطت واحدة نصف التمرة، وأعطت الأخرى نصف التمرة الآخر، ولم تأكل منها شيئًا.
فدخل النبي ﷺ على عائشة فأخبرته لأنها قصة غريبة عجيبة، فقال النبي ﷺ: «من ابتلي بشيء من هذه البنات فأحسن إليهن كن له سترًا من النار» وقوله ﷺ: «من ابتلي»: ليس المراد به هنا بلوى الشر، لكن المراد: من قدر له، كما قال الله تعالى: (وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ) [الأنبياء: ٣٥] يعني من قدر له ابنتان فأحسن إليهما كن له سترًا من النار يوم القيامة، يعني أن الله تعالى يحجبه عن النار بإحسانه إلى البنات؛ لأن البنت ضعيفة لا تستطيع التكسب، والذي يكتسب هو الرجل، قال الله تعالى: (الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ) [النساء: ٣٤] .
فالذي ينفق على العائلة ويكتسب هو الرجل، أما المرأة فإنما شأنها
[ ٣ / ١٠٧ ]
في البيت، تقيمه وتصلحه لزوجها وتؤدب أولادها، وليست المرأة للوظائف والتكسب إلا عند الغرب الكفرة ومن على شاكلتهم، ممن اغتر بهم فقلدهم وجعل المرأة مثل الرجل في الاكتساب وفي التجارة وفي المكاتب، حتى صار الناس يختلطون بعضهم ببعض، وكلما كانت المرأة أجمل؛ كانت أحظى بالوظيفة الراقية عند الغرب ومن شابههم ومن شاكلهم!
ونحن ولله الحمد في بلادنا هذه - نسأل الله أن يديم علينا هذه النعمة - قد منعت الحكومة حسب ما قرأنا من كتاباتها أن يتوظف النساء لا في القطاع العام ولا في القطاع الخاص إلا فيما يتعلق بالنساء ونسأل الله أن يديم علينا هذه النعمة؛ مثل مدارس البنات وشبهها. لكن نسأل الله الثبات، وأن يزيدها من فضله، وأن يمنعها مما عليه الأمم اليوم من هذا الاختلاط الضار.
ومما ورد في هذا الحديث من العبر:
أولًا: بيت من بيوت رسول الله ﷺ ومن أشرف بيوته، فيه أحب نسائه إليه، لا يوجد به إلا تمرة واحدة، ونحن الآن في بلدنا هذا يقدم للإنسان عند الأكل أربعة أصناف شتى، فلماذا فتحن علينا الدنيا وأغلقت عليهم؟ ! ألكوننا أحب إلى الله منهم؟ ! لا والله، هم أحب إلى الله منا، ولكن فضل الله يؤتيه من يشاء، ونحن ابتلينا بهذه النعم، فصارت هذه النعم عند كثير من الناس اليوم سببًا للشر والفساد والأشر والبطر، حتى فسقوا والعياذ بالله، ويخشى علينا من عقوبة الله ﷿ بسبب أن كثيرًا منا بطروا هذه
[ ٣ / ١٠٨ ]
النعم وكفروها، وجعلوها عونًا على معاصي الله ﷾ نسأل الله السلامة ـ.
ثانيًا: وفيه أيضًا ما كان عليه الصحابة ﵃ من الإيثار، فإن عائشة ليس عندها إلا تمرة ومع ذلك آثرت بها هذه المسكينة، ونحن الآن عندنا أموال كثيرة ويأتي السائل ونرده.
لكن بلاءنا في الحقيقة في رد السائل هو أن كثيرًا من السائلين كاذبون؛ يسأل وهو أغنى من المسؤول، وكم من إنسان سأل ويسأل الناس ويلحف في المسألة فإذا مات وجدت عنده دراهم الفضة والذهب الأحمر والأوراق الكثيرة من النقود! وهذا هو الذي يجعل الإنسان لا يتشجع على إعطاء كل سائل، من أجل الكذب والخداع، حيث يظهرون بمظهر العجزة وبمظهر المعتوهين والفقراء وهم كاذبون.
ثالثًا: وفي هذا الحديث أيضًا من العبر أن الصحابة ﵃ يوجد فيهم الفقير كما يوجد فيهم الغني، قال الله تعالى: (أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا) [الزخرف: ٣٢]، ولولا هذا التفاوت ما اتخذ بعضنا بعضًا سخريًا، ولو كنا على حد سواء واحتاج الإنسان منا مثلًا لعمل ما كالبناء، فجاء إلى الآخر فقال: أريدك أن تبني لي بيتًا، فقال: لا أبني، أنا مثلك، أنا غني، فإذا أردنا أن نصنع بابًا، قال الآخر: لا أصنع، أنا غني مثلك؛ فهذا التفاوت جعل الناس يخدم بعضهم بعضًا:
[ ٣ / ١٠٩ ]
الناس للناس من بدو وحاضرة بعض لبعض وإن لم يشعروا خدم
حتى التاجر الغني صاحب المليارات يخدم الفقير. كيف؟ ! يورد الأطعمة والأشربة والأكسية ومواد البناء وغيرها، يجلبها للفقير فينتفع بها، فكل الناس بعضهم يحتاج لبعض، ويخدم بعضهم بعضًا؛ ذلك حكمة من الله ﷿.
رابعًا: وفي هذا الحديث أيضًا دليل على فضل من أحسن إلى البنات بالمال، والكسوة، وطيب الخاطر، ومراعاة أنفسهن؛ لأنهن عاجزات قاصرات.
خامسًا: وفيه ما أشرنا إليه أولًا من أن الذي يكلف بالنفقة وينفق هم الرجال، أما النساء فللبيوت ولمصالح البيوت، وكذلك للمصالح التي لا يقوم بها إلا النساء كمدارس البنات.
أما أن يجعلن موظفات مع الرجال في مكتب واحد، أو سكرتيرات كما يوجد في كثير من بلاد المسلمين، فإن هذا لا شك خطأ عظيم، وشر عظيم، وقد قال النبي ﵊: «خير صفوف الرجال أولها وشرها آخرها، وخير صفوف النساء آخرها وشرها أولها»؛ لأن أولها قريب من الرجال فصار شرًا، وآخرها بعيد عن الرجال فصار خيرًا. فانظر
[ ٣ / ١١٠ ]
كيف نُدب للمرأة أن تتأخر وتبتعد عن الإمام، كل ذلك من أجل البعد عن الرجال، نسأل الله أن يحمينا وإخواننا المسلمين من أسباب سخطه وعقابه.
* * *
١٠/٢٦٩ - وعن عائشة ﵂ قالت: جاءتني مسكينة تحمل ابنتين لها فأطعمتها ثلاث تمرات، فأعطت كل واحدة منهما تمرة ورفعت إلى فيها تمرة لتأكلها، فاستطعمتها ابنتاها، فشقت التمرة التي كانت تريد أن تأكلها بينهما، فأعجبني شأنها، فذكرت الذي صنعت لرسول الله ﷺ فقال: «إن الله قد أوجب لها بها الجنة، أو أعتقها بها من النار» رواه مسلم.
١١/٢٧٠ - وعن أبي شريح خويلد بن عمرو الخزاعي ﵁ قال: قال النبي ﷺ: «اللهم إني أحرج حق الضعيفين: اليتيم والمرأة» حديث حسن رواه النسائي بإسناد جيد.
ومعنى: «أحرج»: ألحق الحرج، وهو الإثم بمن ضيع حقهما، وأحذر من ذلك تحذيرًا بليغًا، وأزجر عنه زجرا أكيدًا.
١٢/٢٧١ - وعن مصعب بن سعد بن أبي وقاص ﵄ قال: رأى سعد أن له فضلًا على من دونه، فقال النبي ﷺ: «هل تنصرون وترزقون إلا
[ ٣ / ١١١ ]
بضعفائكم» رواه البخاري هكذا مرسلًا، فإن مصعب بن سعد تابعي، ورواه الحافظ أبو بكر البرقاني في صحيحه متصلًا عن مصعب عن أبيه ﵁.
١٣/٢٧٢ - وعن أبي الدرداء عويمر ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «ابغوني الضعفاء، فإنما تنصرون وترزقون بضعفائكم» رواه أبو داود بإسناد جيد.
[الشَّرْحُ]
هذه الأحاديث كلها تدل على مضمون ما سبق من الرفق بالضعفاء واليتامى والبنات وما أشبه ذلك، وفي حديث عائشة الأول قصة كحديثها السابق، لكن الحديث السابق أن عائشة ﵂ أعطتها تمرة واحد فشقتها بين ابنتيها.
أما هذا الحديث فأعطتها ثلاث تمرات، فأعطت إحدى البنتين واحدة، والثانية التمرة الأخرى، ثم رفعت الثالثة إلى فيها لتأكلها، فاستطعمتاها - يعني أن البنتين نظرتا إلى التمرة التي رفعتها الأم - فلم تطعمها الأم بل شقتها بينهما نصفين، فأكلت كل بنت تمرة ونصفًا والأم لم تأكل شيئًا. فذكرت ذلك للرسول ﷺ وأخبرته بما صنعت المرأة، فقال: «أن الله أوجب لها بها الجنة، أو أعتقها بها من النار» يعني: لأنها لما
[ ٣ / ١١٢ ]
رحمتهما هذه الرحمة العظيمة أوجب الله لها بذلك الجنة.
فدل ذلك على أن ملاطفة الصبيان والرحمة بهم من أسباب دخول الجنة والنجاة من النار. نسأل الله أن يكتب لنا ولكم ذلك.
وفي الأحاديث الثلاثة التالية لهذا الحديث ما يدل على أن الضعفاء سبب للنصر وسبب للرزق، فإذا حنَّ عليهم الإنسان وعطف عليهم وآتاهم مما آتاه الله ﷿؛ كان ذلك سببًا للنصر على الأعداء، وكان سببًا للرزق؛ لأن الله تعالى أخبر أنه إذا أنفق الإنسان لربه نفقة فإن الله تعالى يخلفها عليه. قال الله تعالى: (وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ) [سبأ: ٣٩]، يخلفه: أي يأتي بخلفه وبدله.
[ ٣ / ١١٣ ]